← Акыда

Акыда · id 9933

قدم العالم وتسلسل الحوادث

كاملة الكواري

Полный текст (277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومنهم من قال: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، لكنه يمتنع أن يكون متكلماً في الأزل، أو أنه لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته؛ لأن ذلك يستلزم وجود حوادث لا أول لها، وذلك ممتنع. قالت " هذه الطوائف ": ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم؛ فاستدللنا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلوا من الحوادث ولا تسبقها وما لم يسبق الحوادث فهو حادث، ثم من هؤلاء من ظن أن هذه قضية ضرورية ولم يتفطن لاجمالها، ومنهم من تفطن للفرق بين ما لم يسبق الحوادث المحصورة المحدودة وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة شيئاً بعد شيء، أما الأول فهو حادث بالضرورة؛ لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين، فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها وكلاهما حادث. وأما جنس الحوادث شيئاً بعد شيء فهذا شيء تنازع فيه الناس، فقيل إن ذلك ممتنع في الماضي والمستقبل كقول الجهم وأبي الهذيل، فقال الجهم: بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل: بفناء حركات أهلهما وقيل: بل هو جائز في المستقبل دون الماضي؛ لأن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل وهو قول كثير من طوائف النظار، وقيل: بل هو جائز في الماضي والمستقبل وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة السنة كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل، وغيرهما ممن يقول بأن الله لم يزل متكلماً إذا شاء؛ وأن كلمات الله لا نهاية لها وهي قائمة بذاته وهو متكلم بمشيئته وقدرته، وهو أيضاً قول أئمة الفلاسفة. لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك في حركات الفلك؛ ويقولون إنه قديم أزلي، وخالفوا في ذلك جمهور الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير

стр. 212

العقلاء. فإنهم متفقون على أن الله خلق السموات والأرض؛ بل هو خالق كل شيء، وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن، وإن القديم الأزلى هو الله تعالى بما هو متصف به من صفات الكمال وليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه؛ بل من قال عبدت الله ودعوت الله فإنما عبد ذاته المتصفة بصفات الكمال التي تستحقها، ويمتنع وجود ذاته بدون صفاتها اللازمة لها. ثم لما تكلم في " النبوات " من اتبع أرسطو - كابن سينا وأمثاله - ورأوا ما جاءت به الأنبياء من إخبارهم بأن الله يتكلم، وأنه كلم موسى تكليماً، وأنه خالق كل شيء، أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه، فيقولون: الحدوث نوعان، ذاتي وزماني، ونحن نقول أن الفلك محدث الحدوث الزماني؛ بمعنى أنه معلول وإن كان أزلياً لم يزل مع الله، وقالوا إنه مخلوق بهذا الاعتبار، والكتب الإلهية أخبرت بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام والقديم الأزلي لا يكون في أيام. وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق كل شيء، وأنه خلق كذا إنما أرادوا بذلك انه خلق المخلوق، وأحدثه بعد أن لم يكن، كما قال: ﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً﴾ والعقول الصريحة توافق ذلك، وتعلم أن المفعول المخلوق المصنوع لا يكون مقارناً للفاعل في الزمان ولا يكون إلا بعده، وأن الفعل لا يكون إلا باحداث المفعول. وقالوا لهؤلاء قولكم: " إنه مؤثر تام في الأزل " لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء ويراد به التأثير المطلق في

стр. 213

شيء بعد شيء ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره، فإن أردتم " الأول " لزم أن لا يحدث في العالم حادث، وهذا خلاف المشاهدة وإن أردتم " الثاني " لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقاً حادثاً كائناً بعد أن لم يكن، وكان الرب لم يزل متكلماً بمشيئته فعالاً لما يشاء، وهذا يناقض قولكم ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق ويوافق ما أخبرت به الرسل، وعلى هذا يدل العقل الصريح، فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء، وإن أردتم " الثالث " فسد قولكم؛ لأنه يستلزم أنه يشاء [حدوثها] بعد أن لم يكن فاعلاً لها من غير تجدد سبب يوجب الأحداث، وهذا يناقض قولكم، فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثاً لشىء، وإن لم يصح هذا بطل، فقولكم باطل على التقديرين. وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره، ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في الزمن، وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء، ويلزمكم أن كل ما حدث حدث بدون مؤثر، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر، وليس لكم أن تقولوا بعض الآثار يقارن المؤثر التام وبعضها يتراخى عنه. وأيضاً فكونه فاعلاً لمفعول معين يقارن له أزلاً وأبداً باطل في صريح العقل، وأيضاً فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذي لا يكون [إلا] ممكناً يقبل الوجود والعدم، وهو الذي جعلتموه الممكن الخاص الذي قسيمه الضروري الواجب، والضروري الممتنع لا يكون إلا موجوداً تارة ومعدوماً اخرى، وأن القديم الأزلي لا يكون إلا ضرورياً واجباً يمتنع عدمه، وهذا مما اتفق عليه أرسطو واتباعه حتى ابن سينا وذكره في كتبه المشهورة " كالشفا"

стр. 214

وغيره. ثم تناقض فزعم أن الفلك ممكن مع كونه قديماً أزلياً لم يزل ولا يزال وزعم أن الواجب بغيره القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم وزعم أن له ماهية غير وجوده وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه في غير هذا الموضع. وهذا الأصل تنازع الناس فيه على " ثلاثة أقوال " فقيل: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وبامتناع حوادث لا أول لها مطلقاً وهذا قول المعتزلة ومن اتبعهم من الكرامية والأشعرية ومن دخل معهم من الفقهاء وغيرهم. وقيل: بل يجوز دوام الحوادث مطلقاً وليس كل ما قارن حادثاً بعد حادث لا إلى أول يجب أن يكون حادثاً؛ بل يجوز أن يكون قديماً سواء كان واجباً بنفسه أو بغيره، وربما عبر عنه بالعلة والمعلول، والفاعل والمفعول ونحو ذلك وهذا قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم والأفلاك، كأرسطو واتباعه مثل ثامسطيوس، والاسكندر الافريدوسي وبرقلس، والفارابي، وابن سينا وأمثالهم. وأما جمهور الفلاسفة المتقدمين على أرسطو فلم يكونوا يقولون بقدم الأفلاك، ثم الفلاسفة من هؤلاء وهؤلاء متنازعون في قيام الصفات والحوادث بواجب الوجود على قولين معروفين لهم، وإثبات ذلك قول كثير من الأساطين القدماء، وبعض المتأخرين، كأبي البركات صاحب المعتبر وغيره، كما بسطت أقوالهم في غير هذا الوضع. وقيل: بل أن كان المستلزم للحوادث ممكناً بنفسه، وانه هو الذي يسمى مفعولاً ومعلولاً ومربوباً ونحو ذلك من العبارات وجب أن يكون حادثاً وان

стр. 215

كان واجباً بنفسه لم يجز أن يكون حادثاً وهذا قول أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة، وهو قول جماهير أهل الحديث، وصاحب هذا القول يقول مالا يخلو عن الحوادث وهو معلول أو مفعول أو مبتدع أو مصنوع فهو حادث؛ لأنه إذا كان مفعولاً مستلزماً للحوادث امتنع أن يكون قديماً؛ فإن القديم المعلول لا يكون قديماً إلا إذا كان له موجب قديم بذاته يستلزم معلوله، بحيث يكون معه أزلياً لا يتأخر عنه، وهذا ممتنع. فإن كونه مفعولاً ينافي كونه قديماً بل قدمه ينافي كونه ممكناً، فلا يكون ممكناً إلا ما كان محدثاً عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وهذا قول الفلاسفة القدماء قاطبة كأرسطو وأتباعه، وأما " الفريق الثاني " الذين قالوا بجواز حوادث لا أول لها مطلقاً، وأن القديم الواجب بنفسه يجوز أن تتعقب عليه الحوادث مطلقاً، وإن كان ممكناً لا واجباً بنفسه، فهؤلاء القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم الأفلاك، وأنها لم تزل ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية، لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ونحوه منهم قالوا أنها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته. وأما أرسطو وأتباعه فإنهم قالوا: أن لها علة غائبة تتحرك للتشبه بها في تحركها، كما يحرك المعشوق عاشقه، ولم يثبتوا لها مبدعاً موجباً ولا موجباً قائماً بذاته، ولا قالوا أن الفلك ممكن بنفسه واجب بغيره. بل الفلك عندهم واجب بنفسه لكن قالوا، مع ذلك: إن له علة غائبة يتحرك للتشبه بها لا قوام له إلا بها، فجعلوا الواجب بنفسه الذي لا فاعل له مفتقراً إلى علة غائية منفصلة عنه، هذه حقيقة قول أرسطو وأتباعه؛ ولهذا لم يثبتوا الأول

стр. 216

عالماً بغيره؛ إذ لم يكن الأول عندهم مبدعاً للفلك؛ فإنه إذا كان مبدعاً يجب أن يكون عالماً بمفعوله، كما قال: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟﴾ ولهذا كانت أقوالهم في الإلهيات من أعظم الأقوال فساداً، بخلاف أقوالهم في الطبيعيات؛ ولهذا كان قولهم أشد فساداً في العقل والدين. وقال في المجلد السادس عشر ص٩٤: (الثاني) : أنه قد سلم (١) أنه لم يزل قادراً على أن يخلق الخلق؛ وهذا يقتضي إمكان وجود المقدور في الأزل فإنه إذا كان المقدور ممتنعاً لم تكن هناك قدرة فكيف يجعله لم يزل قادراً مع امتناع أن يكون المقدور لم يزل ممكناً؟ بل المقدور عنده كان ممتنعاً ثم صار ممكناً بلا سبب حادث اقتضى ذلك. (الثالث) أن قوله: " لأن معنى الخلق أنه لم يكن ثم كان، فكيف يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجوداً؟ " فيقال: بل كل مخلوق فهو محدث مسبوق بعدم نفسه، وما ثم قديم أزلي إلا الله وحده. وإذا قيل: " لم يزل خالقاً " فإنما يقتضي قدم نوع الخلق، و " دوام خالقيته " لا يقتضي قدم شىء من المخلوقات فيجب الفرق بين أعيان المخلوقات الحادثة بعد أن لم تكن، فإن هذه لا يقول عاقل إن منها شيئاً أزلياً ومن قال بقدم شيء من العالم - كالفلك أو مادته - فإنه يجعله مخلوقاً بمعنى أنه كان بعد أن لم يكن؛ ولكن إذ أوجده القديم. ولكن لم يزل فعالاً خالقاً، [ودوام خالقيته] من لوازم وجوده، فهذا ليس

стр. 217

وقال في منهاج السنة (١/١٤٨) وعمدة الفلاسفة على قدم العالم هو قولهم: يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث، فيمتنع تقدير ذات معطلة عن الفعل لم تفعل ثم فعلت من غير حدوث سبب. وهذا القول لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم لا الأفلاك ولا غيرها، إنما يدل على أنه لم يزل فعالاً وإذا قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسه أو مفعولات حادثة شيئاً بعد شيء، كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة، مع القول بأن كل ما سوى الله محدث [مخلوق] بعد أن لم يكن، [كما أخبرت الرسل أن الله خالق كل شيء] ، وإن كان النوع لم يزل متجدداً، كما في الحوادث المستقبلة: كل منها حادث [مخلوق] ، وهي لا تزال تحدث شيئاً بعد شيء. قال هؤلاء: والله قد أخبر أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأخبر أنه خالق كل شيء، ولا يكون المخلوق إلا مسبوقاً [بالعدم] فالقرآن يدل على أن كل ما سوى الله مخلوق مفعول محدث فليس شيء من الموجودات مقارناً لله تعالى، كما يقوله [دهرية] الفلاسفة ك إن العالم معلول له، وهو موجب له مفيض له، وهو متقدم عليه بالشرف والعلية والطبع، وليس متقدماً عليه بالزمان فإنه لو كان علة تامة موجبة يقترن بها معلولها - كما زعموا - لم يكن في العالم شيء محدث، فإن ذلك المحدث لا يحدث عن علة تامة أزلية يقارنها معلولها، فإن المحدث المعين لا يكون أزلياً.

стр. 218

وسواء قيل إنه حدث عنه بوسط أو بغير وسط - كما يقولون: إن الفلك تولد عنه بوسط عقل أو عقلين، أو غير ذلك مما يقال - فإن كل قول يقتضي أن يكون شيء من العالم قديماً لازماً لذات الله فهو باطل، لأن ذلك يستلزم كون البارىء موجباً بالذات بحيث يقارنه موجبه، إذ لولا ذلك لما قارنه ذلك الشيء، ولو كان موجباً بالذات لم يتأخر عنه شيء من موجبه ومقتضاه، فكان يلزم أن لا يكون في العالم شيء محدث. وقال في ص ٣٩٦: ومما يستفاد بذلك: أنها برهان باهر على بطلان قول القائلين بقدم العالم أو شيء منه، وهو متضمن الجواب عن عمدتهم. ومما يستفاد بذلك: الاستدلال على المطلوب من غير احتياج إلى الفرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار وذلك أن كثيراً من أهل النظر غلطوا في الفرق بين هذا وهذا، من المعتزلة والشيعة، وصار كثير من الناس كالرازي وأمثاله مضطربين في هذا المقام، فتارة يوافقون المعتزلة على الفرق وتارة يخالفونهم وإذا خالفوهم فهم مترددون بين أهل السنة وبين الفلاسفة أتباع أرسطو. وأصل ذلك أنا نعلم أن القادر المختار يفعل بمشيئته وقدرته، لكن هل يجب وجود المفعول عند وجود الإرادة الجازمة والقدرة التامة أم لا؟ فمذهب الجمهور من أهل السنة المثبتين للقدر، وغيرهم من نفاة القدر، أنه يجب وجود المفعول عند وجود المقتضى التام، وهو الإرادة الجازمة والقدرة التامة وطائفة [أخرى] من مثبته القدر: الجهمية وموافقيهم، ومن نفاة القدر: المعتزلة

стр. 219

وغيرهم، لا توجب ذلك؛ بل يقولون: القادر هو الذي يفعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب، ويجعلون هذا هو الفرق بينه وبين الموجب بالذات، وهؤلاء يقولون: إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، كالجائع مع الرغيفين والهارب مع الطريقين. ثم القدرية من هؤلاء يقولون: العبد قادر يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح، كما يقولون مثل ذلك في الرب. ولهذا كان [من] قول هؤلاء القدرية: إن الله لم ينعم على أهل الطاعة بنعم خصهم بها حتى أطاعوه بها، بل تمكينه للمطيع وغيره سواه؛ لكن هذا رجح الطاعة بلا مرجح، بل بمجرد قدرته من غير سبب أوجب ذلك، وهذا رجح المعصية بمجرد قدرته، من غير سبب أوجب ذلك. وأما الجبرية - كجهم وأصحابه - فعندهم أنه ليس للعبد قدرة ألبتة. الأشعري يوافقهم في المعنى فيقول: ليس للعبد قدرة مؤثرة؛ ويثبت شيئاً يسميه قدرة يجعل وجوده كعدمه، وكذلك الكسب الذي يثبته. وهؤلاء لا يمكنهم أن يحتجوا على بطلان قول القدرية بأن رجحان فاعلية العبد على تاركيته لابد لها من مرجح - كما يفعل ذلك الرازي وطائفة من الجبرية - ولهذا لم يذكر الأشعري وقدماء أصحابه هذه الحجة. وطائفة من الناس - كالرازي وأتباعه - إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر أبطلوا هذا الأصل، وبينوا أن الفعل يجب وجوده عند وجود المرجح التام، وأنه يمتنع فعله بدون المرجح التام، ونصروا أن القادر المختار لا يرجح أحد مقدورية على الآخر إلا بالمرجح [التام] وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة

стр. 220

حدوث العالم وإثبات الفاعل المختار، وإبطال قولهم بالموجب بالذات، سلكوا مسلك المعتزلة والجهمية في القول بأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وعامة الذين سلكوا مسلك أبي عبد الله بن الخطيب وأمثاله تجدهم يتناقضون هذا التناقض. وفصل الخطاب أن يقال: أي شيء يراد بلفظ الموجب بالذات؟ إن عنى [به] أنه يوجب بذات مجردة عن المشيئة والقدرة، فهذه الذات لا حقيقة لها ولا ثبوت في الخارج، فضلاً عن أن تكون موجبة والفلاسفة يتناقضون فإنهم يثبتون للأول غاية، ويثبتون العلل الغائبة في إبداعه، وهذا يستلزم الإرادة. وإذا فسروا الغاية بمجرد العلم، وجعلوا العلم مجرد الذات، كان هذا في غاية الفساد والتناقض؛ فإنا نعلم بالضرورة أن الإرادة ليست مجرد العلم، وأن العلم ليس هو مجرد العالم، لكن هذا من تناقض هؤلاء الفلاسفة في هذا الباب، فإنهم يجعلون المعاني المتعددة معنى واحدا، فيجعلون العلم هو القدرة وهو الإرادة، ويجعلون الصفة هي نفس الموصوف، كما يجعلون العلم هو [نفس] العالم، والقادر هو القدرة، والإرادة هي المريد، والعشق هو العاشق. وهذا قد صرح به فضلاؤهم - وحتى المنتصرون لهم - مثل ابن رشد الحفيد، الذي رد على [أبي حامد] الغزالي في " تهافت التهافت " وأمثاله. وأيضاً: فلو قدر وجود ذات مجردة عن المشيئة والاختيار، فيمتنع أن يكون العالم صادراً عن موجب بالذات بها التفسير، لأن الموجب بالذات بهذا الاعتبار يستلزم موجبه ومقتضاه؛ فلو كان مبدع العالم موجباً بالذات بهذا التفسير،

стр. 221

لزم أن لا يحدث في العالم شيء، وهو خلاف المشاهدة، فقولهم بالموجب بالذات يستلزم نفي صفاته ونفي أفعاله ونفي حدوث شيء من العالم، وهذا كله معلوم البطلان. وأبطل من ذلك أنهم جعلوه واحداً بسيطاً، وقالوا: إنه لا يصدر عنه إلا واحد، ثم احتالوا في صدور الكثرة عنه بحيل تدل على عظيم حيرتهم وجهلهم بهذا الباب، كقولهم: إن الصادر الأول هو العقل الأول، وهو موجود، واجب بغيره، ممكن بنفسه، ففيه ثلاث جهات؛ فصدر عنه باعتبار وجوبه عقل آخر، وباعتبار وجوده نفس، وباعتبار إمكانه [فلك وربما قالوا: وباعتبار وجوده صورة الفلك، وباعتبار إمكانه] مادته وهم متنازعون في النفس الفلكية: هل هي جوهر مفارق له، [أم] عرض قائم به؟ ولهذا أطنب الناس في بيان فساد كلامهم، وذلك أن هذا الواحد الذي فرضوه لا يتصور وجوده إلا في الأذهان لا في الأعيان ثم قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية، وهم لو علموا ثبوتها في [بعض] الصور، لم يلزم أن تكون كلية إلا بقياس التمثيل، فكيف وهم لا يعلمون واحداً / صدر عنه شيء؟ والمقصود هنا أن الموجب بالذات إذا فسر بهذا فهو باطل، وأما إذا فسر الموجب بالذات [بأنه] الذي يوجب مفعوله بمشيئته وقدرته لم يكن هذا المعنى منافياً لكونه فاعلاً بالاختيار بل يكون فاعلاً بالاختيار، موجباً بذاته التي هي فاعل قادر مختار، وهو موجب بمشيئته وقدرته. وإذا تبين أن الموجب بالذات يحتمل معنيين: أحدهما لا ينافي كونه فاعلاً بمشيئته

стр. 222

[وقدرته] ، والآخر ينافي كونه فاعلاً بمشيئته وقدرته؛ فمن قال: القادر لا يفعل إلا على وجه الجواز - كما يقوله من يقوله من القدرية والجهمية - يجعل الفعل بالاختيار منافياً للإيجاب، لا يجامعه بوجه من الوجوه ويقولون: إن القادر المختار لا يكون قادراً [مختاراً] إلا إذا فعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب. والجمهور من أهل السنة وغيرهم يقولون: القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، لكنه إذا شاء أن يفعل مع قدرته لزم وجود فعله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإنه قادر على ما يشاء، ومع القدرة التامة والمشيئة الجازمة يجب وجود الفعل. ولهذا صارت الأقوال ثلاثة: فالفلاسفة يقولون بالموجب بالذات المجردة عن الصفات، أو الموصوف بالصفات الذي يجب أن يقارنه موجبه المعين أزلا وأبداً والقدرية من المعتزلة وغيرهم [من الجهمية، ومن وافقهم من غيرهم] يقولون بالفاعل المختار الذي يفعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب. ثم منهم من يقول: يفعل لا بإرادة، بل المريد عندهم هو الفاعل العالم ومنهم من يقول بحدوث الإرادة وما يحدثه من إرادة أو فعل فهو يحدثه بمجرد القدرة، فإن القادر عندهم يرجح بلا مرجح ثم القدرية من هؤلاء يقولون: يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، وقد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، [بخلاف المجبرة] والجمهور من أهل السنة وغيرهم المثبتين للقدر والصفات، يقولون إنه فاعل بالاختيار، وإذا شاء شيئاً كان، وإرادته وقدرته من لوازم

стр. 223

ذاته سواء قالوا بإرادة واحدة قديمة، أو بإرادات متعاقبة، أو بإرادات قديمة تستوجب حدوث إرادات أخر فعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثة يجب عندهم وجود مراده. وإذا فسر الإيجاب بالذات بهذا المعنى كان النزاع لفظياً، فالدليل الذي ذكرناه يمكن تصوره بلفظ الموجب بالذات، ولفظ العلة والمعلول، ولفظ المؤثر والأثر، ولفظ الفاعل المختار، وهو بجميع هذه العبارات يبين امتناع قدم شيء من العالم، ووجوب حدوث كل ما سوى الله. وهنا أمر آخر، وهو أن الناس تنازعوا في الفاعل المختار: هل يجب أن تكون إرادته قبل الفعل ويمتنع مقارنتها له؟ أم يجب مقارنة إرادته التي هي القصد - للفعل، وما يتقدم الفعل يكون عزماً لا قصداً؟ أم يجوز كل من الأمرين؟ على ثلاثة أقوال. ونحن قد بينا وجوب حدوث كل ما سوى الله على كل قول من الأقوال الثلاثة: قول من يوجب المقارنة، [وقول من يقول بأن المقارنة] ممتنعة، وقول من يجوز الأمرين. وقال في درء التعارض (١/٣٤١) : وهذا على قول الجمهور الذين يقولون: الموجب يحصل عقب الموجب التام، والأثر يحصل عقب المؤثر التام، والمفعول يحصل عقب كمال الفاعلية، والمعلول يحصل عقب كمال العلية. وأما من جعل الأثر مقارناً للمؤثر في الزمان - كما تقوله طائفة من المتفلسفة ومن وافقهم - فهؤلاء يلزم قولهم لوازم تبطله؛ فإنه يلزم عند وجود المؤثرية

стр. 224

التامة أن يكون لها مؤثرية تامة، ومع المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية تامة، وهلم جرا، وهذا تسلسل في تمام المؤثرية، وهو من جنس التسلسل في المؤثرات لا في الآثار، فإن التسلسل في الآثار هو أن يكون أثر بعد أثر، والتسلسل في المؤثرات ان يكون للمؤثر مؤثر معه لا يكون حال عدم المؤثر؛ فإن الشيء لا يفعل في حال عدمه، وإنما يفعل في حال وجوده، فعند وجود التأثير لابد / من وجود المؤثر، فإن المؤثر التام لا يكون حال عدم التأثير، بل لا يكون إلا مع وجوده، لكن نفس تأثيره يستعقب الأثر، فإن جعل تمام المؤثرية مقارناً للأثر كان من جنس التسلسل في المؤثرات، لا في الآثار. وإن قلتم: " إن التسلسل في الآثار جائز " - وهو قولكم - بطل استدلالكم بهذه الحجة على قدم شيء من العالم؛ فإنها لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم، وإنما تدل على وجوب دوام كون الرب فاعلاً. فيقال لكم حينئذ: لم لا يجوز أن تكون الأفلاك، أو كل ما يقدر موجوداً في العالم، أو كل ما يحدثه الله: موقوفاً على حادث بعد حادث، ويكون مجموع العالم الموجود الآن كالشخص الواحد من الأشخاص الحادثة؟ فتبين أن احتجاجكم على مطلوبكم باطل، سواء كان تسلسل الحوادث جائزاً أو لم يكن بل إذا لم يكن جائزاً بطلت الحجة، وبطل المذهب المعروف عندكم، وهو أن حركات الأفلاك أزلية، فإن هذا إنما يصح إذا كان تسلسل الحوادث جائزاً / فإذا كان تسلسلها ممتنعاً لزم أن يكون لحركة الفلك أول، وإن كان تسلسل الحوادث جائزاً، لم يكن في ذلك دلالة على قدم شيء من العالم، لجواز أن يكون حدوث الأفلاك موقوفاً على حوادث قبله، وهلم جرا.

стр. 225

وقال ص ٣٤٥ ولكن مثار الغلط والاشتباه هنا: أن لفظ التسلسل إذا لم يرد به التسلسل في نفس الفعل فإنه يراد به التسلسل في الأثر، بمعنى أنه يحدث شيء بعد شيء، ويراد به التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلاً، وهذا عند من يقول: " إن المؤثر التام وأثره مقترنان في الزمان " كما يقوله هؤلاء الدهرية، فيقتضي أن يكون ما يحدث من تمام المؤثر مقارناً للأثر لا يتقدم عليه، فتبين به فساد حجتهم. وأما من قال: " إن الأثر إنما يحصل عقب تمام المؤثر " فيمكنه أن يقول بما ذكره الأرموى، وهو أن كونه مؤثراً في الأثر المعين يكون مشروطاً بحادث يحدث يكون الأثر عقبه، ولا يكون الأثر مقارناً له. ولكن هذا يبطل قولهم بقدم شيء من العالم، ويوافق أصل أئمة السنة وأهل الحديث الذين يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء. فإنه على قول هؤلاء يقال: فعله لما يحدث من الحوادث مشروط بحدوث حادث به تتم مؤثرية المؤثر، ولكن عقب حدوث ذلك التمام يحدث ذلك الحادث، وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي، إذ الأزلي لا يكون إلا مع تمام مؤثرة، ومقارنة الأثر للمؤثر زماناً ممتنعة ا٠هـ.

стр. 226

المبحث الخامس القدم النوعي من نونية ابن القيم

стр. 227

تمهيد: خصصت هذا المبحث لأبيات نونية ابن القيم مع شرح خليل هراس ليكون مراجعة لما سبق، ولتوضيح مقالة ابن القيم في المسألة رداً على السبكي والكوثري في السيف الصقيل مع حاشيته. وهذه الأبيات تشمل كلام الله تعالى أيضاً لصلة ذلك بالموضوع، وسوف أذكر الأبيات ثم شرح هراس عليه، وما يوجد من تعليق مني على ذلك فسيكون في الحاشية. وقضى بأن الله كان معطلا ... والفعل ممتنع بلا امكان ثم استحال وصار مقدوراً له ... من غير أمر قام بالديان بل حاله سبحانه في ذاته ... قبل الحدوث وبعده سيان الشرح كان الجهم يقول بحدوث العالم بمعنى أنه صار موجوداً بعد أن كان معدوماً لا فرق في ذلك عنده بين أنواع الحوادث وأشخاصها. وتبعه على ذلك معظم فرق المتكلمين كالمعتزلة والأشعرية والكرامية. ويلزم على هذا القول من الفساد أن الله لم يزل معطلاً عن الفعل أو غير قادر عليه، ثم صار فاعلاً وقادراً من غير تجدد سبب أصلاً أوجب له القدرة والفعل. أو أن الفعل منه كان ممتنعاً في الأزل ثم صار ممكناً مقدوراً من غير سبب اقتضى إمكانه - وهذا يستلزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي ويلزم هؤلاء أيضاً أن الحادث إذا حدث بعد أن لم يكن فلابد أن يكون ممكناً. والإمكان ليس له وقت محدد فما من وقت يقدر حدوثه فيه إلا

стр. 228

والإمكان ثابت قبله. ليس لإمكان الفعل وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً فيلزم جواز حوادث لا نهاية لها. فقول المؤلف ﵀: وقضى بأن الفعل كان معطلاً إلخ، إنما هو بيان لما يلزم مذهب جهم وشيعته في قولهم بحدوث العالم وأن له بداية في الزمان. ويقابل قول هؤلاء قول الفلاسفة بقدوم العالم، وأنه صدر عن الله صدور المعلول عن علته بلا قصد ولا اختيار، ولا شك أن هذا القول أفسد من سابقه وساده من الظهور بحيث لا يحتاج إلى إطالة الكلام له. بقى القول الثالث وهو ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الله لم يزل حياً قادراً فعالاً لما يريد متكلماً إذا شاء بما شاء، وأن الفعل والكلام من صفات كماله التي لا يجوز تعطيله عنها في وقت من الأوقات، وأن الفعل والكلام لم يزل ممكناً مقدوراً لا يجوز القول بامتناع ذلك منه في وقت من الأوقات كذلك. فصل في مذهب الكرامية والقائلون بأنه بمشيئة ... في ذاته أيضاً فهم نوعان إحداهما جعلته مبدوءًا به ... نوعاً حذار تسلسل الأعيان فيسد ذاك عليهم في زعمهم ... إثبات خالق هذه الأكوان فلذاك قالوا أنه ذو أول ... ما للفناء عليه من سلطان وكلامه كفعاله وكلاهما ... ذو مبدأ بل ليس ينتهيان

стр. 229

الشرح وأما الفرقة الثانية من القائلين بأن الكلام متعلق بمشيئته تعالى وقدرته فانقسموا إلى طائفتين. الطائفة الأولى الكرامية أتباع محمد بن كرام، وهؤلاء ذهبوا إلى أن الله تعالى يتكلم بمشيئته بالقرآن العربي وغيره، إلا أنهم لا يقولون لم يزل متكلماً إذا شاء لأنه يمتنع عندهم أن يكون الله متكلماً في الأزل فيجعلون كلامه حادثاً في ذاته، مسبوقاً باليوم. بمعنى أن الله لم يكن عندهم متكلماً، ثم صار متكلماً، فنوع الكلام عندهم له ابتداء في ذاته (١) ، وإنما ألجأهم إلى ذلك الخوف من القول بحوادث لا أول لها، فإن هذا يلزمه التسلسل في الموجودات والقول بقدم الأنواع فينسد عليهم طريق إثبات الصانع في زعمهم إذ كان الطريق إلى ذلك هو حدوث الأشياء المستلزم لوجود محدث لها فلهذا اضطر الكرامية إلى أن يجعلوا لما يحدث في ذاته تعالى من الكلام او الفعل ابتداء، لكنه مع ذلك إذ حدث فليس قابلاً عندهم للزوال والفناء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الفرقان (ومحمد بن كرام فكان بعد ابن كلاب في عصر مسلم بن الحجاج أثبت أنه يوصف بالصفات الاختيارية، ويتكلم بمشيئته وقدرته. ولكن عنده يمتنع أنه كان في الأزل متكلماً بمشيئته وقدرته لامتناع حوادث لا أول لها، فلم يقل بقول السلف لم يزل متكلماً إذا شاء، وقال هو وأصحابه في المشهور أن الحوادث التي تقوم به لا يخلو عنها، ولا تزول عنه)

стр. 230

قالوا ولم ينصف خصوم جعجعوا ... وأتوا بتشنيع بلا برهان قلنا كما قالوه في أفعاله ... بل بيننا بون من الفرقان بل نحن اسعد منهم بالحق إذ ... قلنا هما بالله قائمتان وهم فقالوا لم يقم بالله لا ... فعل ولا قول فتعطيلان لفعاله ومقاله شر وأبطل ... من حلول حوادث ببيان تعطيله عن فعله وكلامه ... شر من التشنيع بالهذيان هذى مقالات ابن كرام وما ... ردوا عليه قط بالبرهان أنى وما قد قال أقرب منهم ... للعقل والآثار والقرآن لكنهم جاءوا له بجعاجع ... وفراقع وقعاقع بشمان الشرح قالت الكرامية أن خصومنا من الكلابية والأشعرية قد شنعوا علينا في قولنا بحدوث الكلام في ذاته تعالى بمشيئته واختياره مع أنه لا حجة لهم في هذا التشنيع على أنهم قد قالوا بمثل قولنا في أفعاله تعالى فجعلوها حادثة، ولزمهم في ذلك مثل ما لزمنا من أن الله كان معطلاً عن الفعل في الأزل، ثم صار فاعلاً بلا تجدد سبب أوجد القدرة والإمكان، بل نحن أقرب منهم إلى الحق لأننا جعلنا الكلام والفعل صفتين قائمتين بذاته، وأما هم فعطلوه عن قوله وفعله، فإن القول المسموع عندهم مخلوق كما أن الفعل عين المفعول المخلوق، ولا شك أن تعطيل الباري عن قوله وفعله شر، وأدخل في الباطل من القول بحلول الحوادث في ذاته، والحق أن مقالة ابن كرام وإن كانت منحرفة عن جادة الصواب حيث حكم بخلوه تعالى في الأزل من الكلام والفعل وهما من صفات

стр. 231

كماله إلا أن خطأه أهون من خطأ الأشعرية، ولهذا لم يستطيعوا أن يردوا عليه ببرهان جلي، فإن ما قاله أقرب إلى العقل والنقل مما قالوه. أما من جهة العقل فلأنه لا يعقل متكلماً ولا فاعلاً إلا من قام به الفعل والكلام وأما من جهة النقل فالنصوص كلها دلت على أن الله متكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلامه ليس إلا حروفاً وأصواتاً مسموعة. قوله جعجعوا: أحدثوا ضجة شديدة، وقوله: بتشنيع من شنع عليه إذا نسبه إلى الشناعة وهي القبح. وقوله لفعاله ومقاله متعلق بتعطيلان في البيت قبله وتعطيلان مبتدأ خبره شر وأني بمعنى كيف والاستفهام استبعاد والجعاجع والفراقع والقعاقع أسماء أصوات. ***** فصل في ذكر مذهب أهل الحديث والآخرون أولوا الحديث كأحمد ... ومحمد وأئمة الإيمان قالوا بأن الله حقاً لم يزل ... متكلماً بمشيئة وبيان إن الكلام هو الكمال فكيف ... يخلو عنه في أزل بلا إمكان ويصير فيما لم يزل متكلماً ... ماذا اقتضاه له من الإمكان وتعاقب الكلمات أمر ثابت ... للذات مثل تعاقب الأزمان والله رب العرش قال حقيقة ... حم مع طه بغير قران بل أحرف مترتبات مثل ما ... قد رتبت في مسمع الإنسان وقتان في وقت محال هكذا ... حرفان أيضاً يوجدا في آن من واحد متكلم بل يوجدا ... بالرسم أو يتكلم الرجلان هذا هو المعقول أما الاقتران ... فليس معقولاً لذي الأذهان

стр. 232

الشرح وأما الآخرون من القائلين بأن الله متكلم بكلام قائم بذاته متعلق بمشيئته وإرادته فهم أصحاب الحديث أهل السنة والجماعة كأحمد بن حنبل الشيباني ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهما من أئمة الإيمان ﵃ ذهبوا إلى أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، لأن الكلام صفة كمال إذ أن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازماً لذاته وإذاً فلا يعقل خلوه تعالى عنه في الأزل، لأن الخلو عن الكمال نقص يستحيل على الله. ولأن الكلام إذا كان ممتنعاً عليه في الأزل، ثم صار متكلماً فيما لا يزال، فما الذي اقتضى انقلابه من الامتناع إلى الإمكان، مع أنه لم يتجدد في ذاته شيء يوجب ذلك الانقلاب فتبين أن الرب سبحانه لم يزل متكلماً إذا شاء بمعنى أن جنس كلامه قديم وتعاقب الكلمات وخروجها إلى الوجود شيئاً بعد شيء هو أمر ثابت لها لذواتها مثل تعاقب الأزمنة فكما أن أجزاء الزمان لا توجد مجتمعة، بل توجد على سبيل التعاقب آنا بعد آن، فكذلك الحروف التي هي أجزاء الكلمات لا يمكن النطق بها مجتمعة بحيث يكون النطق بالحرف الثاني مع الأول في آن واحد، بل لابد من وجودها على سبيل التعاقب والتسلسل حرفاً بعد حرف، فإذا قال الله : حم أو طه فلا يعقل اجتماع الحرفين من كل من هاتين الآيتين بحيث ينطق بالميم مع الحاء، أو بالهاء مع الطاء بل تأتي الحروف مترتبات في النطق كما هي مترتبة في السماع. وإذا كان وجود وقتين من الزمان في وقت واحد غير معقول لأن الزمان كم متصل غير قار الذات لا يجتمع أجزاؤه في الوجود، فكذلك وجود حرفين من متكلم واحد في آن واحد مستحيل، وإنما يعقل ذلك في الرسم أي الكتابة أو إذا كان

стр. 233

المتكلم أكثر من واحد، وأما الاقتران الذي تزعم الاقترانية فشيء غير معقول لذوي الأذهان بل إن استحالته ضرورية لا تحتاج إلى بيان. ****** فتقول هذا القدر قد أعيا على ... أهل الكلام وقاده أصلان إحداهما هل فعله مفعوله ... أو غيره فهما لهم قولان والقائلون بأنه هو عينه ... فروا من الأوصاف بالحدثان لكن حقيقة قولهم وصريحه ... تعطيل خالق هذه الأكوان عن فعله إذ فعله مفعوله ... لكنه ما قام بالرحمن فعل الحقيقة ما له فعل إذ ... المفعول منفصل عن الديان الشرح هذا جواب المؤلف على إيراد المعتزلة الذي أرادوا به تصحيح مذهبهم في الكلام بقياسه على الفعل، وقولهم أن وصفه بالمتكلم لا يقتضي قيام الكلام به، كما لا يقتضي وصفه بفاعل قيام الفعل به، وقد استطرد المؤلف في الجواب بذكر مذاهب المتكلمين في فعله تعالى، وهل هو عين مفعوله أو غيره، فالقائلون بأنه هو عينه كالجهمية والمعتزلة إنما دعاهم إلى ذلك فرارهم من القول بقيام الحوادث بذاته، فان الفعل إذا جعل وصفاً له لم يكن إلا حادثاً، والله ليس محلا للحوادث عندهم، لأن ذلك يستلزم حدوثه، وهذا الأمر مما وافقت فيه الأشعرية المعتزلة حيث منعوا هم أيضاً قيام الحوادث بذاته، وقالوا ان مالا يخلو من الحوادث فهو حادث وقد قادت هذه القضية الكاذبة كلا من الطائفتين إلى أحكام فاسدة، فقد التزم المعتزلة لأجلها أن يكون الفعل عين المفعول، وأن يكون كلامه تعالى مخلوقاً له

стр. 234

منفصلاً عنه، والتزم الأشاعرة لأجلها بنفي الحرف والصوت، ونفي صفات الأفعال من الاستواء والمجىء، والغضب والرضى، والمحبة والسخط، والكراهية والنزول والإتيان الخ. والتزموا أن يكون الله قد تكلم في الأزل بكلام سمعه موسى، وأنه ناداه وناجاه في الأزل إلى غير ذلك مما هذى به الفريقان مما يصادم المعقول والمنقول مصادمة صريحة. وحقيقة قول هؤلاء المعتزلة والجهمية أن الفعل عين المفعول هو نفي الفعل وتعطيل الخالق عنه، فإنه إذا كان الفعل هو المفعول، ومعلوم أن المفعول مخلوق له منفصل عنه لم يكن له في الحقيقة فعل هو وصف له قائم به، فتفسير الفعل بالمفعول مستلزم لنفيه، وأنه ليس هناك إلا المفعول. ***** والقائلون بأنه غير له ... متنازعون وهم فطائفتان إحداهما قالت قديم قائم ... بالذات وهو كقدرة المنان سموه تكويناً قديماً قاله ... اتباع شيخ العالم النعماني وخصومهم لم ينصفوا في رده ... بل كابروهم ما أتوا ببيان والآخرون رأوه أمراً حادثاً ... بالذات قام وإنهم نوعان إحداهما جعلته مفتتحاً به ... حذر التسلسل ليس ذا إمكان هذا الذي قالته كرامية ... ففعاله وكلامه سيان الشرح وأما القائلون بأن الفعل غير المفعول فقد انقسموا أولاً إلى طائفتين:

стр. 235

إحداهما: قالت أنه قديم بالذات لازم لها كالقدرة (١) ، ولم يجعلوه متعلقاً بمشيئته تعالى وقدرته، وهم الماتريدية أتباع الشيخ أبي منصور الماتريدي من علماء الحنفية وهذه المسألة مما خالف فيه الماتريدية الأشاعرة رغم ما بين الطائفتين من اتفاق في كثير من مسائل الكلام، فإن المشهور عن الأشاعرة أنهم لا يثبتون إلا سبع صفات، يسمونها صفات المعاني وهي: الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، ويجعلونها كلها قديمة قائمة بالذات وأما صفات الأفعال عندهم من الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلخ، فيجعلونها تعلقات تنجيزية حادثة للقدرة القديمة، ومن العجب أنهم يقولون أن تعلقات الإرادة كلها تنجيزية قديمة، فكيف إذا تخلف عنها المراد في الأزل وكذلك قالوا في تعلقات العلم والكلام. وأما الماتريدية فقد أثبتوا التكوين صفة أخرى وراء الصفات السبع المتقدمة وجعلوها قديمة كما سبق، وقد عارضهم خصومهم، من الأشاعرة وردوا قولهم في إثبات هذه الصفة مكابرة بلا دليل. وأما الطائفة الأخرى فقد ذهبت إلى أن الفعل حادث قائم بالذات، ثم انقسمت إلى فرقتين: الكرامية أتباع محمد بن كرام، وهؤلاء ذهبوا إلى أن فعله حادث قائم بذاته ومتعلق بمشيئته وقدرته، ولكنهم جعلوا له ابتداء في ذاته،

стр. 236

بمعنى أنه لم يكن فاعلاً ثم فعل (١) . وهكذا قالوا في جميع الصفات المتعلقة بالمشيئة من الكلام والرضى والمحبة والنزول والاستواء، والذي دعاهم إلى ذلك الخوف من القول بالتسلسل في أفعاله، فيلزم قدم أنواع المفعولات، فيسد ذلك عليهم في زعمهم طريق إثبات الصانع، إذ كان إثباته من طريق حدوث المخلوقات، وذهبوا إلى أن الفعل والكلام سيان، كلاهما حادث له ابتداء في الذات، فالله عندهم لم يكن متكلماً ولا فاعلاً، ثم حدث له الفعل والكلام، فعطلوه سبحانه عن فعله وكلامه وجعلوا كلاً منهما ممتنعاً في الأزل. ***** والآخرون أولوا الحديث كأحمد ... ذاك ابن حنبل الرضي الشيباني قد قال إن الله حقاً لم يزل ... متكلماً إن شاء ذو إحسان جعل الكلام صفات فعل قائم ... بالذات لم يفقد من الرحمن وكذاك نص على دوام الفعل ... بالإحسان أيضاً في مكان ثان وكذا ابن عباس فراجع قوله ... لما أجاب مسائل القرآن وكذاك جعفر الإمام الصادق ... المقبول عند الخلق ذو العرفان قد ق ال لم يزل المهيمن محسناً ... براً جواداً عند كل أوان الشرح وأما الفرقة الثانية من القائلين بأن فعله تعالى حادث وقائم بذاته، فهم أصحاب الحديث كالإمام أحمد بن حنبل ﵁، هؤلاء ذهبوا إلى ما دلت عليه النصوص الصريحة وحكم به العقل السليم من أن الله لم يزل متصفاً بصفات

стр. 237

كماله سواء ما كان فيها لازماً لذاته أو ما كان متعلقاً بمشيئته وقدرته، ليس لما يحدث في ذاته عندهم ابتداء، بل يقولون لم يزل الله متكلماً إذا شاء بما شاء وكيف شاء خلوه عنها في وقت من الأوقات لأن الخلو عن الكمال الممكن نقص مستحيل على الله، ولا يلزم من دوام فعله وكلامه قدم شيء من المفعولات، فإن الله لم يزل يفعل الأشياء ويحدثها شيئاً بعد شيء، وكذلك لم يزل متكلماً بما شاء، فكل من الكلام والفعل قديم النوع ولكن آحاده لم تزل تحدث في ذاته سبحانه بلا بداية ولا انقطاع، وهذا مستلزم للتسلسل في الآثار، وهو ليس بممتنع، بل دل الشرع والعقل على ثبوته، وإنما الممتنع هو التسلسل في العلل والمؤثرين. وقوله في البيت الثاني: ذو إحسان خبر ثان لأن، أي لم يزل محسناً كما لم يزل متكلماً، وقوله في البيت الرابع وكذلك نص الخ، يعني به أحمد ﵀ أنه نص في مكان آخر من كتابه الذي رد به على الجهمية على دوام فعله سبحانه بدوام إحسانه كما نص على ذلك ابن عباس ﵄ فيما أجاب به على مسائل القران، وكذاك جعفر الصادق من أئمة أهل البيت المشهود لهم بالورع والتقوى والمعرفة الحقة. وقال لم يزل المهيمن محسناً برا جواداً في كل وقت وحال، وهذا إثبات لدوام فعله سبحانه واستمراره في أوقات الزمان كلها بلا بداية ولا انقطاع. ***** وكذا الإمام الدارمى فإنه ... قد قال ما فيه هدى الحيران قال الحياة مع الفعال كلاهما ... متلازمان فليس يفترقان صدق الإمام فكل حي فهو ... فعال وذا في غاية التبيان

стр. 238

إلا إذا ما كان ثم موانع ... من آفة أو قاسر الحيوان والرب ليس لفعله من مانع ... ما شاء كان بقدرة الديان ومشيئة الرحمن لازمة له ... وكذاك قدرة ربنا الرحمن الشرح وممن نص على دوام فاعلية الرب، وأنه لم يعطل عنها في وقت من الأوقات - الإمام الكبير عثمان بن سعيد الدارمي - المشهور في رده على الجهمية والقدرية، وقد قال في هذا كلاماً جيداً وأدلى بحجة قوية، مبناها على أن الفعل لازم للحياة، فكل حي لابد أن يكون فعالا، وما ليس بفعال فهو ليس بحي، فالحياة والفعل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود، اللهم إلا إذا وجد مانع يمنع لحي من الفعل من آفة تصيبه أو قاسر يقسره، وذلك لا يتصور في حقه سبحانه فإن حياته أكمل حياة فيجب أن تستلزم أكمل الأفعال ويستحيل أن تطرأ عليه آفة يعجز معها عن الفعل بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالمشيئة لازمة له لا مكره له ولا غالب، والقدرة كذلك من صفاته اللازمة فلا يعتريه وهن ولا عجز ولا قصور، ومع نفوذ المشيئة وتمام القدرة وانتفاء كل الموانع التي تمنع من تعلقها بالممكن لا يتصور التعطيل عن الفعل، فثبت أنه سبحانه لم يزل فعالاً لأنه لم يزل حياً قادراً مريداً. ***** هذا وقد فطر الإله عباده ... إن المهيمن دائم (١) الإحسان أو لست تسمع قول كل موحد ... يا دائم المعروف والسلطان

стр. 239

وقديم الإحسان الكثير ودائم ... الجود العظيم وصاحب الغفران من غير إنكار عليهم فطرة ... فطروا عليها ولا تواصٍ ثان أو ليس فعل الرب تابع وصفه ... وكماله (١) أفذاك ذو حدثان وكماله سبب الفعال وخلقه ... أفعالهم سبب الكمال الثاني أو ما فعال الرب عين كماله ... أفذاك ممتنع على المنان أزلاً إلى أن صار فيما لم يزل ... متمكناً والفعل ذو إمكان الشرح بعد أن قرر المؤلف مذهب السلف القويم في دوام فاعلية الرب وكلامه أورد من النقول عن بعض أئمة أهل السنة كأحمد وغيره ما يشهد لصحته أراد أن يستدل عليه كذلك عن طريق الفطرة والعقل وأما الفطرة فأننا نسمع الناس في دعائهم واستغاثتهم، وطلبهم الحاجات من الله يلهجون بهذه العبارات من قولهم: يا قديم الإحسان، يا قديم المعروف والسلطان، يا دائم الجود والامتنان إلى غير ذلك مما يفهم أنهم فطروا على اعتقد ذلك فطرة دون أن يوصى بعضهم بعضاً بذلك، أو يعلمه إياه ودون أن ينكر بعضهم على بعض. وأما دليل العقل فهو أن فعل الرب سبحانه تابع لوصفه وكماله، فإذا كان لم يزل موصوفاً بصفات الكمال ونعوت لجلال بحيث لا يتصور خلوه عنها لحظه من اللحظات في جانب الأزل أو الأبد فهو إذاً لم يزل فعالاً لأن الفعل من جملة الصفات التي لم يزل بها موصوفاً، والفعل من لوازم كماله سبحانه فكماله

стр. 240

في ذاته وصفاته هو سبب كونه فاعلاً فهو سبحانه كامل ففعل، أما الكمال في المخلوقات والمكونات في أعيانها وأوصافها فهو تابع لكمال الكون المكون فإن أثر الكمال لا يكون إلا كاملاً. وإذا كان الفعل عين كماله سبحانه لأن الكمال مستتبع له ولا يحصل إلا به. فكيف إذاً يجوز القول بامتناع الفعل منه في الأزل، ثم يصير هذا الفعل ممكناً فيما لا يزال من غير تجدد سبب أوجب ذلك الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي لا تجدد قدرة ولا إرادة ولا غيرهما. ***** تالله قد ضلت عقول القوم إذ ... قالوا بهذا القول ذي البطلان ماذا الذي أضحى له متجدداً ... حتى تمكن فانطقوا ببيان والرب ليس معطلاً عن فعله ... بل كل يوم ربنا في شان والأمر والتكوين وصف كماله ... ما فقد ذا ووجوده سيان وتخلف التأثير بعد تمام موجبه ... محال ليس في الإمكان والله ربي لم يزل ذا قدرة ... ومشيئة ويليهما وصفان العلم مع وصف الحياة وهذه ... أوصاف ذات الخالق المنان وبها تمام العقل ليس بدونها ... فعل يتم بواضح البرهان فلأى شيء قد تأخر فعله ... مع موجب قد تم بالأركان ما كان ممتنعاً عليه الفعل بل ... ما زال فعل الله ذا إمكان الشرح يعني أن هؤلاء الذين قالوا بأن الله كان معطلاً عن الفعل في الأزل وإن الفعل كان ممتنعاً منه فيما لم يزل، ثم صار ممكناً فيما لا يزال قد قالوا بما يعلم كل عاقل بطلانه وبرهنوا على سخافة عقولهم إذ لو كان الفعل ممتنعاً عنه في الأزل

стр. 241

فما الذي صيره ممكناً مع أنه لم يتجدد في ذاته شيء يقتضي هذا الانقلاب من الامتناع إلى الإمكان، وهذا الإلزام لا مخلص لهم منه فإن أجابوا عنه بأن نفس الأزل هو المانع من التأثير في الممكن لأن من شرائط التأثير فيه أن يكون مسبوقاً بالعدم قلنا سبق العدم أمر عدمي يصلح أن يكون شرطاً للتأثير، ولكن الذي يصلح شرطاً هو الإمكان والإمكان ثابت في الأزل فثبت أن الرب سبحانه لم يكن معطلاً عن فعله في وقت من الأوقات بل كل يوم هو في شأن يدبر ما يشاء ويحدث من الأمور ما تقتضيه حكمته - ويقال لهؤلاء أيضاً أليس الأمر والتكوين من صفات الكمال بدليل أن المتصف بهما أكمل من الفاقد لهما، وحينئذ فالله لم يزل آمراً مكوناً والأمر والتكوين هما الموجب التام للتأثير وهو مستلزم لوجود الأثر لأن تخلف الآثر بعد تمام علته الموجبة له محال غير ممكن، ويقال لهم كذلك أن الله لم يزل قادراً مريداً عالماً حياً وهذه الأربعة صفات ذاتية له، وليس يحتاج الفاعل في كونه فاعلاً إلى غير هذه الأربع فهي التي بها تمام الفعل لأنها أركانه التي لا يتحقق بدونها، وإذا كان ذلك فلماذا تأخر فعله سبحانه عن وجود الموجب التام لجميع أركانه، فإن قلتم: تأخر الفعل لأنه كان ممتنعاً في الأزل، قلنا: كذبتم بل لم يزل لأن الممتنع لا ينقلب ممكناً ***** والله عاب المشركين بأنهم ... عبدوا الحجارة في رضا الشيطان ونعى عليهم كونها ليست ... بخالقة وليست ذات نطق بيان فأبان أن الفعل والتكليم من ... أوثانهم لا شك مفقودان وإذا هما فقدا فما مسلوبها ... بإله حق وهو ذو بطلان والله فهو إله حق دائماً ... أفعنه ذا الوصفان مسلوبان

стр. 242

أزلاً وليس لفقدها من غاية ... هذا المحال وأعظم البطلان الشرح ويقال لهؤلاء أيضاً إذا كان الله معطلاً عن الفعل والكلام في الأزل لم يكن إلهاً حقاً ولا واجب العبادة فإن الإلهية الحقة واستحقاق العبادة لا يكون إلا مع القدرة على الخلق والتكليم، ولهذا عاب الله المشركين الذين يعبدون الأصنام إرضاء للشيطان بأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة لأنه لا يقدر على خلق شيء ولا يستطيع تكليم عابديه. قال تعالى ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾ وقال في سورة النحل ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ وقال في سورة الفرقان: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ وقال في سورة الأحقاف ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات﴾ وقال تعالى في شأن الذين عبدوا العجل من قوم موسى ﵇ ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا﴾ وقال الحكاية عما قاله إبراهيم ﵇ لقومه ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ فدللت هذه الآيات الكريمة على أن الفعل والتكليم مفقودان من هذه الأوثان وفقدهما يدل على أنها ليست بآلهة. ومعلوم أن الله إله حق دائماً. ولا يكون كذلك إلا إذا كان موصوفاً بالفعل والتكليم دائماً لأن فاقدهما لا يكون إلهاً حقاً كما تقدم، فكيف يجوز أن يقال أن هذين الوصفين اللذين عليهما مدار الألهية مسلوبان عنه أزلاً، ومعلوم أن الأزل لا غاية له ولا نهاية، هذا من أمحل المحال وأعظم البطلان.

стр. 243

إن كان رب العرش حقاً لم يزل ... أبداً إله الحق ذا سلطان فكذاك أيضاً لم يزل متكلماً ... بل فاعلاً ما شاء ذا إحسان والله ما في العقل ما يقضي لذا ... بالرد والإبطال والنكران بل ليس في المعقول غير ثبوته ... للخالق الأزلي ذي الإحسان هذا وما دون المهيمن حادث ... ليس القديم سواه في الأكوان والله سابق كل شيء غيره ... ما ربنا والخلق مقترنان والله كان وليس شيء غيره ... سبحانه جل العظيم الشان الشرح فإذا كان الله لم يزل ولا يزال له الإلهية الحقة والسلطان الأعظم، فيجب كذلك أن يكون لم يزل متكلماً بما شاء وفاعلاً لما شاء، ولم يزل محسناً براً رحيماً، وليس في العقل ما يحيل هذا أو يأباه، كيف والعقل إنما يقتضي ثبوته للخالق جل وعلا، لأنه يقر له بالأزلية ذاتا وصفات. والأزلية تنافي حدوث الصفات وابتداؤها في ذاته، ولا يلزم من القول بقدم الفعل القول بقدم شيء من المفعولات، فإن الله هو وحده القديم، وكل ما سواه حادث، وليس وجود الأشياء مقارناً بوجوده، بل وجوده سابق عليها جميعاً كما جاء في الحديث " كان الله ولم يكن شيء معه " أي مساوق له في الوجود سبحانه، بل متأخر عنه. ولكنا مع ذلك لا نقول بوجود فاصل لا نهاية له في الزمان بين وجود الله ووجود العالم كما يقوله من ذهب إلى أن العالم وجد من عدم، فإن هذا يستلزم كما قدمنا أن يكون الباري معطلاً عن الفعل أو غير قادر عليه مدة لا تقاس بها مدة فاعليته، بل نقول أنه سبحانه يكون الشيء فيكون عقب تكوينه،

стр. 244

لا مع تكوينه ولا متراخياً عنه فإن المؤثر التام يجب أن يكون أثره عقيب تأثيره بلا مهلة، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ ***** لسنا نقول كما يقول الملحد ... الزنديق صاحب منطق اليونان بدوام هذا العالم المشهود (١) ... والأرواح (٢) في أزل وليس بفان هذى مقالات الملاحدة الأولى ... كفروا بخالق هذه الأكوان الشرح يعني أننا وإن قلنا بقدم الفعل الذي هو صفة الله، لا نقول بأن العالم المفعول قديم مع الله، وأنه مقارن له في الزمان، كما يقول ذلك أرسطو صاحب المنطق، فالمشهور عن أرسطو أنه كان يرى أن العالم مساوق لله في الوجود أزلاً وأبداً، والله عنده ليس خالقاً للعالم، وإنما هو محرك فقط، ولهذا كان يسميه المحرك الأول أو العلة الأولى أو الصورة المحضة. ولا يعني أرسطو بذلك أن الله فعل في العالم الحركة، فإن الله ليس بعلة فاعلية عنده، وإنما هو علة غائية. ويقول أرسطو في بيان ذلك: أن الله لما كان صورة محضة كان في غاية الكمال وكانت المادة في الجهة الأخرى أقرب إلى العدم منها إلى الوجود إذ كانت إمكاناً وكانت وجوداً بالقوة لا بالفعل، فتركت بدافع الشوق إلى محاكاة تلك الصورة المحضة والقرب منها قدر الطاقة، وكانت هذه الحركة الشوقية هي التي أبرزت هذه المادة إلى الوجود بالفعل وسارت بها في طريق التقدم والارتقاء ولا

стр. 245

ريب أن هذا الكلام هو إلى الشعر والخيال أقرب منه إلى الفلسفة، فكيف خان صاحب المنطق منطقه ولم يسعده في هذه المشكلة حتى تورط فيما تورط فيه من كلام هو إلى الهذيان أقرب منه إلى الجد. فليبين لنا أرسطو ما الذي بث الشوق والحنين في مادته المزعومة حتى تحركت تحاول التشبه بتلك الصورة المحضة، وكيف كانت المادة أو الهيولي الأولى قبل حلول الصورة فيها إمكاناً أو قوة، والإمكان معنى من المعاني التي توصف بها المادة وليس هو المادة، ولسنا هنا بصدد الرد على هذه الحماقة من فيلسوف طار صيته وذاع، حتى كاد أن يعبده أتباعه من متفلسفة الإسلام المارقين من أمثال الفارابي وابن سينا ويزعمون لآرائه العصمة والقداسة، ويقدمونها على الوحي المنزل ولا ريب أن هذا الذي قال به أرسطو في قدم العالم هو رأى الملاحدة الدهرية الذين ينكرون وجود الخالق جل وعلا ويقولون ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ . ***** واتى ابن سينا بعد ذاك مصانعاً ... للمسلمين فقال بالإمكان لكنه الأزلى ليس بمحدث ... ما كان معدوماً ولا هو فان وأتى بصلح بين طائفتين بينهما ... الحروب وما هما سلمان أنى يكون المسلمون وشيعة ... اليونان صلحا قط في الإيمان والسيف بين الأنبياء وبينهم ... والحرب بينهم فحرب عوان الشرح جاء ابن سينا بعد أرسطو، وكان كما قلنا تلميذاً وفياً لفلسفة أستاذه، ولكنه من جهة أخرى كان يريد مصانعة المسلمين ومداهنتهم حتى لا يفطنوا لمروقه

стр. 246

وإلحاده، فتكايس بمحاولة التوفيق بين الفلسفة التي تقول بقدم العالم ومقارنته الله في الزمان، وبين الدين الذي يجعله مخلوقاً حادثاً، بعد أن لم يكن، فزعم أن الله علة تامة لوجود العالم، والعلة التامة يجب أن يقارنها معلولها ولا يتخلف عنها، وعلى هذا فيمكن القول بأن العالم أزلى مقارن لله في الزمان، كما تقول الفلسفة، ولكنه من جهة أخرى متأخر وممكن حادث بالذات أما كونه متأخراً فلأن المعلول قد استفاد الوجود من علته، ولا نعنى بالحدوث الذاتي إلا استفادة الوجود من الغير ومن العجيب أن ابن سينا مع قوله بقدم العالم يسمى الله خالقاً وفاعلاً ويسمى العالم مخلوقاً ومفعولا، فمتى خلق الله العالم على رأيه أو فعله إذا كان وجوده مقارناً لوجوده وكيف يمكن أن يكون الله خالقاً للعالم مع القول بأنه علة والخلق إنما يعتمد على القصد والاختيار، وأما العلة فيصدر عنها معلولها بالايجاب المنافي للاختيار، والعالم عنده كما هو أزلي مساوق لعلته في جانب الأزل، هو كذلك أبدى غير قابل للفناء لأن المعلول لعلة تامة يجب أن يبقي ببقاء علته. وهكذا يظن ابن سينا أنه أفلح بهذا التمويه والمغالطة في لبس الأمر على المسلمين، ولكن الأذكياء من علماء هذه الأمة من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية استطاعوا كشف تلبيساته وفضح سرائره ونياته. ومن العجب أيضاً أن يزعم هذا الرجل أنه يحاول الصلح والتوفيق بين طائفتين لا يعقل أن تهدأ بينهما الحرب أو أن يتم سلام، فهذه طائفة تؤمن بالوحي والقرآن وتعتصم بعرى الإسلام والإيمان وهذه طائفة كافرة تدين بما ضرطت به عقول فلاسفة اليونان مما كله أو أغلبه كفر وإلحاد وهذيان. فلا يمكن أن يوضع

стр. 247

السيف بينهم وبين أتباع الأنبياء أبد الدهر، وستبقى بينهم الحرب العوان حتى لا تكون فتنة وحتى يظهر دين الله على الدين كله ولو كره الكافرون. ***** وكذا أتى الطوسى بالحرب الصريح ... بصارم منه وسل لسان وأتى إلى الإسلام يهدم أصله ... من أسه وقواعد البنيان عمر المدارس للفلاسفة الألى ... كفروا بدين الله والقرآن وأتى إلى أوقاف اهل الدين ... ينقلها إليهم فعل ذى أضغان وأراد تحويل الإشارات التي ... هي لابن سينا موضع الفرقان وأراد تحويل الشريعة بالنواميس ... التي كانت لذى اليونان لكنه علم اللعين بأن هذا ... ليس في المقدور والإمكان إلا إذا قتل الخليفة والقضاة ... وسائر الفقهاء في ... البلدان فسعى لذاك وساعد المقدور بالأمر ... الذي هو حكمة الرحمن الشرح بعد أن فرغ المؤلف من الكلام على ابن سينا القرمطي، وما كان يكيد به للإسلام وأهله في الخفاء بسبب اتباعه للفلسفة مع إيهامه انه حريص على اتباع الشريعة، وأنه يحاول جاهداً التوفيق بينها وبين الفلسفة، أخذ في الحديث على ذيل من ذيوله الذين تعلقوا بفلسفته وهو الخواجة نصير الدين الطوسي، فذكر أن هذا الرجل لم يكن يصانع المسلمين كسلفه، ولكنه أعلنها على الإسلام وأهله حرباً صريحة سافرة بسيفه ولسانه، فكان يسعى جهده لكى يهدم الإسلام من أساسه، فأنشأ المدارس، لا لدراسة الكتاب والسنة وعلوم

стр. 248

الشريعة، ولكن لدراسة الكفر والإلحاد باسم الفلسفة، وحول الأحباس التي كانت لأهل الدين إلى طلبه هذه المدارس حسداً منه وبغياً. وقد أراد هذا الخبيث أن يجعل الإشارات الذي ألفه سيده ابن سينا كتاباً مقدساً بدلاً من القرآن، يعني بحفظه ودراسته وتعليمه، كما أراد أن ينسخ الشريعة ويستعيض عنها بالنظم والقوانين التي كانت عند اليونان والرومان، ولكنه علم أن ذلك لا يتم له ولا يقر عليه إلا إذا أزال دولة الإسلام بقتل رجالاتها من الخليفة والقضاة والفقهاء في سائر البلدان، فسعى لذلك سعيه باستعداء التتار أتباع جانكيز خان على المسلمين، وكان يعمل كالمشير لهم، وساعد على تحقيق غرضه موافقة الأقدار له لحكمة أرادها الله سبحانه وهو أحكم الحاكمين ***** فأشار أن يضع التتار سيوفهم ... في عسكر الإيمان والقرآن لكنهم يبقون أهل مصانع الدنيا ... لأجل مصالح الأبدان فغدا على سيف التتار الألف في ... مثل لها مضروبة بوزان وكذا ثمان مئينها في ألفها ... مضروبة بالعد والحسبان حتى بكى الإسلام أعداه اليهود ... كذا المجوس وعابد الصلبان فشفى اللعين النفس من حزب ... الرسول وعسكر الإيمان والقرآن وبوده لو كان في أحد وقد ... شهد الوقيعة مع أبي سفيان لأقر إعينهم وأوفى نذره ... أو أن يرى متمزق اللحمان الشرح أراد هذا الخبيث شفاء غيظه المتقد على الإسلام وأهله بمحاولة الإتيان على أصوله وقواعده والقضاء على حملته، فأشار على أعوانه من التتار، وهم أهل

стр. 249

جهل وغلظة أن يضعوا سيوفهم في معسكر الإيمان والقرآن من رجال الفقه والدين مع الإبقاء على ذوى الحرف وأرباب الصنائع من أجل عمارة البلدان ومصالح الأبدان. وقد أخذ هؤلاء السفكة من التتار بمشورة هذا الخبيث الملحد، فأعملوا سيوفهم في أهل الإسلام في كل بلد دخلوه حتى قدر عدد القتلى بسيوف هؤلاء المجرمين بما يقرب من مليون وثمانمائة ألف شخص ونكب الإسلام بهم نكبة جعلت أعداءه من اليهود والنصارى والمجوس يبكونه ويرثون لحاله، وبذلك تمكن هذا اللعين من شفاء نفسه من حزب الرسول ﷺ الذين هم جند الإيمان وعسكر القرآن. وكان يود له أنه شهد وقعة أحد مع أبي سفيان وحزنه، وكان جنديا في جيش الباطل إذاً لصال وجال وأقر أعين إخوانه من أهل الشرك والضلال وأوفى نذره في الكيد للإسلام وجها أهله، او يرى مقتولاً متمزق اللحمان. ***** وشواهد الأحداث ظاهرة على ... ذا العالم المخلوق بالبرهان وأدلة التوحيد تشهد كلها ... بحدوث كل ما سوى الرحمن أو كان غير الله ﷻ ... معه قديماً كان ربا ثان إذ كان عن رب العلي مستغنياً ... فيكون حينئذ لنا ربان والرب باستقلاله متوحد ... أفممكن أن يستقل اثنان لو كان ذاك تنافيا وتساقطا ... فإذا هما عدمان ممتنعان والقهر والتوحيد يشهد منهما ... كل لصاحبه هما عدلان ولذلك اقترنا جميعاً في صفات ... الله فانظر ذاك في القرآن فالواحد القهار حقاً ليس في ... الإمكان أن تحظى به ذاتان

стр. 250

الشرح بعد هذا الاستطراد الطويل بذكر مذاهب الفلاسفة والدهرية في قدم العالم وموقف ابن سينا ونصيره نصير الدين الطوسي من الإسلام وأهله رجع إلى ما كان فيه من بيان أن الله هو وحده القديم، وأن ما سواه حادث، فقال إن أمارات الحدوث وهو الوجود بعد العدم بادية على كل جزء من أجزاء هذا العالم المخلوق المصنوع - فإن هذه التغيرات الدائبة التى تجري في هذا العالم علويه وسفليه من ولادة وموت وزرع وحصاد، وهبوب رياح ونزول أمطار، وشروق وغروب وحر وبرد، وزلازل وصواعق الخ تشهد بحدوثه إذ لو كان قديماً لما قبل هذه التغيرات، كما أن أدلة التوحيد المثبتة لانفراده سبحانه بالربوبية والقهر شاهدة كذلك بحدوث كل ما سواه، إذ لو كان معه قديم غيره لكان مستغنياً في وجوده وبقائه عنه فيكون ربا معه، ومن خصائص الرب أن يستقل بالخلق والإيجاد، فلو كان هنا ربان لحاول كل منهما أن يستقل بالفعل ولا يتم له ذلك ما دام له شريك مساو له في القدرة ومكافيء في الربوبية فيتمانعان ويتعارضان، فإذا هما عدمان ممتنعان قال تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ وحينئذ فلابد أن ينفرد أحدهما بالقهر والعلو على الآخر ويكون الآخر عاجزاً مغلوباً ولهذا كان كل من القهر والتوحيد عدلا للآخر ودالاً على صاحبه فقل واحد قهار وكل قهار واحد وهذا هو سر مجيئهما مقترنين في كتاب الله تعالى كما قال سبحانه في سورة الرعد ﴿قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ وكما قال في سورة الزمر ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما
следующие страницы →