← Акыда

Акыда · id 9933

قدم العالم وتسلسل الحوادث

كاملة الكواري

Полный текст (277 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولم يقل أحد بقيام أفعاله به ونفي صفة الكلام عنه فيثبت الأمر دون الخلق. وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من الخلق والأمر، فالخلق فعله، والأمر قوله وهو سبحانه يقول ويفعل. وأجابت طائفة أخرى من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل، وقالوا: ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي دام فاعلية الرب سبحانه؛ وتعاقب أفعاله شيئاً قبل شيء إلى غير غاية، كما تتعاقب شيئاً بعد شيء إلى غير غاية، فلم يزل فعالاً. قالوا: والفعل صفة كمال ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل. قالوا: ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا، ومن زعم أن الفعل كان ممتنعاً عليه سبحانه في مدد [غير مقدرة] لا نهاية لها، ولا يقدر أن يفعل، ثم انقلب الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي، من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل، فقد نادى على عقله بين الأنام. قالوا: وإذا كان هذا في العقول، جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير فاعل، وإن امتنع هذا في بداية العقول، فكذلك تجدد إمكان الفعل وانقلابه من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب، وأما أن يكون هذا ممكناً، وذاك ممتنعاً، فليس في العقول ما يقتضي بذلك. قالوا: والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق، ولا سنة متبعة فيجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن، فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون بين مؤثرين كل واحد منهما استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية.

стр. 72

والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه، لأنه لم يزل متكلماً إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا ﵎ قط في وقت من الأوقات المحققة او المقدرة معطلاً عن كماله من الكلام [والإرادة والفعل] . وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما يتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حياً قادراً مريداً متكلماً، وذلك من لوازم ذاته، فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد فرد من مخلوقاته تقدماً لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن. قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده، ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب سبحانه لم يزل قادراً على الفعل لزمه أحد أمرين لابد له منهما، إما بأن يقول بأن الفعل لم يزل ممكناً، وإما ان يقول لم يزل واقعاً، وإلا تناقض تناقضاً بيناً، حيث زعم أن الرب سبحانه لم يزل قادراً على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال، وهو مقدور له، وهذا قول يناقض بعضه بعضا.

стр. 73

وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركب على جميع التقادير فقالوا: تسلسل الآثار إما أن يكون ممكناً أو ممتنعاً، فإن كان ممكناً فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعاً لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به، فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه. ولهذا كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، مع قولهم ببطلان التسلسل، مثل كثير من أتباع الأئمة الأربعة، وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين، ثم من هؤلاء من يقول: الخلق - الذي هو التكوين - صفة قديمة كالإرادة، ومنهم من يقول: بل هي حادثة بعد أن لم تكن كالكلام والإرادة وهي قائمة بذاته سبحانه، وهم الكرامية ومن وافقهم، أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته، وأبطلوا دوامها فراراً من القول بحوادث لا أول لها، وكلا الفريقين لا يقول ان ذلك التكوين والخلق مخلوق، بل يقول أن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة. قالوا: فإذا كان القول بالتسلسل لازماً لكل من قال: إن الرب تعالى لم يزل قادراً على الخلق، يمكنه أن يفعل بلا ممانع فهو لازم لك، كما الزمته لخصومك، فلا ينفردون بجوابه دونك، وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق، فهو لازم لك وحدك. قالوا: ونحن إنما قلنا: الفعل صفة قائمة به سبحانه، وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، فلا يلزم أن يكون معه مخلوق في الأزل، إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل المتعدي، وأن

стр. 74

المتعدي يستلزم دوام نوع المفعولات، ودوام نوعها يستلزم أن يكون معه سبحانه في الأزل شيء منها، وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك إلى الاستدلال على ثبوتها كلها، وحينئذ فنقول: أي لازم لزم من إثبات فعله سبحانه كان القول به خيراً من نفي الفعل وتعطيله عنه. فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام الحوادث به، كما يقوله كثير من الناس، بطل قولكم، وإن لزم من إثبات فعله قيام الأمور الاختيارية به، والقول بانها مفتتحة ولها أول، فهو خير من قولكم، كما تقول الكرامية وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة، فهو خير من قولكم، وإن لزم تسلسل الآثار وكونه سبحانه لم يزل خالقاً كما دل عليه النص والعقل فهو خير من قولكم، ولو قدر انه يلزم أن الخلق لم يزل مع الله قديماً بقدمه كان خيراً من قولكم، مع أن هذا لا يلزم، ولم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل ولا أهل الملل، فكلهم متفقون على أن الله سبحانه وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق موجود بعد عدمه، وليس معه غيره من المخلوقات يكون وجوده مساوياً لوجوده. فما لزم بعد هذا من إثبات خلقه وامره وصفات كماله ونعوت جلاله، وكونه رب العالمين، وأن كماله المقدس من لوازم ذاته فإنا به قائلون، وله ملتزمون، كما أنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه حيا عليما قديراً سميعاً بصيراً متكلماً آمراً ناهياً، فوق عرشه، بائن من خلقه، يراه المؤمنون بأبصارهم عياناً في الجنة، وفي عرصات القيامة، ويكلمهم ويكلمونه، فإن هذا حق، ولازم الحق مثله، وما لم يلزم من إثبات ذلك من الباطل الذي تتخيله خفافيش العقول فنحن له منكرون، وعن القول به عادلون، وبالله التوفيق.

стр. 75

المبحث الثاني: أقوال الناس في المسألة وفيه مطلبان: المطلب الأول: قول المتكلمين وفيه تمهيد وفرعان: أما التمهيد ففيه بيان اختلاف المتكلمين في هذه المسألة. وأما الفرعان فهما: الأول: قول الجهمية والرد عليهم. الثاني: قول الكلابية والأشعرية مع ذكر أدلتهم والرد عليهم. المطلب الثاني: قول السلف وأدلتهم على ذلك.

стр. 76

المطلب الأول: قول المتكلمين وفيه تمهيد وفرعان: أما التمهيد ففيه بيان اختلاف المتكلمين في هذه المسألة. وأما الفرعان فهما: الأول: قول الجهمية والرد عليهم. الثاني: قول الكلابية والأشعرية مع ذكر أدلتهم والرد عليهم.

стр. 77

تمهيد: ذهب المتكلمون إلى امتناع تسلسل الحوادث في الماضي وافترقوا إلى طوائف: الطائفة الأولى: الجهمية وهؤلاء ذهبوا إلى ان الفعل كان ممتنعاً على الله ثم انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي. الطائفة الثانية: الكلابية والأشعرية وقد ذهبوا إلى ان الفعل كان ممتنعاً منه لا عليه أي يثبت له القدرة لكن لا يثبت له الفعل لأن المقدور ممتنع منه. الطائفة الثالثة: الكرامية وقد ذهبوا إلى حلول الحوادث بالذات إلا أنهم جعلوا نوع الفعل منفتحاً به حذراً من التسلسل فكانوا كقول الجهمية في أن الفعل كان ممتنعاً ثم كان ممكناً.

стр. 78

الفرع الأول: قول الجهمية والرد عليهم: ذهب الجهمية كما ذكرنا إلى أن الفعل ممتنع على الله ثم انقلب إلى الامكان، وقالوا يجب أن يكون للحوادث مبدأ. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (١/١٥٦) وما بعده: فإن هؤلاء لما اعتقدوا أن الرب في الأزل كان يمتنع منه الفعل والكلام بمشيئته وقدرته - وكان حقيقة قولهم أنه لم يكن قادراً في الأزل على الكلام والفعل بمشيئته وقدرته لكون ذلك ممتنعاً لنفسه، والممتنع لا يدخل تحت المقدور - صاروا حزبين: حزباً قالوا: إنه صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه، [لكونه صار الفعل والكلام ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، وإنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي] . وهذا قول المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، (وهو قول الكرامية وأئمة الشيعة كالهاشمية وغيرهم) . [وحزباً] قالوا: صار الفعل ممكناً بعد أن كان ممتنعاً منه. وأما الكلام فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته، وهو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما. أو قالوا: إنه حروف، أو حروف وأصوات قديمة الأعيان، لا تتعلق بمشيئته وقدرته، وهو قول طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه، ويعزى ذلك إلى السالمية، وحكاه الشهرستاني عن السلف والحنابلة، وليس هو قول جمهور أئمة الحنابلة، ولكنه قول طائفة منهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهم. وأصل هذا الكلام كان من الجهمية [أصحاب جهم بن صفوان] وأبي الهذيل

стр. 79

العلاف ونحوهما قالوا: لأن الدليل قد دل على أن دوام الحوادث ممتنع، وأنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ لامتناع حوادث لا أول لها، كما قد بسط في غير هذا الموضع. قالوا: فإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يكون كل ما تقارنه الحوادث محدثاً، فيمتنع أن يكون البارىء لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئته وقدرته، بل يمتنع أن يكون لم يزل قادراً على ذلك، لأن القدرة على الممتنع ممتنعة، فيمتنع أن يكون قادراً على دوام الفعل والكلام بمشيئته وقدرته. قالوا: وبهذا يُعلم حدوث الجسم، لأن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ولم يفرق هؤلاء بين مالا يخلو عن نوع الحوادث، وبين ما لا يخلو عن عين الحوادث، ولا فرقوا فيما لا يخلو عن الحوادث، بين أن يكون مفعولاً معلولاً، أو أن يكون فاعلاً واجباً بنفسه. فقال لهؤلاء أئمة الفلاسفة وأئمة [أهل] الملل وغيرهم: فهذا الدليل الذي أثبتم به حدوث العالم هو يدل على امتناع حدوث العالم وكان ما ذكرتموه إنما يدل على نقيض ما قصدتموه. وذلك لأن الحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثاً، فلابد أن يكون ممكناً، والإمكان ليس له وقت محدود، فما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فليس لإمكان الفعل وجواز ذلك وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً صحيحاً، فيلزم أنه لم يزل الرب قادراً عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها.

стр. 80

قال المناظر عن أولئك المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له. وذلك لأن الحوادث عندنا يمتنع أن تكون قديمة النوع، بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه. فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث. فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك. لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث، عندكم ممكناً بعد أن لم يكن ممكناً، وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الإمكان إلى الامتناع، من غير حدوث شيء ولا تجدد شيء. ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث، أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس الإحداث، أو ما يشبه هذا من العبارات، من الامتناع إلى الإمكان، هو مصير ذلك ممكناً جائزاً بعد أن كان ممتنعاً من غير سبب تجدد. وهذا ممتنع في صريح العقل، وهو أيضاً انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة. وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكناً، وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكناً. فقد لزمهم فيما فروا

стр. 81

[إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا] منه، فإنه يعقل كون الحادث ممكناً، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل. وأما كون الممتنع ممكناً، فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع! وأيضاً فما ذكروه من الشرط: وهو أن جنس الفعل أو جنس الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم - لم يزل ممكناً، فإنه يتضمن الجمع بين النقيضين أيضاً. فإن كون هذا لم يزل، يقتضي أنه لا بداية لإمكانه وأن إمكانه قديم أزلي. وكونه مسبوقاً بالعدم يقتضي أن له بداية، وأنه ليس بقديم أزلى. فصار قولهم مستلزماً أن الحوادث يجب أن يكون لها بداية، وأنه لا يجب أن يكون لها بداية. وذلك لأنهم قدروا تقديراً ممتنعاً، والتقدير الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع، كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء: ٢٢] فإن قولهم: إمكان جنس الحوادث - بشرط كونها مسبوقة بالعدم - لا بداية له، مضمونة (١) : أن ما له بداية ليس له بداية، فإن المشروط بسبق العدم له بداية، وإن قدر أنه لا بداية له كان جمعاً بين النقيضين. (١) وأيضاً فيقال: هذا تقدير لا حقيقة له في الخارج، فصار بمنزلة قول القائل: جنس الحوادث بشرط كونها ملحوقة بالعدم، هل لإمكانها نهاية؟ أم ليس لإمكانها نهاية؟ فكما أن هذا يستلزم الجمع بين النقيضين في النهاية، فكذلك الأول يستلزم الجمع بين النقيضين في البداية.

стр. 82

وأيضاً فالممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح تام يجب به الممكن. وقد يقولون: لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام يستلزم وجود ذلك الممكن. [وهذا الثاني أصوب، كما عليه نظار المسلمين المثبتين، فإن بقاءه معدوماً لا يفتقر إلى مرجح. ومن قال: إنه يفتقر إلى مرجح، قال: عدم مرجحه يستلزم عدمه. ولكن يقال: هذا مستلزم لعدمه، لا أن هذا هو الأمر الموجب لعدمه، ولا يجب عدمه في نفس الأمر، بل عدمه في نفس الأمر لا علة له، فإن عدم المعلول يستلزم عدم العلة، وليس هو علة له، والملزوم أعم من كونه علة] ، لأن ذلك المرجح التام لو لم يستلزم وجود الممكن، لكان وجود الممكن مع المرجح التام جائزاً لا واجباً ولا ممتنعاً، وحينئذ فيكون ممكناً فيتوقف على مرجح، لأن الممكن لا يحصل إلا بمرجح. فدل ذلك على أن الممكن إن لم يحصل مرجح يستلزم وجوده امتنع وجوده، وما دام وجوده ممكناً جائزاً غير لازم لا يوجد، وهذا هو الذي يقوله أئمة أهل السنة المثبتين للقدر مع موافقة أئمة الفلاسفة لهم، وهذا مما احتجوا به على أن الله خالق أفعال العباد. والقدرية من المعتزلة وغيرهم تخالف في هذا، وتزعم أن القادر يمكنه ترجيح الفعل على الترك بدون ما يستلزم ذلك، وادعوا أنه إن لم يكن القادر كذلك، لزم أن يكون موجباً بالذات لا قادراً. قالوا: والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، فمتى قيل: إنه لا يفعل إلا مع لزوم أن يفعل، لم يكن مختاراً بل مجبوراً.

стр. 83

فقال لهم الجمهور من أهل الملة وغيرهم: بل هذا خطأ فإن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، ليس هو الذي إن شاء الفعل مشيئة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة، يبقى الفعل ممكناً جائزاً، لا لازماً واجباً، ولا ممتنعاً محالاً. بل نحن نعلم أن القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة، لزم وجود الفعل، وصار واجباً بغيره لا بنفسه، كما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء سبحانه فهو قادر عليه، فإذا شاء شيئاً حصل مراداً له - وهو مقدور عليه فيلزم وجوده وما لم يشأ لم يكن، فإنه ما لم يرده - وإن كان قادراً عليه - لم يحصل المقتضى التام لوجوده، فلا يجوز وجوده. قالوا: ومع القدرة التامة والإرادة الجازمة يمتنع عدم الفعل، ولا يتصور عدم الفعل، إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة. وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، وهو معروف بالأدلة اليقينية، فإن فعل المختار لا يتوقف إلا على قدرته وإرادته، فإنه قد يكون قادراً ولا يريد الفعل فلا يفعله، وقد يكون مريداً للفعل لكنه عاجز عنه فلا يفعله، أما مع كمال قدرته وإرادته، فلا يتوقف الفعل على شيء غير ذلك، والقدرة التامة والإرادة الجازمة هي المرجح التام للفعل الممكن، فمع وجودهما يجب وجود ذلك الفعل. والرب تعالى قادر مختار يفعل بمشيئته لا مكره له، وليس هو موجباً له، بمعنى أنه علة أزلية مستلزمة للفعل، ولا بمعنى أنه يوجب بذات لا مشيئة لها ولا قدرة، بل هو يوجب بمشيئته وقدرته ما شاء وجوده، وهذا هو القادر المختار،

стр. 84

فهو قادر مختار يوجب بمشيئته ما شاء وجوده. وبهذا التحرير يزول الإشكال في هذه المسألة، فإن الموجب بذاته إذا كان أزلياً يقارنه موجبه. فلو كان الرب تعالى موجباً بذاته [للعالم] في الأزل، [لكان كل ما في العالم مقارناً له في الأزل] ، وذلك ممتنع. بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل ما شاء الله وجوده من العالم فإنه يجب وجوده بقدرته ومشيئته، وما لم يشأ يمتنع وجوده، إذ لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، ـ وهذا يقتضي وجوب وجود ما شاء تعالى وجوده. ولفظ الموجب بالذات فيه إجمال، فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته، فلا منافاة بين كونه فاعلاً بالقدرة والاختيار، وبين كونه موجباً بالذات بهذا التفسير. وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئاً من الأشياء بذات مجردة عن القدرة والاختيار، فهذا باطل ممتنع وإن أريد أنه علة تامة أزلية تستلزم معلولها الأزلي، بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه، لازم لذاته، أزلاً وأبداً - الفلك أو غيره - فهذا أيضاً باطل. فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضي قدم شيء من العالم مع الله، أو فسر بما يقتضي سلب صفات الكمال عن الله، فهو باطل. وإن فسر بما يقتضي أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فهو حق. فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده بقدرته ومشيئته، لكن لا يقتضى هذا أنه شاء شيئاً من المخلوقات بعينه في الأزل، بل مشيئته لشيء معين في الأزل ممتنع لوجوده متعددة. ولهذا كان عامة العقلاء على أن الأزلي لا يكون مراداً مقدوراً، ولا أعلم نزاعاً بين النظار أن ما كان من صفات الرب أزلياً لازماً لذاته لا يتأخر منه شيء لا

стр. 85

يجوز أن يكون مراداً مقدوراً، وأن ما كان مراداً مقدوراً لا يكون إلا حادثاً شيئاً بعد شيء، وإن كان نوعه لم يزل موجوداً، أو كان نوعه كله حادثاً بعد أن لم يكن. ولهذا كان الذين اعتقدوا أن القرآن قديم لازم لذات الله متفقين على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنما يكون بمشيئته وقدرته خلق إدراك في العبد لذلك المعنى القديم. والذين قالوا: كلامه قديم، وأرادوا أنه قديم العين، متفقون على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، سواء قالوا: هو معنى واحد قائم بالذات، أو قالوا: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية الأعيان. بخلاف أئمة السلف الذين قالوا: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء. فإن هؤلاء يقولون: الكلام قديم النوع، وإن كلمات الله لا نهاية لها، بل لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته، ولم يزل يتكلم كيف شاء إذا شاء، ونحو ذلك من العبارات. والذين قالوا: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه حادث بالغير قائم بذاته، أو مخلوق منفصل عنه، يمتنع عندهم أن يكون قديماً. فقد اتفقت الطوائف كلها على أن المعين القديم الأزلي لا يكون مقدوراً مراداً، بخلاف ما كان نوعه لم يزل موجوداً شيئاً بعد شيء، فهذا مما يقول أئمة السلف وأهل السنة والحديث إنه يكون بمشيئته وقدرته، كما يقول ذلك جماهير الفلاسفة الأساطين الذين يقولون بحدوث الأفلاك وغيرها، وأرسطو وأصحابه الذين يقولون بقدمها. فأئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك محدثة كائنة بعد أن لم تكن،

стр. 86

مع قولهم: إنه لم يزل النوع المقدور المراد موجوداً شيئاً بعد شيء. ولكن كثيراً من أهل الكلام يقولون: ما كان مقدوراً مراداً يمتنع أن يكون لم يزل شيئاً بعد شيء، ومنهم من يقول بمنع ذلك في المستقبل أيضاً. وهؤلاء هم الذين ناظرهم الفلاسفة القائلون بقدم العالم، ولما ناظروهم واعتقدوا أنهم قد خصموهم وغلبوهم، اعتقدوا أنهم قد خصموا أهل الملل مطلقاً، لاعتقادهم الفاسد الناشيء عن جهلهم بأقوال أئمة أهل الملل، بل وبأقوال أساطين الفلاسفة القدماء، وظنهم أنه ليس لأئمة الملل وأئمة الفلاسفة قول إلا قول هؤلاء المتكلمين وقولهم، أو قول المجوس والحرانية، او قول من يقول بقدم مادة بعينها، ونحو ذلك من الأقوال التي قد يظهر فسادها للنظار، وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا أن عامة العقلاء مطبقون على أن العلم بكون الشيء المعين مراداً مقدوراً، يوجب العلم بكونه حادثاً كائناً بعد أن لم يكن، بل هذا عند العقلاء: أن الشيء مقدور للفاعل مراد له فعله بمشيئته وقدرته، موجب للعلم بأنه حادث. بل مجرد تصورهم كون الشيء مفعولاً أو مخلوقاً أو مصنوعاً أو نحو ذلك من العبارات، يوجب العلم بأنه محدث كائن بعد أن لم يكن ا٠هـ. فقول الجهمية فاسد من وجوه: - ١- انه يدل على امتناع حدوث العالم كما قال شيخ الإسلام. وهو حادث لأنه إذا كان الفعل ممتنعاً، فالممتنع ما لا يمكن وجوده، فهو ممتنع الوجود، أما وقد حدث العالم، فإن حدوثه يدل على أنه ممكن وليس بممتنع فإذا كان ممكناً في وقت كذا، فلابد أن يكون أيضاً ممكناً في أي وقت قبله أو بعده،

стр. 87

فيلزم دوام الإمكان، وهو ما عُبر عنه بجواز حوادث لا نهاية لأولها (١) . يقول الرازي (٢) في المطالب (٤/٣٥) : أن كل ما كان ممتنع الوجود لعينه ولذاته امتنع أن يقبل الوجود البتة، لأن مقتضى الماهية لا يتبدل ولا يتغير، فإن كانت الماهية مقتضية لعدم قبول الوجود، وجب أن تكون أبداً كذلك، وإن كانت مقتضية لقبول الوجود، وجب أن تكون [أبداً] كذلك. فيثبت: أن العالم لو صدق عليه في بعض الأوقات [أنه ممتنع الوجود لذاته، لصدق عليه الحكم في كل الأوقات ولما كان التالي كاذباً، كان المقدم أيضاً كاذباً. ٢-[إنه] لو كان العالم ممتنعاً لذاته في الوقت الأول، ثم انقلب ممكناً لذاته في الوقت الثاني، فذلك الإمكان إما أن يحدث مع جواز أن لا يحدث، أو يحدث مع وجوب أن يحدث. فإن كان الأول كان إمكان حدوث هذا المكان سابقاً على حدوث هذا الإمكان يقتضي حصول الإمكان، فقد كان الشيء ممكناً [قبل كونه ممكناً] وذلك محال، وإن كان الثاني وهو أنه حدث مع وجوب أن يحدث، فنقول: إن هذا غير معقول، وبتقدير كونه معقولاً، فإنه يقتضي نفي الصانع. أما أنه

стр. 88

غير معقول، فلأن الأوقات متشابهة متساوية، فإن بتقدير أن يحدث قبل ذلك الوقت بتقدير يوم واحد، لا يصير أزلياً. وإذا كانت الأوقات متشابهة متساوية، كان القول بأنه ممتنع الحدوث قبل ذلك الوقت بتقدير يوم واحد، وواجب الحدوث في ذلك الوقت بعينه: قول خارج عن العقل. وأما أن بتقدير صحته، فإنه يلزم نفي الصانع وذلك [محال] لأنه لو جاز أن يقال: إنه حدث ذلك الإمكان في ذلك الوقت بعينه، حدوثاً لا على سبيل الوجوب الذاتي، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن وجود العالم حدث في ذلك الوقت بعينه حدوثاً على سبيل الوجوب الذاتي؟ وحينئذٍ لا يمكن الاستدلال بحدوث المحدثات على افتقارها إلى الصانع، وذلك يوجب نفي الصانع. فثبت بهذا أن هذا القول باطل. ٣- ... إنا توافقنا على أنه تعالى كان قادراً على إيجاد [هذا] العالم قبل الوقت الذي أوجده فيه بمقدار ألف سنة، لأن بتقدير أن يتقدم حدوثه [على هذا الوقت الذي حدث] فيه بمقدار ألف سنة لا يصير أزلياً، وإذا ثبت هذا فلا وقت يفرض كونه أولاً لوقت حصول الإمكان، إلا وكان الإمكان حاصلاً قبله بمقدار آخر متناه، وإذا كان لا وقت يشار إليه إلا وقد كان الإمكان حاصلاً قبله لزم القطع بأنه ليس هذا الإمكان مبدأ البتة، فوجب القطع بأنه لا أول لهذا الإمكان وهو المطلوب. ٤-[إنه] لو صدق في وقت من الأوقات أنه يمتنع على قدرة الله التأثير في الإحداث والتكوين، ثم صدق بعد ذلك على تلك القدرة أنه يصح منها التأثير والتكوين، فإما أن يحصل هذا التبدل لأمر، او لا لأمر، والقسمان باطلان.

стр. 89

أما حصوله لا لأمر أصلاً، فهو غير معقول، وأما حصوله لأمر [ما] سواء كان ذلك وجوداً [بعد عدم، أو كان عدماً] بعد وجود، فحصول ذلك التبدل في ذلك الوقت بعينه، إما ان يكون واجباً أو ممكناً فإن كان واجباً عاد التقسيم الأول فيه، وهو أن اختصاص ذلك التبدل بذلك الوقت المعين من غير سبب: كلام لا يقبله العقل. وإن كان ممكناً فحينئذ يمكن حصول ذلك قبل ذلك الوقت، وبتقدير حصول ذلك التبدل قبل [حصول] ذلك الوقت، لزم حصول ذلك الإمكان قبل ذلك الوقت. وإذا كان كذلك فذلك الشيء كان ممكن الوجود قبل ذلك الوقت، وكنا فرضناه ممتنعاً. هذا خلف. فثبت: أن القول بإثبات أول لهذا الإمكان، ولهذه الصحة: كلام لا يقبله العقل. ٥- إن الذي يكون ممتنعاً لذاته، وجب أن يكون ممتنعاً أبداً والذي يكون ممكناً لذاته، وجب أن يكون ممكناً أبدا. ولو جاز التغير على هذه المعاني، فحينئذ لا يبقي للعقل أمان في الحكم بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات فلعل الجمع بين الضدين وإن كان ممتنعاً، فسيجيء وقت يصير فيه واجباً لعينه، ولعل كون الأربعة زوجاً، وإن كان واجباً لذاته، فسيجيء وقت يصير فيه ممتنعاً لعينه. وبالجملة: فالعقل إنما يمكنه تركيب المقدمات بناء على أن ما يكون ممتنعاً لعينه، وجب أن يكون كذلك أبداً، وما كان واجباً لعينه، وجب أن يكون كذلك أبداً فإن أدخلنا الطعن والتكذيب في هذه المقدمة، فحينئذ لا يبقى عند العقل مقدمة يمكنه الجزم بها، وذلك [دخول في السفسطة] . وطرد الجهم قاعدته في المستقبل أيضاً وقال بامتناع الحوادث فيها، وأما العلاف

стр. 90

فذهب إلى فناء الحركات دون الذات وسيأتي في مبحث نونية ابن القيم (١) . لكن يمكن أن يقال ان الفرق بين قول شيخ الإسلام وتلميذه وقول الجهم ان الجهم يرى ان الدوام مستحيل أما شيخ الإسلام وابن القيم فيريان أنه ممكن لكن بفضل الله يفنيها. وليس هذا مجال بسط المسألة ولا ذكر الأدلة.

стр. 91

الفرع الثاني: قول الأشعرية ومن نحا نحوهم: ذهب الأشعرية ومن سلك مسلكهم إلى ان الله يوصف بالقدرة لا كما يقول الجهمية بأن القدرة ممتنعة عليه لكن قالوا: يمتنع المقدور منه وقد وضح شيخ الإسلام في منهاج السنة أصل شبهتهم وشبهة غيرهم. يقول ﵀ في (٢/٣٧٧) : [وقول القائل: الصفات تنقسم إلى صفة ذات وصفة فعل - ويفسر صفة الفعل بما هو بائن عن الرب - كلام متناقض، كيف يكون صفة للرب وهو لا يقوم به بحال، بل هو مخلوق بائن عنه؟ وهذا وإن كانت الأشعرية قالته تبعاً للمعتزلة فهو خطأ في نفسه، فإن إثبات صفات الرب وهي مع ذلك مباينة له جمع بين المتناقضين المتضادين، بل حقيقة قول هؤلاء: إن الفعل لا يوصف به الرب، فإن الفعل هو مخلوق، والمخلوق لا يوصف به الخالق، ولو كان الفعل الذي هو المفعول صفة له لكانت جميع المخلوقات صفات للرب، وهذا لا يقوله عاقل فضلاً عن مسلم فإن قلتم: هذا بناء على أن فعل الله لا يقوم به، لأنه لو قام به لقامت به الحوادث. قيل: والجمهور ينازعونكم في هذا الأصل، ويقولون: كيف يعقل فعل لا يقوم بفاعل، ونحن نعقل الفرق بين نفس الخلق والتكوين وبين المخلوق المكون؟ وهذا قول جمهور الناس كأصحاب أبى حنيفة. وهو الذي حكاه البغوي وغيره من أصحاب الشافعي عن أهل السنة وهو قول أئمة أصحاب أحمد كأبي

стр. 92

إسحاق بن شاقلا وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن حامد [والقاضي أبو يعلى في آخر قوليه] , [هو] قول أئمة الصوفية وأئمة أصحاب الحديث، [وحكاه] البخاري في كتاب " خلق أفعال العباد " عن العلماء مطلقاً وهو قول طوائف من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم. ثم القائلون بقيام فعله به، منهم من يقول: فعله قديم والمفعول متأخر، كما أن إرادته قديمة والمراد متأخر؛ كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم، [وهو الذي ذكره الثقفي وغيره من الكلابية لما وقعت المنازعة بينهم وبين ابن خزيمة] [ومنهم من يقول: هو يقع بمشيئته وقدرته شيئاً فشيئاً لكنه لم يزل متصفاً به، فهو حادث الآحاد قديم النوع، كما يقول ذلك من يقول من أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي أحمد. وسائر الطوائف [منهم من يقول: بل الخلق حادث قائم بالمخلوق كما يقوله هشام بن الحكم وغيره، ومنهم من يقول: بل هو قائم بنفسه لا في محل، كما يقوله أبو الهذيل العلاف وغيره، ومنهم من يقول بمعان قائمة بنفسها لا تتناهى، كما يقوله معمر بن عباد وغيره] وإذا كان الجمهور ينازعونكم فتقدر المنازعة بينكم وبين أئمتكم من الشيعة ومن وافقهم؛ فإن هؤلاء يوافقونكم على أنه حادث لكن يقولون هو قائم بذات الله، فيقولون: قد جمعنا بين حجتنا وحجتكم، فقلنا العدم لا يؤمر، ولا ينهى، وقلنا: الكلام لابد أن يقوم بالمتكلم. فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب.

стр. 93

قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل، ومن لم يقل: إن البارىء يتكلم، ويريد، ويحب ويبغض ويرضى، ويأتي ويجىء، فقد ناقض كتاب الله [تعالى] . ومن قال: إنه لم يزل ينادى موسى في الأزل، فقد خالف كلام الله مع مكابرة العقل ن لأن الله يقول: ﴿فلما جاءها نودى﴾ [سورة النمل: ٨] ، وقال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [سورة يسن: ٨٢] ، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال. قالوا: وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل على أن كلامه متعلق بمشيئته [وقدرته] ، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء فنحن نقول به؛ وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف فنحن نقول به، وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما. فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ " الحوادث " مجمل، فقد يراد به الأمراض والنقائص، والله [تعالى] منزه عن ذلك [كما نزه نفسه عن السنة والنوم واللغوب، وعن أن يؤوده حفظ السماوات والأرض وغير ذلك مما هو منزه عنه بالنص والإجماع. ثم إن كثيراً من نفاة الصفات - المعتزلة وغيرهم - يجعلون مثل هذا حجة في

стр. 94

نفي قيام الحوادث به مطلقاً، وهو غلط منهم، فإن نفي الخاص لا يستلزم نفى العام، ولا يجب إذا نفيت عنه النقائص والعيوب أن ينتفي عنه ما هو من صفات الكمال ونعوت الجلال] ولكن يقوم به ما يشاؤه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة. ونحن نقول لمن أنكر قيام ذلك به: أتنكره لإنكارك قيام الصفة به كإنكار المعتزلة؟ أم تنكره لأن من قامت به الحوادث لم يخل منها ونحو ذلك مما يقوله الكلابية؟ فإن قال بالأول كان الكلام في أصل الصفات وفي كون الكلام قائماً بالمتكلم لا منفصلاً عنه كافياً في هذا الباب. وإن كان الثاني قلنا لهؤلاء: أتجوزون حدوث الأحداث بلا سبب حادث أم لا؟ فإن جوزتم ذلك - وهو قولكم - لزم أن يفعل الحوادث من لم يكن فاعلاً لها ولا لضدها، فإذا جاز هذا [فلم] لا يجوز أن تقوم الحوادث بمن لم تكن قائمة به هي ولا ضدها؟ ومعلوم أن الفعل أعظم من القبول، فإذا جاز فعلها بلا سبب حادث فكذلك قيامها بالمحل. فإن قلتم: القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. قلنا: هذا ممنوع ولا دليل لكم عليه، [ثم إذا سلم ذلك فهو كقول القائل: القادر على الشيء لا يخلو عن فعله وفعل ضده، وأنتم تقولون: إنه لم يزل قادراً، ولم يكن فاعلاً ولا تاركاً، لأن الترك عندكم أمر وجودي مقدور،

стр. 95

وأنتم تقولون: لم يكن فاعلاً لشيء من مقدوراته في الأزل مع كونه قادراً، بل تقولون: إنه يمتنع وجود مقدوره في الأزل مع كونه قادراً عليه. وإذا كان هذا قولكم فلأن لا يجب وجود المقبول في الأزل بطريق الأولى والأحرى، فإن هذا المقبول مقدور لا يوجد إلا بقدرته، وأنتم تجوزون وجود قادر مع امتناع مقدوره في حال كونه قادراً] ثم نقول: إن كان القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده لزم تسلسل الحوادث، وتسلسل الحوادث إن كان ممكناً كان القول الصحيح قول أهل الحديث الذين يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء كما قاله ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة. وإن لم يكن جائزاً [أمكن أن يقوم به الحادث بعد أن لم يكن قائماً به، كما يفعل الحوادث بعد أن لم يكن فاعلاً لها] وكان قولنا هو الصحيح، فقولكم أنتم باطل على [كلا] التقديرين. فإن قلتم لنا: أنتم توافقونا على امتناع تسلسل الحوادث، وهو حجتنا وحجتكم على [نفى] قدم العالم. قلنا لكم: موافقتنا لكم حجة جدلية، وإذا كنا قد قلنا بامتناع تسلسل الحوادث موافقة لكم، وقلنا بأن القابل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده مخالفة لكم. وأنتم تقولون: إن قبل الحوادث لزم تسلسلها وأنتم لا تقولون بذلك. قلنا: إن صحت هاتان المقدمتان - ونحن لا نقول بموجبهما - لزم خطؤنا: إما في هذه وإما في هذه. وليس خطؤنا فيما سلمناه لكم بأولى من خطئنا فيما خالفناكم فيه، فقد يكون خطؤنا في منع تسلسل الحوادث لا في قولنا: إن

стр. 96

القابل للشيء يخلو عنه وعن ضده، فلا يكون خطؤنا في إحدى المسألتين دليلاً على صوابكم في الأخرى التي خالفناكم فيها. أكثر ما في هذا الباب [أنا نكون] متناقضين، والتناقض شامل لنا ولكم ولأكثر من تكلم في هذه المسألة ونظائرها. وإذا كنا متناقضين، فرجوعنا إلى قول نوافق [فيه] العقل والنقل أولى من رجوعنا إلى قول نخالف فيه العقل والنقل فالقول بأن المتكلم يتكلم بكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته أو منفصل عنه لا يقوم به مخالف للعقل والنقل، بخلاف تكلمه بكلام يتعلق بمشيئته وقدرته قائم به فإن هذا لا يخالف لا عقلاً ولا نقلاً، لكن قد نكون [نحن] لم نقله بلوازمه فنكون متناقضين، وإذا كنا متناقضين كان الواجب أن نرجع عن القول الذي أخطأنا فيه لنوافق ما أصبنا فيه، ولا نرجع عن الصواب لنطرد الخطأ، فنحن نرجع عن تلك [المتناقضات] ونقول بقول أهل الحديث. فإن قلتم: إثبات حادث بعد حادث لا إلى أول قول الفلاسفة الدهرية. قلنا: بل قولكم: إن الرب تعالى لم يزل معطلاً لا يمكنه أن يتكلم بشيء ولا أن يفعل شيئاً، ثم صار يمكنه أن يتكلم وأن يفعل بلا حدوث سبب يقتضي ذلك قول مخالف لصريح العقل ولما عليه المسلمون، فإن المسلمين يعلمون أن الله لم يزل قادراً، وإثبات القدرة مع كون المقدور ممتنعاً غير ممكن جمع بين النقيضين، فكان فيما عليه المسلمون من أنه لم يزل قادراً ما يبين أنه لم يزل قادراً على الفعل والكلام بقدرته ومشيئته. والقول بدوام كونه متكلماً ودوام كونه فاعلاً بمشيئته منقول عن السلف

стр. 97

وأئمة المسلمين من أهل البيت وغيرهم، كابن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم، وهو منقول عن جعفر ابن محمد الصادق في الأفعال المتعدية - فضلاً عن اللازمة - وهو دوام إحسانه، [وذلك قوله وقول المسلمين: يا قديم الإحسان، إن عنى بالقديم قائم به] والفلاسفة الدهرية قالوا بقدم [الأفلاك وغيرها من] العالم، وأن الحوادث فيه لا إلى أول، وأن البارىء موجب بذاته للعالم ليس فاعلاً بمشيئته وقدرته ويتصرف بنفسه. [ومعلوم بالاضطرار من دين الرسل أن الله تعالى خالق كل شيء، ولا يكون المخلوق إلا محدثاً، فمن جعل مع الله شيئاً قديماً بقدمه فقد علم مخالفته لما أخبرت به الرسل مع مخالفته لصريح لعقل] وأنتم وافقتموهم على طائفة من باطلهم حيث قلتم: إنه لا يتصرف بنفسه، ولا يقوم به أمر يختاره ويقدر عليه، بل جعلتموه كالجماد الذي لا تصرف له ولا فعل، وهم جعلوه كالجماد الذي لزمه وعلق به ما لا يمكنه دفعه عنه ولا قدرة له على التصرف فيه، فوافقتموهم على بعض باطلهم. ونحن قلنا بما يوافق العقل والنقل من كمال قدرته ومشيئته، وأنه قادر على الفعل بنفسه [وعلى التكلم بنفسه] كيف شاء ـ، وقلنا إنه لم يزل موصوفاً بصفات الكمال متكلماً إذا شاء، فلا نقول: إن كلامه مخلوق منفصل عنه.

стр. 98

وقد اشتمل كلام شيخ الإسلام على أمور: ١- ان إثبات صفة للرب وهي مباينة له لا يقول به عاقل. ٢- بين من يقول بإثبات الفعل من غير ان يقوم بالرب. ٣- بين أن الذين قالوا بقيام الفعل تفرقوا مذاهب شتى والصواب هو قول أهل الحديث. ٤- قيام الحوادث بالرب دل عليه الشرع والعقل (١) . ٥- بين قول المتكلمين الذين قالوا ان الله قادر والمقدور ممتنع. ٦- بين الفرق بين قول الفلاسفة وقول أهل الحديث وسيأتي ذلك في مبحث خاص أن شاء الله. ٧- ذكر الأدلة على دوام فاعلية الرب وسيأتي ذلك مفصلاً إن شاء الله.

стр. 99

أدلة المتكلمين على مذهبهم: استدل المتكلمون على قولهم بالكتاب والسنة والمعقول أولاً: الكتاب في قوله تعالى ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾ فلو كانت الحوادث متسلسلة إلى غير أول لم يتصور حشر ما لا نهاية له على محدود (١) . والجواب أن يقال: ليس المراد بالتسلسل عدم الحد ولكن المراد منه عدم إمكان الحصر الذي لا يتنافى مع الحد فالأعداد الكسرية ما بين الصفر والواحد لا حصر لها ولها حدان من أسفل ومن أعلى وهذا هو الفارق بين عدم إمكان الحصر مع وجود الحد وبين ما لا حد له أصلاً فعلم من ذلك ان المخلوقات لكونها محدودة بالعدم ابتداء وانتهاء فليس المراد في تسلسلها عدم الحد كما هو بين قطعاً، والذي لا حد له كالأعداد تتسلسل إلى ما لا نهاية له من غير حصر ولا حد، ومن هنا كان بالإمكان حشر الخلق في مكان لكونهم تحت الحد، وما أعجزنا حصره من المحدودات فإنه لا يعجز الله. (١) التنبيه والرد ص٩

стр. 100

ثانياً: السنة وقد استدلوا بحديثين: ١- قوله ﷺ (إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. ووجه الدلالة ان الحديث صرح بأن هناك أول مخلوق خلقه الله وأنه ليس قبل القلم مخلوق. والجواب عن هذا الحديث هو أنه لا يخلو قوله: " أول ما خلق الله القلم " ... . الخ إما أن يكون جملة أو جملتين. فإن كان جملة، وهو الصحيح، كان معناه: أنه عند أول خلقه قال له::" اكتب "، كما في اللفظ: " أول ما خلق الله القلم قال له " اكتب " بنصب " أول " " والقلم "، وإن كان جملتين، وهو مروي برفع " أول " و " القلم "، فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم، وفي اللفظ الآخر: " لما خلق الله القلم قال له: اكتب " وحديث عبد الله بن عمرو ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء " فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم، بحديث عبادة هذا. قال المباركفوري في شرح الترمذي (٦/٣٦٩) : - فالأولية إضافية.

стр. 101

فائدة: قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له ا٠هـ ٢- الحديث الثاني هو قوله ﷺ (كان الله ولا شيء معه) . ووجه الدلالة من الحديث أن الشيء يشمل الجسم والفعل والنوع والآحاد، قاله السبكي في السيف الصقيل ص٨٦. والجواب: ١- ان قوله (لا شيء معه) محمول على المعية المقارنة لله من أعيان المخلوقات والقائل به كافر بالله كما هو قول الفلاسفة ولهذا قال ابن حبان في صحيحه (١٤/١٠] : ولا شيء معه لأنه خالقها ا٠هـ. أما نوع الفعل فلا شك أنه معه بمعنى تعاقب الفعل شيئاً بعد شيء ولهذا قال شيخ الإسلام كما سيأتي: وإن قدر أن نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله. والإشكال الذي وقع فيه السبكي وغيره هو ما فهموه من أن قدم الشيء يلزم منه قدم فرد من أفراده الأمر الذي جعل الشيخ هراس يقول: إنه يحتاج في تصوره إلى جهد كبير، وقد بين شيخ الإسلام كما سيأتي أن قدم النوع مع حدوث جميع الأفراد لا محذور فيه سواء كان قدم نوع الفعل أم قدم نوع المفعول فكلاهما بمعنى التعاقب ولا يوجد فرد منهما قديم وقد بينا ذلك فيما سبق. وقال القسطلاني في شرح البخاري (٥/٤٤٩) : ومن ثم جاء قوله: ولم يكن شيء غيره لنفي توهم المعية، وفيه رد على من

стр. 102

توهم من قوله: كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ان العرش لم يزل مع الله ا ٠ هـ بتصرف. وقال الكرماني (٢٥/١٣٩) : لا يلزم من قوله (وكان عرشه على الماء) المعية إذ اللازم من الواو هو الاجتماع في أصل الثبوت وإن كان بينهما تقديم وتأخير، وأقره عليه العيني (٢٥/١١٩) . قال هراس في شرح النونية (١/١٧٤) : وليس وجود الأشياء مقارناً بوجوده، بل وجوده سابق عليها جميعاً كما في الحديث (كان الله ولا شيء معه) أي مساوق عنه في الوجود متأخر عنه. ٢-ان (لا شيء) في الحديث ليس من باب العام الذي ذهب إليه ... السبكي بل هو من باب الظاهر وسبب هذا الحمل هو ما ثبت من دوام الفاعلية فنوع الفعل معه كما ذكرنا. ٣-ما أجاب به شيخ الإسلام في شرحه للحديث حيث قال: إن الناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: ان مقصود الحديث إخباره بأن الله كان موجوداً وحده. ثم انه ابتدأ إحداث جميع الحوادث وإخباره بأن الحوادث لها ابتداء بجنسها، وأعيانها مسبوقة بالعدم، وان جنس الزمان حادث لافي زمان، وجنس الحركات والمتحركات حادث. وإن الله صار فاعلاً بعد ان لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إلى حين ابتدأ الفعل؛ ولا كان الفعل ممكناً. ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: وكذلك صار متكلماً بعد إن لم يكن

стр. 103

يتكلم بشيء، بل ولا كان الكلام ممكناً له. ومنهم من يقول: الكلام أمر يوصف به بأنه يقدر عليه، لا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، بل هو أمر لازم لذاته بدون قدرته ومشيئته. ثم هؤلاء منهم من يقول: هو المعنى دون اللفظ المقروء، عبر عنه بكل من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ومنهم من يقول: بل هو حروف وأصوات لازمة لذاته لم تزل ولا تزال، وكل ألفاظ الكتب التي أنزلها وغير ذلك. والقول الثاني في معنى الحديث: انه ليس مراد الرسول هذا: بل ان الحديث يناقض هذا، ولكن مراده إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع، فقال تعالى: ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: (قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) ، فأخبر ﷺ ان تقدير خلق هذا العالم المخلوق في ستة أيام، وكان حينئذ عرشه على الماء. كما أخبر بذلك القرآن والحديث المتقدم الذي رواه البخاري في صحيحه؛ عن عمران ﵁. ومن هذا: الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ انه قال: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب! قال: وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة) ، فهذا القلم خلقه لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان

стр. 104

مخلوقاً قبل خلق السموات والأرض، وهو أول ما خلق من هذا العالم، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف، كما ذكرت أقوال السلف في غير هذا الموضع. والمقصود هنا: بيان ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. والدليل على هذا القول الثاني وجوه: (أحدها) ان قول أهل اليمن: " جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر "، إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات، فإن كان المراد هو الأول كان النبي ﷺ قد أجابهم؛ لأنه أخبرهم عن أول خلق هذا العالم، وإن كان المراد الثاني لم يكن قد أجابهم؛ لأنه لم يذكر أول الخلق مطلقاً؛ بل قال: " كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض "، فلم يذكر إلا خلق السموات والأرض، لم يذكر خلق العرش، مع أن العرش مخلوق أيضاً، فإنه يقول: " وهو رب العرش العظيم " وهو خالق كل شيء: العرش وغيره، ورب كل شيء: العرش وغيره. وفي حديث أبي رزين قد أخبر النبي ﷺ بخلق العرش. وأما في حديث عمران فلم يخبر بخلقه، بل أخبر بخلق السموات والأرض، فعلم أنه أخبر بأول خلق هذا العالم لا بأول الخلق مطلقاً. وإذا كان إنما أجابهم بهذا علم انهم إنما سألوه عن هذا، لم يسألوه عن أول الخلق مطلقاً، فإنه لا يجوز أن يكون أجابهم عما لم يسألوه عنه ولم يجبهم عما سألوا عنه، بل هو ﷺ منزه عن ذلك، مع أن لفظه إنما يدل على هذا؛ لا يدل على ذكره أول الخلق وإخباره بخلق السموات والأرض بعد أن كان عرشه على الماء

стр. 105

يقصد به الإخبار عن ترتيب بعض المخلوقات على بعض، فإنهم لم يسألوه عن مجرد الترتيب. وإنما سألوه عن أول هذا الأمر، فعلم أنهم سألوه عن مبدأ خلق هذا العالم فأخبرهم بذلك، كما نطق في أولها في أول الأمر "خلق الله السموات والأرض "وبعضهم يشرحها في البدء أو في الابتداء خلق الله السموات والأرض. والمقصود أن فيها الإخبار بابتداء خلق السموات والأرض. وأنه كان الماء غامراً للأرض، وكانت الريح تهب على الماء، فأخبر أنه حينئذ كان هذا ماء وهواء وترابا، وأخبر في القرآن العظيم أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، وفي الآية الأخرى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً، قالتا: أتينا طائعين﴾ ، وقد جاءت الآثار عن السلف بأن السماء خلقت من بخار الماء وهو الدخان. والمقصود هنا: أن النبي ﷺ أجابهم عما سألوه عنه ولم يذكر إلا ابتداء خلق السموات والأرض، فدل على أن قولهم: " جئنا لنسألك عن أول هذا الأمر " كان مرادهم خلق هذا العالم، والله أعلم. (الوجه الثاني) : أن قولهم: " هذا الأمر " إشارة إلى حاضر موجود، والأمر يراد به المصدر، ويراد به المفعول به وهو المأمور الذي كونه الله بأمره، وهذا مرادهم، فإن الذي هو قوله: كن ليس مشهوداً مشاراً إليه، بل المشهود المشار إليه هذا المأمور به، قال تعالى: ﴿وكان أمر الله قدراً مقدوراً﴾ ، وقال تعالى: ﴿أتي أمر الله﴾ ، ونظائره متعددة، ولو سألوه عن أول الخلق مطلقاً لم يشيروا إليه بهذا؛ فإن ذاك لم يشهدوه فلا يشيرون إليه بهذا، بل لم يعلموه أيضاً؛ فإن

стр. 106

ذاك لا يعلم إلا بخبر الأنبياء، والرسول ﷺ لم يخبرهم بذلك، ولو كان قد أخبرهم به لما سألوه عنه، فعلم أن سؤالهم كان عن أول هذا العالم المشهود. (الوجه الثالث) : أنه قال: " كان الله ولم يكن شيء قبله " وقد روي: " معه"، وروي: " غيره "، والألفاظ الثلاثة في البخاري (١) .

стр. 107

والمجلس كان واحداً، وسؤالهم وجوابه كان في ذلك المجلس، وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين انقضى المجلس؛ بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس، وهو المخبر بلفظ الرسول، فدل على أنه إنما قال أحد "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "، وهذا موافق ومفسر لقوله تعالى: ﴿هو الأول والآخر، والظاهر والباطن﴾ وإذا ثبت في هذا الحديث [القبل] فقد ثبت أن الرسول ﷺ قاله، واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما أبداً، وكان أكثر أهل الحديث إنما يروونه بلفظ القبل: " كان الله ولا شيء قبله "، مثل: الحميدي (١) والبغوي (٢) وابن الأثير (٣) وغيرهم. (٤) . وإذا كان إنما قال: " كان الله ولم يكن شيء قبله " لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق. (الوجه الرابع) : أنه قال فيه: " كان الله ولم يكن شيء قبله، أو معه، أو غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء " فأخبر عن هذه الثلاثة بلفظ الواو، لم يذكر في شيء منها ثم، وإنما جاء ثم في قوله: " خلق السموات والأرض " وبعض الرواة ذكر فيه خلق السموات والأرض بثم، وبعضهم ذكرها بالواو.

стр. 108

فأما الجمل الثلاث المتقدمة فالرواة متفقون على انه ذكرها بلفظ الواو، ومعلوم ان لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذي عليه الجمهور، فلا يفيد الإخبار بتقديم بعض ذلك على بعض، وإن قدر أن الترتيب مقصود، إما من ترتيب الذكر لكونه قدم بعض ذلك على بعض، واما من الواو عند من يقول به، فإنما فيه تقديم كونه على كون العرش على الماء، وتقديم كون العرش على الماء على كتابته في الذكر كل شيء، وتقديم كتابته في الذكر كل شيء على تقديم خلق السموات والأرض، وليس في هذا ذكر أول المخلوقات مطلقاً، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقاً كما أخبر به في مواضع أخر، لكن في جواب أهل اليمن إنما كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السموات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام لا بابتداء ما خلقه الله قبل ذلك. (الوجه الخامس) أنه ذكر تلك الأشياء بما يدل على كونها ووجودها ولم يتعرض لابتداء خلقها، وذكر السموات والأرض بما يدل على خلقها، وسواء كان قوله: " وخلق السموات والأرض " أو " ثم خلق السموات والأرض " فعلى التقديرين أخبر بخلق ذلك، وكل مخلوق محدث كائن بعد ان لم يكن، وإن كان قد خلق من مادة، كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ انه قال: " خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ". فإن كان لفظ الرسول ﷺ " ثم خلق " فقد دل على ان خلق السموات والأرض بعد ما تقدم ذكره من كون عرشه على الماء ومن كتابته في الذكر، وهذا اللفظ

стр. 109

أولى بلفظ رسول الله ﷺ ؛ لما فيه من تمام البيان وحصول المقصود بلفظة الترتيب، وإن كان لفظه الواو فقد دل سياق الكلام على أن مقصوده انه خلق السموات والأرض بعد ذلك؛ وكما دل على ذلك سائر النصوص؛ فإنه قد علم أنه لم يكن مقصوده الإخبار بخلق العرش ولا الماء؛ فضلاً عن أن يقصد أن خلق ذلك كان مقارناً لخلق السموات والأرض، وإذا لم يكن في اللفظ ما يدل على خلق ذلك إلا مقارنة خلقه لخلق السموات والأرض، - وقد أخبر عن خلق السموات مع كون ذلك - علم ان مقصوده خلق السموات والأرض حين كان العرش على الماء، كما أخبر بذلك في القرآن، وحينئذ يجب أن يكون العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض، كما أخبر بذلك في الحديث الصحيح حيث قال: " قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء "، فأخبر أن هذا التقدير السابق لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة حين كان عرشه على الماء. (الوجه السادس) أن النبي ﷺ : إما أن يكون قد قال: " كان ولم يكن قبله شيء "؛ واما أن يكون قد قال: " ولا شيء معه "؛ " او غيره ". فإن كان إنما قال اللفظ الأول لم يكن فيه تعرض لوجوده تعالى قبل جميع الحوادث، وإن كان قد قال الثاني أو الثالث فقوله: " ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر ": اما أن يكون مراده انه حين كان لا شيء معه كان عرشه على الماء؛ أو كان بعد ذلك كان عرشه على الماء. فإن أراد الأول كان معناه لم يكن معه شيء من هذا الأمر المسؤول عنه وهو هذا العالم، ويكون المراد أنه كان الله قبل هذا العالم المشهود وكان عرشه على الماء.

стр. 110

وأما القسم الثالث: وهو أن يكون المراد به كان لا شيء معه وبعد ذلك كان عرشه على الماء وكتب في الذكر ثم خلق السموات والأرض، فليس في هذا إخبار بأول ما خلقه الله مطلقاً، بل ولا فيه إخباره بخلق العرش والماء، بل إنما فيه إخباره بخلق السموات والأرض، ولا صرح فيه بأن كون عرشه على الماء كان بعد ذلك، بل ذكره بحرف الواو، والواو للجمع المطلق والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. وإذا كان لم يبين الحديث أول المخلوقات ولا ذكر متى كان خلق العرش الذي أخبر انه كان على الماء مقروناً بقوله: " كان الله ولا شيء معه "، دل ذلك على أن النبي ﷺ لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء، وبابتداء المخلوقات بعد ذلك؛ إذ لم يكن لفظه دالاً على ذلك، وإنما قصد الإخبار بابتداء خلق السموات والأرض. (الوجه السابع) أن يقال: لا يجوز أن يجزم بالمعنى الذي أراده الرسول ﷺ إلا بدليل يدل على مراده، فلو قدر أن لفظه يحتمل هذا المعنى وهذا المعنى لم يجز الجزم بأحدهما إلا بدليل، فيكون إذا كان الراجح هو أحدهما فمن جزم بأن الرسول ﷺ أراد ذلك المعنى الآخر فهو مخطىء. (الوجه الثامن) : أن يقال: هذا المطلوب لو كان حقاً لكان أجل من أن يحتج عليه بلفظ محتمل في خبر لم يروه إلا واحد، ولكان ذكر هذا في القرآن والسنة من أهم الأمور؛ لحاجة الناس إلى معرفة ذلك؛ لما وقع من الاشتباه والنزاع واختلاف الناس. فلما لم يكن في السنة ما يدل على هذا المطلوب؛ لم يجز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث بسياقه، وإنما سمعوا أن النبي ﷺ قال: " كان الله ولا شيء معه " فظنوه لفظاً ثابتاً مع تجرده عن سائر الكلام الصادر عن النبي ﷺ ،
следующие страницы →