الشواهد.. القاصرة
لا يشهد حديث لآخر، إلا في القدر الذي اشترك فيه الحديثان، لفظاً أو معنى، أما إذا كان الشاهد قاصراً على المشهود له، فلا يكون شاهداً له فيما لم يشتركا فيه من اللفظ أو المعنى.
وهذا؛ أمر بدهي، لا يخفى على أهل اليقظة، لكن أذكر مثالاً أو أكثر مما خفي على البعض.
مثال ذلك:
حديث: أبي سعيد الخدري مرفوعاً:
" إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ينشر سرها ".
فهذا الحديث؛ مما تفرد به عمر بن حمزة العمري، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي سعيد.
وقال الذهبي (١) :
" هذا مما استُنكر لعمر ".
فذهب ذاهب إلى رد النكارة، بأن جاء للحديث بشواهد تشهد له؛ ولكنها شواهد قاصرة عن
المشهود له.
فها هي الشواهد فلننظر فيها.
стр. 387
الشاهد الأول:
عن أبي نضرة: حدثني شيخ من طفاوة، قال: تثوَّيْتُ أبا هريرة بالمدينة ... وفيه: فقال رسول الله ﷺ :
" هل منك الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره، واستتر بستر الله؟ " قالوا نعم. قال: " ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا؟ " قال فسكتوا. قال فأقبل على النساء، فقال: " هل منكن من تحدث؟ " فسكتن، فجثت فتاة على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله ﷺ ؛ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله؛ إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثنه. فقال: " هل تدرون ما مثل ذلك؟ " فقال: " إنما ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة، فقضى منها حاجته، والناس ينظرون..
".
أخرجه: أبو داود (٢١٧٤) وأحمد (٢/٥٤٠) .
الشاهد الثاني:
عن أسماء بنت زيد، أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، والرجال والنساء قعود، فقال: " لعل رجلاً يقول ما يفعله بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟! " فأرَمَّ القوم: فقلت إي والله يا رسول الله! إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون. قال: " فلا تفعلوا؛ فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون ".
أخرجه: أحمد (٦/٤٥٦-٤٥٧) .
الشاهد الثاني:
عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: " ألا يخشى أحدكم أن يخلو
стр. 388
بأهله، يُغلق باباً، ثم يرخي ستراً، ثم يقضي حاجته، ثم إذا خرج حدث أصحابه بذلك؟! ألا تخشى إحداكن أن تغلق بابها، وترخي سترها، فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها؟! " فقالت امرأة سفعاء الخدين: والله! يا رسول الله، إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون. قال: " فلا تفعلوا؛ فإنما مثل ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة على قارعة الطريق، فقضى حاجته منها، ثم انصرف وتركها ".
أخرجه البزار (١٤٥٠ ـ كشف الأستار) .
فهذه الشواهد؛ قاصرة عن المشهود له، فإنها وإن اشتركت معه في قُبح هذا الفعل، وذم من يفعله، إلا أنها ليس فيها ما فيه من أن الذي يفعل ذلك الفعل يكون " من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ".
فعدم وجود شاهد لهذه الزيادة، مما يدل على نكارتها؛ لتفرد عمر ابن حمزة بها ـ على ضعفه ـ، وعدم موافقة أحد من الثقات له عليها، وأصحاب سالم ـ شيخه في هذا الحديث ـ الثقات كثيرون، ولا يحفظه إلا من هو دونهم بكثير، حتى هذا الذي تفرد به، ليس له في سنة رسول الله ﷺ ما يوافقه في معناه،
وما جاء في السنة ليس فيه هذا القدر الذي تفرد به، مما يدل على نكارته فعالاً، وعلى صحة إنكار الإمام الذهبي لحديثه ذلك.
وبالله التوفيق (١)
стр. 389
التدليس.. والسماع
ومن طرق الاعتبار، والتي يتسامح في أسانيدها البعض، هو أن يكون الحديث معروفاً من رواية راوٍ معروف بالتدليس، وقد رواه بالعنعنة، فإن هذا يقتضي التوقف في روايته، وعدم الاحتجاج بها حتى يصرح بالسماع.
فيأتي بعض الضعفاء ممن لم يحفظ الإسناد على وجهه، فيذكر في الإسناد لفظ السماع بين ذاك المدلس وشيخه.
فيجيء بعض الباحثين، فيعتمد على هذه الرواية، لإثبات سماع هذا المدلس لهذا الحديث من ذاك الشيخ، ويدفع عنه ـ بمقتضاها ـ شبهة تدليسه لحديثه هذا.
وهذا ليس بشيء!
ذلك؛ لأن لفظ السماع لم يذكر إلا في هذه الرواية التي تفرد بها ذاك الضعيف، فهو متفرد بتلك الزيادة ـ أعني بالزيادة: لفظ السماع.
فأولاً:
هي زيادة ضعيفة؛ لتفرد ذلك الضعيف بها.
فمن يثبت بمقتضاها السماع ويدفع التدليس، فهو بذلك يحتج بالضعيف.
ثانياً:
هي زيادة منكرة؛ وذلك من وجهين:
стр. 390
الأول: تفرد الضعيف بها.
الثاني: مخالفته لغيره ممن لم يذكروها.
فالذي يحتج بمثل هذا لإثبات السماع، فهو محتج بالمنكر؛ مخالفاً بذلك الأصول العلمية المتقررة.
وليس هذا من باب الاستشهاد حتى يتسامح في إسناده، بل من باب الاحتجاج؛ لأن لفظ السماع لم يجيء إلا في تلك الرواية التي جاء بها ذاك الضعيف.
وأئمة الحديث ـ عليهم رحمة الله ـ عندما يريدون أن يتحققوا من سماع راو من شيخه في حديث معين؛ ينظرون:
هل صرح ذلك الراوي بالسماع من ذاك الشيخ في هذا الحديث؛ أم لا؟
فإن وجدوا تصريحاً بالسماع منه، لم يعتدوا به، إلا بعد التحقق من عدة أمور:
** الأمر الأول:
صحة الإسناد إلى هذا الراوي الذي يريدون التحقق من سماعه هذا الحديث من شيخه.
وهذا شرط واضح لا خفاء به، ولا تخفى ضرورته وأهميته؛ فإن الإسناد الضعيف لا تقوم به الحجة لإثبات الرواية، فكيف بإثبات السماع، الذي هو أخص من مجرد الرواية؟!
стр. 391
روى ابن أبي حاتم (١) ، عن أبيه، أنه قال:
" سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي ﷺ ؟
فقال: سمع من أنس بن مالك.
فقلت له: سمع من أبي هند الداري؟
فقال: من رواه؟
قلت: حيوة بن شريح، عن أبي صخر، عن مكحول، أنه سمع أبا هند الداري يقول: سمعت النبي ﷺ .
فكأنه لم يلتفت إلى ذلك.
فقلت له: واثلة بن الأسقع؟
فقال: من؟
قلت: حدثنا أبو صالح كاتب الليث: حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث،
عن مكحول، قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع.
فقلت: كأنه أومأ برأسه، كأنه قبل ذلك " اهـ.
فانظر إلى أبي مسهر؛ كيف أن حكمه بإثبات السماع ونفيه ينبني على إسناد الرواية التي جاء فيها ذكر السماع، فليس كل ما جاء فيه لفظ السماع يقبله، حتى يكون إسناده صالحاً للاحتجاج به على ذلك.
وأحمد بن صالح المصري؛ له موقف مثل هذا الموقف، يدل على
стр. 392
اعتماد الأئمة في إثبات السماع على صحة الإسناد إلى المصرح.
قال أبو زرعة الدمشقي في " تاريخ " (١) :
" وسمعت أبا مسهر يُسأل عن مكحول: هل لقي أحداً من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: لم يلق منهم أحداً؛ غير أنس بن مالك.
فقلت له: إنهم يزعمون أنه لقي أبا هند الداري؟
فقال: ما أدري.
قال أبو زرعة: فذكرت كلام أبي مسهر هذا لأحمد بن صالح ـ مقدمه دمشق سنة سبعة عشرة ومائتين، وهو يومئذ باق (٢) ـ، فحدثني عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع " اهـ.
قلت: وهذا ظاهر.
وكأن سؤال أبي حاتم السابق كان بعد سؤال أبي زرعة هذا؛ لأن أبا مسهر نفى هنا أن يكون مكحول لقي غير أنس؛ وهناك رضي أن يكون قد سمع من واثلة؛ لمقتضى نفس الرواية التي احتج بها أحمد بن صالح.
لكن؛ قد يعكر على هذا:
قول أبي حاتم (٣) :
" سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي
стр. 393
- ﷺ " قال: ما صح عندنا؛ إلا أنس بن مالك.
قلت: واثلة؟ فأنكره ".
كذا قال أبو حاتم هنا، مع أن أبا حاتم فهم من أبي مسهر هناك، أنه رضي وقبل أن يكون مكحول سمع من واثلة.
فقد يقال: هذا من اختلاف الاجتهاد.
والأقرب: أنه لا منافاة أبداً؛ فكأنه قَبِلَ في المرة الأولى صحة الرواية؛ لصحة إسنادها، وهنا لم يقبلها، لا لطعن في إسنادها وثبوتها، وإنما لعدم دلالتها على السماع، لأن غاية ما تدل عليه هو مجرد ثبوت اللقاء بينهما، ودخول مكحول على واثلة، وهذا لا يستلزم السماع منه كما لا يخفى.
وكثيراً ما يصرح الأئمة بلقاء راوٍ بشيخه، ثم يصرحون بأنه لم يسمع منه.
كما قال أبو حاتم (١) في إبراهيم النخعي:
" لم يلق أحداً من أصحاب النبي ﷺ ، إلا عائشة؛ ولم يسمع منها شيئاً؛ فإنه دخل عليها وهو صغير ".
فأثبت له لقاءه بعائشة ﵂، ولم يثبت له السماع منها.
وهذا؛ أمثلته كثيرة.
وهذا؛ ما فهمه أبو حاتم هاهنا، فكان إذا سُئل نفس سؤاله لأبي
стр. 394
مسهر، أثبت مجرد الدخول، ونفى السماع.
قال ابن أبو حاتم (١) :
" سمعت أبي يقول: لم يسمع مكحول من واثلة بن الأسقع ".
وقال أيضاً (٢) :
" سمعت أبي يقول: مكحول لم يسمع من معاوية، ودخل على واثلة بن الأسقع ".
وبهذا؛ يظهر لنا: أن الأئمة ـ عليهم رحمة الله ـ وإن اختلفوا في إثبات سماعه ونفيه، إلا أن المثبت منهم والنافي، إنما يعتمد في إثبات السماع أو نفيه، على صحة الإسناد أو عدمه؛ وهذا محل الشاهد من هذا الاستطراد.
وبالله التوفيق.
ومن ذلك:
حكى ابن أبي حاتم (٣) ، عن أبيه، أنه قال في " سلامة بن قيصر الحضرمي ":
" ليس حديثه بشيء من وجه يصح ذكر صحبته ".
قال ابن أبي حاتم:
" وذلك؛ أنه روى ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن لهيعة بن
стр. 395
عقبة، عن عمرو بن ربيعة، عن سلامة بن قيصر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من صام يوماً ابتغاء وجه الله ... "؛ ليس هذا الإسناد مشهوراً، قال أبو زرعة: سلامة بن قيصر ليست له صحبة ... ".
وقال أيضاً:
" سألت أبي عن حديث؛ رواه: الحكم بن هشام، قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن أبان القرشي، عن أبي فروة، عن أبي خلاد ـ وكانت له صحبة ـ، قال: قال رسول الله ﷺ ـ فذكر حديثاً.
قال أبي: حدثنا بهذا الحديث ابن الطباع، عن يحيى بن سعيد الأموي، عن أبي فروة يزيد بن سنان، عن أبي مريم، عن أبي خلاد.
قلت لأبي: يصح لأبي خلاد صحبة؟
فقال: ليس له إسناد " اهـ.
يعني: إسناداً صحيحاً؛ وإلا فإنه قد جاء بهذا الإسناد (١) .
** الأمر الثاني:
أن لا يكون ذكر السماع في هذا الموضع، مما زاده بعض الرواة الثقات خطأ ووهماً، فيكون ذلك لفظ السماع حينئذ شاذاً غير محفوظ، ويكون المحفوظ عدم ذكره.
ولأئمة الحديث في إدراك ذلك طرق متعددة، لا يدركها إلا نقاد الحديث وجهابذته.
стр. 396
* فمنها:
مخالفة الأوثق، أو الأكثر عدداً.
ففي " تهذيب التهذيب " (١) :
" قال أحمد بن حنبل: ما أُراه ـ يعني: الزهري ـ سمع من عبد الرحمن بن أزهر، إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث؛ فيقول معمر وأسامة عنه: عبد الرحمن!! ولم يصنعا عندي شيئاً ".
فانظر؛ كيف لم يقبل ذكر معمر وأسامة لفظ السماع بين الزهري وعبد الرحمن بن أزهر، مع أنهما من جملة الثقات، وقد اتفقا، وما ذلك إلا لأنهما قد خالفا من هم أرجح منهما حفظاً، وأكثر منهما عدداً، فلم يذكروا لفظ السماع!
وقد أخطأ أسامة هذا مثل هذا الخطأ في حديث آخر عن الزهري أيضاً؛ فقد روى حديثاً عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، فذكر بينهما لفظ السماع، بينما لم يذكره غيره من أصحاب الزهري، فأنكر ذلك عليه يحيى القطان.
ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في " التهذيب " (٢) :
" أراد ذلك في حديث مخصوص، يتبين من سياقه اتفاق أصحاب الزهري على روايته عنه، عن سعيد بن المسيب بالعنعنة، وشذ أسامة، فقال: " عن الزهري: سمعت سعيد بن المسيب "؛ فأنكر عليه القطان هذا لا غير ".
стр. 397
ومن ذلك:
ما في ترجمة إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني من " تهذيب الكمال " (١) ، عن ابن معين، أنه قال في حقه:
" ثقة، رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب، عن جابر، ليست بشيء، إنما هو كتاب وقع إليهم، ولم يسمع وهب من جابر شيئاً ".
فتعقبه المزي، فذكر إسناد هذه الصحيفة من طريق إسماعيل هذا، وفيها: تصريح وهب بالسماع من جابر بن عبد الله، ففيها: ".. عن وهب بن منبه، قال: هذا ما سألت عنه جابر بن عبد الله ... ".
ثم قال المزي:
" وهذا إسناد صحيح إلى وهب بن منبه، وفيه رد على من قال: إنه لم يسمع من جابر؛ فإن الشهادة على الإثبات مقدمة على الشهادة على النفي، وصحيفة همام عن أبي هريرة مشهورة عند أهل العلم، ووفاة أبي هريرة قبل وفاة جابر، فكيف يُستنكر سماعه منه، وكانا جميعاً في بلد واحد؟! ".
فقال الحافظ ابن حجر (٢) ؛ معقباً عليه:
" أما إمكان السماع فلا ريب فيه، ولكن هذا في همام، فأما أخوه وهب الذي وقع فيه البحث، فلا ملازمة بينهما، ولا يحسن الاعتراض على ابن معين بذلك الإسناد؛ فإن الظاهر أن ابن معين كان يُغَلِّط إسماعيل
стр. 398
في هذه اللفظة عن وهب: " سألت جابراً "، والصواب عند: " عن جابر ". والله أعلم " اهـ.
ففي رد المزي على ابن معين في نفيه السماع، بكون الإسناد قد صح إلى المصرح ـ: شاهد جيد للأمر الأول.
ثم في توثيق ابن معين للراوي، مع توهين ذكره لفظ السماع في تلك الرواية، ودفاع الحافظ ـ: شاهد جيد أيضاً للأمر الثاني.
ومن ذلك:
روى جماعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ـ مرفوعاً ـ: " ليس على المنتهب قطع "، فلم يذكروا سماع ابن جريج من أبي الزبير، بينما ذكره اثنان، وهما:
أبو عاصم؛ أخرج حديثه الدارمي (١) .
ابن المبارك؛ أخرج حديثه النسائي في " الكبرى " (٢) من طريق محمد ابن حاتم، عن سويد بن نصر، عنه.
وقد وهَّم الأئمة هذه الرواية التي فيها ذكر التصريح بالسماع، ورأوا أنه غلط.
فقال أبو داود (٣) :
" هذا الحديث؛ لم يسمعه ابن جريج عن أبي الزبير؛ وبلغني عن أحمد بن حنبل، أنه قال: إنما سمعه ابن جريج من ياسين الزيات ".
стр. 399
وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (١) :
" لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير؛ يُقال: إنه سمعه من ياسين: أنا حَدَّثْتُ به ابن جريج عن أبي الزبير.. ".
وقال النسائي:
" وقد روى هذا الحديث عن ابن جريج: عيسى بن يونس، والفضل ابن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد، وسلمة ابن سعيد البصري؛ فلم يقل أحد منهم: " حدثني أبو الزبير "، ولا أحسبه سمعه من أبي الزبير. والله أعلم ".
وقال أبو يعلى الخليلي (٢) :
" يقال: إن هذا لم يسمعه من أبي الزبير، لكنه أخذه عن ياسين الزيات ـ وهو ضعيف جداً ـ عن أبي الزبير، وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ ".
فهكذا؛ تتابع الأئمة على نفي سماع ابن جريج لهذا الحديث من أبي الزبير، وتوهيم من ذكر لفظ السماع بينهما؛ لمخالفته للأكثر.
ومن ذلك:
قال أحمد بن حنبل:
" كان مبارك بن فضالة يقول في غير حديث عن الحسن: " قال حدثنا عمران. وقال: حدثنا ابن مغفل "؛ وأصحاب الحسن
стр. 400
لا يقولون ذلك ".
قال الحافظ ابن حجر (١) :
" يعني: أنه يصرح بسماع الحسن من هؤلاء؛ وأصحاب الحسن يذكرونه عندهم بالعنعنة ".
ومن ذلك:
روى: أبو المغيرة، عن سليمان بن سليم الحمصي، قال: حدثنا يحيى بن جابر، قال: حدثنا المقدام بن معد يكرب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه؛ فإن كان لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنَفَسِهِ ".
أخرجه: أحمد (٤/١٣٢) والحاكم (٤/٣٣١-٣٣٢) .
هكذا؛ رواه أبو المغيرة، بذكر لفظ السماع بين ابن جابر والمقدام.
لكنه؛ لم يثبت على ذلك؛ فقد رواه مرة أخرى، فلم يذكر لفظ السماع بينهما.
أخرجه: الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٠/٢٧٢-٢٧٣) وفي " مسند الشاميين " (١٣٧٥) .
ومما يؤكد خطأه في ذكر لفظ السماع بينهما:
أن ابن أبي حاتم قال (٢) :
стр. 401
" سألت أبي: هل لقي يحيى بن جابر المقدام بن معد يكرب؟ قال أبي: يحيى عن المقدام مرسل ".
واعتمده المزي في " تهذيب الكمال " (٣١/٢٤٩) والعلائي في " جامع التحصيل " (ص ٣٦٧) وابن حجر في " تهذيبه " (١١/١٩١) .
هذا؛ وقد رواه غير أبي المغيرة، عن سليمان، بدون ذكر لفظ السماع.
منهم: إسماعيل بن عياش.
أخرجه: الترمذي (٢٣٨٠) وابن المبارك في " الزهد " (٦٠٣) والبيهقي في " الشعب " (٥٦٤٨)(٥٦٥٠) والطبراني في " الكبير " (٢٠/٢٧٤) والبغوي في " شرح السنة " (١٤/٢٤٩) .
وأخرجه: الطبراني أيضاً في " الكبير " (٢٠/٢٧٣ - ٢٧٤) و " مسند الشاميين " (١١١٦) من طريق إسماعيل، فقال: عن أبي سلمة ـ هو: سليمان بن سليم ـ وحبيب بن صالح، عن يحيى بن جابر، به؛ ولم يذكر سماعاً أيضاً.
فزاد: " حبيب بن صالح ".
ومنهم: بقية بن الوليد.
أخرجه: النسائي في " الكبرى ".
ومنهم: محمد بن حرب الأبرش.
قاله ـ: حاجب بن الوليد، عنه.
أخرجه: البيهقي في " الشعب " (٥٦٤٩) .
стр. 402
إلا أنه اختلف على الأبرش:
فرواه: عمرو بن عثمان، عن الأبرش، عن سليمان، عن يحيى بن جابر، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عند جده المقدام.
فزاد: " صالح بن يحيى "، بين يحيى بن جابر والمقدام.
أخرجه: الطبراني في " مسند الشاميين " (١٣٧٦) .
وهذا؛ يؤكد عدم السماع، ويبين الواسطة؛ إن كان محفوظاً.
وأخرجه النسائي في " الكبرى "، من طريق عمرو بن عثمان، به؛ إلا أنه لم يذكر " يحيى بن جابر " أصلاً.
ورواه: ابن أبي السري، عن الأبرش، عن سليمان، عن صالح بن يحيى المقدام، عن أبيه، عن جده.
فوافق الرواية السابقة في عدم ذكر " يحيى بن جابر "؛ لكنه زاد: " عن أبيه ".
أخرجه: ابن حبان (٥٢٣٦) والبيهقي (٥٦٤٩) .
ورواه: هشام بن عبد الملك، عن الأبرش، عن أمه، عن أمها، عن المقدام.
أخرجه: ابن ماجه (٣٣٤٩) .
ومن فوق الأبرش لا يُعرفون، وهذا اختلاف عليه لا يُحتمل، ورواية إسماعيل ومن تابعه أرجح.
وكذلك؛ رواه غير سليمان، عن يحيى بن جابر، بدون ذكر
стр. 403
لفظ السماع.
فقد رواه: معاوية بن صالح، عن يحيى بن جابر، عن المقدام؛ لم يذكر سماعاً.
أخرجه: النسائي في " الكبرى " والحاكم في " المستدرك " (٤/١٢١) والطبراني في " الكبير " (٢٠/٢٧٣)
والله أعلم (١) .
* ومنها:
أن يكون الأئمة قد اتفقوا على عدم سماع هذا الراوي من ذاك الشيخ، فيُستدل على خطأ من ذكر لفظ السماع بينهما بإجماعهم على عدم سماعه.
حكى ابن أبي حاتم في " المراسيل " (٢) ، عن أبيه، أنه قال:
" الزهري؛ لم يسمع من أبان بن عثمان شيئاً، لا أنه لم يدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه؛ ولكن لا يثبت له السماع منه؛ كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه؛ غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق
أهل الحديث على شيء يكون حجة ".
* ومنها:
مخالفة الواقع؛ كأن يكون الراوي الذي ذُكر عنه التصريح بالسماع من
стр. 404
شيخه لم يدرك شيخه أصلاً، أو كان صغيراً وقت وفاة شيخه، لا يمكنه السماع منه.
فمن ذلك:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل (١) :
سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد؛ عندنا رجل يُقال له: خلف بن خليفة، زعم أنه رأى عمرو بن حريث؟! فقال كَذَبَ (٢) ،
ولعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث.
وقال أبو الحسن الميموني:
سمعت أبا عبد الله ـ يعني: أحمد بن حنبل ـ يُسأل: رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ قال: لا ولكنه ـ عندي ـ شُبِّه عليه حين قال: " رأيت عمرو بن حريث ". قال أبو عبد الله: هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج لم يروا عمرو بن حريث، يراه خلف؟! ما ـ عندي ـ إلا شبه عليه.
روى: الوليد بن مسلم، عن تميم بن عطية، عن مكحول، قال " جالست شريحاً ستة أشهر، ما أسأله عن شيء، إنما أكتفي بما يقضي به بين الناس " ((٣) ، ذكر عن
стр. 405
أبيه، أنه قال:
" لم يدرك مكحول شريحاً؛ هذا وهم ".
ثم عده من مناكير تميم بن عطية،فقال (١) :
" محلة الصدق، وما أنكرت من حديثه إلا شيئاً؛ روى إسماعيل بن عياش، عنه، مكحول، قال: جالست شريحاً كذا شهراً؛ وما أدري مكحولاً رأى شريحاً بعينه قط، ويدل حديث على ضعف شديد ".
ومن ذلك:
قال ابن أبي حاتم (٢) :
" سألت أبي عن حديثين؛ رواهما: همام، عن قتادة، عن عزرة، عن الشعبي، أن أسامة بن زيد حدثه، أنه كان ردف النبي ﷺ عشية عرفة.
هل أدرك الشعبي أسامة؟
قال: لا يمكن أن يكون الشعبي سمع من أسامة هذا، ولا أدرك الشعبي الفضل بن العباس " اهـ
وكذا؛ حكى عن أبيه في " العلل " (٣) ؛ نحو هذا.
قلت: هذا الحديث؛ أخرجه: الطيالسي (٦٣٥) وأحمد (١/٢١٣ - ٢١٤) (٥/٢٠٦) ، وفيه ذكر لفظ التحديث من الشعبي عن الفضل أيضاً؛ ولهذا قال أبو حاتم مضعفاً له: " ولا أدرك الشعبي الفضل بن العباس ".
стр. 406
فلفظ التحديث المذكور في هذه الرواية، عن الشعبي أن الفضل بن العباس حدثه؛ خطأ لا شك فيه؛ لأنه تاريخياً لا يمكن للشعبي أن يسمع من الفضل بن العباس.
ذلك؛ لأن الفضل مات سنة (١٨) في خلافة عمر، بل جزم البخاري في " التاريخ الكبير " (٤/١/١١٤) بأنه مات في خلافة أبي بكر وحكى القولين في " التاريخ الصغير " (١/٦١ - ٧٧) ؛ والشعبي وُلد سنة (١٩) ، فقد وُلد بعد وفاته، فكيف يمكن أن يسمع منه؟!
وأما عدم سماعه من أسامة بن زيد؛ فقد جزم به أبو حاتم وغيره، كابن معين ـ فيما حكاه الدوري عنه (٣٠٥٥) ـ، وأحمد حنبل وابن المديني ـ كما في " المراسيل " (٥٩٥) ـ، والحاكم ـ كما في " علوم الحديث " له (ص ١١١) .
وقال ابن أبي حاتم في " المراسيل " (١) :
" ذكر أبي، عن إسحاق بن منصور، قلت ليحيى: قال الشعبي: إن الفضل حدثه، وإن أسامه حدثه؟ قال: لا شيء. وقال أحمد وعلي: لا شيء ".
وهو مبني على أدلة تاريخية أيضاً.
فإن الشعبي؛ وإن كان بين ولادته ووفاة أسامة أكثر من ثلاثين سنة، إلا أنه كان بالكوفة، بينما كان أسامة بالمدينة، وما زال الأئمة يستدلون ببعد الشقة على انتفاء السماع
стр. 407
ثم إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد، كما في " الكفاية " للخطيب البغدادي (ص ١٠٣) .
ومعلوم؛ أنهم ما كانوا يبدءون بالرحلة من أول الطلب، بل كانوا يسمعون من أهل بلدهم أولاً، ثم إذا فرغوا وحصلوا ما عندهم بدءوا في الرحلة.
ثم الراوي وقع في الخطأ البين في الرواية بذكر لفظ التحديث بين الشعبي والفضل، مع أنه لا يمكن تاريخياً أن يسمع منه، فوقوعه في الخطأ بذكره لفظ التحديث بين الشعبي وأسامة بن زيد أولى؛ لأن الأمر فيه محتمل، فإذا كان الراوي أخطأ فيما لا احتمال فيه، فكيف بالمحتمل؟! فإن الظاهر أن الراوي لم يحفظ الرواية كما
ينبغي (١) .
والله أعلم.
** الأمر الثالث:
أن لا يكون ذلك المصرح بالسماع ممن له اصطلاح خاص بألفاظ السماع، يتنافى مع الاتصال، كأن يكون ممن يرى جواز إطلاق لفظ التحديث في الإجازة أو الوجادة، كما ذُكر ذلك عن أبي نعيم الأصبهاني، أو ممن يرى التسامح في هذه الألفاظ، بإطلاقها في موضع السماع وغيره، كما ذكر الإمام أبو بكر الإسماعيلي أن المصريين والشاميين يتسامحون في قولهم: " حدثنا " من غير صحة السماع، منهم: يحيى بن
стр. 408
أيوب المصري (١) .
ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢) ، عن أبيه، أنه قال:
كان سجية في جرير بن حازم، يقول: " حدثنا الحسن، قال: حدثنا عمرو بن تغلب "؛ وأبو الأشهب يقول: " عن الحسن، قال: بلغني أن النبي ﷺ قال لعمرو بن تغلب ".
قال ابن رجب الحنبلي (٣) :
" يريد: أن قول جرير بن حازم: " حدثنا الحسن: حدثنا عمرو بن تغلب " كانت عادة له، لا يرجع فيها إلى تحقيق ".
وقد ذكر أبو حاتم نحو هذا في أصحاب بقية بن الوليد، أنهم يَرْوُون عنه، عن شيوخه، ويصرحون بتحديثه عنهم، من غير سماع له منهم (٤) .
وكذلك؛ قال يحيى بن سعيد القطان في فِطْر بن خليفة: أنه كان يقول: " حدثنا فلان بحديث "، ثم يدخل بينه وبينه رجلاً آخر، كان ذلك سجيه منه.
ذكره العقيلي في " ضعفائه " (٥) .
стр. 409
وكذلك؛ من كان في اصطلاحه إطلاق لفظ السماع على ضرب من التأويل، كمن
يقول ـ مثلاً ـ: " حدثنا فلان "، أو " خطبنا فلان "، ويعني: أنه حدث قومه أو خطبهم، لا أنه سمع منه ما يحدث به عنه.
قال الحافظ ابن حجر (١) :
" قد يدلس [الراوي] الصيغة، فيرتكب المجاز، كما يقول ـ مثلاً ـ: " حدثنا " , وينوي: حدث قومنا، أو أهل قريتنا، ونحو ذلك.
وقد ذكر الطحاوي منه أمثلة:
من ذلك: حديث مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : " أنا وإياكم نُدعى بني عبد مناف " ـ الحديث.
قال (٢) : وأراد بذلك أنه ﷺ قال لقومه، أما هو فلم ير النبي ﷺ .
وقال طاوس: " قدم علينا معاذ بن جبل ﵁ وإنما أراد قدم بلدنا.
وقال الحسن: " خطبنا عتبة بن غزوان ".
يريد؛ أنه خطب أهل البصرة، والحسن لم يكن بالبصرة لما خطب عتبة ".
ثم قال الحافظ:
" ومن أمثلة ذلك: قول ثابت البناني: " خطبنا عمران بن
стр. 410
حصين ﵁ ".
وقوله: " خطبنا ابن عباس ﵁ والله أعلم ".
وقال البزار (١) :
" سمع الحسن البصري من جماعة، وروى عن آخرين لم يدركهم، وكان يتأول فيقول: " حدثنا "
و" خطبنا "؛ يعني: قومه الذين حُدثوا وخُطبوا بالبصرة ".
** الأمر الرابع:
أن يكون ذلك الراوي الذي ثبت عنه أنه صرح بالسماع من شيخه؛ بصحة الإسناد له، وسلامته من ورود الخطأ عليه من أحد ممن دونه، أن يكون في ذاته ثقة، لا ضعيفاً؛ فإن الضعيف إذا روى عن شيخ بلفظ السماع، فقد يكون أخطأ هو في ذلك التصريح، ويكون إنما أخذ الحديث عن هذا الشيخ بواسطة، ثم أسقطها، وزاد من كيسه لفظ السماع خطأ ووهماً، فالضعيف يخطئ بأشد من هذا.
وقد لا يكون تحمل الحديث من طريق هذا الشيخ أصلاً، وإنما دخل عليه حديث في حديث.
وروايته عن هذا الشيخ، إنما جاءت من طريقه، وهو ضعيف سيئ الحفظ، لا يوثق بأي شيء يجيء به، ولو قبلنا منه بعض روايته ـ أعني: ما ذكره من لفظ السماع ـ، لزمنا قبول الباقي من روايته؛ إذ هو المتفرد بالكل.
стр. 411
ولهذه العلة؛ لم يقبل أهل العلم من ابن لهيعة تصريحه بالسماع فيما يرويه عن عمرو بن شعيب، وقالوا: لم يسمع ابن لهيعة منه شيئاً، مع أن كان يصرح بالسماع منه، بل كان ينكر على من أنكر عليه سماع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب.
قال يحيى بن بكير:
" قيل لابن لهيعة: إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، فضاق
ابن لهيعة، وقال: ما يُدري ابن وهب؛ سمعت هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب قبل أن يلتقي أبواه "!!
ومع ذلك؛ فلم يعرج أهل العلم على تصريحه، وصرحوا بعدم سماعه منه.
وفي " المراسيل " لابن أبي حاتم (١) ، عن حرب بن إسماعيل، عن أحمد بن حنبل، قال:
" قال وهيب: أتيت عطاء بن السائب، فقلت له: كم سمعت من عبيدة؟ قال: ثلاثين حديثاً. قال: ولم يسمع من عبيدة شيئاً. قال: ويدل على ذلك أنه قد تغير ".
ولعله؛ لهذه العلة، اشترط الإمام مسلم ـ عليه رحمة الله ـ لقبول عنعنة المعاصر غير المدلس، إذا كان لقاؤه بشيخه ممكنا ـ أن يكون هو في نفسه ثقة، فقال في " مقدمة الصحيح " (ص ٢٣) :
" إن كل رجل ثقة، روى عن مثله حديثاً، وجائز ممكن له لقاؤه
стр. 412
والسماع منه؛ لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد ـ وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام ـ، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة؛ إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً ... ".
والله الموفق؛ لا رب سواه.
стр. 413
التدليس.. والمتابعة
المدلِّس؛ إذا روى حديثاً، ولم يصرح بالسماع فيه من شيخه، فأردنا أن ندفع شبهة تدليسه لهذا الحديث، فلابد حينئذ بأن يجيء في رواية أخرى لهذا الحديث تصريح هذا المدلس بسماعه له من شيخه المذكور؛ بشرط أن يكون ذلك التصريح الوارد في الرواية الأخرى محفوظاً، وليس خطأ من قِبل بعض الرواة؛ كما سبق.
ولا تنفع حينئذ متابعة غيره له على رواية هذا الحديث عن هذا الشيخ، ولا أن يكون لمعنى حديثه من الشواهد ما يؤكد صحة المتن، بل لابد لإثبات سماعه للحديث أن يصرح بالسماع من شيخه في بعض الروايات.
وقد قال ابن رجب الحنبلي (١) :
" وكلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في هذا المعنى كثير جداً، يطول الكتاب بذكره، وكله يدور على أن مجرد ثبوت الرواية لا يكفي في ثبوت السماع، وأن السماع لا يثبت بدون التصريح به، وأن رواية من روى عمن عاصره، تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، يدل على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبت له السماع من
وجه ".
وذلك؛ لأن المدلس إذا لم نتحقق من سماعه لهذا الحديث بعينه من شيخه، ثم تابعه على رواية هذا الحديث عن هذا الشيخ غيره، لم تكن المتابعة ـ حينئذ ـ لذلك المدلس، بل للواسطة التي أسقطها بينه وبين شيخه.
стр. 414
وقد يكون الرجل الذي أسقطه المدلس بينه وبين شيخه هو نفسه ذلك المتابع، كأن يكون المدلس إنما أخذ الحديث عن ذلك المتابع، عن شيخه، ثم أسقطه وارتقى بالحديث إلى شيخه، فرواه عنه مباشرة مدلساً إياه، وعليه؛ يعود الحديث إلى ذلك المتابع، ويبقى فرداً لا تعدد فيه، ولا متابعة.
فإذا انضاف إلى ذلك، أن يكون ذلك المتابع ضعيفاً، فقد رجع الحديث إلى مخرج ضعيف، لا تقوم به الحجة، وذلك يؤكد ضعف مخرج رواية المدلس (١) .
والشواهد أيضاً؛ لا تنفع في دفع التدليس؛ لأن الشواهد إنما تؤكد حفظ الراوي للمتن، أو لمعناه، والتدليس علة إسنادية، وحفظ الراوي للمتن أو معناه، لا يستلزم حفظه للإسناد، فإن صحة المتن واستقامة معناه، لا تستلزم صحة كل إسناد يُروى به هذا المتن (٢) .
فمثال المتابعة:
حديث: عمرو بن شعيب، قال: طاف محمد ـ جده ـ مع أبيه عبد الله بن عمرو، فلما كان سبعهما، قال محمد لعبد الله حيث يتعوذون: استعذ. فقال عبد الله: أعوذ بالله من الشيطان. فلما استلم الركن تعوذ بين الركن والباب، وألصق جبهته وصدره بالبيت، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا.
стр. 415
فهذا الحديث؛ يرويه ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو.
أخرجه: عبد الرزاق في " المصنف " (٥/٧٥)
وتابعه: المثنى بن الصباح، عن عمرو.
أخرجه: أبو داود (١٨٩٩) .
قال الشيخ الألباني ـ حفظه الله ـ في " الصحيحة " (١) :
" ابن جريج مدلس، ومن الممكن أن تكون الواسطة بينه وبين عمرو ابن شعيب هو المثنى نفسه، فلا يتقوى الحديث بطريقيه عن عمرو ".
قلت: هذا الاحتمال هو الذي نجزم به، فقد رواه عبد الرزاق مرة أخرى، عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، به.
أخرجه: في " المصنف " (٥/٧٤) (٢) ، وابن ماجه (٢٩٦٢) .
مثال آخر:
حديث: خالد بن عمرو، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي
ـ مرفوعاً ـ: " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ".
فهذا الحديث؛ قد رواه خالد بن عمرو هذا عن الثوري، وخالد هذا متروك الحديث، وقد كذبه غير واحد من الأئمة.
стр. 416
وتفرد مثل هذا، عن مثل الثوري، بمثل هذا الإسناد، مما يكفي لسقوطه واطراحه.
ولهذا؛ أنكره عليه الإمام أحمد بن حنبل (١) ، وكذا العقيلي وابن عدي وغيرهم من النقاد.
وخفي على الحاكم أمره، فصحح إسناده في " المستدرك " (٤/٣١٣) ، فتعقبه الذهبي قائلاً: " خالد وضاع ".
لكن؛ رواه غير خالد هذا عن الثوري، وتبين بالتتبع أن من تابعه، إنما أخذ الحديث منه، ثم دلسه، وارتقى بالحديث إلى الثوري، فعاد الحديث حينئذ إلى حديث خالد، فلا تعدد ولا متابعة.
فمن هؤلاء: محمد بن كثير الصنعاني.
قال العقيلي في ترجمة خالد بن عمرو (٢) :
" ليس له من حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا ".
وقال ابن عدي (٣) :
" لا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث؛ فإن ابن كثير ثقة، وهذا الحديث عن الثوري منكر ".
стр. 417
كذا؛ قال ابن عدي: " إن ابن كثير ثقة "! وليس كذلك؛ فإن الثقة آخر، وهو العبدي، أما هذا الصنعاني فليس بثقة.
نبه على ذلك؛ الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ في " السلسلة الصحيحة " (٩٤٤) .
وقد نسبه الدارقطني في " الأفراد " (٢١٥٤ ـ أطرافه) : " مصيصياً "، وهذا يؤكد ما قال الشيخ
الألباني (١) .
وسأل ابن أبي حاتم (٢) أباه عن حديث محمد بن كثير هذا
стр. 418
، فقال:
" هذا حديث باطل ـ يعني: بهذا الإسناد ".
قلت: فهذه متابعة محمد بن كثير، تبين أن مخرجها عن خالد بن عمرو الكذاب، فلا اعتداد بها.
وممن رواه أيضاً عن الثوري: أبو قتادة الحراني.
أخرج حديثه: البيهقي في " الشعب " (١٠٥٢٥) ومحمد بن عبد الواحد المقدسي في " المنتقى من حديث أبي علي الإوقي " (٣/٢) ـ كما في " السلسلة الصحيحة " (٢/٦٦٢) .
وأبو قتادة هذا؛ هو عبد الله بن واقد، وهو متروك، وكان الإمام أحمد يثني عليه، وقال: " لعله كبر واختلط "، وكان يدلس أيضاً.
فالظاهر؛ أنه تلقاه أيضاً من خالد بن عمرو، ثم دلسه عنه، كما قال العقيلي في متابعة ابن كثير.
قاله الشيخ الألباني في " الصحيحة ".
قلت: وهذه ـ أيضاً ـ متابعة أبي قتادة الحراني، قد آلت إلى حديث خالد بن عمرو، فثبت أن الحديث حديث خالد هذا، وأنه متفرد به عن الثوري، وأن من رواه عن الثوري سواه، إنما أخذه عنه (١) .
стр. 419
وقد جاء لهذا الحديث شاهد أيضاً من حديث أنس بن مالك؛ لكنه معلول.
رواه إبراهيم بن أدهم، واختلف عليه:
فرواه: أبو حفص عمر بن إبراهيم المستملي: ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر: ثنا الحسن بن الربيع: ثنا المفضل بن يونس: ثنا إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن مجاهد، عن أنس، عن النبي ﷺ .
أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " (٨/٤١) ، وقال:
" ذكر " أنس " في هذا الحديث وهم من عمرو أو أبي أحمد (١) ؛ فقد رواه الأثبات عن الحسن بن الربيع، فلم يجاوز فيه: مجاهداً ".
ورواه: أبو سليمان ابن زبر الدمشقي في " مسند إبراهيم بن أدهم " من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن ربعي ابن حراش، عن النبي ﷺ ـ مرسلاً.
فجعله عن " ربعي "؛ لا عن " مجاهد ".
ذكره: ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " (٢/١٧٦) .
ورواه: علي بن بكار، عن إبراهيم بن أدهم، عن النبي ﷺ .
وهذا معضل؛ ليس فيه " منصور " ولا " ربعي ".
стр. 420
أخرجه: ابن أبي الدنيا في " ذم الدنيا " ـ كما في " جامع العلوم " لابن رجب.
وتابعه: طالوت على ذلك.
قاله: أبو نعيم في " الحلية " (٨/٤٢) .
فتبين؛ أن هذا الشاهد، لا يصح موصولاً، وأن الصواب فيه الإرسال، أو الإعضال.
هذا؛ وقد ذكر الشيخ الألباني ـ أكرمه الله تعالى ـ هذه الطرق في " السلسلة الصحيحة "، (٩٤٤) ، وبين عللها، ثم قال:
" قد تقدم حديث سفيان من طرق عنه، وهي وإن كانت ضعيفة، ولكنها ليست شديدة الضعف ـ باستثناء رواية خالد بن عمرو الوضاع ـ؛ فهي لذلك صالحة للاعتبار، فالحديث قوي بها، ويزداد قوة بهذا الشاهد المرسل؛ فإن رجاله كلهم ثقات ".
قلت: وفي كلام الشيخ نظر؛ فإن رواة هذا الحديث عن سفيان ـ غير خالد بن عمرو ـ كلهم ضعفاء، ومنه من هو ضعيف جداً، ولم يتابعهم واحد من الثقات من أصحاب الثوري، وهذا مما لا يحتمل، فإن كثرة الرواة للحديث مشعرة بشهرته، فكيف يشتهر الحديث عن سفيان، ولا يجئ من رواية أصحابه الثقات،
الملازمين له، والعارفين بحديثه؟!
وقد سبق إنكار الأئمة لهذا الحديث عن الثوري، على كل من رواه عنه؛ لاسيما قول العقيلي " ليس له من حديث الثوري أصل "، وقول ابن عدي: " هذا الحديث عن الثوري منكر "، وقول أبي حاتم: " هذا
стр. 421
حديث باطل بهذا الإسناد ".
فالحديث؛ ليس من حديث الثوري أصلاً.
على أنه لو كان من رواه عن الثوري ـ غير خالد ـ ثقةً؛ لما صح؛ ـ والحالة هذه ـ أن تصحح
رواياتهم، أو يقوى بعضها بعضاً؛ لما سبق من أن كل من رواه عن الثوري ـ غير خالد ـ، إنما أخذه عن
خالد، ثم دلسه، فعاد الحديث حينئذ إلى خالد الوضاع، وصارت هذه المتابعات صورية، لا حقيقة لها في
الواقع، فكيف وهو ضعفاء؟!
وقد سبق الإشارة إلى أن الشيخ الألباني ـ حفظه الله ـ قد أعل هذه المتابعات بتلك العلة، وأنه قال في متابعة أبي قتادة الحراني ما نصه:
" يحتمل احتمالاً قوياً أن يكون تلقاه عن خالد بن عمرو، ثم دلسه، كما قال ابن عدي (١) في متابعة ابن كثير ".
وأما المرسل المذكور؛ فلو صح أنه مرسل، وليس معضلاً كما في بعض الروايات، لما صلح أيضاً لتقوية الحديث؛ لتقاعد الروايات الأخرى عن حد الاعتبار.
بل الظاهر؛ أن هذا المرسل هو أصل هذا الحديث، وأنه لا يصح إلا مرسلاً (٢) .
ومثال الشاهد:
حديث: أبي الزبير، عن جابر، أن أم مالك كانت تُهدي للنبي ﷺ
стр. 422
في عكة لها سمناً، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه النبي ﷺ فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ ، فقال: " عصرتيها؟ " قالت: نعم. قال: " لو تركتيها ما زال
قائماً ".
أخرجه: مسلم (٧/٥٩) وأحمد (٣/٣٤٠) .
فهذا الحديث؛ قد خلط فيه بعض أدعياء العلم (١) عدة تخليطات.
فأولاً: أراد أن يدفع شبهة تدليس أبي الزبير له عن جابر، فجاء له بشاهد معناه.
وهذا الشاهد؛ هو ما أخرجه: ابن أبي شيبة (٣١٧٦٠) والطبراني في " الكبير " (٢٥/١٤٥ - ١٤٦) من حديث محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن يحيى بن جعدة، عن رجل حدثه، عن أم مالك الأنصارية، أنها جاءت بعكة سمن إلى رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فعصرها، ثم رفعها إليه،
فرجعت، فإذا هي مملوءة، فأتت النبي ﷺ ، فقال: أنزل في شيء يا رسول الله؟ قال: " وما ذاك، يا أم مالك؟ " قالت: رددت علي هديتي. قال: فدعا بلالاً فسأله عن ذلك، فقال: والذي بعثك بالحق، لقد عصرتها حتى استحييت. فقال رسول الله ﷺ : " هنيئاً لك: يا أم مالك! هذه بركة عجل الله ثوابها "، ثم علمها أن في دبر كل صلاة: سبحان الله ـ عشراً ـ، والحمد لله ـ عشراً ـ والله أكبر ـ عشراً ـ.
وهذا كما ترى؛ إنما هو شاهد بالمعنى، يشهد لمتن الحديث؛
стр. 423
لكن ما دَخْلُ هذا في إثبات السماع
من عدمه؟!
ثانياً: أن هذا الشاهد؛ فيه عطاء بن السائب، وكان قد اختلط، وفيه أيضاً ذاك الذي لم يسم.
فأراد ذلك الدعي أن يدفع ذلك الضعف الذي في إسناد الشاهد بمجرد مجيء متن الحديث أو معناه في حديث جابر السابق؛ وهذا خطأ مركب.
لأنه جعل المشهود له شاهداً، ولأن كون المتن له ما يشهد له، فأين الذي يشهد لهذا السند الذي جاء به عطاء بن السائب، ولم يتابع عليه؟!
والعجب في قوله:
" عطاء بن السائب لم يختلط في هذا الحديث؛ لأن له شواهد كثيرة؛ منها حديث جابر المذكور ".
وأبو حاتم الرازي يقول:
" وما روى عنه ابن فضيل، ففيه غلط واضطراب ".
فهذا؛ حكم من أبي حاتم ﵀ على هذه الرواية وأمثالها مما رواه محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب.
بل إن تفرد عطاء بهذا الإسناد ـ على اختلاطه ـ دون غيره من الثقات، لهو أكبر دليل على أن هذا الإسناد لهذا المتن غير محفوظ،ولو كان محفوظاً لواه غيره من الثقات!
ثالثاً: أنه جعل اشتمال هذا الحديث على شيء متواتر دليلاً على سماع
стр. 424
أبي الزبير له من جابر! وهذا في غاية العجب.
فقد قال:
" لم أجد لأبي الزبير تصريحاً بالسماع، لكن أحاديث زيادة الطعام ببركته ﷺ متواترة، لا تحتاج لما
يقويها ".
وهذه؛ حيدة وخروج عن محل البحث؛ لأن كون الحديث قد اشتمل على بعض ما هو متواتر، لا يستلزم صحة هذا الحديث بعينه، فضلاً عن ثبوت سماع أحد رواته له من شيخه.
* وهاهنا أمر في غاية الأهمية:
ذلك؛ أن الأئمة ـ عليهم رحمة الله ـ قد يطلقون على باب من الأبواب، أو حكم من الأحكام، أو أمر من الأمور، بأنه متواتر عن رسول الله ﷺ ؛ بناء على كثرة الأخبار الصحيحة التي تضمنت هذا الحكم، أو ذاك الأمر.
فيأتي بعض من لم يحسن تصور هذا الباب، فيحكم على كل حديث جاء فيه هذا الأمر، أو تضمن هذا الحكم، بالصحة، بل بالتواتر؛ بناء على ثبوت تواتر هذه الحكم أو ذاك الأمر الذي تضمنه هذا الحديث.
وهذا؛ ليس بشيء! لأن تواتر هذا الحكم، أو ذاك الأمر؛ لكثرة ما جاء فيه من روايات، لا يستلزم تواتر كل أفراد الروايات؛ لأن الحكم بالتواتر إنما هو حكم للقاسم المشترك بين هذه الروايات فقط، دون ما تفردت به كل رواية من هذه الروايات.
стр. 425
ولنضرب مثالاً يوضح المقام.
ذكروا مما تواتر معنى: رفع النبي ﷺ يديه عند الدعاء؛ بناء على كثرة الروايات الصحيحة التي جاءت عن رسول الله ﷺ في وقائع مختلفة، والتي تضمنت هذا الأمر.
وهذه الروايات؛ وإن تضمنت هذا الأمر، فقد تضمنت كل رواية من هذه الروايات شيئاً زائداً على هذا القاسم المشترك؛ من كونه ﷺ رفع يديه في مكان معين، أو في ساعة معينة، أو على هيئة معينة، أو قال في دعائه قولاً معيناً، أو غير ذلك.
ولا شك؛ أن هذه الزيادات التي تفردت كل رواية ببعضها لم تتواتر، ولا اجتمع لها ما اجتمع لرفعه ﷺ يديه عند الدعاء.
فالشيء المتواتر من تلك الروايات، هو القدر المشترك بينها فقط، وهو رفعه ﷺ يديه عند الدعاء، أما باقي التفاصيل التي تفردت بها كل رواية عن الأخرى فهي صحيحة؛ لصحة الرواية التي تضمنتها بمفردها، وليست بمتواترة.
وعليه؛ فلو جاءت رواية أخرى ضعيفة في نفسها؛ لعدم توفر شرائط الصحة فيها، وتضمنت أيضاً رفع النبي ﷺ يديه عبد الدعاء، مع زيادات أخرى وتفاصيل مختلفة؛ فإنه لا يصح ـ والحالة هذه ـ أن تصحح تلك الرواية بناء على أن هذه الجزء منها قد تواتر عنه - صلى الله
عليه وسلم -.
لأن تواتر هذا الجزء من تلك الرواية، إنما يدل على صحته في ذاته،