← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9938

الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات

طارق بن عوض الله

Полный текст (449 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشواهد.. والاضطراب الحافظ المكثر الثبت كالزهري وأمثاله، إذا روى حديثاً بأكثر من إسناد، حمل ذلك على سعة روايته، وكثرة محفوظاته، أما إذا وقع ذلك ممن لم يبلغ في الحفظ والإتقان هذا المنزلة، فإنه حينئذٍ يحمل على اضطرابه وعدم حفظه لإسناد الحديث، لاسيما إذا كان ضعيفاً سيء الحفظ؛ بل إنه ـ حينئذٍ ـ يكون دليلاً على ضعفه وسوء حفظه (١) . وعليه؛ فإذا جاء راو ضعيف بعدة أسانيد لمتن واحد؛ فإن هذه الأسانيد لا يقوي بعضها بعضاً، بل يعل بعضها بعضاً، وإن كان راويها في الأصل يصلح حديثه للاعتبار، لكن لما اضطرب في إسناد الحديث عرفنا أنه لم يحفظه كما ينبغي. فإن وجدنا أحداً من الثقات تابعه على وجه من الوجوه التي ذكرها، علمنا أن هذا الوجه هو الصواب، وأن ما عداه مما تفرد به، ولم يتابع عليه، خطأ غير محفوظ. أما إذا تفرد بكل رواياته لهذا المتن، ولم يتابع على شيء منها، فلا يُقبل ـ حينئذٍ ـ منها شيء، ولا يقوى بعضها ببعض، كما سبق. مثال ذلك: حديث: "يطَّلِع الله ﵎ إلى خلقه ليلة النصف من شعبان ... ".

стр. 282

فهذا الحديث؛ قد اضطرب فيه عبد الله بن لهيعة، فرواه بأربعة أسانيد، عن ثلاثة من الصحابة، تفرد بها كلها، ولم يتابع على شيء منها. ١ـ فقال مرة: عن الزبير بن سليم، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي موسى، مرفوعاً. ٢ـ وقال مرة: عن الضحاك بن أيمن، عن الضحاك بن عبد الرحمن ابن عرزب، عن أبي موسى، مرفوعاً. ٣ـ وقال مرة: عن عبد الرحمن بن أنعم، عن عباد بن نسي، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك، مرفوعاً. ٤ ـ وقال مرة: عن حُيَيَّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُلبي، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً. وهذا؛ من اضطراب بن لهيعة بلا شك، ولا يمكن أن يكون حفظ الحديث بهذه الأسانيد كلها، رغم أنه لم يتابع عليها، مع ما عرف من ضعفه وسوء حفظه. ولهذا؛ بعد أن بين الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى (١) ـ هذه الأوجه، وعزاها لمخرجيها، قال: "وهذا مما يدل على ضعف ابن لهيعة، وعدم ضبطه؛ فقد اضطرب في روايته هذا الحديث على وجوه أربعة". مثال آخر: حديث: تكبير العيد، وأنه سبع تكبيرات في الركعة الأولى،

стр. 283

وخمس في الآخرة. فهذا الحديث؛ قد تفرد ابن لهيعة وحده، بروايته بسبعة أسانيد، لا يتابعه عليها ـ ولا بعضها ـ أحد. ١ـ فقال مرة: عن خالد بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة،مرفوعاً. أخرجه: أبو داود (١١٥٠) وابن ماجه (١٢٨٠) وأحمد (٦/٧٠) والدارقطني (٢/٤٧) والبيهقي (٣/٢٨٧) والطحاوي (٤/٣٤٤) . ٢ـ وقال مرة: عن عقيل، عن ابن شهاب. فأسقط: "خالد بن يزيد"! أخرجه: أبو داود (١١٤٩) والحاكم (١/٢٩٨) والدارقطني (٢/٤٦) والبيهقي (٣/٢٨٦-٢٨٧) والطحاوي (٤/٣٤٤) . ٣ـ وقال مرة: عن خالد بن يزيد، عن ابن شهاب. فأسقط: "عقيلاً". أخرجه: الدارقطني (٢/٤٧) . ورواه مرة أخرى بهذا الإسناد، بلفظ آخر، والمعنى واحد. أخرجه: الدارقطني (٢/٤٦) . ٤ـ وقال مرة: عن يزيد بن أبي حبيب ويونس، عن الزهري. أخرجه الدارقطني. ٥ـ وقال مرة: عن أبي الأسود، عن عروة، عن أبي واقد الليثي.

стр. 284

ذكره: ابن أبي حاتم في "العلل" (٥٩٨) ، وحكى عن أبيه، أنه قال: "هذا حديث باطل بهذا الإسناد". ٦ـ وقال مرة: عن أبي الأسود، عن عروة، عن أبي واقد الليثي وعائشة، مرفوعاً. أخرجه: الطحاوي (٤/٣٤٣) . ٧ـ وقال مرة: عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعاً. أخرجه: أحمد (٢/٣٥٦-٣٥٧) . فهذه سبعة أوجه، تفرد بها ابن لهيعة لهذا الحديث الواحد، فهو اضطراب منه. قال الدارقطني في "العلل" (١) : "الاضطراب فيه من ابن لهيعة". وقال الطحاوي: "حديث ابن لهيعة ـ يعني: هذا ـ بَيِّن الاضطراب". وقال الترمذي (٢) : "سألت محمداً ـ يعني: البخاري ـ عن هذا الحديث، فضعفه. قلت له: رواه غير ابن لهيعة؟ قال: لا أعلمه".

стр. 285

مثال آخر: حديث: "من قال في دبر صلاة الفجر قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ... " ـ الحديث. فهذا الحديث؛ رواه سهر بن حوشب، واضطرب فيه: ١ـ فقال مرة: عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، مرفوعاً. أخرجه: الترمذي (٣٤٧٤) والنسائي في "اليوم والليلة" (١٢٧) والبزار (٢/١٩٦) (١) والخطيب (١٤/٣٤) . ٢ـ وقال مرة: عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل. أخرجه البزار (٢/٤٧) والنسائي في "اليوم والليلة" (١٢٦) وابن السني أيضاً (١٣٩) والطبراني (٢٠/٦٥) . ٣ـ وقال مرة: عن ابن غنم، عن أبي هريرة. ذكره: الدارقطني في "العلل" (٦/٤٥-٢٤٨) . ٤ـ وقال مرة: عن أم سلمة، عن النبي ﷺ . ذكره: الدارقطني أيضاً. ٥ـ وقال مرة: عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ . ذكره: الدارقطني أيضاً. قال الدارقطني: "الاضطراب فيه من شهر".

стр. 286

هذا؛ مع اضطرابه أيضاً في متنه؛ ففي بعض رواياته: "وهو ثان رجله"، وليست هي في بعضها، وفي بعضها: "صلاة المغرب والصبح"، وفي بعضها: "صلاة العصر" بدل "صلاة المغرب". ولهذا؛ قال الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ (١) : "هو إسناد ضعيف؛ لتفرد شهر به، وإنما صح هذا الورد في الصباح والمساء مطلقاً، غير مقيد بالصلاة، ولا بثني الرجلين" (٢) . مثال آخر: حديث: "الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته". يرويه ابن لهيعة ويضطرب فيه. ١ـ فقال مرة: عن أبي صخر (٣) ، عن عبد الكريم بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، مرفوعاً. أخرجه: الطبراني في "الأوسط" (٣١٣٤) والدارقطني في "السنن" (٤/٢٤٧) . وتابعه على هذا الوجه: رشدين بن سعد. أخرجه: الطبراني في "الكبير" (١١/١٦٤، ٢٠٣) .

стр. 287

ورشدين ضعيف، وأبو أمية كذلك. ٢ـ وقال مرة: عن أبي صخر، عن عتاب بن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مرفوعاً. أخرجه: الطبراني في "الكبير" (١٥٤-قطعة منه) . وعتاب هذا، لا يعرف؛ كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/٦٨) . فمن قوى الحديث بمجموع هذين الطريقين، فقد جانبه الصواب؛ لأن هذا ليس تعدداً، بل هو اضطراب. وإن صح الوجه الأول؛ لمتابعة رشدين له عليه، فهو لم يتابع على الوجه الآخر، والوجه الأول فيه أبو أمية وهو ضعيف، فيبقى الحديث على ضعفه، ولا تنفعه المتابعة التي في الوجه الآخر؛ لأن ابن لهيعة لم يتابع عليها، فضلاً عن اضطرابه، وإن كان رشدين لا تنفع متابعته؛ لأنه أشد ضعفاً من ابن لهيعة. والله أعلم. ٣ـ ورواه ابن لهيعة مرة أخرى على وجه آخر: فقال: عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو ـ مرفوعاً ـ: "الخمر أم الخبائث" ـ لم يزد. أخرجه: الدارقطني (٤/٢٤٧) . وهذا؛ مما يزيد في الاضطراب (١) .

стр. 288

مثال آخر: حديث: مُجَّاعة بن الزبير، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، فقال: "استكثروا من النعال؛ فإن الرَجُل لا يزال راكباً ما دام منتعلاً". أخرجه: البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/٢/٤٤) وابن عدي في "الكامل" (٦/٢٤١٩) . ومجاعة هذا، ضعيف من قِبَل حفظه. وقد رواه مرة أخرى، فقال: عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ . أخرجه: العقيلي (٤/٢٥٥) وابن عدي أيضاً والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/٤٠٤-٤٠٥) . فهذا؛ اضطراب من مجاعة: مرة جعله من مسند "جابر بن عبد الله"، ومرة جعله من مسند "عمران بن حصين"، وهو لم يتابع على قول من هذين القولين عن الحسن، فمن ثم لم يحكم لأحدهما، ومن ثم؛ فإن الأئمة قد تتابعوا على ذكر هذا الحديث في ترجمته من كتب الضعفاء، إشعاراً بأن هذا الحديث مما يستنكر من حديثه؛ لاسيما وابن عدي ساق الوجهين، ليظهر الاضطراب الواقع فيه. فالذي يظن أن هذين إسنادان لهذا الحديث، عن صحابيين مختلفين، فيجعل أحدهما شاهداً للآخر، يكون قد أتى بشاذ من القول، ومنكر من الفعل.

стр. 289

ومما يتعجب له!! أن جاء بعض من لا علم له بهذا الشأن، فأثبت بمقتضى الوجه الأول متابعة الحسن البصري لأبي الزبير المكي، في هذا الحديث، حيث قد رواه أبو الزبير عن جابر؛ ثم اعتبر ذلك المذكور الوجه الثاني شاهداً للحديث (١) ! وهذا عجب من العجب!!

стр. 290

المتابعة.. والجادة قد يتتابع بعض الرواة على رواية حديث إسناداً ومتناً، ويخالفهم من هم أولى بالحفظ منهم، فيرجح الأئمة رواية الحفاظ، وإن كان الأولون جماعة يبعد على مثلهم الخطأ عادة. إلا أن الأئمة يرون أن هؤلاء الجماعة وإن اتفقوا، إلا أن ما اتفقوا عليه مما يسهل أن تتوارد عليه الأذهان، وأن يتفق على الخطأ فيه الجماعة، كأن تكون روايتهم جارية على الجادة المعهودة، ورواية الحفاظ على خلاف الجادة. فحماد بن سلمة ـ مثلاً ـ؛ إذا روى عن ثابت البناني، غالباً ما يكون الحديث: "عن ثابت، عن أنس"، فإذا روى حافظ أو أكثر عن حماد بن سلمة حديثاً عن ثابت مرسلاً، ووجدنا عدداً من الضعفاء، أو ممن ليسوا مبرزين في الحفظ؛ رووا الحديث، فقالوا: "عن حماد، عن ثابت، عن أنس"، عرفنا أن من وصل الحديث بذكر أنس إنما سلك الجادة، فأخطأ، وأن من لم يسلكها إنما حفظ الحديث على وجهه. ويقع ذلك أيضاً بكثرة في مثل: "محمد بن المنكدر، عن جابر"، و "الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة"، و "مالك، عن نافع، عن ابن عمر"، و "الزهري، عن سالم، عن ابن عمر"، وأمثلة هذا كثيرة، يعرفها من له اعتناء بهذا الباب.

стр. 291

وقد قال الإمام أحمد (١) : " وأهل المدينة، إذا كان حديث غلط، يقولون: "ابن المنكدر عن جابر"، وأهل البصرة يقولون: " ثابت عن أنس "؛ يحيلون عليهما ". فإذا توارد عدد من الرواة، لاسيما إذا كانوا ضعفاء، أو ليسوا من المبرزين في الحفظ، وكان ما تواردوا عليه مما يجري على الجادة الغالبة، وخالفهم حافظ أو أكثر، كان الغالب أن الصواب مع من عُرِفَ بالحفظ والإتقان، وأن ما تتابع عليه هؤلاء خطأ. مثال ذلك: سأل ابن أبي حاتم (٢) أباه وأبا زرعة: عن حديث؛ رواه عبد الله بن رجاء وسهل بن حماد العنقزي أبو عتاب، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ـ موقوف ـ، قال لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً. ورويا: عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ـ بنحوه. فقالا: أكثر أصحاب شعبة الحفاظ منهم يرفعون حديث عدي بن ثابت، ولا يقولون في حديث سماك: " ابن عباس "، إنما يقولون " سماك، عن عكرمة، أن النبي ﷺ ؛ وهذا صحيح.

стр. 292

قلت إنما اتفقوا؟! فقالا: شيخين صالحين، أوقفا ما رفعه الحفاظ، ووصلا ما يرسله الحفاظ اهـ. مثال آخر: وقال ابن أبي حاتم أيضاً (١) : سألت أبي (٢) عن حديث رواه معتمر بن سليمان، عن حميد الطويل، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ كان يرخص في الحجامة والمباشرة للصائم. فقالا: هذا خطأ؛ إنما هو: عن أبي سعيد ـ قوله؛ رواه قتادة وجماعة من الحفاظ، عن حميد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد ـ قوله. قلت: إن إسحاق الأزرق رواه عن الثوري، عن حميد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ . قالا: وَهِمَ إسحاق في الحديث. قلت: قد تابعه معتمر؟ قالا: وَهِمَ فيه أيضاً معتمر اهـ. مثال آخر: وقال ابن أبي حاتم (٣) : حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت نوح بن حبيب يقول: حضرنا

стр. 293

عبد الرحمن بن مهدي، فحدثنا عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى ـ في قوله : ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ . فقال له رجل حضر معنا: يا أبا سعيد! حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى. قال: فسكت عبد الرحمن. وقال له آخر: يا أبا سعيد! حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى. قال: فسكت؛ وقال حافظان! ثم قال: دعوه! قال نوح: ثم أتوا يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبد الرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث، عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأُخبر أنك تخالفه ويخالفه وكيع، فأمسك عنه، وقال: حافظان. قال: فدخل يحيى بن سعيد، ففتش كتبه، فخرج وقال: هو كما قال عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور. قال نوح: فأُخبر وكيع بقصة عبد الرحمن، والحديث، وقوله: حافظان. فقال وكيع: عافى الله أبا سعيد، لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا. قال: ثم نظر وكيع، فقال: هو كما قال عبد الرحمن، اجعلوه عن منصور اهـ. مثال آخر: ساق ابن عبد البر (١) حديث مالك، عن جعفر بن محمد، عن

стр. 294

أبيه، أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد ـ يعنى مرسلاً. ثم قال: " هذا الحديث في " الموطأ " عن مالك مرسل، عند جماعة رواته، وقد رُوي عنه مسنداً ". ثم ذكر ممن أسنده عنه أربعة أنفس: عثمان بن خالد المدني العثماني، وإسماعيل بن موسى الكوفي، ومحمد بن عبد الرحمن رداد، ومسكين بن بكير. الأولان؛ وصلاه بذكر " جابر بن عبد الله "، والآخران؛ وصلاه بذكر " علي بن أبي طالب ". ثم قال ابن عبد البر: " والصحيح فيه عن مالك، أنه مرسل في روايته ". مثال آخر: وقال أبو يعلى الخليلي (١) : " وإذا أُسند لك الحديث عن الزهري، أو غيره من الأئمة، فلا تحكم بصحته بمجرد الإسناد، فقد يُخطئ الثقة، ومثاله: حديث مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، " أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع "، وهذا صحيح متفق عليه من حديث الزهري (٢) ، وقد صح أيضاً عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ـ قوله؛ رواه عنه الشافعي وغيره من الأئمة ".

стр. 295

قال: " وقد أخطأ فيه رزق الله بن موسى ـ وهو صالح ـ، من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ به مجوَّداً (١) ، وتابعه على خطئه داود بن عبد الله ـ هو أبو الكرم الجعفري، عن مالك ـ مثله " اهـ. ثم ذكر أن سهل بن فرخان الأصبهاني الزاهد، رواه أيضاً مرفوعاً، من حديثه عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن مالك، ونقل عن الحاكم أنه خَطَّأ فيه سهلاً هذا، ثم قال: " فهذا مما أخطأ فيه هؤلاء، ولم يتعمدوا الكذب ". مثال آخر: حديث: " النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة ". فهذا الحديث؛ يرويه الثوري، واختلف عليه: فرواه: كبار أصحابه، عنه، عن محمد بن المنكدر، عن النبي ﷺ ـ مرسلاً. منهم: عبد الله بن المبارك، ووكيع، وقطبة بن العلاء، وعبيد الله ابن موسى، والأشجعي، ومخلد بن يزيد، وغيرهم. أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٢٧٩) وأحمد أيضاً في " الزهد " (ص ٩) والعقيلي في " الضعفاء " (٢/٣٠١) . ورواه: الفريابي، وجماعة آخرون ـ بعضهم ضعفاء، وبعضهم يرويه

стр. 296

عنهم ضعفاء ـ؛ رووه، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ (١) . فهؤلاء الذين وصلوه بذكر " جابر " في الإسناد، وإن كانوا جماعة، إلا أنهم ـ كما سبق ـ يدورون بين ضعيف، وبين من راويه عنه ضعيف، وأفضل من رواه عن الثوري موصولاً هو الفريابي، وهو معروف بأخطائه في حديث الثوري، وهذا منها، فكيف إذا انضاف إلى ذلك مخالفة كبار أصحاب الثوري لهم حيث لم يوصلوا الحديث، خصوصاً وأن وصل مثل هذا مما يجري على الجادة، كما سبق. ولهذا؛ رجح العقيلي الإرسال، وقال في الموصول: " لا أصل له ". وكذلك؛ رجح الإرسال أبو حاتم الرازي، فقال (٢) : " الصحيح: ابن المنكدر، عن النبي ﷺ ؛ ليس فيه: جابر ". وبالله التوفيق. مثال آخر: سُئل الدارقطني (٣) : عن حديث أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ : " قال الله: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيَّ " ـ الحديث.

стр. 297

فقال الدارقطني: " يرويه: جماعة من أهل الحجاز والشام، عن أبي إدريس، منهم: أبو حازم سلمة بن دينار، والوليد بن عبد الرحمن ابن الزجاج، ومحمد ابن قيس القاص، وشهر بن حوشب.....، وعطاء الخراساني، ويزيد ابن أبي مريم، ويونس بن ميسرة بن حلبس؛ كلهم عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبل، وكلهم ذكروا أن أبا إدريس سمعه من معاذ ". قال: " وخالفهم: محمد بن مسلم الزهري ـ وهو أحفظ من جميعهم ـ؛ فرواه عن أبي إدريس الخولاني، قال: أدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه ـ وعد نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ ـ، قال: وفاتني معاذ بن جبل وأُخبرت عنه ". قال: " والقول قول الزهري؛ لأنه أحفظ الجماعة " اهـ. مثال آخر: حديث: الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " عليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تطوى ليلاً ". فهذا الحديث؛ يُروى عن الليث من وجهين: الأول: يرويه: رويم بن يزيد، عنه. أخرجه: أبو يعلى (٦/٣٠١) وابن خزيمة (٢٥٥٥) والبزار (١١٩٦- كشف) والحاكم (١/٤٤٥) والخطيب (٨/٤٢٩) والطحاوي في " مشكل الآثار " (١١٣) والبيهقي (٥/٢٥٦) . الثاني: يرويه: محمد بن أسلم الطوسي، عن قبيصة بن عقبة، عنه.

стр. 298

أخرجه أيضاً: ابن خزيمة والحاكم، وكذا أبو نعيم في " الحلية " (٩/٢٥٠) . وهذا مما تتابع ثقتان على الخطأ فيه. سُئل الدراقطني عن هذا الحديث، فذكر رواية رويم هذه، ومتابعة محمد بن أسلم عن قبيصة له، ثم قال (١) : " والمحفوظ: عن ليث، عن عقيل، عن الزهري ـ مرسل ". وقال أبو حاتم (٢) : " سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول: ذاكرت أبا زرعة بحديث رواه قبيصة بن عقبة، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس ـ (فذكره) . فقال: أعرفه من حديث رويم بن يزيد، عن الليث هكذا، فَمَنْ رواه عن قبيصة؟ فقلت: حدثني محمد بن أسلم، عن قبيصة هكذا. فقال: محمد بن أسلم ثقة. فذاكرت به مسلم بن الحجاج، فقال: أخرج إلى عبد الملك بن شعيب بن الليث كتاب جده، فرأيت في كتاب الليث على ما رواه قتيبة (٣) .

стр. 299

قال أبو الفضل ـ هو: أحمد بن سلمة النيسابوري ـ: حدثنا قتيبة عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ : " عليكم بالدلجة " ـ الحديث " اهـ. قلت: وإنما رجح الأئمة الإرسال؛ لأنه هو الذي ثبت في كتاب الليث بن سعد، ومعلوم أن الحفظ يخون بخلاف الكتاب؛ فإنه أثبت، لاسيما وأن قتيبة بن سعيد ـ وهو من المتثبتين في الليث ـ رواه مرسلاً، كما في كتاب الليث. وقد تابعه أيضاً على إرساله: عبد الله بن صالح كاتب الليث. أخرج حديث: الطحاوي في " المشكل " (١١٤) (١) . مثال آخر: حديث: عمر بن الخطاب ـ موقوفاً عليه ـ: " من وهب هبة، فهو أحق بها، ما لم يُثَبْ منها ". فهذا الحديث؛ يُروى موقوفاً على عمر بن الخطاب ﵁ من عدة أوجه؛ بنحوه. رواه: مالك في " الموطأ " (ص ٤٧٠) ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، عن عمر ـ قوله. ومن طريق مالك؛ رواه: البيهقي في " السنن الكبرى " (٦/١٨٢) ، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " (٤/٨١) .

стр. 300

ورواه: عمرو بن دينار، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر ـ قوله. أخرجه: البيهقي والطحاوي. وكذلك؛ رواه: حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر ـ قوله. رواه عن حنظلة: مكي بن إبراهيم، وعبد الله بن وهب. أخرجه: البيهقي والطحاوي. لكن؛ اختُلت فيه على حنظلة. فرواه: الحاكم في: " المستدرك " (٢/٥٢) : حدثنا أبو أحمد إسحاق ابن محمد بن خالد الهاشمي ـ بالكوفة ـ: ثنا أحمد بن حازم بن أبي عزرة: ثنا عبيد الله بن موسى: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ " ـ فذكره مرفوعاً من مسند ابن عمر. ومن طريق الحاكم؛ أخرجه البيهقي. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ إلا أن نَكِلَ الحمل فيه على شيخنا ". ووافقه الذهبي، بل ذكر شيخه هذا في " الميزان " (١) ، ولم يزد في

стр. 301

ترجمته على قوله: " روى عنه الحاكم، واتهمه ". يعني: في هذا الحديث، ومعلوم أن تخطئة الحاكم له لا تفيد التهمة الاصطلاحية، وإن كان هو يوهمه في رفع الحديث. ولذا؛ قال الحافظ بن حجر في " اللسان " (١) : " الحمل فيه عليه بلا ريب، وهذا الكلام معروف من قول ابن عمر، غير مرفوع ". على أن شيخ الحاكم لم يتفرد برفع هذا: فقد رفعه أيضاً: على بن سهل بن المغيرة، عن عبيد الله بن موسى، به. أخرجه: الدارقطني (٣/٤٣) والبيهقي. وقال الدارقطني: " لا يثبت هذا مرفوعاً، والصواب: عن ابن عمر، عن عمر ـ موقوفاً ". وقال في العلل: (٢) " حدث به علي بن سهل بن المغيرة ـ وكان ثقة ـ عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ووهم فيه؛ وإنما هو: عن ابن عمر، عن عمر " ـ يعني موقوفاً.

стр. 302

وقال البيهقي: " وهو وهم؛ وإنما المحفوظ: عن حنظلة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁: من وهب هبة ... " ـ فذكره موقوفاً. وقال في " المعرفة " (١) : " وغلط فيه عبيد الله بن موسى؛ فرواه عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .. والصحيح: رواية عبد الله بن وهب، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر ". فحمل البيهقي الخطأ في الحديث على عبيد الله بن موسى، والأشبه حمله على من دونه، وهو علي بن سهل بن المغيرة، ولا تنفعه متابعة ابن أبي عزرة عليه ـ كما في رواية الحاكم ـ بعد أن تبين أن روايها عنه ـ وهو شيخ الحاكم ـ قد أخطأ في هذا الحديث أيضاً. ومهما يكن من أمر؛ فرفع الحديث خطأ، بصرف النظر عن المخطئ فيه. لكن؛ تعقب ابن التركماني البيهقي في ترجيح الوقف، وعدم الاعتداد بالرواية المرفوعة، مع كونها جاءت من طريقين عن عبيد الله بن موسى، فقال: " المرفوع؛ رواته ثقات، كذا قال عبد الحق في " الأحكام " وصححه ابن حزم.. وقد تُوبع راويه عليه كما ذكر البيهقي ... ، فلا

стр. 303

حمل إذاً على شيخ الحاكم، ولا نسلم للبيهقي أنه وهم؛ بل يُحمل على أن لعبيد الله (١) فيه إسنادين ". وفي هذا التعقيب بُعْدٌ عن التحقيق، ومجافاة لأصول الحديث، وهجران للموروث عن أهل النقد في علم الحديث، الذين هم أهل الاختصاص، وإليهم يكون المرجع والمهرب عند الاختلاف. ولقد أشبع الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ في الرد على ابن التركماني، وبيان بطلان تعقبه، وبُعْده عن الأصول العلمية، فقال (٢) : " يحتمل أن يكون الوهم عندي من علي بن سهل؛ فإنه دون عبيد الله في الحفظ والضبط، وإن كان ثقة. ولا يفيده متابعة أحمد بن حازم بن أبي عزرة له؛ لأن الراوي عنه ـ شيخ الحاكم ـ لم يثبت عدالته ـ كما عرفتَ من ترجمته. فلا تغتر إذاً بمحاولة ابن التركماني في رده على البيهقي لتقوية الحديث؛ فإنها محاولة فاشلة، لا تستند على سند من القواعد العلمية الحديثية. فإن رواية عبيد الله بن موسى المرفوعة، لا يشك باحث في شذوذها؛ لمخالفتها لرواية الثقتين: مكي بن إبراهيم، وعبد الله بن وهب، اللذين رويا الحديث عن حنظلة به موقوفاً، وشد من عضد وقفه، وأيد شذوذ تلك [الطريق] الطريق الأخرى الموقوفة عند مالك ".

стр. 304

قال الشيخ: " وأما قول ابن التركماني: " المرفوع رواته ثقات، كذا قال عبد الحق في " الأحكام "، وصححه ابن حزم "؛ فالجواب من وجهين: الأول: أن ابن حزم نظر إلى ظاهر السند فصححه، وذلك مما يتناسب مع ظاهريته، أما أهل العلم والنقد، فلا يكتفون بذلك، بل يتتبعون الطرق، ويدرسون أحوال الرواة، وبذلك يتمكنون من معرفة ما إذا كان في الحديث علة أو لا، ولذلك كان معرفة علل الحديث من أدق علوم الحديث، إن يكن أدقها إطلاقاً؛ لذلك رأينا أهل العلم والنقد منهم قد حكموا على الحديث بأنه وهم، وأن الصواب فيه الوقف، منهم: الدارقطني والبيهقي والعسقلاني، وغيرهم ممن نقل كلامهم وأقرهم عليه كالزيلعي؛ فأين يقع تصحيح ابن حزم من تضعيف هؤلاء؟ ! والوجه الآخر: أن عبد الحق لم يقتصر على القول الذي نقله عنه ابن التركماني فقط! بل أتبع ذلك بقوله ـ بعد أن كان عزاه للدارقطني ـ: " لكنه جعله وهماً قال: والصواب، عن ابن عمر، عن عمر ـ قوله ".هكذا هو في كتاب " الأحكام " (ق ١٦٥/١) . فلا أدري؛ كيف استجاز ابن التركماني أن يذكر منه بعضه دون البعض الآخر المتمم له، والذي بدونه يفهم الواقف عليه أن عبد الحق يذهب إلى تصحيح الحديث، بينما هو مع الدارقطني، الذي ضعفه وصحح وقفه!!! ". انتهى كلام الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى.

стр. 305

هذا؛ ومما يؤكد خطأ هذين في رفع الحديث، وإن كانا قد اتفقا في ذلك: ما ذكره الإمام العلائي في حديث آخر، وقع فيه مثل هذا الخطأ، في حديث عن ابن عمر، عن عمر موقوفاً أيضاً، قال (١) : " ومما يقوي القول بالتعليل فيه بالوقف: ما إذا كان قد زِيدَ في الإسناد عوضاً عن ذكر النبي ﷺ صحابي آخر.. ووجهه: غلبة الظن بغلط من رفعه، حيث اشتبه عليه قول ابن عمر: " عن عمر " ـ رضي الله عنهما ـ، بأنه عن النبي ﷺ "؛ فلما جاءه بعد الصحابي صحابي آخر، والحديث هو قوله، اشتبه ذلك على الراوي "

стр. 306

المتابعة.. والإبهام الإبهام؛ هو أن يُسمي الراوي اختصاراً من الراوي عنه، فيقول مثلاً: " أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم "؛ وهو ذلك. والإبهام؛ علة إسنادية، توجب التوقف في الحديث وعدم الاحتجاج به؛ لاحتمال أن يكون ذلك المبهم ضعيفاً أو كذاباً. ويستدل على معرفة اسم المبهم؛ بوروده من طريق أخرى مسمى فيها، بشرط أن تكون هذه التسمية محفوظة، وليست خطأ من قِبَل بعض الرواة، فربما سُمِّي المبهم في رواية أخرى، ولا يكون ذلك محفوظاً، إنما المحفوظ عدم تسميته. مثال ذلك: ما روى: جماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، قال: حدثني رجال من الأنصار ـ لم يسمهم ـ، أن عثمان دخل على أبي بكر ـ الحديث؛ في نجاة هذا الأمر. فقد رواه: عبد الله بن بشر الرقي، عن الزهري، فقال: " عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن أبي بكر ". هكذا؛ سمى شيخ الزهري: " سعيد بن المسيب "، وأخطأ في ذلك، والصواب: أنه غير مسمى ـ: قاله أبو زرعة والدارقطني (١) .

стр. 307

وزاد الدارقطني: " وكذلك رُوي عن مالك بن أنس، وعن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن أبي بكر؛ ولا يصح عنهما، وكل ذلك وهْم ". وإذا كانت التسمية محفوظة، وأن هذا المبهم هو ذاك المسمى في الرواية الأخرى، فلا يصح بداهة أن تقوى الرواية المبهمة بالرواية المبينة، أو العكس؛ لأنه ـ والحالة هذه ـ يكون من باب تقوية الحديث بنفسه. وهذا؛ أمر واضح لا خفاء به، غير أني رأيت بعض من أقحم نفسه في العلم، ممن لا يفرق بين البقرة والبعرة، جاء إلى رواية فيها راوٍ ضعيف، فقواها برواية أخرى أُبهم فيها ذلك الضعيف، فأتى بشاردة عجيبة، وشاذة غريبة! وذلك؛ هو المدعو محمود سعيد ممدوح، حيث ذكر (١) حديث ابن أبي فديك، عن أبي المثنى بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " من زارني بالمدينة محتسباً، كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة ". أخرجه: البيهقي في " الشعب " (٤١٥٧) والسهمي في " تاريخ جرجان " (ص ٢٢٠) . ثم يقل أقوال أهل العلم في تضعيف أبي المثنى هذا، ثم أعله بعلة أخرى وهي الانقطاع بين أبي المثنى وأنس، لأنه من أتباع التابعين.

стр. 308

ثم ساق له طريقاً أخرى فيها مبهم، وقوى به الحديث، وهو ما ذكر أنه يرويه إسحاق بن راهويه في " مسنده " (١) ، عن عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد: حدثني شيخ، عن أنس، عن النبي ﷺ ، به. ثم قال المدعو: " لولا الشيخ المبهم الذي لم يسم لكان السند في أعلى درجات الصحة، لكن هذا الطريق إذا ضُم لسابقة استفاد الحديث قوة "!! وهذا؛ من عجائب الدنيا! فإن أحداً لا يشك في أن هذا المبهم هو نفسه المسمى في الرواية الأولى، فانظر لمن يقوي الرواية بنفسها!! ثم؛ إن أسلمنا بأن الشيخ المبهم غير المسمى في الرواية الأولى، فلا يُدرى أسمع من أنس أم لا، وعليه؛ فيكون الحديث منقطاً في روايتيه في موضع واحد؛ لأن أبا المثنى الكعبي لم يلق أنساً كما ذكر محمود سعيد نفسه، فالروايتان راجعتان إلى مخرج واحد، ولا بد. والأعجب! أن هذا المتهم قد التزم في موضع آخر بالقواعد العلمية، حيث لم يكن محتاجاً لتصحيح الحديث، فذكر في تعليقه على " النقد الصحيح " للعلائي (٢) طريقين لحديث آخر: في أحدهما: يعلى بن أبي يحيى، وهو مجهول، وفي الآخر: شيخ غير مسمى، فلم يقو هذا

стр. 309

بذاك، للعلة التي ذكرناها، فقال: " إن فيه مبهماً، ولا يفيده شيئاً إن كان المبهم هو يعلى بن أبي يحيى، بل يخشى أن يكون الطريقان يرجعان إلى طريق واحد، وهو الذي استظهره المصنف ﵀ ". وهذا؛ غيض من فيض، من تناقضاته وتخبطاته، وقد بينت الكثير منها في ردي عليه المسمى: " صيانة الحديث وأهله من تعدي محمود سعيد وجهله "، أسأل الله أن يعينني على إنجازه.

стр. 310

الشك.. والجزم قد يجيء في الحديث، شك الراوي وتردده في بعض الإسناد، فيقول ـ مثلاً ـ: " حدثني فلان أو فلان " أو: " عن الزهري عن فلان أو فلان "، أو " عن الزهري أحسبه عن فلان "، أو: " عن أبي هريرة أحسبه عن النبي ﷺ "، ونحو ذلك. والشك في تعيين راوي الحديث: هل هو فلان أو فلان، علة في الحديث، توجب التوقف عن الاحتجاج به، إذا كان الرجلان المتردَّدُ أيهما صاحب الحديث، أحدهما ثقة والآخر ضعيف؛ لاحتمال أن يكون الضعيف هو صاحب الحديث، وليس الثقة (١) . وكذا؛ إذا قال: " عن فلان أو فلان "، وهو لم يسمع من أحدهما؛ لاحتمال أن يكون من لم يسمع منه هو صاحب الحديث، فيكون منقطعاً. وكذا؛ إذا كان الحديث عن أحدهما يقتضي الاتصال، وعن الآخر لا يقتضيه؛ كأن يقول: " حدثني فلان أو فلان، عن فلان "، ولا يكون: أحد شيخيه قد سمع من الشيخ الأعلى، فيكون منقطعاً أيضاً، ليس بينه وبين شيخه، ولكن بين الشيخ وشيخه. وكذا؛ إذا أبهم أحدهما؛ كأن يقول: " حدثني فلان أو غيره "؛ إذ لا يُعلم من هذا المبهم، وقد يكون هو صاحب الحديث، وحينئذ قد يكون

стр. 311

ضعيفاً لا تقوم بروايته حجة. وقد يكون ثقة، إلا أنه لم يسمع ممن فوقه في الإسناد، فترجع للحديث علة الانقطاع. وقد يقع التردد أيضاً في بعض المتن؛ كأن يتردد الراوي في كلمة معينة، أو جملة معينة، هل هي من الحديث أم لا، أو يتردد بين كلمتين أو جملتين أيتهما التي في الحديث؛ وهكذا. وإنما تُدفع علة الشك في الرواية بالجزم بأحد الاحتمالين في رواية أخرى، كأن يروي هذا الراوي نفسه ـ أو غيره ـ الحديث نفسه جازماً بأنه " عن فلان " بعينه، وليس عن الآخر، أو جازماً برفعه، إن كان قد وقع التردد في رفعه ووقفه. وذلك؛ شريطة أن تكون الرواية الجازمة محفوظة، وليست مما أخطأ فيه بعض الرواة الثقات أو الضعفاء، وأن صواب الرواية أنها بالشك وليست بالجزم. فقد يقع الجزم من قِبَل بعض الرواة خطأً منهم، ويكون الصواب التردد والشك، فحينئذ لا اعتبار بالرواية الجازمة، ولا يُدفع الشك بها؛ لأنها خطأ، والخطأ لا يعتبر به. مثال ذلك: حديث: ابن جريج: سمع جابراً سُئل عن المُهَلِّ، فقال سمعت ـ أحسبه رفع إلى النبي ﷺ ـ فقال: " مُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الأخرى الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق ... "

стр. 312

الحديث. أخرجه: مسلم في " الصحيح " (٤/٧) . وأعله في " التمييز " بالشك في رفعه، فقال (١) : " فأما الأحاديث التي ذكرناها من قبل، أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق، فليس منها واحد يثبت؛ وذلك أن ابن جريج قال في حديث أبي الزبير عن جابر ". إلى هنا انتهى كلام الإمام مسلم ﵀ المتعلق بعلة هذا الحديث، ثم أتبعه ببيان العلل الواردة على الأحاديث الأخرى التي في الباب. ومراد الإمام ـ والله أعلم ـ: أن رواية ابن جريج هذه ليس فيها التصريح برفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ، بل فيها التردد في ذلك. وقد ذكره الدارقطني في " التتبع " (٢) ، مقتصراً على قوله: " ويُهل أهل العراق من ذات عرق "، وقال: " وفي هذا نظر ". وذكره بعد ذلك أيضاً (٣) ، فقال: " وأخرج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر: " مهل أهل العراق من ذات عرق ". قال: وفي حديث ابن عمر: لم يكن عراق يومئذ ". فهذا؛ هو النظر الذي عناه ـ والله أعلم ـ في الموضع الأول.

стр. 313

وقال الإمام النووي في " شرح مسلم ": " لا يحتج بهذا الحديث؛ لكونه لم يجزم برفعه ". وقال ابن خزيمة في " الصحيح " (٤/١٥٩) : " باب ذكر ميقات أهل العراق؛ إن ثبت الخبر مسنداً ". ثم خرج حديث ابن جريج هذا؛ ثم قال: " قد رُوي في ذات عرق، أنه ميقات أهل العراق أخبار ـ غير ابن جريج ـ، لا يثبت عند أهل الحديث شيء منها ". وقال ابن المنذر (١) : " لم نجد في ذات عرق حديثاً ثابتاً ". فهذه؛ هي علة الحديث، وهي الشك في رفعه. لكن؛ رواه: عبد الله بن لهيعة وإبراهيم بن يزيد الخوزي، عن أبي الزبير؛ فجزما برفعه. أخرج حديث الخوزي: ابن ماجه (٢٩١٥) . وأخرج حديث ابن لهيعة: أحمد (٣/٣٣٦) ، والبيهقي (٥/٢٧) . ثم قال البيهقي: " كذا قاله عبد الله بن لهيعة، وكذا قيل عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير؛ والصحيح: رواية ابن جريج ".

стр. 314

يعني: رواية الشك في رفعه. ولا يقال: إن الذي لم يشك معه من العلم ما ليس مع من شك، ومن علم حجة على من لم يعلم؛ فهذا ليس موضعه، وإنما يقال هذا حيث تتساوى الروايات في القوة، والخوزي ضعيف جداً، وابن لهيعة ضعيف أيضاً، ومهما تسامحنا في حاله، فلن يكون أبداً بمنزلة من تقدم روايته عند المخالفة، لاسيما إذا كان المخالف له ذلك الثقة الحافظ ابن جريج. وهذا الحديث، مما يرويه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر؛ وقد سأل الدارمي ابن معين في " تاريخه " (٥٣٣) ، فقال: " قلت: كيف رواية ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر؟ فقال: ابن لهيعة ضعيف الحديث ". وهذا؛ يشير إلى أن لابن لهيعة بهذه الترجمة مناكير، ضُعف من أجلها؛ وهذا منها. هذا؛ وأكثر أهل العلم على أن الذي وقت ذات عرق لأهل العراق هو عمر ابن الخطاب ﵁، ولم يكن ذلك في عهد النبي ﷺ (١) . مثال آخر: حديث ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي؛ أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس

стр. 315

أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة. أخرجه: مسلم (١/١٧٧) وأحمد (١/٣٦٦) وابن خزيمة (١٠٨) وأبو عوانة (١/٢٨٤) والدارقطني (١/٥٣) والبيهقي (١/١٨٨) والطبراني (٢٣/٤٢٦) . قال الحافظ ابن حجر (١) : " أعله قوم؛ لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار؛ حيث قال: " علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني ـ وذكر الحديث "؛ وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد؛ لكن راويها غير ضابط وقد خُولف ". مثال آخر: حديث: عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أو غيره. عن عائشة، قالت: ما كان خلقٌ أبغض إلى رسول ﷺ من الكذب، ولقد كان الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ يكذب عنده الكذبة، فما يزال في نفسه حتى يعلم أن قد أحدث منها توبة. فهذا الحديث؛ هكذا رواه معمر بالشك: هل هو من حديث ابن أبي مليكة، أم غيره؟ ورُوي عنه بدون شك، وهو خطأ؛ ثم تبين من غير رواية معمر، أنه من حديث ذلك الغير، وليس من حديث ابن أبي مليكة؛ وبمعرفتنا ذلك الغير، تبين أنه لم يسمع من عائشة، فصار الحديث منقطعاً. وتفصيلاً لذلك؛ أقول:

стр. 316

هذا الحديث؛ اخُتلف فيه على عبد الرزاق: فرواه عنه بعضهم بالشك، كما هنا؛ منهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن إبراهيم الدبري (١) . أخرجه: أحمد (٦/١٥٢) والبيهقي في " الشعب " (٤٨١٧) . وهو كذلك بالشك في " المصنف " (١١/١٥٨) . ورواه عنه بعضهم بدون شك، منهم: يحيى بن موسى، وأحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه. أخرجه: الترمذي (١٩٧٣) وابن حبان (٥٧٣٦) والبيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/١٩٦) و" الشعب " (٤٨٦١) . ثم حكى البيهقي عن الرمادي، أنه قال: " كان في نسختنا عن عبد الرازق هذا الحديث " عن ابن أبي مليكة، أو غيره "؛ فحدثنا عبد الرزاق بغير شك، فقال: عن ابن أبي مليكة، ولم يذكر: أو غيره ". قلت: وهذا؛ يدل على أن الصواب في حديث معمر، أنه بالشك؛ لأنه هو الموافق لما في كتاب عبد الرزاق ومعلوم أن عبد الرزاق كان يخطئ إذا حدث مِن حفظه، لاسيما وأن أحمد ابن حنبل روى الحديث عنه بالشك، وأحمد إنما سمع من عبد الرزاق قديماً ومن كتابه، وقد

стр. 317

أخبر الرمادي أن عبد الرزاق حدثهم بدون الشك من حفظه وليس من كتابه وأن الذي في الكتاب بالشك. فهذا؛ هو المحفوظ عن معمر؛ أنه قال: " عن أيوب، عن ابن مليكة أو غيره، عن عائشة " (١) . ثم نظرنا؛ فوجدنا أن الصواب في هذا الحديث، أنه من حديث ذلك الغير، وليس من حديث ابن أبي مليكة. فقد قال البيهقي في " الشعب ": " هكذا رواه معمر؛ ورواه: محمد بن أبي بكر، عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عائشة ... ". فهذه؛ إشارة منه إلى أن الحديث حديث أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عائشة، وليس حديث أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، وأن إبراهيم بن ميسرة هو ذاك الغير الذي لم يحفظه معمر، واشتبه عليه: هل الحديث حديث، أم حديث ابن أبي مليكة؟ ... وكذلك؛ رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عائشة (٢) :

стр. 318

أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " (١) . وكذلك رواه روح بن قاسم، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عائشة. أخرجه: ابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (١٣٩) . وكل ذلك؛ يدل على أن الحديث حديث إبراهيم ابن ميسرة، وليس هو من حديث ابن أبي مليكة، وقد جزم البخاري بأنه لا يصح من حديث ابن أبي مليكة؛ كما سيأتي. ثم نظرنا؛ فوجدنا أن إبراهيم بن ميسرة، وإن كان ثقة، إلا أنه لم يسمع من عائشة، فروايته عنها منقطعة؛ وبهذا؛ علمنا أن بمعرفتنا بهذا الغير وأنه إبراهيم بن ميسرة، استطعنا أن نقف على علة الحديث، وأنه منقطع غير موصول. فقد قال البيهقي، عقب قوله السابق: " قال البخاري: هو مرسل ـ يعني: بين إبراهيم بن ميسرة وعائشة ـ؛ ولا يصح حديث ابن أبي مليكة. قال البخاري: ما أعجب حديث معمر، عن غير الزهري؛ فإنه لا يكاد يوجد فيه حديث صحيح "

стр. 319

الشواهد.. وإسناد في إسناد كثيراً ما يساق في باب الاعتبار أسانيد متعددة لمتن واحد، ولا شك أن تعدد الأسانيد للمتن الواحد مما يقويه، ويؤكد كونه محفوظاً عن رسول الله ﷺ . إلا أنه يكثر في هذا الباب التساهل في الأسانيد، وعدم مراعاة العلل الخفية التي تفضي إلى اطراح هذه الأسانيد ـ أو بعضها ـ، وعدم اعتبارها، أو الاعتداد بها، لتقوية الحديث. وذلك؛ كأن يكون المتن مشهوراً عن رسول الله ﷺ بإسناد معين، فيخطئ بعض الرواة، فيرويه بإسناد آخر، يُروى به متن آخر، عن النبي ﷺ ؛ فيظن الناظر أنهما إسنادان لمتن واحد، ولا يفطن لكون هذا الإسناد الآخر خطأ، وأنه مركب على هذا المتن، وليس هو إسناده. فهذا الإسناد الآخر؛ قد يكون في نفسه صحيحاً؛ لاتصاله وثقة رواته، والمتن كذلك قد يكون صحيحاً مستقيماً بإسناده المعروف به، إلا أن العلة عند أهل العلم في رواية هذا المتن بهذا الإسناد خاصة. وقد لا يكون المتن صحيحاً بإسناده الذي يُعرف به؛ لعلة فيه من ضعف في بعض رواته، أو انقطاع في إسناده؛ فلما رواه ذاك المخطئ ذلك الإسناد الصحيح، ظهر وكأنه إسناد آخر للحديث، فيصحح به، وليس الأمر كذلك؛ لما سبق.

стр. 320

وقد يكون هذا الإسناد الآخر، الذي أُلصق بهذا المتن، فيه نوع ضعف مما لا يُسقطه عن حد الاعتبار، فيظهر وللحديث إسنادان، قد يغتر بهما بعض من لم يفطن للعلة المشار إليها، فيقوي الحديث باجتماعهما. والواقع؛ أن الحديث إنما يحكم عليه بإسناده المعروف به، أما هذا الإسناد الذي ألصقه ذلك المخطئ بهذا المتن، بل لمتن آخر، فلا اعتبار به في هذا المتن خاصة. وفي مثل ذلك؛ يقول أهل العلم: " لا أصل له بهذا الإسناد " أو " هذا منكر بهذا الإسناد "، ونحو هذا. وربما أطلقوا، فيقولون ـ مثلاً ـ: " لا أصل له "، أو " هذا منكر " يقصدون بهذا الإسناد خاصة، اللهم إلا أن لا يكون للمتن إسناد آخر، فحينئذ يحمل على إطلاقه. وهذا النوع من الخطأ له صورتان: ** الصورة الأولى: تغيير الإسناد، دون مخرج الحديث. وذلك؛ كأن يأتي إلى حديث يرويه الزهري ـ مثلاً ـ بإسناد معين فيرويه هو عن الزهري بإسناد آخر. فهو لم يخالف في أن الحديث حديث الزهري، وإنما خالف فيمن فوق الزهري من الإسناد. فإن كان الزهري يروي الحديث ـ مثلاً ـ، " عن سعيد بن المسيب،
следующие страницы →