← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعند الأطفال الصم يتعطل نمو الكلام بسبب عدم القدرة على السمع. وقد يتعلَّم الطفل الكتابة والقراءة قبل أن يجيد النطق. ولكن يختلف الأطفال في معدل النمو ذاته بالسرعة أو البطء عن المتوسط العادي داخل المرحلة الواحدة, فهناك في أية مجموعة المتقدمين السابقون fast growers والمتخلفون اللاحقون slow growers. ووجد استولتز stalz & slolz أن البعض من المراهقين تظهر لديهم أعراض النضج الجنسي مبكرًا جدًّا والبعض متأخرة، والمدى في الفارق الزمني خمس سنوات ونصف على الأقل كفارق زمني بين الأفراد، وعلى هذا: يجوز لصبي في سن العاشرة أن يبدأ المراهقة، بينما لا يبدأها زميله في الدراسة إلّا في سن الخامسة عشرة. "كمال دسوقي: ١٩٧٩". وتتضمن الفروق الفردية في تفتح النمو أمورًا كثيرة، وعلى المدارس تقع مهمة التلاؤم معها, وترجع أهمية هذه الفروق إلى عدة أسباب، منها مثلًا: أن الأطفال ينزعون بدرجة ما إلى التجمع وفقًا لعمر نموهم، فالأكثر نضجًا منهم يميلون إلى التجمع معًا، وكذلك يغلب أن يفعل الأقل نضجًا, والطفل البطيء النمو ينزع إلى أن يغدو مشكلًا، فهو يحدث عن الشغب أكثر مما يفعل غيره، ويحتاج إلى مزيد من العناية، كما أنه يكون مصدر متاعب كثيرة لأبويه ومدرسيه وغيره من الأطفال، أما الطفل سريع النمو فيغلب أن يصل إلى مركز الزعامة في الجماعة بسهولة أكبر من الطفل بطيء النمو. وتنطوي هذه الحقائق على مغزى تربوي هام: فينبغي أن تعمل المدارس على تزويد كل صف دراسي بالفرص التي تغطي مدى واسعًا من الخبرات. وبهذا يتاح للطفل الذي يبلغ من العمر الزمني عشر سنوات ولكن عمره الحيوي لا يتجاوز ثماني سنوات أن يجد من الأعمال ما يناسب عمر نموه, فيستطيع أن يحصل على الإشباع الناجم عن أداء هذه الأعمال أداءً كاملًا. "طعلت منصور، عادل الأشول: ١٩٧٦". ٧- النمو يمكن التنبؤ به: إذا كان معدَّل النمو ثابت إلى حد كبير بالنسبة لكل طفل، يتبع ذلك أنه الممكن أن نتنبأ بالمدى الذي يحتمل أن يحدث فيه النمو الناضج للطفل، ومعرفة ما

стр. 37

سيكون عليه أقصى مستوى للنمو, ولقد بنيت دراسات تيرمان terman "١٩٢٦" من فحص تقارير الإنجازات الفردية للعباقرة الذي عاشوا في الفترة ما بين عامي ١٤٥٠-١٨٥٠ أنهم كانوا مبرزين يبزون غيرهم كأطفال فيما يتعلق بسماتهم العقلية المبكرة. هذا, ويعتبر معرفة ما سيكون عليه أقصى مستوى للنمو العقلي ذو قيمة بالغة في تخطيط تعليمه, وفي مساعدته على التدريب على نمط العمل الذي يحقق فيه أقصى مستوى من الكفاءة والنجاح والإنجاز. وإذا كان النمو يمكن التنبؤ به فمن الخطأ أن نحاول الهيمنة على توقيت نظام النمو بالتدريب السابق لأوانه؛ لأننا لو حاولنا ذلك فإما أننا لا نحصل من ورائه على أية نتيجة، وإما أن نلحق بالطفل ضررًا بالغًا بسبب تدخلنا في حياة كائن حي يتَّصف بالتعقيد والاتزان والاكتفاء الذاتي. ولذلك: فإننا ينبغي ألَّا نتوقع نتائج عاجلة من وراء آية طريقة, كما ينبغي ألَّا نتوقع ظهور الخبرات المرتبطة بالنمو بانتظام يعادل انتظام دقات الساعة؛ لأن من القدرات المدهشة الكامنة في الكائن الحي قدرته على إحداث تعديلات كثيرة في سياق حياته. ٨- زمن النمو ليس مستويًا: Tempo of groth is not even: فمراحل النمو لا تتقدَّم في الزمان بخطى ثابتة, فهناك فترات نمو سريع, وفترات نمو بطيء, فعندما تتكون الخلية المخصَّبة تبدأ بعد ذلك في الانقسام السريع، وتظلّ هكذا حتى تتكوَّن المضغة التي تنمو بسرعة غريبة, فيزداد تبعًا لذلك حجمها, ويزاداد تكوينها الداخلي, وتتعقَّد أنسجتها، ثم تمهد السبيل بعد ذلك لتكوين الجنين، وهكذا تصبح مرحلة ما قبل الميلاد أسرع مراحل النمو, ومن الملاحظ أنه في أثناء الطفولة الأولى والسن قبل المدرسي pre-school age يتقدَّم النمو سريعًا, وتظهر أمارات التقدم في مختلف مظاهره المتعددة في تتابع سريع، أما قبيل السن المدرسي والسنوات المدرسية الأولى، يتلكأ النمو، ولا يعني هذا: أن ثمة تغيُّرات رئيسية تحدث في الخفاء, بل يكون ذلك تثبيتًا للنمو السابق, وتعبئة القوى للنمو اللاحق في المراهقة. أمَّا عند البلوغ: فتسرع بعض نواحي النمو، وتظل سريعة

стр. 38

حتى يستقر للشخص تمام النضج وغاية الرشد, يمضي الراشد في طريق حياته وهو مكتمل النضج, ويظل هكذا لا ينمو في استعداداته ومواهبه وقدراته، وإنما ينمو في خبراته ومعرفته ومعلوماته, حتى ينوء تحت ثقل الزمن ويضمحلّ في شيخوخته, فيضمر ما قد ترعرع منه، وتذبل حياته وهي في طريقها إلى الضعف. "فؤاد البهي: ١٩٧٥، ٧٤". ٩- اختلاف معدل النمو باختلاف مظاهره: لكل مظهر من مظاهر النمو معدلها الذي تنمو به, بمعنى: إنها لا تتقدم جميعًا صفًّا واحدًا في جبهة مستوية. وإذا كانت غاية النمو الوصول بالشخص إلى حالة النضج والاستقرار, فلا بُدَّ له إذن من تقديم الأهم على المهم. وبالتالي بلوغ مختلف أعضاء الجسم وأجهزته إلى تمام نضجها الجزئي في أزمنة مختلفة خلال النمو الكلي "شكل: ٩": فالأجهزة التناسيلة مثلًا: تتأخَّر في النمو بكثير عن نمو الأمعاء والمخ والجهاز العصبي، بل ربما لا يبدأ نموها إلّا بعد أن تصل هذه إلى غاية النمو، ذلك أن الفرد منذ الميلاد في حاجة إلى خدمات معظم أعضاء الجسم إلّا القليل كالأعضاء التناسيلة.

стр. 39

وإذا كانت كافَّة الأعضاء اللازمة للفرد تكون موجودة رغم صغر حجمها أو ضعف قوتها فإنها تستمر في نموها النهائي بعد ذلك بمعدل بسيط. ومع أنَّ من الأعضاء ما هو كامل النموّ الوظيفي منذ الميلاد: كالرأس والرقبة والجذع؛ لكونها ألزم الأعضاء للحياة، وأن النمو التركيبي التالي لهذه الأعضاء يكون بسيطًا إذا قورن بنموِّ الذراعين أو الساقين مثلًا, فإن النمو النهائي للجسم كله لا يكتمل إلّا خلال العقد الثالث من العمر. ويلاحظ: إن سنوات الطفولة الأولى والمدرسة الابتدائية هي مرحلة نموّ الأطراف في الطفولة. وأن سنوات الدراسة الثانوية هي مرحلة نمو القامة والنضج الجنسي. ومن ثَمَّ: فإن نمو الجسم ليس متساويًا ولا متشابهًا في جميع أقطاره، ولكن له أنماطًا مختلفة يتخذها في نموه حتى يصل إلى تمام نضجه. فمن الطبيعي إذن ألَّا يسبق النمو إلّا الأعضاء التي يكون الجسم أحوج إلى نشاطها وفاعليتها، على أساس أن نضج التركيب يهيئ العضو للقيام بالوظيفة. فكل عضو أو جهاز ينمو في حينه، أي: حين تمس الحاجة لمزاولة الوظيفة. "كمال دسوقي: ١٩٧٩، ٢٧-٢٩". ١٠- لكل عملية نمائية فترة حرجة crirical period: يطلق مصطلح الفترة الحرجة على تلك الفترات التي يكون الفرد مهيئًا فيها لنمو عضوي أو مهاري أو سلوكي معين؛ إذ يؤدي النضج إلى الاستعداد والتهيؤ لأنماط سلوكية جديدة، ويشير علماء نفس الطفل بأنه توجد فترات حاسمة أو ذات حساسية كبيرة في نمو الأطفال, والتي أثناؤها يصبح تعلُّم أنماط سلوكية ممكنًا. "عادل الأشول: ١٩٨٢، ٤٠". - فالطفل يتعلّم الحبو في حوالي الشهر الخامس، ويستطيع الوقوف في حوالي الشهر العاشر، ويبدأ السير بعد إنهاء العام الأول.

стр. 40

- ويستطيع الطفل ضبط عملية الإخراج في النصف الثاني من العام الثاني. - كما أن الطفل قبيل السادسة يكون مهيئًا لتعلُّم القراءة والكتابة. ومن ثَمَّ فإن التدريب أو تعلُّم المهارات المختلفة في تلك الفترات يأتي بنتائج إيجابية، أمَّا إذا بدأ التعليم في وقت مبكِّر للغاية, أو في وقت متأخِّر عن الفترة الحرجة للمهارة، فربما يكون هذا التدريب أو التعليم غير مجد أو غير كفء، وربما يأتي بنتائج ضارة. "عبد الرحمن سليمان: ١٩٩٧، ٢٧٧". ولذا يشير علماء النفس إلى وجوب توفير تفاعلات بيئية أثناء تلك الفترات الحرجة للمهارات المختلفة لكي يتقدَّم النمو بصورة عادية، فإذا لم يحدث تفاعل مناسب أثناءها نجد النموَّ قد يبطئ أو يتوقف. وبمعنى آخر: توجد فترات مناسبة, وأخرى غير مناسبة لتعلُّم واكتساب المهارات المختلفة. - فالأطفال الذين يتلقَّون المديح لمحاولاتهم اللغوية المبكرة يكونون أميل إلى التكلُّم بطلاقة في عمر مبكر إذا ما قورنوا بالأطفال الذين لا يتلقَّون استثارة لفظية عندما يكونون على استعداد أو تهيؤ للكلام. - وفي ضوء الفترات الحرجة: يشير التربويون إلى أهمية البرامج النظامية التعليمية المبكرة التي تساعد الأطفال على تلقي الاستثارة المعرفية في طفولتهم المبكرة. - كما تؤكِّد على أهمية البرامج التدخلية intervention أو الاستثارية للأطفال المعوَّقين لمساعدتهم على تعويض النقص المبكِّر للاستثارة. "عادل الأشول: ١٩٨٢، ٤١". ١١- معدل النمو ونمطه يتأثَّران بالظروف الداخلية والخارجية: مع أن دافع النمو ينبعث من قوى باطنة "كالوراثة والمكونات العضوية"، ومع أنَّ أنماطه محدَّدة بالنسبة للأطفال جميعًا, إلّا أن معدَّل النمو ونمطه الصحيح يمكن أن يتغيرا إذا لم تواجه حاجات الطفل الأساسية؛ كالتغذية، والنشاط، والراحة، وفرص التعليم، والأمن النفسي، والعاطفي ... إلخ، وقد يطرأ على بعض مظاهر

стр. 41

النمو ما يعوقها عن السير قدمًا في طريقها المرسوم صوب غايتها المرجوة, كأن يمرض الفرد مرضًا يعوق نموَّه ويحول بينه وبين تطوره الطبيعي، وقد تضعف حدة المرض وتزول أسبابه ودواعيه فيعاود النمو سيرته الأولى. "فؤاد البهي: ١٩٧٥ن ٧٣". وعلى ذلك: فإن هذه الظروف هي التي ستحدّد المدى من السرعة والتفتُّح الذي سوف تحقق بها إمكانيات نمو الطفل. وأهم هذه الظروف: - ظروف خارجية: كما في حالة الأطفال الذين لم تتح لهم التغذية الكافية أثناء سني نموهم، فلن يستطيعوا أن يتمتَّعوا بصحة جيدة. - ظروف داخلية: مثل تحطم شخصيات بعض الأطفال لأسباب سيكولوجية؛ كالحرمان من العاطفة، أو بسبب الحماية الزائدة, أو عدم الاستقرار, أو سوء الخلق، وذلك رغم وجود هؤلاء الأطفال في بيئات غنية وأسر راقية. - ظروف داخلية وخارجية مجتمعة: مثل: - نقص الطعام والرياضة والحياة الرغدة، إلى جانب انفصال الأسر، وتشتت الجماعات، وتحطم القيم، وربما استمرت فترات الحرمان القاسية هذه من الحاجات المادية والنفسية أو كليهما زمنًا طويلًا؛ كالفترة التي تعقب الحروب والكوارث. - وهناك ظروف طبيعية في البيئة ذاتها مثل: - نقص اليود في الماء الذي يشربه بعض الشعوب, مما ينشأ عنه القماءة cretinism أو القزمية dwarfism التي ترجع إلى عدم الإفراز الكافي للغدَّة الدرقية. - ومرض الكساح ولين العظام rickets التي تنشأ عن نقص الطعام أو أشعة الشمس, مما يترك أثرًا ظاهرًا في نمو الجسم يتمثَّل في الصدر المسطَّح أو الظهر المقوس، وعظام الحوض peives المشوَّهة ... إلخ مما يؤثر في الأداء الوظيفي للجسم.

стр. 42

وعلى هذا: إذا لم يتوفّر للنمو حدَّه الأدنى من الإشباعين المادي والنفسي, فإنه يواجه تعطيلات وتأخرًا في تقدمه، ولكون النمو لا يستطيع أن يحارب في جبهتين، بل هذه المقاومة لأزمات النمو كثيرًا ما تكون على حساب الشخصية النامية، وذلك حين يدفن الشخص مؤقتًا المتاعب التي تقف في طريقه، ويتجاهل العقبات التي تعترضه, أو يتهرب من حل مشاكله. وهنا: يكمن واجب المربين: من حيث الموازنة في البيئة التربوية بين: - الحماية الزائدة overprotection التي تعدم مقاومة الطفل لأيّ ميكروب أو صدمة نفسية تعرض له، فينمو مدللًا ناعمًا غير خبير بالحياة. - وبين عرقلة البيئة للنمو بكثرة آفاقها ومتاعبها النفسية التي تحطّم الشخصية وتعوق النمو. "كمال دسوقي: ١٩٧٩، ٣٠-٣٢". ١٢- ميل الجسم في النمو إلى الاحتفاظ بالتوازن الحيوي homeostasis: فالجسم يسعى إلى الاحتفاظ دائمًا ببيئة ثابتة على الرغم من الظروف البيئية المتغيِّرة، سواء كانت هذه الظروف داخلية أو خارجية ... فعندما يحدث شيء يمكن أن يعرقل حالة الجسم الداخلية فإنه يقوم برد فعل تلقائي سريع لاستعادة حالة الثبات أو التوازن: فوزن الجسم، والطعام المسحوب أو المأخوذ، ثم وظائف الغدد، وتعويض الجروح أو اندمالها وشفائها، كل ذلك يمثل أدلة أو قرائن على وجود مبدأ الاتزان الحيوي. وإذا حدث عجز في إحدى العمليات أو الوظائف ظهرت الحاجات التي تحدث توترًا للفرد لا يزول إلّا إذا أشبعت الحاجة وعاد التوازن الذي هو ضروري لحياته. كما أن هناك ما يشير إلى إمكانية تطبيق مبدأ الاتزان الداخلي بالنسبة لجوانب الحياة العقلية والانفعالية الاجتماعية، فالكائن الإنساني في سعي مستمر

стр. 43

للاحتفاظ بشكله أو نموذجه الماضي في مواجهة الظروف المتقبَّلة والمتغيرة من حوله، وبالتالي يترتَّب على كثير من المثيرات التي تسبب اضطرابات في هذا الاتزان سلسلة من ردود الأفعال التلقائية التي تهدف إلى استعادة الجسم لاتزانه الأصلي. "إبراهيم قشقوش ١٩٨٨، ١٠٦". ١٣- بعض السلوكيات المشكَّلَة تعتبر سوية في المرحلة العمرية التي تحدث فيها: فكل مرحلة من مراحل النمو تظهر فيها أشكال من السلوك تبدو غير مرغوبة فيها, على الرغم من أنها خصائص عادية وسوية متناسبة مع المرحلة التي ظهرت فيها، وسرعان ما تختفي أو تتغيِّر بنمو الطفل وانتقاله إلى المراحل التالية للنمو. - فمن السلوكيات المميزة للأطفال في سن الثالثة والنصف: حالات عدم التوازن الجسمي، الخوف من الوقوع، أو الخوف من الأماكن المرتفعة، قضم الأظافر، أو اللجاجة في الكلام، الصعوبات البصرية، عدم الأمان الانفعالي، التناقضات الانفعالية، الرغبة في الاستحواذ على انتباه الكبار، الخجل ... إلخ. ثم يبدأ السلوك في الميل إلى التنظيم والاستقرار والتوازن. - وفي سن الخامسة يبدو الطفل متعاونًا، صدوقًا، رقيقًا، عطوفًا، ودودًا، ثم يعقب هذه الفترة من الاتزان فترة من عدم التوازن، هي فترة اختبار يكون الطفل فيها صعبًا عدوانيًّا، مندفعًا، لحوحًا، ميَّالًا إلى المنافسة والجدل، متهورًا وفظًّا. "عادل الأشول: ١٩٨٢، ٦٣". - كما أن كثيرًا من أشكال سلوك التلاميذ تعتبر سلوكًا يبعث على الانزعاج والقلق, ومنها: اللامبالاة، وعدم اهتمام التلميذ بعمله المدرسي ومظهره، العدوانية اللفظية، كثرة أحلام اليقظة، نقص الدافعية للدراسة والاستذكار.. ومع ذلك فهذه السلوكيات ليست إلّا سلوكًا سويًّا للطفل في السن المدرسي.. ومن ثَمَّ فإن المعلمين محتاجون إلى فهم وتقبُّل الأنماط السلوكية للأطفال، وأن هذه السلوكيات سوف تختفي من حياة الطفل بنموِّه وانتقاله إلى مراحل أخرى أكثر نضوجًا.

стр. 44

١٤- النمو محدود في بدايته ونهايته بزمان ومكان معينين: فما دام النمو عبارة عن الزيادة المطردة في الحجم والتعقد, فلا بُدَّ أن هذه الزيادة تأخذ بدايتها عند نقطة معينة، وأنها تتوقف عند بلوغ حد معين. - البداية: انقسام البويضة الملقَّحة إلى خليتين. - والنهاية: الوصول إلى تمام النضج التركيبي والوظيفي. أما من حيث الزمان: - فالبداية: هي بدء الحمل. - والنهاية: هي سن الرشد. ١٥- خبرات النموّ في الطفولة هي الأساس لبناء الشخصية: ففي مرحلة الطفولة يوضع أساس بناء شخصية الفرد، وأنَّ السلوك السوي والسلوك المرضي "غير السوي" يرجع في معظم الأحوال للطفولة: - فالأشخاص الراشدين زائدي الوزن: ترجع البداية لديهم إلى عادات الأكل الخاطئة التي تعلمها الفرد في طفولته. - والحماية الزائدة في تربية الطفل في الأسرة إبَّان طفولته المبكرة تنمِّي الشخصية الاعتمادية في الكبر, وعدم القدرة على الاعتماد على النفس. - والدور الذي يلعبه الطفل في الأسرة وفي جماعة الأقران سوف تؤدي إلى تحديد ما إذا كان الطفل سوف تنمو لديه سمات القيادة أو التبعية في تفاعله مع الجماعات المختلفة. - وخبرات الطفولة غير السليمة تحجب الطفل وتمنعه من التزوّد بالمهارات الكافية والملائمة لمواجهة بيئته والتعامل معها بكفاءة، وينتج عن ذلك شعوره بعدم الكفاءة في مواجهة متطلِّبات المجتمع. - وأكدت كثير من الدراسات: أن أعراض الانسحاب، والخجل وأحلام اليقظة، والعزلة الاجتماعية، والاغتراب، الفصام والمشكلات السلوكية الحادة, أو اضطرابات الشخصة, نادرًا ما تظهر فجأة في المراهقة أو الرشد، وإنما تكمن أصولها في مظاهر سوء التوافق في سنوات الطفولة المبكرة.

стр. 45

- وهكذا يتضح أهمية التنشئة الاجتماعية التي تبدأ منذ الميلاد, ويكتسب الفرد عن طريقها السلوكيات والمعايير والاتجاهات والأدوار الاجتماعية التي تمكنه من التوافق الاجتماعي, ويندمج في الحياة الاجتماعية, ويستدخل ثقافة المجتمع لتصبح جزءًا من تكوين شخصية في الرشد. "عبد الرحمن سليمان: ١٩٩٧، ٢٤١-٢٤٣". ١٦- يكتسب الطفل أدواره من خلال عملية نموه: فالطفل لا يولد مزودًا بذخيرة من الأدوار التي يقوم بها في حياته، ولكنه يكتسب الأدوار المختلفة من خلال عملية نموه وتربيته وتطبيعه الاجتماعي, مما يساعده على أن يحدِّد نفسه ودوره ككائن حيّ مزوَّد عن غيره من الأفراد. - وأوَّل الأدوار التي يتعلَّمها أو يكتسبها دوره كطفل, ويتحدد هذا الدور بيولوجيًّا وثقافيًّا بالطريقة التي يتربَّى بها الطفل, وبالتفاعلات مع الآخرين, واستجاباتهم لمظهره وسلوكه. - ويتعلّم دوره الجنسي: طبقًا للطريقة التي يتربَّى الطفل عليها طبقًا لجنسه أو نوعه, بأن يسلك الولد كولد، والبنت كبنت, ويطلق على هذه العملية عملية التنميط الجنسي sexual typing أو الهوية الجنسية sexual identity، ويقوم بأوجه النشاط المرتبطة بجنسه طبقًا لما هو سائد في ثقافته التي ينشأ فيها. من ذلك ما هو شائع من السيطرة، والتمكن من الرياضة والتحصيل، والميل إلى التنافس والاستقلال لدى البنين، والميل إلى الاتكالية، والسلبية، والوقار الاجتماعي، والدقة والنظام لدى البنات. - بالإضافة لذلك يكتسب الطفل من المحيط الاجتماعي وثقافة المجتمع أدوارًا مختلفة من خلال القيم والمعتقدات الملائمة لطبقته الاجتماعية، ويتعرَّف على الضوابط السلوكية المختلفة, ويشمل ذلك الأوقات التي يروِّح فيها عن نفسه, والأماكن التي يروّح فيها، والأعمال التي عليه أن يقوم بها لخدمة أسرته, والحجرات والأدوات التي يسمح له باستخدامها، وارتداء الملابس بطريقة مناسبة، وأوقات الاستذكار والدروس المطلوبة، وأن يخضع للضبط الاقتصادي، ومفاهيمه عن الصواب والخطأ ... إلخ. "كونجر وآخرون: ١٩٨١، ٤٩٥".

стр. 46

مطالب النمو: أشار هافيجهرست havighurst "١٩٥٣" إلى أنَّ مطالب النمو تُعَدُّ من أهم المفاهيم في علم نفس النمو التي تكشف عن المستويات الضرورية التي تحدِّد كل خطوة من خطوات نمو الفرد من الميلاد حتى نهاية العمر, وبذلك تصلح هذه المطالب لتوقيت العمليات التعليمية والتدريبية المختلفة, وترتيبها في وحدات متعاقبة. وتبيّن هذه المطالب مدى تحقيق الفرد لحاجاته وإشباعه لرغباته وفقًا لمستويات نضجه وتطور خبراته التي تتناسب مع سنه، ولذا يظهر كل مطلب من مطالب النمو في المرحلة التي تناسبه من مراحل نمو الفرد. وتحقيق المطلب يؤدي إلى سعادة الفرد، كما يؤدي إلى تحقيق المطالب الأخرى التالية التي تظهر في نفس مرحلة النمو أو في المراحل التالية لها، وفشل الفرد في تحقيق هذا المطلب يؤدي إلى صعوبة تحقيق المطالب الأخرى التالية له. وتظهر بعض مطالب النموّ كنتيجة للنمو العضوي؛ مثل: تعلُّم المشي في سنٍّ معين من حياة الطفل، وبعض هذه المطالب ينتج عن الآثار والضغوط الثقافية للمجتمع القائم, مثل: تعلم القراءة والكتابة، وبعضها ينتج من القيم التي يعيش بها الفرد، ومن مستوى الطموح الذي يهدف إليه, مثل: اختيار المهنة المناسبة والاستعداد لمزاولتها. وفيما يلي نتاول أهم مطالب النمو وفقًا لما قرره هافيجهرست:

стр. 47

أ- مطالب النمو في مرحلتي المهد والطفولة المبكرة "من الميلاد حتى السادسة": ١- تعلُّم المشي، وتناول الأطعمة الصلبة، والكلام، والتحكُّم في عمليتي التبوّل والتبرّز، والوصول إلى مستوى الاتزان العضوي الفسيولوجي. ٢- تعلم الفروق بين الجنسين وتكوين مدركات ومفاهيم بسيطة عن الطبيعة والواقع الاجتماعي، والارتباط عاطفيًّا بالوالدين والخوة والآخرين. ٣- بدء تعلم التفرقة بين الصواب والخطأ، والخير والشر، وتكوين الضمير. ب- مطالب النمو في مرحلة الطفولة المتوسطة والمتأخرة "٦-١٢ سنة": ١- تعلم المهارات الجسمية الضرورية لممارسة الألعاب المختلفة، وغيرها من أشكال النشاط العادية. ٢- بناء اتجاهات مفيدة نحو الذات ككائن حي ينمو، وتعلّم القيام بدور ملائم يتعلّق بجنسه ذكري أو أنثوي. ٣- تعلُّم الانخراط في علاقات اجتماعية مع الزملاء، وتكوين صدقات، وممارسة الأخذ والعطاء معهم، وتكوين المفاهيم والمدركات الخاصة بالحياة اليومية، وتنمية الاتجاهات نحو الجماعة والمؤسسات الاجتماعية. ٤- تنمية المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب. ج- مطالب النمو في مرحلة المراهقة "١٢-٢٠": ١- يتقبّل الفرد التغيرات التي تحدث نتيجة لنموه الجسمي. ٢- الاستقلال العاطفي عن الوالدين والكبار، ونموّ الشعور بالكيان الذاتي.

стр. 48

٣- تكوين علاقات جيدة ناضجة مع الرفاق من كلا الجنسين. ٤- نمو الشعور بالمسئولية وممارسة السلوك الاجتماعي المرغوب، وتنمية المفاهيم العقلية والمهارات اللازمة للانخراط في الحياة المدنية كمواطن صالح، وتكوين نظام ناضج من القيم والمثُل العليا التي تؤهله لممارسة أدوار اجتماعية بناءة. ٥- تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وتنمية التهيؤ المهني المتعلّق باختيار مهنة أو عمل معين. ٦- التهيؤ للزواج والحياة الأسرية. د- مطالب النمو في مرحلة الرشد المبكر "٢١-٤٠": ١- بدء العمل في المهنة التي اختارها الفرد نفسه والاندماج فيها. ٢- اختيار الزوج أو الزوجة، وتكوين الأسرة وتربية الأبناء وإدارة البيت. ٣- الانخراط في علاقات اجتماعية متطورة، وتحمُّل المسئولية الوطنية, واكتشاف الجماعات البشرية التي تتفق وشخصيته والمشاركة في نشاطها. ٤- تحقيق الاتزان الانفعالي والاستقرار النفسي. ٥- تحقيق مزيد من النضج العقلي والمعرفي, وتكوين نظرة بنَّاءة إلى الحياة. هـ- مطالب النمو في مرحلة وسط العمر "٤٠-٦٠ سنة": ١- تكوين مستوى اقتصادي صحيح والمحافظة عليه، والوصول إلى التحمّل الكامل للمسئولية الوطنية والاجتماعية. ٢-تعميق العلاقات القائمة بين الزوجين على أساس من التفاهم الصحيح والألفة الأصلية، إلى جانب مساعدة الأبناء المراهقين للتغلُّب على أزمات النمو حتى يصلوا إلى المستوى الصحيح للرشد.. وفوق ذلك: تقبل الآباء والشيوخ ومعاملتهم معاملة طيبة، والتكيف لأسلوب الحياة المناسبة لهم. ٣- تقبل التغيرات الجسمية التي تحدث في هذه المرحلة من العمر, والتكيف لها, مع تكوين وتنمية الهوايات المناسبة لهذه المرحلة من الحياة. و مطالب النمو في الشيخوخة "من ٦٠ وما بعدها": ١- التكيف للضعف الجسمي والمتاعب الصحية المصاحبة لهذه المرحلة. ٢- التكيف للإحالة على المعاش ونقص الدخل الشهري. ٣- التكيف لموت الزوج أو الزوجة، ورحيل الرفاق أو الأقران، والتكيف لحياة الوحدة بعد زواج الأبناء. ٤- تنمية وتعميق العلاقات الاجتماعية القائمة بين الأقران, وتهيئة الجو المناسب للحياة الصالحة لهذا السن.

стр. 49

أهمية دراسة النمو: إن سيكولوجية النموّ ينبغي أن يخاطب بها كل من يقومون بالتربية, وإذا كانت كل الكتب المؤلفة في علم النفس التربوي تدرس عادة في كليات ومعاهد التربية، أكثر مما تدرس في كليات الجامعة الأكاديمية، فإن دراسة سيكولوجية النمو أوسع مخاطبة لغير المشتغلين بالتعليم المدرسي، أي: إنها ينبغي أن يخاطب بها أيضًا: الأب، الأم، والقابلة، والمربية، وطبيب الأطفال، ومركز رعاية الطفل، والأخصائي الاجتماعي والنفسي لتلاميذ المدارس ومؤسسات الأحداث والملاجئ، ودور تربية الصغار، ونوادي رعاية الشباب. فنصف المجتمع أفرادًا وجماعات -يقومون بالتربية- في صورة أو أخرى، سواء بالأبوّة، أو التعليم أو القيادة، أو التوجيه، أو الإرشاد، أو العلاج.. وهؤلاء جميعًا ينبغي لهم الاهتمام بمعرفة سيكلولوجية النمو لكي يقيمون عليها التربية الناجحة. - فالتربية لا تبدأ بالمدرسة, بل هناك السن قبل المدرسي pre - schoolage التي فيها تقع التربية على عاتق الأبوين, أو الإخوة الكبار، أو الأهل، أو الأقارب، في حالة انعدام أحدهما, أي التربية المنزلية. - ثم هناك التعليم التلقائي غير الموجَّه الذي يكتسبه الطفل أو التلميذ في نوادي الصبيان، وجماعات اللعب والنشاط بمختلف الهيئات الاجتماعية, وعلى قادتها

стр. 50

أن يكون لديهم معرفة بحقائق النموّ في كل سن؛ لكي تنمو شخصياتهم التربوية في جانبيها العلمي والعملي. - وحتى التعلّم المدرسي: إذا كان يعني النمو التعليمي أو التقدُّم الدراسي, فإنَّ هذا التقدُّم الدراسي ينصَبُّ على كل تغيُّر بالتقدم في المواد المدرسية، ومع ذلك: فإن المدرسة تُعْنَى أيضًا بالصحة، والشخصية، والاتجاهات العقلية، والنظام العام، والعلاقات الاجتماعية للتلاميذ. "كمال دسوقي: ١٩٧٩، ١٧-١٨". ومن هنا يتضح أن النموَّ ينصرف إلى التقدّم الذي تحققه التربية في جميع المجالات, لذلك: تكمن أهمية دراسة النمو فيما يلي: أولًا: من الناحية النظرية: فإنَّ التعرُّف على مبادئ النمو له أهمية بالغة لأسباب عدة: ١- تساعدنا دراسة النمو على معرفة ما الذي نتوقَّعه من الطفل ومتى نتوقعه: وإذا لم يتوفر هذا الشرط في تنشئة الأطفال، لكنَّا أكثر ميلًا إلى أن نتوقع من الطفل مستويات من السلوك عالية جدًّا أو منخفضة للغاية في مرحلة عمرية معينة، وكلا هذين النمطين من مستويات التوقع السلوكي ينطوي على آثار بالغة الخطورة في رعاية وتربية وتوجيه الأطفال؛ ففي حالة توقع مستويات أعلى من السلوك بالنسبة للطِّفل: فمن المحتمل أن تنمو في الطفل مشاعر عدم الكفاءة أو عدم الأهلية؛ لأنه لا يستطيع أن يصل إلى المعايير التي ارتآها له والداه ومعلموه. وفي حالة توقع أنماط سلوكية أقل من المستوى الذي وصله الطفل, يؤدي ذلك إلى خفض حالة الدافعية في الطفل، وبالتالي ينجز بمستوى أقل من قدراته الحقيقية. ٢- إن المعرفة بمبادئ وقوانين النمو توفِّر للكبار والقائمين على تربية ورعاية وتوجيه الطفل، المعرفة اللازمة بمتى يمكن استثارة النمو ومتى لا نستثيره.. وهذه المعرفة تهيئ الأساس اللازم للتخطيط للتنشيط البيئي الذي ينبغي تقديمه للطفل، والتوقيت الصحيح لتنشيط واستثارة النمو.

стр. 51

٣- إن الوعي بالنمط النمائي السوي يجعل في ميسور الوالدين والمعلمين وغيرهم من العاملين مع الأطفال أن يسعوا إلى تهيئة الطفل مقدمًا للتغيرات التي سوف تحدث في جوانب النمو المختلفة: الجسمية، والعقلية، والسلوكية، والمهارية، والميول, وغير ذلك, فالطفل الذي نقوم بتهيئته لما نتوقعه منه حينما يدخل المدرسة -على سبيل المثال- يأتي بتوافقات أفضل مع المدرسة، ويكون أكثر سعادة بالمدرسة من الطفل الذي لم يهيأ لمثل هذه الانتقالية الجذرية في حياته بصفة عامة. ٤- تساعدنا دراسة النمو على تحديد معايير معينة لما يمكن أن نتوقعه في كل مرحلة نمائية, وهذا يوفر لدينا أعمارًا عدة للطفل مثل: مقاييس عمر الطول، مقاييس عمر الوزن، مقاييس عمر التسنين، مقاييس العمر العقلي، مقاييس عمر القراءة. ويتفق الأطفال في معايير هذه المقاييس بالرغم مما قد يوجد بينهم من تباينات طفيفة، ويساعد ذلك في اكتشاف أيّ انحراف أو اضطراب أو شذوذ في سلوك الفرد، ويتيح معرفة أسباب هذا الانحراف وتحديد طريقة علاجه. "طلعت منصور، عادل الأشول: ١٩٧٦". ٥- دراسة النمو تزيد من معرفتنا للطبيعة الإنسانية ولعلاقة الإنسان بالبيئة التي يعيش فيها، ومعرفة مراحل النمو بمختلف مظاهره، والقدرات والعمليات العقلية، وشروط عملية التعلّم، ومسار النمو السوي وما قد يعتريه من اضطراب يتعيِّن علاجه.. وغير ذلك مما يسهم في فهم الطفل, فنستطيع أن نتبين ما هو عادي ومع هو غير عادي في نمو الطفل، وما إذا كان الطفل يتقدَّم ويتحسَّن، وهل هو متوسِّط أو دون المتوسّط, أم متفوق في هذه الناحية أو تلك. كما تساعدنا دراسة النمو وخصائصه في معرفة العوامل الوراثية والبيولوجية والاجتماعية والبيئية التي تؤثر في النمو الجسمي والعقلي, وفي الصحة النفسية والتكيُّف الاجتماعي، مما يلقي الضوء على كثير من مشكلات الأطفال وأساليب الرعاية التي تقدّم للأعمار المختلفة.

стр. 52

ثانيًا: من الناحية التطبيقية تفيد دراسة النمو النفسي في كل مراحله كلًّا من المعلمين، والأباء، والعاملين بدور الحضانة ورياض الأطفال، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، والمجتمع بصفة عامة.. يتضح ذلك فيما يلي: أ- بالنسبة للمعلمين: تتضح أهمية دراسة النموّ للمعلمين في عدة مجالات منها: - الوقوف على استعدادات المتعلّم: فالتخطيط التربوي للتلميذ الفرد، والجماعة ككل، يتطلّب المعرفة بالأهبة والاستعداد readiness لدى التلميذ, ويرى كرونباخ cronpach أن النموَّ يتوقف على الاستعداد، ويعرِّفه: "بأنه مجموع خصائص الطفل أو التلميذ في الموقف التربوي التي تجعله أكثر احتمالًا لِأَنْ يستجيب على هذا النحو دون ذاك الآخر". وهذه الخصائص تفسِّر لنا سهولة أو سرعة تقبُّل بعض التلاميذ لما يلقن لهم من معلومات, وعجز أو تخلف البعض الآخر عن الاستجابة أو التحصيل. - كذلك: فإن دراسة النمو تساعد المعلِّم على الوقوف على الفروق الفردية بين التلاميذ؛ ففهم المعلم للنمو العقلي، ونمو الذكاء والقدرات الخاصة والاستعدادات والتفكير، والتذكر والتخيل، والقدرة على التحصيل لكل تلميذ، يؤدي به إلى الوصول إلى أفضل طرق التدريس؛ فيستطع الأخذ بيد التلميذ الضعيف، ويشجِّع المتفوق، ويخص هذا الثالث المتخلِّف بمنهج معيِّن, وقد يعزله عن بقية الفرقة.. إلخ. وما ذلك إلّا لأنَّ التلاميذ أمامه يتفاوتون في مختلف مجالات نموهم واستعداداتهم، تفاوتًا يمكن معه القول بعدم جدوى الدلالة الإحصائية لمختلف المتوسطات التي يحصل عليها. "كمال دسوقي: ١٩٧٩، ١٣-١٥". ب- بالنسبة للآباء: تساعد دراسة النمو الوالدين على معرفة خصائص الأطفال والمراهقين, مما يعينهم وينير لهم الطريق في عملية التنشئة الاجتماعية socislization والتطبيع الاجتماعي لأبنائهم, فيستطيعون التحكُّم في العوامل والمؤثِّرات المختلفة التي تؤثر

стр. 53

في النموِّ بما يحقق التغيُّرات التي تفضلها الأسرة والمجتمع، ويقللوا أو يوقفوا التغيرات غير المفضَّلة. كما تُعِينُ الآباء على تفهُّم مراحل النمو والانتقال من مرحلة إلى أخرى من مراحل النمو, فلا يعتبرون الأطفال راشدين صغارًا, ولا يعتبرون المراهقين أطفالًا.. وهكذا يعرفون أنَّ لكل مرحلة من مراحل النمو خصائصها المميزة؛ حيث تنمو شخصية الفرد بمظاهرها المختلفة الجسمية والعقلية والانفعالية الاجتماعية. ومن ناحية ثالثة: فإن معرفة الوالدين للفروق الفردية الشاسعة في معدَّلات النموِّ تتيح لهم الفرصة في ألَّا يكلفوا الطفل إلّا ما في وسعه، ولا يتوقعون منه فوق ما يستطيع، ولا يحملونه ما لا طاقة له به، ويكافئانه على مقدار جهده الذي يبذله، وليس على مقدار قدراته الفطرية. ج- بالنسبة للعاملين بدور الحضانة ورياض الأطفال: فإنَّ فهمهم لخصائص نمو الأطفال في المرحلة العمرية للأطفال الملتحقين بها تساعدهم في طرق بناء هذه الدور، وتخطيط ملاعبها وأنشطتها، بما يتناسب مع احتياجات الطفل في كل سن، فترعى نضجهم وحاجاتهم, وما بينهم من فروق، وتنير لهم الطريق فيما يقدِّمونه للأطفال من موادّ معرفية ودراسية تلائم وأنشطة وألعاب حاجات الأطفال واستعداداتهم ومستوى نضجهم. د- بالنسبة للإخصائيين الاجتماعيين: فإن دراسة مبادئ النمو تعين على فهم المشكلات الاجتماعية وثيقة الصلة بتكوين ونموِّ الشخصية, والعوامل المحددة له, مثل: مشكلات الضعف العقلي، والتأخُّر الدراسي، وجناح الأحداث والانحرافات.. إلخ، والعمل على الوقاية منها وعلاج ما يظهر منها, كما تساعدهم على عمليات ضبط سلوك الفرد وتقويمه في الحاضر, بهدف تحقيق أفضل مستوى ممكن من التوافق النفسي والتربوي والاجتماعي والمهني بما يحقق صحته النفسية في الحاضر والمستقبل كمواطن صالح.

стр. 54

هـ- بالنسبة لعلماء النفس: - تساعد الأخصائيين النفسيين في جهودهم لمساعدة الأطفال والمراهقين والراشدين والمسنِّين، خاصة في مجال علم النفس العلاجي, والتوجيه والإرشاد النفسي والتربوي. - تعين دراسة قوانين ومبادئ النمو وتحديد معاييره في اكتشاف أيّ انحراف أو شذوذ في سلوك الفرد، وتتيح معرفة أسباب هذا الانحراف وتحديد طرق علاجه. و بالنسبة للمجتمع: تفيد دراسة النمو في فهم الفرد ونموه, وتطور مظاهر هذا النمو في المراحل المختلفة في تحديد أحسن الشروط الوراثية والبيئية الممكنة التي تؤدي إلى أحسن نموٍّ ممكن، وحتى لا يخطئ في تفسيره تحقيق لخير الفرد وتقدّم المجتمع, بالإضافة إلى تنمية الاستعدادات, وإثراء البيئة لزيادة الكفاية الإنتاجية.

стр. 55

النمو بين الوراثة والبيئة مدخل ... النمو بين الوراثة والبيئة: مقدمة: جاء وقت كان فيه علماء النفس بصفة عامَّة يعتقدون أن نفس مبادئ الوراثة تحكم كلًّا من السمات الجسمية والعقلية, وقد ركَّز بعض العلماء مثل: تشارلز داروين charles darwin، وكارل بيرسون karl pearson اهتمامهم على العلاقة بين الصفات الجسمية الموروثة والسلوك المترتِّب عليها. وكان ظهور السلوكية سببًا في استبعاد الافتراض بأنَّ السلوك يورث كما تورث السمات الجسمية، وافترضوا أنَّ السلوك يتحدد فقط بالتأثيرات البيئية ويخضع لقوانين التعلم, ومن هنا ثار جدل كبير واتسعت الهوة بين علم الأحياء وعلم النفس، ونتيجة لذلك: فقد واجه علماء السلوك النواحي الوراثية، وتأثَّر علم نفس النمو بصفة خاصَّة بالتقدم الهائل الذي تحقق حديثًا في علم الوراثة؛ لأنه يتضمَّن دراسة الاستعداد البيولوجي، والتأثيرات البيئية، والتفاعل فيما بين كلا المتغيرين. ولقد اجتذب الأساس البيولوجي للسلوك في الفترة الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بسبب ظهور آراء نظرية تنص على أن بعض أنماط السلوك مثل: "اللغة" ما هي إلّا نتيجة حتمية للتكوين الجسمي للكائنات البشرية التي تتفاعل مع ثقافة لغوية معينة, ويقدم هذا الفصل مناقشة عن المبادئ الأساسية للوراثة والتطور، مع الاهتمام بصفة خاصة بآثار الوراثة والتطور على فهم النمو الإنساني، وتأثيرها على النمو النفسي للأطفال بصفة خاصة، ثم نركِّز على البيئة المحيطة بالفرد وتأثيرها على النمو الإنساني، والتفاعل الحادث بين العوامل الوراثية والبيئية في تشكيل الكيان البشري.

стр. 56

نشأة السلوك ونموه: تشمل دراسة النمو الإنساني كلًّا من: - النمو الفردي ontogeny. - النمو التطوري للنوع البشري phylogeny. والأول: هو دراسة تغيُّر سلوك الفرد على مرِّ الزمن. والثاني: هو دراسة التغيُّرات السلوكية التي تحدث في شعوب النوع الإنساني speces على مر الزمن. ودراسة التغيرات السلوكية في الأفراد تشمل فترات زمنية قصيرة "عمر الفرد"، في حين أنَّ التغيرات التي تحدث في النوع البشري "الشعوب" تفهم بفترات طويلة, تشمل عادة أجيالًا عديدة, والتغيرات السلوكية في الأفراد تعكس التفالع بين الأفراد وبيئتهم، ومن الملاحظة الدقيقة للتغيرات السلوكية وضع العلماء مبادئ النمو التي تنطبق على كل أفراد النوع البشري أو الإنساني، والأحداث البيئية التي تتسبَّب في تعديل السلوك behavior modifilation, ومن الملاحظ أن بعض الأنماط السلوكية قلَّما تتأثَّر بتغيرات البيئة مثل أنماط السلوك الحركي مثلًا، في حين أن أنماط أخرى من السلوك تعكس بوضوح التنوّع الثقافي مثل الاتجاهات السياسية. ودراسة التغيرات السلوكية في النوع البشري لها طابع تطوري، وتؤدي إلى أنماط سلوكية يمكنها التكيف بالبيئة, مثال ذلك: أن الأطفال حديثي الولادة يظهرون انعكاسات عديدة؛ مثل: الانعكاس الكفي palmar reflex، ومن المحتمل أن يكون لها دلالة تطورية, فهؤلاء الأطفال يطبقون أصابهم حول شيء ما عندما يحدث هذا الشيء إثارة في سطح كف اليد، ولهذه الظاهرة دلالتها؛ لأنها لا تتضمَّن عملية القبض بالإبهام والسبابة، أي: أن الإبهام "وهو الذي لا تستخدمه سوى الكائنات البشرية" لا يشترك في سلوك القبض لدى الأطفال بعد ولادتهم بفترة قصيرة، وهم يتوقَّفون عن الاستجابة الانعكاسية للمثير على كف اليد، ويبدأ ظهور عملية القبض بالإبهام والسبابة, ومع أنه لا يمكن اعتبار الإدراك perception تقدمًا تطوريًّا سابق التحديد، إلّا أنه مع ذلك يكون مشتركًا بمهارات على مستوى عالٍ "تعلُّم اللغة مثلًا".. إن الدلالة التطورية المحدَّدة لعملية القبض بالإبهام والسبابة لا يمكن استنتاجها إلى من أنواع السلوك التي تجعلها ممكنة, كما أنَّ الأطفال حديثي الولادة يؤدون حركات سباحة انعكاسية reflexive swimming movements "حركات اليدين إلى الأمام والخلف" سرعان ما تختفي، يحتمل أن يكون هذا الانعكاس سلوكًا مترسبًا فقد دلالته التكيفية منذ وقت بعيد. ويجب أن نلاحظ أن كلًّا من النمو الفردي، والنمو التطوري للنوع البشري يتضمَّن أنماطًا من السلوك قابلة للتكيُّف مع البيئة في حدود إمكانيات الأنواع والأفراد, وسوف نعرض فيما يلي للآليات الوراثية الأساسية في الأفراد، ثم مبادئ التطور التي تحكم التغير في الفرد والنمو التطوري للنوع البشري.

стр. 57

الآليات الوراثية الأساسية: لقد استعار علم الأحياء لفظ الوراثة heredity ليدلَّ به على الميراث أو الإرث heir الذي هو ما ينتقل من الموروث إلى الوارث من ممتلكات؛ حيث الوراثة البيولوجية تلقى وتسلم ما يولد المرء مزودًا به للحياة من والديه، إلى أن يستطيع التعلُّم والاكتساب؛ فالوراثة بيولوجيًّا هي نقل السمات traits من جيل إلى جيل عن طريق عملية التناسل. ولقد تفرَّع من علم الوراثة البيولوجي "الذي يبين انتقال التراكيب الجسمية" علم وراثة السلوك behavior genetics، والعلم الذي هو وظيفة الأعضاء حسيًّا، وحركية، واستعدادًا، وذكاء في المخ والجهاز العصبي, وما يتَّصل بهما من أعضاء, كما يتحدَّث علماء الاجتماع عن الوراثة الثقافية أو الحضارية للنظام الاجتماعي الذي يولَد فيه الفرد فيسر على مقتضاه، والتراث التاريخي الذي يتلقاه. "دسوقي: ١٩٧٦، ٢٧١-٢٧٢". وفيما يلي توضيح لأهمِّ الآليات الأساسية للوراثة: أ- آليات التزواج: ولنبدأ بآليات التزواج البيولوجية في التناسل التي هي أساس الوراثة المستقبلة؛ حيث يحدث الحمل نتيجة التقاء واتحاد خليتي جنسي متخصصتين عندما تخترق خلية منوية sperm cell البويضة olive - egg cell الأنثوية، وباتِّحاد الخليتين تنشأ خلية واحد جديدة أصغر في حجمها من رأس الدبوس تُسَمَّى بالخلية الملقَّحة أو المخصبة zygote - fertilized cell, هي تحتوي على المادة التكوينية اللازمة لنمو التركيب العضوي, أي: إنها تتكَّون من نواة، يحيط بها السيتوبلازم داخل الأغشية الخارجية، وفي داخل النواة توجَد مقدَّرات الوراثة genes التي هي تنظيمات من موادِّ كيميائية مركَّبة على الخيوط النووية التي تسمَّى بالصبغيات أو الكروموسومات.

стр. 58

- الجينات: هي مكونات أو مقدَّرات الوراثة determiners وهي المسئولة عن توريث لون العين أو الشعر، نسيج الشعر، شكل الأنف، طول القامة، لون الجلد.. إنها تنقل السمات الوراثية لوجود ما يتراوح بين العشر إلى المئات في الكروموسوم الواحد، ولبلوغ ما يحمل الفرد منها إلى ما لا يقل عن ١٢.٠٠٠ زوجًا، ويفترض وجود الجينات كمورثات، هي أكياس كيماويات مبثوثة على الصبغات لضرورة تمايز مناطق مختلفة تورّث كلّ منها إحدى السمات السابقة, وتغيّر فاعلية الجينات في السيتوبلازم شكل وخصائص الخلايا، فيتفاعل الجينات مع ظروف البيئة الداخلية تغيّر الخلايا شكلها الأصلي ليتكوّن الكثير من آليات الاستجابة "عضلات، عظام، أعصاب ... إلخ. عن طريق الانقسام الخلوي, كما أنَّ كل جينة بارتباطها مع غيرها تحدث ما لا حصر له من الخصائص. "دسوقي: ١٩٧٦، ٢٧٢-٢٧٣".

стр. 59

- أما الكروموسومات: فهي حاملات هذه الموروثات "الجينات" داخل نواة الخلية, ويتميِّز الإنسان بأن نواة خليته تحلّ ٢٣ زوجًا من الكروموسومات، ومهما انقسمت الخلية لتكون خلية جديدة، فلا بُدَّ أن يظل العدد ثابتًا.. وحين يمتد الحيوان المنوي للأب ببويضة الأم، فلا بُدَّ للخلية شكل "١٣" كروموسومات الخلية الذكرية والخلية الأنثوية. المخصَّبة أو اللاقحة أن تتكوَّن منها مناصفة reduction division، ولا تزيد صبغات "كروموسومات" نواتها عن ٢٣ زوجًا، وإن كانت تستقبل ٤٦ زوجًا, معنى ذلك أن تكون الخلية الملقَّحة سيكون نصفها من ناحية الأب والنصف من الأم، فباتِّحاد الحيوان المنوي والبويضة يحدث في اللاقحة تزواج نوعي لكروموسومات الوالدين اللذين لكلٍّ منهما خصائصه الوراثية بدوره من والديه. وهكذا, وعن عملية إعادة تشكيل أزواج الصبغيات على هذا النمو ينشأ ما لا حصر له من اتحاد الجينات "شكل: ١٢، ١٣". فإذا فرضنا أن زوج صبغيات "كروموسومات" الأب هو "ب ب"، زوج كروموسومات الأم هو "م م"، والتنصيف والاختزال

стр. 60

reduction, halving لتكوين الخلية المخصَّبة يأخذ واحدة من كل زوج دون أن يأخذهما معًا. والصدفة وحدها هي التي تحدد أيّ فرد أو طرف من كل زوج هو الذي سينضمّ لكل فرد من الزوج المقابل، ففي أحد التكوينات تلتقي "ب م"، وفي الآخر "بَ م"، وفي ثالث "ب مَ" وفي رابع "بَ مَ" انظر شكل "١٤". وليس اختلاف هؤلاء الأشقاء الأربعة إلّا في انقسام وتزاوج أوّل زوج من الكروموسومات, فإذا تقدَّمنا خطوة أخرى وفرضنا أنَّه يوجد في مني الأب الزوجان "ب بَ، أأَ" وفي بويضة الأم الوجان " م مَ، ل لَ"، يكون لدينا ست عشرة إمكانية للتباين والاختلاف.. وبحساب الاحتمالات في تزواج أحد طرفي الثلاثة والعشرين زوجًا الأبوية بما يقابله من نفس العدد في نواة بويضة الأم، ترتفع احتمالات التباين هذه إلى ما يقرب من ٢١٦ و٧٧٧ و١٦ إمكانية صدفة في الازدواج فحسب، هذا هو ما يحدث في التقاء بويضة أنثى بحيوان منوي واحد من الأب, ولكن إذا علمنا أن الذكر يفرز للقاح ما يقرب من ١٧ مليون حيوان منوي في المتوسط، وما نسميه إجمالات بويضة الأنثى يحتوي على نفس العدد من الخلايا القابلة للإخصاب، من هنا يبلغ عدد الاحتمالات الناشئة عن اتحاد بويضة وحيوان منوي معينين حوالي ٣٠٠ تريليون"أي ٣٠٠ مليون مليون احتمالًا. "كمال دسوقي: ١٩٧٦، ٢٧١". ب- قوانين الوراثة: ليست احتمالات صدفة التزواج بين الصبغيات، وقبل ذلك صدفة التقاء أيّ حيوان منوي بأية بويضة خلوية ليتمَّ بينهما الإخصاب، فبعد ذلك تعمل قوانين الوراثة عملها, تلك القوانين التي كشفت عنها تجارب جريجور مندل منذ أكثر من مائة وخمسين عامًا, ومنها: ١- قانون السيادة والتنحِّي dominance & recessive: حيث قام مندل بتهجين crossing نباتات طويلة بأخرى قزمية، فاقترنت جينة النبات الطويل "T" بجينة النبات القزم "t"، وقد لاحظ مندل أنه عند تهجينه نباتات طويلة لا تنتج سوى نباتات طويلة، بنباتات قزمية لا تنتج سوى نباتات قزمية, كان الناتج من التهجين كله نباتات طويلة، فكانت السمة الأبوية التي لوحظت في السلالة البنوية الأولى هي سمة الطول التي افترض في ذلك الوقت أنها سائدة

стр. 61

على سمة القزمية التي سميت متنحية. فالتسلط هو انتقال بعض السمات دون تبدل من جيل إلى جيل، أو كون السمة تبدو أكثر شيوعًا وظهورًا من غيرها, وفي الإنسان يسود القصر على الطول، وتسود استدارة الرأس وينتحى الطول، ويسود اللون العسلي للعينين على اللون الأزرق والرمادي، ويسود الأخضر على الأزرق, ويسود قصر النظر وطوله والاستجماتيزم "ضعف التبأور" على النظر العادي. إلخ. "شكل: ١٥". ٢- خصائص الوحدة المستقلة أو الطباع المنفصلة unit characters: وتعني أن سمات الطول والقصر مثلًا في سيادة إحداها, وتنحي الأخرى لا تمتزج ببعضها البعض، وإنما تظل وحدات منفصلة قائمة بذاتها, إلى أن تظهر في تزواجات مستقبلة, فعندما زاوج مندل بين البذور القصيرة المتنحية الناتجة عن تربية الجيل الثاني جاء الخلف كله قصيرًا، وعندما تلقَّحت النبتة الطويلة في نفس الجيل الثاني لم يستمر في الطول أكثر من ثلث الخلف، وهذا هو مبدأ انعزال الجينات segregation of genes, بمعنى: انعزال وحدة طباع كلٍّ من الوالدين بنسبة ثابتة في خلايا الخلف من غير أن يكون لها تأثير في بعضها البعض. ولنتذكر أن التكوين الجيني يتكوّن من أزواج، وأن إحدى الجينات هي السائدة, وفي هذا المثال البسيط نجج أن النبات الطويل قد يتكون من الأزواج "TT"،

стр. 62

أو "Tt" في حين أن النبات القزم لا يتكون إلّا من الزوج المتنحي "t t"، وفي حالتي "tt TT" كانت الصفات العضوية الملحوظة للسلالة "طويلة أو قزمية" تتناسب والتكوين الجيني, ويسمَّى بالصفات العرقية, أي: إنه في الزوج "TT" كان النبات لا يبدو طويلًا فحسب، ولكنه يشتمل أيضًا على كلا الجينين للطول، وفي حالة واحدة نجد أن السلالة طويلة, ولكنها تحتوي على الجينة المتنحية "Tt". والنباتات ذات الأزواج "TT"، "tt" تسمَّى متماثلة اللقاحات "عناصر مشتركة"، ولكن النباتات "T t" تسمَّى متباينة اللقاحات "عناصر مختلفة". ويجب أن نلاحظ أن مندل قد قام بإجراء تجاربه في ظروف بيئية متحكّم فيها تمامًا، ومهما يكن من أمر فلو أننا زرعنا نبات TT في الرمل، ومجموعة أخرى tt في التربة الخصبة, فإن النبات TT السابق قد يظهر أنه نبات tt. إن تجارب مندل قد أظهرت أن الجينات تحدد التكوينات العضوية، وأن الأزواج من الجينات هي المسئولة عن الصفات الجسمية، وأنَّ إحدى الجينات سائدة على قرينتها، وأنَّ في حالة تباين اللقاحات، تكون الجينة السائدة ظاهرة جسميًّا. وقد

стр. 63

قدَّم مندل إسهامات أخرى كانت لها أهمية بالغة في فهم تنوع الشعوب, ومن ذلك حقيقة أن التغيّرات تطورية قد حدثت في الأنواع، وأنه باستثناء التَّوَائِم المتطابقة، لا يوجد فردان لهما نفس التكوينات الجينية, وقد حدد ذلك في: شكل "١٧" تخطيط توارث صفة سائدة للصفة المريضة z عند خلفه والدين أحدهما سوي والآخر مصاب. - قانون التمييز: الذي يحكم انفصال أزواج الجينات لتتكون خلايا جنسية. وهكذا فإن الجينة السائدة أو الجينة المتنحية تكون موجودة في خلية جنسية معنية "خلية منوية أو بويضة", ثم لاحظ أن فصل هذه الأزواج المختلفة من الجينات يحدث عشوائيًّا, وبسبب الانفصال العشوائي فلن يكون من المحتمل ألَّا تشترك أي جينة موروثة اشتراكًا ثابتًا مع صفة موروثة أخرى, ومن خلال هذه العمليات فإن توافقات التكوينات الجينية يعتبر لا نهائيًّا. - وثَمَّةَ قاعدة أخرى تعمل مع الكائنات البشرية لتغيير التعبير الجسمي للجينات, وتعرف هذه العملية باسم التلقيح الخلطي, وهو يحدث أثناء الانقسام الاختزالي, وعملية الخلط تشمل زوجًا من الكروموسومات يحتمل أن يتراكبا.

стр. 64

وفي اللحظة التي تنفصل فيها الكروموسومات، قد يحدث تبادل في الجينات، ومعنى ذلك: أن الصفة الوراثية: "الجينية" للكروموسومات قد تغيرت فعلًا. ج- الصفات المتَّصلة بالجنس: لاحظنا فيما سبق أن كل خلية من خلايا الجسم تتكوّن من ٢٣ زوجًا من الكروموسومات المتشابهة, والواقع أن هذا البيان صحيح بالنسبة لـ"٢٢" زوجًا فقط، أما الزوج الـ"٢٣" فهو كروموسومات الجنس sex chromosoms، وتختلف في الذكور عنها في الإناث؛ فالأنثى لها زوج من الكروموسومات "س س" أو "x x", وللذكر زوج الكروموسومات " س، ص" أو "x y", ولما كان الذكر يحمل كلًّا من الكروموسومات س، ص, فإن الأب هو الذي يقرر جنس المولود. أي أنه إذا كان الحيوان المنوي الناجح في اختراق البويضة يحتوي على كروموسوم "س" فإن الوليد يكون أنثى "فالبويضة لا تحتوي إلّا على كروموسوم "س"، في حين أنه إذا احتوى على الكروموسوم "ص" فإن الوليد يكون ذكرًا، شكل "١٨".

стр. 65

وتلعب كروموسومات الجنس دورًا هامًّا آخر في تحديد الصفات الموروثة للذكور والإناث، إن زوج الكوموسومات التي تحدد الجنس تحتوي أيضًا على جينات أخرى, ولما كانت المادة الكروموسومية للذكور تختلف عنها في الإناث، فإن التكوين الجيني الأساسي يكون مختلفًا، وبالتالي أيضًا الصفات الناتجة. والعملية ببساطة يمكن تلخيصها كما يلي: ١- الكروموسوم "س" أكبر من الكروموسوم "ص"، ويحتوي على عدد أكبر من الجينات. ٢- الذكور لديهم كروموسوم "س" واحد فقط، ولذلك فليس لديهم كروموسوم ثانٍ ذو نشاط مضاد "جينة واحدة تحدد الصفة, وليس زوجان من الجينات". ٣- في الذكور جينة معينة توجد على الكروموسوم "س"، وليس على الكروموسوم "ص" هي التي تحدد صفات النسل. ٤- تختلف العملية بالنسبة للإناث؛ لأن كل خلية جنسية تحمل كروموسومات "س"، وبالتالي جينات مزدوجة، والجينة المتنحية يجب أن تحدث على كلا الكروموسومين لكي تحدث الصفة: شكل "١٩". هذا والصفات المرتبطة بالجنس مثل: عمي الألوان، الهيموفيليا "انعدام تجلط الدم"، المهق "الشقرة" albino، الصلع, ونوع ما من سوء التغذية؛ حيث تتضمَّن جينات متنحية تؤدي إلى هذه المظاهر الجسمية السلبية, ونظرًا لأنَّ العمى اللوني والصلع والهيموفيليا أكثر ظهورًا في الرجال وندرة عند النساء، فإنه يفترض ارتباطها بمورثات الجنس, فإذ اتَّحد كروموسوم "س" يحمل أحد هذه الأمراض مع كروموسوم "ص", فسوف يظهر المرض في الخلف الذكر، أمَّا إذا اتحد نفس الكروموسوم "س" الحامل للمرض مع "س" أخرى، الميل إلى الصحة الموجود في س السليمة يلغي المرض, وتولد الأنثى ليس لديها المرض المرتبط بالجنس، والاستثناء غير العادي هو الذي يتمخَّض عنه النادر من حالات المرض في النساء أن ترث الأنثى من خيلتين "س" كلتيهما حاملة للمرض.

стр. 66

د- الشواذ الكروموسومية: إن الدليل المباشر لتأثيرات الوراثة على السلوك ينبثق من الشواذ الكروموسومية, وفي بعض هذه الشواذ مثل أعراض dawn "البله" مثلًا, نستطيع الاستدلال على فساد الوظيفة الوراثية، وأيضًا من الشواذ الوراثية التي لاقت اهتمامًا كبيرًا في السنوات الأخيرة أعراض الفينيل كيتونيوريا "pku" phenyl ketonuria؛ حيث أنَّ التعرف المبكر عليها يساعد على نجاح العلاج, ومن الشواذ الوراثية الأخرى التي أمكن التعرف عليها وتفسيرها أعراض تيرنر turnerK، وأعراض كلينفلتر kleinfelter، وأعراض الـ س ص ص. وتمثل حالات عرض دوان dawn's syndrpme, أو الحالات المعروفة بالمنغولية حوالي ١٠% من حالات التخلف العقلي "المتوسط الشديد"، أو واحد لكل ٧٠٠ حالة من حالات المواليد الأحياء، ويتميِّز أصحابها بسمات بدنية الجنس المغولي، وترجع إلى وجود كروموسوم زائد في أحد كروموسومات الجنس "غالبًا الزوج رقم ٢١"، فتصبح عدد الكروموزمات في الخلية المخصبة ٤٧ بدلًا من ٤٦ كروموسومًا.. "شكل: ٢١", وقد وجد أن نسبة الإصابة تزداد بزيادة عمر الأم، كما وجد أن الكروموسومات غير الطبيعية تستحدث بالإشعاع. "فاروق صادق: ١٩٧٦، ٧٥، محروس الشناوي: ١٩٩٧، ٨٦، ٩٠".

стр. 67

والأفراد المصابين بالفينيل كيتونوريا "p. k. u "phenylketonuria يعجزون عن توليد إنزيم الكبد الذي يحوّل الفينيل آلانين، وهو حامض أميني، إلى حامض أميني آخر هو الثيروزين, ومثل هذه العملية الأيضية تؤثر على الكبد، وبذلك يؤثر حامض الفينليروفيك على الجهاز العصبي المركزي, ويسبب تلف الخلايا مما يؤدي إلى تخلُّف عقلي. "شكل: ٢٢".

стр. 68

والـpku ينتقل بواسطة جينة جسمية متنحية واحدة، وهو يحدث في حوالي ٦ من كل ١٠.٠٠٠ ولادة، ولا يفرق بين الجنسين؛ وحيث أن الجينة المعتلَّة متنحية، فلا بُدَّ من وجودها في كل من الأم والأب, ولحسن الحظ فقد أصبح من الممكن حاليًا التعرف على الـPKU في وقت مبكر, وتخفيف آثاره المدمرة عن طريق نظام غذائي يقل فيه الفينيل آلانين، كما يمكن التعرّف على حاملي الجينة المتنحية. وتتضمَّن الطريقة إعطاء الأفراد المشتبه فيهم كمية زائدة من الفينيل آلانين الذي يهضمه هؤلاء الأفراد بسرعة أقل مما يهضمه بها الأفراد العاديون, وهكذا: فإن التقدم في فهم العمليات الوراثية سوف يساعد الوالدين على اتخاذ قرارات على ضوء المزيد من المعلومات فيما يختص بخطورة

стр. 69

إنجاب أطفال. إن الانتقال الوراثي الـP.K.U في الأطفال من والدين متتامي اللقاحات "الزيجوت" حاملين للجينات المتنحية الـPKU " هي الجينة السائدة, P هي الجينة المتنحية".. شكل "٢٤". طفلة تعاني تخلف عقلي ناتج عن الفنيل كيتونيوريا - كذلك فإن شواذ الكروموسومات الجنسية تحدث نتيجة عجز هذه الكروموسومات عن الانقسام بالطريقة الطبيعية, من ذلك: أ- الحالة المعروفة بأعراض كلينفلتر kleinfelter: وهي تحدث بسبب عدم حدوث انفصال الجينات في أثناء الانقسام الاختزالي المبدئي، فإن خلية منوية يمكن أن تشتمل على كلا الكروموسومات "س"، "ص" أو لا تشتمل على أي كروموسومات جنسية, وبذلك فإن إخصاب بويضة طبيعية بواسطة خلية منوية "س"، "ص" ينتج زيجوت مع كروموسوم "س" زيادة أي: "س س ص". ب- كذلك فإن الخلية المنوية عندما تعجز عن إنتاج كروموسومات جنسية، فإن الزيجوت الناتج يولد أنثى لها كروموسوم "س" واحد, وكروموسوم "س", وتسمى هذه الحالة بأعراض تيرنر turner وكلًّا من هاتين الحالتين الشاذتين تؤديان إلى نمو جنسي غير كامل، وإلى درجة من التخلف العقلي, وفي حالة أعراض turner يبدو أن الوظيفة العقلية التي تتضمَّنت العلاقات المكانية أكثر تأثرًا من الأداء الشفوي.

стр. 70

ج- وهناك شاذة ثالثة ترجع إلى كروموسومات جنسية، وتحدث عندما تلقح خلية منوية "ص ص" بويضة طبيعية مولدة لذكر "س ص ص", وأكثر مظاهر هذه الحالة وضوحًا هو الطول؛ إذ أن الذكور "س ص ص" يبلغ طولهم عادة أكثر من ١٨٠سم, وهم قياسًا دون المتوسط من الناحية العقلية, وقد افترض أخيرًا أن الذكر "س ص ص" أكثر ميلًا للعدوانية وارتكاب الجرائم, ومع أنَّ البرهان على هذا الافتراض بعيد عن القطعيِّة، فإن الأفراد الذين لديهم أيّ حالة شاذّة ترجع إلى الكروموسومات الجنسية يحتمل كثيرًا أن يواجهوا صعوبات نفسية "money & shrhardt, ١٩٧٢".

стр. 71

مبادئ التطور وعلاقتها بالنمو: principles of evaluation سبق أن أوضحنا أن دراسة النمو الإنساني تشتمل على النمو الفردي ontogeny, وهو دراسة التغيُّر في الفرد، والنمو التطوري للنوع phylogency, وهو دراسة نشأة الأنواع وتغيراتها, أي: تطورها. ومن أهم مبادئ التطور هو حدوث تغيرات الطفرة mutation تلقائيًّا وتكرارها في الجينات، وهي تغيُّرات لا تكون دائمًا مدمِّرة أو غير تكيفية, ومن الواضح أنَّه عندما تكون هذه التغيُّرات مدمِّرة فإن التركيب العضوي "النوع" يموت، ويعجز التكوين البيولوجي عن الظهور. ومع حدوث طفرة تكيفية هامشية فإن التركيب العضوي المتأثِّر لا يحتمل له البقاء هو الآخر؛ لأنه لا يستطيع التكيُّف مع متطلبات البيئة, ولا يحتمل أن ينجب، وأحيانًا يموت, وأحيانًا تحدث طفرة ليست مدمرة بيولوجيًّا ولا تعجز عن التكيف البيئي environmental adaptation, وإذا افترضنا أن المتغير بالطفرة يستطيع الإنجاب "ليس كل المتغيرين قادرين على الإنجاب"، فإن تركيبًا عضويًّا معدلًا سوف يولد وقد ينمو, والمتغير الذي يعيش قد يكون أو لا يكون متفوقًا أو أكثر تقدمًا عن المعدَّل السكاني للنوع. وتتميِّز عملية التطور بظاهرة هامَّة هي أن فرز مجموعات الكروموسومات الفردية يكون عشوائيًّا.. والتنوع العشوائي يؤدي إلى زيادة التنوع في الأنواع، وبذلك يوفر تكيفًا أكبر في نطاق من الضغوط البيئية أكثر اتساعًا.. وهذا يدفعنا إلى مناقشة هذه المفاهيم المرتبطة بالنموِّ الإنساني والمؤثرة فيه, ومنها ما يلي: ١- التكيف adaptation: بخلاف الوظائف البيولوجية الواضحة، فإن من أهم مبادئ التطور قدرة التركيب العضوي "النوع" على التكيّف مع متطلبات البيئة, وقد سبق أن رأينا أن بيولوجية التوالد هي في حد ذاتها ظاهرة تكيفية، مثال ذلك: أن ازدواج الجينات المدمِّرة، والذي يفترض أنه حدث عشوائيٌّ يجعل بقاء النسل مستحيلًا, فمفهوم التكيف يجمع بين مكونات التطور الوارثية والسلوكية، وربط المكونات الوراثية والسلوكية بالنظرية يعرف باسم: "النظرية التركيبية".

стр. 72

وطبقًا لما قرره كل من سمبسون، ورو simpson & roe "١٩٥٨" فإنهما يريدان أن: "من مظاهر النظرية التركيبية، والتي لها دلالتها هنا، هي أنها تفيد بأنَّ السلوك عنصر مركزي، وهي لا تقتصر على تحديد الطريق نحو تفسيرات تطورية وتاريخية للأنماط السلوكية القائمة، بل تتضمَّن السلوك كعامل من العوامل التي تولّد وترشد التطور.. إن بعض مراحل الانتخاب، كما في الزيجوت، والجنين، ليست سلوكية مباشرة، في حين أن ظواهر التربية ورعاية الصغار, والبقاء المترتِّب على ذلك تعتبر ظواهر سلوكية واضحة، وهي عناصر حاسمة في عملية الانتخاب". وهذا النص يدل على أن التكوين الوراثي وما يتبعه من سلوك ومتطلبات البيئة وكلها مترابطة، إن تغييرًا في أحد المكونات يحفِّز على التغيُّر في كل المكونات الأخرى. إنَّ الضغوط النوعية أو الوراثية داخل الأنواع التي لا تستطيع التكيُّف بتغيرات البيئة يجري استبعادها وتندثر, مع أنَّ هذ العمليات يسهل استعراضها بين الأنواع الأدنى من الإنسان، إلّا أن الأمثلة العديدة التي تظهر بين الكائنات البشرية تجعل المفاهيم هامة في دراسة النمو الإنساني. ٢- التزاوج الانتقائي selective mating: إن التطور أكثر ما يكون عملية عشوائية تولد قدرًا كبيرًا من التغيّر الوراثي، ولكن التطور لا يجري بالضرورة في اتجاه يضمن سلالة محسنة, ومع ذلك: فإنه من المعقول أن نقول: إنه على مَرِّ أزمان لا نهائية ظهر نتاج متفوق هو الإنسان, وتفسير تكوّن نتاج متفوق يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من العشوائية, والتزواج يعتبر من مظاهر التطور التي لا يتمّ انتقاؤها عشوائيًّا. وقد أظهرت البحوث أن التزاوج اللا عشوائي يحدث في داخل النوع البشري. إن التكوينات الوراثية للوالدين أكثر ما تكون ترابطًا، الأمر الذي يقلل من مدى إمكانية التغير. والتزواج الانتقائي لا ينجح إلّا بقدر بقاء البيئة ثابتة ولو نسبيًّا. معنى ذلك: أن بعض الأفراد سوف يضارّون في هذه الظروف، ويمكن اعتبارهم ضمانًا وقائيًّا في حالة تغيّر البيئة بطرق تتلاءم مع تراثهم, وفي أحسن

стр. 73

الأحوال يمكننا أن نزعم بأن المجتمع يجب أن يبذل جهده في سبيل بقاء بيئات منوَّعة يمكن فيها لكافة القدرات الوراثية أن تعمل بنجاح, وفي عملية التزاوج الانتقائي، أو الانتقاء الطبيعي يعمل عاملان: اللياقة البيولوجية للوالدين، وعامل أكثر اتجاهًا اجتماعيًّا هو الجاذبية الجنسية، وهذا المتغير الأخير يرتبط بالدخل، والتعليم، والمهنة، والأمومة، وعدد آخر من المتغيرات البيئية والوراثية, حتى إنه يصبح من الصعب جدًّا التفرقة بينها. ٣- الطفرة mulation: يقوم التزاوج الانتقائي بتخفيض التغيُّر الوراثي، وبالتالي تكيف النوع, وليس تكيف النوع البشري, ولحسن الحظ فإن عملية ثابتة هي الطفرة تقوم بإنتاج نسل مختلف وتعوض آثار التزواج الانتقائي. ويقول وليم ج. ماير william j. maeyer "١٩٧٩": "إننا لا نفهم جيدًا الأسباب الطبيعية للطَّفرة، ولكننا نعرف أن الأشعة السينية، وهي شكل من أشكال الإشعاع والتطرف في درجات الحرارة تزيد من احتمال حدوث الطفرة ... ". وبعض مسببات الطفرة تتجلَّى في بعض الحالات المرضية، ولكن يبدو من المحتمل أن النوع الإنساني يضم حالات طفرة أخرى، ولكنها أقل وضوحًا بدرجة كبيرة؛ وحيث إن هذه الطفرات غير ملحوظة، فلا يمكن بعد تحديد مدى ما ستؤدي إليه بالنوع البشري على مدى بضع ملايين السنين القادمة. وبالرغم من أن معظم حالات الطفرة ضارّة بالبقاء، وهي أيضًا متنحية "ولولا ذلك لكان من الضروري أن يظهر قدر كبير من حالات الطفرة" إلّا أنها ليست كلها سلبية، فعندما تتغير متطلبات البيئة، فإن نسبة صغيرة ممن يتعرضون للطفرة يمكن أن يكونوا في وضع تكيفي متفوق؛ وحيث إن نسبة صغيرة فقط من الأفراد قد تكون لديهم الجينات اللازمة للتكيف مع تغير البيئة، فإن الأمر قد يتطلب وقتًا طويلًا لكي تصبح الطفرة جزءًا من السكان الطبيعيين. وفي الظروف التي يشتد فيها التغيُّر البيئي، نجد أن البقاء الانتقائي يساعد على احتمال نجاح الطفرة في التوالد, كما أن التغيُّر البيئي الشديد يستغرق وقتًا

стр. 74

طويلًا، ولذلك فإن التكوينات الوراثية للباقين على قيد الحياة تصبح قابلة للتكيف تدريجيًّا. ٤- السلوك غير المتعلّم: إن نظرية التطور مستمدة من مبادئ الانتقال الوراثي، وتفترض أن السلوك التكيفي adaptive behavior مظهر لتكوين وراثي محدَّد يكمن خلفه, وهذ الأنماط السلوكية تكتسب قدرتها على التكيف من خلال التطور، وهي محددة فطريًّا, أي: إنها مبرمجة وراثيًّا وغير متعلمة، والعلماء الذين يدرسون السلوك في صورته الطبيعية ويركزون على مكوناته التي تبدو غير متعلمة, يطلق عليهم علماء أطوار البشر ethnologists مثل تينبرجن tinbergen "١٩٥١"، كيو kuo "١٩٧٢"، هس hess "١٩٧٠"، لورنز lorenz "١٩٦٥"، وكثيرون غيرهم.. وقد أسهم هؤلاء بالكثير من تفهمنا لتفاعل المتطلبات البيئية والسلوك الفطري، وأظهروا كيف تعمل المثيرات البيئية كمؤشرات على الاستجابات الفطرية، علاوة على ذلك كيف تكون هذه الاستجابات تكيفية؟ ويقدم علماء الصفات الإنسانية ملاحظاتهم في إطارات طبيعية, وذلك بسبب كثرة المثيرات الموجودة في الطبيعة بالمقارنة بالقليل منها في المعمل، ومن خلال عملية ملاحظة السلوك الجاري دراسته وهي عملية تتسم أحيانًا بالمشقة ... وهم يرون أن الإناس تركيب عضوي بيولوجي، وأن له تاريخًا تطوريًّا, وأن أفراد النوع الإنساني لديهم حصيلة قديمة من الأنماط سلوكية فطرية كانت في وقت ما هي الضمان لبقاء التركيب العضوي، حتى بدون مساعدة التعلُّم الاجتماعي أو العادات الاجتماعية.. وبعض هذ الأمثلة للأنماط السلوكية الفطرية تتضمَّن عناصر من السلوك الجنسي والسلوك العدواني، والاستجابات الاجتماعية الفطرية. إن معرفة هذه الجوانب كجزء من تراثنا لها أهميتها، وذلك لأننا بالنسبة للتاريخ التطوري للإنسان لسنا بعيدين عن الوقت الذي لم تكن توجد فيه تأثيرات ثقافية واسعة الانتشار على السلوك, وبدون أنماطنا السلوكية الراسخة فينا، فإننا كنوع لم تكن لنتمكن من البقاء مليون سنة.

стр. 75

ومن أقدم الموضوعات التي شغلت علماء النفس هي ما إذا كان السلوك الإنساني والسلوك الحيواني غزيزيين أو متعلمين، فالسلوك الغريزي يكون موروثا وليس متعلَّمًا، وذلك من خلال التجربة أو المحاكاة، وقد يكون أبسط أنواع هذا السلوك هو طرف العين استجابة لموقف مثير, والكائنات البشرية تبدي الكثير من مثل هذا الانعكاس الذي يبدو متكيفًا. إن المفهوم القديم للغريزة كقوة داخلية تحددها الجينات، ومستقلة عن المثيرات البيئية "تعلم"، قد غضَّ النظر عنه بدرجة كبيرة بسبب هذه الأنماط السلوكية, ولا يقبل علماء الصفات الإنسانية المعاصرين بعض الآراء القائلة بأن الوراثة تحدد نظامًا جسميًّا سابق البرمجة يتفاعل مع مجموعة كبيرة من المثيرات البيئية, وبعبارة أخرى: فإن البيئة تتفاعل مع الإمكانات الوراثية لإنتاج تنظيم لكل نظام استجابة، وفي الكائنات البشرية نجد أن البيئة لها دور قوي على الإمكانات الوراثية، وبالتالي تلعب دورًا أكثر نشاطًا في تحديد أنماط الفعل. الأمر الذي قد يكون راجعًا إلى زيادة تنوع هذه البيئة بالمقارنة ببقية الحيوانات الأدنى. صفات الاستجابات غير المتعلمة: إن المفتاح لفهم السلوك الفطري هو أن شكله يتجسَّم ويظهر حتَّى ولو أتيحت للتركيب العضوي الفرصة لملاحظة الكثير الذي يظهر السلوك أو يقابله, وأنماط السلوك التي تتفق وهذا المعيار تسمَّى بأنماط الفعل الثابت fixed action patterns، وأنماط السلوك الغريزي ثابتة بقدر ثبات هيئة الأنواع؛ وحيث إن التركيب العضوي لا يستطيع البقاء إذ كان عليه أن يستجيب دون تمييز لكل المثيرات في بيئته, فهو يجب ألّا يستجيب إلّا لعدد منها، فما الذي يحدد أي المثيرات هو الذي يستوجب الفعل الثابت: هل هو التعلُّم أو آلية فطرية؟ إن الجواب طبقًا لآراء علماء الصفات الإنسانية هو أن كلًّا من المثير الفطري والمتعلَّم يمكن أن يولد استجابة معينة ولا يستجيب لكل المثيرات البيئية الممكنة, ومن المعتقد أن هذه الآليات تعمل كمستقبل للمثيرات الرئيسية، وهي بالضرورة متكيفة مع العالم كما هو، وبذلك لا يستجيب إلّا للمثيرات التي لا بُدَّ وأن تتسم بها مواقف بيولوجية معينة.
следующие страницы →