← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9937

من تاريخ النحو العربي

سعيد الأفغاني

Полный текст (216 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة: إذا وجد المختصون في علم ما فائدة ومتعة حين يخلون بأنفسهم إلى تراجم من سبقهم في هذا العلم، فإن متعتهم بتاريخ العلم نفسه أحفل وأعظم. إننا نثني عادة على من يؤلف كتابا في حياة عالم، إذ يتيح لنا أن نعايشه فنعاين جده ودأبه، ونلذ نضاله لكشف الغامض ودفع العلم إلى الأمام ولو خطوة، ونجد الأسوة في استهانته بالعراقيل والمعوقات، ووقوفه للزمان والحساد والخصوم والجاهلين، وإن في حياة كل عالم من هذا لنصيبا؛ لذلك نشكر لهذا المؤلف ما يسر لنا من لذائذ سامية. لكن المسهم في تاريخ العلم لا يحصل على الشكر والثناء في وقت قصير، وقد يقتضيه سطر واحد يخطه في تاريخ العلم من الجهد وطول العمل ما لم يعانه المؤلف الأول في مجلد. ومن ظن أن حياة باحث تفي بتاريخ علم فقد ظن باطلا، إنما يتم ذلك بتضافر جهود الباحثين في أجيال متلاحقة: يتسلم كل جيل تراث من قبله ويعمل في دأب وروية ليتقدم به قليلا أو كثيرا. وموضوعنا في هذه الدراسة: من تاريخ النحو العربي. وبعد، فماذا يراد من كلمة "مذهب" أو "مدرسة" حين يقال في علوم اللغة العربية: مذهب البصريين أو مدرسة الكوفيين؟

стр. 2

إن نظرة فاحصة في دراسات المحدثين تقودنا إلى الشك في بعض ما عدوه من المسلمات انسحابا على أذيال بعض القدماء ممن تكلم في النحو والنحاة. لقد أدار هؤلاء التصنيف على البلدان فقالوا: "نحاة الكوفة" و"نحاة البصرة" و"نحاة بغداد" حين ألفوا في الطبقات. فساق هذا -مع تساهل كبير- إلى أن قيل فيما بعد: "مذهب البصريين" و"مذهب الكوفيين" و"مذهب البغداديين". وقد حان الوقت لتصحيح هذه التسمية، فالأقدمون ومن تأثر بنظرتهم من المحدثين جعلوا البصريين أهل القياس؛ لأن من ضبطه منهم كثيرون جدا ولهم فيه عناية بالغة، على حين عدوا الكوفيين أهل سماع؛ لأنهم سجلوا كل ما سمعوا، وأراغوا القياس عليه فلم يحكموه إحكام الأولين وإن أربوا عليهم في السماع مقدارا لا ضبطا وجودة. هذه الصفحات محاولة في وضع الأمور في نصابها حيال ما يسمى بالمدارس أو بالمذاهب النحوية من جهة، ووقفة تاريخية فاحصة متروية عند نشأة هذا الفن من جهة أخرى. والفن أو العلم كائن حي يخضع لما يخضع له الأحياء من سنن الحياة: يبدأ جنينا فرضيعا فطفلا فيافعا ففتى فشابا ... وحول نشأة النحو بعض غموض اجتهدت في جلائه بما لدي من أضواء، ممتحنا الأخبار والروايات، متحريا فيها ما يشبه الحق وطبيعة الأشياء؛ حتى إذا اطمأننت إلى نتيجة أثبتها بعد امتحانها، ضاربا صفحا عن سطحيات وعناوين وتهاويل كثيرة يسميها أصحابها دراسات، الموضوع منها والمترجم سواء. ورأيت أن ألحق بهذه الدراسة نصوصا مختارة لستة مؤلفين عظام في هذا الفن، تقوم كتبهم معالم في طريقه الطويلة، مع موجز من تراجمهم كما

стр. 3

وردت في "بغية الوعاة" للسيوطي مع اختصار أحيانا، وتعريف يسير بكتبهم التي اخترنا منها نصا أو أكثر١, بحيث تتبين للمطالع ملامح واضحة من الطريق الذي شقه النحو على مدى العصور. وسيعجب القارئ حين يرى أنه بدأ بقمة شامخة هي كتاب سيبويه، ثم أخذ ينحدر مع الزمان ... ظاهرة غريبة لا أعرف لها مثيلا في تاريخ العلوم والفنون. ولئن أسعف هذا الملحق من يبتغي النظرة العجلى، فإنه لن يغني بحال عن الدراسة الشخصية المتوسعة المتأنية التي يجب أن يقوم بها مستقلا الباحث أو الطالب الجامعى: إمعان في الآثار وتأن في استنباط النتائج، وصبر على ما يتطلبه البحث من جهد ووقت. والله المسئول أن يأخذ بأيدينا ويسدد خطانا في خدمة العلم الخالص, متعلمين ومعلمين. بيروت: الجامعة اللبنانية "قسم اللغة العربية" سعيد الأفغاني

стр. 4

توطئة تاريخية مدخل ... توطئة تاريخية: جاء الإسلام واللغة العربية مستكملة أدوات التعبير، ولها تراث أدبي حافل مفصح عن شتى المشاعر الوجدانية والاجتماعية، قد اتفقت الكلمة على الاعتداد بهذا التراث والإعجاب به منذ عصر الجاهلية حتى اليوم. والعرب أمة فصاحة وبلاغة تتأثر بالبيان الرفيع والجملة الوجيزة الموحية، وكانت أسواق العرب في جاهليتها قد قامت بالاصطفاء من لغات القبائل١، وأخذ الشعراء والبلغاء أنفسهم بما أجمعوا على استحسانه منها حتى تنافسوا في ذلك وأصبحت هذه اللغة المصطفاة هي المتفق على التعبير بها عما يخالج النفوس من أغراض وأحاسيس. وصرنا نسمع شبه هذا الإجماع على سلامة لغة قبائل الجزيرة والطعن بلغات أهل السواحل؛ لمخالطتهم الأجانب في الأسفار والتجارات.

стр. 5

فلما كانت الفتوحات واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب التي كانت تحت سيطرة الفرس والبيزنطيين والأحباش، ودخول كثير من هؤلاء في الإسلام، واضطرارهم إلى تعلم ما استطاعوا من العربية، وكان بين العرب الفاتحين وهؤلاء الشعوب اختلاط وأخذ وعطاء، تسرب الفساد إلى لغة كثير من العرب وبدأ يسمع لحن في التخاطب، قليلا في الأول ثم أخذ في الانتشار حتى لفت إليه أنظار المسئولين وغيرهم من أهل الحل والعقد. يعتبر اللحن الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها؛ فقد كانت حوادثه المتتابعة نذير الخطر الذي هب على صوته أولو الغيرة على العربية والإسلام، ولا بأس من عرض تاريخي سريع لبعض أحداثه المتتابعة:

стр. 6

بوادر اللحن: بدأ اللحن قليلا خفيفا منذ أيام الرسول على ما يظهر، فقد لحن رجل بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" ١ والظاهر أيضا أنه كان معروفا بهذا الاسم نفسه "اللحن" بدليل أن السيوطي روى عن رسول الله ﷺ قوله: "أنا من قريش ونشأت في بني سعد, فأنى لي اللحن"٢ وقد كان أبو بكر

стр. 7

الصديق يقول: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن". فإذا بلغنا عهد عمر رأينا المصادر تثبت عددا من حوادث اللحن. فتذكر أن١ عمر مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا: "إنا قوم متعلمين" فأعرض مغضبا وقال: "والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم" سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" وورد إلى عمر كتاب أوله: "من أبو موسى الأشعري" فكتب عمر لأبي موسى بضرب الكاتب٢ سوطا. والأنكى من ذلك تسرب اللحن إلى قراءة الناس للقرآن, فقد قدم أعرابي في خلافة عمر فقال: "من يقرئني شيئا مما أنزل على محمد؟ " فأقرأه رجل سورة براءة بهذا اللحن: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ ... "٣ فقال الأعرابي: "إن يكن الله بريئا من رسوله, فأنا أبرأ منه" فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أمير المؤمنين, إني قدمت المدينة ... وقص القصة فقال عمر: "ليس هكذا يا أعرابي" فقال: "كيف هي يا أمير المؤمنين؟ " فقال: ﴿أن اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فقال الأعرابي: "وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله

стр. 8

منهم". فأمر عمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة١. ولعمر تنسب تلك المقولة المأثورة: "تعلموا العربية؛ فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة"٢. ومر عمر برجلين يرميان فقال أحدهما للآخر: "أسبت" فقال عمر: "سوء اللحن أشد من سوء الرمي"٣ فجعل إبدال الصاد سينا من اللحن. وتكاد قصة بنت أبي الأسود تكون المعْلم المشهور في تاريخ النحو: فقد دخل عليها أبوها في وقدة الحر بالبصرة فقالت له: "يا أبت, ما أشدُّ الحر! " رفعت "أشد" فظنها تسأله وتستفهم منه: أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: "شهرا ناجر". فقالت: "يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك"٤.

стр. 9

ونتقدم خطوة في الزمن فيقص علينا ابن قتيبة أن رجلا دخل على زياد فقال له: "إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا" فقال زياد: "ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك", وأن أعرابيا سمع مؤذنا يقول: "أشهد أن محمدا رسولُ الله" فقال: "ويحك، يفعل ماذا؟ "١. وأن أعرابيا دخل السوق "فسمعهم يلحنون فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون, ونحن لا نلحن ولا نربح! "٢. وروى الجاحظ أن "أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي "بدل عصاي" وأول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح "بكسر الياء بدل فتحها""٢. ثم شاع في العصر الأموي حتى تطرق إلى البلغاء من الخلفاء والأمراء كعبد الملك والحجاج, والناس يومئذ تتعاير به، وكان مما يسقط الرجل في المجتمع أن يلحن، حتى قال عبد الملك وقد قيل له: "أسرع إليك الشيب": "شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن"٣. وكان يقول: "إن الرجل يسألني الحاجة فتستجيب

стр. 10

نفسي له بها, فإذا لحن انصرفت نفسي عنها"١ وكان يرى اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس٢. والحجاج على أنه من الخطباء الأبيناء البلغاء, كان في طبعه تقزز من اللحن أن يقع منه أو من غيره، فإذا وقع منه حرص على ستره وإبعاد من اطلع عليه منه، ذكروا أنه سأل يحيى بن يعمر الليثي: "أتسمعني ألحن على المنبر؟ " فقال يحيى: "الأمير أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر" قال: "أتسمعني ألحن حرفا؟ " قال: "نعم، في آي القرآن" قال: "فذاك أشنع؛ وما هو؟ " قال تقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ ٣ تقرؤها "أحبُّ" بالرفع، فأنف الحجاج أن يطلع له رجل على لحن, فبعث به إلى خراسان٤. وكان الحجاح يعجب بفصاحة يحيى هذا فسأله يوما: "أخبرني عن عنبسة بن سعيد: أيلحن؟ " قال: "كثيرا" قال: "أفأنا ألحن؟ " قال: "لحنا خفيفا" قال: "كيف ذلك؟ " قال: تجعل "أن, إن" و"إن, أن" ونحو ذلك. قال: "لا تساكني ببلد، اخرج"٤, وكان الرجل إذا أراد أن يفلت من عمل

стр. 11

للحجاج عاذ باللحن فنجا١. وهؤلاء تطرق إليهم قليل من اللحن لبعدهم عن قومهم في الجزيرة, مع أنهم نشئوا فيها وترعرعوا واكتهلوا، فلما كان من بعدهم عظم فشو اللحن فيهم حتى كان من أعظم المصائب في نفس عبد الملك أن ابنه الوليد لَحَّانة، وأنه أخذه بتعلم العربية فلم يفلح. ونقلوا عن عبد العزيز بن مروان الأمير الأموي المعروف وهو أخو عبد الملك لحنا، على أن عبد العزيز هذا وهو من أفصح الناس كان يعطي على العربية ويحرم على اللحن، حتى قدم عليه زوار من أهل المدينة وأهل مكة من قريش فجعل يقول للرجل منهم: "من أنت؟ " فيقول: "من بني فلان" فيقول للكاتب: "أعطه مائتي دينار" حتى جاءه رجل من بني عبد الدار فقال: "من أنت؟ " فقال: "من بنو عبد الدار" فقال: "تجدها من جائزتك" وقال لكاتبه: أعطه

стр. 12

مائة دينار"١. وقال عمر بن عبد العزيز: "إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكملني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها؛ التذاذا لما أسمع من كلامه". وكان يقول: "أكاد أضرس إذا سمعت اللحن". "الأضداد لابن الأنباري ص٢٤٥". وهذا معاوية بن بجير والي البصرة تشغله لحنة الناعي عن مصيبته بأبيه, فيقدم إنكارها.

стр. 13

فأنت تجد مما تقدم أن الخوف على العربية له ما يفرضه من النُّذُر، وأنه تمكن في النفوس حتى تضافرت جهود العلماء وذوي السلطان على صيانة العربية، وأن الحرمان من المال أو العمل مما كان يصيب اللحانة، وأن فصاحة المرء قد ترفعه إلى الولايات والغنى, وتزيد شأنه عند أولي الأمر؛ وهذا من طرف السلطان كافٍ في الترغيب والترهيب. وسؤال الحجاج عن لحن بعض الناس ذوي الشأن مشعر باهتمام الحكومة والمجتمع بأمر اللحن, وذلك طبيعي من دولة قامت على العصبية العربية بعد أن رأت اللحن يفشو في الطبقات الرفيعة من الأمراء والحكام وأشراف الناس، وفي قصة بشكست النحوي تعبير واضح عن أمرين: فشو اللحن ونظرة المثقفين إليه، ولا بأس في إيرادها ففيها طرافة, وفيها ظرف:

стр. 14

"وفد بشكست النحوي على هشام بن عبد الملك، فلما حضر الغداء دعاه هشام، وقال لفتيان بني أمية: "تلاحنوا عليه" فجعل بعضهم يقول: "يا أمير المؤمنين, رأيت أبي فلان ... " ويقول آخر: "مر بي أبي فلان ... " ونحو هذا، فلما ضجوا أدخل يده في صحفة فغمسها, ثم طلى لحيته وقال لنفسه: "ذوقي، هذا جزاؤك في مجالسة الأنذال! "١. إلى هذا المدى بلغ أمر اللحن في المائة الأولى للهجرة والدولة عربية محضة، والعصبية ذات سلطان، والقوم حديثو عهد بجزيرتهم ولا تزال مجتمعاتهم تتناقل القول المشهور: "ليس للاحن حرمة" وتتعامل به، هذا عبد الملك بن مروان استأذن عليه رجل من عِلْية أهل الشام وبين يديه قوم يلعبون بالشطرنج فقال: "يا غلام، غطها" فلما دخل الرجل فتكلم لحن، فقال عبد الملك: "يا غلام، اكشف عنها، ليس للاحن حرمة". "الأضداد لابن الأنباري ص٢٤٥". وبيت الخلافة أعرق بيوت قريش شرفا ومجدا وبلاغة وأقواها عصبية وعروبة٢, والعرب -كما قرر ابن جني-

стр. 15

أشد استنكارا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة، فقد ينطق بعضهم بالدخيل والمولد, ولكنه لا ينطق باللحن. ولذلك اشتد بلال بن أبي بردة على خالد بن صفوان لما رآه يلحن في حديثه العفوي معه فقال له: "أتحدثني أحاديث الخلفاء, وتلحن لحن السقاءات؟! " فلنحاول تبيان ما اختط أهل العربية من خطط يعالجون بها استفحال الداء، وهل كانوا إلى الشدة حين شرطوا للاحتجاج تلك الشروط التي أسقطت الاحتجاج بكلام كثير من العرب حتى في زمن الجاهلية؟ تصنيف العرب من حيث الوثوق بسلامة لغتها: من يحتج به: يراد بالاحتجاج هنا إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة أو تركيب، بدليل نقلي صح سنده إلى عربي فصيح سليم السليقة على ما سيأتي تفصيله في موضعه.

стр. 16

وإنما احتاج القوم إلى الاحتجاج لما خافوا على سلامة اللغة العربية بعد أن اختلط أهلها بالأعاجم إثر الفتوح, وسكنوا بلادهم وعايشوهم، فنشأ عن ذلك بسنة الطبيعة أخذ وعطاء في اللغة والأفكار والأخلاق والأعراف. وتنبه أولو البصر إلى أن الأمر آيل إلى إفساد اللغة وضياع العصبية من جهة، وإلى التفريط في

стр. 17

صيانة الدين من جهة ثانية، إذ كانت سلامة أحكامه موقوفة على حسن فهم المستنبط لنصوص القرآن الكريم والحديث الشريف, وكان في ضعف العربية تضييع لهذا الفهم. بحث علماء العربية فيمن نقل الرواة عنهم من أهل المدر والوبر قدماء ومحدثين, وتقصوا أحوالهم ونقدوها، فاجتمعوا على الاحتجاج بقول من يوثق بفصاحته وسلامة عربيته، ونحن عارضون لأصناف هؤلاء زمانا ومكانا وأحوالا. فأما الزمان, فقد قبلوا الاحتجاج بأقوال عرب الجاهلية وفصحاء الإسلام حتى منتصف القرن الثاني سواء أسكنوا الحضر أم البادية. أما الشعراء فقد صنفوا أصنافا أربعة: جاهليين لم يدركوا الإسلام, ومخضرمين أدركوا الجاهلية والإسلام، وإسلاميين لم يدركوا من الجاهلية شيئا، ومحدثين أولهم بشار بن برد١. وشبه الإجماع انعقد على صحة الاستشهاد بالطبقتين الأوليين واختلفوا في الطبقة الثالثة، وذهب عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب إلى جواز الاستشهاد بها٢ أما الطبقة الرابعة فلا يستشهد بكلامها في علوم اللغة والنحو والصرف خاصة، وكان آخر من يحتج بشعره على هذا الأساس بالإجماع إبراهيم بن هرمة "٧٠-١٥٠هـ" الذي ختم الأصمعي به الشعر٣. أما

стр. 18

أهل البادية فقد استمر العلماء يدونون لغاتهم حتى فسدت سلائقهم في القرن الرابع الهجري١. وعلى هذا "أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين, والمحدثين في اللغة العربية"٢. وأما المكان أو بعبارة أخرى القبائل، فقد اختلفت درجاتها في الاحتجاج على اختلاف قربها أو بعدها من الاختلاط بالأمم المجاورة، فاعتمدوا كلام القبائل في قلب جزيرة العرب، وردوا كلام القبائل التي على السواحل أو في جوار الأعاجم، وإليك تصنيف أبي نصر الفارابي لهم في الاحتجاج: أ- "كانت قريش أجود العرب انتقاء٣ للأفصح من

стр. 19

الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها عما في النفس. والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد, فإن هؤلاء هم الذين أخذ عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف. ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين, ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم١. ب- وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم: لم يؤخذ من لخم ولا من جذام؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط. ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام, وأكثرهم نصارى يقرءون بصلاتهم بغير العربية. ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية. ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس.

стр. 20

ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا من سكان البحرين مخالطين للهند والفرس. ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس. ولا من أهل اليمن أصلا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة, ولولادة الحبشة فيهم. ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم. ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب، قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم١.

стр. 21

وكأن هذا التصنيف حاز القبول وجرى عليه العمل وكان الخروج عليه مدعاة إلى النقد، ولما اعتمد ابن مالك على لغات لخم وجذام وغسان، تعقبه باللوم أبو حيان فقال في شرح التسهيل: "ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن"١. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: "لا أقول: "قالت العرب" إلا ما سمعت من عالية السافلة وسافلة العالية" يريد ما بين نجد وجبال الحجاز حيث قبائل أسد وتميم وبعض قبائل قيس٢, بل كان عثمان يقول: "لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف"٢. وأما أحوال هؤلاء العرب المحتج بهم فخيرها ما كان أعمق في التبدي وألصق بعيشة البادية؛ ولذا كان مما يفخر به البصريون على الكوفيين أخذهم عن الأعراب أهل الشيح والقيصوم وحرشة الضباب وأكلة اليرابيع, ويقولون للكوفيين: "أخذتم عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ"٣. وقد نص

стр. 22

الفارابي بعد قوله المتقدم آنفا على صناعة هؤلاء الأعراب وصفاتهم فقال: "كانت صنائع هؤلاء التي بها يعيشون الرعاية والصيد واللصوصية، وكانوا أقواهم نفوسا وأقساهم قلوبا وأشدهم توحشا وأمنعهم جانبا وأشدهم حمية وأحبهم لأن يَغلبوا ولا يُغلبوا، وأعسرهم انقيادا للملوك, وأجفاهم أخلاقا وأقلهم احتمالا للضيم والذلة"١. وتستطيع أن تجعل مرد الأمر كله -بعد ما تقدم لك- إلى الوثوق من سلامة لغة المحتج به وعدم تطرق الفساد إليها، وهذا هو الضابط في التصنيف الزماني والمكاني اللذين مرا بك، فأنت تعلم إسقاط العلماء الاحتجاج بشعر أمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد العبادي٢, وحتى الأعشى عند بعضهم؛ لمخالطتهم الأجانب وتأثر لغتهم بهذه المخالطة، حتى حمل شعرهم عددا غير قليل من ألفاظ ومصطلحات لا تعرفها العرب، وكل

стр. 23

هؤلاء شعراء جاهليون١؛ بينما يذهب فريق إلى الاحتجاج بكلام الشافعي المتوفى في القرن الثالث للهجرة، حتى نص الإمام أحمد بن حنبل على أن "كلام الشافعي في اللغة حجة"٢ لسلامة نشأته, وتقلبه في البيئات العربية السليمة. قيل لبشار: "ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشك فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه! " قال: "ومن أين يأتيني الخطأ؟ ولدت ههنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت؛ فمن أين يأتيني الخطأ؟ "٣. وكلمة بشار هذه دليل قاطع على وجود بيئات في المدن سليمة من اللحن لزمنه في المائة الثانية للهجرة. ويعجبني كثيرا قول ابن جني في هذا الموضوع في باب "ترك

стр. 24

الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر": "علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يرد عنها، وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا، وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك, ويقدح فيه.."١.

стр. 25

نشأة النحو: ما مضى لك بيانه من أحداث اللحن حمل القوم على الاجتهاد لحفظ العربية وتيسير تعلمها للأعاجم، فشرعوا يتكلمون في الإعراب وقواعده حتى تم لهم مع الزمن هذا الفن. والذى تجمع عليه المصادر أن النحو نشأ بالبصرة، وبها نما واتسع وتكامل وتفلسف، وأن رءوسه بنزعتيه السماعية والقياسية كلهم بصريون. أول من أرسل في النحو كلاما أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة ٦٧هـ. وقيل: إن علي بن أبي طالب ألقى على أبي الأسود شيئا من أصول هذا النحو, ثم قال له: "انح هذا النحو" فسمي الفن نحوا. وقيل: إن أول من تكلم فيه: نصر بن عاصم المتوفى سنة ٨٩هـ. وقيل: عبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة ١١٧هـ. وقيل: لم يصل إلينا شيء عن أحد قبل يحيى بن يعمر المتوفى سنة ١٢٩هـ, وابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧هـ. وقيل, وقيل ... إلخ. ومن يقرأ بإمعان ترجمة أبي الأسود الدؤلي في "تاريخ دمشق لابن عساكر" مثلا، ثم يفكر في توارد أكثر المصادر على جعله واضع الأساس في بناء النحو لا يستبعد ذلك، فالرجل ذو ذكاء نادر وجواب حاضر، وبديهة نيرة، ثم هو بعدُ بليغ أريب مرن الذهن، وحسبك اختراعه "الشكل"١ الذي عرف

стр. 26

بنقط أبي الأسود للدلالة على الرفع والنصب والجر والتنوين، وهو ما أجمعوا عليه قديما ولم يشك فيه حديثا أحد. و"الشكل" أعود على حفظ النصوص من حدود النحو؛ ولعله أعظم خدمة قدمت للعربية حتى الآن، وكان الخطوة الأولى إلى النحو كما ذهب إليه الأستاذ أحمد أمين١. وينص أبو الطيب اللغوي على أن أبا الأسود وضع النحو ليتعلم بنو زياد٢. "واختلف الناس إليه يتعلمون العربية, وفرع لهم ما كان أصله, فأخذ ذلك عنه جماعة". وليس يعنينا هنا تحرير هذه الأولية بتفصيل٣، لكننا لا نرى

стр. 27

بدا من أن نشير إلى أن اتفاقهم على أنه واضع "الشكل" وأن شبه الإجماع على أنه أول من تكلم بالنحو, وأنه كان يتصدر لإعراب القرآن١, وأن هؤلاء الذين تزعم لهم الأولية في بعض الأقوال: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعنبسة الفيل، وميمونا الأقرن، كلهم تلميذ أبي الأسود أو تلميذ تلميذه، عنه أخذوا العربية والقراءة بالبصرة؛ كل أولئك مع ما عرف عن أبي الأسود من ذكاء وقاد، وفكر متحرك، وعقل وروية، يجعلنا نقطع بأنه وضع أساسا بنى عليه من بعده. ولكن، ما هو هذا الأساس؟ لسنا نجد لهذا السؤال جوابا يشفي الغليل، فصحيفة أبي الأسود تعرف عند النحاة بـ "التعليقة"، فإذا أردنا معرفة محتوياتها لم نحظ بما يطمأن إليه٢، بل فات معرفتها العلماء منذ المائة

стр. 28

الرابعة مع شدة حرصهم عليها, فيروي ابن النديم خبرا طريفا عن رجل جَمّاعة للكتب له خزانة لم ير لأحد مثلها بما جمعت من خطوط العلماء الأولين ونوادر الكتب والرقاع, فهي متحف كل ما فيه نادر وثمين، قال الذي شاهدها: "ورأيت عنده أمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي ﵇ وبخط غيره من كتاب النبي ﷺ ، ومن خطوط العلماء في النحو واللغة مثل أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني والأصمعي وابن الأعرابي وسيبويه والفراء والكسائي, ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم, ورأيت ما يدل على أن النحو

стр. 29

وأبو نوفل بن أبي عقرب١، وعن هؤلاء أخذ علماء البصرة طبقة بعد طبقة، ثم نشأ بعد نحو مائة عام من تلاميذهم من ذهب إلى الكوفة فعلم بها، فكان منه ومن تلاميذه ما يسمى بمدرسة الكوفة٢. وهذا جدول٣ يوضح لك تتابع هذه الطبقات إلى المائة الثالثة للهجرة, وترى فيه أن أعلام الكوفة كلهم أخذوا عن أئمة البصريين بأخرة:

стр. 30

المدرستان الأوليان مدرسة البصرة الطبقة الأولى من البصريين ... المدرستان الأوليان: ١- مدرسة البصرة: أول من ذكر من أعلامها أبو الأسود الدؤلي، وتلاميذه هم الذين نشروا النحو في البصرة، وتخرج على أيديهم وأيدي تلاميذهم طبقات من أعلام النحو رفعوا بناء المذهب البصري على أسس متينة وقواعد محكمة. وإليك شيئا عن هذه الطبقات, مرجئا الكلام على بيئة البصرة وبيئة الكوفة, وطبيعة عربهما وأعرابهما إلى حين الكلام على الفروق بين المذهبين؛ لتقابل البيئتين وأهليهما بعضا ببعض. الطبقة الأولى من البصريين: فأما عنبسة فقد "تعلم النحو وروى الشعر وظرف١ حتى صار -على ما يروى عن الخليل- أبرع أصحاب أبي الأسود"٢, وأما ميمون فرأس الناس بعد عنبسة ويروون عن أبي عبيدة قوله: "أول من وضع العربية أبو الأسود، ثم ميمون الأقرن، ثم عنبسة الفيل، ثم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي"٣. وأما نصر بن عاصم الليثي فكان أحد القراء والفصحاء، وأخذ عنه

стр. 31

أبو عمرو بن العلاء والناس". قال عنه الزهري: "إنه ليفلق بالعربية تفليقا"، بل منهم من ذهب إلى أنه أول من وضع العربية١. وأما يحيى بن يعمر فقد عرفت علمه وفصاحته، وعرفت شأنه مع الحجاج، ووصفوه بالعلم والأمانة، وقد روى عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما٢. والذي يجب التنبيه إليه قبل الانتقال إلى الطبقة الثانية أن تلميذي أبي الأسود: نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر خطوا الخطوة الكبرى التي تلت خطوة أبي الأسود في ضبط الكتابة العربية, إذ ابتكرا نقط الحروف أفرادا وأزواجا لتمييز الحروف المتشابهة كالباء والياء والنون، فعلا ذلك بإشارة الحجاج على ما ذكروا، وبعد تردد منهما في أن يزيدا شيئا على رسم مصحف عثمان، ثم بان لهما صواب الإصلاح بعد روية، فأقدما عليه. بل إن ليحيى هذا أولية في التأليف، فقد ذكروا أنه اتفق هو وعطاء بن أبي الأسود بعد موت أبيه "على بسط النحو وتعيين أبوابه وبعج مقاييسه, ولما استوفيا جزءا متوفرا من أبواب النحو نسب بعض الرواة إليهما أنهما أول من وضع هذا النوع"٣.

стр. 32

ولكن المشهور أن نصرا هو الذي ميز بين الحروف المتشابهة بالنقط المتداول حتى اليوم، وغيّر ترتيب "الأبجدية" إلى الترتيب المعروف، ثم ألغى نقط أبي الأسود مستبدلا به "الشكل الحالي" الذي هو أبعاض الحروف "اوي". فنقط أبي الأسود "إعراب" لإبانته عن حركة آخر الكلمة, ونقط نصر "إعجام" لإزالته العجمة عن الحروف وكان يلتبس بعضها ببعض١.

стр. 33

الطبقة الثانية من البصريين: وفيها أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. فأما الأول فمن أشراف مازن وأحد الأعلام في القرآن واللغة والنحو، وهو أحد القراء السبعة، قال فيه أبو عبيدة: "أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملء بيته إلى السقف" كان مرجع الناس في عصره، وخير ما يعبر عن مكانته في عيون معاصريه حديث سفيان بن

стр. 34

عيينة، قال: "رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله لقد اختلفت علي القراءات, فبقراءة من تأمرني؟ فقال: "بقراءة أبي عمرو بن العلاء" ١, وأخذ عن نصر بن عاصم المتقدم ذكره، وعن يحيى بن يعمر، وعن قارئ مكة عبد الله بن كثير. وأقام بين البدو أربعين سنة كما قرر اليزيدي "ص١٧١ مجالس العلماء للزجاجي". "وأخذ عنه عيسى بن عمر ويونس بن حبيب وأبو الخطاب الأخفش, فكان هؤلاء الثلاثة أعلم الناس وأفصحهم"٢ وأما عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي فقد كان يلحن الفرزدق، وهو في زمن أبي عمرو والناس يفاضلون بينهما, فيقدمون أبا عمرو في اللغة ويقدمون ابن أبي إسحاق في النحو, وهو "أعلم أهل البصرة وأعقلهم، فرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عُمل فيه كتاب مما أملاه٣, ويذكرون أنه أول من علل النحو". ويمكن أن يلحق بهذه الطبقة عيسى بن عمر الثقفي مولى خالد

стр. 35

ابن الوليد، أخذ العلم عن أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعد في القراء البصريين وهو إمام في العربية والنحو، ولعله أول من ألف فيهما كتابا جامعا، وقد اشتهر اسم كتابيه دون أن يصل إلينا منهما خبر أو أثر، والغريب أن تلميذه الخليل بن أحمد قرأهما ووعاهما، وأعجباه حتى جعل مؤلفهما مجدد هذا الفن, والمعفي على آثار من سبقه قال: ذهب النحو جميعا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر ثم "فقد الناس هذين الكتابين منذ المدة الطويلة ولم يقعا إلى أحد علمناه، ولا خبر أحد أنه رآهما"، وهذا السيرافي وليس بينه وبين زمن المؤلف إلا مائتان من السنين يقول: "لم يقعا إلينا ولا رأينا أحدا ذكر أنه رآهما"١ فإن تكن نسبة البيتين إلى الخليل صحيحة, يكن اختفاء هذين الكتابين من أعجب الأمور في تاريخ النحو. إذا نحن انتقلنا إلى الطبقة التي تلي هذه كنا إزاء ما سموه

стр. 36

بالمذهب الكوفي، فقد تتلمذ على عيسى بن عمر هذا: الخليل وسيبويه وأبو زيد الأنصاري أئمة البصريين الأعلام، وأبو جعفر الرؤاسي الذي صار فيما بعد رأس الكوفيين, وخلفه في ذلك تلميذاه الكسائي والفراء. ولسنا نفيض في الكلام عليهم فكلهم مشهور، ولكننا نذكر بالنواحي التي تعنينا منهم بكلمات: فأما الخليل "فقد كان الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه، هو أول من استخرج العروض وحصر أشعار العرب بها، وعمل أول "كتاب العين" المعروف المشهور الذي به تهيأ ضبط اللغة"١, إلى نواحٍ أخرى له مجيدة مشرفة ليس من غرضنا هنا الإشارة إليها, وقد اشتهر نمط من آرائه في باب القياس. "وهو أستاذ سيبويه، وعامة الحكاية في كتابه عنه. وكلما قال سيبويه: سألته، أو قال: "قال" من غير أن يذكر قائله فهو الخليل"٢. ونفع الله به الناس, وعاش من قناعته وعفته وترفعه في عزة دونها عزة الملوك، وصدق النضر بن شميل في قوله: أقام الخليل في خص بالبصرة لا يقدر علي فلسين, وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال٢. وأما أبو زيد الأنصاري فقد كان ثقة صدوقا راوية، وهو -وإن قدم في النحو على الأصمعي وأبي عبيدة -غلبت عليه

стр. 37

اللغة والنوادر والغريب، وحولها يدور أكثر مصنفاته١. وندع سيبويه -لشهرة أمره وكتابه وشيوخه وتلاميذه- إلى أبي جعفر الرؤاسي رأس الكوفيين.

стр. 38

مدرسة الكوفة: أبو جعفر الرؤاسي: طلب العلم في البصرة على أئمتها، قرأ على أبي عمرو بن العلاء، وعلى عيسى بن عمر الثقفي، لكنه لم يقارب أحدا من تلامذتهم فلم ينبه, وعاش بالبصرة غير معروف١, وكان أول كوفي ألف في العربية، وكتابه "الفيصل" عرضه -فيما ذكروا- على أصحاب النحو بالبصرة فلم يلتفتوا إليه, ولا جسر على إظهاره لما سمع كلامهم، أما هو فيزعم أن الخليل طلب الكتاب فأطلعه عليه، "فكل ما في كتاب سيبويه: قال الكوفي كذا, فإنما عنى الرؤاسي هذا"٢. وزعم جماعة من البصريين أن الكوفي الذي يذكره الأخفش في آخر المسائل, ويرد عليه الرؤاسي٢.

стр. 39

ويعد من قراء الكوفيين, وسترى من أسماء كتبه الموضوعات التي عني بها: كتاب التصغير، الإفراد والجمع، الوقف والابتداء، معاني القرآن. ولما رجع إلى الكوفة وجد فيها عمه معاذ بن مسلم الهراء "١٨٧" مرجع الناس في العربية, وعني بالصرف ومسائله خاصة، وتبعه في هذه العناية من قرأ عليه من الكوفيين، حتى قيل: إنهم فاقوا البصريين فيها، ومن هنا عدهم بعض العلماء واضعي علم الصرف. وتخرج بالرؤاسي تلميذاه المشهوران: الكسائي والفراء. أما الكسائي فأنت تعرف أنه أعجمي الأصل وأحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في العربية، أخذ عن يونس أحد أئمة البصرة وجلس في حلقة الخليل، ثم خرج إلى بوادي نجد والحجاز وتهامة يأخذ عن الأعراب "فأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ, فقدم البصرة فوجد الخليل قد مات وفي موضعه يونس, فجرت بينهما مسائل أقر له فيها يونس وصدره في موضعه"١. ثم انتقل إلى بغداد, فعاش في قصر الرشيد مؤدبا للأمين والمأمون، ونال الحظوة وأقبلت عليه الدنيا: يخدمه وليا العهد، ويعنى به ويعوده الرشيد نفسه. ولما خرج الرشيد إلى الري

стр. 40

اصطحب معه الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني, فاتفق أن ماتا سنة ١٨٩ في يوم واحد, فقال الرشيد: "دفنت الفقه والنحو في يوم واحد"١. وأما الفراء فقد قرأ بالبصرة على يونس بن حبيب ثم قرأ على الرؤاسي, ثم لازم الكسائي في بغداد, والذي حثه على الخروج إلى بغداد شيخه الرؤاسي. ولندع الفراء نفسه يحدثنا بأول أمره ببغداد قال: قال لي الرؤاسي: "قد خرج الكسائي "إلى بغداد" وأنت أسن منه" فجئت إلى بغداد فرأيت الكسائي فسألته عن مسائل من مسائل الرؤاسي، فأجابني بخلاف ما عندي، فغمزت قوما من علماء الكوفيين كانوا معي، فقال: "ما لك قد أنكرت؟ لعلك من أهل الكوفة؟ " فقلت: "نعم" فقال: "الرؤاسي يقول كذا وكذا وليس صوابا، وسمعت العرب تقول كذا وكذا, حتى أتى على مسائلي فلزمته" ا. هـ١. والطريف تشاد البصريين والكوفيين في قراءة الفراء على يونس بن حبيب البصري أستاذ سيبويه تشادا على غير المنتظر، فالكوفيون يزعمون أنه استكثر عنه والبصريون يدفعون ذلك. ثم كان الفراء "زائد العصبية على سيبويه وكتابه تحت رأسه". صنف "معاني القرآن" الذي قال فيه مادحه: "لم يعمل أحد قبله مثله, ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه"٢.
следующие страницы →