أن يبدل الرجلُ الرجلَ بأخته بغير صداق ـ ولا إسعاد في الإسلام، ولا جَلَبَ في الإسلام، ولا جَنَبَ ".
وقد أنكر الإمام أحمد وأبو حاتم الرازي وغيرهما هذا الحديث عن ثابت، وأنه إنما هو من حديث أبان فقط، لا شأن لثابت به.
والظاهر؛ أن ثابتاً إنما روى عن أنس تفسير الشغار فقط، من قوله ليس مرفوعاً، وأما الحديث؛ فإنما يرويه أبان، عن أنس، عن النبي ﷺ ، فأخطأ عبد الرزاق ـ أو معمر ـ، حيث حمل رواية ثابت على رواية أبان وساقهما على الاتفاق، مُدْرجاً الموقوف الذي رواه ثابت بالمرفوع الذي جاء به أبان.
ومما يقوي ذلك؛ أن عبد الرزاق روى تفسير الشغار، عن معمر، عن ثابت، عن أنس، من قوله بعده بأحاديث، من غير ذكر القدر المرفوع في روايته.
وراجع كتابي في علل الأحاديث، فقد بينت فيه علة هذا الحديث، وشرحتها شرحاً مفصلاً.
والله الموفق.
مثال آخر:
ما يرويه: عمرو بن عاصم، عن همام وجرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل.
أخرجه: الترمذي في " الجامع " (٢٠٥١) و " الشمائل " (٣٥٧) والحاكم (٤/٢١٠) .
стр. 247
وهذا؛ يوهم أن هماماً يروي الحديث كمثل ما يرويه جرير بن حازم، من غير اختلاف بين روايتيهما، وليس كذلك؛ وإنما يرويه همام بن يحيى، عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلاً، بدون ذكر " أنس بن مالك " في الإسناد.
هكذا؛ رواه عنه: عفان بن مسلم.
أخرجه: ابن سعد (١/٢/١٤٥)
ويؤكد ذلك؛ أن الأئمة أنكروا وصل هذا الحديث على جرير بن حازم، وذكروا أن الصواب فيه الإرسال.
قال ابن رجب (١) :
" وقد أنكروا عليه ـ يعني: جريراً ـ أحمد ويحيى وغيرهما من الأئمة أحاديث متعددة، يرويها عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وذكروا أن بعضها مراسيل أسندها؛ فمنها: حديثه بهذا الإسناد في الذي توضأ وترك على قدمه لمعة لم يصبها الماء. ومنها: حديثه في قَبِيعة سيف النبي ﷺ ، أنها كانت من فضة، ومنها: حديثه في الحجامة في الأخدعين والكاهل " اهـ.
مثال آخر:
وقد وقع عمرو بن عاصم في نفس الخطأ في حديث قبيعة سيف النبي ﷺ الذي ذكره الإمام ابن رجب، وذكر عن الأئمة أنهم أعلوه بالإرسال.
فقد رواه: عمرو بن عاصم، فقال: حدثنا همام وجرير، قالا: حدثنا قتادة، عن أنس، ـ فذكره.
стр. 248
أخرجه: النسائي (٨/٢١٩) وابن سعد (١/٢/١٧٢) . وأيضاً الطحاوي في " المشكل " (١٣٩٩) ؛ لكن ليس عنده ذكر جرير.
والصواب؛ الذي رجحه أهل العلم: أن الذي يرويه هكذا هو جرير فقط، وأنه هو المتفرد به عن قتادة، وأنه أخطأ فيه، والصواب الذي يرويه أصحاب قتادة: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة ـ أي: مرسلاً.
فقد أنكره العقيلي على جرير في ترجمته من "الضعفاء" (١/١٩٩) ، وابن عدي (٢/٥٥٠) أيضاً.
وقال البيهقي (١) :
"تفرد به جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس؛ والحديث معلول".
ثم ذكره من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن ـ مرسلاً (٢) .
ثم قال: "وهذا مرسل وهو المحفوظ".
وقد أنكره أيضاً وجزي نصر بن طريف على جرير بن حازم، وذكر أن الصواب أنه عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً.
ذكر ذلك عبد الله بن أحمد، عن أبيه في "العلل" (٣١٢)(١٢٨٨) ، وعنه العقيلي في ترجمة جرير (١/١٩٩) .
وأبو جزي، وإن كان ضعيفاً؛ إلا أن الإمام أحمد قال عقب قوله
стр. 249
وإنكاره على جرير:
"وهو قول أبي جزي ـ يعني: أصاب ـ، وأخطأ جرير".
وقال الدارمي (١) ، بعد أن خرج رواية جرير الموصولة:
"هشام الدستوائي خالفه؛ قال: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن النبي ﷺ ؛ وزعم الناس أنه هو المحفوظ".
وكذلك؛ ذهب إلى الحكم بأن الحديث مرسل الإمام أبو حاتم الرازي (٢) .
وقد سبق؛ أن الذي يرويه عن قتادة مرسلاً هشام الدستوائي، وأضاف إليه العقيلي (١/١٩٩) شعبة بن الحجاج، وهما من أثبت أصحاب قتادة ومن أعرف الناس بحديثه.
وأيضاً: أبو داود رجح الرواية المرسلة:
فقد أسند في " سننه " (٣/٦٨-٦٩) في " باب: في السيف يحلى " ثلاثة أحاديث.
الأول: حديث جرير هذا، برقم (٢٥٨٣) .
والثاني: حديث سعيد بن أبي الحسن المرسل، برقم (٢٥٨٤) .
والثالث: حديث عثمان بن سعد، عن أنس ـ بمثله، برقم (٢٥٨٥) .
ثم قال:
" أقوى هذه الأحاديث: حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية
стр. 250
ضعاف ".
ومما يؤكد ذلك:
أن في رواية أبي داود لحديث قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن: زيادة من قول قتادة، وهي:
" قال قتادة: وما علمت أحداً تابعه على ذلك ".
يعني: سعيد بن أبي الحسن.
وهذا؛ يقتضي أن قتادة لا يعرف هذا الحديث إلا عن سعيد بن أبي الحسن، ولو أنه كان عنده موصولاً عن أنس، لما جاز له أن يقول ذلك.
فإن قيل:
إن أبا عوانة قد رواه أيضاً، عن قتادة، عن أنس.
أخرج حديثه: الطحاوي في " المشكل " (١٣٩٨) .
قلت:
ليس: هذا بذاك؛ فإن راويه عن أبي عوانة عند الطحاوي، هو: هلال بن يحيى الرأي، وهو ضعيف، لا يعتد بروايته.
وقد ذكره ابن حبان في " المجروحين " (٣/٨٧-٨٨) ، وساق له هذا الحديث بعينه، وأنكره عليه، وقال:
" كان يخطئ كثيراً على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد "!
стр. 251
فهذا؛ ليس له أصل عن أبي عوانة (١) .
ومما يُتعجب له:
صنيع المعلق على " المشكل " للطحاوي؛ فإنه ذكر إنكار ابن حبان لرواية أبي عوانة على هلال الرأي، وساق كلامه من " المجروحين " ثم أهمله واتخذه وراءه ظهرياً، فجعل أبا عوانة متابعاً لجرير بن حازم معتمداً على رواية هلال الرأي، وهذا من أعجب ما نراه في حواشي المطبوعات!!
مثال آخر:
ما أخرجه: البيهقي في " السنن الكبرى " (٩/٣٢٩) من طريق الحسن ابن سلام وجعفر الصائغ كلاهما، عن عفان، عن شعبة، عن عدي بن ثابت وأبي إسحاق، عن البراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى ﵄، أنهم أصابوا يوم خيبر حمراً، فطبخوها، فنادى منادي رسول الله ﷺ ، أن أكفئوها.
فهذه الرواية؛ تُوهِم أن كلاً من عدي بن ثابت وأبي إسحاق قد روى هذا الحديث عن كلٍ من البراء وابن أبي أوفى؛ وليس الأمر كذلك.
وإنما الذي يرويه عنهما جميعاً هو عدي بن ثابت فقط، أما أبو إسحاق، فهو إنما يرويه عن البراء فقط، ليس يرويه عن ابن أبي أوفى.
وحديث عدي؛ أخرجه: البخاري (٥/١٧٣) ومسلم (٦/٦٤) (٧/١٢٣) وغيرهما.
стр. 252
ثم إن أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من البراء.
فقد رواه: الفسوي في " المعرفة " (٢/٦٢٢-٦٢٣) من حديث معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ـ ولم نسمعه من البراء ـ أنهم أصابوا يوم حنين أو خيبر حمراً ـ فذكره.
فقد صرح أبو إسحاق هاهنا بأنه لم يسمعه من البراء.
وبهذا؛ أعله أبو السعود الدمشقي (١) .
مثال آخر:
حديث: صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر، عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ".
فهذا الحديث؛ يرويه عن صفوان هكذا: أبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، وإسماعيل بن عياش.
فحديث أبي اليمان:
أخرجه: الفسوي (٢/٣٣٩) .
وحديث أبي المغيرة:
أخرجه: أحمد (٤/١٨٢) والدارمي (٢/٣٢٢) .
وحديث إسماعيل بن عياش:
سيأتي الكلام ابن أبي حاتم.
لكن؛ رواه أبو المغيرة ـ مرة ـ، فذكر لفظ السماع بين يحيى بن جابر والنواس.
قال ابن أبي حاتم (٢) :
стр. 253
" سمعت أبي وذكر حديثاً: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن صفوان بن عمرو، عن يحيى ابن جابر الطائي، قال: سمعت النواس بن سمعان، قال: سألت النبي ﷺ عن الإثم والبر ـ (فذكره) .
فسمعت أبي يقول: هذا حديث خطأ؛ لم يلق ابن جابر النواس.
قلت: الخطأ؛ يدل أنه من أبي المغيرة، فيما قال: " سمعت النواس ".
وذلك؛ أن إسماعيل بن عياش روى عن صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر، عن النواس؟ لم يذكر السماع؛ فيحتمل أن يكون أرسله.
ويحيى بن جابر؛ كان قاضي حمص يروي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس " اهـ.
لكن؛ رواه الطبراني في " مسند الشاميين " (٩٨٠) من طريق أبي اليمان وأبي المغيرة ـ قرنهما ـ، عن صفوان، به؛ إلا أنه وقع عنده لفظ السماع بين يحيى بن جابر والنواس بن سمعان.
وقال الطبراني: " زاد أبو اليمان في حديثه: قال صفوان: وحدثني عبد الرحمن بن
стр. 254
جبير، عن النواس بن سمعان، عن النبي ﷺ ـ مثل ذلك ".
قلت: والوجه الأول عند الطبراني، يقتضي أن أبا اليمان تابع أبا المغيرة على ذكر لفظ السماع، ولم يتفرد به، كما سبق.
لكن؛ الظاهر أن الطبراني ـ عليه رحمة الله ـ حمل رواية أبي اليمان على رواية أبي المغيرة، ولم يميز مَن ذكر السماع منهما ممن لم يذكره.
هذا؛ ما استظهرته عند تعليقي على " جامع العلوم والحكم " لابن رجب (٢/٧٨) ؛ إستناداً إلى الروايات الأخرى المفصلة، وإلى ما تقدم عن أبي حاتم وابنه.
ثم وجدت الإمام البخاري ـ عليه رحمة الله ـ ذكر في " التاريخ الكبير " (٤/٢/١٢٦) روايتيهما، وقرن بينهما أيضاً، إلا أنه فَصَّلَ رواية كلٍ منهما فقال:
" وعن أبي اليمان وأبي المغيرة، عن صفوان:
قال أبو اليمان: عن عبد الرحمن بن جبير، ويحيى بن جابر، عن النواس، قال: سألت النبي ﷺ .
وقال المغيرة: حدثنا صفوان، عن ابن جابر، قال: سمعت النواس، قال سألت النبي ﷺ " اهـ.
فقد بين البخاري ـ كما ترى ـ أن الذي ذكر لفظ السماع، إنما هو أبو المغيرة فقط، وهذا من دقته ـ عليه رحمة الله ـ وشفوف نظره.
هذا؛ والوجه الثاني، الذي عند الطبراني، وهو ما زاده أبو اليمان، من أن صفوان بن عمرو روى الحديث أيضاً عن عبد الرحمن بن جبير
стр. 255
، عن النواس؛ فهو يقتضي أن لصفوان في هذا الحديث شيخين، وإسنادين:
الأول: عن يحيى بن جابر، عن النواس.
الثاني: عن عبد الرحمن بن جبير، عن النواس.
وهذا؛ قد ذكره البخاري أيضاً، فيما نقلناه عنه آنفاً.
لكن؛ إذا وضعنا في اعتبارنا قول أبي حاتم السابق:
"لم يلق ابن جابر النواس".
وقول ابنه:
"ويحيى بن جابر، يروي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس"
إذا وضعنا في اعتبارنا ذلك؛ تبين لنا أن الإسنادين يرجعان إلى أصل واحد ومخرج واحد، وأن الظاهر أن يحيى بن جابر إنما أخذه عن عبد الرحمن بن جبير.
ولهذا؛ اعتبر الإمام المزي رواية يحيى بن جابر عن النواس، من قبيل المرسل، في ترجمة يحيى (١) .
والله أعلم.
وقد أخطأ أبو المغيرة نحو هذا الخطأ أيضاً في حديث آخر، سيأتي في "فصل: التدليس.. والسماع".
مثال آخر:
حديث: سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب
стр. 256
،عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا اشتد الحر فأدبروا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم. واشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف؛ فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير".
أخرجه: البخاري (٢/١٨) والحميدي (٩٤٢) وأحمد (٢/٢٣٨) وغيرهم.
فهكذا؛ يرويه ابن عيينة، عن الزهري، عن "سعيد" عن أبي هريرة، وجمع في حديثه بين هذين المتنين: "إذا اشتد الحر فأدبروا بالصلاة ... " و "اشتكت النار إلى ربها ... ".
وعامة أصحاب الزهري؛ لا يروون الحديث عن الزهري هكذا، وإنما يروون المتن الأول منه فقط، عن "سعيد وأبي سلمة"، عن أبي هريرة.
منهم من جمع بينهما، ومنهم من ذكر أبا سلمة وحده، ومنهم من قال: أحدهما أو كلاهما.
أما المتن الثاني ـ أعني: حديث: "اشتكت النار" ـ، فلم يروه أحد من أصحاب الزهري عن "سعيد"، وإنما رواه شعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد، عن الزهري، عن "أبي سلمة"، عن أبي هريرة (١) .
إلا ما يروى عن جعفر بن برقان، حيث تابع ابن عيينة على رواية المتن الثاني، عن الزهري، عن "سعيد".
стр. 257
وجعفر بن برقان؛ في الزهري ليس بشيء، فلا تنفع متابعته.
فظهر بهذا؛ مخالفة ابن عيينة لأصحاب الزهري؛ حيث حمل إسناد المتن الثاني على إسناد المتن الأول، وجعل المتنين من حديث "سعيد"؛ والأمر ليس كذلك؛ بل المتن الأول من حديث "سعيد وأبي سلمة" جميعاً، بينما الثاني من حديث "أبي سلمة" فقط.
والفضل في معرفة علة هذه المتابعة يرجع ـ بعد الله إلى الإمام أحمد بن حنبل ـ عليه رحمة الله ورضوانه ـ، فقد قال ـ فيما حكاه عنه أبو طالب (١) .
"سفيان بن عيينة في قلة ما روى نحو من خمسة عشر حديثاً، أخطأ فيها في أحاديث الزهري، فذكر منها: حديث: "اشتكت النار إلى ربها"؛ إنما هو عن أبي سلمة".
وهذا من شفوف نظر الإمام أحمد ودقة نقده، عليه رحمة الله تعالى.
وقد سُئل الإمام الدارقطني في "العلل" (٩/٣٩٠) عن حديث "الإبراد" خاصة، فذكر أوجه الخلاف فيه على الزهري، ثم قال:
"والقولان محفوظان عن الزهري".
يعني: عن سعيد وأبي سلمة جميعاً.
وإنما يقصد الإمام الدارقطني بتصحيح القولين عن الزهري، أي
стр. 258
: في حديث "الإبراد" خاصة؛ لأنه قال هذا في معرض الكلام عليه والسؤال عنه، دون حديث "اشتكت النار" (١) .
وصنيع الإمام البخاري في "الصحيح" يدل على ذلك أيضاً:
فإنه خرج حديث: "اشتكت النار" مع حديث "الإبراد" من رواية ابن عيينة، من حديث "سعيد" في كتاب "المواقيت" في "باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر"، وذِكْر حديث "اشتكت النار" في هذا الباب ليس مقصوداً، وإنما خرجه البخاري عرضاً؛ لأن ابن عيينة هكذا جمع في روايته بين المتنين، والمقصود في هذا الباب إنما هو حديث "الإبراد" خاصة.
بينما في كتاب "بدء الخلق" في "باب: صفة النار" خرج حديث "اشتكت النار" من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده؛ وهذا بابه.
وفي هذا؛ إشارة إلى أن حديث: "اشتكت النار" ليس من حديث "سعيد"، بل من حديث "أبي سلمة"، وهو ما خرجه في "المواقيت" من حديث "سعيد"، إلا لمجيئه مع حديث "الإبراد" في رواية سفيان بن عيينة.
والله أعلم.
مثال آخر:
حديث: يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري وشعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُلَمي، عن
стр. 259
عثمان بن عفان، عن النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
فهذا الحديث؛ هكذا رواه يحيى القطان، عن شعبة وسفيان، على الاتفاق.
وهذا مما خطَّأ فيه الأئمة يحيى القطان؛ وحكموا بأنه حمل رواية الثوري على رواية شعبة، وهو إنما يخالفه في هذا الحديث؛ فإن أصحاب الثوري لا يذكرون في هذا الحديث "سعد بن عبيدة" في إسناده، عن الثوري، وإنما يذكره فقط أصحاب شعبة، عن شعبة.
وقال ابن عدي:
"يقال: لا يُعرَف ليحيى بن سعيد خطأ غيره" (١) .
مثال آخر:
قال الترمذي في "الجامع" (٢١٠٧) :
"حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد، قالوا: حدثنا سفيان، عن الزهري ـ ح.
وحدثنا علي بن حجر: أخبرنا هشيم، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
فظاهر سياق الترمذي؛ أن هشيماً يرويه كما يرويه سفيان بهذا اللفظ.
وهذا خطأ؛ فإن هشيماً لا يرويه بهذا اللفظ، إنما يرويه بلفظ: "لا
стр. 260
يتوارث أهل ملتين".
هكذا؛ رواه عنه علي بن حجر ومسعود بن جويرية الموصلي؛ وحديثهما عند النسائي.
إلا أن الترمذي أخطأ حيث حمل رواية هشيم على رواية سفيان.
قال ذلك الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" (١/٥٦) .
وشبيه بهذا:
وقع في "مقدمة صحيح مسلم" (١/٨) ما صورته:
"حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري: حدثنا أبي ـ ح.
وحدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ـ، قالا:
حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
ﷺ : "كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع".
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا علي بن حفص: حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ـ بمثل ذلك" اهـ.
فظاهر هذا السياق؛ يوهم أن هؤلاء الثلاثة: معاذ بن معاذ العنبري، وابن مهدي، وعلي بن حفص؛ متفقون على رواية الحديث، عن شعبة بهذا الإسناد.
стр. 261
وليس الأمر كذلك؛ وإنما الذي يرويه بهذا الإسناد هو علي بن حفص فقط، وأما معاذ العنبري وابن مهدي، فيرويانه، عن شعبة بدون ذكر "أبي هريرة" في إسناده؛ أي: مرسلاً.
وليس هذا الخطأ من الإمام مسلم ـ عليه رحمة الله ـ، بل من أحد رواة "الصحيح" عنه.
وقد نبه على هذا الخطأ الإمام المازري في "المعلم بفائد مسلم" (ص١٨٤) ، فقال:
"رواه شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، أن رسول الله ﷺ ـ، فأتى به مرسلاً، لم يذكر فيه " أبا هريرة "؛ هكذا روي هذا من حديث معاذ بن معاذ وغندر وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة.
وفي نسخة أبي العباس الرازي وحده في هذا الإسناد: " عن شعبة، عن خبيب، عن حفص،
عن أبي هريرة " ـ مسنداً؛ ولا يثبت هذا ".
قال: " وقد أسنده مسلم بعد ذلك من طريق علي بن حفص المدائني عن شعبة ".
قال: " قال علي بن عمر الدارقطني: والصواب أنه مرسل عن شعبة، كما رواه معاذ وغندر
وابن مهدي" اهـ.
وكذلك؛ أشار إليه الإمام المنذري في " مختصر السنن " (٧/١٨١) .
والنووي؛ في " شرح مسلم " (١/٧٤) ، صرح بأن مسلماً أخرجه من طريقين: أحدهما مرسل، والآخر متصل؛ وأن المرسل عنده من طريق معاذ وعبد الرحمن بن مهدي؛ وهذا يدل على أن النسخة التي اعتمد عليها
стр. 262
النووي ليس الحديث فيها متصلاً من الطريقين.
وقد صرح الدارقطني في " التتبع " (ص ١٧٥-١٧٦) بأن الذي يرويه موصولاً، هو على بن حفص فقط، وأن معاذاً وابن مهدي وغندراً يروونه مرسلاً، وأنه هو الصواب (١) .
فقد صرح بأن حديث معاذ وابن مهدي مرسل، وليس متصلاً.
وقال أبو داود:
" لم يسنده إلا هذا الشيخ ـ يعني: علي بن حفص المدائني ".
قلت: فقد تبين بهذا، أن معاذاً وابن مهدي لم يوصلا الحديث عن شعبة، وإنما الذي وصله بذكر " أبي هريرة "
стр. 263
هو علي بن حفص فقط، وأن ما وقع في " مقدمة مسلم " إنما هو خطأ من أحد رواة " الصحيح "، لا ذنب لمسلم فيه، بدليل أن غيره من رواة " الصحيح " رووه مرسلاً على الصواب، كما ذكر أهل العلم.
ويؤكده: اتفاق الأئمة على أن علي بن حفص هو المتفرد بوصل هذا الحديث عن شعبة، لم يتابعه أحد على وصله، وأن سائر أصحاب شعبة ـ بما فيهم معاذ العنبري وابن مهدي ـ إنما رووه عنه مرسلاً، بدون ذكر " أبي هريرة " (١) .
***
المتابعة.. وما لا يجيء
قد تجيء متابعة من راو لآخر عن شيخ من الشيوخ، فيرى أهل العلم أن هذه المتابعة خطأ، والصواب أن الحديث حديث الرجل الأول؛ وهذا تقدم التنبيه عليه.
لكن؛ أحياناً يستدل أئمة الحديث على عدم صحة هذه المتابعة بغرابة الإسناد، من حيث أن رواية هذا المتابع عن هذا الشيخ لا تعرف، ولا تجيء في الأحاديث، فيقولون في إعلال مثل ذلك: " فلان عن فلان لا يجيء "، أو " فلان لا يُعرف بالأخذ عن فلان " ونحو هذا.
ويقوي الإعلال بذلك؛ حيث يكون هذا الراوي المتابع مشهوراً، معروفاً بكثرة الحديث والأصحاب، ثم لا يجيء روايته عن هذا الشيخ إلا من طريق غريبة، يتفرد بها من ليس معروفاً بالحفظ، أو ليس من أصحابه الملازمين له، والعارفين بحديثه.
فالذي لا يفطن لذلك، يظن أن الحديث ثابت عن الرجلين، فيثبت بمقتضى ذلك المتابعة، ويدفع التفرد؛ وليس كذلك.
وبطبيعة الحال؛ فإن الأئمة لا يقصدون في هذه المواضع إعلال الحديث بالانقطاع بين هذا الراوي المتابِع وبين شيخه، وإنما العلة عندهم ممن دون هذا الراوي، فهو لم يثبت عنه حتى يُعل بعدم سماعه من شيخه.
стр. 264
فالذي يتعقب الأئمة في هذه المواطن، بأن المعاصرة متحققة بين الراوي والشيخ، وشرط مسلم الاكتفاء بإمكانية السماع وإن لم يصرح به الراوي في حديث من حديث، إنما يتعقب الأئمة فيما لم يقصدوه من
كلامهم، فكلامهم في واد، وكلامه في واد آخر.
مثال ذلك:
حديث: ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: " ما اصطدتموه وهو حي فكلوه، وما وجدتموه ميتاً طافياً فلا تأكلوه ".
فهذا الحديث؛ يرويه الحسين بن يزيد الطحان، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، به.
أخرجه: الترمذي في " العلل الكبير " (ص ٢٤٢) والطبراني في " الأوسط " (٥٦٥٦) والخطيب
في " التاريخ " (١٠/١٤٨) .
وقال الطبراني:
" لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي ذئب إلا حفص، تفرد به الحسين ابن يزيد ".
وقال الترمذي:
" سألت محمد ـ يعني: البخاري ـ عن هذا الحديث؟ فقال: ليس هذا بمحفوظ، ويُروى عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئاً ".
قلت: يشير الإمام البخاري بقوله: " ولا أعرف لابن أبي ذئب عن
стр. 265
أبي الزبير شيئاً " إلى أن الخطأ في هذا الحديث ممن هو دون ابن أبي ذئب؛ وذلك لغرابة هذا الإسناد، حيث إن رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير غير معروفة إلا في هذا الإسناد، فالظاهر أن الراوي الذي أخطأ دخل عليه إسناد في إسناد، أو قلب راوياً براوٍ.
ولعل الخطأ من الحسين بن يزيد هذا؛ فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: " لين الحديث ".
ثم إن رواية حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب لم يذكروها أيضاً؛ فإن صح أنه لا يروي عنه كان ذلك أقوى في الدلالة على أن الخطأ من الحسين. والله أعلم.
هذا هو المعنى الذي أنكره البخاري ـ عليه رحمة الله تعالى ـ في هذا الإسناد، وهو أنه إسناد مركب من رواة لا يُعرف رواية بعضهم عن بعض، فلو كانت رواية بعضهم عن بعض ثابتة، فما بالها لا تجيء إلا في هذه الرواية الغريبة.
لكن؛ رأيت التركماني والزيلعي لم يفهما كلام البخاري على وجهه، فتعقباه بما لا يغني، ولا يدفع إعلاله.
قال التركماني في " الجوهر النقي " (٩/٢٥٦) والزيلعي في " نصب الراية " (٤/٢٠٣) :
" قول البخاري: " لا أعرف لابن أبي ذئب عن الزبير شيئاً "؛ هو على مذهبه في أنه يشترط لاتصال الإسناد المعنعن ثبوت السماع، وقد أنكر مسلم ذلك إنكاراً شديداً، وزعم أنه قول مخترع، وأن المتفق عليه أنه
стр. 266
يكفي للاتصال إمكان اللقاء والسماع؛ وابن أبي ذئب أدرك زمان أبي الزبير بلا خلاف، وسماعه منه ممكن ".
قلت: بصرف النظر عن الراجح في مسألة عنعنة المعاصر؛ فإن تعقب البخاري بقول مسلم فيها دليل على عدم فهم وجه إعلال الإمام البخاري لهذا الحديث.
فإن البخاري ـ عليه رحمة الله ـ لا يقصد إعلال الحديث بالانقطاع بين ابن أبي ذئب وأبي الزبير، حتى لا يصح أن يرد عليه بأن إمكانية سماعه منه كافية للحكم بالاتصال.
بل لو ذكر الراوي لفظ السماع بينهما، فقال ـ مثلاً ـ: " عن ابن أبي ذئب: حدثنا أبو الزبير "، لما صحح البخاري الحديث أيضاً؛ ولما كان مجيء لفظ السماع دافعاً للعلة التي أعل البخاري الحديث بها.
ذلك؛ لأن البخاري يُخَطِّئ في هذا الحديث واحداً ممن دون ابن أبي ذئب في الإسناد، فمهما ذكر ذلك المخطئ في روايته تصريح ابن أبي ذئب بالسماع من أبي الزبير، فإن ذلك لا يدفع عنه الخطأ عند الإمام البخاري.
بل لو ذكر لفظ السماع بينهما، لكان ذلك أدل عند البخاري على خطئه في روايته تلك، لتأكيده موجب الإنكار عند البخاري.
فموجب الإنكار في هذه الرواية عند البخاري ـ عليه رحمة الله ـ يتلخص في أمرين:
الأول: تفرد الحسين بن يزيد به.
وقد تقدم عن أبي حاتم الرازي، أنه لين الحديث، ولم يوثقه مُعتبر
стр. 267
، لاسيما؛ وأنه تفرد به عن حفص، عن ابن أبي ذئب؛ وذلك مما يُستغرب.
ذلك؛ لأن ابن أبي ذئب من الحفاظ المكثرين حديثاً وتلامذة، وحفص ليس من المعروفين بملازمته والأخذ عنه، بل لم يذكروه في الرواة عنه أصلاً ـ كما سبق ـ فكيف يتفرد مثل هذا عن ابن أبي ذئب بحديث ولا يعرفه أصحابه العارفون بحديثه، أمثال: ابن المبارك، وأبي نعيم، وابن أبي فديك، ووكيع، والقطان، مع كثرة ملازمتهم له، واختصاصهم به؟!
وحفص بن غياث؛ يشترك أيضاً مع ابن أبي ذئب في هذا الأمر؛ فإنه أيضاً من المكثرين أصحاباً وحديثاً، ولم يُعرف هذا الحديث عند أصحابه، مثل: ابن راهويه، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وأمثالهم.
الثاني: غرابة الإسناد.
ومراد البخاري: أن رواية ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير ـ سواء بالعنعنة أو بالتصريح ـ غير معروفة في غير هذا الحديث، فهذه التركيبة الإسنادية مما تُستغرب.
وقد كان طلبة الحديث على وجه العموم يعجبهم سماع الأحاديث العالية والغرائب، وكانوا يسمونها بـ " الفوائد "، ويحرصون على كتابتها، ويتهافتون على سماعها، فلو حدث ابن أبي ذئب بهذا الحديث عن أبي الزبير، لسمعه منه أمم؛ لعلوه ولغرابة إسناده.
стр. 268
فالظاهر من صنيع البخاري؛ أنه يرى أن هذا الحديث لم يحدث به ـ عن أبي الزبير ـ ابن أبي ذئب أصلاً، وأنه لا معنى لذكر: " ابن أبي ذئب " في الإسناد، وقد يكون الحديث من حديث غير ابن أبي ذئب عن أبي الزبير، فأخطأ الراوي حيث جعله من حديثه عنه.
وقد رواه البيهقي (٩/٢٥٥) من أوجه أخرى عن أبي الزبير، عن جابر، وإن كانت كلها معلولة بالوقف.
ومثل ذلك:
وقع لراوٍ آخر، في حديث آخر؛ فأعله إمام آخر بمثل إعلال الإمام البخاري لهذا الحديث:
روى: أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد " (٢/٤٩٥) :
عن موسى بن الحسن الثقفي: حدثنا حفص بن عمر الحوضي: حدثنا شعبة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ نهى عن اشتمال الصماء ـ الحديث.
ثم قال أبو يعلى:
" شعبة لا يروي عن أبي الزبير شيئاً؛ وهذا خطأ من موسى بن الحسن هذا؛ سألت عنه عبد الله بن محمد القاضي، فقال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا به موسى كذا، ثم رجع إلينا في المجلس الثاني معه كتابه، فقال: أخطأت؛ إنما حدثنا حفص بن عمر، هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر ".
فواضح جداً من كلام الخليلي، أنه لا يقصد من قوله: " شعبة لا
стр. 269
يروي عن أبي الزبير شيئاً " إعلال الحديث بالانقطاع؛ وإلا فما معنى قوله " هذا خطأ من موسى بن الحسن "، لاسيما؛ وأن شعبة لا يحدث إلا بما كان مسموعاً له.
وإنما مراده: أن موسى بن الحسن أخطأ حيث جعل الحديث من حديث شعبة عن أبي الزبير، وأن الصواب أن الحديث من حديث غيره ـ وهو: الدستوائي ـ عن أبي الزبير.
واستدل على وقوع هذا الخطأ بأن " شعبة لا يروي عن أبي الزبير شيئاً "، فغرابة الإسناد دليله على خطأ الراوي الذي جاء به، فلا شأن للانقطاع هاهنا (١) .
مثال آخر:
قال الخليلي أيضاً (٢/٨٠٢-٨٠٣) .
أخبرني أبو بكر بن عبدان الحافظ ـ فيما كتب إلى ـ: حدثنا عبد الله بن شاهين: حدثنا محمد بن يزيد السلمي: حدثنا الحسين بن الوليد: حدثنا أبو حنيفة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة،
قال: قال النبي ﷺ : " من كان مصلياً بعد الجمعة، فليصل بعدها أربعاً ".
قال الخليلي:
" هذا خطأ؛ أخطأ فيه من روى عن الحسين، ولا يعرف لأبي حنيفة عن سهيل ".
فظاهر جداً من كلامه؛ أنه لا يعل الحديث بالانقطاع بين أبي حنيفة
стр. 270
وسهيل، وإن كان استغرب روايته عنه؛ وذلك لقوله: " أخطأ فيه من روى عن الحسين "، فقوله هذا يدل على أن الخطأ عنه ممن دون موضع الانقطاع.
ثم قال الخليلي:
" سمعت أبا علي عبد الرحمن بن محمد النيسابوري يقول: لما سمعت من ابن عبدان " حديث أبي حنيفة عن سهيل "، رجعت إلى البصرة، فقال لي علي بن محمد بن موسى ـ غلام عبيد ـ بالبصرة: يا أبا علي: سمعتَ من ابن عبدان " حديث أبي حنيفة عن سهيل "؟ فقلت: نعم. فتبسم، وقال: قال لي أبو العباس ابن عقدة: إنما وقع هذا الغلط على من روى عن الحسين بن الوليد؛ فلم يلق الحسين أبا حنيفة؛ فهذا لا يُفرح به ".
وهذا في غاية الوضوح.
هذا؛ وقول ابن عقدة: " لم يلق الحسين أبا حنيفة "، مع أن الحسين صرح بالسماع من أبي حنيفة في الحديث، يدل على أنه لم يقصد إعلال الحديث بالانقطاع، بل هو يوهِّم من روى الحديث عن الحسين، ويراه أخطأ في موضعين:
الأول: في روايته الحديث عن أبي حنيفة عن سهيل.
الثاني: في روايته له عن الحسين بن الوليد عن أبي حنيفة.
وقد استدل على وقوع الخطأ في الموضعين، بعدم معرفة الراوي
стр. 271
بالأخذ عن فوقه في الإسناد.
وهذا؛ كمثل صنيع البخاري في المثال الأول، وقد رأيتَ كيف أن ابن عقدة لم يعتد بلفظ السماع المذكور في الإسناد بين الحسين وأبي حنيفة، وأصر على أنه لم يلقه، وهذا ذهاب منه إلى توهيم من ذكر لفظ السماع بينهما، وهو من أدل دليل على أنه لم يقصد إعلال الحديث بالانقطاع، بل بغرابة الإسناد.
مثال آخر:
سأل ابن أبي حاتم أباه (١) :
عن حديث: رواه أبو سعيد الأشج، عن الحسين بن عيسى الحنفي، عن معمر، عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ بالمدينة؛ إذ قال: " الله أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله، وجاء الفتح، وجاء أهل اليمن، قوم قلوبهم لينة، طاعتهم الإيمان، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية "؟
فقال أبو حاتم:
" هذا حديث باطل، ليس له أصل؛ الزهري عن أبي حازم لا يجيء " اهـ.
وهذا الحديث؛ قد أنكره غير أبي حاتم على الحسين هذا، وهو ضعيف، روى أحاديث قليلة، وهي منكرة.
стр. 272
وقد أخرجه: البزار في " مسنده " (٢٨٣٧-كشف) , وقال:
" لا نعلم أسند الزهري عن أبي حازم غير هذا ".
وهذا يؤكد قول أبي حاتم.
وأخرجه أيضاً: ابن عدي في ترجمة الحسين هذا من " الكامل " (٢/٧٦٦) ، وقال:
" وهذا الحديث قد رُوي عن الحسين أيضاً، عن معمر، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابن عباس، وكلا الروايتين عن معمر عن الزهري ـ فسواء: عن عكرمة، أو عن أبي حازم، عن ابن عباس ـ؛ منكر جداً ".
وهذا؛ يؤكد أن الخطأ في الحديث ممن دون الزهري، وهو من الحسين هذا على وجه التحديد، فليس مراد أبي حاتم من قوله إعلال الحديث بالانقطاع.
مثال آخر:
سأل ابن أبي حاتم أباه (١) :
عن حديث: هارون بن إسحاق الهمداني، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن نافع، عن ابن عمر، أن المهاجرين لما أقبلوا من مكة إلى المدينة نزلوا بقباء، فأمهم سالم مولى أبي حذيفة، لأنه كان أكثرهم قرآناً، وفيهم عمر ابن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
стр. 273
فقال أبو حاتم:
" هذا خطأ؛ ليس هذا عبد الملك بن أبي سليمان؛ ولا أعلم روى عبد الملك بن أبي سليمان عن نافع شيئاً؛ إنما هو: عبد الملك بن جريج ".
فأبو حاتم ـ رحمه الله تعالى ـ لا يريد بقوله: " لا أعلم روى عبد الملك بن أبي سليمان عن نافع شيئاً "، أن يعل الحديث بالانقطاع؛ وإلا فلماذا قال: " إنما هو عبد الملك بن جريج "؟!
بل الظاهر؛ أنه إنما يعل الحديث بالقلب، وأن بعض الرواة ممن دون " عبد الملك " أخطأ، فقال " عن عبد الملك بن أبي سليمان "، والصواب: " عبد الملك بن جريج "؛ فأبدل راوياً بنظيره في الإسناد.
واستدل أبو حاتم على وقوع هذا الخطأ؛ بأن هذا الراوي المذكور في الإسناد ـ وهو: عبد الملك بن أبي سليمان ـ لا يعرف بالرواية عن شيخه المذكور في الإسناد ـ وهو: نافع.
فأبو حاتم؛ يستدل على وقوع الخطأ ـ وهو: القلب ـ بعدم العلم بالأخذ، لا أنه يرى الرواية محفوظة عن ابن أبي سليمان، غير أنه يعلها بالانقطاع.
مثال آخر:
سأل ابن أبي حاتم أباه (١) :
عن حديث، رواه أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن
стр. 274
عبد الكريم بن مالك، عن عكرمة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، أنه قال لرجل يسوق بدنة: " اركبها ".
فقال أبو حاتم:
" عكرمة عن أنس؛ ليس له نظام، وهذا حديث لا أدري ما هو؟! "
وهذا واضح.
وقد بين ابن عدي علته، فقال (١) :
" هذا الحديث في الأصل: عن عكرمة: مُرَّ على النبي ﷺ ـ مرسلاً ".
فَذِكرُ " أنس " في الإسناد خطأ، والصواب أن مرسل.
والخطأ من أبي خالد الأحمر، كما يُفهم من صنيع ابن عدي، حيث إنه ذكر هذا في ترجمته في " الكامل ".
مثال آخر:
روى: محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت (٢) أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن بين يدي الساعة سنين خداعة، يُكَذََّب فيه الصادق، ويُصدق فيها الكذاب " ـ الحديث، وفيه: ذكر الرويبضة: الفاسق يتكلم في أمر العامة.
أخرجه: أحمد (٣/٢٢٠) والبزار (٤/١٣٢) .
стр. 275
قال يحيى بن معين (١) :
" لم نسمع عن عبد الله بن دينار عن أنس؛ إلا الحديث الذي يحدث به محمد بن إسحاق " ـ يعني: حديث الرويبضة.
فابن معين ـ عليه رحمة الله ـ لا يريد من قوله هذا إعلال الحديث بالانقطاع بين عبد الله بن دينار وأنس؛ وإنما مراده الاستدلال بغرابة هذا الإسناد على خطأ ابن إسحاق المتفرد به.
ذلك؛ لأن عبد الله بن دينار ثقة حافظ، من المكثرين أصحاباً وحديثاً، فلو كان هذا الحديث من حديثه فعلاً لحدث به أصحابه المختصون به، والملازمون له، ولما تفرد به ابن إسحاق من دونهم، لاسيما والإسناد غريب، وهذا مما تجتمع الهمم على سماعه وروايته، كما سبق.
ولذا؛ لما سأل ابن أبي حاتم (٢) أباه عن هذا الحديث؛ أجابه قائلاً:
" لا أعلم أحداً روى عن عبد الله بن دينار هذا الحديث غير محمد بن إسحاق..... ولو كان صحيحاً لكان قد رواه الثقات عنه " (٣) .
стр. 276
المتابعة.. والمخالفة
مما لا شك فيه، الراوي إذا روى ما يتابعه عليه غيره، فإن هذا يكون أدل على ضبطه لما روى.
أما إذا روى ما يخالفه فيه غيره، فإنه إن كان ممن لا تؤثر فيه المخالفة، لم يضره ذلك، أما إن كان ممن لم يبلغ في الحفظ والإتقان هذه المكانة، كانت المخالفة ـ حينئذ ـ قادحة في روايته، إذا كانت المخالفة ممن تؤثر مخالفته.
وربما جاءت روايات ظاهرة الاتفاق، ثم بعد التتبع والسبر، يتبين أن هذه الروايات ليست متفقة فيما بينها، بل هي مختلفة، فلا يحكم لها حكم الاتفاق، بل حكم الاختلاف.
وذلك؛ فيما إذا رُوي عن راويين حديث واحد، على الاتفاق في الإسناد والمتن معاً، ثم يتبين بعد السبر، أن بعض من دون أحد هذين الراويين أخطأ عليه، حيث روى حديثه مثل رواية الراوي الآخر، والصواب الذي يُعرف عند أصحاب هذا الراوي، أنه يروي الحديث على خلاف رواية الراوي الآخر، في الإسناد أو في المتن، فتبين بذلك أن المتابعة المزعومة معلولة بالمخالفة، وأن هذين الراويين مختلفان فيما بينهما في إسناد الحديث في أو متنه، وليسا متفقين.
وقد يقع ذلك حيث يقرن الراوي بين الراويين في الرواية، فيحمل رواية أحدهما على رواية الآخر على الاتفاق وهماً.
стр. 277
وقد سبق ذكر أمثلة ذلك في " الإقران.. والمخالفة ".
وقد يقع ذلك أيضاً بدون الإقران؛ فلنذكر لذلك مثالاً:
مثال ذلك:
روى: أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ".
أخرجه: مسلم (٤/٣) وأحمد (٣/٣٢٣) .
فهذا الحديث؛ حديث أبي الزبير عن جابر.
لكن؛ روى محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ـ مثله.
أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٩٣٢٢) .
وهذا الإسناد: يوهم أن عمرو بن دينار، إنما يروي الحديث عن جابر، كما يرويه عنه أبو الزبير، وعليه؛ يكون عمرو متابعاً لأبي الزبير.
وليس الأمر كذلك.
بل إن هذا مما أخطأ فيه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار، وهو وإن كان صدوقاً، إلا أنه صاحب أوهام عن عمرو بن دينار.
وقد خالفه جماعة من أصحاب عمرو بن دينار في إسناد هذا الحديث، فقالوا جميعاً:
" عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن عبد الله بن عباس
стр. 278
، عن رسول الله ﷺ ".
فدل ذلك؛ على أن عمرو بن دينار غير موافق في روايته لأبي الزبير عن جابر، وإنما هو يرويه بإسناد آخر يختلف عن إسناد أبي الزبير، فلا متابعة.
وممن رواه عن عمرو بن دينار؛ هكذا:
سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني، وابن جريج، وهشيم بن بشير، وسعيد بن زيد، وأشعث بن سوار.
وقد خرجت أحاديثهم في كتابي " ردع الجاني " (١) ، فراجعه.
مثال آخر:
وقد وقع نحو هذا الخطأ لمحمد بن مسلم الطائفي، في حديث آخر، يرويه أبو الزبير عن جابر أيضاً.
فقد روى: أبو الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق
صدقة.. " ـ الحديث.
أخرجه: مسلم (٣/٦٧) وابن خزيمة (٢٢٩٩) .
فرواه: محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر ـ مثله.
أخرجه: عبد الرزاق (٤/١٤) وأحمد (٣/٢٩٦) وابن ماجه
стр. 279
(١٧٩٤) وعبد بن حميد (١١٠٣) وابن خزيمة (٢٣٠٤)(٢٣٠٥) .
فأوهم ذلك؛ أن عمرو بن دينار متابع لأبي الزبير، في رواية هذا الحديث عن جابر، عن رسول الله ﷺ .
وليس الأمر كذلك !
فقد رواه: عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار، قال: سمعته ـ عن جابر بن عبد الله ـ عن غير واحد، عن جابر بن عبد الله، قال: فذكره موقوفاً عليه؛ غير مرفوع.
أخرجه: عبد الرزاق في "المصنف" (٤/١٣٩) والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/١/٢٢٤) وابن خزيمة (٢٣٠٦) .
وقال البخاري:
"هذا أصح؛ مرسل".
وبهذا؛ يظهر أن عمرو بن دينار مخالف لأبي الزبير في رفع الحديث، وليس موافقاً له، كما زعم ذلك الطائفي عنه.
هذا؛ فضلاً عن أن عمراً لم يسمعه من جابر، كما في رواية ابن جريج، وإنما أخذه عن غير واحد عنه.
ولهذا؛ قال ابن خزيمة:
"هذا الخبر لم يسمعه عمرو بن دينار من جابر".
ثم أسند رواية ابن جريج، ثم قال:
"هذا هو الصحيح، لا رواية محمد بن مسلم الطائفي؛ وابن جريج
стр. 280
أحفظ من عدد مثل محمد بن مسلم".
ولهذا؛ لمَّا تعرض ابن عبد البر لرواية الطائفي هذه، أعلها بقوله (١) :
"انفرد به محمد بن مسلم من بين أصحاب عمرو بن دينار، وما انفرد به فليس بالقوي" (٢) .
وبالله التوفيق.
стр. 281
الشواهد.. والاضطراب
الحافظ المكثر الثبت كالزهري وأمثاله، إذا روى حديثاً بأكثر من إسناد، حمل ذلك على سعة روايته، وكثرة محفوظاته، أما إذا وقع ذلك ممن لم يبلغ في الحفظ والإتقان هذا المنزلة، فإنه حينئذٍ يحمل على اضطرابه وعدم حفظه لإسناد الحديث، لاسيما إذا كان ضعيفاً سيء الحفظ؛ بل إنه ـ حينئذٍ ـ يكون دليلاً على ضعفه وسوء حفظه (١) .
وعليه؛ فإذا جاء راو ضعيف بعدة أسانيد لمتن واحد؛ فإن هذه الأسانيد لا يقوي بعضها بعضاً، بل يعل بعضها بعضاً، وإن كان راويها في الأصل يصلح حديثه للاعتبار، لكن لما اضطرب في إسناد الحديث عرفنا أنه لم يحفظه كما ينبغي.
فإن وجدنا أحداً من الثقات تابعه على وجه من الوجوه التي ذكرها، علمنا أن هذا الوجه هو الصواب، وأن ما عداه مما تفرد به، ولم يتابع عليه، خطأ غير محفوظ.
أما إذا تفرد بكل رواياته لهذا المتن، ولم يتابع على شيء منها، فلا يُقبل ـ حينئذٍ ـ منها شيء، ولا يقوى بعضها ببعض، كما سبق.
مثال ذلك:
حديث: "يطَّلِع الله ﵎ إلى خلقه ليلة النصف من شعبان ... ".
стр. 282
فهذا الحديث؛ قد اضطرب فيه عبد الله بن لهيعة، فرواه بأربعة أسانيد، عن ثلاثة من الصحابة، تفرد بها كلها، ولم يتابع على شيء منها.
١ـ فقال مرة: عن الزبير بن سليم، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي موسى، مرفوعاً.
٢ـ وقال مرة: عن الضحاك بن أيمن، عن الضحاك بن عبد الرحمن ابن عرزب، عن أبي موسى، مرفوعاً.
٣ـ وقال مرة: عن عبد الرحمن بن أنعم، عن عباد بن نسي، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك، مرفوعاً.
٤ ـ وقال مرة: عن حُيَيَّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُلبي، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً.
وهذا؛ من اضطراب بن لهيعة بلا شك، ولا يمكن أن يكون حفظ الحديث بهذه الأسانيد كلها، رغم أنه لم يتابع عليها، مع ما عرف من ضعفه وسوء حفظه.
ولهذا؛ بعد أن بين الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى (١) ـ هذه الأوجه، وعزاها لمخرجيها، قال:
"وهذا مما يدل على ضعف ابن لهيعة، وعدم ضبطه؛ فقد اضطرب في روايته هذا الحديث على وجوه أربعة".
مثال آخر:
حديث: تكبير العيد، وأنه سبع تكبيرات في الركعة الأولى،
стр. 283
وخمس في الآخرة.
فهذا الحديث؛ قد تفرد ابن لهيعة وحده، بروايته بسبعة أسانيد، لا يتابعه عليها ـ ولا بعضها ـ أحد.
١ـ فقال مرة: عن خالد بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة،مرفوعاً.
أخرجه: أبو داود (١١٥٠) وابن ماجه (١٢٨٠) وأحمد (٦/٧٠) والدارقطني (٢/٤٧) والبيهقي (٣/٢٨٧) والطحاوي (٤/٣٤٤) .
٢ـ وقال مرة: عن عقيل، عن ابن شهاب.
فأسقط: "خالد بن يزيد"!
أخرجه: أبو داود (١١٤٩) والحاكم (١/٢٩٨) والدارقطني (٢/٤٦) والبيهقي (٣/٢٨٦-٢٨٧) والطحاوي (٤/٣٤٤) .
٣ـ وقال مرة: عن خالد بن يزيد، عن ابن شهاب.
فأسقط: "عقيلاً".
أخرجه: الدارقطني (٢/٤٧) .
ورواه مرة أخرى بهذا الإسناد، بلفظ آخر، والمعنى واحد.
أخرجه: الدارقطني (٢/٤٦) .
٤ـ وقال مرة: عن يزيد بن أبي حبيب ويونس، عن الزهري.
أخرجه الدارقطني.
٥ـ وقال مرة: عن أبي الأسود، عن عروة، عن أبي واقد الليثي.
стр. 284
ذكره: ابن أبي حاتم في "العلل" (٥٩٨) ، وحكى عن أبيه، أنه قال:
"هذا حديث باطل بهذا الإسناد".
٦ـ وقال مرة: عن أبي الأسود، عن عروة، عن أبي واقد الليثي وعائشة، مرفوعاً.
أخرجه: الطحاوي (٤/٣٤٣) .
٧ـ وقال مرة: عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعاً.
أخرجه: أحمد (٢/٣٥٦-٣٥٧) .
فهذه سبعة أوجه، تفرد بها ابن لهيعة لهذا الحديث الواحد، فهو اضطراب منه.
قال الدارقطني في "العلل" (١) :
"الاضطراب فيه من ابن لهيعة".
وقال الطحاوي:
"حديث ابن لهيعة ـ يعني: هذا ـ بَيِّن الاضطراب".
وقال الترمذي (٢) :
"سألت محمداً ـ يعني: البخاري ـ عن هذا الحديث، فضعفه.
قلت له: رواه غير ابن لهيعة؟ قال: لا أعلمه".
стр. 285
مثال آخر:
حديث: "من قال في دبر صلاة الفجر قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ... " ـ الحديث.
فهذا الحديث؛ رواه سهر بن حوشب، واضطرب فيه:
١ـ فقال مرة: عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، مرفوعاً.
أخرجه: الترمذي (٣٤٧٤) والنسائي في "اليوم والليلة" (١٢٧) والبزار (٢/١٩٦) (١) والخطيب (١٤/٣٤) .
٢ـ وقال مرة: عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل.
أخرجه البزار (٢/٤٧) والنسائي في "اليوم والليلة" (١٢٦) وابن السني أيضاً (١٣٩) والطبراني (٢٠/٦٥) .
٣ـ وقال مرة: عن ابن غنم، عن أبي هريرة.
ذكره: الدارقطني في "العلل" (٦/٤٥-٢٤٨) .
٤ـ وقال مرة: عن أم سلمة، عن النبي ﷺ .
ذكره: الدارقطني أيضاً.
٥ـ وقال مرة: عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ .
ذكره: الدارقطني أيضاً.
قال الدارقطني:
"الاضطراب فيه من شهر".