حديث باطل بهذا الإسناد ".
فالحديث؛ ليس من حديث الثوري أصلاً.
على أنه لو كان من رواه عن الثوري ـ غير خالد ـ ثقةً؛ لما صح؛ ـ والحالة هذه ـ أن تصحح
رواياتهم، أو يقوى بعضها بعضاً؛ لما سبق من أن كل من رواه عن الثوري ـ غير خالد ـ، إنما أخذه عن
خالد، ثم دلسه، فعاد الحديث حينئذ إلى خالد الوضاع، وصارت هذه المتابعات صورية، لا حقيقة لها في
الواقع، فكيف وهو ضعفاء؟!
وقد سبق الإشارة إلى أن الشيخ الألباني ـ حفظه الله ـ قد أعل هذه المتابعات بتلك العلة، وأنه قال في متابعة أبي قتادة الحراني ما نصه:
" يحتمل احتمالاً قوياً أن يكون تلقاه عن خالد بن عمرو، ثم دلسه، كما قال ابن عدي (١) في متابعة ابن كثير ".
وأما المرسل المذكور؛ فلو صح أنه مرسل، وليس معضلاً كما في بعض الروايات، لما صلح أيضاً لتقوية الحديث؛ لتقاعد الروايات الأخرى عن حد الاعتبار.
بل الظاهر؛ أن هذا المرسل هو أصل هذا الحديث، وأنه لا يصح إلا مرسلاً (٢) .
ومثال الشاهد:
حديث: أبي الزبير، عن جابر، أن أم مالك كانت تُهدي للنبي ﷺ
стр. 422
في عكة لها سمناً، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه النبي ﷺ فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ ، فقال: " عصرتيها؟ " قالت: نعم. قال: " لو تركتيها ما زال
قائماً ".
أخرجه: مسلم (٧/٥٩) وأحمد (٣/٣٤٠) .
فهذا الحديث؛ قد خلط فيه بعض أدعياء العلم (١) عدة تخليطات.
فأولاً: أراد أن يدفع شبهة تدليس أبي الزبير له عن جابر، فجاء له بشاهد معناه.
وهذا الشاهد؛ هو ما أخرجه: ابن أبي شيبة (٣١٧٦٠) والطبراني في " الكبير " (٢٥/١٤٥ - ١٤٦) من حديث محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن يحيى بن جعدة، عن رجل حدثه، عن أم مالك الأنصارية، أنها جاءت بعكة سمن إلى رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فعصرها، ثم رفعها إليه،
فرجعت، فإذا هي مملوءة، فأتت النبي ﷺ ، فقال: أنزل في شيء يا رسول الله؟ قال: " وما ذاك، يا أم مالك؟ " قالت: رددت علي هديتي. قال: فدعا بلالاً فسأله عن ذلك، فقال: والذي بعثك بالحق، لقد عصرتها حتى استحييت. فقال رسول الله ﷺ : " هنيئاً لك: يا أم مالك! هذه بركة عجل الله ثوابها "، ثم علمها أن في دبر كل صلاة: سبحان الله ـ عشراً ـ، والحمد لله ـ عشراً ـ والله أكبر ـ عشراً ـ.
وهذا كما ترى؛ إنما هو شاهد بالمعنى، يشهد لمتن الحديث؛
стр. 423
لكن ما دَخْلُ هذا في إثبات السماع
من عدمه؟!
ثانياً: أن هذا الشاهد؛ فيه عطاء بن السائب، وكان قد اختلط، وفيه أيضاً ذاك الذي لم يسم.
فأراد ذلك الدعي أن يدفع ذلك الضعف الذي في إسناد الشاهد بمجرد مجيء متن الحديث أو معناه في حديث جابر السابق؛ وهذا خطأ مركب.
لأنه جعل المشهود له شاهداً، ولأن كون المتن له ما يشهد له، فأين الذي يشهد لهذا السند الذي جاء به عطاء بن السائب، ولم يتابع عليه؟!
والعجب في قوله:
" عطاء بن السائب لم يختلط في هذا الحديث؛ لأن له شواهد كثيرة؛ منها حديث جابر المذكور ".
وأبو حاتم الرازي يقول:
" وما روى عنه ابن فضيل، ففيه غلط واضطراب ".
فهذا؛ حكم من أبي حاتم ﵀ على هذه الرواية وأمثالها مما رواه محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب.
بل إن تفرد عطاء بهذا الإسناد ـ على اختلاطه ـ دون غيره من الثقات، لهو أكبر دليل على أن هذا الإسناد لهذا المتن غير محفوظ،ولو كان محفوظاً لواه غيره من الثقات!
ثالثاً: أنه جعل اشتمال هذا الحديث على شيء متواتر دليلاً على سماع
стр. 424
أبي الزبير له من جابر! وهذا في غاية العجب.
فقد قال:
" لم أجد لأبي الزبير تصريحاً بالسماع، لكن أحاديث زيادة الطعام ببركته ﷺ متواترة، لا تحتاج لما
يقويها ".
وهذه؛ حيدة وخروج عن محل البحث؛ لأن كون الحديث قد اشتمل على بعض ما هو متواتر، لا يستلزم صحة هذا الحديث بعينه، فضلاً عن ثبوت سماع أحد رواته له من شيخه.
* وهاهنا أمر في غاية الأهمية:
ذلك؛ أن الأئمة ـ عليهم رحمة الله ـ قد يطلقون على باب من الأبواب، أو حكم من الأحكام، أو أمر من الأمور، بأنه متواتر عن رسول الله ﷺ ؛ بناء على كثرة الأخبار الصحيحة التي تضمنت هذا الحكم، أو ذاك الأمر.
فيأتي بعض من لم يحسن تصور هذا الباب، فيحكم على كل حديث جاء فيه هذا الأمر، أو تضمن هذا الحكم، بالصحة، بل بالتواتر؛ بناء على ثبوت تواتر هذه الحكم أو ذاك الأمر الذي تضمنه هذا الحديث.
وهذا؛ ليس بشيء! لأن تواتر هذا الحكم، أو ذاك الأمر؛ لكثرة ما جاء فيه من روايات، لا يستلزم تواتر كل أفراد الروايات؛ لأن الحكم بالتواتر إنما هو حكم للقاسم المشترك بين هذه الروايات فقط، دون ما تفردت به كل رواية من هذه الروايات.
стр. 425
ولنضرب مثالاً يوضح المقام.
ذكروا مما تواتر معنى: رفع النبي ﷺ يديه عند الدعاء؛ بناء على كثرة الروايات الصحيحة التي جاءت عن رسول الله ﷺ في وقائع مختلفة، والتي تضمنت هذا الأمر.
وهذه الروايات؛ وإن تضمنت هذا الأمر، فقد تضمنت كل رواية من هذه الروايات شيئاً زائداً على هذا القاسم المشترك؛ من كونه ﷺ رفع يديه في مكان معين، أو في ساعة معينة، أو على هيئة معينة، أو قال في دعائه قولاً معيناً، أو غير ذلك.
ولا شك؛ أن هذه الزيادات التي تفردت كل رواية ببعضها لم تتواتر، ولا اجتمع لها ما اجتمع لرفعه ﷺ يديه عند الدعاء.
فالشيء المتواتر من تلك الروايات، هو القدر المشترك بينها فقط، وهو رفعه ﷺ يديه عند الدعاء، أما باقي التفاصيل التي تفردت بها كل رواية عن الأخرى فهي صحيحة؛ لصحة الرواية التي تضمنتها بمفردها، وليست بمتواترة.
وعليه؛ فلو جاءت رواية أخرى ضعيفة في نفسها؛ لعدم توفر شرائط الصحة فيها، وتضمنت أيضاً رفع النبي ﷺ يديه عبد الدعاء، مع زيادات أخرى وتفاصيل مختلفة؛ فإنه لا يصح ـ والحالة هذه ـ أن تصحح تلك الرواية بناء على أن هذه الجزء منها قد تواتر عنه - صلى الله
عليه وسلم -.
لأن تواتر هذا الجزء من تلك الرواية، إنما يدل على صحته في ذاته،
стр. 426
ولكنه لا يدل على صحة باقي التفاصيل التي تضمنتها الرواية أيضاً؛ لعدم صحة هذه الرواية التي تضمنتها.
والله أعلم.
стр. 427
المتابعة.. والسرقة
من عُرف بسرقة الحديث، وادعاء سماع ما لم يسمع، لا يصلح حديثه في باب الاعتبار، ومتابعته لغيره لا تنفعه بقدر ما تضره، فإنها تؤكد سرقته لحديث غيره، وروايته من غير سماع.
فإن السارق للحديث ـ غالباً ـ لا يختلق متناً، ولا يركب إسناداً حتى يُبَرأ من تهمة الحديث حيث يتابعه عليه غيره.
وإنما السارق، يأتي إلى أحاديث يرويها غيره بالفعل، عن شيخ من الشيوخ، فيسمعها هو من بعض أصحاب ذلك الشيخ، ثم يسقط الواسطة، ويرتقي بالحديث إلى الشيخ نفسه، مصرحاً بالسماع منه، وهو لم يسمعه منه، فيدعي سماع ما لم يسمع.
والفرق بين السرقة والتدليس واضح؛ فإن المدلس لا يصرح بالسماع، بل يأتي بصيغة محتملة، بخلاف السارق؛ فإنه يصرح بالسماع ويكذب في ذلك.
وفي " تاريخ بغداد " (١) .
عن حسين بن إدريس، قال: سألت عثمان بن أبي شيبة، عن أبي هشام الرفاعي، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يسرق حديث غيره، فيرويه.
قلت: أعلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟ فقال: كيف يكون
стр. 428
تدليساً، وهو يقول: حدثنا؟!
فهذا ـ كما ترى ـ لا يتفرد، بل يروي ما يرويه غيره، غير أن غيره سمع، وهو لم يسمع، فيظهر وكأنه لم يتفرد، بل توبع، وليس الأمر كذلك، فإن هذه متابعة صورية، لا حقيقة لها.
فمتابعة السارق؛ لا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكد التهمة عليه، وأنه إنما أخذ حديث غيره، فرواه؛ مدعياً سماعه (١) .
وهذا؛ والأصل في السارق أنه متهم؛ لادعائه سماع ما لم يسمع، لكن؛ قد يقع من بعض الثقات وبعض أهل الصدق ممن لا يُتهمون ـ ما صورته كصورة السرقة، لا عن قصد؛ بل عن خطأ، أو عن تساهل في استعمال ألفاظ الأداء في غير معناها الاصطلاحي.
فمثل هذه الروايات تعامل مثل السرقة، من حيث عدم الاعتداد بها في باب الاعتبار ودفع التفرد، غير أنه لا يثتهم في صدقه من وقع في مثل ذلك من أهل الصدق، بل يحمل ذلك على الخطأ أو التساهل.
وقد تقدمت أمثلة ذلك في " فصل: التدليس.. والسماع " (٢) .
وبالله التوفيق.
стр. 429
مثال ذلك:
حديث: قزعة بن سويد، عن عاصم بن مخلد (١) ، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرض بين شعر بعد عشاء الآخر، لم تُقبل له صلاة تلك الليلة ".
أخرجه: أحمد (٤/١٢٥) والطبراني (٧/٢٧٨) والبزار (٢٠٩٤ - كشف) والعقيلي (٣/٣٣٩) والبيهقي في " الشعب " (٥٠٨٩) وابن الجوزي في " الموضوعات " (١/٢٦١) .
وقال البزار:
" لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه، وعاصم لا نعلم روى عنه إلا قزعة، وقزعة ليس به بأس، ولكن ليس بالقوي ... ".
وقال العقيلي:
" لا يتابع عاصم عليه، ولا يُعرف إلا به ".
وقال ابن الجوزي:
" هذا حديث موضوع.. وعاصم في عداد المجهولين ".
ثم نقل قول أحمد وابن حبان في تضعيف قزعة.
وقد تُوبع عاصم على هذا الحديث؛ إلا أنها متابعة واهية، لا يعتد بها.
стр. 430
قال البيهقي:
" وكذلك رواه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعث ".
ووصله: البغوي في " الجعديات " (٣٤٩٢)(١) .
قلت: وعبد القدوس هذا متروك، فلا تنفع متابعته.
وقد قال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (٢) .
"لكن عاصماً أصلح من عبد القدوس بن حبيب، فكأن عبد القدوس سرقه منه".
قلت: وهذا هو التحقيق، أن متابعة عبد القدوس راجعة إلى رواية عاصم، فيبقى عاصم متفرداً بالحديث، ويبقى إعلال الأئمة السابقين في موضعه.
لكن؛ خالف ذلك الحافظ ابن حجر في موضع آخر، فتعقب الإمام ابن الجوزي حكمه على هذا الحديث بالوضع، فقال في "القول المسدد" (٣) :
"ليس في شيء من هذا ما يقضي على هذا الحديث بالوضع؛ إلا أن يكون استنكر عدم القبول من أجل فعل المباح؛ لأن قرض الشعر مباح، فكيف يعاقب فاعله بأن لا تقبل له صلاة؟ ! فلو علل بهذا لكان أليق به من تعليله بعاصم وقزعة؛ لأن عاصماً ما هو من المجهولين، كما قال؛ بل
стр. 431
ذكره ابن حبان في "الثقات". وأما كونه تفرد برواية هذا عن أبي الأشعت، فليس كذلك؛ فقد تابعه عليه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعت، رويناه في "الجعديات" عن أبي القاسم البغوي ...
ولكن عبد القدوس ضعيف جداً؛ كذبه ابن المبارك، فكأن العقيلي لم يعتد بمتابعته ".
ثم أخذ يدافع عن قزعة، وانتهى إلى " أن حديثه في مرتبة الحسن ".
قلت: وعلى هذا التعقب مؤاخذات:
فإنه لو سلم للحافظ ـ عليه رحمة الله ـ ما قاله، لما سَلِم له دفاعه عن الحديث، والعجب أنه سلم في أول كلامه بأن متنه منكر، فما العجب إذن في الحكم بالوضع على حديث منكر المتن (١) ؟!
ولو سلمنا له كلامه في قزعة، وتجاوزنا عما فيه من تساهل واضح؛ فإننا لا نسلم له أبداً ما قاله في دفاعه عن عاصم.
فقوله: " ما هو من المجهولين "، اعتماداً على ذكر ابن حبان له في " الثقات "؛ في غاية العجب! فإن ذكر ابن حبان لمثل هذا الراوي في " ثقاته "، إن لم يؤكد جهالته، فهو لا يرفعها؛ لما عُرف من قاعدته في توثيق المجاهيل، والحافظ ابن حجر من أعلم الناس بذلك.
وأما متابعة عبد القدوس؛ فقد سبق ما فيها، فهي متابعة وجودها كالعدم.
على أن عاصماً رغم أنه تفرد به عن أبي الأشعث، إلا أنه قد خولف أيضاً؛ خالفه من هو أولى منه
بطبقات؛ في موضعين:
стр. 432
الأول: في اسم صحابيِّه.
الثاني: في رفعه.
فقد قال ابن أبي حاتم في " العلل " (١) :
" سألت أبي، وذكر حديثاً رواه موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن الوليد بن سليمان، عن أبي الأشعث، عن عبد الله بن عمرو ـ يرفعه ـ (فذكره) ؟
قال أبي: هذا خطأ؛ الناس يروون هذا الحديث، لا يرفعونه؛ يقولون: عن عبد الله بن عمرو فقط.
قلت: الغلط ممن هو؟
قال: من موسى؛ لا أدري من أين جاء بهذا مرفوعاً " اهـ.
قلت: فقد خالف الوليد بن سليمان ـ وهو: ابن أبي السائب القرشي ـ، وهو ثقة، في رواية الناس
عنه، خالف عاصماً في جعله الحديث من مسند " عبد الله بن عمرو "، بدلاً من " شداد بن أوس "، وأيضاً في رفعه؛ حيث أوقفه هو ـ على ما رجح أبو حاتم.
والعجب من الحافظ بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ حيث ساق كلام أبي حاتم هذا، ولم يستفد منه، ولم يعل الحديث بما يقتضيه هذا الوجه (٢) .
وبالله التوفيق.
стр. 433
مثال آخر:
حديث: مصعب بن سلام، عن شعبة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، فأتت النبي ﷺ ، فقال لزوجها " متعها "، قال: لا أجد ما أمتعها. قال
" فإنه لابد من المتاع "، قال: " متعها؛ ولو نصف صاع من تمر ".
أخرجه: البيهقي (٧/٢٥٧) من طريق علي بن عبد الصمد، عن الوليد بن شجاع السكوني، عن مصعب، به.
ورواه: الخطيب أيضاً (٣/٧١ - ٧٢) من طريق أبي الفتح الأزدي ـ الإمام المعروف ـ، عن محمد بن علي بن سُهيل الحصيب، عن الوليد، به.
وقال الأزدي:
" لم يكن هذا الشيخ ـ يعين: الحصيب ـ مرضياً؛ سرقه، هو عند علي بن أحمد النضر؛ وأصله عن شعبة باطل، إنما هو عن الحسن بن عمارة ".
وقد تعقب الأزدي الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، في " السلسلة الصحيحة " (١) , فقال:
" كذا قال الأزدي، وهو مردود بمتابعة علي بن عبد الصمد الثقة لمحمد بن علي بن سهيل الحصيب؛ فانتفت شبهة سرقته، واندفع إعلال
стр. 434
الأزدي إياه بالسرقة، ولاسيما والأزدي نفسه متكلم فيه، على حفظه ".
قلت: وفي هذا التعقيب نظر؛ من وجوه:
الأول: أن رواية الحصيب، إنما جاءت من طريق الأزدي؛ فالحصيب يرويها عن الأزدي، عنه، فإذا كان الأزدي " مُتكلماً فيه " فكيف يُعتمد على روايته؛ لإثبات متابعة الحصيب لعلي بن عبد الصمد؟
وإذا رُد نقد الأزدي للرواية لكونه " مُتكلماً فيه "، فمن باب أولى أن تُرد روايته، فلا يُعتمد عليها في إثبات تلك المتابعة.
الثاني: دفع اتهام الأزدي للحصيب بسرقة هذا الحديث، بمجرد متابعة على بن عبد الصمد الثقة له، لا يستقيم؛ لما ذكرناه سابقاً من أن المتابعة لا تنفع السارق، ولا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكدها.
والأزدي نفسه يعلم أنه لم يتفرد، فقد ذكر في كلامه أن الحديث عند علي بن أحمد بن النضر (١) ، ومع ذلك اتهم الحصيب بسرقته، فكأنه يرى أنه سمعه منه، ثم ادعى سماعه من الوليد.
الثالث: أن الأزدي لا ينازع في صحة الرواية عن مصعب بن سلام؛ إنما ينازع في سماع بعض من دونه في الإسناد له من شيخه، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ نقد جزئي للرواية، أما أصل الرواية، فقد أعلها بما يقدح في أصل صحة الحديث، وذلك بقوله:
" وأصله عن شعبة باطل؛ إنما هو عن الحسن بن عمارة ".
يعني: أنه مقلوب؛ قلبه مصعب بن سلام، فليس هو من حديث
стр. 435
شعبة، بل من حديث الحسن بن عمارة المتروك، وهذا يقدح في الحديث من أصله.
ولا يقال: إن هذا زعم، لا يقوم على دليل.
لأن مصعب بن سلام معروف بهذا النوع من القلب في الأسانيد.
قال الإمام أحمد (١) :
" انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم ابن أبي شيبة مرة، فجعل يذاكر عنه أحاديث شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة؛ انقلبت عليه أيضاً ".
وقال ابن معين (٢) :
" صدوق؛ كان هاهنا ـ يعني: ببغداد ـ، فأعطوه كتاباً للحسن بن عمارة، فحدث به عن شعبة، ثم رجع عنه ".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٣) :
" مصعب بن سلام؛ تركنا حديثه، وذلك أنه جعل يُملي علينا عن شعبة أحاديث: حدثنا شعبة، حدثنا شعبة! فذهبت إلى وكيع، فألقيتها عليه. قال: من حدثك بهذا؟ فقلت: شيخ هاهنا. قال: هذه الأحاديث كلها حدثنا بها الحسن بن عمارة؛ فإذ الشيخ قد نسخ حديث الحسن بن عمارة في حديث شعبة!! ".
стр. 436
قلت: وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في قوله: " ... وقدم ابن أبي شيبة مرة ... ".
فأنت ترى؛ أن الأزدي، لم يتفرد بقوله: " أصله عن شعبة باطل، وإنما هو عن الحسن بن عمارة "، حيث إن هؤلاء الأئمة قد سبقوه إلى القول إجمالاً.
وأنظر: أمثلة من تلك الأحاديث التي انقلبت عليه، في ترجمته من " الضعفاء " للعقيلي (٤/١٩٥)
و" الكامل " لابن عدي (٦/٢١٦٠) و " سؤالات أبي زرعة " للبرذعي (٢/٣٣١ - ٣٣٢) .
وبهذا؛ تدرك مدى تسامح الحافظ ابن حجر ـ عليه رحمة الله ـ في " التقريب "؛ حيث قال في مصعب بن سلام " صدوق له أوهام "؛ فإن هذا القول على ما فيه من تسامح واضح، غير موفٍ بحال الرجل؛ لأن خطأه من نوع خاص، فكان على الحافظ أن يبين هذا النوع من خطئه في عبارته، حتى يتجنب ما كان بسبيله.
هذا؛ ولو كان هذا الحديث من حديث شعبة؛ لعرف عند أصحابه الثقات ـ وما أكثرهم ـ؛ ولما تفرد به مصعب بن سلام عنه، مع ما عُلم من خفة ضبطه في الجملة، وفي تخليطه إذا روى عن شعبة خاصة.
وبالله التوفيق (١) .
стр. 437
المتابعة.. والتلقين
من عُرف بقبول التلقين، لا يصلح حديثه للاعتضاد، وإن كان قابل التلقين غير متهم، لأن الخلل الحاصل من قبوله التلقين، يفضي إلى طرح حديثه، وعدم اعتباره.
وذلك من وجهين:
الأول: أن قبول التلقين " مظنة رواية الموضوع؛ فإن معنى قبول التلقين، أنه قد يقال له: " أحدثك فلان عن فلان بكيت وكيت؟ " فيقول " نعم؛ حدثني فلان عن فلان بكيت وكيت "، مع أنه ليس لذلك أصل، وإنما تلقنه وتوهم أنه من حديثه، وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين، فيلقنونه فيتلقن، ويروي ما وضعوه " (١) .
وقال الحميدي عبد الله بن الزبير (٢) :
" فإن قال قائل: فما الشيء الذي إذا ظهر لك في المحدث، أو من حدث عنه، لم يكن مقبولاً؟
قلنا: أن يكون في إسناده رجل غير رضا، بأمر يصح ذلك عليه، بكذب أو جرحة في نفسه، تُرد بمثلها الشهادة، أو غلطاً فاحشاً لا يشبه
стр. 438
مثله، وما أشبه ذلك.
فإن قال: فما الغفلة التي تُردُ بها حديث الرجل الرضا، الذي لا يعرف بكذب؟
قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك، فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو بغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف تصحيفاً فاحشاً، فيقلب المعنى، لا يعقل ذلك
فيكف عنه.
وكذلك؛ من لُقِّن فتلقن التلقين، يُرد حديثه الذي لُقن فيه، وأُخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا عُلم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لا يعرف به قديماً، فأما من عُرف به قديماً في جميع حديثه، فلا يُقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لُقن " اهـ.
الوجه الثاني: أن الملقِّن قد يجيء ذاك الشيخ بحديث يرويه غيره، ويلقنه إياه على أنه من حديثه هو، ويقول له: " حدثك فلان عن فلان بكيت وكيت "، فيقول " نعم "، فيرويه هو، أو يجيز غيره روايته عنه، وليس هو من حديثه، بل من حديث غيره، والواقع أن الحديث حديث غيره، وليس حديثه هو، فلا تنفع تلك المتابعة.
مثال ذلك:
حديث عبد الله بن معاوية الغاضري، عن النبي ﷺ ، قال: " ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله،
стр. 439
وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يُعطي الهَرَمَة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره ".
يرويه: أبو داود في " السنن " (١٥٨٢) ؛ قال:
" وقرأت في كتاب عبد الله بن سالم بحمص ـ عند آل عمرو بن الحارث الحمصي ـ: عن الزبيدي، قال: وأخبرني يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن معاوية الغاضري ـ عن (١) غاضرة قيس ـ قال: قال النبي ﷺ " ـ فذكره.
فهذا الإسناد منقطع؛ لأن يحيى بن جابر لم يدرك جبير بن نفير، إنما يروي عن عبد الرحمن بن جبير
بن نفير، عنه.
لكن؛ جاءت رواية أخرى بإثبات " عبد الرحمن بن جبير بن نفير "، بينهما.
فقد رواه: إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ـ المعروف بـ " ابن زبريق " ـ، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن يحيى بن جابر الطائي، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، أن أباه حدث، أن عبد الله بن معاوية الغاضري حدثهم ـ فذكره.
أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " (٣/١/٣١-٣٢) والطبراني في " الكبير " ـ كما في " تحفة الأشراف " (٧/١٧١-١٧٢) ـ والفسوي في " المعرفة والتاريخ " (١/٢٦٩) والبيهقي (٤/٩٥-٩٦) .
стр. 440
وهذه الرواية؛ لا تصلح للاحتجاج بها لإثبات ذكر " عبد الرحمن بن جبير بن نفير " في الإسناد؛ فإن ابن زبريق هذا ضعيف؛ بل قال الذهبي في " الميزان " (١) في ترجمة " عمرو بن الحارث ":
" تفرد بالرواية عنه إسحاق ابن إبراهيم ـ زبريق ـ، ومولاة له اسمها علوة؛ فهو معروف العدالة، وابن زبريق ضعيف ".
قلت: وأبو داود؛ إنما رجع إلى كتاب عبد الله بن سالم، والكتاب أتقن، فكيف إذا كان المخالف ضعيفاً، وقد حدث من حفظه؟!
لكن؛ جاءت متابعة لعمرو بن الحارث على ذلك " عبد الرحمن بن جبير بن نفير " في الإسناد.
فقد رواه: أبو التقي عبد الحميد بن إبراهيم، عن عبد الله بن سالم ـ بمثله.
أخرجه: الطبراني في " الصغير (١/٢٠١) .
وقال الطبراني:
" لا يُروى هذا الحديث عن ابن معاوية إلا بهذا الإسناد، تفرد به الزبيدي، ولا نعرف لعبد الله بن معاوية الغاضري حديثاً مسنداً غير هذا ".
وهذه المتابعة لا تنفع؛ لأمرين:
الأول: أن أبا التقي هذا ضعيف جداً.
الثاني: أنها راجعة إلى رواية ابن زبريق.
стр. 441
فقد ذكر الأئمة أن تلك الأحاديث التي يرويها أبو التقي عن عبد الله بن سالم، إنما أخذها من كتاب ابن زبريق، وأنه لُقن إياها، ولم يكن يحفظ.
قال أبو حاتم الرازي:
" كان في بعض قرى حمص، لم أخرج إليه، وكان ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم الزبيدي، إلا أنها ذهبت كتبه، فقال: لا أحفظها، فأرادوا أن يعرضوا عليه، فقال: لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، ثم قدمتُ حمص بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، فإذا القوم يروون عنه هذا الكتاب، وقالوا: عُرض عليه كتاب ابن زبريق ولقنوه، فحدثهم بهذا، وليس هذا
عندي بشيء؛ رجل لا يحفظ، وليس عند كتاب!! ".
حكاه: ابن أبي حاتم عن أبيه في " الجرح والتعديل " (١) ، وحكى أيضاً نحوه عن محمد بن عوف الحمصي.
فهذا؛ يدل على أن متابعة أبي التقي راجعة إلى رواية ابن زبريق، فلا متابعة، وابن زبريق قد عرفت حاله وحال روايته.
وبهذا؛ لا يعتمد على الرواية الزائدة (٢) .
لكن؛ قال المزي في ترجمة " يحيى بن جابر الطائي " (٣) :
стр. 442
" روى عن جبير بن نفير، والصحيح: أن بينهما عبد الرحمن بن جبير بن نفير ".
قلت:وهذه عادة جماعة من متأخري المحدثين: إذا كان الحديث قد اختلف في إثبات زيادة رجل في إسناده وإسقاطه، وكان الحديث بإسقاطه منقطعاً، ذهب إلى ترجيح إثبات الزيادة؛ ليسلم الحديث من الانقطاع، أو لأن الزيادة حينئذ تكون بمنزل تفسير المبهم؛ حيث قد تحققنا من وجود واسطة، لم تُذكر في الرواية الناقصة.
وصنيع من تقدم من الحفاظ، يدل على خلاف ذلك، وأن ذلك ليس قاعدة مطردة، لاسيما مع اتحاد المخرج؛ فمع اتحاده يُلجأُ إلى الترجيح، لا إلى الجمع؛ فالتحقق من سقوط واسطة شيء، وتعيينها شيء آخر.
ومثل صنيع المزي في هذا الحديث؛ ما صنعه بعض أهل العلم في حديث: الزهري عن سهل بن سعد في
" الماء من الماء "؛ كما بينته في تعليقي على " فتح الباري " لابن رجب الحنبلي (١/٣٨١) .
ومثله أيضاً؛ ما صنعه الإمام العلائي في حديث: ابن أبي ليلى، عن بلال: "رأيت النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار "؛ فقد رواه بعضهم، فزاد " كعب بن عجرة " بين ابن أبي ليلى وبلال، فقال العلائي (١) :
" هو الصحيح ".
وليس كذلك؛ بل الصحيح عدم ذكر أحد بينهما، وهذا ما ذهب إليه
стр. 443
أبو حاتم وأبو زرعة وابن عمار الشهيد (١) ؛ فالحديث منقطع؛ لأن ابن أبي ليلى لم يلق بلالاً.
وقد يكون هذا التعيين المذكور في الرواية المزيدة من قِبَل بعد الرواة اجتهاداً منه؛ رأى أن ابن أبي ليلى إذا روى عن بلال فغالباً ما يكون بينهما " كعب بن عجرة "، فظن أن هذا من ذاك.
ولعل مما يقوي ذلك؛ أن بعضهم زاد بينهما " البراء " بدلاً من " كعب "، فكل زاد ما أداه إليه اجتهاده.
والله أعلم.
***
وقد يكون الراوي ثقة، ولا يعرف بقبول التلقين، إلا أن نقاد الحديث، قد يستظهرون في حديث بعينه، أنه مما أُدخل على ذلك الثقة، فظنه من حديثه، فحدث به، وما هو من حديثه.
مثال ذلك:
إشارة البخاري إلى إعلال حديث " الجمع بن الصلاتين "، بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يدخل الأحاديث على الشيوخ.
كما في " المعرفة " للحاكم (ص ١٢٠ -١٢١) (٢) .
стр. 444
مثال آخر:
ما ذكره أبو حامد ابن الشرقي في حديث أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري ـ الحديث في الفضائل.
قال ابن الشرقي:
" هذا باطل، والسبب فيه أن معمراً كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكنه من كتبه، فأدخل عليه هذا الحديث،وكان معمر مهيباً، لا يقدر أحد على مراجعته، فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر ".
ولم يوافق الذهبي على ذلك، كما في " سير الأعلام " (٩/٥٧٥ - ٥٧٦) , وإن كان هو يرى أن الحديث منكر ليس ببعيد عن الوضع، كما في " تلخيص المستدرك " (٣/١٢٨) ، لكنه يحمل فيه على عبد الرزاق (١) .
стр. 445
المتابعة.. والتقليد
وقد يروى الثقة حديثاً على الاستقامة والإصابة، فيخالفه فيه من هو أثبت منه وأتقن في الجملة، إلا أن هذا الأتقن أخطأ في هذا الحديث بعينه، فيترك ذاك الثقة ما عنده من الصواب، إلى ما عند غيره من الخطأ، تقليداً منه له، ظناً منه أنه الصواب، فيظهر وكأن هذين الثقتين قد تتابعا على الرواية، فيستبعد ما مثلهما أن يتفقا على الخطأ، وليس الأمر كذلك؛ بل رواية أحدهما راجعة إلى رواية الآخر، فلا متابعة، ولا تعدد.
مثال ذلك:
ما رواه: شعبة وأبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير عن عائشة، قالت: سألت النبي ﷺ عن الأوعية ـ الحديث.
قال أبو حاتم الرازي (١) :
" كان شعبة يخطئ في اسم " خالد بن علقمة "، وكان أبو عوانة يقول: " خالد بن علقمة "، فقال شعبة: لم يكن بـ " خالد بن علقمة "، وإنما هو: " مالك بن عرفطة "، فلقنه الخطأ، وترك الصواب، وتلقن [ما] قال شعبة؛ لم يجسر أن يخالفه ".
وقد اتفق علماء الحديث على أن شعبة ـ وكذا من تابعه ـ قد أخطأ
стр. 446
في اسم هذا الراوي، وأن الصواب في اسمه " خالد بن علقمة ".
مثال آخر:
حديث: يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن أبي رزين ـ رجل من بني عقيل ـ، سمع النبي ﷺ يقول: " رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة، ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها، فلا يحدث بها إلا حبيباً، أو لبيباً ".
فقد اختلف الرواة في اسم والد وكيع هذا:
فقال شعبة وهشيم: " وكيع بن عدس "؛ بالعين المهملة.
وقال حماد بن سلمة وسفيان: " وكيع بن حدس " بالحاء المهملة.
وجاء عن أبي عوانة الوجهان.
قال الإمام أحمد:
" أرى الصواب ما قال حماد وأبو عوانة وسفيان، وكان الخطأ عند ما قال هشيم وشعبة. وقال: هشيم كان يُتابع شعبة ".
وقال أيضاً " هشيم يقول: " عدس " يتبع شعبة، وكان كثيراً ما يتبعه ".
وكذلك قال غير واحد من الأئمة (١) .
مثال آخر:
روى: شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت
стр. 447
حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلاً من الأزد، يُقال له: مالك بن بحينة، أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يُصلي ركعتين ـ الحديث.
قال الحافظ ابن حجر (١) :
" قوله: " يُقال له مالك بن بحينة "، هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي،وتابعه على ذلك: أبو عوانة وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى بن معين، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود،
وآخرون عليهم بالوهم فيه من موضعين: أحدهما: أن بحينة والدة عبد الله، لا مالك.، وثانيهما: أن الصحبة والرواية لعبد الله، لا لمالك ".
وهكذا؛ قال ابن رجب الحنبلي في " شرح البخاري " (٢) له، وحكى توهيمهم في ذلك أيضاً عن أبي زرعة، والترمذي، والبيهقي، وغيرهم.
***
وبعض الرواة كان يتساهل في تحمل الحديث، يجلس في مجلس السماع، لا يكتب ولا يحفظ، ثم بعد انقضاء المجلس يأخذ كتاب غيره فيروي منه، متكلاً على سماع غيره، معتمداً على كتابه.
وبطبيعة الحال؛ فإنه إذا كان ذلك الغير قد أخطأ في حديث ما، فإنه صادف موافقة ذلك المتساهل له فيه، فيظهر وكأنهما قد اتفقا على ذلك
стр. 448
الحديث، فيستبعد في مثله وقوع الخطأ؛ لاتفاق هذين عليه، وليس الأمر كذلك، بل رواية أحدهما راجعة إلى رواية الآخر (١) .
مثال ذلك:
روى: عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن عبد الله بن يزيد، قال: كنا وقوفاً بعرفات، فجاء ابن مربع، فقال: كونوا على مشاعركم ـ الحديث.
قال يعقوب الفسوي (٢) :
" فذكرت ذلك لصدقة بن الفضل.
فقال: هذا من ابن المبارك؛ غَلِطَ فيه.
قلت له: فإن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعته من سفيان مثله؟
فقال صدقة: اتَّكَل على سماع غيره ".
قلت: والمحفوظ عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية، عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ـ الحديث.
أخرجه: أبو داود (١٩١٩) والترمذي (٨٨٣) والنسائي (٥/٢٥٥)
стр. 449
وابن ماجه (٣٠١١)
والفسوي (٢/٢١٠) .
***
وبعض الرواة؛ كان يُمكن غيره من كتبه، فيزيد هذا الغير في كتابه ما ليس منه؛ ثم يحدث صاحب الكتاب بما في الكتاب من غير أن يميز بين حديثه وبين ما ليس من حديثه.
كما ذكروا ذلك في ترجمة: سفيان بن وكيع.
وبعضهم؛ كانت قد ضاعت كتبه؛ فصار يحدث من كتب غيره، فوقع التخليط في حديثه؛ إذ ليس باللازم أن يكون في كتابه كل ما في كتاب غيره.
وقد تقدم في " فصل: الشواهد.. وإسناد في إسناد "؛ قول الإمام أحمد في حديث: " أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم "، وأن محمد بن عبد الله الأنصاري المتفرد به، كانت ذهبت كتبه، فكان بعد يحدث من كتب غلامه أبي حكيم، وأن هذا الحديث من ذاك.
وبالله التوفيق.