بالمذهب الكوفي، فقد تتلمذ على عيسى بن عمر هذا: الخليل وسيبويه وأبو زيد الأنصاري أئمة البصريين الأعلام، وأبو جعفر الرؤاسي الذي صار فيما بعد رأس الكوفيين, وخلفه في ذلك تلميذاه الكسائي والفراء.
ولسنا نفيض في الكلام عليهم فكلهم مشهور، ولكننا نذكر بالنواحي التي تعنينا منهم بكلمات:
فأما الخليل "فقد كان الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه، هو أول من استخرج العروض وحصر أشعار العرب بها، وعمل أول "كتاب العين" المعروف المشهور الذي به تهيأ ضبط اللغة"١, إلى نواحٍ أخرى له مجيدة مشرفة ليس من غرضنا هنا الإشارة إليها, وقد اشتهر نمط من آرائه في باب القياس. "وهو أستاذ سيبويه، وعامة الحكاية في كتابه عنه. وكلما قال سيبويه: سألته، أو قال: "قال" من غير أن يذكر قائله فهو الخليل"٢. ونفع الله به الناس, وعاش من قناعته وعفته وترفعه في عزة دونها عزة الملوك، وصدق النضر بن شميل في قوله: أقام الخليل في خص بالبصرة لا يقدر علي فلسين, وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال٢.
وأما أبو زيد الأنصاري فقد كان ثقة صدوقا راوية، وهو -وإن قدم في النحو على الأصمعي وأبي عبيدة -غلبت عليه
стр. 37
اللغة والنوادر والغريب، وحولها يدور أكثر مصنفاته١.
وندع سيبويه -لشهرة أمره وكتابه وشيوخه وتلاميذه- إلى أبي جعفر الرؤاسي رأس الكوفيين.
стр. 38
مدرسة الكوفة:
أبو جعفر الرؤاسي:
طلب العلم في البصرة على أئمتها، قرأ على أبي عمرو بن العلاء، وعلى عيسى بن عمر الثقفي، لكنه لم يقارب أحدا من تلامذتهم فلم ينبه, وعاش بالبصرة غير معروف١, وكان أول كوفي ألف في العربية، وكتابه "الفيصل" عرضه -فيما ذكروا- على أصحاب النحو بالبصرة فلم يلتفتوا إليه, ولا جسر على إظهاره لما سمع كلامهم، أما هو فيزعم أن الخليل طلب الكتاب فأطلعه عليه، "فكل ما في كتاب سيبويه: قال الكوفي كذا, فإنما عنى الرؤاسي هذا"٢. وزعم جماعة من البصريين أن الكوفي الذي يذكره الأخفش في آخر المسائل, ويرد عليه الرؤاسي٢.
стр. 39
ويعد من قراء الكوفيين, وسترى من أسماء كتبه الموضوعات التي عني بها:
كتاب التصغير، الإفراد والجمع، الوقف والابتداء، معاني القرآن.
ولما رجع إلى الكوفة وجد فيها عمه معاذ بن مسلم الهراء "١٨٧" مرجع الناس في العربية, وعني بالصرف ومسائله خاصة، وتبعه في هذه العناية من قرأ عليه من الكوفيين، حتى قيل: إنهم فاقوا البصريين فيها، ومن هنا عدهم بعض العلماء واضعي علم الصرف.
وتخرج بالرؤاسي تلميذاه المشهوران: الكسائي والفراء.
أما الكسائي فأنت تعرف أنه أعجمي الأصل وأحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في العربية، أخذ عن يونس أحد أئمة البصرة وجلس في حلقة الخليل، ثم خرج إلى بوادي نجد والحجاز وتهامة يأخذ عن الأعراب "فأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ, فقدم البصرة فوجد الخليل قد مات وفي موضعه يونس, فجرت بينهما مسائل أقر له فيها يونس وصدره في موضعه"١.
ثم انتقل إلى بغداد, فعاش في قصر الرشيد مؤدبا للأمين والمأمون، ونال الحظوة وأقبلت عليه الدنيا: يخدمه وليا العهد، ويعنى به ويعوده الرشيد نفسه. ولما خرج الرشيد إلى الري
стр. 40
اصطحب معه الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني, فاتفق أن ماتا سنة ١٨٩ في يوم واحد, فقال الرشيد: "دفنت الفقه والنحو في يوم واحد"١.
وأما الفراء فقد قرأ بالبصرة على يونس بن حبيب ثم قرأ على الرؤاسي, ثم لازم الكسائي في بغداد, والذي حثه على الخروج إلى بغداد شيخه الرؤاسي.
ولندع الفراء نفسه يحدثنا بأول أمره ببغداد قال:
قال لي الرؤاسي: "قد خرج الكسائي "إلى بغداد" وأنت أسن منه" فجئت إلى بغداد فرأيت الكسائي فسألته عن مسائل من مسائل الرؤاسي، فأجابني بخلاف ما عندي، فغمزت قوما من علماء الكوفيين كانوا معي، فقال: "ما لك قد أنكرت؟ لعلك من أهل الكوفة؟ " فقلت: "نعم" فقال: "الرؤاسي يقول كذا وكذا وليس صوابا، وسمعت العرب تقول كذا وكذا, حتى أتى على مسائلي فلزمته" ا. هـ١.
والطريف تشاد البصريين والكوفيين في قراءة الفراء على يونس بن حبيب البصري أستاذ سيبويه تشادا على غير المنتظر، فالكوفيون يزعمون أنه استكثر عنه والبصريون يدفعون ذلك. ثم كان الفراء "زائد العصبية على سيبويه وكتابه تحت رأسه".
صنف "معاني القرآن" الذي قال فيه مادحه: "لم يعمل أحد قبله مثله, ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه"٢.
стр. 41
وكتبه التي تركها تدور حول مسائل من اللغة والنوادر والصرف والنحو والقرآن. أما كتابه الكبير في النحو المسمى بـ "الحدود" فقد ذكروا أنه يشتمل على ستة وأربعين حدا في الإعراب. ويعنينا منه هنا قصته فهي تدل على بدع عجيب عرف به بعض النحاة وأثر في سير هذا العلم أثرا سيئا، ذلك هو الإغراب والتعقيد، قالوا:
كان السبب في إملائه الحدود أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه وسألوه أن يملي عليهم أبيات النحو ففعل، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض: "إن دام هذا على هذا, علم النحو الصبيان! والوجه أن يُقعد عنه" فقعدوا فغضب وقال: "سألوني القعود فلما قعدت تأخروا، والله لأملين النحو ما اجتمع اثنان" فأملى ذلك ست عشرة سنة١.
وأنا حائر في التوفيق بين نزعة التسهيل والتبسيط هذه التي في القصة, وقولهم في ترجمته: "كان يتفلسف في تأليفاته ومصنفاته، يعني: يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة"١.
وتكفينا هذه الإلماعة عن رجال المدرستين٢, محاولين تتبع الخلاف ومعرفة طبيعته.
стр. 42
نشأة الخلاف واحتكاك المدرستين
مدخل
...
٢- نشأة الخلاف واحتكاك المدرستين:
أول ما يعرف من الخلاف بين البصريين والكوفيين ما أثبته سيبويه في "الكتاب" من حكاية أقوال "الكوفي" أبي جعفر الرؤاسي على ما علمت آنفا. والظاهر أن مرافقة الرؤاسي للخليل في القراءة على عيسى بن عمر جعلت بينهما نوعا من الأنس سمح للخليل أن يطلب من الرؤاسي كتابه، فروى منه بعض أقوال لتلميذه سيبويه، فأثبتها هذا في كتابه.
ولم يكن في هذا الخلاف ولا في غيره مما حدث بين البصريين أنفسهم يومئذ، أكثر من المذاكرة وحكاية الأقوال المخالفة والرد عليها أحيانا. فأنت كثيرا ما تجد سيبويه يورد لشيخيه يونس والخليل أقوالا يخالفها فيقول: "وزعم الحليل"، "وزعم يونس".
ولم تدخل الدنيا بين المشهورين من رجال هذه الطبقة، فالخليل والرؤاسي مثلا كلاهما صالح عفيف، ومتى خلت المناقشات العلمية مما يؤرثها من حوافز المادة أو الجاه بقيت هادئة جميلة صافية.
فلما قرّب العباسيون الكسائي وتلاميذه وخصوهم بتربية أولادهم, وبالإغداق عليهم إذ كان أهل الكوفة بالجملة أخلص لهم
стр. 43
وأحسن سابقة معهم على عكس أهل البصرة، اجتهد المقربون في التمسك بدنياهم التي نالوها، ووقفوا بالمرصاد للبصريين الذين يفوقونهم علما, فحالوا بينهم وبين النجاح المادي أو المعنوي بكل ما يستطيعون من قوة؛ وإذا كان لبصري كالأصمعي مثلا حظوة عند خليفة ولم يقدروا على إبعاده ماديا، اجتهدوا في الغض من علمه.
وأنا أعرض أنماطا من خلافهم في المجالس الرسمية تفصح عن العصبية والحدة وحب النيل من المنافس، أعرض ذلك ليكون مدخلا للكلام على المذهبين بعد أن عرفنا رجالهما الأولين. ولا تستغربن أن تكون الحدة والعصبية أظهر على الكوفيين، وحب الغلبة عندهم أشد، فهم عن دنياهم وجاههم يدافعون، إذ علموا علم اليقين أن علمهم إزاء علم البصريين قليل١؛ ولذا كان الخطر من هؤلاء ماثلا أمام الكوفيين، ولعين الكسائي منهم خاصة، ولم يرو عن كوفي عنف مثل عنف الكسائي هذا، ولا حرص على الإجهاز على الخصم المنافس كما روي عنه، وإليك الشواهد:
стр. 44
بين الكسائي والأصمعي:
حدث أحمد بن يحيى ثعلب أحد أئمة الكوفيين قال:
كان الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد، وكانا ملازمين له يقيمان بإقامته ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي:
أنَّى جزوا عامرا سوءى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوءى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوقُ به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن
فقال الأصمعي: "إنما هو رئمان أنف، بالنصب" فقال له الكسائي: "اسكت ما أنت وذاك؟ يجوز بالرفع والنصب والخفض: أما الرفع فعلى الرد على "ما" لأنها في موضع رفع بـ "ينفع" فيصير التقدير: "أم كيف ينفع رئمان أنف"، والنصب بـ "تعطي"، والخفص على الرد على الهاء التي في "به"". فسكت الأصمعي ولم يكن له علم بالعربية، وكان صاحب لغة, لم يكن صاحب إعراب١.
стр. 45
عدوا الكسائي فائزا في هذه المناظرة، ولعل المجلس تقوّض على ذلك، ولكننا الآن لا نعده كذلك. فالأصمعي راوية ثبت صدوق وهو في الرواية والأخبار أقوى من الكسائي، والكسائي أورد وجوه الإعراب المحتملة، أما الأصمعي فإنما يرد صاحبه إلى الرواية١ وشتان ما بين الأمرين.
وللأصمعي مجلس آخر مع الكسائي أمام الرشيد كال له فيه الصاع صاعين, وحكم له الرشيد حكما لزم الكسائي عاره:
قال له الأصمعي وهما عند الرشيد: "ما معنى قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا؟
قال الكسائي: "كان محرما بالحج" قال الأصمعي: "فقوله:
قتلوا كسرى بليل محرما ... فتولى لم يمتع بكفن
هل كان محرما بالحج"؟؟؟
فقال هارون للكسائي: "يا علي, إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي"٢.
стр. 46
٢- بين الكسائي وسيبويه:
قال الفراء: "قدم سيبويه على البرامكة فعزم يحيى بن خالد أن يجمع بينه وبين الكسائي وجعل لذلك يوما، فلما حضر تقدمت وابن الأحمر١ فدخل فإذا بمثال في صدر المجلس فقعد عليه يحيى، وقعد إلى جانب المثال جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم، وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألة فأجابه فيها سيبويه فقال له: "أخطأت"، ثم سأله عن ثانية وثالثة كل ذلك يقول له: "أخطأت" فقال سيبويه:" هذا سوء أدب".
فأقبلت عليه فقلت: إن في هذا الرجل حدة وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال: "هؤلاء أبون، ومررت بأبين" كيف تقول على مثال ذلك من "وأيت" أو "أويت"؟ فأجاب فأخطأ فقلت له: "أعد النظر ثلاث مرات تجيب ولا تصيب٢, فلما كثر عليه ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره".
فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: "أتسألني أم أسألك؟ " فقال: "بل سلني أنت". فقال له الكسائي: "كيف تقول: قد
стр. 47
كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو "فإذا هو إياها"؟ " فقال سيبويه: "فإذا هو هي, ولا يجوز النصب" فقال له الكسائي: "لحنت".
ثم سأله عن مسائل من هذا النوع: "خرجت فإذا عبد الله القائمُ" أو "القائمَ"؟ فقال سيبويه في ذلك كله بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: "ليس هذا من كلام العرب، العرب ترفع في ذلك كله وتنصب" فدفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: "قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟ " فقال له الكسائي: "هذه العرب في بابك قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم، فيحضرون ويسألون" فقال يحيى وجعفر: "قد أنصفت" فأمر بإحضارهم فدخلوا, فهم: أبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وأبو ثروان, فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: "قد تسمع أيها الرجل" فاستكان سيبويه١.
стр. 48
ولم يختلف البصريون حتى اليوم في أن القول ما قال سيبويه, وأن الموضع ليس بموضع نصب، وأن هؤلاء الأعراب أعراب الحطمية الذين كان الكسائي يقوم بهم ويأخذ عنهم. ثم جاء ثعلب فاحتال وجها للنصب فقال: "وإنما أدخل الفاء في قوله: "فإذا هو إياها" لأن "فإذا" مفاجأة أي: فوجدته ورأيته، فـ "وجدت ورأيت" ينصب شيئين ويكون معه خبر؛ فلذلك نصبت العرب".
قلت: وهو وجه غير صحيح, ولو صح أن "فإذا=وجدت" لوجب أن يقال: "فإذا إياه إياها"، ولم يدَّعِ ذلك حتى الكوفيون.
стр. 49
بين الكسائي والبريدي
...
٣- بين الكسائي واليزيدي:
لقد سلط الله على الكسائي من يثأر منه للأصمعي وسيبويه، فأذاقه على يد يحيى بن المبارك اليزيدي ما كان كفاء لعصبيته على البصريين. ويحيى هذا بصري قرأ على أبي عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد، واتصل بخال المهدي يزيد بن منصور الحميري فأدب أولاده، وإليه نسب فقيل "اليزيدي". ولم يستطع الكسائي أن يغلبه بجاهه, فعاش حياته تنزل عليه منه الضربات في المناظرة والهجاء بالأشعار. ثم كان مؤدب المأمون كما كان الكسائي مؤدب الأمين، وإليك مجلسين من مجالسهما أولهما قبل مناظرة سيبويه وثانيهما بعدها:
стр. 50
١- قال اليزيدي:
"كنا في بلد مع المهدي في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر, فتذاكروا عنده النحو والعربية، وكنت متصلا بخاله يزيد بن منصور والكسائي مع ولد الحسن الحاجب، فبعث إلي وإلى الكسائي، فصرت إلى الدار فإذا الكسائي بالباب قد سبقني فقال لي: "أعوذ بالله من شرك يا أبا محمد" فقلت: "والله لا تؤتى من قبلي, أو أوتى من قبلك".
فلما دخلنا على المهدي أقبل علي فقال: كيف نسبوا إلى البحرين فقالوا: "بحراني" وإلى الحصنين فقالوا: "حصني"؟ هلا قالوا: حصناني كما قالوا بحراني؟ فقلت: "أيها الأمير، لو قالوا في النسب إلى البحرين "بحري" لالتبس فلم يدر: آلنسبة إلى "البحرين" وقعت أم إلى البحر؟ فزادوا ألفا للفرق بينهما كما قالوا في النسب إلى الروح: روحاني؛ ولم يكن لـ "حصنين" شيء يلتبس به فقالوا: "حصني" على القياس".
فسمعت الكسائي يقول لعمرو بن بزيغ: "لو سألني الأمير عنهما لأجبته بأحسن من هذه العلة". فقلت: "أصلح الله الأمير، إن هذا يزعم أنك لو سألته أجاب بأحسن من جوابي" قال: "فقد سألته" قال: "كرهوا أن يقولوا "حصناني" فيجمعوا بين نونين، ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة فقالوا "بحراني" لذلك".
قلت: "كيف تنسب إلى رجل من "بني جنّان"؟ إن لزمت
стр. 51
قياسك فقلت: "جني" جمعت بينه وبين المنسوب إلى الجن، وإن قلت: "جناني" رجعت عن قياسك وجمعت بين ثلاث نونات".
ثم تفاوضنا إلى أن قلت له: "كيف تقول: إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيد؟ " فأطرق مفكرا وأطال الفكرة فقلت: "أصلح الله الأمير، لأن يجيب فيخطئ فيتعلم أحسن من هذه الاطالة". فقال: "إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيدا" فقلت: "أخطأ أيها الأمير" قال: "وكيف؟ " قلت: "لرفعه قبل أن يأتي باسم إن، ونصبه بعد الرفع، وهذا لا يجيزه أحد".
فقال شيبة بن الوليد عم ذفافة متعصبا له: "أراد بـ "أو": بل" فقلت: "هذا لعمري معنى"، فلقنه الكسائي فقال: "ما أردت غيره". فقلت: "أخطأتما جميعا؛ لأنه غير جائز أن يقال: إن من خير القوم وأفضلهم، بل خيرهم زيدا" فقال المهدي: "يا كسائي، ما مر بك مثل اليوم". قال: "فكيف الصواب عندك؟ " فقلت: "إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرَهم بتة زيد، على معنى تكرير إن". فقال المهدي: "قد اختلفتما وأنتما عالمان، فمن يفصل بينكما؟ " قلت: "فصحاء العرب المطبوعون" فبعث إلى أبي المطوق، فعملت أبياتا إلى أن يجيء، وكان المهدي يميل إلى أخواله من اليمن "وابن منصور الحميري حاضر" فقلت:
يا أيها السائلي لأخبره ... عمن بصنعاء من ذوي الحسب
حمير ساداتها تقر لها ... بالفضل طرا جحاجح العرب
فإن من خيرهم وأفضلهم ... أو خيرهم بتة أبو كرب
стр. 52
فلما جاء أبو المطوق أنشدته الأبيات, وسألته عن المسألة فوافقني١.
٢- في حضرة الرشيد:
سأل الرشيد اليزيدي والكسائي عن قصر "الشراء" ومده فقال الكسائي: "مقصور لا غير" وقال اليزيدي: "يقصر ويمد" فقال الكسائي: "من أين لك؟ " فقال اليزيدي: "من المثل السائر: لا يغتر بالحرة عام هدائها ولا بالأمة عام شرائها". فقال الكسائي: "ما ظننت أن أحدا يجهل مثل هذا" فقال اليزيدي: "ما ظننت أن
стр. 53
أحدا يفتري بين يدي أمير المؤمنين مثل هذا"١.
٣- في حضرة الرشيد أيضا:
سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الرشيد قال: "انظر، في هذا الشعر عيب؟ " وأنشده:
ما رأينا خربا نـ ... ـقر عنه البيض صقر٢
لا يكون العير مهرا ... لا يكون، المهر مهر
فقال الكسائي: "قد أقوى الشاعر" فقال اليزيدي: "انظر فيه" فقال: "أقوى، لا بد أن ينصب المهر الثاني على أنه خبر كان".
فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: "أنا أبو محمد، الشعر صواب، وإنما ابتدأ فقال: المهر مهر".
فقال له يحيى بن خالد: "أتكتني بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟ والله لخطأ الكسائي مع أدبه أحب إلينا من صوابك مع سوء فعلك".
فقال: "لذة الغلبة أنستني من هذا ما أحسن"٣.
стр. 54
٤- بين المازني ونحاة كوفيين:
حضر المازني ونحاة كوفيون مجلس الواثق يوما فقال الواثق -وهذه رواية المازني نفسه:
"يا مازني هات مسألة" قلت: "ما تقولون في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] لم لم يقل: "بغية" وهي صفة لمؤنت؟ " فأجابوا بجوابات غير مرضية، فقال لي: "هات". قلت: "لو كان بغي" على تقدير "فعيل" بمعنى "فاعلة" للحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة، وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة في نحو: "امرأة قتيل، وكف خضيب"؛ و"بغي" ههنا ليس بفعيل إنما هو "فعول" لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث نحو: "امرأة شكور وبئر شطون إذا كانت بعيدة الرشاء"، وتقدير "بغي": "بغُوي" قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ياء ثقيلة نحو "سيد وميت" فاستحسن الجواب١.
٥- بين المازني وابن السكيت:
قال المازني:
حضرت يوما مجلس المتوكل وحضر يعقوب بن السكيت, فقال المتوكل: "تكلما في مسألة نحوية" فقلت له: "اسأل" فقال: "اسأل أنت" فقلت له:
стр. 55
ما وزن ﴿نَكْتَلْ﴾ اللفظة الواردة في الآية المذكورة فيها قصة إخوة يوسف؟
فتسرع وقال: وزنها "نفعل".
فقلت له: "اتئد وانظر". فأفكر ثم قال:
وزنها "نفتعل".
فقلت: "نكتل" أربعة أحرف و"نفتعل" خمسة أحرف، فكيف تقدر الرباعي بالخماسي؟ فبهت ولم يحر جوابا.
فقال المتوكل: فما تقول أنت يا مازني؟
قلت: وزنها في الأصل "نفتعل" لأنها "نكتيل" فلما تحرك حرف العلة وهو الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصارت "نكتال" ولما دخل الجازم صارت "نكتل" "ووزنها نفتل".
فقال المتوكل: هذا هو الحق وانخذل ابن السكيت ووجم، وظهر ذلك عليه.
فلما خرجنا قال ابن السكيت في الطريق: "بالغت اليوم في ذاي" فقلت له: "لم أقصدك بشيء مما جرى، وإنما مسألة كانت قريبة من خاطري، فذكرتها"١.
٦- بين المبرد والثعلب:
"حكي أن بعض الأكابر من بني طاهر سأل أبا العباس ثعلبا أن يكتب له مصحفا على مذهب أهل التحقيق، فكتب ﴿وَالضُّحَى﴾ بالياء، ومذهب الكوفيين أنه إذا كان كلمة من هذا النحو
стр. 56
أولها ضمة أو كسرة كتبت بالياء وإن كانت من ذوات الواو، والبصريون يكتبون بالألف. فنظر المبرد في ذلك المصحف فقال: ينبغي أن يكتب "والضحا" بالألف؛ لأنه من ذوات الواو، فجمع ابن طاهر بينهما:
فقال المبرد لثعلب: "لم كتبت ﴿وَالضُّحَى﴾ بالياء؟ " فقال: "لضمة أوله" فقال له: "ولم إذا ضم أوله وهو من ذوات الواو تكتبه بالياء؟ ".
فقال: لأن الضمة تشبه الواو، وما أوله واو يكون آخره ياء، فتوهموا أن أوله واو, فقال المبرد: "أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة؟!! "١.
وفي كتاب "مجالس العلماء" للزجاجي عدد من المجالس بين المبرد وثعلب تظهر الفارق الكبير بين سداد المبرد وملكته وعلمه، وتخبط ثعلب في نقله وقياسه، ويفيد الاطلاع على هذا
стр. 57
الكتاب جملة، وبين ص١١٩ و١٢٦ شيء من هذه المجالس بينهما "طبعة حكومة الكويت سنة ١٩٦٢".
٦- بين ثعلب والزجاج:
قال الزجاج:
دخلت على أبي العباس ثعلب في أيام المبرد وقد أملى شيئا من "المقتضب" فسلمت عليه وعنده أبو موسى الحامض وكان يحسدني شديدا ويجاهرني بالعداوة, وكنت ألين له وأحتمله لموضع الشيخوخة.
فقال لي ثعلب: "قد حمل إلي بعض ما أملاه هذا الخلدي "يعني المبرد" فرأيته لا يطوع لسانه بعبارة" فقلت له: "إنه لا يشك في حسن عبارته اثنان، ولكن سوء رأيك فيه يعيبه عندك" فقال: "ما رأيته إلا ألكن متغلقا".
فقال أبو موسى: "والله إن صاحبكم "يعني سيبويه" ألكن" فأحفظني ذلك ثم قال:
بلغني عن الفراء أنه قال: "دخلت البصرة فلقيت يونس وأصحابه فسمعتهم يذكرون سيبويه بالحفظ والدراية وحسن الفطنة، فأتيته فإذا هو أعجم لا يفصح، سمعته يقول لجارية: "هات ذيك الماء من ذاك الجرة" فخرجت من عنده ولم أعد إليه" فقلت له: هذا لا يصح عن الفراء، وأنت غير مأمون في هذه الحكاية، ولا يعرف أصحاب سيبويه من هذا شيئا، وكيف تقول هذا لمن يقول في أول كتابه: "هذا باب علم ما الكلم من
стр. 58
العربية"؟ وهذا يعجز عن إدراك فهمه كثير من الفصحاء فضلا عن النطق به, فقال ثعلب: "قد وجدت في كتابه نحوا من هذا: يقول: "حاشا" حرف يخفض ما بعده كما تخفض "حتى" وفيها معنى الاستثناء".
فقلت: "هذا كذا في كتابه، وهو صحيح؛ ذهب في التذكير إلى الحرف، وفي التأنيث إلى الكلمة".
قال: "والأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد".
قلت: "كل جيد، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا ... ﴾ ١ وقرئ: "ويعمل صالحا"، وقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٢ ذهب إلى المعنى ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ٣ ذهب إلى اللفظ, وليس لقائل أن يقول: لو حمل الكلام على وجه واحد في الآيتين كان أجود؛ لأن كلا جيد.
فأما نحن "يريد البصريين" فلا نذكر حدود الفراء؛ لأن صوابه فيه أكثر من أن يعد، ولكن هذا أنت يا ثعلب عملت كتاب "الفصيح" للمبتدئ المتعلم, وهو عشرون ورقة أخطأت في عشرة مواضع منه ... إلخ.
وفصل الزجاج هذه المواضيع مستشهدا بكلام العرب, فانظرها في مظنتها.
стр. 59
ثم قال الزجاج: "فما قرئ عليه كتاب الفصيح بعد ذلك علمي، ثم بلغني أنه سئم ذلك، فأنكر كتاب الفصيح أن يكون له"١.
وهم يصفون ثعلبا بغزارة الحفظ، لكنه "لم يكن مع ذلك موصوفا بالبلاغة، فإذا كتب كتابا إلى بعض أصحاب السلطان ما خرج عن طبع العامة"٢.
في أكثر هذه الأخبار مجال لمن شك فيها أو توقف، فما فاز فيه الكسائي على خصمه عرفناه من رواية أنصاره الكوفيين, فراوي خبر الأصمعي والكسائي ثعلب وهو من أئمتهم، وراوي خبر سيبويه والكسائي هو الفراء تلميذ الكسائي، وراوي خبر اليزيدي هو اليزيدي نفسه, ولم نسمع رواية الطرف الآخر ممن شاهد الوقائع. ومع هذا نستطيع اعتبارها واقعة كما رووها لنا ونمضي في بحثنا جاعلين عدم نقض البصريين لهذه الرواية -فيما علمنا- إقرارا منهم بمضمونها. ونلاحظ بعد ذلك الأمرين الآتيين:
١- لا يحتاج القارئ إلى كثير روية حتى يطمئن إلى أن الحق في كل هذه المناظرات كان بجانب البصريين: الأصمعي, وسيبويه، واليزيدي، والمبرد؛ وأن حجج الكوفيين في هذه المسائل واهية.
стр. 60
٢- لم تكن أكثر هذه المجالس عادلة، فميل السلطان إلى أحد الخصمين وتقريبه له ومكانته عنده، كل ذلك قوى نفسه فاستطال على خصمه بدالته ولسانه وجاهه في القصر وعند الشهود، وتحدثت هذه المجالس بغلبته، إلى أن مضت الأيام وانقضت تلك الاعتبارات, وحكم التاريخ فرد الحق إلى أهله.
وبعد، فقد بلغ هذا الخلاف أجله، ودرج العلماء والمؤرخون على أن هناك مذهبا بصريا وآخر كوفيا، فما معالم كل من المذهبين. وما أهم الميزات لهذا وذاك؟
أبادر قبل بسط هذه المعالم إلى تسجيل أمرين لا بد منهما إذا أردنا الدقة في البحث والاحتياط في الأحكام:
١- نحن اليوم نملك من كتب البصريين عددا صالحا يساعدنا في إرسال الأحكام بشيء من الاطمئنان، فقد راجت في الأقطار منذ تأليفها حتى اليوم، وشرح منها الشيء الكثير، وتداولته الطلبة على مر السنين. ثم كان الذين ألفوا في طبقات النحويين وأخبارهم ممن طبعت كتبهم ينصر أكثرهم المذهب البصري، وكان النحو في الشام ومصر والمغرب والأندلس بصري الطابع في أكثر مسائله أغلب الأزمان، وهذا كله قد خدم كتب البصريين ونحوهم خدمة لم يحظ ببعضها المذهب الآخر.
أما الكوفيون, فلم يطبع من كتبهم النحوية حتى الآن شيء فيما
стр. 61
أعلم١, وإنما اطلعنا على أقوالهم في كتب المتأخرين منثورة على المسائل، أي: إن آراءهم وردت في كتب خصومهم -مع شيء من التجوز٢- للرد عليها، فإن نحن اعتمدنا على ذلك في إصدار الأحكام، لم نكن إلى العدل في شيء. والحق يقضي ألا نرسل حكما بين فريقين إلا بعد الاستماع إلى حجج كل من فيه, وهذا مع الأسف ليس ميسورا الآن.
٢- هذه الميزات والمعالم الآتية بعد، ليست جامعة مانعة؛ فليست هناك قاعدة أجمع عليها نحاة البصرة وتوارد على معارضتها نحاة الكوفة، أو قال بها الآخرون جميعا وعارضها الأولون جميعا. بل كثيرا ما نجد العالم الواحد من أهل الكوفة مثلا يذهب إلى أحكام يوافق فيها مذهب خصومه ويخالف أهل مصره.
وطالما تجد هذه الظاهرة في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف
стр. 62
لابن الأنباري"١ وفي كتب النحو الأخرى٢. وما أكثر ما نقرأ فيها: "قال البصريون إلا فلانا وفلانا كذا، وذهب الكوفيون إلا فلانا إلى كذا".
ولم يطرد الصواب في أحد المذهبين اطرادا، بل تجده تارة مع هؤلاء وتارة مع أولئك، وحينا وسطا بينهما.
٣- الفروق بين المذهبين البصري والكوفي:
بعد الاحتياط المتقدم نحصر الكلام على المذهبين في ناحيتين اثنتين إليهما مرد الأمر كله، وهما: السماع والقياس.
أمر السماع:
تقع البصرة على سيف البادية، وأكثر عربها من قيس وتميم، وقد عرفت شأنهما في الاحتجاج، وتحف بها قبائل عربية سليمة السليقة لم تفسد لغتها بمخالطة الأعاجم، فكانت هذه القبائل ترد سوق البصرة المشهورة "المربد"، وأنت تعلم أن المربد كانت عكاظ الإسلام، ففيها تناشد وتفاخر كما فيها تجارة وبيع٣،
стр. 63
وذلك له أثره في فصاحة أهل البصرة وسلامة لغتهم. ثم كانت هناك رحلات متبادلة، فعلماء البصرة دائمو الترحال إلى البادية والجزيرة يتلقون عن أعرابها، والأعراب دائمو الورود إلى البصرة لشئون معايشهم، فقد ضرب في بوادي الجزيرة الأصمعي وأبو عبيدة ويونس وأبو زيد والخليل وغيرهم، ثم كانوا يتحرون في الأخذ: أما العربي فيتحرون فيه سلامة لغته وسليقته١, وأما الراوي فالصدق والضبط، ثم كانوا لا يعتدون بالشاهد إذا لم يعرف قائله أو لم يروه عربي يوثق بلغته٢, ومن هنا عجت بلدهم بفصحاء الأعراب المعروفين في كتب الأدب الذين كانوا من مفاخر البصرة التي يعتدها البصريون.
أما الكوفة فهي أدخل في العراق وأقرب إلى الاختلاط بالأعاجم، ولغة أعرابها ليست لها سلامة لغة أعراب البصرة، فأكثرهم يمن وبها قليل من قبائل أخرى، واليمن -كما رأيت في الكلام على الاحتجاج- لا يحتج بلغتها لتغيرها بالاختلاط بالفرس والأحباش، ثم بين الكوفة وجزيرة العرب صحراء السماوة الشاسعة؛ فلذا لم تكن رحلات علمائها إلى الجزيرة كرحلات علماء البصرة، والكسائي الذي ارتحل لم يرتحل إلا لما تتلمذ على الخليل وسأله, فأرشده إلى الرحلة, وقد مر بك أن أبا
стр. 64
عمرو بن العلاء جاور البدو أربعين سنة, ولم يقم الكسائي بالبدو غير أربعين يوما١! بل نقلوا أن الكسائي "حمل إلى الأخفش البصري خمسين دينارا, وقرأ عليه كتاب سيبويه سرا"٢.
نعم كان للكوفة سوق أرادوا بها أن تحاكي مربد البصرة وهي "سوق كناسة"، لكن لم يكن لها ذلك الشأن، وهي إلى أن تكون داعية إفساد اللغة أقرب منها إلى أن تكون عاملا في صيانتها؛ لأن الأعراب الذين يؤمونها غير سليمي السلائق.
كل هذه العوامل صرفت الكوفيين إلى رواية الشعر، فذلك هو الميسور لهم، وزعموا أن سبب علمهم بالشعر وسبقهم فيه أهل البصرة: أن المختار بن أبي عبيد لما خرج بالكوفة قيل له: "إن تحت القصر الأبيض الذي كان للنعمان كنزا"، فاحتفر فوجد الطنوج التي كان النعمان أمر أن ينسج فيها أشعار العرب، فأخرجها. قالوا: فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالشعر، هذه رواية حماد الراوية الكوفي٣.
هذا حال من ينقلون عنه من حيث السليقة وسلامة اللغة، وأما الجهة الثانية وهي صدق الراوي وضبطه فلم يعنوا بها؛ ولذا كثر الموضوع المصنوع في أكثر رواياتهم، قال أبو الطيب اللغوي: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن
стр. 65
أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم"١ وأبعد من ذلك في الدلالة قصة خلف الأحمر راويتهم الكبير فقد قال:
"أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح. ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم، أنا تائب إلى الله تعالى؛ هذا الشعر لي". فلم يقبلوا مني وبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب٢.
أما راويتهم الأكبر "حماد" فهو الشمس شهرة في كذبه ووضعه، و"قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا ... فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل من الأقدمين ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك"٣.
ولا تنس استشهاده باللحن أيضا حتى امتنع الكميت الشاعر عن إملاء شعره عليه, وقد طلب ذلك منه, وقال له: "أنت لحان, ولا أكتبك شعري"٤.
وقد عجب يونس "كيف يأخذ الناس عن حماد وهو يلحن
стр. 66
أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم"١ وأبعد من ذلك في الدلالة قصة خلف الأحمر راويتهم الكبير فقد قال:
"أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح. ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم، أنا تائب إلى الله تعالى؛ هذا الشعر لي". فلم يقبلوا مني وبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب٢.
أما راويتهم الأكبر "حماد" فهو الشمس شهرة في كذبه ووضعه، و"قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا ... فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل من الأقدمين ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك"٣.
ولا تنس استشهاده باللحن أيضا حتى امتنع الكميت الشاعر عن إملاء شعره عليه, وقد طلب ذلك منه, وقال له: "أنت لحان, ولا أكتبك شعري"٤.
وقد عجب يونس "كيف يأخذ الناس عن حماد وهو يلحن
стр. 67
ويكسر الشعر ويكذب ويصحف"١ ولا تنس أنه ديلمي من السبي.
وحتى كانوا إذا بالغوا في الثناء على علم كوفي شبهوا روايته برواية أهل البصرة, فقالوا في ترجمة ابن الأعرابي تلميذ المفضل الضبي: "ولم يكن أحد من الكوفيين أشبه رواية برواية البصريين منه"٢.
كان من الطبيعي إذًا أن يطرح الثقات روايات أهل الكوفة وقد ملأها حماد وخلف وغيرهما بالمصنوع، وصار ذلك مما يميز مدرسة الكوفة من مدرسة البصرة، وعرف ذلك الخاص والعام، حتى أتى من ألف في طبقات النحويين فسجل الظاهرة الآتية:
"لا يعلم أحد من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة إلا أبا زيد الأنصاري البصري، فقد روى عن المفضل الضبي الكوفي"٣.
أما أهل الكوفة فيروون عن أهل البصرة إذ كانوا أساتذتهم،
стр. 68
حتى الكسائي الذي قرأ على الخليل ويونس وعيسى بن عمر، ورأى تحريهم فيما ينقلون وفيمن يشافهون؛ زايل التحري حين انتقل إلى بغداد وكان أمره كما قال أبو زيد الأنصاري: "قدم علينا الكسائي البصرة فلقي عيسى والخليل وغيرهما، وأخذ منهم نحوا كثيرا، ثم صار إلى بغداد فلقي أعراب الحطمية فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن، فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله"١.
كل ما تقدم مشهور متعارف عند أهل العلم قديما، حتى إن ابن سلام لما نقل قوله المفضل الضبي: "للأسود بن يعفر ثلاثون ومائة قصيدة" عقب عليه بقوله: "ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريبا منه، وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي, ويتجوزون في ذلك بأكثر مما تجوزنا"٢.
ولا تظنن هذا الطابع طبع مدرسة الكوفة في علوم العربية فحسب، بل هو سمتهم في كل ما يعتمد السماع، وإليك حكم الخطيب البغدادي على المدرسة الكوفية ومدرسة البصرة في الحديث قال: "ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم. والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل, قليلة السلامة من العلل"٣.
هذا فرق ما بين المدرستين في أمر السماع وصحته والتحري فيه.
стр. 69
الفروق بين المذهبين البصري والكوفي
أمر السماع
...
٣- الفروق بين المذهبين البصري والكوفي:
بعد الاحتياط المتقدم نحصر الكلام على المذهبين في ناحيتين اثنتين إليهما مرد الأمر كله، وهما: السماع والقياس.
أمر السماع:
تقع البصرة على سيف البادية، وأكثر عربها من قيس وتميم، وقد عرفت شأنهما في الاحتجاج، وتحف بها قبائل عربية سليمة السليقة لم تفسد لغتها بمخالطة الأعاجم، فكانت هذه القبائل ترد سوق البصرة المشهورة "المربد"، وأنت تعلم أن المربد كانت عكاظ الإسلام، ففيها تناشد وتفاخر كما فيها تجارة وبيع١،
стр. 70
وذلك له أثره في فصاحة أهل البصرة وسلامة لغتهم. ثم كانت هناك رحلات متبادلة، فعلماء البصرة دائمو الترحال إلى البادية والجزيرة يتلقون عن أعرابها، والأعراب دائمو الورود إلى البصرة لشئون معايشهم، فقد ضرب في بوادي الجزيرة الأصمعي وأبو عبيدة ويونس وأبو زيد والخليل وغيرهم، ثم كانوا يتحرون في الأخذ: أما العربي فيتحرون فيه سلامة لغته وسليقته١, وأما الراوي فالصدق والضبط، ثم كانوا لا يعتدون بالشاهد إذا لم يعرف قائله أو لم يروه عربي يوثق بلغته٢, ومن هنا عجت بلدهم بفصحاء الأعراب المعروفين في كتب الأدب الذين كانوا من مفاخر البصرة التي يعتدها البصريون.
أما الكوفة فهي أدخل في العراق وأقرب إلى الاختلاط بالأعاجم، ولغة أعرابها ليست لها سلامة لغة أعراب البصرة، فأكثرهم يمن وبها قليل من قبائل أخرى، واليمن -كما رأيت في الكلام على الاحتجاج- لا يحتج بلغتها لتغيرها بالاختلاط بالفرس والأحباش، ثم بين الكوفة وجزيرة العرب صحراء السماوة الشاسعة؛ فلذا لم تكن رحلات علمائها إلى الجزيرة كرحلات علماء البصرة، والكسائي الذي ارتحل لم يرتحل إلا لما تتلمذ على الخليل وسأله, فأرشده إلى الرحلة, وقد مر بك أن أبا
стр. 71
عمرو بن العلاء جاور البدو أربعين سنة, ولم يقم الكسائي بالبدو غير أربعين يوما١! بل نقلوا أن الكسائي "حمل إلى الأخفش البصري خمسين دينارا, وقرأ عليه كتاب سيبويه سرا"٢.
نعم كان للكوفة سوق أرادوا بها أن تحاكي مربد البصرة وهي "سوق كناسة"، لكن لم يكن لها ذلك الشأن، وهي إلى أن تكون داعية إفساد اللغة أقرب منها إلى أن تكون عاملا في صيانتها؛ لأن الأعراب الذين يؤمونها غير سليمي السلائق.
كل هذه العوامل صرفت الكوفيين إلى رواية الشعر، فذلك هو الميسور لهم، وزعموا أن سبب علمهم بالشعر وسبقهم فيه أهل البصرة: أن المختار بن أبي عبيد لما خرج بالكوفة قيل له: "إن تحت القصر الأبيض الذي كان للنعمان كنزا"، فاحتفر فوجد الطنوج التي كان النعمان أمر أن ينسج فيها أشعار العرب، فأخرجها. قالوا: فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالشعر، هذه رواية حماد الراوية الكوفي٣.
هذا حال من ينقلون عنه من حيث السليقة وسلامة اللغة، وأما الجهة الثانية وهي صدق الراوي وضبطه فلم يعنوا بها؛ ولذا كثر الموضوع المصنوع في أكثر رواياتهم، قال أبو الطيب اللغوي: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن
стр. 72
أمر القياس:
رسم البصريون خطتهم في النحو بعد أن جعلوا نصب أعينهم الهدف الذي إليه يرمون، وهو عصمة اللسان من الخطأ، وتيسير العربية على من يتعلمها من الأعاجم؛ ولذا تحروا ما نقلوا عن العرب ثم استقروا أحواله فوضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب من هذه الأحوال، فإن تناثر هنا وهناك نصوص قليلة لا تشملها قواعدهم سلكوا بها -بعد التحري من صحة نقلها عن العرب المحتج بكلامهم- إحدي طريقتين: إما أن يتأولوها حتى تنطبق عليها القاعدة، وإما أن يهملوا أمرها لقلتها فيحفظوها ولا يقيسوا عليها، جاعليها من الصنف الذي سموه مطردا في السماع شاذا في القياس، وذلك مثل "استحوذ واستصوب" والقياس فيها الإعلال مثل: "استقال، استجاد، استطال ... إلخ" فقالوا: تحفظ الكلمات النادرة التي وردت عن العرب في هذا الباب ولا يقاس عليها، بل منهم من ذهب إلى أن اتخاذ القياس فيها "استحاذ، استصاب" غير خطأ.
وهم الذين أمعنوا في أحوال الكلام العربي، واستنبطوا علله، وحكموا فيها المنطق والعقل حتى جاءت قواعدهم في القياس والنحو الذي بني عليها متماسكة متناسقة في الجملة، ولا بد في كل تنسيق من تشذيب يخرج بعض النتوء من الهيكل المشذب. ولم يكن إلى الصواب من عاب عليهم من المحدثين
стр. 73
أنهم بتعميم هذه القواعد قد أهدروا شيئا من اللغة, فهم حين يختارون بين اللغتين أشيعهما وأقربهما إلى القياس، قد قاموا بخير ما يمكن أن يقوم به من يريد حفظ اللغة، ومع أن الكوفيين جمعوا ما هب ودب ولم يفرطوا شيئا مما وصل إليهم، لم يدعوا ولم يدع لهم أحد أنهم لموا اللغة من أطرافها وأحصوها، وإنا نجد عندهم كل لغات العرب بلهجات قبائلها؛ بل نحن أحرى أن نجد عند البصريين المنظمين المنسقين ما لا نجده عند غيرهم، فالنظام يحفظ في نسق ما لا يستطيع غيره أن يحفظه.
أما الكوفيون فلم يكن لهم أصول يبنون عليها غير ما أخذوه عن أساتذتهم البصريين ولم يحسنوه، ثم جعلوا من عدم المنهج في سماعهم منهجا خاصا لهم، فسمعوا الشاذ واللحن والخطأ، وأخذوا عمن فسدت لغته من الأعراب وأهل الحضر؛ فلما اقتضتهم المنافسة أن يكون لهم قياس كما لأولئك بنوه على ما عندهم مما يتنزه عن روايته البصري، ثم جعلوا كل شاذ ونادر قاعدة لنفسه، فانتشرت عليهم قواعدهم ولم يعد لها ما يمسكها من نظام أو منطق، وضاعت الغاية من وضع النحو فلم يعد -في أيديهم- أداة تيسير لتعلم العربية، بعد أن أصبحت له قواعد بعدد ما جمعوا من شواهد، وهذا شيخهم وكبيرهم الكسائي: "كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة، والضرورات، فيجعل ذلك أصلا ويقيس عليه حتى أفسد النحو"١ وحتى ضاق به وبقياسه
стр. 74
وبسماعه اليزيدي فقال:
كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأول
فجاءنا قوم يقيسونه ... على لغى أشياخ قطر بل
فكلهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأشياعه ... يرقون بالنحو إلى أسفل١
وغلب هذا الانحراف على الكوفيين حتى قال الأندلسي شارح المفصل: "الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول, جعلوه أصلا وبوبوا عليه"٢.
أما قياسهم نفسه ومقدار جودته, فقد مر بك في المناظرات نمط منه، وعرفت وهيه حين يعللون بالتوهم مرة في رسم ﴿وَالضُّحَى﴾ ، وبتسليط فعل مقدر على أحد المتعاطفين دون الثاني في قضية "فإذا هو إياها".
اتجه بعض الباحثين المحدثين إلى عد المذهب الكوفي مذهب سماع, على حين عدوا المذهب البصري مذهب قياس، فذهب الأستاذ أحمد أمين إلى أنهم "يحترمون كل ما جاء عن العرب, ويجيزون للناس أن يستعملوا استعمالهم"٣، وبالغ المرحوم طه الراوي فقال: "أما مذهب الكوفيين فلواؤه بيد السماع، لا يخفر له ذمة ولا ينقض له عهدا، ويهون على الكوفي نقض أصل من أصوله أو نسف قاعدة من قواعده ولا يهون عليه
стр. 75
عليه إطراح المسموع على الأكثر"١.
وأود هنا -بعد ما مر بك- أن أحرر هذا الأمر فأفرق بين القياس ذي الأصول المقررة والقياس المشوش الذي لا ضبط له. فالصحيح أن الفريقين كانا يقيسان، وربما كان الكوفيون أكثر قياسا إذا راعينا "الكم" فهم يقيسون على القليل والكثير والنادر والشاذ، ولم نعلم لهم مناهج محررة في القياس. أما البصريون فهم أقيس إذا راعينا "الكيف" -والحق مراعاته- فهم لا يقيسون إلا على الأعم الأغلب، ولهم في القياس أصول عامة يراعونها. والزمن حكم لعلمهم بالبقاء؛ إذ كان الأنسب والأضبط, فكان نحو الناس حتى هذا اليوم بصريا في أغلبه.
تصرفت الحياة في هذا الأمر بما لا يشعر به البصريون ولا الكوفيون، إذ إن لها اختيارها الخاص الملائم: تقبل ما يروقها وتحييه غير آبهة لما يقول هؤلاء ولا ما يقول أولئك، وإنما السليقة اللغوية الخفية في نفوس المتكلمين هي التي احتفظت بما كان أقرب لروح العربية الأولى, فمات بل لم يولد ما جانف هذه السليقة، فما أحد قال ولا يقول اليوم: "الرجال قام" وإن قال المذهب الكوفي بتقديم الفاعل على الفعل.
أما السماع فهل كان الكوفيون "يحترمونه" حقا كما قال الأستاذ أحمد أمين؟ "وهل كان لواؤه بيدهم لا يخفرون له ذمة" كما قال المرحوم الأستاذ طه الراوي؟ لعلك بعد ما سبق لك موقن معي أن السماعيين هم البصريون لا الكوفيون؛ فمن