أهل العلم المتساهلين من المتأخرين والمعاصرين خاصة، ما يؤيدون به قولهم، ويقوُّون به صنيعهم، ويدعمون به باطلهم؛ فصار الخطأ غير المقصود عند ذاك العالم الفاضل، قاعدة مطردة عند هؤلاء المبتدعين، تلقَّفُوه، وأقاموا له الحصون لحمايته، والقصور لصيانته؛ فهم بدون هذه الأُغُلوطات وتلك الهفوات الصادرة من هؤلاء الأفاضل، يقفون حائرين عاجزين، مكتوفي الأيدي، لا
يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً!!
***
ووجد ـ في المقابل ـ من يُنكر مبدأ التقوية من أساسه، ولا يعتبر الشواهد والمتابعات، ولا يحتج إلا بما رواه الثقات.
وهؤلاء أيضاً؛ أطلقوا حيث ينبغي أن يقيِّدوا، وصادموا بقولهم هذا النصوص الكثيرة والوفيرة عن أئمة الحديث؛ كأحمد والبخاري والترمذي وغيرهم، الدالة على اعتبار الروايات وجَبْر بعضها ببعض، والانتفاع بالشواهد والمتابعات، والاستدلال بها على حفظ الحديث.
ولعل هؤلاء لما نظروا إلى التساهل الفاحش الواقع فيه الأولون، سعوا إلى الهروب منه، واجتناب ما وقع فيه غيرهم؛ ولكنهم أسرفوا في الهروب، وبالغوا في الاجتناب والبُعد، فجرهم ذلك إلى الغلو، فقابلوا الجفاء بالغلو، والتساهل بالتشدد، والتفريط بالإفراط.
والحق؛ وسط بين الجفاء والغلو؛ يخرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشرابين.
فهو؛ إثبات للاعتبار، وإعمال للشواهد والمتابعات، وانتفاع بها في
стр. 37
تقوية الأحاديث؛ من غير اغترار بأخطاء الرواة في الأسانيد والمتون، ولا التفات للمناكير والشواذ.
وهو؛ إعمال لما أعمله أئمة الحديث ونقاده من الروايات، احتجاجاً أو استشهاداً، وإهمال لما أهملوه، وإبطال لما أبطلوه.
فما قبلوه يُقْبَل، وما أبطلوه يُبْطل، وما اعتبروه يُعتبر، وما أنكروه يُنكر.
***
هذا؛ والقاعدة التي يقوم عليها هذا الباب، ويُعْتّمد عليها في تمييز ما يصلح وما لا يصلح للاعتبار، إنما تقوم على أساسين، صُلبَيْن، متِنين، لا نزاع فيهما، ولا خلاف عليهما.
الأساس الأول:
أن ثمة فرقاً بين: "الخطأ المحتمل"، و "الخطأ الراجح ".
فالحديث؛ الذي يُحتمل أن يكون خطأً، ويُحتمل أن يكون صواباً، هو الذي يصلح في باب الاعتبار، أما الذي ترجَّح فيه الخطأ، وكان جانبه أقوى من جانب الإصابة؛ فهو الذي لا يصلح في هذا الباب؛ فلا يُعتبر به، ولا يعرج إليه.
فأما "الخطأ المحتمل"؛ فهو أن يوجد في الرواية ما يكون مظنَّة للخطأ، أو سبباً لوقوع الخطأ، أو ما يُخشى وقوع الخطأ من قبله، ولمَّا يُتحقق منه، ولا عُرف بعد.
فمثلاً؛ إرسال الحديث، أو سوء حفظ أحد رواته، أو وقوع
стр. 38
الخلاف ـ ولمَّا يظهر بعد رجحان وجه من الوجوه ـ؛ كل هذه الأسباب يُخشى وقوع الخلل في الرواية من قِبَلِها، ولكن الخلل ليس ملازماً لها؛ فقد يكون مخرج المرسل صحيحاً، وقد يكون سيء الحفظ لم يؤثر عليه سوء حفظه في هذا الحديث خاصة، وقد يكون هذا الخلاف الواقع في الرواية من الخلاف الذي لا يقدح، أو يكون الراجح منه ما ينفع الحديث ولا يضره؛ وذلك كله حيث لا يكون في الحديث علة أخرى (١) .
فإذا كان حال الحديث هكذا، يُحتمل أن يكون صواباً، ويُحتمل أن يكون خطأً، من غير رجحان لجانب من الجانبين، كان ـ حينئذٍ ـ صالحاً للاعتبار.
والهدف من اعتبار مثل هذا؛ ترجيح أحد الجانبين، فإذا وُجد متابع يدفع عن الراوي ريبة التفرد، أو شاهد يؤكد حفظه للمتن أو لمعناه، رجح جانب إصابته فيما توبع عليه، أو فيما وُجد له شاهد، من الرواية؛ كلها، أو بعضها.
وإذا وُجد مخالف له، ممن تؤثِّر مخالفته، أو شاهد كذلك بخلاف ما روى، ترجح جانب خطئه في روايته، وقوي جانب الرد لها، فتُلحق ـ حينئذٍ ـ بالمناكير والشواذ.
وإذا لم يوجد؛ لا هذه، ولا تلك: ما يشهد له، ولا ما يخالفه، كان الحديث فرداً، ورجح جانب الخطأ فيه، فيكون منكراً؛ لتفرد من لا
стр. 39
يحتمل تفرده به (١) .
لاسيَّما؛ إذا انضاف إلى ذلك بعض القرائن التي تؤكد عدم حفظ الراوي لما تفرد به؛ كأن يكون المتفرد مُقلاَّ من الحديث، لا يُعرف بكثرة الطلب، ولا بالرحلة، أو يكون إنما تفرد بالحديث عن بعض الحفاظ المكثرين، المعروفين بكثرة الحديث والأصحاب، فإن من عُرف بسوء الحفظ، إذا تفرد وانضاف إلى تفرده مثل
هذه القرائن، لا يتردد فاهم في نكارة ما تفرد به (٢) .
وأما "الخطأ الراجح"؛ فالرجحان يكون بأحد أمرين:
الأول: متعلق بالراوي.
وذلك؛ بأن يكون الراوي المتفرد بالرواية ضعفه شديد؛ لكذب، أو تهمة، أو شدة غفلة.
فمثل هذه الرواية، لا تصلح للاعتبار؛ لرجحان جانب الخطأ فيها، من حيث أن مثل هؤلاء الرواة إنما يتفردون في الأعم الأغلب بالكذب
стр. 40
الموضوع، أو الباطل المنكر.
والقليل جداً؛ الذي أصابوا فيه، إنما يُعرف من رواية غيرهم من أهل الثقة والصدق، فلم تعد روايتهم ذات فائدة؛ إذا وُجد ما يغني عنها ممن يوثق بدينه وحفظه.
يقول الإمام مسلم ـ عليه رحمة الله ـ (١) عن روايات هذا النوع من الرواة:
"لعلها ـ أو أكثرها ـ أكاذيب، لا أصل لها؛ مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة، ولا مقنع".
هذا؛ والقدر القليل الذي يوجد له أصل عند ثقات المحدثين، مما يرويه هؤلاء الكذابون أو المتهمون أو ما شابههم؛ لا يُؤمن أن يكونوا إنما سرقوه من الثقات، وليس مما سمعوه؛ لأن من يُعرف بالكذب، أو يُتهم به، لا يستبعد عليه أن يُجهز أو يسطو على حديث
غيره، فيسرقه؛ فكانت رواية هؤلاء وجودها كالعدم؛ لأنها إما مختلفة، وإما مسروقة.
الثاني: متعلق بالرواية نفسها.
وذلك؛ بأن يكون راوي الرواية، ممن لم يبلغ في الضعف تلك المنزلة، وإنما نشأ ضعفه من سوء حفظه، أو اختلاطه، أو نحو ذلك مما لا يقدح في دين أو عدالة، بل قد يكون ثقة صدوقاً، من جملة ما يحتج بحديثه في الأصل؛ إلا إنه "ترجَّح" أنه أخطأ في هذا الحديث بعينه، في
стр. 41
إسناده أو متنه، عن غير قصد أو تعمد، فتكون روايته هذه التي أخطأ فيها من قَبيل "المنكر" أو "الشاذ".
والخطأ؛ كنحو: زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال راوٍ براوٍ، أو كلمة بكلمة، أو إسنادٍ في إسناد، أو تصحيف أو تحريف، أو رواية بالمعنى أفسدت معنى الحديث وغيرت نظامه.
فإذا ترجح وقوع شيء من هذا في الرواية، كانت الرواية ـ حينئذٍ ـ خطأ، منكرة أو شاذة، لا اعتبار لها، وإنما الاعتبار بأصلها الذي خلا من هذه الآفات؛ إن كان لها أصل.
فإن كان أصل الرواية خطأ، فلا تصلح الرواية ـ حينئذٍ ـ للاعتبار بها، بأي جزء منها، وبأي قطعة منها.
وإن كانت الرواية من أصلها محفوظة، أو لها من المتابعات والشواهد ما يؤكد كونها محفوظة، إلا جزء منها في الإسناد أو في المتن، ثبت خطؤه، ونكارته، لم يُعتبر بهذا الجزء منها خاصة، وإن اعتُبر بأصل الرواية.
فمثلاً؛ إذا اختُلف في وصل رواية وإرسالها، وترجح لدينا أن من وصلها أخطأ، وأن الصواب أنها مرسلة، فالرواية الموصولة غير صالحة للاعتبار بها؟ لأنها خطأ متحقق، فوجودها وعدمها سواء، وإنما يُعتبر بالرواية المرسلة فحسب.
وإذا اختُلف في ذكر زيادة معينة في متن حديث، أثبتها بعض الرواة،
стр. 42
ولم يثبتها البعض الآخر، وترجح لدينا أن من أثبتها أخطأ في ذلك، وأن الصواب عدم إثباتها في هذا المتن.
فإن وجدت هذه الزيادة في متن آخر، لم يكن ورودها في المتن الأول شاهداً لها في المتن الثاني، لأنه قد تُحقق من أن إدخالها في المتن الأول خطأ من قِبَل بعض الرواة، وأنها مقحمة في هذا المتن، وليست منه، بل قد يكون من زادها في المتن الأول إنما أخذها من المتن الثاني، ثم أقحمها بالأول، من غير تحقيق (١) .
وهذان الأمران؛ اللذان يترجح بوجودهما في الرواية كونها خطأ، وأنها لا تصلح للاعتبار، هما ما أشار إليه الإمام الترمذي ـ عليه رحمة الله تعالى ـ عند تعريفه للحديث "الحسن" وبيان شرائطه؛ فإنه ذكر: أن كل ما "يُروى من غير وجه" لا يكون "حسناً" حتى يجتمع فيه شرطان.
الأول: "لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب".
فهذا؛ ما يتعلق بحال الراوي.
الثاني: "لا يكون الحديث شاذاً".
стр. 43
وهذا؛ ما يتعلق بحال الرواية نفسها.
وكل من تعرض لشرائط اعتضاد الروايات، إنما يدور كلامه في هذا الفلك، وأنه لا بد من تحقق هذين الشرطين فيها جميعاً، فإذا لم يتحقق أحدهما في الرواية، سقطت عن حد الاعتبار، وإن تحقق الآخر (١) .
فهذا هو الأساس الأول في هذا الباب، وهو ما حرره الحافظ ابن حجر ـعليه رحمة الله ـ، ولخَّصه في قوله (٢) :
"لم يذكر ـ يعني ابن الصلاح ـ للجابر ضابطاً، يُعلم منه ما يصلح أن يكون جابراً، أو لا.
والتحرير فيه: أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد:
فحيث يستوي الاحتمال فيهما؛ فهو الذي يصلح لأن ينجبر.
وحيث يقوى جانب الرد؛ فهو الذي لا ينجبر.
وأما إذا رجح جانب القبول؛ فليس من هذا؛ بل ذاك في الحسن الذاتي. والله أعلم ".
وهذا التفصيل؛ هو الذي أراده الإمام أحمد ـ عليه رحمة الله ـ، من قول الجامع، والذي هو بمنزلة قاعدة عريضة، ومَثَل سائر؛ حيث يقول (٣) :
"الحديث عن الضعفاء؛ قد يُحتاج إليه في وقت،
стр. 44
والمنكَر أبداً منكر".
ففَّرق الإمام؛ بين أن يوجد في الرواية ما يكون مظنة لوقوع الخطأ فيها، وهو أن تكون من رواية مَن هو ضعيف الحفظ، وذكر أن هذا النوع "قد يُحتاج إليه في وقت"؛ أي: في باب الاعتبار.
وبين أن تكون الرواية في نفسها منكرة، وذلك حيث يترجح وقوع الخطأ فيها، فمثل هذه لا تنفع في الاعتبار، بل هي منكرة أبداً، وجودها كعدمها؛ ولو كانت من رواية من يصلح حديثه للاحتجاج أو للاعتبار في الأصل.
الأساس الثاني:
أن الخطأ هو الخطأ، مهما كان موضعه، لا فرق بين خطأ في الإسناد وخطأ في المتن، فإذا تُحُقق من وقوع خطأ في الرواية، في إسنادها أو متنها لا يعرج إلى هذا الخطأ، ولا يُعتبر به، بل هو منكر، له ما للمنكر، وعليه ما على المنكر.
فإذا كان ما ثبت خطؤه من المتن أو بعض المتن غير صالح للاعتبار؛ فكذلك ما ثبت خطؤه من الإسناد أو بعض الإسناد غير صالح للاعتبار.
فالخطأ والنكارة؛ كما يعتريان المتون، فكذلك يعتريان الأسانيد، لا فرق بينهما في ذلك، بل وقوعهما في الأسانيد أكثر، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
لأن الأسانيد، هي مادة الاعتبار، فالمعتَبِر إنما يعتبر الأسانيد المتعددة لهذا المتن، ويجمعها من بطون الكتب، ثم يضم بعضها إلى
стр. 45
بعض، فيحكم بثبوت المتن، بناءً على أن هذا المتن قد جاء بعدة أسانيد،مختلفة المخارج، وإنْ كان في بعضها ضعف من قِبَل الإرسال أو سوء حفظ بعض الرواة، إلا أن الاجتماع يجبر ذلك الضعف.
فصارت هذه الأسانيد ـ مجتمعة ـ هي الحجة التي يقوم عليها ثبوت هذا المتن عن رسول الله ﷺ .
وأن هذه الأسانيد لو لم توجد، لما كان هناك من حجة لإثبات هذا المتن عن رسول الله ﷺ .
فإذا تحققنا من أن كل أسانيد هذا المتن وجودها كعدمها؛ لأن كل إسناد من هذه الأسانيد، غنما هو خطأ في ذاته، ومنكر على حدته، وأن وجوده كعدمه؛ سقطت ـ حينئذٍ ـ الحجة التي يقوم عليها ثبوت هذا المتن عن رسول الله ﷺ .
لأننا إذا ذهبنا نقوِّي ثبوت هذا المتن بانضمام هذه الأسانيد، التي ثبت لدينا أن كل إسناد منها منكر وخطأ، فقد ذهبنا إلى تقوية المنكر بالمنكر، والخطأ بالخطأ، وانضمام المنكر إلى المنكر لا يدفع النكارة عنه، بل يؤكدها ويثبتها، وما بُني على منكر فهو منكر، وما بُني على باطل فهو باطل.
نعم؛ إن كان بعض هذه الأسانيد، من قسم "الخطأ المحتمل"، كان هذا هو الذي يصلح للاعتبار، وينتفع المتن به عند انضمامه إلى ما هو مثله.
أما إذا كانت كل الأسانيد هذا المتن من قسم "الخطأ الراجح"، لم
стр. 46
ينتفع المتن بها، ولا بانضمامها؛ لأن المنكر أبداً منكر.
وأيضاً؛ ما كان من هذه الأسانيد من القسم الأول، فهو لا ينتفع بأسانيد القسم الثاني، بل إذا وُجد من أسانيد القسم الأول ما يكفي لجَبْرِ المتن وتَقْويته؛ فبها، أما إذا لم تكن بحيث تكفي لذلك، فلا تنفعها أسانيد القسم الثاني بحال؛ لأن " ما ثبت خطؤه لا يُعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها " (١)
ولو كانت الرواية المقواة صالحة للتقوية، وذلك؛ " أن الشاذ والمنكر مما لا يُعتد به، ولا يُستشهد به، بل إن وجوده وعدمه سواء" (١) .
بل؛ لو كان هذا المتن صحيحاً مفروغاً من صحته، لمجيئه من وجه صحيح لذاته، أو أكثر، فإنه لا ينتفع أيضاً بما يجيء له من أسانيد القسم الثاني، بل هو صحيح بإسناده الصحيح، أو بأسانيد الخطأ والمنكرة التي جاءت له.
ولهذا؛ لم يصحح الأئمة حديث: " الأعمال بالنيات " إلا من طريق واحدة، وحكموا على سائر طرقه بالخطأ والنكارة، ولم يُقووا الحديث بها، مع أن بعض هذه الأسانيد أخطأ فيها من هو صدوق في الحفظ، وليس ضعيفاً، فضلاً عن أن يكون متوغلاً في الضعف (٢) ؛
وما ذلك إلا لأنه " ترجَّح " لديهم أن هؤلاء الموصوفين بالصدق قد أخطئوا في هذه
стр. 47
الأسانيد، ولم يحفظوها كما ينبغي؛ فكانت أسانيدهم " شاذة ".
ولهذا؛ وجدنا الحافظ ابن حجر، بعد أن ذكر أن هذا الحديث مما تفرد به يحيى بن سعيد، ولك من فوقه، قال (١) : " قد وردت لهم متابعات، لا يُعتَبر بها؛ لضعفها ".
وهكذا؛ الشأن في كثير من الأحاديث، مثل حديث " المغفرة " (٢) ، وحديث: "نهى عن بيع الولاء وعن هبته " وحديث " المؤمن يأكل في معيٍ واحد "، وحديث " نهى عن الدُّباء والمُزفَّت "، وغير ذلك مما لا يخفى عن مشتغل بهذا العلم الشريف، عالم بأقوال أهل العلم فيه.
وهذا الأحاديث وغيرها؛ صحيحة ثابتة من وجه أو أكثر، وسيأتي في الكتاب ـ إن شاء الله تعالى ـ بيان وجه نكارة الأسانيد التي جاءت لها، وليست هي أسانيدها المحفوظة، بل هي من أخطاء بعض الثقات أو الضعفاء، وموقف أهل العلم منها، المتمثل في عدم الاعتداد بها، ولا الاعتبار بها.
***
ومما يؤسف له؛ أن كثيراً من المشتغلين بتخريج الأحاديث، لا يعرفون النكارة إلا في المتن، بينما نكارة الإسناد يغفلون عنها غالباً؛ فإذا بالمتن المنكر ساقط عن حد الاعتبار، وهذا صحيح لا غبار عليه؛ ولكن كذلك الإسناد المنكر
ساقط عن حد الاعتبار، لا يُشتغل به، ولا يُلتفت إليه.
стр. 48
ومعرفة نكارة الإسناد؛ مما يختص به المحدثون، الحفاظ الناقدون، فلا يعرج على قول غيرهم؛ بخلاف نكارة المتن، فقد يتكلم فيه المحدثون وغيرهم من الفقهاء، أما هذا الباب؛ فهو من أخص علوم الحديث، وأدق مباحث الأسانيد.
فإن أئمة الحديث ونقاده، حيث يحكمون على الإسناد بالصحة والاستقامة، وعدم النكارة والسقامة؛ لا يكتفون بالظاهر من اتصاله وثقة رواته؛ بل لهم نظر ثاقب، وفهم راجح، ورأي صادق، مبني على اعتبار معان في الإسناد، حيث وُجدت فيه، أو
وجد بعضها؛ دعاهم ذلك إلى إنكاره، والحكم عليه بعدم الاستقامة؛ وإن كانت متصلاً برجال ثقات.
وحيث افتُقدت، أو وُجد فيه من المعاني ما يدل على عكس ما تدل عليه المعاني السابقة، من حفظ الحديث وصحته؛ دعاهم ذلك إلى تصحيحه، والحكم عليه بالاستقامة وحفظ الرأي له.
وهذه المعاني؛ هي التي يعبر عنها بعض أهل العلم، كالحافظ ابن حجر، والعلائي، وابن رجب، وغيرهم: بـ "القرائن".
ويقولون (١) : للحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعول في ذلك على النقاد المطلعين منهم.
ويقولون: والقرائن كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الروايات، بل كل رواية يقوم بها ترجيح خاص، لا يخفى على العالم المتخصص، الممارس الفَطِن، الذي أكثر من النظر في العلل والرجال.
стр. 49
وفي معرض ذلك يقول الحافظ ابن حجر (١) : "وبهذا التقرير؛ يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم؛ بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه ".
ويقول الحافظ السخاوي (٢) :
" وهو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها؛ ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث؛ كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم؛ وربما يُطالبهم الفقيه أو الأصولي ـ العاري عن الحديث ـ بالأدلة ".
هذا؛ مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا في الرجوع في كل فن إلى أهله؛ ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو مُتَعَنِّي.
فلله تعالى؛ بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالاً نقاداً، تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين.
فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت؛ مع الفهم، وجودة التصور، ومدوامة الاشتغال،
стр. 50
وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك ـ إن شاء الله ـ معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله " اهـ.
هذا؛ ولسنا في حاجة هاهنا إلى التوسع في بيان هذه القرائن؛ فقد حوى كتابي هذا بين دفتيه الكثير منها، وإن كانت النية منعقدة على التفرغ لبيانها وشرحها والتمثيل لها في كتاب مستقل، أسأل الله تعالى أن يعينني عليه، وقد كنت بينت طرفاً منها في كتابي "لغة المحدث" (١) ، فليرجع إليه من شاء.
***
فعلى الباحث أن يعامل الإسناد معاملة المتن، وأن كل معنى لا يُقبل في المتن لا ينبغي أن ألا يُقبل مثله في الإسناد، فالإسناد مثل المتن هو من جملة ما رواه الراوي، فالراوي لا يروي متناً فحسب، بل يروي إسناداً ومتناً؛ فهو يخبر بأن شيخه حدثه بهذا الحديث، وأن شيخ شيخه حدث شيخه به، وهكذا إلى آخر الإسناد، وأن هذا المتن هو الذي تحمله بهذا الإسناد.
ولا يوصف الراوي بأنه أصاب إلا إذا حدَّث بالحديث على وجهه إسناداً ومتناً، أما إذا أخطأ في الإسناد أو في المتن، أو في بعض الإسناد أو في بعض المتن، فلا يستحق هذا الوصف، اللهم فيما أصاب فيه من بعض الرواية مما لم يُخطىء فيه منها.
فإن كان خطؤه في المتن، بأن زاد فيه أو نقص، أو قدَّم فيه أو أخَّر،
стр. 51
أو أبدل فيه كلمة بكلمة، أو جملة بجملة، أو صحف فيه أو حرف، أو أدرج فيه ما ليس منه، أو رواه بالمعنى فقلب معناه =حَكمنا ـ حينئذٍ ـ بأن هذا المتن خطأ، أو وقع فيه بعض الخطأ، وإن لم يخطئ الراوي في
الإسناد، بل أتى به على الجادة والاستقامة.
وكذلك؛ إن كان خطؤه في الإسناد، كأن يكون زاد فيه أو نقص، أو قدم فيه أو أخر، أبو أبدل فيه راوياً براوِ، أو دخل عليه إسناد في إسناد، أو صحف فيه أو حرف، أو أدرج فيه ما ليس منه حكمنا ـ حينئذِ ـ بأن هذا الإسناد خطأ، أو وقع فيه بعض الخطأ، وإن أتى بالمتن على الاستقامة.
وإذا كان "المتن" الذي تفرد بروايته بإسناد ما رجل ضعيف، لا يُبل من مثله حتى يجيء له متابع عليه أو شاهد بمعناه، يُثْبِت للفظه أو لمعناه أصلاً لأن الضعيف لا يقبل ما يتفرد به.
فكذلك؛ "الإسناد" الذي يتفرد بروايته رجل ضعيف، لا يقبل من مثله حتى يجيء له ما يثبت له أصلاً من رواية غيره.
فإن الخطأ في الإسناد، ليس بدون الخطأ في المتن، فمن يُخطيء، يُخطيء في الإسناد والمتن جميعاً، بل إن الخطأ في الأسانيد أكثر وقوعاً منه في المتون؛ لأن الأسانيد متشعبة ومتداخلة ومتشابهة، بخلاف المتون، ولذا؛ تجد كثيراً من الرواة يحسنون حفظ المتون دون الأسانيد، ويكون خطؤهم في الأسانيد أكثر منه في المتون.
فدونك؛ إمام في هذه الصنعة: شعبة بن الحجاج، قال فيه إمام عصره
стр. 52
أبو الحسن الدارقطني (١) : "كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيراً، لتشاغله بحفظ المتون"؛ فإذا كان هذا شأن شعبة بن الحجاج، وهو من هو، فما ظنك بمن هو دونه في الحفظ والإتقان والتثبت؟! .
وأكثر أخطاء الرواة تقع في الأسانيد؛ ولهذا تجد أكثر العلل التي ذكر أهل العلم أنها تقع في الروايات، تجده خاصة بالإسناد، والقليل جداً منها مما يقع في المتن، وما يشتركان فيه تجد أمثلته في الأسانيد أكثر منه في المتون. ...
فرفع الموقوف، ووصل المرسل، وقلب الرواة، ودخول إسناد في إسناد، وزيادة رجل فيه أو نقصانه، والتصحيف في أسماء الرواة؛ كل ذلك وغيره إنما يعتري الأسانيد، ويختص بها.
وأكثر أخطاء الثقات من هذا القبيل، أما الضعفاء، الذين لم يُعرفوا بالحفظ؛ فإن أخطاءهم في الأسانيد أكثر من أن تُحصر؛ ولهذا تجد أئمة الحديث الذين صنفوا في ضعفاء الرواة؛ كالعقيلي وابن عدي وابن حبان، تجدهم يسوقون في تراجم الضعفاء بعض الأحاديث التي أخطئوا فيها، واستُنكرت عليهم؛ والمتتبع لهذه الأخطاء، وتلك المناكير، يجد أكثرها أخطاء في الأسانيد (٢) والقليل منها مما يتعلق بالمتون.
وفي هذا الكتاب الذي بين يديك عشرات من الأحاديث التي أخطأ بعض الثقات أو الضعفاء في أسانيدها، دون متونها، فأتوا لها بأسانيد
стр. 53
ليست هي أسانيدها، أو وقع لهم في أسانيدها بعض الأخطاء، وإن أصابوا أصلها؛ كزيادة، أو قلب، أو إدراج، أو تصحيف أو تحريف، أو نحو ذلك.
وقد تبين من خلال ما ذكرته من كلام أهل العلم في نقد هذه الأسانيد، أنهم إنما أنكروا الأسانيد فحسب، وأن نقدهم كان منصباً عليها، دون أن تتأثر المتون به.
فالرجل الضعيف؛ يحفظ المتن ـ غالباً ـ، وقد يكون فقيهاً فاضلاً يحفظ المتن، إلا أنه ليس بالحافظ للأسانيد، فإذا به يجيء بالمتن المعروف على وجهه، بَيْدَ أنه يخطيء في إسناده، أو يجيء له بإسناد آخر غير إسناده الذي يُعرف به.
***
إن الذي يقبل من الضعفاء ـ غير المتهمين ـ ما اتفقوا عليه وتتابعوا على روايته من "متن الحديث" ويرد ولا يقبل ما تفرد به بعضهم من المتن أو بعض المتن، يجب أيضاً أن يزن قبول "الإسناد" ورده بنفس الإسناد.
فالضعيف ـ غير المتهم ـ الذي يجيء بإسناد لحديث ما، يتفرد هو بروايته بهذا الإسناد دون غيره، يجب رد ما تفرد به من الإسناد؛ كالمتن سواء بسواء.
والضعيف ـ غير المتهم ـ الذي يتفرد بزيادة ما في إسناد ما، لا يُتابع عليها من قِبَل غيره ممن روى الإسناد ذاته، يجب رد تلك الزيادة التي زادها في الإسناد، ولم يتابع عليها؛ كما هو الحال فيما يزيده في المتن.
стр. 54
فإن قبول بعض الرواية دون بعض، والمعنى الذي من أجله رُد ذلك البعض متحقق في الكل غير معقول، ولا مقبول.
إن هذا هو الميزان الذي توزن به روايات الثقات ـ إسناداً ومتناً ـ؛ فكيف بالضعفاء؟!
أليس يقتضي النظر، فيما تفرد به ضعيف ـ غير متهم ـ من الأسانيد، أن ننظر في حفظه لها قبل الحكم بأنها صالحة للاعتبار، اعتماداً على أن راويها ليس من المتهمين بالكذب.
نعم؛ قد يكون راوي الإسناد غير متهم، ولكن روايته تلك شاذة منكرة من حيث الإسناد، والمنكر أبداً منكر، لا اعتداد به في باب الاعتبار.
أليس هذا الضعيف بذاته إذا تفرد بمتن لم يُقبل منه؛ لعدم أهليته لقبول ما يتفرد به؟ فما باله إذا تفرد بإسناد، ولم يُتابع عليه قُبل منه؟!
***
إن تقوية إسناد يتفرد به ضعيف، بإسناد آخر يتفرد به ضعيف آخر، ليس هو من باب الاستشهاد حتى يُتسامح فيه، بل هو من باب الاحتجاج.
فلو جاء متن ـ مثلاً ـ بإسنادين:
أحدهما: يرويه ضعيف ـ غير متهم ـ عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
والثاني يرويه ضعيف آخر مثله، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ .
إن الذي يذهب إلى تقوية هذا بذاك، اعتماداً على أن كلا من
стр. 55
الروايتين قد اتفقتا على المتن، وأنه ليس في الإسنادين من هو متهم بالكذب، بل في كل منهما ضعف هين من قِبل حفظ هذين الضعيفين، فيعتبر أحدهما بالآخر، ويتساهل في شأنهما.
إن الذي يفعل ذلك، ظناً منه أن هذا ليس من باب الاحتجاج، بل من باب الاستشهاد، قد جانبه الصواب، وحاد عن النظر الصحيح، والقواعد العلمية، وصنيع أهل العلم.
فإن هذين الضعيفين، إنما اتفقا على جزء من الرواية، وليس على الرواية كلها.
فهما؛ إنما اتفقا على المتن فحسب، أما الإسناد؛ فقد جاء كل منهما لهذا المتن بإسناد يختلف عن إسناد الآخر.
وعليه؛ فمن قوى رواية هذا برواية ذاك، فهو في الواقع قد احتج بما يتفرد به الضعيف.
أليس الضعيف الأول هو الذي تفرد بزعمه أن الزهري حدثه بهذا الحديث، عن سالم عن ابن عمر؟!
أليس هذا الضعيف لم يتابع على هذا الزعم؟!
أليس الضعيف الثاني، هو الذي تفرد بزعمه، بأن ثابتاً البناني حدثه بهذا الحديث، عن أنس بن مالك؟!
أليس ثبوت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ فرعاً من ثبوته عن صحابييه: ابن عمر، وأنس؛ أو أحدهما؟!
стр. 56
إذ كيف يعقل أن الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، وهو لم يثبت أصلاً عمن رواه عنه؟! إن هذا غير معقول، ولا مقبول.
أليس ثبوت هذا الحديث عن هذين الصحابيين فرعاً من ثبوته عمن رواه عنهما؟!
فإذا لم يكن ثبت عمن رواه عنهما، فكيف يثبت عنهما؟! إن هذا دونه خرط القَتَاد!!
فالذي يُثبت بمقتضى الرواية الأولى أن الزهري حدث بهذا الحديث عن سالم عن ابن عمر، فهو بذلك قد احتج بالراوي الضعيف في إثبات هذا الإسناد لهذا المتن.
وهذا احتجاج؛ ليس من الاستشهاد بسبيل.
والذي يثبت بمقتضى الرواية الثانية، أن ثابتاً بالبناني حدث بهذا الحديث عن أنس بن مالك، فهو أيضاً قد احتج بالضعيف.
نعم؛ لو أن هذين الضعيفين اتفقا على الإسناد كما اتفقا على المتن، فرويا المتن بإسناد واحد، من شيخهما فصاعداً، لكان لنا معهما شأن آخر، ولاتَّجه بنا البحث وجهة أخرى.
لأنهما ـ حينئذ ـ قد اتفقا بالفعل، وتابع كل منهما الآخر على الرواية إسناداً ومتناً، فلم يتفرد أحدهما، لا بالإسناد ولا بالمتن، أما أن يتفرد كل منهما بإسناد للمتن، ونسمي ذلك اتفاقاً؛ فليس بشيء.
***
نعم؛ إن التساهل في اعتبارات الروايات، إنما يقل خطره، بل ربما
стр. 57
يتلاشى أثره، إذا كان الحديث له أصل ثابت قائم بنفسه يُرجع إليه.
فإن الحديث الصحيح لذاته أو الحسن لذاته ليس في حاجة إلى شاهد أو متابع يُقوي ثبوته، فما جاء له من شواهد ومتابعات غير ناهضة، ولا معتبرة، إن لم تنفعه لن تضره.
لكن؛ إنما يجيء الضرر، ويُوجد الخطر، حيث لا يكون لهذا الحديث أصل ثابت يُرجع إليه في بابه، بل كل رواياته ضعيفة، تدور على الرواة الضعفاء؛ فإن التساهل في اعتبار روايات مثل هذا الباب، وعدم تمييز ما ضعفه محتمل، وما هو منكر لا يحتمل؛ يُفضي إلى إقحام أحاديث منكرة وباطلة في الأحاديث الثابتة؛ وهذا ضرر كبير، وشر مستطير.
***
هذا؛ وإنما تركَزَت عنايتي في هذا الكتاب ببيان العلل التي تعتري الشواهد والمتابعات، فتُظهر جانب الخطأ فيها، وترجح جانب الرد لها، وتحقق نكارتها وشذوذها؛ فتوجب اطراحها، وعدم الاعتداد بها في باب الاعتبار.
ولم أتناول في هذا الكتاب ما يتعلق بشرائط الاعتداد المتابعة والحكم بما يقتضيه من تقوية الحديث، ودفع الخطأ عن راويه.
ففرق بين إثبات المتابعة، وبين الاعتداد بها والحكم بما تقتضيه.
فليس كل متابعة ثبتت إلى المتابع تصلح لدفع الخطأ عن المتابع، فمثلاً؛ قد تكون المتابعة من راوٍ كذاب أو متهم، وثبوت متابعة الكذاب أو
стр. 58
المتهم لغيره، لا تكفي لدفع الوهم عن الغير.
فثبوت المتابعة؛ يشترط له أمور:
الأول: صحة الإسناد إلى المتابِع والمتابَع (١) .
الثاني: أن تكون الرواية محفوظة إليهما، وليس ذلك من خطأ بعض الرواة عنهما، أو أحدهما؛ فتكون منكرة لا أصل لها (٢) .
الثالث: أن يكون كل من المتابِع والمتابَع قد سمع هذا الحديث من الشيخ الذي اتفقا على روايته عنه.
أما إذا كان أحدهما ـ أو كلاهما ـ لم يسمع الحديث منه، فلا تثْبُت هذه المتابعة (٣) .
فهذه؛ هي شروط إثبات المتابعة، بصرف النظر عن كون هذه المتابعة مما ترقى إلى التقوية، فيعتد بها في دفع الخطأ عن المتابَع، أو لا.
فهذا؛ هو الذي اعتنيت به في هذا الكتاب خاصة، فقد أبرزت التي تعتري الشواهد والمتابعات، فتدل على عدم ثبوتها من أصلها، أما الشواهد الثابتة، والمتابعات المحفوظة، متى يُعتد بها في دفع التفرد، أو في تقوية الحديث، ومتى لا يعتد بها؛ فلم أتعرض لذلك في هذا الكتاب، وإنما هذا له كتاب آخر.
стр. 59
فالمرسل ـ مثلاً ـ: ما هي شرائط تقويته؟ وهل يشترط في مُرْسِلِه أن يكون من كبار التابعين أم لا؟ وهل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ وهل المنقطع والمعضل مثل المرسل في ذلك أم لا؟ وهل الموقوف يقوي المرفوع الضعيف أم لا؟ ومتى تنفع متابعة سيء الحفظ لمثله، ومتى لا تنفع؟ وهل يتقوى الحديث بالقياس أم لا؟ وهل المجهول يعتد بمتابعته أم لا؟ فكل هذا، وما كان بسبيله، لم أتعرض له في هذا الكتاب؛ ولعلي أفرد له كتاباً خاصاً.
وبالله التوفيق.
***
هذا؛ وإن مما أحب أن أنبه عليه، هو: أن هذه الروايات التي سقتها في أثناء فصول الكتاب، كأمثلة على الأخطاء التي يقع فيه الرواة، في الأسانيد أو المتون، فتفضي إلى اطِّراح هذه الروايات، وعدم الاعتبار بها.
إن الحكم على هذه الروايات بالخطأ والنكارة، لا يستلزم ضعف المتن الذي رُوي بهذه الأسانيد؛ لاحتمال أن يكون صحيحاً ثابتاً، ولكن من وجه آخر أو وجوه أخرى.
فالأحكام التي ذكرتها، إنما تتعلق بتلك الأسانيد فحسب، وهي غير ضارة أصل الحديث، وإن كان له إسناد آخر صحيح أو حسن، أو له م الشواهد المعتبرة والكافية، ما يُغني عن هذا الإسناد المنكر الخطأ.
стр. 60
واعلم! يا أخي الكريم ـ علمك الله الخير، وجعلك من أهله ـ أن ما كتبته في هذا الكتاب من بحوث وتحقيقات حول هذا الموضوع الهام والخطير، وما ذكرت من أمثلة لأخطاء وقع فيها بعض الأفاضل، لم أقصد بها شخصاً بعينه، ولا باحثاً بذاته، بل غاية قصدي، ونهاية هدفي: نصيحة إخواني المشتغلين بهذا العلم الشريف، وصيانتهم
من الوقوع في مثل ما وقع فيه غيرهم؛ فإن "الدين النصيحة؛ لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم "؛ كما قال رسول الله ﷺ .
ولو كان في وسعي، أن لا أسمي أحداً، أو أشير إليه؛ لفعلت؛ لولا الخوف من أن أُنسب إلى الادعاء والتهويل.
ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما كتبت ما كتبت، ولا سطرت ما سطرت؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِين َيَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ
اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] .
فلا يظنن أحد أنني قصدت من كتابي هذا، أو من الأمثلة التي ذكرتها فيه، التشهير بأصحابها، أو الانتقاص منهم أو من أقدارهم، أو أنسبهم إلى ما لا ينبغي،أن يُنسب إليه آحاد الناس؛ فضلاً عنهم، وهم إما عالم فاضل، وإما باحث مجتهد، وكلهم ـ فيما نحسب وحسابهم على الله ـ إنما يقصدون الحق، ويلتمسون سبيله، اللهم إلا
القليل جداً ممن عُرف بنصرة البدعة ومناهضة السنة، فهؤلاء لم آل جهداً في بيان حالهم، وكشف عوارهم.
стр. 61
فليعلم من يبلغ به سوء الظن بأخيه إلى هذا الحد، أنني أبرأ إلى الله من ذلك كله، وأبرأ إليه سبحانه من كل مَنْ ظن بي سوء، أو نسب إليّ ما أنا منه بريء.
وليحذر امرؤ أن يقف بين يدي أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وقد أتى بصلاة وصيام وزكاة، أتى وقد أساء الظن بأخيه، أو نسب إليه ما ليس فيه، فيؤخذ من حسناته وتُعْطَى لأخيه، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياه، فطرحت عليه،
ثم طُرح في النار، نعوذ بالله من دار البوار.
فإياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، وإن بعض الظن أثم، نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى سخطه، وأليم عذابه.
وقولي في ذلك؛ ما قال الحافظ الخطيب البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه العظيم "مُوضح أوهام الجمع والتفريق" (١) ، الذي أفرده لبيان خطأ من أخطأ في هذا الباب ممن تقدمه.
قال الخطيب:
"ولعل بعض من ينظر فيما سطرناه، ويقف على ما لكتابنا هذا ضمناه؛ يُلحق سيء الظن بنا، ويرى أن عمدنا إلى الطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا وعلماء سلفنا؛ وأنى يكون ذلك؟ ! وبهم ذًُكرنا، وبشعاع ضيائهم تبصرنا، وباقتفائنا واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم عن الهمج تحيزنا، وما مثلهم، ومثلنا إلا ما ذكر أبو عمرو بن العلاء؛ قال: "ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في
стр. 62
أصول نخل طوال".
ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلاماً، ونصب لكل قوم إماماً؛ لزم المهتدين بمبين أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم، ممن رزق البحث والفهم، وإنعام النظر في العلم بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا.
إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين من مفارقة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على المتعلم، وواجب على التالي للمتقدم " اهـ.
ولست أدعي لنفسي عصمة من الزلل، ولا أمناً من مفارقة الخطأ والخطل، فحق واجب على من وقف على خطأ، أو وقعت عينه على وهم، أو أداه اجتهاده ونظره إلى ما فيه مخالفة لي، أن يبذل لي النصيحة، مدعمة بالحجة القوية، ومقدَّمة بالأساليب السوية، وبالطريقة المرضية.
وإني ـ إن شاء الله تعالى ـ مرحب بكل ملاحظة ونقد، يصدر عن روية ونظر، وليس عن تعصب وهوى، وراجع عن كل خطأ وقعت فيه في حياتي وبعد مماتي.
والله من وراء القصد.
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب
أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد
стр. 63
لا تنقع باليسير ... ولا تغتر بالكثير
إن الأسانيد هي عصب هذا العلم، فبها يُعرف الحديث، وعليها يعتمد في معرفة صحته من ضعفه، وعلى ضوئها، تُعتبر الروايات، ويُعرف مدى تفرد الراوي من موافقته لغيره، أو مخالفته.
وكلما أكثر الباحث من تتبع الأسانيد في الجوامع والمسانيد والأجزاء الحديثية، كلما كان بحثه أخصب وأنضج، وأقرب ما يكون إلى الصواب.
فربما كان إسناد فيه ضعف، فمن اقتنع به، ولم يستوعب البحث عن غيره، فلربما كان للحديث إسناد آخر صحيح، أو يشهد للأول ويدل على حفظ الراوي له.
لربما كان إسناد ظاهره الصحة، فمن اقتنع به، واكتفى به، ولم يستوعب البحث عن غيره فلربما كان للحديث إسناد آخر يُعِل ذاك الأول، ويدل على خطأ الراوي في لحديث.
ولهذا؛ تتابعت أقوال أهل العلم على أهمية جمع الطرق واستفراغ الجهد في ذلك، وعدم الاكتفاء بالقليل منها.
قال عبد الله بن المبارك (١) :
"إذا أردت أن يصح لك الحديث، فاضرب بعضه ببعض".
стр. 64
وقال علي بن المديني (١) :
"الباب إذا لم تجتمع طرقه، لم يتبين خطؤه".
وقال الخطيب البغدادي (٢) :
"والسبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يُجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ، ومزلتهم في الإتقان والضبط".
وقال الحاكم أبو عبد الله (٣) :
"إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل العلم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث".
ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي (٤) :
"ولابد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين؛ كيحيى القطان , ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني وغيرهما؛ فمن رُزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقُهَت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة، صلُح له أن يتكلم فيه".
стр. 65
وكان الإمام أحمد ـ عليه رحمة الله ـ يُنكر على من لا يكتب من الحديث إلا المتصل، ويدع كتابة المراسيل، ويعلل ذلك؛ بأنه ربما كان المرسل أصح من حيث الإسناد، فيكون علة للمتصل، فالذي لا يكتب المراسيل تخفى عليه علل الحديث.
قال الميموني (١) :
تعجَّب إلى أبو عبد الله ـ يعني: أحمد بن حنبل ـ ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسناداً وأكبر.
قلت: بَيِنَه لي؛ كيف؟
قال: تكتب الإسناد متصلاً، وهو ضعيف؛ ويكون المنقطع أقوى إسناداً منه؛ وهو يرفعه ثم يسنده (٢) ، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ ... .
قال الميموني:
معناه: لو كتب الإسنادين جميعاً، عرف المتصل من المنقطع؛ يعني: ضعف ذا وقوة ذا. اهـ.
ويندرج تحت هذا: كتابة الموقوف؛ فقد يكون الحديث مما اختلف فيه الرواة، رفعه بعضهم، وأوقفه البعض الآخر، ويكون الصواب الوقف، فالذي لا يكتب إلا المرفوع، تخفى عليه علته.
وبهذا؛ ندرك القصور البالغ في الفهارس المتداولة للأحاديث النبوية، والتي كثرت جداً في الآونة الأخيرة، حيث أن أكثر صانعي هذه الفهارس لا يعتنون إلا بفهرسة المرفوعات فحسب، وهي المنسوبة إلى رسول الله ﷺ
стр. 66
صراحة، وبهذا يفوِّتون على الباحث الوقوف على الموقوفات، التي ربما يُعل بها المرفوع.
وبعض هذه الموقوفات، مما هو في حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، فلا تُسعف تلك الفهارس أو أكثرها في الوقوف على مثل هذا، أو ما كان بسبيله.
فلا ينبغي لطالب العلم أن يعتمد على هذه الفهارس اعتماداً كلياً، بل عليه أن يفتش بنفسه عن الحديث في مظانِّه من كتب العلم، حتى يتسنى له معرفة طرقه وأسانيده، وأقوال أهل العلم عليه.
هذا؛ وكتابة المراسيل والموقوفات، كما أنها تفيد في معرفة علة الحديث، فهي أيضاً تفيد في تقوية الحديث، حيث تكون مختلفة المخرج عن الموصول أو الموقوف، وقد رأى أهل العلم صحة الحديث مرفوعاً وموقوفاً، أو موصولاً ومرسلاً، فإن تعدد الأسانيد للحديث الواحد يقوِّي بعضها بعضاَ، ويشهد بعضها لبعض.
وإذا كان أئمة الحديث ـ عليهم رحمة الله ـ قد حثُّواطلاب العلم على التوسع في الكتابة، وجمع الأسانيد، لإدراك العلة، أو لتقوية بعضها ببعض، فقد حذَّروا غاية التحذير من الاغترار بالشواذ والمناكير التي أخطأ فيها الرواة الثقات أو الضعفاء؛ فإنها كثرة لا تنفع الحديث، ولا تفيده؛ لا في الإعلال، إذ الشواذ والمناكير لا يُعل بها غيرها، بل هي معلولة بغيرها؛ ولا في التقوية؛ إذ الشواذ والمناكير لا تُقوِّي غيرها ولا تتقوى بغيرها.
قال الإمام شعبة (١) :
"لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ".
стр. 67
وقال ابن مهدي (١) :
"لا يكون إماماً في الحديث من يتبع شواذ الحديث".
وقال الإمام أحمد ك
"شر الحديث الغرائب، التي لا يُعمل بها، ولا يُعتمد عليها".
وقال أيضاً:
"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء".
وكان يقول:
"إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث "غريب"، أو "فائدة"، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدِّث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان....".
ولمَّا سُئل الإمام أحمد عن حديث أبي كُرَيب، عن أبي أسامة، عن بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جده، عن أبيه أبي موسى الأشعري ـ مرفوعاً ـ: "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
قال الإمام أحمد (٢) :
"يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً، أحاديث ضعيفة! وجعل يُنكر طلب الطرق نحو هذا، قال: هذا شيء لا تنتفعون به "؛ أو نحو هذا الكلام.
стр. 68
ولم يكن الإمام أحمد ـ عليه رحمة الله ـ يُنكر تطلب الطرق المستقيمة المحفوظة، كيف؟ ! وقد سبق عنه حثه على كتابة المراسيل وعدم الاكتفاء بالموصولات، وإنما كان إنكاره هاهنا على من يكتب المناكير والشواذ التي أخطأ فيها الرواة، ولو كانوا من الثقات.
ولهذا؛ علق الإمام ابن رجب الحنبلي على كلام أحمد هذا؛ بقوله (١) :
"وإنما كره أحمد تطلب الطرق الغريبة الشاذة المنكرة، وأما الطرق الصحيحة المحفوظة؛ فإنه كان يحث على طلبها".
وفي مثل هذا؛ يقول الإمام البغدادي (٢) :
"أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب على إرادتهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مُجتنباً، والثابت مَصْروفاً عنه مُطَّرِحاً، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز،
وزهدهم في تعلمه؛ وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين"
وعلق عليه الحافظ ابن رجب الحنبلي؛ قائلاً (٣) :
"وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى
стр. 69
الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها (١) ،
ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل "مسند البزار" و"معاجم الطبراني" وأفراد الدارقطني"، وهي مجمع الغرائب والمناكير".
هذا؛ وقد جاء عن كثير من علماء السلف إطلاق ذم الإكثار من الحديث؛ ومعلوم أن السلف ـ عليهم رحمة الله ورضوانه ـ لا يمكن أن يذموا الإكثار من رواية الأحاديث الصحيحة المحفوظة، فعلم بذلك أنهم ما أرادوا إلا الأحاديث الشاذة والمنكرة، التي أخطأ فيها الرواة.
وقد بين الإمام الخطيب البغدادي ـ عليه رحمة الله ـ وشرح مقالات هؤلاء الأئمة من علماء السلف على نحو ما ذكرت.
فقد روى في كتابه " شرف أصحاب الحديث " (٢) ، عن الإمام سفيان الثوري، أنه قال:
"لو كان هذا من الخير؛ لنقص كما ينقص الخير" ـ يعني: "الحديث".
وبلفظ آخر:
"أرى كل شيء من أنواع الخير ينقص، وهذا الحديث إلى زيادة؛ فأظن أنه لو كان من أسباب الخير لنقص أيضاً".
ثم قال الخطيب (٣) :
"إن الثوري؛ عنى بقوله الذي تقدم ذكرنا له: غرائب الأحاديث
стр. 70
ومناكيرها، دون معروفها ومشهورها؛ لأن الأخبار الشاذة والأحاديث المنكرة أكثر من أن تحصى، فرأى الثوري أن لا خير فيها؛ إذ رواية الثقات بخلافها، وعمل الفقهاء على ضدها، وقد ورد عن جماعة من العلماء سوى الثوري ـ كراهة الاشتغال بها، وذهاب الأوقات في طلبها".
ثم أسند بعض هذه الروايات؛ كمثل قول النخعي: "كانوا يكرهون غريب الكلام، وغريب الحديث" (١) ، وقول أحمد: "تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب؛ ما أقل الفقه فيهم".
ثم قال الخطيب:
"وليس يجوز الظن بالثوري، أنه قصد بقوله الذي ذكرناه: صحاح الأحاديث، ومعروف السنن، وكيف يجوز ذلك، وهو القائل:
"أكثروا من الأحاديث؛ فإنها سلاح ".
ثم ذكر عن الثوري مقالات أخرى في هذا المعنى، ثم روى:
عن عبد الله بن إدريس، أنه قال:
"كنا نقول: الإكثار من الحديث جنون".
وعن مالك، أنه قال:
"ما أكثر أحد من الحديث فأنجح".
وعن عبد الرزاق، أنه قال:
"كنا نظن أن كثرة الحديث خير، فإذا هو شر كله".
стр. 71
ثم قال الخطيب (١)
" وهذا الكلام؛ كله قريب من كلام الثوري، في ذم شواذ الحديث، والمعنى فيهما سواء، إنما كره مالك وابن إدريس وغيرهما: الإكثار من طلب الأسانيد الغريبة، والطرق المستنكرة؛ كأسانيد "حديث الطائر"، وطرق "حديث المغفرة" و "غسل الجمعية"، و"قبض العلم"، و "إن هذه الدرجات"، و"من كذب علي متعمداً"،
و"لا نكاح إلا بولي"، وغير ذلك مما يتتبع أصحاب الحديث طرقه، ويُعنون بجمعه؛ والصحيح من طرقه أقلها.
وأكثر من يجمع ذلك الأحداث منهم، فيتحفَّظونها ويُذاكرون بها؛ ولعل أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثاً، وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة، التي أكثرها موضوع، وجلها مصنوع، ما لا يُنتفع به، وقد أذهب من عمره جزءاً في طلبه.
وهذه العلة؛ هي التي اقتطعت أكثر مَنْ في عصرنا من طلبة الحديث عن التفقه به، واستنباط ما فيه من الأحكام؛ وقد فعل مُتَفَقِّهة زماننا كفعلهم، وسلكوا في سبيلهم، ورغبوا عن سماع السنن من المحدثين، شغلوا أنفسهم بتصانيف المتكلمين؛ فكلا الطائفتين ضيع ما يعنيه، وأقبل على ما لا فائدة له فيه " اهـ.
стр. 72
المنكر.. أبداً منكر
إن كثيراً من المشتغلين بالحديث، يتكلفون غالباً الربط بين حالك الراوي وحال روايته، ويُعلقون الحكم على الرواية بالحكم عليه.
فالراوي الثقة عندهم حديثه صحيح أبداً، والراوي الصدوق حديثه حسن لا غير، والراوي الضعيف حديثه ضعيف، منجبر بغيره ولابد، والراوي الكذاب حديث موضوع ساقط بمرة.
هكذا!! دونما نظر في الرواية، وتأمل للعلل الأخرى التي تعتري الروايات، فتستلزم الحكم عليها بالشذوذ والنكارة، بصرف النظر عن حال الراوي.
فإن الحديث الذي ثبت شذوذه حديث مردود، ساقط بمرة، لا يصلح للاحتجاج ولا الاعتبار، مهما كان راويه في الأصل ثقة أو صدوقاً؛ لأنه قد ثبت أن هذا الحديث بعينه قد أخطأ فيه هذا الثقة، ولا يُعقل أن يُحتج أو يُعتبر بحديث قد تُحقق من خطئه؛ فإنه ـ والحالة هذه ـ لا وجود له في الواقع، إلا في ذهن وتخيل ذاك الراوي الثقة الذي أخطأ.
وكذلك الحديث المنكر، مثل الحديث الشاذ بل أولى (١) ؛ لا يصلح للاحتجاج ولا للاعتبار، مهما كان راويه سالماً من الضعف الشديد، غير متهم بكذب أو فسق.
стр. 73
وهذا أمر معروف عند أهل العلم، لا يُعلم بينهم فيه اختلاف، بل قد نصوا عليه، وحذروا من الغفلة عنه.
يقول الإمام الترمذي في تعريفه للحديث الحسن الذي أكثر منه في "جامعه"، يقول (١) :
"ومما ذَكرنا في هذا الكتاب "حديث حسن"؛ فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا: كل حديث يُروى، لا يكون فيه إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويُروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا حسن".
فإذا كان الترمذي يشترط في الحديث لكي يصلح لأن يعتضد بغيره: أن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، وألا يكون شاذاً، أدركنا أن الحديث الشاذ لا يصلح لأن يعتضد بتعدد الطرق، كما أن الذي فيه متهم لا يصلح لذلك، ولا تنفعه الطرق المتعددة.
وبنحو ذلك؛ صرح ابن الصلاح، فقال (٢) :
"ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمن ضعف يزيله ذلك ... ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً ... ".
ومثله؛ قول الحافظ العراقي في "الألفية":
стр. 74
وإن يكن لكذب أو شذا أو قوي الضعف؛ فلم يُجبر ذا
وقال المرُّوذي (١) :
"ذكر ـ يعني: أحمد بن حنبل ـ الفوائد، فقال: الحديث عن الضعفاء قد يُحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر".
قلت: ومعنى هذا: أن الراوي الضعيف إذا روى حديثاً غير منكر، فإنه يستفاد بروايته تلك في باب الاعتبار، أما إذا جاء المنكر ـ من الضعيف أو الثقة ـ، فإنه لا يُلتفت إليه، ولا يعرج عليه، لأنه قد تُحقق من وقوع الخطأ فيه.
وقال الإمام أبو داود (٢) :
"لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب، وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً".
وقد ذكر الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ في كتابه "صلاة التراويح" حديثاً خالف فيه ثقة غيره ممن هو أوثق منه، وأكثر عدداً؛ ثم قال (٣) :
"ومن المقرر، في علم "مصطلح الحديث"، أن الشاذ منكر مردود؛
стр. 75
لأنه خطأ، والخطأ لا يُتقوى به! ".
ثم قال الشيخ:
" ومن الواضح أن سبب رد العلماء للشاذ، إنما هو ظهور خطأها بسبب المخالفة المذكورة، وما ثبت خطؤه فلا يُعقل أن يقوي به رواية أخرى في معناها، فثبت أن الشاذ والمنكر لا يعتد به، ولا يستشهد به، بل إن وجوده وعدمه سواء" (١) .
هذا؛ وإنما يصلح في هذا الباب ما ترجح جانب إصابة الراوي فيه، فيحتج به، أو كان جانب إصابته مساوياً لجانب خطئه، فيعتبر به.
قال الحافظ ابن حجر (٢) :
" لم يذكر ـ يعني: ابن الصلاح ـ للجابر ضابطاً يُعلم منه ما يصلح أن يكون جابراً، أو لا.
والتحرير فيه: أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد:
فحيث يستوي الاحتمال فيهما؛ فهو الذي يصلح لأن ينجبر.
وحيث يقوى جانب الرد؛ فهو الذي لا ينجبر.
وأما إذا رجح جانب القبول؛ فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي والله أعلم ".