الخلق والمخلوق والفعل والمفعول:
ترتب على إيجاب المتكلمين أن يكون للحوادث مبدأ إيجاب آخر؛ هو قولهم: كل ما تقارنه الحوادث فهو حادث.
فمنعوا بسبب ذلك أن يكون الباري جل وعلا لم يزل فاعلاً بمشيئته وقدرته، وأوجبوا نفي أفعال الله تعالى الاختيارية، بحجة أنها حوادث يجب تنزيه الله تعالى عنها.
ولما قيل لهم: إن قولكم أن الله تعالى خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجوداً: هو قول بحلول الحوادث به جل وعلا: أجابوا بمذهبهم المشهور: الخلق هو المخلوق.
وقولهم هذا يعني أن صفة الخلق لم تقم بالخالق عند الخلق، وإنما وجد المخلوق منفصلاً عنه، من غير صفة قامت بخالقه، ولا سبب اقتضى إيجاده فجعلوا مفعوله هو فعله وهذا خلاف الكتاب والسنة، وخلاف المعقول الصريح.
ومسألة الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول تحتاج إلى مزيد بيان فنقول:
لا ريب أنا نشهد الحوادث؛ كحدوث السحاب، ونزول المطر، ونبات الزرع، وإثمار الشجر، وطلوع الشمس وغروبها، وحدوث الإنسان، وغيره من الحيوان، وفنائهم، وتعاقب الليل والنهار، وغير ذلك من الحوادث المشاهدة فهذه كلها حوادث، ومعلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له من محدث.
" ومعلوم أن المحدث الواحد لا يحدث إلا بمحدث، فإذا كثرت الحوادث وتسلسلت كان احتياجها إلى المحدث أولى، وكلها محدثات؛ فكلها محتاجة إلى محدث وذلك لا يزول إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره بل هو قديم أزلي بنفسه
стр. 37
سبحانه وتعالى "
وهذا الإحداث للمخلوقات من أفعال الله الاختيارية التي معرفتها والعلم بها من أعظم الأصول؛ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ومن الأمور المتفق عليها عند جميع طوائف الأمة: أن السموات والأرض، محدثتان مخلوقتان، وجدتا بعد أن لم تكونا.
ومما اتفقوا عليه أيضاً: أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، وأن هذه المخلوقات وجدت منفصلة عن الله تعالى.
وإنما اختلفوا في قيام صفة الخلق بالله جل وعلا لما خلق السموات والأرض: هل قامت به، أم لا؟ .
وقد تقدم معنا: أن دليل الأعراض وحدوث الأجسام وضع أصلاً لإثبات حدوث العالم.
وحدوث العالم ووجوده بعد أن لم يكن لابد له من محدث خالق قامت به صفة الخلق عند إيجاده وهذا من بدهيات العقول.
ووفق تعبير أهل الكلام: تكون قد قامت بالله تعالى عند خلقه للعالم: الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل.
ومن أصولهم المتفرعة عن دليل الأعراض: ما قامت به الحوادث، أو ما لم يخل عن الحوادث: فهو حادث.
وثمة سؤال مربك يمكن للقائلين بقدم العالم أن يعترضوا به على هؤلاء أصحاب دليل الأعراض القائلين بحدوثه، سيما إذا علموا نفيهم لقيام أفعال الله الاختيارية بذاته جل وعلا، استناداً إلى قولهم: ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث.
стр. 38
وهذا السؤال أجاب عليه بعض أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام - وهم نفاة قيام الأفعال الاختيارية بذاته جل وعلا - بقولهم الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول.
ومما لا شك فيه أن قائلي هذه المقالة إنما قالوها هرباً من القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى - بزعمهم.
ومعنى قولهم: الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول: أن صفة الخلق، أو الفعل لم تقم بالله تعالى، ولا يمكن أن تقوم به؛ استناداً إلى أصلهم: ما قامت به الحوادث فهو حادث، فأثبتوا خالقاً لا خلق له وهذا ممتنع في بديهة العقول.
وهم يقولون: الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره: هو إرادة قديمة أزلية هي المخصص لما حدث.
وإنما قالوا أزلية؛ لأنه لم يقم بالله شيء يكون مراداً، ولا يقوم به وهذه الإرادة القديمة أزلية لم تزل - عندهم - على نعت واحد، ثم وجدت الحوادث بلا سبب أصلاً.
ويقولون عن هذه الإرادة: من شأنها أن تتقدم على المراد تقدماً لا أول له.
" فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة، يعلم بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا وهي المقتضية للخلق والحدوث، فإذا أثبتت: فلا خلق ولا حدوث "
ومن هنا قلنا آنفاً: إن هؤلاء - في الحقيقة - لم يثبتوا خالقاً.
لأن حقيقة قولهم: أن الرب تعالى لم يكن قادراً، ولا كان الكلام والفعل ممكناً له، ولم يزل كذلك دائماً مدة، ثم أنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، ومن غير أن يقوم بذاته فعل، بل فعله هو مفعوله.
стр. 39
وهذا قول طائفة: كالجهمية، وأكثر المعتزلة، وسائر الأشعرية، كأبي الحسن الأشعري، ومن وافقه من أصحابه؛ كأبي المعالي، وغيره، ومن وافقهم من الفقهاء؛ كابن عقيل وغيره.
стр. 40
المبحث الأول:
بيان المصطلحات التي تعين على فهم الموضوع
وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول: القدم النوعي.
المطلب الثاني: الحوادث.
المطلب الثالث: التسلسل.
стр. 41
المطلب الأول: القدم النوعي للعالم أو قدم المخلوقات النوعي:
هذا المطلب من أهم مطالب هذا الكتاب ومن هداه الله إلى فهم هذا المطلب زال عنه كثير من الإشكالات التي أوردها الخصوم على شيخ الإسلام، وسوف ننقل من كلام شيخ الإسلام ما يؤيد مقصودنا وقبل ذلك نريد أن نبين أنه قد فهم كثير ممن انتقد شيخ الإٍسلام بأنه يقوم بقدم العالم بمعنى أنه لم يزل مع الله، وأن الله موجب بالذات وليس فاعلاً بالاختيار كما نقل عنه الهيتمي وغيره ممن سيأتي نقل أقواله في مبحث خاص إن شاء الله، والآن نبين معنى القدم النوعي للعالم فنقول وبالله التوفيق.
المشهور في تعريف القدم هو ما لم يسبقه عدم، قال المناوي في التوقيف ص٥٧٦:
وقال الراغب: القدم الحقيقي: ما لم يسبقه عدم، وهو المعبر عنه بالقدم الذاتي المختص بالباري تقدس.
والقديم: ما لا يسبقُ وجوده عدم، وهو معنى قولهم: ما لا ابتداء لوجوده.
وكذا قال الجرجاني في التعريفات ص٢٢١، وأبو البقاء الكفوي في الكليات ص٧٢٧، والطوفي في شرح مختصره (١/٦٤) .
ومن هنا وقع الإشكال في فهم كلام شيخ الإسلام لأن القدم إذا كان معناه ما لم يسبقه عدم فإن هذا يشمل النوع والفرد وهو قول الفلاسفة بلا شك، وهؤلاء لم يقرأوا كلام شيخ الإسلام في القدم لأن القدم في كلام شيخ الإسلام له معنيان:
أحدهما: القدم الذي لم يسبقه عدم كذات الله وصفاته اللازمة له عيناً كالحياة
стр. 42
مثلاً كما ذكره في الصفدية (٢/١٤٦) .
الثاني: القدم بمعنى الشيء المتعاقب شيئاً بعد شيء أي أنه مسبوق بالعدم من حيث عين الفعل والمفعول لكنه متعاقب ومستمر فيطلق على الفعل المتعاقب والمفعول المتعاقب انه قديم أيضاً لكن من حيث النوع المتوالي وعدم سبق العدم عليه واضح من كون لازم ذلك أن يكون الرب معطلاً ثم خلق كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام عن أهل الكلام ولهذا قال في الصفدية (٢/٤٧) في بيان المعنيين السابقين:
ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال. فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما زال موجوداً ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئاً بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم، وليس شيء منه بعينه قديماً ولا مجموعه قديم، ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار، فالتأثير الدائم الذي يكون شيئاً بعد شيء، وهو من لوازم ذاته، هو قديم النوع، وليس شيء من أعيانه قديماً، فليس شيء من أعيان الآثار قديماً، لا الفلك ولا غيره، ولا ما يسمى عقولاً ولا نفوساً ولا غير ذلك، فليس هو في وقت معين من الأوقات مؤثراً في حادث بعد حادث، ولكنه دائماً مؤثر في حادث بعد حادث، كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثراً في مجموع الحوادث، بل هو مؤثر شيئاً بعد شيء، وهو مؤثر في حادث بعد حادث وقتاً بعد وقت، فإذا كان المفعول مستلزماً للحوادث لم يفعل إلا والحوادث مفعوله معه، وهي وإن كانت مفعولة فيه شيئاً بعد شيء، فالمحدث لها شيئاً بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت بعينه، لزم أن يكون محدثاً من جملتها، وهو المطلوب.
стр. 43
وإن قيل: هو مقارن له قديم معه بحيث يوجد معه كل وقت.
قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له لا محدثاً له.
وقال أيضاً (٢/٨٧) :
وقد يقال في الشيء: إنه قديم، بمعنى أنه لم يزل شيئاً بعد شيء، وقد يقال: قديم بمعنى انه موجود بعينه في الأزل.
وقال أيضاً ٢/١٤٤) :
ولكن النوع أزلي، بمعنى وجوده شيئاً فشيئاً، فيكون الفعل المشروط به موجوداً شيئاً فشيئاً، لامتناع وجود المشروط بدون الشرط، وإذا كان ذلك الفعل يوجد شيئاً فشيئاً كان المفعول كذلك بطريق الأولى، لامتناع تقدم المفعول على فعله، فلا يكون فعل دائم معين، فلا يكون مفعول معين دائم.
وقال أيضاً في (١/٣٧) :
غايته أنه يلزم قيام الأفعال المتعاقبة بالواجب نفسه وهذا قول أئمة أهل الحديث وجمهورهم وطوائف من أهل الكلام والفلسفة ا٠هـ.
وقال في (١/٧٧) :
قيل: النوع لا يوجد إلا متعاقباً، فيكون تمامها متعاقباً لا أزلياً، وذلك إنما يكون بما يقوم بها شيئاً بعد شيء، فأما أن يكون تمامها لمفعولها من غير فعل يقوم بها فهو ممتنع.
وقال في (١/١٣) :
إن قيل: لا يكون الحادث حتى يكون قبله حادث، فهذا التسلسل في الأثار، وفيه الأقوال الثلاثة للمسلمين، وليس الخلاف في ذلك بين أهل الملل وغيرهم،
стр. 44
كما يظنه كثير من الناس، بل نفس أهل الملل، بل أئمة أهل الملل: أهل السنة والحديث، يجوزون هذا النزاع في كلمات الله وأفعاله، فيقولون: أن الرب لم يزل متكلماً إذا شاء، وكلمات الله دائمة قديمة النوع عندهم لم تزل ولا تزال أزلاً وأبداً ا٠هـ.
وبهذا نعلم أن القدم النوعي في كلام شيخ الإسلام معناه التعاقب والاستمرار سواء في فعل الله أو في مفعوله فكان من هذا الاعتبار فعله قديماً ككلامه سبحانه، وكان مفعوله قديماً أيضاً من هذه الحيثية، اما عين الفعل فهو مسبوق بالعدم أي كل فعل من أفعاله مسبوق بالعدم كما ان كل مفعول مسبوق بالعدل وأما نوعه من حيث التعاقب فقديم وهذا لا محذور فيه كما نقول ذلك في الكلام ولهذا قال في الصفدية (٢/١٧٥) :
وإذا قيل: إنه موجب للمعين دائماً.
قبل له: إيجاب الفاعل للمفعول المعين بمعنى مقارنته له في الزمان ممتنع كما بين في موضعه.
وإيجاب الحوادث شيئاً بعد شيء بدون قيام أمور متجددة به ممتنع أيضاً، كما قد بسط في موضعه، وإيجاب المعين بدون هذا الحادث وهذا الحادث محال، وإيجاب هذا الحادث دائماً وهذا الحادث دائماً محال.
وأما إيجاب الحوادث شيئاً بعد شيء فيستلزم أن لا يكون موجباً للحادث إلا عند حدوثه، وحينئذ يستكمل شرائط الإيجاب، فيلزم من ذلك تجدد الإيجاب بشيء بعد شيء، فحينئذ لم يكن موجباً لمعين إلا بإيجاب معين، وما استلزم الحوادث لا يكون له إيجاب معين، وأما الإيجاب الذي يتجدد شيئاً بعد شيء
стр. 45
فيمتنع أن يكون به شيء بعينه قديماً، لأن القديم لا يكون إلا بإيجاب قديم بعينه لا يتجدد شيئا بعد شيء.
وصار أصل التنازع في فعل الله: هل هو قديم، أو مخلوق أو حادث؟ من جنس أصل التنازع في كلام الله تعالى، وكثير من المتنازعين في كلامه وفعله وليس عندهم إلا قديم بعينه لم يزل أو حادث النوع له ابتداء، [فالأول] قول الفلاسفة القائلين بقدمه، والثاني: قول المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.
والذي لا يدقق في كلام شيخ الإٍسلام فهم أنه يقول بالقدم بالمعنى الأول الذي هو عدم سبق العدم نوعاً وفرداً وهذا هو قول الفلاسفة الذي أنكره شيخ الإسلام حيث بين أن الفعل الدائم مع الله من غير تعاقب هو الذي أوقع الفلاسفة في قدم العالم ولهذا قال في (٢/١٤٦) :
وإذا لم يمكن فعله إلا مع فعل هذا وهذا، لا يكون شيء منه قديماً، فالآخر كذلك، لا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين، ولزوم ذلك الفعل / لذات الرب كما تلزم الصفة للموصوف.
ومن المعلوم بصريح المعقول الفرق بين صفة الموصوف وبين فعل الفاعل. أما الصفة فيعقل كونها لازمة للموصوف: إما عينا كالحياة، وإما نوعاً كالكلام والإرادة، ويعقل كونها عارضة، لكن ذلك إنما يكون في المخلوق.
وأما الفعل فلا يعقل إلا حادثاً شيئاً بعد شيء، وإلا فمن لم يحدث شيئاً لا يُعقل أنه فعل ولا أبدع، سواء فعل بالإرادة أو قدر إنه فعل بلا إرادة. ولو كان الفعل لا يحدث لم يعقل الفرق بينه وبين الصفة اللازمة، إذ كلاهما معنى قائم بالذات لازم لها بعينه، وما كان كذلك لم يكن فعلاً لذلك الموصوف، ولا
стр. 46
يعقل كون الموصوف فعله.
وقال في (٢/١٦٧) :
فمن قال: إن الرب لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء وبما شاء، كان الكلام عنده صفة ذات، قائم بذات الله، وهو يتكلم بفعله، وفعله بمشيئته وقدرته، فمقدار ذلك - إذا قيل بقدمه - كان وفاءً بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك، من غير أن يكون شيء من العالم قديم مع الله تعالى.
وقال أيضاً: في (٢/١٤٩) :
وهذا الموضع من أحكمه انكشف له حجاب هذا الباب، فإن نفس كون الفاعل فاعلاً يقتضى حدوث الفعل: إما نوعاً وإما عيناً. وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه، بل هو لازم لذات الفاعل، فليس هو فعل أصلاً.
ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم، إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم له لم يزل معه.
ولهذا كان كلام الله الذي بعث به رسله موافقاً لما فطر الله عليه الخلائق.
وقال أيضاً في (٢/١٥٠) :
فإذا قيل: هذا مفعول لهذا، وهو معه لم يزل مقارناً له - كان هذا عند العقل جمعاً بين النقيضين وكأنه قيل: هو مفعول له ليس مفعولاً له. بل يقول العاقل: إذا كان الأمر كذلك لم يكن جعل أحدهما فاعلاً والآخر مفعولاً بأولى من العكس.
وقال أيضاً: (٢/١٦٠) :
وأما كون هذا المعين مفعولاً مخلوقاً مربوباً مفتقراً إلى بارئه، وأنه لازم لفاعله
стр. 47
للزوم الفعل الذي به فعله فاعله كلزوم حياته، أو بدون فعل قائم به، فهذا مما لا يعقله الخلق بفطرتهم التي فطروا عليها.
وقال في (١/٦٣) :
وعلى هذا التقدير إذا قيل: لم يزل الله موصوفاً بصفات الكمال، حياً متكلماً
إذا شاء، فعالاً أفعالاً تقوم به أو مفعولات محدثة شيئاً بعد شيء أعطى هذا الدليل موجبه، ولم يلزم من دوام النوع دوام كل واحد من أعيانه وأشخاصه، ولا دوام شيء منها كما تقوله أنت في حركات الفلك والحوادث الأرضية، فإنك تقول: نوع الحوادث دائم باق لا أول له، فليس فيها شيء بعينه قديم، فهي كلها محدثة، وإن كانت الأحداث لم تزل وإذا قلت مثل هذا في فعل الواجب كنت قد وفيت بموجب هذا الدليل، ولم تخالف شيئاً من أدلة العقل ولا الشرع.
وإن قلت: بل اللازم دوام مطلق التأثير فيقال: ليس في هذا ما يقتضي قدم شيء من العالم، بل كونه فاعلاً للشيء يقتضي كون المفعول له مسبوقاً بالعدم ودوام كونه فاعلاً لا يناقض ذلك.
وحينئذ، فليس مع الفلسفي ما يوجب قدم شيء من العالم وأما قول المتكلم: " لما وجب في الفعل أن يكون مسبوقاً بالعدم لزم أن يقال: أنه أوجد بعد أن لم يكن موجداً "
فيقال له: أوجب في كل مفعول معين وكل فعل معين أن يكون مسبوقاً بالعدم، أم أوجب في نوع الفعل؟
فإن قلت بالأول فلا منافاة بين أن يكون كل من الأفعال والمفعولات مسبوقة
стр. 48
بالعدم مع دوان نوع المؤثرية والأثر، وإذن ما دل عليه دليل العقل لا يناقض ما دل عليه ذلك الدليل الآخر العقلي. ومن اهتدى في هذا الباب إلى الفرق بين النوع والعين تبين له فصل الخطأ من الصواب، في مسألة الأفعال ومسألة الكلام والخطاب.
واعلم أن أولى الألباب هم سلف الأمة وأئمتها المتبعون لما جاء به الكتاب بخلاف المختلفين في الكتاب، المخالفين للكتاب، الذين قيل فيهم: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [سورة البقرة: ١٧٦] .
وحينئذ فالرب تعالى أوجد كل حادث بعد أن لم يكن موجداً له، وكل ما سواه فهو حادث بعد أن لم يكن حادث: ولا يلزم من ذلك أن يكون نفس كماله الذي يستحقه متجدداً بل لم يزل عالماً قادراً مالكاً غفوراً متكلماً كما شاء، كما نطق بهذه الألفاظ ونحوها الامام أحمد وغيره من أئمة السلف.
فإن قال: ان نوع الفعل يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم.
قيل له: من أين لك هذا، وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه، ولا في المعقول ما يرشد إليه؟ وهذا يستلزم أن يصير الرب قادراً على نوع الفعل بعد أن لم يكن قادراً عليه، فإنه ان لم يزل قادراً أمكن وجود المقدور، فإن كان المقدور ممتنعاً ثم صار ممكناً صار الرب قادراً بعد أن لم يكن، وانتقل الفعل من الامتناع إلى الامكان من غير حدوث شيء ولا تجدده، فإن الأزل ليس هو شيئاً معيناً، بل هو عبارة عن عدم الأولية، كما أن الأبد عبارة من عدم الآخرية، فما من وقت يقدر إلا والأزل قبله لا إلى غاية ا٠هـ.
وبهذا كله نعلم ان فصل الخطاب في المسألة هو الفرق بين العين والنوع، وشيخ
стр. 49
الإسلام أراد بهذا أن يرد على الفلاسفة الذين قالوا إن الفعل المعين دائم مع الله قديم فألزموا بقدم العالم وقال في (٢/١٤٦) : ولا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين، ولزوم ذلك الفعل لذات الرب كما تلزم الصفة وللموصوف.
وقال (٢/٩٦) :
(وهؤلاء القائلون بقدم العالم اشتبه عليهم نوع التأثير بعين التأثير، فلما رأوا أن الذات تستلزم كونه مؤثراً لامتناع حدوث ذلك، لم يميزوا بين النوع والعين، فظنوا أن هذا يقتضى قدم الأفلاك او غيرها من أعيان العالم وهذا خطأ قطعاً، فإن الذات تستلزم نوع التأثير لا عينه، فإذا قدر أنها لم تزل فاعلة لشيء بعد شيء، لم يكن شيء من مفعولاتها قديمة بل كل ما سواها حادث كائن بعد أن لم يكن وإن كان فعلها من لوازم ذاتها.
والذين قابلوا هؤلاء لما أرادوا أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الله، ظنوا أن هذا يتضمن أنه كان معطلاً غير قادر على الفعل، وأن كونه محدثاً لا يصح إلا على هذا الوجه، فهؤلاء أثبتوا التعطيل عن نوع الفعل، وأولئك أثبتوا قدم عين الفعل، وليس لهم حجة تدل على ذلك قط، وإنما يدل على ما يذكرونه من الحجج على ثبوت النوع لا على ثبوت عين الفعل ولا عين المفعول، ولو كان يقتضي دليلهم الصحيح قدم عين الفعل والمفعول لامتنع حدوث شيء من الحوادث، وهو مخالف للمشهود.
وحينئذ فالذي هو من لوازم ذاته نوع الفعل لا فعل معين ولا مفعول معين، فلا يكون في العالم شيء قديم وحينئذ لا يكون في الأزل مؤثراً تاماً في شيء من
стр. 50
العالم، ولكن لم يزل مؤثراً تاماً في شيء بعد شيء، وكل أثر يوجد عند حصول كمال التأثير فيه، والمقتضى لكمال التأثير فيه هو الذات عند حصول الشروط وارتفاع الموانع.
وهذا إنما يكون في الذات التي تقوم بها الأمور الاختيارية، وتفعل بالقدرة والمشيئة، بل وتتصف بما أخبرت به الرسل من أن الله يحب ويبغض، ةيرضى ويسخط ويكره ويفرح وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة، فأما إذا لم يكن إلا حال واحدة أزلاً وأبداً، وقدر أن لها معلولاً، لزم أن يكون على حال واحدة أزلاً وأبداً.
وقال في (١/٣٧) :
وذلك أنه إذا كان المؤثر التام أزلياً لزم من دوامه دوام أثاره فيلزم أن لا يحدث
شيء، وهو خلاف الحس.
وقال في (١/٢٨١) :
وإذا قيل: ذاته تحدث شيئاً بعد شيء، فإنه لا يمكن احداث المحدثات جميعاً.
قيل: فهذا ينقض قولكم لأن من أحدث شيئاً بعد شيء لم يكن موجباً بذاته في الأزل لشيء، بل يكون كلما صدر عنه حادث وإن كانت أفعاله دائمة شيئاً بعد شيء فليس فيها واحد قديم، وكذلك مفعولاته بطريق الأولى) ، فإن المفعول تابع للفعل، فلا يكون في أفعاله ولا مفعولاته شيء قديم وإن كانت دائمة لم تَزُل، فإن دوام النوع وقدمه ليس مستلزماً قدم شيء من الأعيان، بل لك متناقض لقدم شيء منها، إذ لو كان فيها واحد قديم لكان ذلك الفعل المعين هو القديم، ولم تكن الأفعال المتوالية هي القديمة والشيء الذي من شأنه أن يكون متوالياً متعاقباً كالحركة والصوت يمتنع قدم شيء من أجزائه ودوام
стр. 51
شيء من أجزائه وبقاء شيء من أجزائه، وإن قيل أنه دائم قديم باق أي نوعه هو الموصوف بذلك.
وقال في (١/٧٨) :
قيل: الحركات الدائمة الأزلية لا يتعين فيها شيء دون شيء، بل لم تزل ولا تزال أفرادها متعاقبة، فيمتنع أن يكون علة تامة لواحد منها دون الآخر في الأزل، مع أنه ليس فيها شيء أزلى بعينه، ويمتنع أن يكون علة تامة لجميعها في الأزل لامتناع وجودها في الأزل ا٠هـ.
وقال في (٢/٤٩) :
والفرق ثابت بين فعل الحوادث في الأزل وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث، فإن الأول يقتضي أن فعلاً قديماً معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء والثاني يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئاً بعد شيء، فهذا يقتضى قدم نوع لفعل ودوامه، وذاك يقتضي قدم فعل معين، وقد تبين أنه يمتنع قدم فعل معين للحوادث.
وقال في (٢/٥٠) :
فقد تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها، بل مع القول بوجوب ذلك، يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم، وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه القديم الذي لا يحتاج إلى شيء، وبين دوام فعله أو مفعوله وقدم ذلك فإن الأول سبحانه هو قديم بنفسه، واجب غنى، وأما فعله فهو شيء بعد شيء.
فإذا قيل: هو قديم النوع وأعيانها حادثة. لزم حدوث كل ما سواه وامتناع قدم شيء معه، وأنه يمتنع أن يكون شيء من مفعولاته قديماً، إذ كل مفعول فهو مستلزم للحوادث، والإلزام حدوث الحوادث بلا سبب، وترجيح أحد
стр. 52
المتماثلين بلا مرجح، لأنه لا يكون قديماً إلا بفعل قديم العين لا قديم النوع، وفعل قديم العين للحادث ممتنع ولملازم الحادث ممتنع، وفعلان قديمان مقترنان أحدهما للحادث والآخر لملازم الحادث ممتنع، فتبين امتناع قدم فعل شيء من العالم على كل تقدير، لأن وجود المفعول بدون الفعل المشروط فيه ممتنع "
وقد عُرف أيضاً أن وجود العالم منفكاً عن الحوادث ثم إحداث الحوادث فيه أيضاً ممتنع، فثبت امتناع قدمه على كل تقدير.
ويمكن تقدير حدوث كل العالم بالنظر إلى نفس الفاعل المؤثر فيه، مع قطع النظر عن العالم - خلاف ما يزعمه ابن الخطيب وطائفة - أن القائلين بالقدم
نظروا إلى المؤثر، والقائلين بالحدوث نظروا إلى الأثر.
وذلك أن يقال: قد ثبت أنه موصوف بصفات الكمال، وان الكمال الممكن الوجود لازم له واجب له، وأنه مستلزم لذلك.
وحينئذ فيقال: الفاعل الذي يمكنه أن يفعل شيئاً بعد شيء ويحدث الحوادث أكمل ممن لا يمكنه الإحداث، بل لا يكون مفعوله إلا مقارناً له، بل يقال هذا في الحقيقة ليس مفعولاً له، إذ ما كان لازماً للشيء لا يتجدد فهو من باب صفاته اللازمة له، لا من باب أفعاله، فإن ما لزم الشيء ولم يحدث ويتجدد لم يكن حاصلاً بقدرته واختياره، بل كان من لوازم ذاته، وما كان من لوازم ذاته لا يتجدد ولا يحدث كان داخلاً في مسمى ذاته كصفاته اللازمة له، فلم يكن ذلك من أفعاله ولا من مفعولاته.
وإذا كان كذلك فتقدير واجب بنفسه أو قديم أو قيوم أو غني لا يفعل شيئاً ولا يحدثه ولا يقدر على ذلك تقدير مسلوب لصفات الكمال، وكون الفعل ممكناً
стр. 53
شيئاً بعد شيء أمر ممكن في الوجود، كما هو موجود للمخلوقات، فثبت أنه كمال ممكن ولا نقص فيه، لاسيما وهم يسلمون أن الجود صفة كمال، فواجب لا يفعل ولا يجود ولا يحدث شيئاً أنقص ممن يفعل ويجود ويحدث شيئاً بعد شيء، وإذا كان كمالاً لا نقص فيه وهو ممكن الوجود، لزم أن يكون ثابتاً لواجب الوجود وأن يكون ثابتاً للقديم، وان يكون ثابتاً للغنى عما سواه، وأن يكون ثابتاً للقيوم.
وإذا كان كذلك فمن كانت هذه صفته امتنع وجود المفعول معه، لأنه لو
وجد معه للزم سلب الكمال، وهو الإحداث شيئاً بعد شيء، والفعل الدائم للمفعولات شيئاً بعد شيء، وإذا كان نفس الكمال الذي يستحقه لذاته يوجب أن يفعل شيئاً بعد شيء، ويمتنع أن يقارنه شيء من المفعولات فيكون لازماً له ثبت حدوث كل ما سواه وهو المطلوب ا ٠هـ.
وقال في (٢/٢٣) :
ولهذا كان المانعون من هذا إنما منعوا منه لاعتقادهم امتناع الفعل في الأزل، إما لامتناع حوادث لا أول لها عندهم، أو لأن الفعل ينافي الأزلية، أو لغير ذلك. وعلى كل تقدير فإنه يمتنع قدم شيء بعينه من العالم. وكذلك إذا قدر أن الفعل دائم، فإنه دائم باختياره وقدرته، فلا يكون الفعل الثاني إلا بعد الأول، وليس هو موجباً بذاته في الأزل لشيء من الأفعال، ولا من الأفعال ما هو قديم أزلي.
والأفعال نوعان: لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولاً، والفعل المتعدي يقتضي مفعولاً، فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة، وأما المتعدية فكانت بعد أن لم تكن، لم يلزم وجوب ثبوت شيء من المفعولات في الأزل.
стр. 54
وإن قدر أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضاً والمستلزم لمفعول، فإذا كان الفعل يحدث شيئاً بعد شيء، فالمفعول المشروط به أولاً بالحدوث شيئاً بعد شيء، لأن وجود المشروط بدون الشرط محال، فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل لا فعل معين ولا مفعول معين، فلا يكون في العالم شيء يقارنه في الأزل، وإن قدر أنه لم يزل فاعلاً ، فهذه الطريقة قرر فيها ثبوت القديم المحدث للحوادث، وحدوث كل ما سواه، من غير احتياج إلى طريقة الوجوب والإمكان، ولا إلى طريقة الجواهر والأعراض ا٠هـ.
وبعد كل هذا البيان نخلص أن القدم النوعي للعالم هو جواز استمرار المخلوقات من غير انقطاع لأن هذا نتيجة لديمومة فعل الله سبحانه ولهذا قال في (١/٢٨١) :
وإن كان أفعاله دائمة شيئاً بعد شيء ليس فيها واحد قديم وكذلك مفعولاته بطريق الأولى، فإن المفعول تابع للفعل فلا يكون في أفعاله ولا في مفعولاته شيء قديم وإن كانت دائمة لم تزل فإن دوام النوع وقدمه ليس مستلزماً قدم شيء من الأعيان ا ٠هـ.
وقال في (٢/١٤٤) :
وإذا كان ذلك الفعل يوجد شيئاً فشيئاً كان المفعول كذلك بطريق الأولى، لامتناع تقدم المفعول على فعله، فلا يكون فعل دائم معين، فلا يكون مفعول معين دائم ا٠هـ.
والمفعول هو المخلوق كما قال في (٢/٨٨) :
والثاني: ما يكون مخلوقا بائناً عن الله فهذه هي المفعولات ا٠هـ.
стр. 55
وعلى هذا لم يخرج شيخ الإسلام عن معنى القدم الاصطلاحي في نوع الفعل ونوع المفعول لأن النوع إذا كان مستمراً فالنوع لم يسبق بعدم كما سبق أن وضحنا.
وهنا أمر مهم ينبغي أن يضاف وهو ان الأزل ليس شيئاً محدوداً فقال في (٢/٤٦) : وليس في الأزل شيئاً محدوداً كان فيه فاعلاً للجميع ا٠هـ
وقال في (١/٢٨٣) : وليس الأزل وقتاً محدوداً بل هو عبارة عن الدوام الماضي الذي لا ابتداء له الذي لم يسبق بعدم الذي ما زال ا٠هـ.
وبقي أن نذكر أن ما قاله شيخ الإسلام في القدم النوعي للعالم قد قاله كثيرون غيره، كالفخر الرازي والسراج الأرموي وقبلهما ابو الثناء الأبهري - شيخ الأصفهاني - والدواني وبخيت المطيعي ومحمد عبده ومحمد الأمين الشنقيطي وكثير من المتكلمين - من قبل ومن بعد.
قال الشنقيطي في كتابه رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص٥١:
وهذا الكلام كله في استحالة تسلسل تأثير بعض أفراد الهيولي في بعض اما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها يايجاد الله، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا. وهو في كل لحظة من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء فالحكم عليه بأن احداثه للحوادث له مبدأ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزاً عن الايجاد عن ذلك. وإيضاح المقام انك لو فرضت تحليل زمن وجود الله في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض ان ابتداء ايجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات فإنك ان قلت هو مقترن باللحظة الأولى قلنا ليس
стр. 56
هناك أولى البتة، وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى فإن الله موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ، لم يكن فعل قبله شيئاً يتوهم أن له مانعاً من الفعل قبل ابتداء الفعل، فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء فجميع ما سوى الله كله مخلوق حادث بعد عدم، إلا أن الله لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع الفعل عن ذلك. فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه وكل فرد منها كائناً ما كان فهو حادث مسبوق بعدم لكن محدثه لا أول له وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء .
قال بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في سلم الوصول لشرح نهاية السول (٢/١٠٣) :
قال الأسنوى " الثاني أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل وأما التسلسل في الآثار فلا نسلم إلى آخره " كلام جيد واما قول الاصفهاني وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا فنقول لا يلزم كونه باطلاً على رأيه أنه باطل في الواقع ونفس الأمر فإنه لغاية الآن لم يقم دليل على امتناع التسلسل في الآثار الموجودة في الخارج وان اشتهر أن التسلسل فيها محال ولزوم حوادث لا أول لها لا يضر العقيدة إلا إذا قلنا لا أول لها بمعنى لا أول لوجودها وهذا مما لم يقل به أحد بل الكل متفق على ان ما سوى الله تعالى مما كان أو يكون حادث أي موجود بعد العدم بقطع النظر عن أن تقف
стр. 57
آحاده عند حد من جانبي الماضي والمستقبل أولا تقف عند حد من جانبهما أو من أحدهما الا ترى ان الإجماع قام على أن نعيم الجنة لا يتناهى ولا يقف عند حد في المستقبل وبعد كونه حادثاً بمعنى أنه موجود بعد العدم لا يضرنا أن نقول لا آخر له بمعنى عدم انقطاع آحاده وعدم وقوفها عند حد ولو قلنا أنه لا آخر لها بمعنى أن البقاء واجب لها لذاتها لكان كفرا، فكذلك من جانب الماضي نقول حوادث لا أول لها بمعنى أنها لا تقف آحادها عند حد تنتهي اليه وكل واحد منها موجود بعد العدم ولكنها لا تتناهى في دائرة ما لا يزال ولو قلنا أنها لا أول لوجودها ولا افتتاح له لكان ذلك قولاً بقدمها وذلك كفر وعليك بكتابنا القول المفيد وحواشي الخريدة ا٠هـ.
وقد رجح الدواني القول بحوادث لا أول لها في حدوث العالم فقال: " أنت خبير مما سبق أنه يمكن صدور العالم مع حدوثه، وعلى هذا الوجه، فلا يلزم القدم الشخصي في شيء من أجزاء العالم، بل القدم الجنسي بأن يكون فردك لا يزال على سبيل التعاقب موجوداً "
وقال الشيخ محمد عبده في حاشيته على " شرح الدواني للعقائد العضدية " (ص١٧٩) ما نصه: " وقد استشهد الحكماء على قدم الممكنات بدليل نقلي، وهو ما ذم الله به اليهود ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ وبيانه: أنه لو قيل بحدوث العالم فقد قيل بأنه الحق في أزليته لم يزل معطلاً عن الفيض والجود أزمنة غير متناهية لا ابتداء لها ثم أخذ يعطي الوجود، ومعلوم أنه على فرض أنه لم يزل خلاقاً إلى الأبد فكل ما خلقه فهو متناه، ونسبة المتناهي إلى غير المتناهي كلا نسبة، وذلك جلي التصور، فنسبة إعطاء الحق للوجود إلى منعه عن كل موجود ليست بشيء،
стр. 58
وإن هذا إلا غل اليد، حيث أن الإعطاء ليس بشيء يذكر في جانب المنع، وهذا من الشناعة بمكان والجواب أن ذلك - التخلص من الشناعة - لا يتوقف على القول بقدم شيء من أجزاء العالم، بل يكفي ان يقال: إن الله لم يزل خلاقاً وإن كان كل جزء من أجزاء العالم حادثاً، فلا أول لعطائه، ولا مانع يقهره سبحانه، وهو الجواد الحق، ينفق كيف يشاء، ولا شيء من العالم قديم، بل كل حادث فهو مسبوق بالعدم، فلا دلالة في الآية على القدم " انتهى.
فتأمل قوله (فلا أول لعطائه) وقوله (كل جزء من أجزاء العالم حادث) وقوله (لم يزل خلاقاً)
قال الأستاذ مراد شكري: " واعجب أخي أن أحداً من المحققين النظار لن يخطر بباله أبداً أن قدم النوع هو شيء قديم مع الله، وأن النوع شيء محسوس له وجود ا ٠ هـ
ويقول محمد خليل هراس في كتابه ابن تيمية السلفي ص١٦٣:
ولكن ما معنى هذا الاستعطاف والاستتباع وهل هو مقتض لقدم العالم أو حدوثه فإن المسألة في نظر العقل لا تخرج عن أحد هذين الأمرين فإن ما ليس بقديم فهو حادث وما ليس بحادث فهو قديم.
يجيب ابن تيمية على هذا بأنه يجب أن نفرق بين شيئين:
١- نوع أنواع الحوادث أو أجناسها.
٢- وأعيانها أو أشخاصها
стр. 59
أما النوع أو الجنس فقديم، وأما أعيان الحوادث أو أشخاصها فحادثة ومعنى قدم النوع أو الجنس أن الله لم يزل فاعلاً له إذا شاء فما من حادث إلا وقبله حادث لا ينتهي ذلك إلى حادث يعتبر هو أول الحوادث بمعنى أنه لا حادث قبله ومعنى حدوث العين أو الشخص أنه ما من حادث من هذه الحوادث المتسلسلة شيئاً بعد شيء لا إلى نهاية إلا وهو محدث كائن بعد أن لم يكن وذلك كما تقوله الفلاسفة في حركات الأفلاك من أن ماهيتها قديمة وإن كانت أشخاصها حادثة.
ويرى ابن تيمية إن الذي أوقع الفلاسفة والمتكلمين في الغلط في هذه المسألة حتى التزموا من المحالات هو عدم اهتدائهم إلى هذا الفرق بين أنواع الحوادث وأشخاصها ا٠هـ
ويقول شيخ الإسلام في درء التعارض (٨/٢٧٩) :
والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل. وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم، ومخالفة نصوص الأنبياء.
وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم يقيم دليلاً على قدم الأفلاك أصلاً، وجميع ما ذكروه ليس فيه
стр. 60
ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم أصلاً، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلاً، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء، بل يوافقها.
وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وأن الله خالق كل شيء، فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً عقلياً يناقض هذا، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع ا٠هـ
وقال في الفتاوى (٩/٢٨٠) :
ولكن موضع النظر والنزاع (نوع الحوادث) وهو انه هل يمكن أن يكون النوع دائماً فيكون الرب لا يزال يتكلم أو يفعل بمشيئته وقدرته أم يمتنع ذلك؟
المطلب الثاني: الحوادث:
الحوادث لها معنيان:
المعنى الأول: تطلق ويراد بها المخلوقات ومنه قول النحراوي: الصفة الرابعة الواجبة له تعالى المخالفة للحوادث أي المخلوقات (١) .
المعنى الثاني: تطلق ويراد بها التجدد.
وبهذا نعلم أنه ليس كل حادث مخلوقاً.
стр. 61
وتسلسل الحوادث يراد بها تسلسل أفعال الرب التي نفاها أهل الكلام بحجة أن لا تحل في الذات الإلهية، وأما أهل السنة فيقولون بإثبات هذه الأفعال ويقولون إن نوع الحوادث قديم أي أن صفة الفعل وهو نوع أو جنس الصفات الفعلية قديم، أما أفرادها أو آحادها فهي حادثة وهذا الذي بمعنى التجدد، وهذا التسلسل للحوادث واجب التسلسل كما سيأتي.
أما الحوادث التي بمعنى المخلوقات وهو تسلسل الأعيان التي هي المفعولات وهي قديمة النوع أيضاً لأنه نتيجة القول بدوام فاعلية الرب أما أفرادها فلا شك أنها مسبوقة بالعدم، وجائز أن يقال ما من زمن يفترض فيه خلق العالم إلا وجائز أن يقع قبله ذلك لأن الله أزلي وهو من التسلسل الجائز لا الواجب كما سيأتي.
وإذا قلنا: تسلسل الحوادث فالسياق يدلنا على المعنى هل هو الأول أم الثاني، ومن يقرأ كلام المتكلمين يعلم مرادهم من السياق هل الحوادث هي الصفات الفعلية كقولهم: لا تحل الحوادث في الذات الإلهية وهم يريدون نفي الصفات الفعلية، ومنه قول الكوثري كما سبق أنه أخذ على ابن القيم قيام الحوادث بذات الله أم ان المراد المخلوقات كقول النحراوي السابق.
ولما كان ابن تيمية يقرر هذه المسألة، ويرد على الجهمية والمعتزلة ظن كثير ممن لم يفهم مراده ولم يعرف مذهب السلف في هذه المسألة ظن أنه يقول بقدم العالم؛ لأنه يقول بحوادث لا أول لها، لأنهم يسمون أفعال الله الاختيارية، التي يفعلها بإرادته حوادث.
ولم يعلم هؤلاء أن لازم قولهم أشنع وأفظع، وهو أن الرب تعالى كان معطلاً عن الفعل ثم صار فاعلاً لأفعاله بعد أن لم يكن كذلك.
стр. 62
المطلب الثالث: التسلسل (١) :
التسلسل: مصطلح كلامي يراد به (ترتيب أمور غير متناهية) وإنما سمى تسلسلاً أخذاً من السلسلة وهي قابلة لزيادة الحلقات إلى ما لا نهاية له فالمناسبة بينهما عدم التناهي بين طرفيها ففي السلسة مبتدؤها ومنتهاها وأما في التسلسل فطرفاه هما الزمن الماضي والمستقبل.
والتسلسل أنواع:
١- ... التسلسل في المؤثرين: بأن يؤثر الشيء في الشيء إلى ما لا نهاية أو أن يكون للحادث فاعل، وللفاعل فاعل وهكذا وهما بنفس المعنى.
وهذا التسلسل ممتنع وباطل بصريح العقل واتفاق العقلاء وهذا التسلسل الذي أمر النبي ﷺ أن يُستعاذ بالله منه، وأمر بالانتهاء عنه، وأن يقول القائل "آمنت بالله ورسله" كما في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته "وفي رواية" لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم به، ثم قال قوموا، قوموا، صدق خليلي " وفي الصحيح أيضاً عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : " قال الله: إن أمتك لا يزالون يسألون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا
стр. 63
الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ رواهما البخاري ومسلم ".
٢- ... التسلسل في العلل الفاعلة:
وأما التسلسل في العلل الفاعلة: فهو أن يقال: للخلق خلق، ولهذا الخلق خلق، ولذلك الخلق خلق، وهكذا أو لا يكون فعل أصلاً حتى يكون قبله فعل ما.
(وهذا ممتنع لذاته؛ فإنه يستلزم وجود الشيء قبل وجوده. ووجوده قبل وجوده يقتضي أن يكون موجوداً معدوماً، وهذا جمع بين النقيضين.
ولهذا استدل غير واحد من أئمة المسلمين على أن كلام الله غير مخلوق بقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ فإن النص دل على أنه
لا يخلق شيئاً حتى يقول له: " كن " فيكون، فلو كان " كن " مخلوقاً، لزم أن يخلقه بكن، وكذلك هذا يجب أن يكون مخلوقاً بكلمة أخرى وهذا يستلزم التسلسل في أصل الخلق ... )
فلو كانت " كن " مخلوقة، لزم أن لا يخلق شيئاً أصلاً، فإنه لا يخلق شيئاً حتى يقول " كن "، ولا يقول " كن " حتى يخلقها؛ فلا يخلق شيئاً.
وهذا التسلسل ممتنع لذاته -كما مر -" فإنه إذا لم يخلق شيئاً أصلاً حتى يخلق قبل ذلك شيئاً آخر، كان هذا ممتنعاً لذاته، فكان وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلاً فيه جمع بين النقيضين بخلاف ما إذا قيل: إنه لا يخلق مخلوقاً معيناً حتى يخلق مخلوقاً معيناً؛ فإن هذا ليس بممتنع؛ كما أنه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الولد) . فهذا هو التسلسل في العلل الفاعلة وهو ممتنع كما تقدم.
٣- التسلسل في الأفعال ويكون:
بأن يرتب الفاعل فعله الأول على فعله الآخر إلى ما لا نهاية وأما الفعل فلا تأثير
стр. 64
له بذاته في ذات غيره من الأفعال والمراد به هنا ما دل عليه العقل والشرع من
دوام أفعال الرب تعالى في الأبد والأزل بأنه ما زال ولا يزال موصوفاً بالفعل فلم تحدث له أفعال بعد أن لم يكن فاعلاً بل هو فاعل أبداً وأزلاً وهذا النوع من التسلسل واجب (١) ، والشرع والعقل قد دلا على إثباته وصحته ووقوعه وسيأتي
ذلك في مبحث خاص إن شاء الله.
٤- التسلسل في الآثار:
وهذا هو موضوع البحث وسيأتي في المبحث الثاني.
والخلاصة أن التسلسل ثلاثة أقسام:
١- تسلسل ممتنع كما سبق.
٢- تسلسل واجب وهو التسلسل في أفعال الله.
تسلسل جائز أو ممكن وهو التسلسل في الأعيان والمخلوقات فهذا جائز أو ممكن وهذا هو الذي يقوله شيخ الإسلام، فلا يقطع ولا يجزم بتسلسل المخلوقات لأننا لا نعلم إلا ما أخبرنا الله به من السماوات والأرض والقلم والعرش وغيرها، أما ما لم يخبرنا به فلا علم لنا ولهذا لا نجزم بتسلسل المخلوقات بل نقول أنه ممكن وجائز، أما تسلسل أفعال الرب فلا شك أنه واجب لا يتصور عدمه ولم يأت يوم وكان معطلاً .
وإذا أطلق التسلسل انصرف للتسلسل في المؤثرين كما في قولهم: والتسلسل باطل.
стр. 65
وفي ختام هذا المبحث أنقل ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه شفاء العليل (٢/٤٤٦) حيث بين في هذا النص عدة مسائل منها: مسألة التكوين الذي قال به الحنفية وسيأتي أيضاً في المبحث الأخير من هذا الكتاب، ومنها التسلسل الواجب والممكن وهو المهم هنا فقال ﵀:
قال القدري: فالآن حمي الوطيس، فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقاً ورازقاً ومميتاً، والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق والمرزوق والميت، إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه فالخلق إما قديم وإما حادث، فإن كان قديماً لزم قدم المخلوق، لأنه نسبة بين الخالق والمخلوق، ويلزم من كونها قديمة قدم المصحح لها، وإن كان حادثاً لزم قيام الحوادث به وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر ولزم التسلسل، فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه، وقد اشتق له منه اسم.
قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيراً من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب سبحانه، فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق، فإن إثبات خالق بلا خلق؛ إثبات اسم لا معنى له، وهو كإثبات سميع لا سمع له، وبصير لا بصر له، ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة، فتعطيل الرب سبحانه عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به، والتعطيل أنواع:
تعطيل المصنوع عن الصانع، وهو تعطيل الدهرية والزنادقة.
وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات.
وتعطيله عن أفعاله وهو أيضاً تعطيل الجهمية وهم أساسه ودب فيمن عداهم من
стр. 66
الطوائف فقالوا: لا يقوم بذاته فعل، لأن الفعل حادث، وليس محلا للحوادث، كما قال إخوانهم: لا تقوم بذاته صفة، لأن الصفة عرض، وليس محلاً للأعراض، فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيراً من تعطيل صفات الرب وأفعاله، فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة، ومعطلة الصفات خير من معطلة الذات، وإن كان التعطيلان متلازمين لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا توصف بصفة.
فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج، ومعطلة الأفعال خير من معطلة الصفات، فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل، وإخوانهم نفوا صفات الذات.
وأهل السمع والعقل حزب الرسول والفرقة الناجية برأاء من تعطيل هؤلاء كلهم، فإنهم أثبتوا الذات والصفات والأفعال، وحقائق الأسماء الحسنى، إذ جعلها المعطلة مجازاً لا حقيقة له، فشر هذه الفرق لخيرها الفداء، والمقصود أنه أي قول التزمه الملتزم كان خيرا من نفي الخلق، وتعطيل هذه الصفة عن الله، وإذا عرض على العقل السليم مفعول لا فاعل له، أو مفعول لا فعل لفاعله لم يجد بين الأمرين فرقاً في الإحالة، فمفعول بلا فعل كمفعول بلا فاعل، لا فرق بينهما البتة، فليعرض العاقل على نفسه القول بتسلسل الحوادث، والقول بقيام الأفعال بذات الرب سبحانه، والقول بوجود مخلوق حادث عن خلق قديم قائم بذات الرب سبحانه والقول بوجود مفعول بلا فعل، ولينظر أي هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع، وأيها اقرب إليهما، ونحن نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال.
فقالت طائفة: نختار من هذا التقسيم والترديد كون الخلق والتكوين قديماً قائماً
стр. 67
بذات الرب سبحانه، ولا يلزمنا قدم المخلوق المكون كما نقول نحن وأنتم: إن الإرادة قديمة، ولا يلزم من قدمها قدم المراد، وكل ما أجبتم به فهو في صورة الإلزام فهو جوابنا بعينه في مسألة التكوين، وهذا جواب سديد، وهو جواب جمهور الحنفية والصوفية وأتباع الأئمة.
فإن قلتم: إنما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد، لأنها تتعلق بوجود المراد في وقته، فهو يريد كون الشيء في ذلك الوقت، وأما تكوينه وخلقه قبل وجوده فمحال.
قيل لكم: لسنا نقول أنه كونه قبل وقت كونه، بل التكوين القديم اقتضى كونه في وقته، كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته.
فإن قلتم: كيف يعقل تكوين ولا مكون؟
قيل: كما عقلتم إرادة ولا مراد.
فإن قلتم: المريد قد يريد الشيء قبل كونه، ولا يكونه قبل كونه.
قيل: كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده، لا في الإرادة التي لا تستلزم المراد،
وإرادة الرب سبحانه ومشيئته تستلزم وجود مراده، وكذلك التكوين، يوضحه: أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين، وذلك كله قديم ولم يلزم منه قدم المكون، قالوا: وإذا عرضنا هذا على العقول السليمة، وعرضنا عليها مفعولاً بلا فعل، بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا، فهذا جواب هؤلاء.
وقالت الكرامية: بل نختار من هذا الترديد كون التكوين حادثاً، وقولكم: يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الرب سبحانه، فالتكوين هو فعله، وهو قائم به، فكأنكم قلتم: [يلزم] من قيام فعله به قيامه به، وسميتم أفعاله
стр. 68
حوادث، وتوسلتم بهذه التسمية إلى تعطيلها، كما سمى إخوانكم صفاته أعراضاً، وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيها عنه، وكما سموا علوه على مخلوقاته واستواءه على عرشه تحيزاً، وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيه، وكما سموا وجهه الأعلى ويديه جوارح، وتوسلوا بذلك إلى نفيها، قالوا: ونحن لا ننكر أفعال خالق السماوات والأرض وما بينهما، وكلامه وتكليمه، ونزوله إلى السماء، واستواءه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، ونداءه لأنبيائه ورسله وملائكته، وفعله ما شاء، بتسميتكم لهذا كله حوادث، ومن أنكر ذلك فقد أنكر كونه رب العالمين، فإنه لا يتقرر في العقول والفطر كونه رباً للعالمين إلا بأن يثبت له الأفعال الاختيارية، وذات لا تفعل ليست مستحقة للربوبية ولا للإلهية، فالإجلال من هذا الإجلال واجب، والتنزيه عن هذا التنزيه متعين، فتنزيه الرب سبحانه عن قيام الأفعال به تنزيه له عن الربوبية وملكه، قالوا: ولنا على صحة هذه المسألة أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والمعقول.
وقد اعترف أفضل متأخريكم بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه المسألة، وذكرها شبهة شبهة وأفسدها، وألزم بها جميع الطوائف.
حتى الفلاسفة الذين هم أبعد الطوائف من إثبات الصفات والأفعال قالوا: ولا يمكن إثبات حدوث العالم وكون الرب خالقاً ومتكلماً وسامعاً ومبصراً ومجيباً للدعوات، ومدبراً للمخلوقات وقادراً ومريداً، إلا بالقول بأنه فعال وأن أفعاله قائمة به، فإذا بطل أن يكون له فعل، وأن تقوم بذاته الأمور المتجددة بطل هذا كله.
стр. 69
(فصل)
وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في حيدته فقال في سؤاله للمريسي: بأي شيء حدثت الأشياء؟ فقال له: أحدثها الله بقدرته التي لم تزل فقلت له: أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفليس تقول: إنه لم يزل قادراً؟ قال: بلى، قلت: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا، قلت: فلابد أن نلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة لأن القدرة صفة، ثم قال عبد العزيز: لم أقل لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل وإنما الفعل صفة والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع فأثبت عبد العزيز فعلاً مقدوراً لله هو صفة له ليس من المخلوقات، وأنه به خلق المخلوقات وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث، أن الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول كما حكاه البغوى إجماعاً لأهل السنة، وقد صرح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به مقدور له وأنه خلق به المخلوقات كما صرح به البخاري في آخر صحيحه وفي كتاب خلق الأفعال فقال في صحيحه: "باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره [وكلامه] فالرب سبحانه بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان فعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون "فصرح إمام السنة ان صفة التخليق هي فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه.
وجميع جند الرسول وحزبه مع محمد بن اسماعيل في هذا، والقرآن مملوء من الدلالة عليه كما دل عليه العقل والفطرة، قال تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ [يس:٨١] ثم أجاب نفسه
стр. 70
بقوله: ﴿بلى وهو الخلاق العليم﴾ [يس:٨١] فأخبر أنه قادر على نفس فعله، وهو أن يخلق، فنفس أن يخلق فعل له، وهو قادر عليه.
ومن يقول لا فعل له، وأن الفعل هو عين المفعول، يقول: لا يقدر على فعل يقوم به البته بل لا يقدر إلا على المفعول المباين له الحادث بغير فعل منه سبحانه وهذا أبلغ في الإحالة من حدوثه بغير قدرة، بل هو في الإحالة كحدوثه بغير فاعل، فإن المفعول يدل على قدرة الفاعل باللزوم العقلي؛ ويدل على فعله الذي وجد به بالتضمن، فإذا سلبت دلالته التضمنية، كان سلب دلالته اللزومية أسهل، ودلالة المفعول على فاعله وفعله دلالة واحدة وهي أظهر بكثير من دلالته على قدرته وإرادته.
وذكر قدرة الرب سبحانه على أفعاله وتكوينه في القرآن كثير كقوله ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ [الأنعام:٦٥] "فأن يبعث "هو نفس فعله، والعذاب هو مفعوله المباين له وكذلك قوله ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ [القيامة: ٦٥] فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما مقدور له، وقال تعالى ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ [القيامة:٤] فتسوية البنان فعله، واستواؤها مفعوله.
ومنكرو الأفعال يقولون: إن الرب سبحانه يقدر على المفعولات المباينة له ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه لا لازم ولا متعد وأهل السنة يقولون: الرب سبحانه يقدر على هذا وعلى هذا وهو سبحانه له الخلق والأمر، فالجهمية أنكرت خلقه وأمره وقالوا: خلقه نفس مخلوقه وأمره مخلوق من مخلوقاته فلا خلق ولا أمر ومن أثبت له الكلام القائم بذاته ونفى أن يكون به فعل، فقد أثبت الأمر دون الخلق
стр. 71
ولم يقل أحد بقيام أفعاله به ونفي صفة الكلام عنه فيثبت الأمر دون الخلق.
وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من الخلق والأمر، فالخلق فعله، والأمر قوله وهو سبحانه يقول ويفعل.
وأجابت طائفة أخرى من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل، وقالوا: ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي دام فاعلية الرب سبحانه؛ وتعاقب أفعاله شيئاً قبل شيء إلى غير غاية، كما تتعاقب شيئاً بعد شيء إلى غير غاية، فلم يزل فعالاً.
قالوا: والفعل صفة كمال ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل.
قالوا: ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا، ومن زعم أن الفعل كان ممتنعاً عليه سبحانه في مدد [غير مقدرة] لا نهاية لها، ولا يقدر أن يفعل، ثم انقلب الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي، من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل، فقد نادى على عقله بين الأنام.
قالوا: وإذا كان هذا في العقول، جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير فاعل، وإن امتنع هذا في بداية العقول، فكذلك تجدد إمكان الفعل وانقلابه من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب، وأما أن يكون هذا ممكناً، وذاك ممتنعاً، فليس في العقول ما يقتضي بذلك.
قالوا: والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق، ولا سنة متبعة فيجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن، فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون بين مؤثرين كل واحد منهما استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية.
стр. 72
والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه، لأنه لم يزل متكلماً إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا ﵎ قط في وقت من الأوقات المحققة او المقدرة معطلاً عن كماله من الكلام [والإرادة والفعل] .
وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما يتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حياً قادراً مريداً متكلماً، وذلك من لوازم ذاته، فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد فرد من مخلوقاته تقدماً لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.
قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده، ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب سبحانه لم يزل قادراً على الفعل لزمه أحد أمرين لابد له منهما، إما بأن يقول بأن الفعل لم يزل ممكناً، وإما ان يقول لم يزل واقعاً، وإلا تناقض تناقضاً بيناً، حيث زعم أن الرب سبحانه لم يزل قادراً على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال،
وهو مقدور له، وهذا قول يناقض بعضه بعضا.
стр. 73
وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركب على جميع التقادير فقالوا: تسلسل الآثار إما أن يكون ممكناً أو ممتنعاً، فإن كان ممكناً فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعاً لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به، فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه.
ولهذا كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، مع قولهم ببطلان التسلسل، مثل كثير من أتباع الأئمة الأربعة، وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين، ثم من هؤلاء من يقول: الخلق - الذي هو التكوين - صفة قديمة كالإرادة، ومنهم من يقول: بل هي حادثة بعد أن لم تكن كالكلام والإرادة وهي قائمة بذاته سبحانه، وهم الكرامية ومن وافقهم، أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته، وأبطلوا دوامها فراراً من القول بحوادث لا أول لها، وكلا الفريقين لا يقول ان ذلك التكوين والخلق مخلوق، بل يقول أن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة.
قالوا: فإذا كان القول بالتسلسل لازماً لكل من قال: إن الرب تعالى لم يزل قادراً على الخلق، يمكنه أن يفعل بلا ممانع فهو لازم لك، كما الزمته لخصومك، فلا ينفردون بجوابه دونك، وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق، فهو لازم لك وحدك.
قالوا: ونحن إنما قلنا: الفعل صفة قائمة به سبحانه، وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، فلا يلزم أن يكون معه
مخلوق في الأزل، إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل المتعدي، وأن
стр. 74
المتعدي يستلزم دوام نوع المفعولات، ودوام نوعها يستلزم أن يكون معه سبحانه في الأزل شيء منها، وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك إلى الاستدلال على ثبوتها كلها، وحينئذ فنقول: أي لازم لزم من إثبات فعله سبحانه كان القول به خيراً من نفي الفعل وتعطيله عنه.
فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام الحوادث به، كما يقوله كثير من الناس، بطل قولكم، وإن لزم من إثبات فعله قيام الأمور الاختيارية به، والقول بانها مفتتحة ولها أول، فهو خير من قولكم، كما تقول الكرامية وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة، فهو خير من قولكم، وإن لزم تسلسل الآثار وكونه سبحانه لم يزل خالقاً كما دل عليه النص والعقل فهو خير من قولكم، ولو قدر انه يلزم أن الخلق لم يزل مع الله قديماً بقدمه كان خيراً من قولكم، مع أن هذا لا يلزم، ولم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل ولا أهل الملل، فكلهم متفقون على أن الله سبحانه وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق موجود بعد عدمه، وليس معه غيره من المخلوقات يكون وجوده مساوياً لوجوده.
فما لزم بعد هذا من إثبات خلقه وامره وصفات كماله ونعوت جلاله، وكونه رب العالمين، وأن كماله المقدس من لوازم ذاته فإنا به قائلون، وله ملتزمون، كما أنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه حيا عليما قديراً سميعاً بصيراً متكلماً آمراً ناهياً، فوق عرشه، بائن من خلقه، يراه المؤمنون بأبصارهم عياناً في الجنة، وفي عرصات القيامة، ويكلمهم ويكلمونه، فإن هذا حق، ولازم الحق مثله، وما لم يلزم من إثبات ذلك من الباطل الذي تتخيله خفافيش العقول فنحن له منكرون، وعن القول به عادلون، وبالله التوفيق.
стр. 75
المبحث الثاني:
أقوال الناس في المسألة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قول المتكلمين وفيه تمهيد وفرعان:
أما التمهيد ففيه بيان اختلاف المتكلمين في هذه المسألة.
وأما الفرعان فهما:
الأول: قول الجهمية والرد عليهم.
الثاني: قول الكلابية والأشعرية مع ذكر أدلتهم والرد عليهم.
المطلب الثاني: قول السلف وأدلتهم على ذلك.