← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9938

الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات

طارق بن عوض الله

Полный текст (449 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فهذا؛ هو الإسناد الذي يحكم بمقتضاه على هذا المتن، ولا اعتبار بهذا الإسناد الآخر. فانظر؛ إلى دقة نقد أئمة الحديث، ومدى أهمية الكتاب لمعرفة ما إذا كان الحديث محفوظاً أم خطأ، وهذا مما يسلَّم لهم فيه؛ لأن الكتب والأصول ليست في حوزتنا كما كانت في حوزتهم، وقد كان أسهل عليهم أن يعتبروا بحديث عاصم بن هلال هذا، ويجعلوه شاهداً لحديث عمرو بن شعيب، فرحمهم الله تعالى، وجزاهم الله خيراً على سعيهم ونصحهم للأمة. مثال آخر: حديث: محمد بن عبد الرحيم المعروف بـ " صاعقة "، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر، عن ورقاء، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول؛ ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". أخرجه: الطبراني (٤/١٣٧) وابن عدي في "الكامل" (٣/١١٨٩) والدارقطني (١/٦٠) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٢/٣٦٣) (١) . قال الدارقطني في "العلل" (٢) : "لم يحدِّث به ـ فيما أعلم ـ إلا صاعقة". وقد بين الإمام ابن عدي وجه الخطأ في رواية هذا المتن بهذا

стр. 352

الإسناد، فقال بعد أن ذكر بعقبه بهذا الإسناد متن: "من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال، فهو صائم الدهر". قال ابن عدي: "حديث سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب: "من صام رمضان"، فهو مشهور، ومدار هذا الحديث عليه؛ قد حدَّث به عنه: يحيى بن سعيد أخوه، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم من ثقات الناس". قال: "وحديث ورقاء، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة"، فهو غريب؛ غريب هذا المتن بهذا الإسناد؛ لأن بهذا الإسناد لا يُعرف إلا "من صام رمضان"، وفي حديث ورقاء قد جمع بين المتنين "لا تستقبلوا القبلة"، وهو غريب، و "من صام رمضان"، وهو مشهور" اهـ. مثال آخر: حديث: يحيى بن يمان، عن الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود، قال: عطش النبي ﷺ حول الكعبة، فاستسقى، فأتى بنبيذ من السقاية، فشمه، فقطب، فقال: "عَلَيَّ بذنوب من زمزم"، فصب عليه ثم شرب. فقال رجل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا". أخرجه: النسائي (٨/٣٢٥) . وهذا الحديث؛ أنكره أهل العلم على يحيى بن يمان، منهم:

стр. 353

أحمد، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن عدي، وغيرهم (١) . وقالوا: هذا المتن إنما يرويه الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة، عن النبي ﷺ . والكلبي، متروك الحديث. وقد بين وجه الخطأ فيه أبو حاتم الرازي، فقال (٢) : "والذي عندي؛ أن يحيى بن يمان دخل حديث له في حديث: رواه الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود، أنه كان يشرب نبيذ الجر ـ وعن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب، عن النبي ﷺ ، أنه كان يطوف بالبيت ـ الحديث (٣) ؛ فسقط عنه إسناد الكلبي، فجعل إسناد منصور، عن خالد، عن أبي مسعود امتن حديث الكلبي". ونحو ذلك؛ قال الدارقطني في "العلل" (٤) . مثال آخر: حديث: ابن لهيعة، عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلم. فهذا الحديث؛ مما أخرجته له الأرض من أفلاذ أكبادها، فإن هذا

стр. 354

الباب إنما يقوم على موقوفات على الصحابة وبعض التابعين، فقد رُوي ذلك عن عثمان وابن عباس وابن الزبير، ثم عن عمر بن عبد العزيز. ورُوي مرسلاً، من مرسل الشعبي وعطاء (١) . فهذا؛ أعلى ما في الباب، فإذا بابن لهيعة يأبى إلا أن يأتي به مسنداً مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ . والعجب!! أنه جاء له بإسناد كالشمس، فقال: " عن محمد بن المنكدر عن جابر "، ولو كان هذا الحديث من حديث ابن المنكدر، وأنه حدث به فعلاً، لرواه عنه أصحابه العارفون به ـ أو بعضهم على الأقل ـ كالسفيانين وغيرهما.د ولهذا؛ عده ابن عدي من مناكيره في ترجمته من " الكامل " (٢) . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه (٣) ، قال أبو حاتم: " هذه حديث موضوع ". وهذا الحديث؛ قد رواه ضعيف آخر، واسمه: عيسى بن عبد الله الأنصاري، فجاء له بإسناد آخر، فقال: " عن نافع، عن ابن عمر "، وهذا من أنكر شيء يُروى، فلو كان هذا من حديث نافع لما تفرد هذا الضعيف به عنه؛ ولهذا أنكره عليه ابن حبان في " المجروحين " (١/١٢١) وابن عدي

стр. 355

في " الكامل " (٥/١٨٩٣) (١) . وهكذا؛ شأن الضعفاء حيث يخطئون، يأتون بأسانيد غريبة لمتون قد تكون ثابتة بغير هذه الأسانيد، وقد لا تكون معروفة أصلاً إلا من أحاديث الضعفاء؛ ولهذا نجد أهل العلم يضعفونهم مستدلين على ضعفهم بمثل هذه الغرائب والمناكير الإسنادية أو المتنية، أو الإسنادية والمتنية معاً. وبالله التوفيق.

стр. 356

الشواهد.. وحديث في حديث قد تكون لفظة ـ أو جملة ـ معروفة في حديث من رواية صحابي معين، فيأتي بعض من لم يحفظ، فيروي حديثاً آخر، عن صحابي آخر، بإسناد آخر، فيزيد هذه اللفظة ـ أو تلك الجملة ـ فيه، والصواب أنه في الحديث الأول، وليست في الحديث الآخر، وإنما اشتبه ذلك على الراوي. فمن لا يفطن لذلك، يظن أن هذه اللفظة ـ أو تلك الجملة ـ محفوظة بإسنادين، فيجعل أحدهما شاهداً للآخر؛ وليس الأمر كذلك. وهذا خطأ؛ من أنواع الإدراج في المتون، وقد ذكر الحافظ بن حجر له مثالين: قال في " النكت على ابن الصلاح " (١) : " وربما وقع الحكم بالإدراج في حديث، ويكون ذلك اللفظ المدرج ثابتاً من كلام النبي ﷺ ؛ لكن من رواية أخرى. كما في حديث أبي موسى: " إن بين يدي الساعة أياماً، يُرفع فيها العلم، ويظهر فيها الهرج، والهرج القتل ". فصله بعض الحفاظ من الرواة، وبين أن قوله: " والهرج القتل " من

стр. 357

كلام أبي موسى. ومع ذلك؛ فقد ثبت تفسيره بذلك من وجه آخر مرفوعاً في حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة ﵃ " اهـ. قلت: فتلك اللفظة " والهرج القتل "، إنما هي من كلام النبي ﷺ في حديث أبي هريرة خاصة، وليست من كلام النبي ﷺ في حديث أبي موسى، بل هي في حديثه من قول أبي موسى موقوفة عليه، فمن ظن أنها محفوظة عن رسول الله ﷺ ، من حديث الصحابيين عنه، فقد أخطأ. المثال الثاني: قال الحافظ: " ومثل ذلك حديث: " أسبغوا الوضوء "، كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ". يعني: بعد ذلك (١) ، فقد ذكر أن هذه الجملة مدرجة في حديث أبي هريرة، ليست هي في حديثه من كلام النبي ﷺ ، وإنما من قول أبي هريرة نفسه. ثم قال الحافظ. " على أن قوله: " أسبغوا الوضوء "، قد ثبت من كلام النبي ﷺ ، من حديث عبد الله بن عمرو، في " الصحيح " اهـ. يعني " صحيح مسلم " (١/١٤٧ - ١٤٨) .

стр. 358

مثال آخر: وذكر له ابن الصلاح مثالاً آخر، فقال (١) : " مثاله: رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تنافسوا " ـ الحديث. فقوله: " لا تنافسوا "؛ أدرجه ابن أبي مريم من متن حديث آخر، رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فيه " لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا ". والله أعلم " اهـ. مثال آخر: حديث: التلبية في الحج. فقد رُوي عن ابن عمر ﵄، أن تلبية النبي ﷺ : " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". أخرجه: البخاري (٣/٤٠٨) ومسلم (٤/٧) وغيرهما. فهذا حديث ابن عمر، بهذا اللفظ. وروى الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عن عائشة ﵂، أنها قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبي: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك له لبيك، إن الحمد والنعمة لك ".

стр. 359

أخرجه: أيضاً البخاري (٣/٤٠٨) . فهذا؛ لفظ حديث عائشة، ليس فيه ما في حديث ابن عمر من قوله: " والملك لا شريك لك ". لكن؛ روى محمد بن فضيل حديث عائشة هذا، عن الأعمش، فزاد في حديثها تلك الزيادة. أخرجه: أحمد في " المسند " (٦/٣٢) . وهذا: خطأ من محمد بن فضيل، حمل لفظ حديث عائشة على لفظ حديث ابن عمر، والصواب أن حديث عائشة ليس فيه تلك الزيادة. وقد أنكر ذلك عليه الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى. قال أحمد (١) : " وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تُعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر " اهـ. مثال آخر: قال البزار في " مسنده " (١٩٢٥) . حدثنا يوسف بن موسى، قال: نا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله ـ يعين: ابن مسعود ـ، عن النبي ﷺ ، قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ".

стр. 360

قال: وقال رسول الله ﷺ : " حياتي خير لكم، تُحدثون ونُحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تُعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ". وقال البزار: " وهذا الحديث؛ آخره لا نعلمه يُروى عن عبد الله؛ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ". فالجزء الثاني من هذا الحديث، وهو قوله: " حياتي خير لك لكم ... "؛ إنما أدمجه بالجزء الأول ابن أبي رواد، وليس الحديث عند أصحاب سفيان هكذا؛ إنما يَروي أصحاب سفيان بهذا الإسناد الجزء الأول فقط، وأما الجزء الثاني فلا يعرف عن سفيان إلا من هذا الوجه، كما ذكر البزار. وممن روى الجزء الأول عن سفيان: وكيع، وعبد الرزاق، وابن المبارك، وابن نمير، ومعاذ بن معاذ، والفريابي، وغيرهم. أخرجه: النسائي في " السنن " (٣/٤٣) و " اليوم والليلة " (٦٦) وأحمد (١/٣٨٧ - ٤٤١ - ٤٥٢) وعبد الرزاق (٢/٢١٥) وابن حبان (٩١٤) والدارمي (٢/٣١٧) وغيرهم. ورواه: بعضهم، فقرن مع الثوري: الأعمش. أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٠/٢٧١) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢/٢٠٥) .

стр. 361

وأما الجزء الثاني من الحديث: فهو يُروى من أوجه أخرى، عن بكر المزني مرسلاً؛ هكذا يُعرف. وهو مروي عنه من ثلاثة أوجه: الأول: عن غالب القطان، عنه. أخرجه: إسماعيل القاضي في " فضل صلاة النبي ﷺ " (٢٥) وابن سعد في " طبقاته " (٢/٢/٢) . وإسناده؛ صحيح إلى بكر المزني. الثاني: عن كثير أبي الفضل، عنه. أخرجه: القاضي أيضاً (٢٦) . وهذا أيضاً؛ صحيح إليه. الثالث: عن جسر بن فرقد، عنه. أخرج الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (٩٥٧ ـ زوائد) . وهذا؛ ضعيف. فهذا؛ هو أصل الحديث؛ أن الجزء الأول منه هو فقط الذي يُعرف بهذا الإسناد عن ابن مسعود، أما الجزء الثاني، فهو إنما يعرف مرسلاً من مرسل بكر المزني، وأن من أدمجه بالجزء الأول، فهو مخطئ، دخل عليه حديث في حديث. ويرجع الفضل في بيان علة هذا الحديث ـ بعد الله إلى الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، فإنه بين في " السلسلة الضعيفة "

стр. 362

(٩٧٥) طرق الحديث بجزأيه بنحو ما ذكرت، وقال: " فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان، دو آخر الحدي " حيات ... " ثم متابعة الأعمش له على ذلك، مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة؛ لتفرد عبد المجيد بن عبد العزيز بها، لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه، مع أنه من رجال مسلم ... ". ثم قال: " فلعل هذا الحديث ـ يعني الجزء الثاني منه ـ الذي رواه عبد المجيد موصولاً عن ابن مسعود، أصله هذا المرسل عن بكر، أخطأ فيه عبد المجيد فوصله عن ابن مسعود، ملحقاً إياه بحديثه الأول عنه. والله أعلم " (١) مثال آخر " حديث: الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، عن

стр. 363

أبي هريرة ـ وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ـ، عن النبي ﷺ ، قال: " إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: الله؛ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ". أخرجه: مسلم (٢/٩٣) ، عن الأوزعي. فظاهر هذه الرواية؛ أن هذا اللفظ، مروي بإسنادين: الأول: عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . الثاني: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وليس كذلك! بل هذا لفظ حديث حسان بن عطية، عن ابن أبي عائشة خاصة، أما لفظ حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فليس فيه أن الدعاء كان يقوله رسول الله ﷺ في التشهد أو في الصلاة. وهذا لفظه: " كان رسول الله ﷺ يدعوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ". وقد أخرجه البخاري (٣/٢٤١) ومسلم أيضاً (٢ /٩٣ - ٩٤) . ولذا؛ قال الإمام ابن رجب في " شرح البخاري " (١) : " هذا يدل على أن رواية الأوزاعي حُمل فيها حديث يحيى بن أبي سلمة، على لفظ حديث حسان عن ابن أبي عائشة؛ ولعل البخاري لم يخرجه لذلك؛ فإن المعروف ذكر الصلاة في رواية ابن أبي عائشة خاصة، ولم يخرج له البخاري ". مثال آخر: حديث: عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، أن أعرابياً بال في المسجد، فقال ﵇:

стр. 364

" احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوباً من ماء ". قال الإمام الدارقطني (١) : " وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه، عنه، عن يحيى بن سعيد، بدون " الحفر "، وإنما روى ابن عيينة هذا، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، أن النبي ﷺ قال: " احفروا مكانه "؛ مرسلاً " اهـ. قلت: دل ذلك على أن ذكر " الحفر " بهذا الإسناد المتصل خطأ، وإنما هو بذاك الإسناد الآخر المرسل. مثال آخر: ما رواه: محمد بن مصعب القرقساني: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: مر النبي ﷺ بشاة ميتة، قد ألقاها أهلها، فقال: " والذي نفسي بيده! للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها " وهذا الإسناد؛ لا بأس به في الشواهد ـ من حيث الظاهر ـ والمتن صحيح محفوظ عن رسول الله ﷺ من غير هذا الوجه، عن غير هذا الصحابي؛ فقد أخرجه مسلم (٨/٢١٠ - ٢١١) بغير هذا الإسناد، عن جابر بن عبد الله ﵄؛ وأما بهذا الإسناد، فهو خطأ، دخل على محمد بن مصعب هذا حديث في حديث. قال الإمام أحمد (٢) : " هو عندي خطأ ".

стр. 365

ووجه الخطأ: أن هذا المتن؛ إنما يعرف بغير هذا الإسناد، وهذا الإسناد؛ إنما هو لغير هذا المتن، وهو متن شبيه بهذا المتن، فالظاهر أن الراوي ـ وهو محمد بن مصعب هذا ـ دخل عليه حديث في حديث، فلما حدث بالإسناد، وشرع في المتن، انتقل ذهنه إلى المتن الآخر الشبيه به، فذكره، غافلاً عن المتن الحقيقي الذي يُروى بهذا الإسناد. وقد بين ذلك غير واحد من أهل العلم: قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (١) : " هذا خطأ من القرقساني؛ إنما هو: أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة، فقال: " ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ ! ". وكذلك؛ قال ابن حبان، فقد ساق هذا الحديث في ترجمة القرقساني من " المجروحين " (٢) ، وقال: " هذا المتن بهذا الإسناد باطل، إنما الناس رووا هذا الخبر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة، قال: " أولا انتفعتم بإهابها؟ " قالوا: إنها ميتة؟! قال: " إنما حُرم أكلها " اهـ. وهذا؛ مثل قول الرازيين سواء بسواء. وقد وافقه الدارقطني على ذلك في " تعليقاته على المجروحين " (٣)

стр. 366

، وقال: " وهم في متنه محمد بن مصعب ". فقد تبين بهذا؛ أن هذا الإسناد جاء به القرقساني وإن كان مستقيماً في نفسه، إلا أنه لا أصل لهذا المتن به، وإنما هو خطأ منه حيث أقحمه به، والصواب: أنه إسناد المتن الآخر. فالذي يجيء فيجعل هذا الإسناد شاهداً للحديث، فيضمه إلى إسناد مسلم لهذا المتن، يكون قد أغرب جداً، وأتى بشاذ من القول. مثال آخر: حديث: نهى عن ثمن الكلب، إلا كلب الصيد. فهذا المتن؛ رواه حماد بن سلمة بإسنادين: الأول: عن أبي المُهَزَّم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . أخرجه: الترمذي (١٢٨١) . الثاني: عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ . أخرجه: النسائي (٧/ ١٩٠ -٣٠٩) . فالناظر في هذين الإسنادين، يظن من أول وهلة، أن هذا المتن بهذا اللفظ يُحكم عليه بمقتضى هذين الإسنادين. والإسناد الأول فيه أبو المهزم، وهو متروك الحديث، لكن الإسناد الثاني ظاهر الصحة، فيذهب إلى تصحيح الحديث.

стр. 367

وليس الأمر كذلك! فإن اللفظ المذكور؛ إنما هو لحديث أبي المهزم خاصة، عن أبي هريرة. أما حديث جابر؛ فليس فيه هذا الاستثناء المذكور، وهو قوله: " إلا كلب صيد ". ذلك؛ لأن غير حماد بن سلمة روى حديث جابر هذا، عن أبي الزبير، عنه؛ دون ذكر هذا الاستثناء في الحديث. منهم: معقل بن عبيد الله، وابن لهيعة، وعمر بن زيد الصنعاني. أخرجه: مسلم (٥/٣٥) وأحمد (٣/٣٨٦) وابنه في " زوائده " (٣/٢٩٧) وأبو داود (٣٤٨٠) والترمذي (١٨٢٠) وابن ماجه (٢١٦١) وغيرهم. فالظاهر؛ أن حماد بن سلمة حمل لفظ حديث جابر على لفظ حديث أبي هريرة، فأخطأ، وإنما هذا الاستثناء ليس في حديث جابر، بل في حديث أبي هريرة خاصة، وقد علمت أنه من رواية أبي المهزم، وهو ضعيف متروك، ويؤكد ذلك؛ أن الحديثين كانا عند حماد، كما سبق. ولذا؛ قال الإمام النسائي بعقب رواية حماد، لحديث جابر: " ليس هو بصحيح ". وقال في الموضع الثاني: " هذا منكر ".

стр. 368

وقال الترمذي عقبة رواية المهزم: " هذا حديث لا يصح من هذا الوجه، وأبو المهزم، اسمه: يزيد ابن سفيان، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج، وضعفه ". قال: " وقد رُوي عن جابر، عن النبي ﷺ نحو هذا، ولا يصح إسناده أيضاً " (١) هذا؛ وقد ذهب البيهقي (٢) إلى أن إمكانية أن يكون من ذكر الاستثناء في هذا الحديث، إنما أخذه من الأحاديث الأخرى الصحيحة في النهي عن اقتناء الكلب؛ فإن فيها هذا الاستثناء. قال البيهقي: " والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء؛ وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء؛ ولعله شُبِّه على من ذكره في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة، الذين هم دون الصحابة والتابعين. والله أعلم ". مثال آخر: حديث: أن جبريل كان يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي. فهذا؛ جاء من حديث جابر، وأنس، وعائشة، وأم سلمة.

стр. 369

وحديث جابر: عند مسلم (١/١٠٦) ، وحديث عائشة: عند أحمد (٦/١٤٢) ، وكذا حديث أم سلمة (٦/١٤٦) . وهي؛ في ترجمة دحية الكلبي من " طبقات ابن سعد " (٤/١/١٨٤) و " تاريخ دمشق " (١٧/٢١١-٢١٤) . ورُوي أيضاً؛ من مرسل الشعبي، وأبي وائل، ومجاهد، والزهري (١) . لكن؛ وقع في بعض روايات حديث جبريل الطويل في الإسلام والإيمان والإحسان، أن جبريل جاء يومئذ في صورة دحية الكلبي. وهذا خطأ في هذا الحديث على وجه الخصوص. وذلك لأمرين: الأمر الأول: أن أكثر روايات هذه القصة، ليس فيها هذا الوصف لجبريل، فهي زيادة شاذة لا تصح. وبيان ذلك: * جاء هذا الوصف في حديث ابن عمر من طريق: حماد بن سلمة، عن إسحاق بن سويد، عن يحيى بن معمر، عن ابن عمر، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي، فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ ـ حتى ذكر الحديث بتمامه. أخرجه أحمد (٢/١٠٧) وابن سعد (٤/١/١٨٤) ومحمد بن نصر في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٢) وابن عساكر (١٧/٢١٤) .

стр. 370

وهذه الزيادة؛ لم يذكرها في هذا الحديث عن يحيى بن معمر، إلا إسحاق بن سويد، فقد رواه غيره بدونها؛ منهم: سليمان بن بريدة، وعلي بن زيد، والركين بن الربيع، وعطاء الخراساني. أخرج حديثهم: أبو داود (٤٦٩٧) والنسائي في " الكبرى " (١) وأحمد (١/٥٢- ٥٣) ومحمد بن نصر المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٦٨) (٣٦٩) (٣٧٠) (٣٧١) والطبراني في " الشاميين " (٢٤٥١) وأبو نعيم في " الحلية " (٥/٢٠٧ - ٢٠٨) . على أن أصل الحديث؛ لا يصح عن ابن عمر سماعاً له من النبي ﷺ ، وإنما الصحيح المعروف: عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ ، كما قال غير واحد من أهل العلم؛ منهم: مسلم، والترمذي، والنسائي (٢) . * وكذلك جاء هذا الوصف في بعض طرق حديث أبي هريرة. وذلك؛ فيما رواه النسائي (٨/١٠١ - ١٠٣) عن محمد بن قدامة، والمروزي (٣٧٨) عن إسحاق بن راهويه ـ كلاهما ـ من حديث جرير بن عبد الحميد، عن أبي فروة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة وأبي ذر ـ فذكر الحديث، وفي آخره عن النبي ﷺ : " والذي بعث محمداً بالحق هدى وبشيراً، ما كنت بأعلم به من رجل

стр. 371

منكم، وإنه لجبريل ﵇، نزل في صورة دحية الكلبي ". فقوله في هذه الرواية " نزل في صورة دحية الكلبي "؛ زيادة خطأ من قِبل بعض الرواة. فقد رواه: محمد بن سلام البيكندي، وعثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن جرير، عن أبي فروة، به؛ بدونها. أخرجه: البخاري في " خلق أفعال العباد " (٢٥) (١) وأبو داود (٤٦٩٨) . ورواه: إسحاق أيضاً، عن جرير، عن أبي حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة وحده، عن النبي ﷺ ؛ بدونها. أخرجه البخاري في " الصحيح " (٨/٥١٣) والمروزي (٣٧٩) . وكذلك؛رواه: إسماعيل بن علية، عن أبي حيان؛ بدونها. أخرجه: البخاري (١/١١٤) ومسلم (١/٣٠) وابن ماجه (٦٤) (٤٠٤٤) وأحمد (٢/٤٢٦) وابن خزيمة (٤/٥) . وأيضاً؛ محمد بن بشر، عن أبي حيان. أخرجه مسلم وابن خزيمة. وأيضاً؛ أبو أسامة حماد بن أسامة. أخرجه: ابن خزيمة. وكذلك؛ رواه عماد بن القعقاع، عن أبي زرعة؛ بدونها.

стр. 372

أخرجه: مسلم والمروزي (٣٨٠) . وكل ذلك؛ يدل على أن هذه الزيادة في حديث جبريل هذا، خطأ من قبل بعض الرواة، حيث أدرجها فيه، وإنما هي ثابتة صحيحة، ولكن في غير هذا الحديث. الأمر الثاني: أن روايات هذه القصة الصحيحة دلت على أن جبريل لم يعرفه رسول الله ﷺ ، ولا أصحابه ﵃، إلا بعد أن انصرف. ففي حديث عمر: " بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد ... ". فلو كان في صورة دحية الكلبي، لظنوه هو؛ لأن دحية الكلبي معروف لديهم. وفي آخره: " ثم قال لي يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم ... " ولهذا؛ قال الحافظ بن حجر (١) : " دلت الروايات التي ذكرناها، على أن النبي ﷺ ، ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة،

стр. 373

لكنه غير معروف لديهم. وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث: " وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي "؛ فإن قوله " نزل في صورة دحية الكلبي "، وهم؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر: " ما يعرف منا أحد. وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في " كتاب الإيمان " له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: " فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم "، حسب، وهذه الرواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات " (١) . وبالله التوفيق.

стр. 374

شاهد اللفظ.. وشاهد المعنى مما لا شك فيه؛ أن الشاهد إذا كان لفظه مثل لفظ المشهود له، يكون أقوى في الشهادة مما لو وافقه في المعنى فقط، دون اللفظ. فكثيراً؛ ما يكون الشاهد أخص من المشهود له، بينما الموافقة في اللفظ يؤمن معها ذلك. ومما ينبغي أن يتنبه له هنا: أنه قد يكون حديثان في الباب، يتفقان في المعنى دون اللفظ، فيأتي بعض من لم يحفظ الحديث على وجهه، فيروي أحد الحديثين بإسناد الحديث الآخر، فيظهر لمن لا يفطن لذلك، وكأن الحديثين يتفقان في اللفظ أيضاً. مثال ذلك: حديث: أبي عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". هذا الحديث؛ أخرجه: البخاري (١٣/٥٠١) ؛ وانتُقد عليه. قال الدارقطني (١) : "هذا يقال: إن أبا عاصم وهم فيه. والصواب: ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير

стр. 375

ومحمد بن عمرو وغيرهم، عن أبي سلمة، هن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "ما أذن الله لشيء إذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به"؛ وقول أبي عاصم وهم. وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو بن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم، عن الزهري، بخلاف ما رواه أبو عاصم، عن ابن جريج باللفظ الذي قدمنا ذكره. وإنما روى ابن جريج هذا اللفظ الذي ذكره أبو عاصم عنه، بإسناد آخر؛ رواه عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد؛ قاله ابن عيينة عنه" اهـ. وقال الخطيب (١) : "روى هذا الحديث: عبد الرزاق بن همام وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وحده (٢) ، وكذلك رواه الأوزاعي، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، وعقيل بن خالد، ويونس بن زيد، وعبيد الله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والوليد بن محمد الموقري، عن الزهري؛ واتفقوا كلهم ـ وابن جريج منهم ـ على أن لفظه: "ما أذن الله لسيء ما أذن انبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن".

стр. 376

قال: "وأما المتن الذي ذكره أبو عاصم؛ فإنما يُروى عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ " اهـ. وقال أبو علي النيسابوري (١) : "قول أبي عاصم فيه: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، وهم من أبي عاصم؛ لكثرة من رواه عنه هكذا". وقد أخطأ أبو أمية الطرسوسي فيه خطأ آخر عن أبي عاصم؛ إلا أنه في الإسناد، وقد تقدم في موضعه (٢) . مثال آخر حديث: رواه: الحسين بن عيسى البسامي، عن علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسب المال، والكرم التقوى". أخرجه: القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٠) . وهذا اللفظ؛ ليس يُعرف بهذا الإسناد، وإنما الذي يُعرف بهذا الإسناد لفظه: "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال". هكذا يرويه؛ غير واحد، عن الحسين بن واقد. أخرجه: النسائي (٦/٦٤) وأحمد (٥/٣٥٣-٣٦١) وابن حبان

стр. 377

(٦٩٩) (٧٠٠) والحاكم (٢/١٦٣) والدارقطني (٣/٣٠٤) والبيهقي (٧/١٣٥) والخطيب (١/٣١٨) والقضاعي (٩٨٢) . وأما اللفظ الأول؛ فهو يعرف بإسناد آخر، يرويه: سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ . أخرجه: الترمذي (٣٢٧١) وابن ماجه (٤٢١٩) وأحمد (٥/١٠) والحاكم (٢/١٦٣) (٤/٤٢٥) والدارقطني (٣/٣٠٢) والبيهقي (٧/١٣٥-١٣٦) والطبراني (٧/٢١٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/١٩٠) والبغوي في "شرح السنة" (١٣/١٢٥) وابن الجوزي في "الواهيات" (١٠٠٢) . قلت: فالظاهر، أن بعض الرواة دخل عليه لفظ حديث سمرة في الباب في لفظ هذا الحديث. والله أعلم. ولعل ذلك؛ من الحسين بن عيسى هذا، أو من أحد ممن دونه. فقد رواه: الإمام أحمد (٥/٣٦١) عن علي بن الحسن بن شقيق؛ بالإسناد، بلفظ حديث بريدة على الصواب، وليس بلفظ حديث سمرة، كما وقع عند القضاعي. والحسين هذا؛ لم أعرفه؛ اللهم أن يكون "البسامي" مصحفاً من "البسطامي"، فإن كان كذلك، فهو صدوق، كما قال أبو حاتم، وأدخله ابن حبان في "الثقات". ومهما يكن من أمر؛ فإنه لا يقارن بأحمد بن حنبل في تثبته وإتقانه، فكيف إذا كان الحديث مشهوراً عن بريدة باللفظ الآخر، وليس باللفظ الذي جاء به الحسين هذا؟ ! وقد يكون الخطأ ممن دون الحسين.

стр. 378

وبهذا؛ يعلم خطأ المعلق على "مسند الشهاب"، حيث اعتبر الحديث بلفظه الأول محفوظاً بالإسنادين، فجعل أحدهما شاهداً باللفظ الثاني (١) . مثال آخر: قال ابن أبي حاتم (٢) : "سألت أبي عن حديث؛ رواه: قبيصة، عن الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "أوصي امرءاً بأمه"؟ قال أبي: هذا خطأ ـ يعني: أنه غلط في المتن ـ، يريد: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وأبواي يبكيان. وإنما روى ذلك الحديث "أوصي امرءاً بأمه": سفيان، عن منصور، عن عبيد الله بن علي، عن خداش أبي سلامة، عن النبي ﷺ . قال أبي: فهذا الذي أراد قبيصة؛ دخل له حديث في حديث" (٣) اهـ. مثال آخر: حديث: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب". فهذا الحديث؛ قد رواه بعضهم بإسناد حديث: "نهى عن بيع الولاء وعن هبته".

стр. 379

فقال: "عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر". وإنما الصواب: أن هذا الإسناد إسناد حديث "نهى عن بيع الولاء وعن هبته"، وأما حديث "الولاء لحمة.."، فهو يعرف بغير هذا الإسناد، عن الحسن البصري مرسلاً. وقد أشار إلى ذلك أبو زرعة الرازي ـ كما في "العلل" (١٦٤٥) ـ وابن عدي في "الكامل" (٦/٢٠٣٦-٢٠٣٧) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/٢٩٢-٢٩٣) و "معرفة السنن والآثار" (٧/٥٠٧) (١) . مثال آخر: حديث: محمد بن محمد بن حيان التمار، عن أبي الوليد الطيالسي، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: " ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه ". قال الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص ٥٩) : " هذا إسناد تداوله الأئمة الثقات، وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: " ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة قط، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فينتقم لله بها ". ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه، من هو؟ فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري، على أنه صدوق مقبول ".

стр. 380

مثال آخر: حديث: شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ: " المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة.. ". أخرجه: ابن عدي (٤/١٤٢٧) ؛ وقال: " هذا ـ بهذا اللفظ ـ؛ لا يُروى إلا عن شريك، من رواية يحيى بن إسحاق عنه؛ وإنما رواه الناس: عن الأعمش، بلفظ آخر، وهو: " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن " اهـ. قلت: واللفظ الأول؛ إنما يعرف بإسناد آخر، عن علي بن أبي طالب، موقوفاً عليه، غير مرفوع. أخرجه: الطحاوي في " المشكل " (٥/٤٤١) والبيهقي (٢/١٩) ، من طريق: شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي. ثم قال البيهقي: " ورُوي عن شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ؛ وليس بمحفوظ " (١)

стр. 381

الشواهد.. المُعَلَّة قد يُحتاج شاهد لحديث، فيوجد ذلك الشاهد في حديث، إلا أن موضع الشاهد في هذا الحديث مما وقع الاختلاف في ذكره بين الرواة، والراجح عدم ذكره في الحديث، فيكون موضع الشاهد ـ حينئذ ـ معلولاً غير محفوظ، فلا يصلح ـ حينئذ ـ للاستشهاد به للحديث الأول. مثال ذلك: روى: بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد، أتاه، فقال يا رسول الله! إني زنيت، فرده الثانية ـ الحديث، وفيه: " فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم ". فذك " الحفر " في قصة ماعز هذه خطأ من بشير بن المهاجر، أنكره عليه عدد من أهل العلم. راجع: كتابي " ردع الجاني " (ص ٩٣ - ١٧٧) . فذهب ذاهب إلى البحث عن شاهد للحفر للمرجوم، ليدفع به الخطأ عن بشير بن المهاجر، فساق عدة شواهد فيها ذكر الحفر للمرجوم، منها: ما أخرجه: أبو داود (٤٤٣٥) والنسائي في " الكبرى " وأحمد

стр. 382

(٣/٤٧٩) من طريق حَرَمي بن حفص، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، ثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، أن خالد بن اللجلاج حدثه، أن اللجلاج أباه أخبره. أنه كان قاعداً يعتمل في السوق، فمرة امرأة تحمل صبياً، فثار الناس معها، وثرتُ فيمن ثار، فانتهيت إلى النبي ﷺ وهو يقول: " من أبو هذا معك؟ " فسكتت، فقال شاب: خذوها؛ أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها، فقال: " من أبو هذا معك؟ " قال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله ﷺ إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيراً. فقال النبي ﷺ : " أُحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به فرجم. قال: فخرجنا فحفرنا له حتى أمكنا، ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ، فجاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي ﷺ ، فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث! فقال ﷺ : " لهو أطيب عند الله من ريح المسك "، فإذا هو أبوه، فأعناه على غُسله وتكفينه ودفنه. فهذه القصة ـ كما ترى ـ؛ فيها ذكر الحفر، فهل هي تصلح كشاهد لحديث بشير بن المهاجر في الحفر للمرجوم؟ إذا نظرنا؛ وجدنا أن محمد بن علاثة قد خُولف في هذا الحديث في إسناده، وفي متنه أيضاً. فقد رواه: محمد بن عبد الله الشعيثي، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن خالد بن اللجلاج، عن أبيه، قال: كنا غلماناً نعمل في السوق، فأمر النبي ﷺ برجل فرجم، فجاء

стр. 383

رجل يسألنا أن ندله على مكانه، فأتينا به النبي ﷺ ، فقلنا: إن هذا سألنا عن ذلك الخبيث الذي رُجم اليوم! فقال رسول الله ﷺ : " لا تقولوا خبيث؛ فوالله لهو أطيب عند الله من ريح المسك ". أخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " (٤/١/٢٥٠) وأبو داود (٤٤٣٦) ـ عقب حديث ابن علاثة، إلا أنه أشار إلى المتن ولم يسقْه ـ وكذا؛ أخرجه الطبراني (١٩/٢٢٠) وابن عساكر (١٦/٤٤١- ٤٤٢) من طرق، عن الشعيثي، به. فإذا نظرنا في الحديثين؛ فسنجد اختلافاً في الإسناد والمتن. فأما الإسناد؛ فقد ذكر الشعيثي: " مسلمة بن عبد الله الجهني " بدلاً من " عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز "، الذي ذكره ابن علاثة. وهذا أرجح؛ لأمور: الأول: أن الشعيثي أوثق من ابن علاثة (١) . الثاني: قال أبو زرعة الدمشقي في " تاريخ " (١/٣٦١) بعد أن تكلم عن " مسلمة " هذا: " و [مسلمة] هذا، هو صاحب حديث خالد بن اللجلاج؛ حديث أبيه في الرجم ". وهذا؛ يدل على أن الحديث معروف من حديث مسلمة، فالحديث حديثه، ليس حديث غيره. الثالث: أن الإمام أبا نعيم الأصبهاني روى حديث ابن علاثة في ترجمة

стр. 384

اللجلاج من كتابه " معرفة الصحابة " (٣ / ١٦٩ / ٢) ، ثم قال: " غريب من حديث عبد العزيز؛ تفرد به ابن علاثة ". ثم ذكره من طرق، عن الشعيثي، عن مسلمة، به. وصنيعة هذا؛ يدل على أنه خطأ ابن علاثة في روايته، وأن رواية الشعيثي هي المقدَّمة عنده، لأنه حكم على حديث " عبد العزيز " بالغرابة، ثم علل ذلك بكون ابن علاثة تفرد به، فكأنه يقول: إن ذكر " عبد العزيز " في هذا الحديث غير محفوظ. ثم إن ذكره رواية الشعيثي بعقب هذا، كالنص على أن هذه الرواية هي المحفوظة عنده، لا ما قاله ابن علاثة. وبعد أن عاد الحديث إلى حديث " مسلمة "، فاعلم؛ أن مسلمة هذا مجهول الحال، وعلىفرض ثقته، فلا يصلح حديثه هذا كشاهد لحديث بشير بن المهاجر؛ للآتي: وأما المتن؛ فليس في رواية الشعيثي ذكر للحفر، الذي ذكره ابن علاثة في حديثه، وعليه؛ يكون ذكر الحفر في حديث اللجلاج هذا خطأ من ابن علاثة، فلا يصلح شاهداً لحديث بشير بن المهاجر. وبالله التوفيق. ومما يؤكد نكارة ذكر الحفر في قصة ماعز، أن أبا سعيد الخدري قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نرجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له، فرميناه بالعظم والمدر والخزف، فاشتد واشتددنا

стр. 385

خلفه، حتى أتى عُرْضَ الحرة، فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة (يعني الحجارة) حتى سكت ... ". أخرجه: مسلم (٥/١١٨) . ***

стр. 386

الشواهد.. القاصرة لا يشهد حديث لآخر، إلا في القدر الذي اشترك فيه الحديثان، لفظاً أو معنى، أما إذا كان الشاهد قاصراً على المشهود له، فلا يكون شاهداً له فيما لم يشتركا فيه من اللفظ أو المعنى. وهذا؛ أمر بدهي، لا يخفى على أهل اليقظة، لكن أذكر مثالاً أو أكثر مما خفي على البعض. مثال ذلك: حديث: أبي سعيد الخدري مرفوعاً: " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ينشر سرها ". فهذا الحديث؛ مما تفرد به عمر بن حمزة العمري، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي سعيد. وقال الذهبي (١) : " هذا مما استُنكر لعمر ". فذهب ذاهب إلى رد النكارة، بأن جاء للحديث بشواهد تشهد له؛ ولكنها شواهد قاصرة عن المشهود له. فها هي الشواهد فلننظر فيها.

стр. 387

الشاهد الأول: عن أبي نضرة: حدثني شيخ من طفاوة، قال: تثوَّيْتُ أبا هريرة بالمدينة ... وفيه: فقال رسول الله ﷺ : " هل منك الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره، واستتر بستر الله؟ " قالوا نعم. قال: " ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا؟ " قال فسكتوا. قال فأقبل على النساء، فقال: " هل منكن من تحدث؟ " فسكتن، فجثت فتاة على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله ﷺ ؛ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله؛ إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثنه. فقال: " هل تدرون ما مثل ذلك؟ " فقال: " إنما ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة، فقضى منها حاجته، والناس ينظرون.. ". أخرجه: أبو داود (٢١٧٤) وأحمد (٢/٥٤٠) . الشاهد الثاني: عن أسماء بنت زيد، أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، والرجال والنساء قعود، فقال: " لعل رجلاً يقول ما يفعله بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟! " فأرَمَّ القوم: فقلت إي والله يا رسول الله! إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون. قال: " فلا تفعلوا؛ فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون ". أخرجه: أحمد (٦/٤٥٦-٤٥٧) . الشاهد الثاني: عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: " ألا يخشى أحدكم أن يخلو

стр. 388

بأهله، يُغلق باباً، ثم يرخي ستراً، ثم يقضي حاجته، ثم إذا خرج حدث أصحابه بذلك؟! ألا تخشى إحداكن أن تغلق بابها، وترخي سترها، فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها؟! " فقالت امرأة سفعاء الخدين: والله! يا رسول الله، إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون. قال: " فلا تفعلوا؛ فإنما مثل ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة على قارعة الطريق، فقضى حاجته منها، ثم انصرف وتركها ". أخرجه البزار (١٤٥٠ ـ كشف الأستار) . فهذه الشواهد؛ قاصرة عن المشهود له، فإنها وإن اشتركت معه في قُبح هذا الفعل، وذم من يفعله، إلا أنها ليس فيها ما فيه من أن الذي يفعل ذلك الفعل يكون " من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ". فعدم وجود شاهد لهذه الزيادة، مما يدل على نكارتها؛ لتفرد عمر ابن حمزة بها ـ على ضعفه ـ، وعدم موافقة أحد من الثقات له عليها، وأصحاب سالم ـ شيخه في هذا الحديث ـ الثقات كثيرون، ولا يحفظه إلا من هو دونهم بكثير، حتى هذا الذي تفرد به، ليس له في سنة رسول الله ﷺ ما يوافقه في معناه، وما جاء في السنة ليس فيه هذا القدر الذي تفرد به، مما يدل على نكارته فعالاً، وعلى صحة إنكار الإمام الذهبي لحديثه ذلك. وبالله التوفيق (١)

стр. 389

التدليس.. والسماع ومن طرق الاعتبار، والتي يتسامح في أسانيدها البعض، هو أن يكون الحديث معروفاً من رواية راوٍ معروف بالتدليس، وقد رواه بالعنعنة، فإن هذا يقتضي التوقف في روايته، وعدم الاحتجاج بها حتى يصرح بالسماع. فيأتي بعض الضعفاء ممن لم يحفظ الإسناد على وجهه، فيذكر في الإسناد لفظ السماع بين ذاك المدلس وشيخه. فيجيء بعض الباحثين، فيعتمد على هذه الرواية، لإثبات سماع هذا المدلس لهذا الحديث من ذاك الشيخ، ويدفع عنه ـ بمقتضاها ـ شبهة تدليسه لحديثه هذا. وهذا ليس بشيء! ذلك؛ لأن لفظ السماع لم يذكر إلا في هذه الرواية التي تفرد بها ذاك الضعيف، فهو متفرد بتلك الزيادة ـ أعني بالزيادة: لفظ السماع. فأولاً: هي زيادة ضعيفة؛ لتفرد ذلك الضعيف بها. فمن يثبت بمقتضاها السماع ويدفع التدليس، فهو بذلك يحتج بالضعيف. ثانياً: هي زيادة منكرة؛ وذلك من وجهين:

стр. 390

الأول: تفرد الضعيف بها. الثاني: مخالفته لغيره ممن لم يذكروها. فالذي يحتج بمثل هذا لإثبات السماع، فهو محتج بالمنكر؛ مخالفاً بذلك الأصول العلمية المتقررة. وليس هذا من باب الاستشهاد حتى يتسامح في إسناده، بل من باب الاحتجاج؛ لأن لفظ السماع لم يجيء إلا في تلك الرواية التي جاء بها ذاك الضعيف. وأئمة الحديث ـ عليهم رحمة الله ـ عندما يريدون أن يتحققوا من سماع راو من شيخه في حديث معين؛ ينظرون: هل صرح ذلك الراوي بالسماع من ذاك الشيخ في هذا الحديث؛ أم لا؟ فإن وجدوا تصريحاً بالسماع منه، لم يعتدوا به، إلا بعد التحقق من عدة أمور: ** الأمر الأول: صحة الإسناد إلى هذا الراوي الذي يريدون التحقق من سماعه هذا الحديث من شيخه. وهذا شرط واضح لا خفاء به، ولا تخفى ضرورته وأهميته؛ فإن الإسناد الضعيف لا تقوم به الحجة لإثبات الرواية، فكيف بإثبات السماع، الذي هو أخص من مجرد الرواية؟!
следующие страницы →