← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9937

من تاريخ النحو العربي

سعيد الأفغاني

Полный текст (216 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عمرو بن العلاء جاور البدو أربعين سنة, ولم يقم الكسائي بالبدو غير أربعين يوما١! بل نقلوا أن الكسائي "حمل إلى الأخفش البصري خمسين دينارا, وقرأ عليه كتاب سيبويه سرا"٢. نعم كان للكوفة سوق أرادوا بها أن تحاكي مربد البصرة وهي "سوق كناسة"، لكن لم يكن لها ذلك الشأن، وهي إلى أن تكون داعية إفساد اللغة أقرب منها إلى أن تكون عاملا في صيانتها؛ لأن الأعراب الذين يؤمونها غير سليمي السلائق. كل هذه العوامل صرفت الكوفيين إلى رواية الشعر، فذلك هو الميسور لهم، وزعموا أن سبب علمهم بالشعر وسبقهم فيه أهل البصرة: أن المختار بن أبي عبيد لما خرج بالكوفة قيل له: "إن تحت القصر الأبيض الذي كان للنعمان كنزا"، فاحتفر فوجد الطنوج التي كان النعمان أمر أن ينسج فيها أشعار العرب، فأخرجها. قالوا: فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالشعر، هذه رواية حماد الراوية الكوفي٣. هذا حال من ينقلون عنه من حيث السليقة وسلامة اللغة، وأما الجهة الثانية وهي صدق الراوي وضبطه فلم يعنوا بها؛ ولذا كثر الموضوع المصنوع في أكثر رواياتهم، قال أبو الطيب اللغوي: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن

стр. 72

أمر القياس: رسم البصريون خطتهم في النحو بعد أن جعلوا نصب أعينهم الهدف الذي إليه يرمون، وهو عصمة اللسان من الخطأ، وتيسير العربية على من يتعلمها من الأعاجم؛ ولذا تحروا ما نقلوا عن العرب ثم استقروا أحواله فوضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب من هذه الأحوال، فإن تناثر هنا وهناك نصوص قليلة لا تشملها قواعدهم سلكوا بها -بعد التحري من صحة نقلها عن العرب المحتج بكلامهم- إحدي طريقتين: إما أن يتأولوها حتى تنطبق عليها القاعدة، وإما أن يهملوا أمرها لقلتها فيحفظوها ولا يقيسوا عليها، جاعليها من الصنف الذي سموه مطردا في السماع شاذا في القياس، وذلك مثل "استحوذ واستصوب" والقياس فيها الإعلال مثل: "استقال، استجاد، استطال ... إلخ" فقالوا: تحفظ الكلمات النادرة التي وردت عن العرب في هذا الباب ولا يقاس عليها، بل منهم من ذهب إلى أن اتخاذ القياس فيها "استحاذ، استصاب" غير خطأ. وهم الذين أمعنوا في أحوال الكلام العربي، واستنبطوا علله، وحكموا فيها المنطق والعقل حتى جاءت قواعدهم في القياس والنحو الذي بني عليها متماسكة متناسقة في الجملة، ولا بد في كل تنسيق من تشذيب يخرج بعض النتوء من الهيكل المشذب. ولم يكن إلى الصواب من عاب عليهم من المحدثين

стр. 73

أنهم بتعميم هذه القواعد قد أهدروا شيئا من اللغة, فهم حين يختارون بين اللغتين أشيعهما وأقربهما إلى القياس، قد قاموا بخير ما يمكن أن يقوم به من يريد حفظ اللغة، ومع أن الكوفيين جمعوا ما هب ودب ولم يفرطوا شيئا مما وصل إليهم، لم يدعوا ولم يدع لهم أحد أنهم لموا اللغة من أطرافها وأحصوها، وإنا نجد عندهم كل لغات العرب بلهجات قبائلها؛ بل نحن أحرى أن نجد عند البصريين المنظمين المنسقين ما لا نجده عند غيرهم، فالنظام يحفظ في نسق ما لا يستطيع غيره أن يحفظه. أما الكوفيون فلم يكن لهم أصول يبنون عليها غير ما أخذوه عن أساتذتهم البصريين ولم يحسنوه، ثم جعلوا من عدم المنهج في سماعهم منهجا خاصا لهم، فسمعوا الشاذ واللحن والخطأ، وأخذوا عمن فسدت لغته من الأعراب وأهل الحضر؛ فلما اقتضتهم المنافسة أن يكون لهم قياس كما لأولئك بنوه على ما عندهم مما يتنزه عن روايته البصري، ثم جعلوا كل شاذ ونادر قاعدة لنفسه، فانتشرت عليهم قواعدهم ولم يعد لها ما يمسكها من نظام أو منطق، وضاعت الغاية من وضع النحو فلم يعد -في أيديهم- أداة تيسير لتعلم العربية، بعد أن أصبحت له قواعد بعدد ما جمعوا من شواهد، وهذا شيخهم وكبيرهم الكسائي: "كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة، والضرورات، فيجعل ذلك أصلا ويقيس عليه حتى أفسد النحو"١ وحتى ضاق به وبقياسه

стр. 74

وبسماعه اليزيدي فقال: كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأول فجاءنا قوم يقيسونه ... على لغى أشياخ قطر بل فكلهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي إن الكسائي وأشياعه ... يرقون بالنحو إلى أسفل١ وغلب هذا الانحراف على الكوفيين حتى قال الأندلسي شارح المفصل: "الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول, جعلوه أصلا وبوبوا عليه"٢. أما قياسهم نفسه ومقدار جودته, فقد مر بك في المناظرات نمط منه، وعرفت وهيه حين يعللون بالتوهم مرة في رسم ﴿وَالضُّحَى﴾ ، وبتسليط فعل مقدر على أحد المتعاطفين دون الثاني في قضية "فإذا هو إياها". اتجه بعض الباحثين المحدثين إلى عد المذهب الكوفي مذهب سماع, على حين عدوا المذهب البصري مذهب قياس، فذهب الأستاذ أحمد أمين إلى أنهم "يحترمون كل ما جاء عن العرب, ويجيزون للناس أن يستعملوا استعمالهم"٣، وبالغ المرحوم طه الراوي فقال: "أما مذهب الكوفيين فلواؤه بيد السماع، لا يخفر له ذمة ولا ينقض له عهدا، ويهون على الكوفي نقض أصل من أصوله أو نسف قاعدة من قواعده ولا يهون عليه

стр. 75

عليه إطراح المسموع على الأكثر"١. وأود هنا -بعد ما مر بك- أن أحرر هذا الأمر فأفرق بين القياس ذي الأصول المقررة والقياس المشوش الذي لا ضبط له. فالصحيح أن الفريقين كانا يقيسان، وربما كان الكوفيون أكثر قياسا إذا راعينا "الكم" فهم يقيسون على القليل والكثير والنادر والشاذ، ولم نعلم لهم مناهج محررة في القياس. أما البصريون فهم أقيس إذا راعينا "الكيف" -والحق مراعاته- فهم لا يقيسون إلا على الأعم الأغلب، ولهم في القياس أصول عامة يراعونها. والزمن حكم لعلمهم بالبقاء؛ إذ كان الأنسب والأضبط, فكان نحو الناس حتى هذا اليوم بصريا في أغلبه. تصرفت الحياة في هذا الأمر بما لا يشعر به البصريون ولا الكوفيون، إذ إن لها اختيارها الخاص الملائم: تقبل ما يروقها وتحييه غير آبهة لما يقول هؤلاء ولا ما يقول أولئك، وإنما السليقة اللغوية الخفية في نفوس المتكلمين هي التي احتفظت بما كان أقرب لروح العربية الأولى, فمات بل لم يولد ما جانف هذه السليقة، فما أحد قال ولا يقول اليوم: "الرجال قام" وإن قال المذهب الكوفي بتقديم الفاعل على الفعل. أما السماع فهل كان الكوفيون "يحترمونه" حقا كما قال الأستاذ أحمد أمين؟ "وهل كان لواؤه بيدهم لا يخفرون له ذمة" كما قال المرحوم الأستاذ طه الراوي؟ لعلك بعد ما سبق لك موقن معي أن السماعيين هم البصريون لا الكوفيون؛ فمن

стр. 76

احترام السماع صيانته وحفظه من كل موضوع، ومن احترامه تحري حال المسموع منه، فلا يدس فيه كلام الذين فسدت لغتهم من أعراب الحطمية وأشياخ قطربل، ومن احترامه ألا نساوي بين القليل النادر والأكثر الشائع فنغمط حق هذا الأخير, وإن حشرنا فيه الضعيف والشاذ والخطأ مما يقع فيه أعراب السواد، والشعر المصنوع مما دسه حماد وخلف الكوفيان؛ خفر لذمته ونقض لعهده١. الحق أن البصريين عنوا بالسماع فحرروه وضبطوه "واحترموه", على حين زيفه الكوفيون وبلبلوه، والأمر في القياس على هذه الوتيرة، نظمه وحرر قواعده وأحسن تطبيقه البصريون، على حين هو في يد الكوفيين مشوش غير واضح المعالم ولا منسجم في أجزائه، ولا مطرد. بل نجد فيه ظاهرة غريبة جدا، وهي إطلاقهم -وهم المتقيدون بالسماع- الاشتقاق فيما لم يسمع عن العرب، فقد ذهبوا إلى قياس مفعل وفعال على نحو مثنى وثلاث من خمسة إلى تسعة على حين لم يسمع عن العرب ذلك إلا من واحد إلى أربعة، والبصريون أنفسهم -وهم القياسيون- منعوه "إلا المبرد منهم" لعدم السماع، ولأن يكون ذلك من البصريين أحرى إذ هو بمذهبهم أشبه وعن مذهب الكوفيين أبعد. وهذا يؤكد لك ما ذهبت إليه من أنه مذهب غير منسجم الأجزاء. أميل إذًا إلى أن المذهب الكوفي لا هو مذهب سماع صحيح, ولا

стр. 77

مذهب قياس منظم، لكن التاريخ يؤيد وجود المذهبين: مذهب السماع ومذهب القياس، وهما حقا وجدا، ولكن في البصرة لا في الكوفة. أما القياس فليست بصريته موضع خلاف، وأما السماع الصحيح فإني أوثر أن أنقل فيه كلام الأستاذ أحمد أمين نفسه في أن هذه المدرسة مدرسة بصرية، قال: "كانت هاتان النزعتان في البصرة في أيامها الأولى، فهم يقولون: إن ابن أبي إسحاق الحضرمي وتلميذه عيسى بن عمر كانا أشد ميلا للقياس, وكانا لا يأبهان بالشواذ ولا يتحرجان من تخطئة العرب؛ وكان أبو عمرو بن العلاء وتلميذه يونس بن حبيب البصريان أيضا على عكسهما: يعظمان قول العرب ويتحرجان من تخطئتهم، فغلبت النزعة الأولى على من أتى بعد من البصريين، وغلبت النزعة الثانية على من أتى بعد من الكوفيين, ولا سيما الكسائي الكوفي". وهذا حق مع استدراك واحد، هو أن أبا عمرو ويونس يعظمان قول العرب بعد التحري والتثبت من أنه كلام العرب المحتج بهم، أما الكوفيون فلا يتحرون، ولو قال الأستاذ: "فغلبت النزعة الثانية مشوهة ... إلخ" لطبق المفصل، وجميل ما حكم به بعد ذلك بين المذهبين: "ونرى في هاتين النزعتين أن البصريين كانوا أكثر حرية وأقوى عقلا، وأن طريقتهم أكثر تنظيما وأقوى سلطانا على اللغة، وأن الكوفيين أقل حرية وأشد احتراما لما ورد عن العرب, ولو موضوعا "كذا"، فالبصريون يريدون أن ينشئوا لغة

стр. 78

يسودها النظام والمنطق، ويميتوا كل أسباب الفوضى من رواية ضعيفة أو موضوعة أو قول لا يتمشى مع المنطق, والكوفيون يريدون أن يضعوا قواعد للموجود حتى الشاذ، من غير أن يهملوا شيئا حتى الموضوع"١. وبهذا لا يكون من الدقة -في رأيي- إطلاق النزعة السماعية على المذهب الكوفي, والنزعة القياسية على المذهب البصري. والدقة التي يؤيدها التاريخ والإمعان فيه وفي أقوال الكوفيين والبصريين ألا يكون مذهب بصري يقابله مذهب كوفي, بل نزعة سماعية يقابلها نزعة قياسية يختلف حظ كل منهما صحة وحالا ومقدارا بين البلدين، بل بين نحاة كل بلد على حدة. على ذلك الأساس يصح أن نعيد النظر في النحو وتاريخه ورجاله بهذا التصنيف الجديد، بعد أن علمنا أن النزعتين تتمثلان على حقهما بالبصرة لا بالكوفة. وبعد, فهذه أحكام تقريبية لا مطردة، إذ إن في المذهب الكوفي مسائل جيدات تختار على مثيلاتها في المذهب البصري، كإعمالهم مثلا اسم المصدر عمل المصدر، فحكمهم في ذلك صحيح واضح تؤيده روح القواعد والمنطق، وشاهداهم عليه صحيحان قويان٢

стр. 79

وما اتجهوا إليه في إعراب "نعم وبئس"١ أيسر وأقرب إلى الفطرة اللغوية من مذهب إخوانهم البصريين، وكذهاب بعضهم في قضية "أشياء" وأنها جمع لشيء, منعت من الصرف لشبه ألفها بألف التأنيث٢، ولهم أشباه هذه المسائل. وبذلك تدرك صواب الظاهرة التي قدمت بها هذا الكلام من أن الحق يصيبه هؤلاء تارة, وهؤلاء تارة. ونختتم هذه الفقرة بمثل صغير من الخلاف بين المدرستين ننتزعه من كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري" نموذجا لقضايا جاوزت المائة في هذا الكتاب، يبسط في كل منها رأي الكوفيين وحججهم, ثم رأي البصريين وحججهم مع ردودهم على حجج الكوفيين غالبا.

стр. 80

نموذج من الخلاف بين المذهبين: ٩٢- مسألة سوف: ذهب الكوفيون إلى أن السين التي تدخل على الفعل المستقبل نحو "سأفعل" أصلها "سوف"، وذهب البصريون إلى أنها أصل بنفسها. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك؛ لأن سوف كثر

стр. 81

استعمالها في كلامهم وجريها على ألسنتهم، وهم أبدا يحذفون لكثرة الاستعمال كقولهم: "لا أدر، ولم أبل، ولم يك، وخذ, وكل" وأشباه ذلك، والأصل: "لا أدري، ولم أبال، ولم يكن، واأخذ، واأكل" فحذفوا في هذه المواضع وما أشبهها لكثرة الاستعمال, فكذلك ههنا: لما كثر استعمال "سوف" في كلامهم حذفوا منها الواو والفاء تخفيفا. والذي يدل على ذلك أنه قد صح عن العرب أنهم قالوا في "سوف أفعل": "سو أفعل" فحذفوا الفاء، ومنهم من قال: "سف أفعل" فحذف الواو, وإذا جاز أن يحذف الواو تارة والفاء أخرى لكثرة الاستعمال جاز أن يجمع بينهما في الحذف مع تطرق الحذف إليهما في اللغتين لكثرة الاستعمال. والذي يدل على ذلك أن السين تدل على ما تدل عليه سوف من الاستقبال، فلما شابهتها في اللفظ والمعنى دل على أنها مأخوذة منها, وفرع عليها. وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل في كل حرف يدل على معنى ألا يدخله الحذف وأن يكون أصلا في نفسه، والسين حرف يدل على معنى، فينبغي أن يكون أصلا في نفسه لا مأخوذا من غيره. وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: إن "سوف" لما كثر استعمالها في كلامهم حذفوا الواو والفاء لكثرة الاستعمال قلنا: هذا فاسد؛ فإن الحذف لكثرة الاستعمال ليس بقياس ليجعل أصلا لمحل الخلاف، على أن الحذف ولو وجد كثيرا

стр. 82

في غير الحرف من الاسم والفعل فقلما يوجد في الحرف، وإن وجد الحذف في الحرف في بعض المواضع فهو على خلاف القياس, فلا يجعل أصلا يقاس عليه. وأما ما رووه عن العرب من قولهم في "سوف أفعل": "سو أفعل" و"سف أفعل" فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إن هذه رواية تفرد بها بعض الكوفيين؛ فلا يكون فيها حجة. والوجة الثاني: إن صحت الرواية عن العرب, فهو من الشاذ الذي لا يعبأ به لقلته. والثالث: أن حذف الفاء والواو على خلاف القياس؛ فلا ينبغي أن يجمع بينهما في الحذف؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له في كلامهم؛ فإنه ليس في كلامهم حرف حذف جميع حروفه طلبا للخفة على خلاف القياس, حتى لم يبق منه إلا حرف واحد, والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم مردود. وأما قولهم: "إن السين تدل على الاستقبال كما أن "سوف" تدل على الاستقبال" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن يستويا في الدلالة على الاستقبال على حد واحد، ولا شك أن "سوف" أشد تراخيا في الاستقبال من السين، فلما اختلفا في الدلالة دل على أن كل واحد منهما حرف مستقل بنفسه غير مأخوذ من صاحبه, والله أعلم"١.

стр. 83

جرى بعض الباحثين قديما وحديثا على رد الخلاف النحوي بين هذين المصرين العربيين إلى السياسة، وهو رأي سطحي لا يثبت عند التدقيق؛ فأهل النظر في كل فن تتباين أنظارهم كثيرا دون أن يكون للسياسة أو غيرها في ذلك أثر، وإنما هو الاجتهاد المحض، وهؤلاء أئمة البصريين يختلفون -فيما بينهم- اتجاها واجتهادا في مسائل كثيرة. نعم ربما كان للسياسة أثر ما في ميل الأمراء العباسيين إلى الكوفيين، لكن هذا شيء وتوجيه الفن إلى اتجاه خاص شيء آخر.

стр. 84

أثر العصبية في الخلاف: أما هذه الأحداث التي كانت تكون بين كوفي وبصري في قصور الحكام فنوع من الدفاع عن القوت أولا، وميل إلى العصبية البلدية١ آخرا. ولا تظن أن ما مر بك من مشاحنات بينهم كان يصرف بعضهم عن الانتفاع بعلم بعض، وحسبك أن تعلم أن الفراء مات "وتحت رأسه كتاب سيبويه" وأن الكسائي وهب للأخفش خمسين دينارا لقراءته كتاب سيبويه عليه، وأنه "سلخ كتابه في معاني القرآن من كتاب الأخفش"٢ وأن

стр. 85

الجاحظ لما عدد مفاخر البصرة على الكوفة قال: "وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله". ولما اشترى الجاحظ كتاب سيبويه من ميراث الفراء رآه أثمن ما يهدى إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلما دخل عليه وقد افتصد سأله: "ما أهديت لي يا أبا عثمان؟ " قال: "أطرف شيء: كتاب سيبويه بخط الكسائي وعرض الفراء! ". إلى غير ذلك من الأخبار التي إن صدقتها, فدلالتها على العصبية البلدية ظاهرة، وإن ذهبت إلى وضعها أو التزيد فيها فالدلالة أظهر. لم يختلف نحاة المصرين تبعا لاختلاف سياسة بلديهما، فليس للسياسة تأثير مباشر في ذلك، وإنما كان التكتل استجابة للعصبية ليس غير: أنشئت البصرة والكوفة على عهد عمر بن الخطاب؛ وانقضت سنون من عهد عثمان والمصران كالبلد الواحد ولبعض القبائل جماعات في كل منهما، فلما كان الشغب أيام عثمان أسهم العراقيون فيه؛ وآلت الأمور إلى قتل الخليفة والفتن المتلاحقة بعد أن انضم البصريون في وقعة الجمل إلى عائشة وطلحة والزبير وانضم الكوفيون إلى علي، وكانت الملحمة بينهما، واستحرَّ القتل، وكان لكل فريق مجزرة هائلة في الفريق الآخر. فمن ثم العداوة والتخاصم والتنافس بين البلدين. فلما انقضى عهد القلاقل خلف في أذهان الفريقين قصصا وأدبا وشعرا

стр. 86

ووقائع تذكر بالفخر تارة, وبالوجيعة تارة أخرى١. فهذا ما ولدت العصبية والتنافس بين وفود الفريقين ورجالاتهم في الأسمار ومجالس الأمراء. ولئن كانت أحداث سياسية خاصة هي المفرقة قديما، فإنها تطورت مع الزمن وتحول اتجاهها، حتى تبلورت في عصبية للبلد٢ وثبتت عليه كما نجد أنماطا من ذلك في مثل كتاب البلدان للهمداني، بل إن بعضهم كان يؤلف في مفاخر بلده كما فعل الهيثم بن عدي الكوفي "٢٠٩", فألف كتابه "فخر أهل الكوفة على أهل البصرة" ٣.

стр. 87

المدافعة عن أسباب العيش أولا وقبل كل شيء, ثم العصبية للبلد لا للسياسة "عاملا ثانويا" هما اللذان لوّنا الخلاف النحوي ولم يوجداه، لوناه بشيء من العنف. رأيت أنماطا منه في المناظرات التي مرت بك؛ وفي مثل قول اليزيدي يمدح نحويي البصرة ويهجو الكسائي وأصحابه: يا طالب النحو ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد وابن أبي إسحاق في علمه ... والزين في المشهد والنادي عيسى وأشباه لعيسى، وهل ... يأتي لهم دهر بأنداد هيهات، إلا قائلا عنهم ... أرسوا له الأصل بأوتاد فهو لمنهاجهم سالك ... لفضلهم ليس بجحاد ويونس النحوي لا تنسه ... ولا خليلا حية الوادي وقل لمن يطلب علما: ألا ... ناد بأعلى شرف ناد يا ضيعة النحو به مغرب ... عنقاء أودت ذات إصعاد أفسده قوم وأزروا به ... من بين أغتام وأوغاد ذوي مراء وذوي لكنة ... لئام آباء وأجداد لهم قياس أحدثوه همُ ... قياس سوء غير منقاد فهم من النحو -ولو عمروا ... أعمار عاد- في أبي جاد أما الكسائي فذاك امرؤ ... في النحو حار غير مرتاد وهو لمن يأتيه جهلا به ... مثل سراب البيد للصادي١ وهجا المبرد البصري ثعلبا الكوفي بقوله:

стр. 88

أقسم بالمبتسَم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب لو أخذ النحو عن الرب ... ما زاده إلا عمى القلب فتمثل ثعلب: يشتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا ولم أجبه لاحتقاري له ... من ذا يعض الكلب إن عضا١ وأراد ثعلب هذا أن يقرأ على المبرد البصري، فأنكر عليه أصحابه الكوفيون وقالوا: مثلك لا يصلح أن يمضي إلى بصري فيقال غدا: إنه تلميذه٢، فاستجاب لهم عصبية وحرم نفسه الخير. لكن ختنه "زوج ابنته" أحمد بن جعفر الدينوري لم يبال ذلك، فكان يخرج من منزل ثعلب وهو جالس على باب داره، فيتخطاه ويتخطى أصحابه، ويتوجه إلى المبرد ومعه محبرته ودفتره ليقرأ عليه كتاب "سيبويه"، وكان ثعلب يعاتبه في ذلك ويقول: "إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه، يقولون ماذا؟ " فلم يكن يلتفت إلى قوله٣. وما بلغت العصبية والنضال عن أسباب الرزق بين الفريقين مدى سافرا هذا السفور الذي تراه في الخبر الآتي: "لما أصاب الكسائي الوضح "البرص" كره الرشيد ملازمته أولاده, فأمره أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه، وقال:

стр. 89

"إنك كبرت، ولسنا نقطع راتبك" فدافعهم خوفا أن يأتيهم برجل يغلب على موضعه، إلى أن ضيق الأمر عليه وشدد، وقيل له: "إن لم تأت برجل من أصحابك اخترنا لهم من يصلح"، وكان بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداد والأخفش، فقلق لذلك، وعزم على أن يدخل عليهم من لا يخشى غائلته، فقال لعلي الأحمر: "هل فيك خير؟ " قال: "نعم" قال: "قد عزمت على أن أستخلفك على أولاد الرشيد" فقال الأحمر: "لعلي لا أفي بما يحتاجون إليه! " فقال الكسائي: "إنما يحتاجون كل يوم إلى مسألتين في النحو، وثنتين من معاني الشعر وأحرف من اللغة، وأنا ألقنك "ذلك" كل يوم قبل أن تأتيهم فتحفظه وتعلمهم" وكذلك كان١. هذا, ومن الخير ألا نغفل هنا خبرا يرد الأمور إلى نصابها فيما عرف عن بعض الكوفيين من أعمال علمية، فقد قال سعيد بن مسعدة الأخفش: "سألني الكسائي أن أؤلف له كتابا في "معاني القرآن" فألفت كتابي في المعاني، فجعله إماما لنفسه، وعمل عليه كتابا في المعاني، وعمل الفراء كتابه في المعاني عليهما! "٢ وقد مر بك الخبر آنفا. وتحفظ كتب الأخبار حادثا صريحا في استغلال نفوذ الحكم لنصرة الكوفة على البصرة يرويه أبو حاتم، قال:

стр. 90

قدم علينا "بالبصرة" محمد بن مسلم الكوفي عاملا على الخراج والصدقات، فصرت إليه مسلما فقال لي: "من علماؤكم بالبصرة؟ " فقلت: "المازني من أعلمهم بالنحو، والرياشي من أعلمهم باللغة، وهلال الرأي من أفقههم، وابن الشاذكوني من أعلمهم بالحديث، وابن الكلبي من أعلمهم بالشروط، وأنا أنسب إلى علم القرآن" فقال لكاتبه: "اجمعهم في غد". فلما اجتمعنا قال: "أيكم المازني؟ " فقال أبو عثمان: "هأنذاك أصلحك الله" فقال: "ما تقول في كفارة الظهار: أيجوز فيه عتق غلام أعور؟ " فقال له: "أصلحك الله، وما علمى بهذا؟ "هذا" يحسنه هلال الرأي" فالتفت إلى هلال الرأي فقال: "أرأيت قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١, بم انتصب هذا الحرف؟ " فقال: "أعزك الله، أنا لا أحسن هذا، إنما يحسنه الرياشي". فقال: "يا رياشي, كم حديثا روى ابن عون عن الحسن؟ ". فقال: "أصلحك الله، هذا يحسنه ابن الشاذكوني". فالتفت إلى ابن الشاذكوني فقال: "كيف تكتب كتابا بين رجل وامرأة أرادت مخالعته على إبرائه من صداقها؟ " فقال: "أعزك الله، هذا يحسنه ابن الكلبي".

стр. 91

فقال لابن الكلبي: من قرأ "ألا إنهم تثنوْني صدورهم"؟ ١. فقال: "أعزك الله, هذا يحسنه أبو حاتم". فقال لأبي حاتم: "كيف تكتب كتابا إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة, وما جرى عليهم العام في ثمارهم؟ " فقلت له: "أعزك الله، لست صاحب بلاغة وكتب، إنما أنسب إلى علم القرآن". فقال: "انظر إليهم, قد أفنى كل واحد منهم ستين سنة في فن واحد من العلم, حتى لو سُئل عن غيره لساوى فيه الجهال؛ لكن عالمنا بالكوفة لو سُئل عن هذا كله أصاب" يعني الكسائي ا. هـ. المصون للعسكري ص١٣٢. أثرت العصبية ما رأيت فيما كان بينهم، أما النحو نفسه فلم يتأثر بشيء من ذلك، وإنما حمل طابع العلماء أنفسهم في التفكير والتنسيق سعة وضيقا ونظاما وبلبلة. ولما تقدم الزمن، واستوى عند الحكام نحويو البصرة ونحويو الكوفة، غاب السبب الأول، وبقيت العصبية للبلد تخالط بعض النفوس حتى صرت ترى العالم الذي ينبغي أن يتنزه عن العصبية في العلم -ولو بعد ذهاب أسبابها المادية على الأقل- تداعبه هذه النزعة، فيجمع بين شيئين متنافرين لا لسبب إلا أنهما نبتا في بلد يعزه. وأنا أقدم لك نموذجا لهذه الظاهرة:

стр. 92

الخليل بن أحمد السجزي القاضي المتوفى سنة "٣٧٨هـ" فقد كان حنفيا في الفقه وكوفيا في النحو، وفاخر بذلك يقول: سأجعل لي النعمان في الفقه قدوة ... وسفيان في نقل الأحاديث سيدا وأجعل في النحو الكسائي قدوة ... ومن بعده الفراء ما عشت سرمدا وإن عدت للحج المبارك مرة ... جعلت لنفسي كوفة الخير مشهدا١ ومن كان حنفيا, فأشبه مذاهب النحو بالمذهب الحنفي مذهب البصرة لإحكام القياس فيه، ولكنه الميل النفسي الشديد إلى الكوفة، والولوع بكل ما أنتجت حَدَوَا القاضي على أن يكون كوفيا في النحو والفقه والحديث مهما تنافرت أصول هذه الفنون في الكوفة. وقد كان لهذه العصبية شيء من "رد الفعل" عند العلماء جعلهم يشكون في كل ما ينقل من علم كوفي: هذا أبو حاتم السجستاني يسمع تغالي الكوفيين في حمزة الزيات -أحد قراء الكوفة- فيسأل عنه أبا زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي وغيرهم من العلماء، فيجمعون على أنه لم يكن شيئا "ولم يكن يعرف كلام العرب ولا النحو ولا كان يدعى ذلك" قال أبو حاتم: "وإنما أهل الكوفة يكابرون فيه ويباهتون، فقد صيّره الجهال من الناس شيئا عظيما بالمكابرة والبهت،

стр. 93

وقول ذوي اللحى العظام منهم: "كانت الجن تقرأ على حمزة" وكيف يكون رئيسا وهو لا يعرف الساكن من المتحرك، ولا مواضع الوقف والاستئناف، ولا مواضع القطع والوصل والهمز؟! وإنما يحسن هذا أهل البصرة؛ لأنهم علماء بالعربية، قراء, رؤساء١. وكان يكفي أن يشوب علم العالم أو تأليف الكتاب أخذ عن الكوفيين حتى ينبز بذلك عند النقاد٢. والظاهر أنه كان بين أهل البلدين فيما بعد، تنكيت وإرسال قصص وأخبار يحمل فيها أهل البلد على أهل البلد الآخر، وراجت هذه النكات -على نحو ما نرى اليوم بين بلدتين متجاورتين كحمص وحماة في الشام- وزاد هذا الأمر حتى استحق أن تؤلف فيه المؤلفات؛ فهذا ابن حبان البستي "٣٥٤" على جلالة قدره يؤلف كتابا في عشرة أجزاء في "ما أغرب الكوفيون عن البصريين"، وكتابا في ثمانية أجزاء في "ما أغرب البصريون عن الكوفيين"٣. تستطيع بعد هذا البيان أن تطمئن إلى شيئين:

стр. 94

١- ليست السياسة عاملا في تكوين النحو الكوفي على ما كان عليه. ٢- إن الصورة التي في نفوس الناس قديما وحديثا عن حدة التجاذب والتدافع بين النحو الكوفي, والنحو البصري مبالغ فيها.

стр. 95

كتب الخلاف بين المذهبين ... كتب الخلاف: عرفت أن النحاة -والبصريين منهم خاصة- قد انتزعوا علل النحو من كتب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة بالملاطفة والرفق "ص١٠٠". فاعلم الآن أن منهم من ألف في الخلاف بين النحاة، على نمط ما صنع الفقهاء في كتبهم التي ألفوها في الخلاف بين الحنفية والشافعية، وهذا ابن الأنباري يقول في مقدمة كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف" بصراحة: "سألوني أن ألخص لهم كتابا لطيفا يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة؛ ليكون أول كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب، وألف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف، ولا ألف عليه أحد من الخلف, واعتمدت في النصرة على ما أذهب إليه من مذهب أهل الكوفة أو البصرة، على سبيل الإنصاف لا التعصب والإسراف". وهكذا تجد تأثير العلوم الدينية واضحا بارزا في علوم اللغة

стр. 96

كلها مادتها ومنهجها. وإذا رجعت إلى كتاب الاقتراح للسيوطي وجدتهم يصرحون تصريحا سافرا أيضا بأنهم وضعوا للخلاف في النحو ولمناقشات مسائله أصولا كأصول الخلاف بين الشافعية والحنفية. أقدم من ألف في الخلاف، فيما علمت، أحمد بن يحيى ثعلب الكوفي "٢٩١هـ"، ولم نعرف هل أداره على أصول الخلاف الفقهي أو لا، وأي كان فإليك ما عثرت عليه من الكتب التي ألفت في الخلاف، مرتبة على وفيات أصحابها: ١- اختلاف النحويين, لثعلب "٢٩١". ٢- المسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون١, لابن كيسان "٣٢٠" وقد رد فيه على ثعلب. ٣- المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين, لأبي جعفر النحاس "٣٣٨"٢. وقد رد فيه على ثعلب. ٤- الرد على ثعلب في "اختلاف النحويين" لابن درستويه "٣٤٧". ٥- كتاب الاختلاف لعبيد الله الأزدي "٣٤٨". ٦، ٧- الخلاف بين النحويين للرماني "٣٨٤". وله كتاب آخر أخص هو "الخلاف بين سيبويه والمبرد". ٨- كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين لابن فارس

стр. 97

"٣٩٥"١. ٩، ١٠- الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين لأبي البركات الأنباري "٥٧٧" وقد طبع. وله كتاب آخر في الخلاف اسمه: "الواسط"، ذكره ابن الشجري في أماليه ونقل منه. "انظر ٢: ١٢٠، ١٤٨، ١٥٤" من الأمالي لابن الشجري. وقد استدرك ابن إياز على ابن الأنباري مسائل خلافية كثيرة فاتته في كتابه "الإسعاف" الآتي ذكره قريبا. ١١- التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين٢ لأبي البقاء العكبري "٦١٦". ١٢- الإسعاف في مسائل الخلاف لابن إياز "٦٨١"٣. والظاهر أن هناك كتبا كثيرة في الخلاف، وأنه كانت له ضجة في المجالس والبيئات العلمية، وكان التعصب على أحد الفريقين باديا في بعض هذه الكتب؛ ولذا استدرك صاحب "الإنصاف" الذي قدمت لك فقرة من مقدمته محترسا بقوله: "على سبيل الإنصاف, لا التعصب والإسراف".

стр. 98

المذهب البغدادي: كانت بغداد حاضرة الخلافة العباسية هي السوق التي كان يروج فيها العلم والأدب، فكان يرتحل إليها العلماء من الأقطار كافة، كل يحمل إليها طابع بلده الخاص، أو بتعبير آخر مدرسة بلده في الفن المختص به، فالتقت لكل علم وفن ألوان وطوابع مختلفات، احتكت وتمازجت وكان منها ألوان جديدة مطبوعة بالسمة البغدادية العامة. وذلك ما كان في النحو، فقد نشر الكوفيون فيها نحوهم وقصدها نحاة بصريون أيضا، ونشأت طبقة جديدة في بغداد اختارت من المذهبين وكونت ما عرف بالمذهب البغدادي الذي أرخه, ووصفه أبو الطيب اللغوي بهذه الكلمات الموجزات: "فلم يزل أهل المصرين على هذا حتى انتقل العلم إلى بغداد قريبا، وغلب أهل الكوفة على بغداد، وحدثوا الملوك، فقدموهم، ورغب الناس في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر، وتباهوا بالترخيصات، وتركوا الأصول، واعتمدوا على الفروع، فاختلط العلم"١.

стр. 99

وما أصدق ما قال هذا اللغوي الحلبي في تصوير الحال. ولما عرض أبو الطيب لأشهر أعلام المذهب البغدادي، وهو ابن قتيبة، نقده بما لا يخرج عما تقدم فذكر الذين أخذ عنهم، ثم قال: "إلا أنه خلط بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها عن ثقات, وكان يتسرع في أشياء لا يقوم بها نحو تعرضه لتأليف كتابه في النحو، وكتابه في تعبير الرؤيا، وكتابه في معجزات النبي ﷺ و"عيون الأخبار" و"المعارف" و"الشعر والشعراء" ونحو ذلك مما أزرى به عند العلماء، وإن كان نفق بها عند العامة ومن لا بصيرة له"١. وقد عقد ابن النديم لهذه الطبقة بابا عنوانه "من خلط بين المذهبين" عد منهم ابن قتيبة "٢٧٠" وأبا حنيفة الدينوري "٢٩٠" وابن كيسان "٣٢٠" ومحمد بن أحمد بن منصور الوراق "٣٢٠" ونفطويه "٢٣٣"٢. ونستطيع أن نزيد على هؤلاء: سليمان الحامض "٣٠٥" وأبا علي الأصفهاني الملقب بلغدة، وابن السراج "٣١٦"، وأبا بكر بن الخياط "٣٢٠" وأبا عبد الله الكرماني "٣٢٩" وكلاب بن حمزة العقيلي وغيرهم, وللكشي كتاب "تخليط المذهبين". والطابع البصري أغلب على ما يسمى بالمذهب البغدادي في الجملة كما هو الشأن في بقية الأمصار. ولا عجب

стр. 100

في ذلك؛ فإن الأصالة التي فيه فرضت نفسها كما يقولون، وكان مما أخذ من المذهب الكوفي مسائل اتجهوا فيها اتجاها أصح وأيسر. وانتهينا إلى لزوم تصحيح التسمية الشائعة: المذهب البصري والمذهب الكوفي والمذهب البغدادي، وأن الأصوب أن يقال: نحاة بصريون, ونحاة كوفيون, ونحاة بغداديون ... إلخ, يختلف سهم كل فريق من حيث النزعة السماعية والنزعة القياسية عن نصيب غيره كما وكيفا.

стр. 101

المدرسة الأندلسية: كان الشاميون في الجيش الأندلسي الفاتح جندا متميزا، فلما انقضى الفتح واستوطن الفاتحون الأندلس يعمرونها بحضارتهم وأخلاقهم وما أشرقوا به على الدنيا من قيم سامية وتعاليم نبيلة، تفرق جند الشام على أمصار الأندلس، فمن ثم يجد الممعن في تاريخ الأندلس سمات بارزة من آثار الشام في العادات والأخلاق والحضارة والمعالم والعمران، كما يجد زائر الأندلس اليوم بقايا مما ذكرت ماثلة للعيان حتى على سحن السكان اليوم, وبعض عاداتهم الحميدة. من ذلك العلوم الإسلامية التي انتقلت إلى الأندلس مع الجند الفاتح ومن أتى بعدهم، من شريعة وقرآن، وحديث ورياضيات وفلسفة١ ... إلخ.

стр. 102

وكان للنحو في الأندلس نشاط ملحوظ مر بشبه الخطوات التي سارها في المشرق، بدأ علماء العربية يدرسون النصوص الأدبية شعرا ونثرا دراسة فيها لغة وأدب ونحو وحديث وقرآن، ثم بدأت الفنون تتميز مع الزمن، وكان أول كتاب دخل الأندلس من كتب النحو كتاب الكسائي١، ثم كتاب سيبويه؛ فلما دخل كتاب سيبويه عكف عليه الأندلسيون دراسة وحفظا، واشتهر بحفظه عدد منهم, ثم تولوه تدريسا وشرحا وتعليقا. فطبع نحو الأندلس بالطابع البصري في أغلب مسائله ثم بدأ الأندلسيون محاولاتهم في التأليف, وعُرف من أعلامهم أبو علي القالي مؤلف "الأمالي" و"البارع" و"فعلت وأفعلت" و"المقصور والممدود"، ثم ابن القوطية صاحب كتاب "الأفعال"، "وكانت أذيع كتب النحو على أيام ابن حزم في المائة الخامسة تفسير الحوفي لكتاب الكسائي" وتتابع علماء الأندلس في شرح كتب المشرق المشهورة وشرح شواهدها، واشتهر من نحاتهم في المائة السابعة ابن خروف "٦٠٢" وابن عصفور الإشبيلي "٦٢" والشلوبيني، بعد البطليوسي "٥٢١" وابن الطراوة والسهيلي "٥٨٣" من أعلام المائة السادسة. وكان خاتمة علماء الأندلس اثنان رُزقا الشهرة ورحلا إلى المشرق, فبثا علمهما فيه وكثرت تواليفهما, وكتب لها الذيوع حتى

стр. 103

عصرنا هذا، عنيت الإمام ابن مالك الجياني صاحب الألفية, والإمام أبا حيان الغرناطي صاحب التفسير الكبير "البحر" و"الارتشاف" في النحو. عكف علماء الأندلس إذًا وطلابه على كتب البصريين والكوفيين فدرسوهما واختاروا منهما، وتكوّن لهم مذهب خاص١ كانوا فيه إلى مذهب البصريين أميل، وكذلك كان أكثر العلماء الوافدين عليهم من المشرق٢ أو النازحين إليه منهم لطلب العلم. وهكذا كان رأس العلوم عندهم لنحو والشعر. ويتحدث عن نزعتهم هذه ابن سعيد فيقول: "النحو عندهم في نهاية من علوّ الطبقة"٣. فلما نزح متأخروهم بعد النكبة، بعضهم إلى المغرب وبعضهم إلى الشام ومصر، نشروا علمهم في هذه الأقطار، وكان مذهبهم كذلك بصريا في أكثره.... إلى أن جاء ابن مالك الجياني الأندلسي نزيل دمشق ثم ابن هشام الأنصاري بعده "ولم يكن أندلسيا" فجددا في النحو بعض التجديد, وكانا يميلان إلى التوسعة, فرجحا في بعض المسائل أقوال الكوفيين حين رَأَيَا الرواية الصحيحة تؤيدهم، ولم يتعبدا

стр. 104

بأقوال البصريين١، واستشهدا بالحديث، فكانا مجتهدينِ إلى حد ما، ذويْ أثر بالغ في الدراسات النحوية، وما زالت كتبهما تدرس حتى الآن في معاهد العلم، وخدمت بشروح وحواشٍ وتقريرات كثيرة. كنت رأيت قبل سبع عشرة سنة: أن النحو الأندلسي مر بشبه الخطوات التي سارها في المشرق، وأن طابعه الغالب الذي استقر طابع القياس الذي شرعه نحاة البصرة، وأن الأندلسيين أشبهوا في هذا أيضا الشاميين حين أضافوا إلى ذلك عناية بالغة بالسماع٢. فلما كنت في رحلة علمية تضمنت زيارة الأندلس وطلب إليّ القائمون على صحيفة "معهد الدراسات الإسلامية في مدريد" الإسهام بموضوع في مجلتهم، وكان السؤال المطروح: "هل في النحو مذهب أندلسي؟ "٣. تساءلت: أليس هناك جديد أضيفه إلى ما تقدم عن نحو الأندلس؟ إن رحلة قمت بها سنة ١٩٥٦م باحثا في نفائس المخطوطات بالأسكوريال ومكتبات المغرب العامة والخاصة جعلتني أتهيب الجواب, وأنا موقن أنه لن نصل إلى ما تطمئن إليه النفس

стр. 105

حتى يُنشر قدر كافٍ من هذه النفائس المضنون حتى بأسمائها، وحتى يسهم في التعاون على ذلك أفاضل المغاربة وهم -على ما تحققت بنفسي- غير قليل، فيبحث كل فيما تصل إليه يده من كتب الفن, يصفها ويصنفها وينشر ذلك مع ما ينتهي إليه من رأي في هذه المسألة، فإذا شاعت هذه الآراء رجوت أن تضيء المذاكرة حولها نواحي مظلمة في تاريخ النحو. ولأحاول الآن قول شيء في الموضوع مع خفوت الشعاع وضياع المعلوم النزر في المجهول الغزير, ولا جود إلا بالموجود كما يقولون. يعرف المطلعون عناية الأندلسيين بعلم النحو منذ الزمن الأقدم، ويحفظون كلمة ابن سعيد: "النحو عندهم في نهاية من علوّ الطبقة"١ وليس في هذا مبالغة قط. ولقد حلا لي استشارة الأرقام فعمدت إلى "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" للسيوطي، فأحصيت ما فيه من تراجم فإذا هو نحو من "٢٤٥٠" ترجمة لعلماء من جميع الأقطار الإسلامية بين الصين وبحر الظلمات، ووجدت للأندلسيين بينها نحوا من "٧١٢" ترجمة، وهذه نسبة عالية جدا أن يبلغ في هذا المصدر علماء هذا القطر القليل المساحة قريبا من ثلث علماء العالم الإسلامي كله. وما أكثر ما تتكرر هذه المدن والقرى الأندلسية في تراجمهم ونسبهم: باجة، شريش، بلنسية، جيان، مالقة، سرقسطة، دانية، بياسة، المرية، قلعة رباح، لبلة، لوشة، مورور،

стр. 106

إستجة، الجزيرة، شلب، شذونة، وادي الحجارة، أشونة، بطليوس، رية ... إلخ. أما الحواضر الكبرى كقرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة فحدث عن كثرة ورودها ولا حرج. فإذا ألم بخاطرك ما لكل من هؤلاء العلماء الـ "٧١٢" من تواليف، دار رأسك من كثرتها وعرفت: لِمَ يتهيب الباحث من إطلاق حكم في تراث لم يطلع منه على عشرة كتب من عدة آلاف؟ ومع هذا فإلقاء لمحات جزئية هنا وهناك في الموضوع لا يضر، بل هو تمهيد للوصول إلى النظرة المحيطة الشاملة على قدر الإمكان، وتجنيب لما يمكن أن يقع فيه الباحث من أخطاء شائعة. لا يخطئ دارس مطولات النحو أن يقع على آراء لأندلسيين في جزئيات نحوية، فأسماء ابن خروف "٦٠٩هـ" وابن عصفور "٥٩٧-٦٦٣هـ" والشلوبيني "٥٦٢-٦٤٥هـ" وابن الضائع "٦٨٠" وغيرهم تذكر بين أسماء النحاة المشارقة حين عرض الآراء في الخلاف، إلا أن متصفحها لا يجد فيها ما يميزها من غيرها من التخريجات المختلفة المعروضة في القضية الواحدة, أو بعبارة أخرى: ليس لآراء الأندلسيين هؤلاء سمات مدرسة خاصة. ويريد بعض الناس أن يذكر ابن مالك"٦٠٠-٦٧٢هـ" وأبا حيان "٦٥٤- ٧٤٥هـ" علمين بارزين لمدرسة أندلسية كان لها أثر واسع في النحو وتعليمه في المشرق، وهذا ظن يروج ابتداء لكنه لا يثبت عند النظرة الفاحصة الأولى:

стр. 107

فابن مالك خرج من الأندلس إلى المشرق صغيرا، ولم يذكروا له شيخا في النحو غير الشلوبيني، قالوا: إنه قرأ عليه نحوا من ثلاثة عشر يوما، فلما حل الشام سمع من بعض شيوخها، ولم يجد له أبو حيان بعد البحث "شيخا مشهورا يعتمد عليه؛ لأنه إنما أخذ هذا العلم من خاصة نفسه"١، "وصرف همته إلى إتقان لسان العرب, حتى بلغ فيه الغاية"١. وأمر أبي حيان قريب من أمر ابن مالك: خرج من الأندلس هاربا في شبيبته وكان قرأ على بعض شيوخها, ثم أتم قراءته وزاول الإقراء في المغرب والمشرق. فإن اعتبرنا الشكل الصوري كان أثر التعليم الأندلسي في أبي حيان قليلا وفي ابن مالك أقل بكثير؛ وإن اعتبرنا الجوهر -وحق اعتباره- وجدنا نحو هذين الرجلين في تواليفهما مشرقيا محضا. أما كونهما ذويْ أثر واسع في النحو وتعليمه في الشرق فهذا صحيح ومرده إلى شخصيتيهما لا إلى أندلسيتهما، فأسلوب ابن مالك في نظم مسائل العلم وشرحها وغيرته المخلصة الحارة في نشره وإقرائه أغريا عصرييه، وكان لهما أكبر الأثر في حياته، فانتفع الناس بعلمه، وما زال الله ينفع به إلى يوم الناس هذا. أما أبو حيان فآثار حواضر المشرق العلمية في كتبه أظهر من أن تخفى. والشيء الذي يجوز أن يناقش هنا ما ذكروا من أن ابن مالك وابن خروف شرعا الاستشهاد بالحديث الشريف والاحتجاج به في قضايا اللغة والنحو، فخالفا بذلك -زعموا-

стр. 108

سنة من قبلهم من النحاة، وإذ كانا أندلسيين جعل بعضهم هذا الاحتجاج مذهبا أندلسيا. وكل ذلك وهم لا يقره تاريخ الفن، ولعل الذي حداهم عليه كلمة أبي حيان في شرح التسهيل: "إن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن مبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك" ا. هـ. والتحقيق عير هذا: فالجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن جني، وابن بري، ومن بعدهم من أصحاب المعجمات وكتب النحو، كلهم احتج بالحديث، بل قال السهيلي: "لا نعلم أحدا من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في شرح التسهيل, وأبو الحسن الضائع في شرح الجمل, وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي"١. فنزعة الاحتجاج بالحديث إذًا مشرقية قديمة, وإنما سار ابن مالك وابن خروف سيرة من قبلهما من الأئمة المتبوعين في المشرق, ومع جزئية هذه القضية ليس فيها مذهب أندلسي. وبذلك ننتهي من نقاش كل ما قيل في الموضوع لأقف وقفة جديدة مع ابن حزم في كتاب عرفه الباحثون العام الفائت.

стр. 109

أرقى صعدا في تاريخ النحو مائتي سنة قبل وفاة ابن مالك لأمعن في نص لابن حزم، وهو إمام أندلسي ما رأى المشرق قط، بل ما جاوز "الزقاق" إلى عدوة المغرب -فيما أذكر الآن- وهي منه على قاب قوس، فهو خالص الأندلسية. ولا تعجب من وقوفي على ابن حزم ولم يذكر له كتاب في النحو ولا عرف بإمامة فيه؛ لأنه لا يلزم من اهتمامه بعلوم الشريعة وتركه فيها المؤلفات الجليلة الحسان التى سارت بذكرها الركبان ألا يكون من أولي الشأن في النحو بل من أهل الرأي في أصوله، ومن غير البعيد لو تركت له الشريعة فراغا أن يترك في النحو آثارا أصيلة مبتكرة أيضا. وأي كان, فقد عرج عرضا في كتابه "التقريب لحد المنطق" على أحد الآساس التي بني عليها النحو, فوضع تحته هذه المتفجرة الصغيرة١. "وأما علم النحو فـ "يرجع" إلى مقدمات محفوظة عن العرب الذين نريد٢ معرفة تفهمهم للمعاني بلغتهم، وأما العلل فيه ففاسدة جدا". وهذا إبطال للقياس جملة؛ لأن القياس "حمل غير المنقول

стр. 110

على المنقول في حكم لعلة جامعة بينهما"١ فإذا كانت العلل فاسدة فسد القياس حتما؛ إذ عليها بني. وقولة ابن حزم هذه تشريع لنحو جديد لو وجد له منظمون. ومع أني لا أعقل أبدا نحوا لا قياس فيه، وددت لو تضافر بعد ابن حزم نحاة حاولوا أن يتركوا لنا مخططا كاملا لنحو "ظاهري" لا قياس فيه ولا تعليل، كما فعل هو حين استطاع أن ينفي عن الشريعة القياس والتعليل, فترك تراثا ضخما لمذهب متماسك متين وفق فيه إلى حد بعيد. وهذا من طبيعة الأشياء، للفارق العظيم بين الشريعة واللغة: فالله قد أكمل الدين، ولم ينتقل الرسول ﵊ إلى الرفيق الأعلى حتى بيّن للناس كل ما يجب أن يعرفوه من حلال وحرام؛ أما اللغة فلا سبيل إلى حصرها في جمل لا يتعداها الناس إلى يوم القيامة، بل هي متجددة متوالدة كل لحظة منذ المتكلم الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولو حاول أحد من الأندلسيين البناء على الأساس الذي ألقاه ابن حزم لصح -مع شيء غير قليل من التسامح والتجوز- أن يكون من ذلك مذهب أندلسي إلى حد ما، أما رسالة ابن مضاء فليست هناك٢.
следующие страницы →