← Акыда

Акыда · id 9933

قدم العالم وتسلسل الحوادث

كاملة الكواري

Полный текст (277 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قدم العالم وتسلسل الحوادث بين شيخ الإسلام ابن تيمية والفلاسفة مع بيان من أخطأ في المسألة من السابقين والمعاصرين راجعه وقدم له فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سفر الحوالي تأليف كاملة الكواري

стр. 2

تقديم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: سفر الحوالي

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والصلاة والسلام على معلم البشرية كل خير وهدى نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... . وبعد: فإن الله تعالى برحمته التي وسعت كل شيء قد يسر القرآن للذكر، وأغنى بالوحي عن وساوس القلوب وأوهام الفكر، وجعل هذه الأمة أكمل الأمم عقولاً وأعمقها إيماناً، فهم الآخرون زماناً السابقون فضلاً وإحساناً، أمة أمية لم تكن تحسب ولا تكتب ولكنها أصح الأمم حساباً (١) وأحفظها كتاباً، تنال المطالب العالية بالوسائل العادية بل تمشي رويداً وتجيء في الأول، عجائزها في البادية تفقه من حقائق الوجود ما تقاصرت عنه أكابر العقول في الفلسفات كلها، الآيات الجلية في متناول يديها بلا عناء والبراهين العقلية تجري على ألسنتها بلا كلفة، منطقها في نفس لغتها، وتفكيرها بنفس قلوبها، فلا محادة بين القلب والفكر ولا مناكرة بين العقل والنقل. هذا ما وهبها الله واختصها به، ولكن سبق القلم باقتفائها آثار من سبقها من الأمم فأبت طائفة منها إلا عبور المضايق الدقيقة وركوب اللجج العميقة بلا

стр. 4

دليل معصوم ولا اهتداء بالنجوم، وإنما اعتمدوا فيما يزعمون على عقولهم المجردة، فتاهوا وضاعوا ولم يجدوا هناك إلا حطام من تاه قبلهم وضاع من مغامري الأمم المحرومة من نور الوحي، وخيرهم من عاد إلى الشاطىء كسير الفؤاد حسير النظر ورضي بالتسول مع العجائز المعدمات على أبواب أهل اليقين والثبات. إن هؤلاء - وبدون إتهام لمقاصدهم وتنقيص لعقولهم - لم يفقهوا أن النظر العقلي كالنظر البصري له حدوده التي لا يتجاوزها مهما تطورت وسائله واتسعت آفاقه. الا ترى أن أكبر مرصد فلكي في العالم ينقلب خاسئاً وهو حسير إذا تعمق في أبعاد الكون، كما كان ينقلب طرف العربي قبل أربعة عشر قرناً حين يقلبه في السماء مجرداً من كل آلة. ألا ترى أن حقائق الرياضيات التي تقطع الأمل في اجتياز حدود العقل البشري لم تتغير في جوهرها منذ " أرخميدس " حتى الآن، وإن تغيرت الوسائل وتطورت النظريات، والفرق أن " أرخميدس " كان يعد الأشياء بعدد ذرات الرمل أما العلم الحديث فيقيسها بذرات الكون بل بمحتوى الذرة، ويستخدم أرقاماً خيالية لا يمكن تسميتها ولا كتابتها فيقول مثلاً: إنك لو افترضت رقماً هو عبارة عن واحد وعلى يمينه من الأصفار ما لو جعلت الأرض ورقة واحدة لوصل خط الأصفار إلى نهايتها بل لو ضاعفت الورقة مليارات الأضعاف ثم قارنت هذا الرقم باللانهاية لكانت نسبته هو والرقم (واحد)

стр. 5

سواء (١) . ويقول هذا العلم: إن الكون نشأ عن الانفجار العظيم وظل يتمدد ولا يزال، والسؤال: أين يتمدد بل أين وقع الانفجار؟ إن العقل البشري لا يستطيع أن يتخيل الانفجار والتمدد إلا في مكان وزمان، ولكن العلم يقول: إن هذا التخيل خطأ قطعاً! فالزمان والمكان إنما وجدا داخل العالم لا قبله ولا خارجه، وإذن فلا جواب على هذا السؤال أبداً! (٢) . وهكذا فالزمان والمكان وكل ما تدركه حواسنا من الموجودات هي من النسبية بحيث لا يحق لنا ادعاء تصور كنه حقائقها فضلاً عن التحدث عنها وصدق الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ وصدق جل شأنه حين قال: ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ وإذا ثبت هذا في المحسوسات فما بالك بما لا يدخل تحت الحواس، بل لا يمكن أن يدخل تحت خيالنا المحدود، فأي سخافة وحماقة ترتكبها أمة الوحي المعصوم حين ترجع في

стр. 6

هذه الحقائق إلى عقل طاليس وأرسطو وأفلاطون وغيرهم من خراصي الأزمان الغابرة، في حين أن علماء الكون من سلالة هؤلاء وجنسهم لا يعتدون لهم برأي بل لا يذكرون آراءهم إلا على سبيل التمثيل للسذاجة العلمية والبدائية في التفكير، ولا يخدعنك وصف كبار المتكلمين لهم بأنهم جهابذة الحكماء أو هرامسة الدهور، فما أدخل الأمة في جحر الضب إلا هؤلاء وأشباههم وعليه فحين يدافع شيخ الإسلام عن الحق في قضية دقيقة المنزع بعيدة الغور وهي قضية دوام الحوادث أزلاً وأبداً ويُعمل عقله الجبار وقلمه السيال فيها حتى يستنزف المجلدات وحتى ليكاد الجاهل يحسبه يتكلم بما لا يفهم ويخوض في محيط لا يقتحم فإنما يدافع عن النقل الصحيح والعقل الصريح معاً، وليس ترفاً من البحث كما قد يظن بعضهم! ولا ولوعاً بالحشو كما افترى أعداه! . إنه يدافع عن المعرفة البشرية عامة لكي تظل حرة من قيود التقليد وأسر الجمود - دون مبالاة بقول من يقول إنه وافق الفلاسفة الدهرية أو شذ عن إجماع متكلمي الأمة!! - لأنها متى تحررت كانت قادرة على فهم الوحي وإنزاله منزلته فإما أن تؤمن به وإما أن تقوم الحجة الرسالية عليها، أما خلط حقائق الوحي بزبالات العقول الخراصة فإنه يزعزع إيمان المؤمنين ويكون فتنة للجاحدين وهذا - مع بالغ الأسى - ما فعله المتكلمون. لقد أشرقت شمس الإسلام على العالم وهو يتخبط في ركام هائل من مخلفات الأمم الغابرة، ما بين أديان محرفة وفلسفات متناقضة وعبادات باطلة أهمها هنا الفلسفة اليونانية التي ورثت حثالة الفلسفات وأورثتها لمتفلسفي المسلمين، واشتهر لها مذهبان أو مدرستان: - الأولى: الفلسفة التي تدعي أن وسيلة المعرفة الكشف والإيحاء، وتسمى

стр. 7

الإشراقية ويسميها متفلسفة المسلمين المشرقية وشيخها " أفلاطون ". والأخرى: الفلسفة التي تدعي أن وسيلة المعرفة النظر والاستدلال وهؤلاء هم أصحاب المنطق وشيخهم " أرسطو ". وكلا النوعين ورث عن بقايا النبوات شيئاً من الحق كما ورث عن قدماء المشركين - لا سيما الصابئة - الشرك بالله تعالى وعبادة الكواكب والسحر وتقديس الأضرحة، فلا يكاد يثبت لأي منهما في باب الإعتقاد والتأله ابتكار أو إبداع يهتدي به الضال أو يستيقن به الشاك، وغاية ما أحدثوه في الشكل لا المضمون كما في علم المنطق. ومن أعظم القضايا التي خاض فيها هؤلاء بل كل الفلاسفة في قديم الدهر وحديثه قضيتان: - (١) حدوث العالم أو قدمه. (٢) إثبات النبوة أو عدمه. وفي القضية الأولى: ذهبت المدرسة الأولى إلى أن العالم محدث بعد أن لم يكن وإن لم تفقه قضية الخلق كما تفقهها الأمم الكتابية. في حين ذهبت الأخرى إلى أن الأفلاك قديمة لا أول لها، ونسجت عن نشأة الوجود خرافة لا نطيل بذكرها (١) ، وظهر هذا الاختلاف في أتباع كلا المدرستين من متفلسفة المسلمين

стр. 8

مثلما بين ابن رشد وابن سينا. وحينما يتصدى المشتغلون بالكلام المذموم لهؤلاء وأرادوا إثبات حدوث العالم لكن بغير طريق الوحي وعلى غير منهج القرآن دخلوا في المتاهات التي أشرنا إليها وخاضوا فيما لا طاقة للعقول بالاستقلال به ولا قبل لها بالوصول إلى غايته. فقد تعمق هؤلاء في الحديث عن أصل الموجودات - أو الحوادث كما سموها - وعلاقة ذلك بأولية الخالق تعالى وتفرده بالقدم، وارتكبوا خطأ قاتلاً حين قرروا أن العقل يحكم باستحالة حوادث لا أول لنوعها - أي غير مسبوقة بالعدم المطلق - وظنوا أن الرسل جاءوا بإثبات ذات معطلة عن الخلق زماناً ثم خلقت، وعليه فلا يصح عندهم وصف أفعال الله تعالى بأنها أزلية! ! . والعجب أنهم يسلمون بدوان الحوادث - أو تسلسلها - في المستقبل لكن حصرت عقولهم عن تجويزه في الماضي توهماً منهم أن ذلك قول بقدم العالم وأصروا على هذا الأصل الفاسد الذي لا برهان عليه من عقل ولا نقل حتى أن منهم من شذ فالتزم القول بمنع ذلك في المستقبل أيضاً وقال بفناء الجنة والنار أو فناء حركاتهما!!. ووفق الله أهل السنة والجماعة فأثبتوا أن أفعاله تعالى أزلية أبدية وأن ذلك مقتضى اتصافه جل شأنه بصفات الكمال فكانوا بذلك أعمق الناس إيماناً وأسدهم عقولاً وافقوا الحق ووفقوا بين العقل والنقل دون إيغال ولا تكلف ولم يتخلوا عن بعض الحق من أجل إثبات بعضه الآخر. وحسبك بأمثال الإمام أحمد وابن المبارك والبخاري والدارمي علماً وفهماً. فهذا لب الصراع في القضية الأولى.

стр. 9

وأما القضية الأخرى " إثبات النبوة " التي بها يفتح باب السمعيات كافة فتواطأ على إنكارها أو تأويلها الفلاسفة كلهم وتبعهم الباطنية وغلاة الصوفية وخيرهم طريقة من قال: (إن الشريعة والفلسفة رصيفان والنبي والفيلسوف سيان) ولا يهمنا هنا من الحديث عنها إلا بيان الرابط بينها وبين الأولى فإن المتكلمين لما أخطأوا في تقرير مسألة حدوث العالم وأصلوا ذلك الأصل الفاسد جاءوا إلى هذه القضية وصاغوا برهان إثباتها بما يرجع إلى الأولى التي ضلوا فيها وتقهقروا فكانت الكارثة مضاعفة. لقد صاغ هؤلاء القوم برهان إثبات النبوة وصدق الرسول الذي هو أصل الأصول في سلسلة من القضايا ما أنزل الله بها من سلطان ولا قام عليها من العقل الصحيح برهان، وهي: - (أنه لا أحد يثق بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم ولا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات، ولا تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح - يعنون المرسل وهو الله تعالى - ولا يثبت أنه لا يفعل القبيح إلا إذا ثبت أنه عالم بقبحه عالم باستغنائه عنه ولا يكون مستغنياً إلا إذا كان غير جسم، ولا يكون غير جسم إلا إذا ثبت إنه قديم) (١) . ومن الواضح أن هذه السلسة كلها تتساقط إذا نقضت قاعدتها أي آخر قضاياها، فمن زعم أو ادعى أن المرسل غير قديم، - أو أن العالم قديم - فقد أبطل تلك القضايا كلها ومنها إثبات النبوة، وكذلك عندهم من زعم أنه جسم! .

стр. 10

وهكذا استمات هؤلاء واستبسلوا في إثبات أن الأجسام كلها حادثة، وأن المحدث لها ليس جسماً، وبالتالي لا يتصف بصفات الأجسام، ومن هنا وقعوا في التعطيل واتبعوا فلاسفة اليونان في وصف الله تعالى بالتجريد والإطلاق دون صفة ثبوتية، على تفاوت بينهم في ذلك لكن الأصل الذي اتفقوا عليه في حدوث العالم ومنع دوام الحوادث في الماضي ونفي حلول الحوادث بالله هو الذي دارت عليه مؤلفات القوم وعنه تشعبت أقوالهم. فقد ورثوا عن اليونان أن الأجسام لا تخلو عن الأكوان الأربعة (١) [وهي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون] وهذه الأكوان هي في الحقيقة أعراض (٢) . فمن هنا اعتمدت كل طائفة منهم طريقة في إثبات حدوث الأجسام: - ١- فالمعتزلة اعتمدوا طريقة الحركة والسكون وتبعهم إمام الأشعرية المتأخرين الرازي. ٢- والأشعرية كالجويني والآمدي اعتمدوا طريقة الأعراض. ٣- والأشعري نفسه والكرامية اعتمدوا طريقة الاجتماع والافتراق (٣) .

стр. 11

وبعد أن قررت كل طائفة حدوث الأجسام على طريقتها توصلوا إلى إثبات حدوث العالم وقدم الخالق بأساليب مختلفة: - إما بالقول بـ (أن ما لم يسبق المحدث محدّث فتكون الحوادث كلها لها أول لأن كلاً منها له أول وما ثبت لآحادها ثبت لمجموعها لأنها ليست سوى آحادها) (١) وهذا أصل نفيهم دوام الحوادث والتشبث بأن لها أولاً مع ما يستلزمه ذلك من لوازم باطلة أظهرها تعطيل الخالق عن الفعل أزلاً بل وعن الكلام والإرادة وغيرها. وإما بالقول بـ (أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث) فوجب عندهم تنزيه الله تعالى عن أن يقوم به ما جعلوه حوادث كالكلام والإرادة والغضب والرضا، وجعلوا ذلك هو حقيقة الوحيد، واتهموا من أثبت تلك الصفات إما بانه مشرك لأنه أثبت تعدد القدماء، أو مجسم مشبه لأنه أثبت لله ما هو من خصائص المحدثات (٢) . ولم توفق أية طائفة منهم إلى التفريق بين نوع الحوادث وآحادها وأن حكم المجموع قد يخالف حكم الواحد عقلاً وشرعاً وحساً، وإلى فهم ان نفي اتصاف

стр. 12

الرب بالأفعال الاختيارية هو تنقص لكماله شرعاً وعقلاً. بل التزمت كل طائفة لوازم باطلة كالقول بأنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار كما ذهبت المتفلسفة. أو القول بان الفعل هو عين المفعول وأن صفاته تعالى ومنها كلامه مخلوقات منفصلة عنه كما هو مذهب غلاة النفاة من الجهمية والمعتزلة، أو أنها قديمة لازمة لذاته لا تجدد فيها ولا تعلق لها بإرادته ومشيئته كما هو مذهب الأشعرية ومن وافقهم. وهكذا نجد أن الطريق الذي بدأ من قضية واحدة وفرض خطأ وهو أن هذا العالم مسبوق بالعدم المطلق واستخدم ذاك البرهان المزعوم تشعب إلى متاهات لا قرار لها، فأصبحت هذه القضية ملتقى جملة من الأصول العقدية الكبرى التي تضاربت فيها الآراء قديماً وحديثاً - وكل قضية منها آخذة بعنق أختها فالحديث عن واحدة منها مستلزم الحديث عن الأخريات - وهي: - (١) حدوث العالم وطريقة الاستدلال عليه وهل هو مخلوق بالإرادة والفعل الاختياري أم بطريقة الفيض والصدور واستلزام العلة للمعلول الخ. (٢) الحوادث وهل لها أول او لا أول لها وعلاقة ذلك بما بعده وهو: (٣) قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى. (٤) إثبات النبوة والطريق الحق إلى ذلك. (٥) مفهوم التوحيد أو التنزيه عند طوائف الأمة وغيرهم. فالموضوع إذن على جانب عظيم من الأهمية ولابد لمن أراد الانتصار للحق من أمور: - (١) ... أن يرفض تلك السلسلة العقلية المزعومة من أصلها برفض أن يكون

стр. 13

إثبات النبوة متوقفاً على المعجزات كما فسروها (١) والتأسيس لذلك بأن المعرفة بالله بل وبصدق الرسول ﷺ لا تنحصر في النقل وحده بل يتضافر عليها العقل والنقل. (٢) ... نقض المقدمات التي قررها المخالفون ونقد المصطلحات التي تركبت منها (مثل الأزل، الزمان، الجسم، الحادث، الجوهر، العرض، التسلسل، التغير، الخ) . (٣) ... إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى نقلاً وعقلاً واتصافه جل شأنه بكل صفات الكمال المطلق. (٤) ... بيان التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب. (٥) ... إظهار الفرق بين إثبات قدم نوع الحوادث وإثبات قدم أعيانها وبيان أن قدم نوع الحوادث هو مقتضى إثبات الفعل والإرادة والكلام لله تعالى أزلاً بل هو مقتضى الحياة لأن كل حي فاعل بحسب ما يليق به من أنواع الفعل والله تعالى حي قيوم لا أول لذلك باتفاق المسلمين فلزم إثبات فعله أزلاً. وأهل السنة مجمعون على إثبات نوع كلامه أزلاً وإن كانت آحاد كلامه - مثل تكليمه لموسى ﵇ حادثة ولهذا سهل عليهم إثبات نوع الحوادث أزلاً لأن فعله تعالى يكون بكلامه ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ فثبت له تعالى نوع الكلام ونوع الخلق أزلاً كما ثبت له الحياة أزلاً (٢)

стр. 14

فهو تعالى لم يزل ولا يزال يخلق شيئاً بعد شيء أو عالماً بعد عالم بلا أول لذلك في الماضي ولا آخر للمستقبل فإن عسر عليك فهم هذا فاعتبره بما لا يزال يخلق في الجنة من أنواع النعيم الذي لا ينتهي أبداً وما قدرته مستقبلاً قدره ماضياً جاعلاً ذلك في النوع لا في الأفراد واستعن على تصور المسألة ومحاجة المخالفين بهذا البراهين المسمدة من كلام شيخ الإسلام ﵀: - ١- أن الحادث المعين والحوادث المتناهية - ولو قدرت ألف ألف ألف حادث - سواء في الحكم بالنسبة إلى ما لا يتناهى (١) وهذا يذكرك بما سبق الحديث عنه في أول المقدمة. ٢- أن افتقار مجموع الحوادث إلى محدث هو مثل افتقار الواحد منها بل أعظم " فليس في تقدير حوادث لا تتناهى ما يوجب استغناءها عن القديم (٢) ومن ثم فلا مشابهة بين القول بهذا وقول الفلاسفة الدهرية. ٣- أنه ما من زمن يفترضه العقل حداً لابتداء الخلق إلا أمكنه أن يتصور قبله زماناً ابتدأ فيه الخلق فيكون هذا الزمان الآخر أولاً له وما تصوره العقل في الثاني يصدق عليه ما صدق على الأول وهكذا إلى ما نهاية (٣) .

стр. 15

فالعقل البشري عاجز عن تصور اللانهاية لكنه يجب أن يتعامل معها باعتبارها حقيقة فلا يتكلف تصورها ولا يتعسف بنفيها. ٤- يمكن للعقل أن يتصور أنه ما من حادث إلا وقبله حادث كما يتصور أنه ما من حادث إلا وبعده حادث وما من عدد إلا وبعده عدد وهو يعلم أن كل حادث فله أول وكل منقضٍ فله آخر وكل عدد فله حد ومنتهى وإن لم يكن لجنس العدد حد ومنتهى (١) . ٥- أن يقال لمن يقول إن الله تعالى خلق شيئاً هو أول مخلوقاته بإطلاق أيجوز أن يخلق الله قبله شيئاً أو يمتنع؟ فإن قال يجوز فهذه هي المسألة فقد أجاز حوادث لا أول لها، وإن قال لا يجوز فقد قال بغير علم وعطل الباري عن صفاته وسقط في هوة التجهم. فالمسألة مع كونها من محارات العقول سهلة على من وفقه الله لفهمها، وفيها من إثبات عظمة الله تعالى وسعة ملكه وقدم سلطانه ما تعجز العقول عن إدراكه. والمقصود: أن هذه الأمور العظيمة والأصول الكبرى إنما جلاها وفصلها وتعمق في معقولها ومنقولها ونقد وقارن وفصل بين الطوائف المختلفة فيها في كلياتها وجزئياتها العالم الفرد والعلم الفذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) الذي

стр. 16

قيضه الله لهذه الأمة والناس في هذه الأصول ثلاث طرق: - الأولى: المتكلمون الذين سلموا ببعض أصول الفلسفة، وأصلوا ذلك الأصل الأفسد في حدوث العالم، وأهملوا ما جاء به الرسول ﷺ حتى أنهم في مؤلفاتهم عن الأقوال والفرق لا يكادون يذكرون ما جاء به الرسول ﷺ أصلاً. وعلى أيديهم حدثت الفتن الجسام كفتنة القول بخلق القرآن وفتنة القول بوجوب التأويل وغيرها. وبقيتهم في المتأخرين الكوثري (١) وتلامذته. والطائفة الثانية: الفلاسفة المثبتون لقدم العالم وعمدتهم هو نقض ما قرره أولئك إذ شغبوا على أهل الكلام قائلين: كيف تحول الأمر من الامتناع الذاتي إلى الإمكان أو الوجوب الذاتي؟ وكيف ترجح الفعل بلا مرجح؟ وغير ذلك من اللوازم فليس لهم على الحقيقة حجة إلا فساد قول أولئك!! . والطائفة الثالثة: المنتسبون للسنة والحديث بلا خبرة في العقليات فكانوا فتنة للطائفتين السابقتين وغرضاً لسهام الفريقين، ومن تفريطهم دخلتا وعلى

стр. 17

أكتافهم تسلقتا وهم الذين عبر عنهم شيخ الإسلام بقوله: " من انتحل مذهب السلف مع الجهل بمقالهم أو المخالفة لهم بزيادة أو نقصان ... .." (١) وبقاياهم في زماننا على ثلاثة أصناف: - ١- من أعرض عن هذه المسائل بالكلية - مع أنها لا تزال تقرر في كثير من معاهد العلم الشرعي في أنحاء المعمورة - وتعلل بالنهي عن الخوض في علم الكلام، وهذا حق ولكن مسألة على هذا القدر من الأهمية بلوازمها واشتهار الكلام فيها لا ينبغي الجل بها ولا تجاهلها (٢) وترك أهل البدع يثلمون عرض الشيخ ويفرون اديمه ويفتنون العامة بل طلبة العلم من أهل السنة. ٢- من تجرأ فخطأ شيخ الإسلام وصرح برفض قوله وجعله مخالفاً لما اتفق عليه العلماء (٣) .

стр. 18

٣- من ادعى أن هذا ليس هذا مذهب شيخ الإسلام وجعل ذلك تبرئة لساحته ودفاعاً عنه فكابر عقول قراء الشيخ كلهم ولزمه تخطئة من خالف الشيخ ومن وافقه سواء، فابن القيم مثلاً مخطىء حين وافق الشيخ على ما ليس مذهبه والألباني مثلاً مخطىء حين خالف الشيخ فيما ليس مذهبه.

стр. 19

وصدق من قال عدو عاقل خير من صديق جاهل (١) .

стр. 20

ولا ريب أن المسألة بتفصيلاتها ولوازمها دقيقة المنزع وعرة المسلك بعيدة الغور إلا أننا نذكر خلاصة ما يجب على المسلم - لا سيما طالب العلم - معرفته في هذا الشأن وهو هذه الأمور: - ١- ... أن الله تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء. ٢- أن الله تعالى متصف بصفات الكمال أزلاً وأبدلاً ومنها كونه خالقاً لما يشاء متى شاء فعال لما يريد فلم يأت عليه زمن كان معطلاً فيه عن الخلق او الكلام أو غير ذلك من صفات كماله ونعوت جلاله. ٣- أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق له مربوب كائن بعد أن لم يكن. وبعد هذا إن أمكنه أن يفهم الفرق بين النوع والآحاد وبين حكم الواحد وحكم المجموع فقد انكشف له أصل المسألة، وإن لم يفهمه فلا يضيره الوقوف بالساحل وإنما الضير في التخبط بلا هدى، وأسوأ منه الجهل المركب الذي اشترك فيه من كفروا الشيخ أو خطأوه ومن دافع عنه بنفي ما يعلم كل مطلع على كتبه أنه من مشهور أقواله. وقد كان من دواعي دهشتي وإعجابي أن تتصدى الباحثة الفاضلة لهذا الموضوع الذي قصرت عنه همم كثير من المتخصصين وتقدم عليه حين أحجموا وتفهم ما عجز عن فهمه كثير من أهل السنة والبدعة على السواء، وتطلع بهذا المؤلف الذي يدل على عمق في التفكير وجلد على البحث العسير مما يبشر لها بمستقبل علمي زاهر بإذن الله تعالى وإنني إذ أسجل شكري لها وإعجابي بعملها لأوصيها بأن تفيد من ملاحظات العدو والصديق على السواء؛ وأن تجتهد في تحسين الأسلوب والصياغة ليتناسب مع ما لديها من عمق الفكرة وجودة الفهم

стр. 21

ودقة الملاحظة ولا أحسب هذا عليها صعباً بإذن الله، والله الموفق للصواب المتكرم بالقبول والحمد لله رب العالمين أولاً وأخيراً،،، سفر بن عبد الرحمن الحوالي

стр. 22

مقدمة المؤلفة

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين أما بعد،، فإن من سنن الله أن يبتلى عباده المؤمنين وأكملهم الأنبياء ولهذا كانوا أكثر بلاء ـ وان من مظاهر ذلك أن خلق الله من يعاديهم فخلق لإبراهيم ﵇ النمرود، ولموسى ﵇ فرعون، ولمحمد ﷺ أبا جهل وأبا لهب ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً﴾ وبعد الأنبياء يبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل وإن من بين هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية الذي شهد التاريخ وسجل في صفحاته كم لاقى من صنوف البلاء وأنواع المحن إلا ان هناك محنة وقع فيها تكاد تكون مشتركة لأكثر الناس وهي محنة الافتراء والكذب والظلم للإنسان حسداً أو حقداً أو كرهاً، أو لغير ذلك من الأسباب، وقد يطعن الطاعن فيه جهلاً من غير قصد كأن لم يتحقق من كلامه بل من وشاية سمعت، أو ظاهر عبارة لم يقصد مرادها وله نص صريح يخالف هذا الظاهر ولم يقف عليه الطاعن، أو غير ذلك. ولقد كثر الطعن في شيخ الإسلام بسبب ما نسب إليه من القول بقدم العالم وأنه وافق في ذلك الفلاسفة من أمثال ابن سينا والفارابي وابن رشد الحفيد وحكموا عليه بالضلال أو الكفر!!!! وليست هذه الفرية من صنع أجيال اليوم وأقلام الحاضر بل هي من قرون قديمة من صنع معاصريه ثم استمرت إلى زماننا هذا حتى تورط بعض محبي شيخ الإسلام ومن هم على عقيدة السلف الكرام، بمقالة الطاعنين بل صرحوا

стр. 24

بمخالفة ما قاله شيخ الإسلام. وكم كنت أتمنى أن يدافع عنه العلماء القادرون وبخاصة من أهل نجد أو الحجاز الذين اشتهروا بالدفاع عن عقيدة السلف وحمل لوائه ونشره. ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام وقد فكرت منذ زمن أن أكتب في هذا الموضوع إلا أني كنت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، أما سبب إقدامي فسأذكره في الباعث على الخوض في هذا الموضوع، وأما تأخيرها فخشية عدم الاتقان والتوفيق وقد قال شيخ الإسلام في درء التعارض (١/٣٥٧) : فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين ا ٠ هـ. ثم شرح الله صدري للكتابة مستعينة به ومتوكلة عليه ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ الباعث على الخوض في غمار هذا الموضوع: الذي دعاني للكتابة في هذا الموضوع أمور: ١- علمي بالظلم الذي وقع على شيخ الإسلام في هذه المسألة حتى نسب إلى الكفر!!! ٢- استمرار أهل الباطل في نشر هذا الطعن والاتهام بكل وسائل الدعوة المرئية والمكتوبة والمسموعة حتى صدق محبو شيخ الإسلام هذه الفرية بل وكانوا على استحياء منها وودوا ألا يلج ابن تيمية هذا المولج!!

стр. 25

٣- أنني لم أجد من جلّى هذه المسألة ووضحها وإن كان لبعضهم جهد مشكور سأذكره. ٤- وقوع كثير من طلبه العلم الذين هم على عقيدة السلف في اللبس، وعدم فهم مراد شيخ الإسلام مع انهم يعتقدون بأن الله لم يزل فعالاً وخالقاً ومتكلماً، وهذا هو مراد شيخ الإسلام كما سيتضح، وبعضهم يقول هو خالق بالقوة وهذا تجويز لحوادث لا أول لها كما سيأتي. ٥- إحجام أهل الحق عن الكتابة خشية طعن الخصوم، وخشية عدم فهم كلام شيخ الإسلام. الجهود السابقة في الموضوع: هناك جهود وكتب في هذا الموضوع منها: ١- شرح الصدر في السؤال عن أول هذا الأمر لمنصور بن عبد العزيز السماري. ٢- موقف ابن تيمية من الأشاعرة د ٠ عبد الرحمن المحمود. ٣- موسوعة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية. ٤- دفع الشبه الغوية عن شيخ الإسلام ابن تيمية لمراد شكري. ٥- الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات د ٠ عبد القادر صوفي. وهناك مؤلفات شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في هذه المسألة.

стр. 26

منهجي في البحث: - سلكت في كتابة البحث المنهج الآتي: - ١- ذكرت الأدلة التي للمتكلمين على هذه المسألة. ٢- وضحت أهم المصطلحات التي تعين على فهم المقصود. ٣- بينت الفرق بين قول الفلاسفة وقول ابن تيمية. ٤- جعلت مبحثاً خاصاً نقلت فيه أقوال شيخ الإسلام من الفتاوى، ومنهاج السنة، ودرء التعارض، ينكر فيه قدم العالم أو ان الله موجب بالذات، وقد أكثرت من هذه النقولات حتى يقول القارىء: لقد أيقنت أن شيخ الإسلام لا يقول بقول الفلاسفة! ٥- أفردت مبحثاً خاصاً نقلت فيه أبيات ابن القيم في النونية في القدم النوعي وأثبتها سواء كانت في أول الكتاب، أم وسطه، أم في آخره مع شرح خليل هراس ليكون مراجعة للقارئ لها نظماً بعد ان قرأ الموضوع نثراً، وبخاصة أنني أحقق الكتاب وسيخرج قريباً إن شاء الله خطة البحث: قسمت البحث إلى تمهيد وموضوع وخاتمة. أما التمهيد فقد ذكرت فيه فرعين: الفرع الأول: بيان أساس المسألة والمدخل لتصورها. الفرع الثاني: بيان الأصل الذي بنى عليه المبتدعة مذهبهم.

стр. 27

أما الموضوع ففيه خمسة مباحث: المبحث الأول: بيان المصطلحات التي تعين على فهم الموضوع وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: القدم النوعي. المطلب الثاني: الحوادث. المطلب الثالث: التسلسل. المبحث الثاني: أقوال الناس في المسألة وفيه مطلبان: المطلب الأول: قول المتكلمين وفيه تمهيد وفرعان: أما التمهيد ففيه بيان اختلاف المتكلمين في هذه المسألة. وأما الفرعان فهما: الأول: قول الجهمية والرد عليهم. الثاني: قول الكلابية والأشعرية مع ذكر أدلتهم والرد عليها. المطلب الثاني: قول السلف وأدلتهم على ذلك. المبحث الثالث: المخالفون لابن تيمية ونقل كلامهم في ذلك. المبحث الرابع: النقول المستفيضة عن ابن تيمية في إنكاره قدم العالم، والفرق بين قوله وقول الفلاسفة. المبحث الخامس: ذكر أبيات نونية ابن القيم المتعلقة بالموضوع مع شرح خليل هراس. الخاتمة: وفيها خلاصة البحث.

стр. 28

التمهيد وفيه فرعان: الفرع الأول: بيان أساس المسألة والمدخل لتصورها. الفرع الثاني: بيان الأصل الذي بنى عليه المبتدعة مذهبهم.

стр. 29

الفرع الأول: بيان أساس المسألة والمدخل لتصورها: ينبغي أن يعلم أن أساس هذه المسألة والمدخل لتصورها وفهمها على حقيقتها وإدراك أهمية الخلاف فيها هو: هل يقال بدوام فاعلية الرب وأنه لم يزل فاعلاً؛ ولم يأت يوم وهو معطل عن الفعل أم لا؟ فمن قال بذلك كان قائلاً بالقدم النوعي أو وجوب تسلسل الحوادث أي أفعال الرب ومن ثم بجواز تسلسل الحوادث أي المخلوقات أو الآثار (١) . ومن نفى دوام فاعلية الرب قال بعدم التسلسل إلا أنهم اختلفوا فمنهم من قال ان الفعل كان ممتنعاً عليه كالجهمية، ومنهم من قال ان الفعل كان ممتنعاً منه كالكلابية والأشعرية كما سيأتي. والدليل على أن هذا هو أساس المسألة واضح من كلام شيخ الإسلام وكلام المخالفين. وأنقل كلام اثنين ممن صرح بذلك وان كانوا كثيرين: ١- زاهد الكوثري ﵀ في حاشيته على السيف الصقيل ص٨٥ حيث قال: القول بدوام فعله في جانب الماضي قول بحوادث لا أول لها، وقد سبق تسخيف ذلك مرات ا ٠ هـ وقال في ﷺ ٨١: ونسجل هنا على الناظم قيام الحوادث بذات الله ، واعتقاده ان هذه الحوادث لا أول لها ا ٠ هـ. ٢- د ٠ محمد عبد الستار نصار في كتابه العقيدة (١/٢٢٨) حيث قال:

стр. 30

((العالم عند النظام له بداية ونهاية، أي أنه مخلوق بعد العدم المحض، خلافاً لما ذهب إليه جمهور الفلاسفة، اعتقاداً منهم بأنه معلول لعلة قديمة، والعلة والمعلول - في نظرهم - متساوقان في الزمان والوجود، وهم لا يتصورون مدة يكون " الله " فيها معطلاً عن الفعل، من ثم يذهبون إلى " الفاعلية " المستمرة أزلاً وأبداً، وقد وافقهم على هذا الرأي بعض المفكرين الذين ينتسبون إلى المذهب السلفي، وقد طوعوا لمذهبهم هذا، بعض الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ وفهموا من هذه الآيات دوام الفعل أزلاً وأبداً، ولم يغفلوا عن اللازم الذي يترتب على هذا الفهم، وهو أن يكون مع الله قديم سواه، فقالوا بقدم جنس العالم وحدوث أعيانه. ولا شك في أن هذه المسألة من أعقد المسائل التي تصادف الباحث في العقائد، وذلك لأن القول بالمقابل، وهو حدوث العالم، يؤدي إلى اشكالات كثيرة، أثارها الفلاسفة في وجه القائلين به، منها: تعطيل القدرة الإلهية في الأزل عن المباشرة في تعلقاتها، ومنها: أن يكون الحق قد تجددت له إرادة لم تكن موجودة قبل إيجاد العالم، ... الخ. وبالرغم من أن هذه الإشكالات مردود عليها من قبل القائلين بحدوث العالم إلا أن القضية ليست سهلة بحيث يسلم أحد الفريقين لصاحبه، وتنتهي إلى أحد طرفيها، والقائلون بالقدم لهم في تفسير كلمة " خلق " التي وردت في القرآن الكريم، فهمهم الخاص، فهو عندهم ليس إيجاداً من العدم المحض كما يرى القائلون بالحدوث، وإنما يعني عندهم: صدور العالم - المعلول - عن علته - الله - على سبيل الفيض الأزلي، بل ربما اعتمد بعضهم على ظاهر بعض

стр. 31

الآيات القرآنية التي تفيد أن الله هو الأول والآخر، وتعنى الأولية في نظرهم: ألا يكون مسبوقاً بالعدم، ولا تعنى ألا يقارنه في الوجود الأزلي شيء هو معلوله، كما أن الأخروية يعني ألا يلحقه عدم، ولا تعني: ألا يساوقه في الوجود الأبدي شيء، كما ذهب بعض فلاسفة الإسلام - وهو ابن رشد - إلى أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ يدل على أنه كان هناك موجود قبل خلق السماوات والأرض هو العرش والماء، وزمان قبل هذا الزمان، هو المقارن لذاك الوجود)) ا٠هـ ويلاحظ في كلامه أمور: (١) أن أساس المشكلة هو القول بدوام فاعلية الرب كما ذكرنا. (٢) أنه قد قرر أن دوام فاعلية الرب يلزم منه قدم شيء مع الله، والأمر ليس كذلك كما سيأتي. (٣) انه جعل قول ابن تيمية وان لم يصرح باسمه موافقاً لرأي الفلاسفة، مع أن الفرق بينهما شاسع فالفلاسفة لا يقولون بان الشيء مسبوق بالعدم بخلاف ابن تيمية الذي يقول بذلك ويكفر من لا يقول به وسوف نعقد مبحثاً خاصاً في الفرق بين كلام ابن تيمية وكلام الفلاسفة إن شاء الله. (٤) ان المتكلمين الذين لم يقولوا بقول الجهمية بل قالوا ان الفعل كان ممكناً وليس ممتنعاً إلا أن المقدور ممتنع!! وسيأتي بطلان ذلك ومنه ما ذكره الدكتور بقوله: ان ذلك يؤدي إلى تعطيل القدرة الإلهية في الأزل عن المباشرة في تعلقاتها.

стр. 32

الفرع الثاني: بيان الأصل الذي بنى عليه المبتدعة مذهبهم: (١) قبل أن ندخل في صلب الموضوع، ونذكر أقوال الناس في المسألة أود أن أبين السبب الذي أوقع المتكلمين في تعطيل الرب عن الفعل أزلاً فأقول: إن القوم لما أسسوا لهم أصلاً، وبنوا عليه جميع قواعدهم، فقادهم هذا الأصل الفاسد رغماً عنهم إلى التعطيل والإنكار وهذا الأصل هو امتناع قيام الحوادث بذاته إذ لو قامت به الحوادث من الأفعال لوجب القول بتسلسلها وتعاقبها لا إلى أول وهو يؤدي إلى تسلسل الأعيان التي هي المفعولات فتكون قديمة فينسد طريق إثبات الصانع لأن الطريق إلى إثباته هو انفكاكها عنه ولهذا قالوا ببطلان التسلسل ولزوم حدوث الأجسام. وحدوث الأجسام هو المسمى بدليل الأعراض، أو دليل حدوث العالم، أو دليل حدوث الأجسام والأعراض، وكلها أسماء لدليل واحد. وقد ابتدعت الجهمية والمعتزلة هذا الدليل، تم تبعهم على ذلك الكلابية والأشعرية والماتريدية وغيرهم، بل بالغوا في الأمر وغلوا فيه حتى قالوا إن من لا يعتقد حدوث الأجسام لا أصل لاعتقاده في الصانع. وقد زعموا: ١- أنّ إثبات الصانع لا يُعرف إلا بالنظر المفضي إلى العلم بإثباته. ٢- وبعد النظر تبين لهم أن العلم بإثبات الصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم؛ إذ الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وإذا ثبت أن العالم

стр. 33

٣- وقالوا: إن إثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بإثبات حدوث الأجسام. ٤- وحدوث الأجسام يُعلم: بلزومها للأعراض؛ التي هي الصفات أو لبعضها؛ كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وهي التي تُعرف بالأكوان. وتقرير هذا - عندهم يحتاج إلى مقدمات منها: - إثبات امتناع حوادث لا أوّل لها. وإثبات حدوث الأجسام بامتناع حوادث لا أوّل لها مبني على مقدمتين أساسيتين: ١- المقدمة الأولى: امتناع خلوّ الجسم من الأعراض التي هي الصفات. حيث قالوا إن الأجسام لا تخلو عن أعراض حادثة وصفات وأفعال تعتقب عليها. ٢- المقدّمة الثانية: ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض - أو ما لا ينفك عن الصفات، أو ما لا يسبقها - فهو حادث؛ لأنّ الصفات، التي هي الأعراض - لا تكون إلا محدثة - بزعمهم. وتنوعت عباراتهم: - فتارة يقولون: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. - وتارة يقولون: كل ما لم يسبق الحوادث فهو حادث (١) .

стр. 34

- وتارة يقولون: ما قامت به الحوادث فهو حادث. - وتارة: ما حلت به الحوادث فهو حادث - وتارة: ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من العبارات المتنوعة الألفاظ، المتقاربة المعنى وقد نفى المعطلة أن يكون الله تعالى جسماً تقوم به الأعراض والحوادث، ونفوا بالتالي أن يكون محلاً للحوادث؛ لأن من كان محلاً للحوادث، فلابد أن يكون حادثاً؛ إذ الحوادث - على حد قولهم - لا تحل إلا بحادث مثلها؛ لوجوب أن يكون لها أول - في نظرهم - وهو المراد من أصلهم: (امتناع حوادث لا أول لها) فسمت الجهمية والمعتزلة الصفات أعراضاً: وقالوا: لو قلنا: إن الصفات تقوم به، للزم أن يكون جسماً، والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، ولا تخلو عنها، وما لا يسبق الحوادث، ولا يخلو عنها، فهو حادث. وأطلقت الكلابية والأشعرية والماتريدية على أفعال الله تعالى اسم حوادث.

стр. 35

وقالوا: لو قلنا: إن الله تقوم به الصفات والكلام، للزم قيام الحوادث به؛ لأن هذه الصفات حادثة؛ حدثت بعد أن لم تكن، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. فعطلت هذه الفرق المبتدعة الله جل وعلا عن كل صفاته، أو بعضها، مستندة إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام. ولكل فرقة من هذه الفرق توجيه خاص بها لهذا الدليل يوضح مذهبهم في نفي الصفات. - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " لأجل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض: التزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم: نفي صفات الرب مطلقاً، أو نفي بعضها؛ لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء: هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده؛ فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضاً في غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه ... إلى أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم " - فأنكرت الجهمية والمعتزلة - لأجل هذا الدليل - صفات لله تعالى كلها.

стр. 36

الخلق والمخلوق والفعل والمفعول: ترتب على إيجاب المتكلمين أن يكون للحوادث مبدأ إيجاب آخر؛ هو قولهم: كل ما تقارنه الحوادث فهو حادث. فمنعوا بسبب ذلك أن يكون الباري جل وعلا لم يزل فاعلاً بمشيئته وقدرته، وأوجبوا نفي أفعال الله تعالى الاختيارية، بحجة أنها حوادث يجب تنزيه الله تعالى عنها. ولما قيل لهم: إن قولكم أن الله تعالى خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجوداً: هو قول بحلول الحوادث به جل وعلا: أجابوا بمذهبهم المشهور: الخلق هو المخلوق. وقولهم هذا يعني أن صفة الخلق لم تقم بالخالق عند الخلق، وإنما وجد المخلوق منفصلاً عنه، من غير صفة قامت بخالقه، ولا سبب اقتضى إيجاده فجعلوا مفعوله هو فعله وهذا خلاف الكتاب والسنة، وخلاف المعقول الصريح. ومسألة الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول تحتاج إلى مزيد بيان فنقول: لا ريب أنا نشهد الحوادث؛ كحدوث السحاب، ونزول المطر، ونبات الزرع، وإثمار الشجر، وطلوع الشمس وغروبها، وحدوث الإنسان، وغيره من الحيوان، وفنائهم، وتعاقب الليل والنهار، وغير ذلك من الحوادث المشاهدة فهذه كلها حوادث، ومعلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له من محدث. " ومعلوم أن المحدث الواحد لا يحدث إلا بمحدث، فإذا كثرت الحوادث وتسلسلت كان احتياجها إلى المحدث أولى، وكلها محدثات؛ فكلها محتاجة إلى محدث وذلك لا يزول إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره بل هو قديم أزلي بنفسه

стр. 37

سبحانه وتعالى " وهذا الإحداث للمخلوقات من أفعال الله الاختيارية التي معرفتها والعلم بها من أعظم الأصول؛ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ومن الأمور المتفق عليها عند جميع طوائف الأمة: أن السموات والأرض، محدثتان مخلوقتان، وجدتا بعد أن لم تكونا. ومما اتفقوا عليه أيضاً: أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، وأن هذه المخلوقات وجدت منفصلة عن الله تعالى. وإنما اختلفوا في قيام صفة الخلق بالله جل وعلا لما خلق السموات والأرض: هل قامت به، أم لا؟ . وقد تقدم معنا: أن دليل الأعراض وحدوث الأجسام وضع أصلاً لإثبات حدوث العالم. وحدوث العالم ووجوده بعد أن لم يكن لابد له من محدث خالق قامت به صفة الخلق عند إيجاده وهذا من بدهيات العقول. ووفق تعبير أهل الكلام: تكون قد قامت بالله تعالى عند خلقه للعالم: الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل. ومن أصولهم المتفرعة عن دليل الأعراض: ما قامت به الحوادث، أو ما لم يخل عن الحوادث: فهو حادث. وثمة سؤال مربك يمكن للقائلين بقدم العالم أن يعترضوا به على هؤلاء أصحاب دليل الأعراض القائلين بحدوثه، سيما إذا علموا نفيهم لقيام أفعال الله الاختيارية بذاته جل وعلا، استناداً إلى قولهم: ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث.

стр. 38

وهذا السؤال أجاب عليه بعض أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام - وهم نفاة قيام الأفعال الاختيارية بذاته جل وعلا - بقولهم الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول. ومما لا شك فيه أن قائلي هذه المقالة إنما قالوها هرباً من القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى - بزعمهم. ومعنى قولهم: الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول: أن صفة الخلق، أو الفعل لم تقم بالله تعالى، ولا يمكن أن تقوم به؛ استناداً إلى أصلهم: ما قامت به الحوادث فهو حادث، فأثبتوا خالقاً لا خلق له وهذا ممتنع في بديهة العقول. وهم يقولون: الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره: هو إرادة قديمة أزلية هي المخصص لما حدث. وإنما قالوا أزلية؛ لأنه لم يقم بالله شيء يكون مراداً، ولا يقوم به وهذه الإرادة القديمة أزلية لم تزل - عندهم - على نعت واحد، ثم وجدت الحوادث بلا سبب أصلاً. ويقولون عن هذه الإرادة: من شأنها أن تتقدم على المراد تقدماً لا أول له. " فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة، يعلم بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا وهي المقتضية للخلق والحدوث، فإذا أثبتت: فلا خلق ولا حدوث " ومن هنا قلنا آنفاً: إن هؤلاء - في الحقيقة - لم يثبتوا خالقاً. لأن حقيقة قولهم: أن الرب تعالى لم يكن قادراً، ولا كان الكلام والفعل ممكناً له، ولم يزل كذلك دائماً مدة، ثم أنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، ومن غير أن يقوم بذاته فعل، بل فعله هو مفعوله.

стр. 39

وهذا قول طائفة: كالجهمية، وأكثر المعتزلة، وسائر الأشعرية، كأبي الحسن الأشعري، ومن وافقه من أصحابه؛ كأبي المعالي، وغيره، ومن وافقهم من الفقهاء؛ كابن عقيل وغيره.

стр. 40

المبحث الأول: بيان المصطلحات التي تعين على فهم الموضوع وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول: القدم النوعي. المطلب الثاني: الحوادث. المطلب الثالث: التسلسل.
следующие страницы →