← Медицина

Медицина · id 9939

علم نفس النمو

حسن مصطفى عبد المعطي

Полный текст (992 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مبادئ التطور وعلاقتها بالنمو: principles of evaluation سبق أن أوضحنا أن دراسة النمو الإنساني تشتمل على النمو الفردي ontogeny, وهو دراسة التغيُّر في الفرد، والنمو التطوري للنوع phylogency, وهو دراسة نشأة الأنواع وتغيراتها, أي: تطورها. ومن أهم مبادئ التطور هو حدوث تغيرات الطفرة mutation تلقائيًّا وتكرارها في الجينات، وهي تغيُّرات لا تكون دائمًا مدمِّرة أو غير تكيفية, ومن الواضح أنَّه عندما تكون هذه التغيُّرات مدمِّرة فإن التركيب العضوي "النوع" يموت، ويعجز التكوين البيولوجي عن الظهور. ومع حدوث طفرة تكيفية هامشية فإن التركيب العضوي المتأثِّر لا يحتمل له البقاء هو الآخر؛ لأنه لا يستطيع التكيُّف مع متطلبات البيئة, ولا يحتمل أن ينجب، وأحيانًا يموت, وأحيانًا تحدث طفرة ليست مدمرة بيولوجيًّا ولا تعجز عن التكيف البيئي environmental adaptation, وإذا افترضنا أن المتغير بالطفرة يستطيع الإنجاب "ليس كل المتغيرين قادرين على الإنجاب"، فإن تركيبًا عضويًّا معدلًا سوف يولد وقد ينمو, والمتغير الذي يعيش قد يكون أو لا يكون متفوقًا أو أكثر تقدمًا عن المعدَّل السكاني للنوع. وتتميِّز عملية التطور بظاهرة هامَّة هي أن فرز مجموعات الكروموسومات الفردية يكون عشوائيًّا.. والتنوع العشوائي يؤدي إلى زيادة التنوع في الأنواع، وبذلك يوفر تكيفًا أكبر في نطاق من الضغوط البيئية أكثر اتساعًا.. وهذا يدفعنا إلى مناقشة هذه المفاهيم المرتبطة بالنموِّ الإنساني والمؤثرة فيه, ومنها ما يلي: ١- التكيف adaptation: بخلاف الوظائف البيولوجية الواضحة، فإن من أهم مبادئ التطور قدرة التركيب العضوي "النوع" على التكيّف مع متطلبات البيئة, وقد سبق أن رأينا أن بيولوجية التوالد هي في حد ذاتها ظاهرة تكيفية، مثال ذلك: أن ازدواج الجينات المدمِّرة، والذي يفترض أنه حدث عشوائيٌّ يجعل بقاء النسل مستحيلًا, فمفهوم التكيف يجمع بين مكونات التطور الوارثية والسلوكية، وربط المكونات الوراثية والسلوكية بالنظرية يعرف باسم: "النظرية التركيبية".

стр. 72

وطبقًا لما قرره كل من سمبسون، ورو simpson & roe "١٩٥٨" فإنهما يريدان أن: "من مظاهر النظرية التركيبية، والتي لها دلالتها هنا، هي أنها تفيد بأنَّ السلوك عنصر مركزي، وهي لا تقتصر على تحديد الطريق نحو تفسيرات تطورية وتاريخية للأنماط السلوكية القائمة، بل تتضمَّن السلوك كعامل من العوامل التي تولّد وترشد التطور.. إن بعض مراحل الانتخاب، كما في الزيجوت، والجنين، ليست سلوكية مباشرة، في حين أن ظواهر التربية ورعاية الصغار, والبقاء المترتِّب على ذلك تعتبر ظواهر سلوكية واضحة، وهي عناصر حاسمة في عملية الانتخاب". وهذا النص يدل على أن التكوين الوراثي وما يتبعه من سلوك ومتطلبات البيئة وكلها مترابطة، إن تغييرًا في أحد المكونات يحفِّز على التغيُّر في كل المكونات الأخرى. إنَّ الضغوط النوعية أو الوراثية داخل الأنواع التي لا تستطيع التكيُّف بتغيرات البيئة يجري استبعادها وتندثر, مع أنَّ هذ العمليات يسهل استعراضها بين الأنواع الأدنى من الإنسان، إلّا أن الأمثلة العديدة التي تظهر بين الكائنات البشرية تجعل المفاهيم هامة في دراسة النمو الإنساني. ٢- التزاوج الانتقائي selective mating: إن التطور أكثر ما يكون عملية عشوائية تولد قدرًا كبيرًا من التغيّر الوراثي، ولكن التطور لا يجري بالضرورة في اتجاه يضمن سلالة محسنة, ومع ذلك: فإنه من المعقول أن نقول: إنه على مَرِّ أزمان لا نهائية ظهر نتاج متفوق هو الإنسان, وتفسير تكوّن نتاج متفوق يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من العشوائية, والتزواج يعتبر من مظاهر التطور التي لا يتمّ انتقاؤها عشوائيًّا. وقد أظهرت البحوث أن التزاوج اللا عشوائي يحدث في داخل النوع البشري. إن التكوينات الوراثية للوالدين أكثر ما تكون ترابطًا، الأمر الذي يقلل من مدى إمكانية التغير. والتزواج الانتقائي لا ينجح إلّا بقدر بقاء البيئة ثابتة ولو نسبيًّا. معنى ذلك: أن بعض الأفراد سوف يضارّون في هذه الظروف، ويمكن اعتبارهم ضمانًا وقائيًّا في حالة تغيّر البيئة بطرق تتلاءم مع تراثهم, وفي أحسن

стр. 73

الأحوال يمكننا أن نزعم بأن المجتمع يجب أن يبذل جهده في سبيل بقاء بيئات منوَّعة يمكن فيها لكافة القدرات الوراثية أن تعمل بنجاح, وفي عملية التزاوج الانتقائي، أو الانتقاء الطبيعي يعمل عاملان: اللياقة البيولوجية للوالدين، وعامل أكثر اتجاهًا اجتماعيًّا هو الجاذبية الجنسية، وهذا المتغير الأخير يرتبط بالدخل، والتعليم، والمهنة، والأمومة، وعدد آخر من المتغيرات البيئية والوراثية, حتى إنه يصبح من الصعب جدًّا التفرقة بينها. ٣- الطفرة mulation: يقوم التزاوج الانتقائي بتخفيض التغيُّر الوراثي، وبالتالي تكيف النوع, وليس تكيف النوع البشري, ولحسن الحظ فإن عملية ثابتة هي الطفرة تقوم بإنتاج نسل مختلف وتعوض آثار التزواج الانتقائي. ويقول وليم ج. ماير william j. maeyer "١٩٧٩": "إننا لا نفهم جيدًا الأسباب الطبيعية للطَّفرة، ولكننا نعرف أن الأشعة السينية، وهي شكل من أشكال الإشعاع والتطرف في درجات الحرارة تزيد من احتمال حدوث الطفرة ... ". وبعض مسببات الطفرة تتجلَّى في بعض الحالات المرضية، ولكن يبدو من المحتمل أن النوع الإنساني يضم حالات طفرة أخرى، ولكنها أقل وضوحًا بدرجة كبيرة؛ وحيث إن هذه الطفرات غير ملحوظة، فلا يمكن بعد تحديد مدى ما ستؤدي إليه بالنوع البشري على مدى بضع ملايين السنين القادمة. وبالرغم من أن معظم حالات الطفرة ضارّة بالبقاء، وهي أيضًا متنحية "ولولا ذلك لكان من الضروري أن يظهر قدر كبير من حالات الطفرة" إلّا أنها ليست كلها سلبية، فعندما تتغير متطلبات البيئة، فإن نسبة صغيرة ممن يتعرضون للطفرة يمكن أن يكونوا في وضع تكيفي متفوق؛ وحيث إن نسبة صغيرة فقط من الأفراد قد تكون لديهم الجينات اللازمة للتكيف مع تغير البيئة، فإن الأمر قد يتطلب وقتًا طويلًا لكي تصبح الطفرة جزءًا من السكان الطبيعيين. وفي الظروف التي يشتد فيها التغيُّر البيئي، نجد أن البقاء الانتقائي يساعد على احتمال نجاح الطفرة في التوالد, كما أن التغيُّر البيئي الشديد يستغرق وقتًا

стр. 74

طويلًا، ولذلك فإن التكوينات الوراثية للباقين على قيد الحياة تصبح قابلة للتكيف تدريجيًّا. ٤- السلوك غير المتعلّم: إن نظرية التطور مستمدة من مبادئ الانتقال الوراثي، وتفترض أن السلوك التكيفي adaptive behavior مظهر لتكوين وراثي محدَّد يكمن خلفه, وهذ الأنماط السلوكية تكتسب قدرتها على التكيف من خلال التطور، وهي محددة فطريًّا, أي: إنها مبرمجة وراثيًّا وغير متعلمة، والعلماء الذين يدرسون السلوك في صورته الطبيعية ويركزون على مكوناته التي تبدو غير متعلمة, يطلق عليهم علماء أطوار البشر ethnologists مثل تينبرجن tinbergen "١٩٥١"، كيو kuo "١٩٧٢"، هس hess "١٩٧٠"، لورنز lorenz "١٩٦٥"، وكثيرون غيرهم.. وقد أسهم هؤلاء بالكثير من تفهمنا لتفاعل المتطلبات البيئية والسلوك الفطري، وأظهروا كيف تعمل المثيرات البيئية كمؤشرات على الاستجابات الفطرية، علاوة على ذلك كيف تكون هذه الاستجابات تكيفية؟ ويقدم علماء الصفات الإنسانية ملاحظاتهم في إطارات طبيعية, وذلك بسبب كثرة المثيرات الموجودة في الطبيعة بالمقارنة بالقليل منها في المعمل، ومن خلال عملية ملاحظة السلوك الجاري دراسته وهي عملية تتسم أحيانًا بالمشقة ... وهم يرون أن الإناس تركيب عضوي بيولوجي، وأن له تاريخًا تطوريًّا, وأن أفراد النوع الإنساني لديهم حصيلة قديمة من الأنماط سلوكية فطرية كانت في وقت ما هي الضمان لبقاء التركيب العضوي، حتى بدون مساعدة التعلُّم الاجتماعي أو العادات الاجتماعية.. وبعض هذ الأمثلة للأنماط السلوكية الفطرية تتضمَّن عناصر من السلوك الجنسي والسلوك العدواني، والاستجابات الاجتماعية الفطرية. إن معرفة هذه الجوانب كجزء من تراثنا لها أهميتها، وذلك لأننا بالنسبة للتاريخ التطوري للإنسان لسنا بعيدين عن الوقت الذي لم تكن توجد فيه تأثيرات ثقافية واسعة الانتشار على السلوك, وبدون أنماطنا السلوكية الراسخة فينا، فإننا كنوع لم تكن لنتمكن من البقاء مليون سنة.

стр. 75

ومن أقدم الموضوعات التي شغلت علماء النفس هي ما إذا كان السلوك الإنساني والسلوك الحيواني غزيزيين أو متعلمين، فالسلوك الغريزي يكون موروثا وليس متعلَّمًا، وذلك من خلال التجربة أو المحاكاة، وقد يكون أبسط أنواع هذا السلوك هو طرف العين استجابة لموقف مثير, والكائنات البشرية تبدي الكثير من مثل هذا الانعكاس الذي يبدو متكيفًا. إن المفهوم القديم للغريزة كقوة داخلية تحددها الجينات، ومستقلة عن المثيرات البيئية "تعلم"، قد غضَّ النظر عنه بدرجة كبيرة بسبب هذه الأنماط السلوكية, ولا يقبل علماء الصفات الإنسانية المعاصرين بعض الآراء القائلة بأن الوراثة تحدد نظامًا جسميًّا سابق البرمجة يتفاعل مع مجموعة كبيرة من المثيرات البيئية, وبعبارة أخرى: فإن البيئة تتفاعل مع الإمكانات الوراثية لإنتاج تنظيم لكل نظام استجابة، وفي الكائنات البشرية نجد أن البيئة لها دور قوي على الإمكانات الوراثية، وبالتالي تلعب دورًا أكثر نشاطًا في تحديد أنماط الفعل. الأمر الذي قد يكون راجعًا إلى زيادة تنوع هذه البيئة بالمقارنة ببقية الحيوانات الأدنى. صفات الاستجابات غير المتعلمة: إن المفتاح لفهم السلوك الفطري هو أن شكله يتجسَّم ويظهر حتَّى ولو أتيحت للتركيب العضوي الفرصة لملاحظة الكثير الذي يظهر السلوك أو يقابله, وأنماط السلوك التي تتفق وهذا المعيار تسمَّى بأنماط الفعل الثابت fixed action patterns، وأنماط السلوك الغريزي ثابتة بقدر ثبات هيئة الأنواع؛ وحيث إن التركيب العضوي لا يستطيع البقاء إذ كان عليه أن يستجيب دون تمييز لكل المثيرات في بيئته, فهو يجب ألّا يستجيب إلّا لعدد منها، فما الذي يحدد أي المثيرات هو الذي يستوجب الفعل الثابت: هل هو التعلُّم أو آلية فطرية؟ إن الجواب طبقًا لآراء علماء الصفات الإنسانية هو أن كلًّا من المثير الفطري والمتعلَّم يمكن أن يولد استجابة معينة ولا يستجيب لكل المثيرات البيئية الممكنة, ومن المعتقد أن هذه الآليات تعمل كمستقبل للمثيرات الرئيسية، وهي بالضرورة متكيفة مع العالم كما هو، وبذلك لا يستجيب إلّا للمثيرات التي لا بُدَّ وأن تتسم بها مواقف بيولوجية معينة.

стр. 76

وللسلوك الفطري ثلاث صفات أخرى هي: العمومية، التتابع، والتكيف المحدد للنوع. ومع أن أنماط السلوك التي اعتبرت عادةً أنها فطرية لها هذه الصفات الثلاثة، إلّا أن هذه المعايير وحدها غير كافية لاستبعاد التعلُّم كفرض تبادلي محتمل, وفيما يلي توضيح لهذه الصفات الثلاث للسلوك الفطري: أ- العمومية universality: تتطلَّب العمومية أن يظهر نمط فعل ثابت في كل أفراد النوع البشري لكي يمكن وصفه بالسلوك الفطري, وقد يحدث أن قليلًا من أفراد النوع لا يظهرون هذا السلوك، وقد يرجع ذلك إلى طفرة ومرض، ومن الصعب التأكيد عمَّا إذا كان بعض التحول في السلوك ناتجًا عن طفرة أو عن التعلم، ولكن يبدو من المعقول أنه إذا ظهر هذا التحول على عدد قليل فقط من أفراد النوع البشري، فمن المحتمل أن يكون السبب راجعًا إلى طفرة. إن العموم كمعيار لا تستبعد احتمال التعلُّم، وحتى لو أن كل أفراد مجموعة ما يظهرون سلوكًا معينًا، فهو مع ذلك قد يكون نتيجة تأثير بيئي عام, وإذا علمنا أن كل أفراد النوع يشتركون في هيئة وتركيب جسمي واحد، وأنهم يشاركون في نفس البيئة العامة، فإننا لن ندهش إذا وجدنا أن كل أفراد النوع يسلكون نفس السلوك في نفس الظروف، ويلاحظ أن مثل هذه النتيجة لن تضر كثيرًا الاعتقاد بالآليات الفطرية، وذلك لأن الطرق التي تستجاب بها المتطلبات الفطرية للتركيب العضوي "مثل الحاجة إلى النوم أو الدفء" يمكن جدًّا أن تكون متعلَّمة. إن التركيبات العضوية يمكن أن تكون لها متطلبات فطرية للبقاء، ولكن السلوك يمكن أن يتخذ العديد من الأشكال لتحقيق هذه المتطلبات للفطرة. ولإيضاح كيف يمكن لاستجابة فطرية ظاهريًّا أن تتأثَّر بالتعلُّم، نختار تجربة استخدمت فيها أفراخ البط، وقام بها إيكارد هس Eckhard hess" ١٩٥٩", وقد حصلت تجارب أخرى على نفس النتائج باستخدام الكلاب والطيور, وقد خططت تجربة هس لاختبار مثل: أفراخ لإتباع البطة الأم", وقد وصلت بطة كبيرة صناعية بجهاز دوار، وأتيحت لأفراح البط فرصة لمتابعة البطة الصناعية، وكانت سرعة دوران البطة الخداعية وعدد الدورات تسجّل آليًّا، وكان هناك

стр. 77

أجهزة تسجيل تطلق أصوات نداء البط، الذكور والأنثى، ووضعت أفراخ البط في الجهاز في أوقات مختلفة بعد الفقس، تتراوح من ١-٤ ساعات، إلى ٢٩-٣٢ ساعة، وقد عرضت كل الأفراخ أولًا لذكر البط الخداعي، ولكن في ظروف التجربة وضعت الأفراخ بين نموذج الذكر الخداعي والأنثى الخداعية التي لا تختلف عن الذكر إلّا في لونها, وقد أخذ "هيس" يلاحظ إلى أيّ النوذجين الخداعيين تتجه الأفراخ؟ وكان يتوقع أن تتجه الأفراخ نحو النموذج الذكر, وكانت الظروف الأربعة التجريبية تمثل نظمًا متدرجًا في الصعوبة: ١- كلا النموذجين ثابتان وصامتان. ٢- كلا النموذجين ثابتان ويناديان. ٣- الذكر ثابت والأنثى تنادي. ٤- الذكر ثابت وصامت, والأنثى تتحرك وتنادي. فإذا استجاب الفرخ للنموذج الذكر في التجارب الأربعة كلها، وحصل على ١٠٠% من النقط، ويرى "هيس" أنه تبدو أن هناك سِنًّا حرجة كانت فيه آثار التجربة الأولية أكثر فاعلية "١٤ ساعة بعد الفقس تقريبًا". والظاهرة التي وصفتها توحي بأن سلوك التتبُّع بالنسبة للأفراخ يتطلب مثيرًا، ويعزز الاعتقاد العام بأن تجارب الطفولة المبكرة لها أهميتها في النمو اللاحق للتركيب العضوي. "شكل: ٢٦".

стр. 78

النسب المئوية للحيوانات في كل محموعة عمرية التي اتبعت في كل محاولة اختبارية. وتبين نتائج تجربة هيس hess "١٩٥٩" أن أنماط السلوك التي تبدو وكأنَّها غريزية أو غير متعلمة تتوقف في الواقع على مثيرات معينة في فترة الحياة المبكرة للتركيب العضوي, وقد أشار هيس hess إلى هذه الأنماط باعتبارها "شبه غريزية"، ولكن المهم فيها هو أن ظهورها يتوقَّف ليس فقط على أحداث بيئية معينة، ولكن أيضًا على توقيت هذه الأحداث، فإذا طرأت مناسبة بيئية مبكِّرة أو متأخِّرة أكثر من اللازم تضعف قوة المثير، وفي بعض الحالات المتطرفة لا يحدث إطلاقًا, وقد تحدث مناسبة مماثلة للأطفال حديثي الولادة في تكوين الصلات بين الأم والطفل. ب- التتابع sequentially: وهو الآخر كمطلب للسلوك الفطري يثير نفس المشاكل التي سبق وصفها في حالة العمومية, ولنتصور نمو ما كالمشي، ظاهريًّا يشير مثل هذا التتابع

стр. 79

إلى أن السلوك فطري ويتجلى بيولوجيًّا.. وتبين التجربة الفاصلة أن البيئة لا تقوم ببرمجة التعلُّم الذي يتلقَّاه الطفل برمجة تتابعية، وبذلك تبدو وكأنها تتابع مبني داخليًّا.. وسوف نستكشف هذه المسألة بتفصيل أكبر عند مناقشة مفهوم بياجيه للنمو المعرفي الذي يعتمد على افتراض التتابعات العامة، وعند مناقشة مثل هذه التتابعات لن يكون هناك جدل كبير حول التغيرات الكبرى في السلوك, إن طفلًا في السادسة من عمره "لا يحتمل أن يحل المعادلات الجبرية"؛ حيث إن الاختلاف الأكبر هو ترتيب المراحل الجارية في تتابع ثابت. ج- التكيف النوعي للأنواع sepcies - specific asaptiveness: وهو المعيار النهائي للسلوك الفطري, فأنماط السلوك التي توافق هذا المعيار لا تستخدم إلّا في مواجهة المتطلبات البيئية، وهي ضرورية للبقاء, ورغم أن أمثلة لا حصر لها من هذه الظاهرة تبدو في الدراسات الخاصة بالتركيبات العضوية التي دون الإنسان، فإن مجموعة من الأبحاث التي أجراها فريدمان freedman "١٩٦١، ١٩٦٤" قد دلَّت على أنَّ الاستجابة الأولية لابتسام الوليد هي "أ" عامة، "ب" لها تكيف شاذ؛ لأنها تحمي الطفل من الأذى. وكما هو الحال في معيار العمومية والتتابعية، فإن التكيف الشاذ يحتاج لِأَنْ تكون كل الفرص للتعلُّم محكومة، وهو شرط لا يبدو تحقيقه محتملًا عن طريق ابتسامة الطفل ... وفي الحيوانات التي تظهر تتابعًا سلوكيًّا شديد التعقيد، ولا يحتمل أن تتعلم في فترة قصيرة، توفر التكيفية الشاذة أقوى الحالات الثلاثة من المعايير التي ناقشناها، وذلك لوجود أنماط سلوكية غير متعلمة. وبصفة عامة: فإنه من الأسهل مع الحيوانات مما هو مع الإنسان أن تقدم أمثلة لسلوك يناسب معيار النظرية, وإن السلوك غير المتعلم بين أفراد الإنسان لا يعتبر حاسمًا؛ لأنه من الصعب جدًّا خلق مواقف تجريبية تحرم التركيب العضوية من فرص التعلّم، ولأن الإنسان أكثر استجابة للتغيرات مع متطلبات البيئة. وبالنسبة للصعوبات في تحديد ما إذا كان السلوك فطريًّا وغير متعلم، لنا أن نتسائل ما إذا كان أي سلوك يوافق المعيار، وهناك العديد من التجارب التي أجراها عديد من العلماء حول السلوك الفطري والسلوك المتعلّم, ومن التجارب

стр. 80

التقليدية التي أجراها كارميكل carmichael "١٩٢٦" فقد استخدم سلمندر مغموسة تمامًا في محلول يحتوي على الكلوريتون الذي يشل التركيب العضوي تمامًا دون أن يؤثر على النمو العضلي العصبي، وقد غمس السلمندر في المحلول قبل موعد حدوث الحركات الجسمية في مرحلة نموها، ثم رفعها من المحلول في الوقت الذي كان المفروض أن تبدأ فيه السباحة في حالتها الطبيعية، ثم وضعت مجموعة ضابطة من الأجنَّة في ماء عادي وربيت في ظروف تقرب من الظروف الطبيعية، وعندما بدأت المجموعة الضابطة في السباحة، رفعت السلمندر من محلول الكلوريتون ووضعت في ماء عادي، ثم أثيرت بقضيب كهربي، وفي خلال ٣٠ دقيقة تقريبًا أظهرت ردود فعل طبيعية للسباحة, وتفسير هذه التجربة أنَّ الاستجابة للسباحة لا يمكن أن تكون قد تَمَّ تعلمها، ولكنها كانت تعتمد على عمليات نمو فطرية، وأما السبب الذي جعل التركيب العضوي يستغرق ٣٠ دقيقة ليبدأ في السباحة هو أن مفعول الكلوريتون استغرق ٣٠ دقيقة ليزول. وقد كرر "كاميلك" التجربة مستخدمًا مجموعات ضابطة مناسبة لاختبار تأثير الكلوريتون وتوصَّل إلى دليل قاطع على أن الثلاثين دقيقة كانت راجعة فعلًا إلى زوال تأثير الكلوريتون. وهناك تجربة تقليدية قام بها كروز cruze "١٩٣٥" على الكتاكيت لبيان أن سلوك النقر عند الكتاكيت فطري, وقد أجريت دراسات عديدة على صغار الكتاكيت لتظهر: هل القدرة على النقر السريع الدقيق تظهر عند الكتاكيت منذ فقسها حتى لو ربيت في الظلام؟ وقد قام كروز بتربية الكتاكيت في الظلام، وأطعمها بوضع كريات صغيرة من الغذاء في فمها، وسقاها الماء بقطارة.. إلخ. وأظهرت النتائج أن الكتاكيت آليات جسمية فطرية للنقر، ولكنها تحتاج لتمرين قبل أن تصل لمستوى عال من الكفاءة. "شكل: ٢٧". وعلى هذا فإن مؤدَّى نتائج التجارب يوضح أن السلوك ما هو إلّا جزء من مخزون التركيب العضوي, أما حدوث الفترات الحرجة critical period في النمو فهو محل جدل, ومن الصعب وجود دليل قاطع لتعزيز هذه الفكرة, ومهما يكن من أمر، فإن الذين يحبذونها، يرون أن الفترة الزمنية التي يجب أن تحدث فيها

стр. 81

الخبرات الحاسمة لظهور تأثيرات مثيرة على الاستعداد الفطري للاستجابة، هذه الفترة لدى الإنسان أكبر منها لدى التركيبات العضوية دون الإنسان. إن دراسات أنماط الفعل الثابت مثلها مثل دراسات النضج الجسمي، تضع الأساس لفطرية بعض أنماط السلوك, وسنحاول تحليل مضمون عدد قليل من هذه التجارب, ولعل من أهم الدراسات التي أجراها تينبرجن tinbergen وهو من أبرز الباحثين في هذا المجال، دراسة تبحث في توالد سمكة "أبو شوكة".. وتمثل هذه الدراسة معالجة أخلاقية من حيث إن ملاحظات السلوك قد أجريت في إطار طبيعي.. وهذه الأبحاث ضرورية لكي نحدد قطعًا ما إذا كانت المثيرات الإشارية متعلمة أو فطرية, فالقدر الهائل من الأبحاث التي من هذا النوع تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن آليات فطرية داخلية تتفاعل مع المثيرات البيئية بطرق فريدة بالنسبة للأنواع, وفي تقديرنا أن ذلك مفهوم بالغ الأهمية لدراسة النمو الإنساني.

стр. 82

تكوين السلوك الإنساني مدخل ... تكوين السلوك الإنساني: قبل أن ننظر إلى المعطيات العلمية الخاصة بالوارثة لمختلف أنماط السلوك الإنساني، سنقوم أولًا باستكشاف بعض المفاهيم الأساسية لأدوار الوراثة والبيئة المتعلقة بها. إن هذه المفاهيم غاية في البساطة، وإن كانت عادة تلقى إهمالًا أو سوء فهم.. فهناك مثلًا موقفًا متطرفًا يقول بأن كل الأطفال حديثي الولادة لديهم أصلًا نفس الإمكانيات التكوينية "اللوح الأملس أو الصفحة البيضاء tabula rasa" وعلى الأقل فيما يختص بالمتغيرات التي ستؤثر على الوظيفة المعرفية، ولا يعزز هذا الرأي من الدلالة للصفات التكوينية سوى القليل، بل هو يعزو معظم الفروق في السلوك الإنساني لعوامل بيئية. إن أصحاب النظريات القائلة بذلك لا يدعون غياب كل المحددات التكوينية، ذلك لأنه ما من أحد يستطيع القول جديًّا أن الكائنات البشرية مخلوقات غير بيولوجية، وهم يفترضون أن كل التكوينات اللازمة للنمو الطبيعي موجودة في الوليد، ولا تنتظر سوى المثير المناسب والتمرين لإظهار هذه التكوينات, وإذا لم تظهر هذه الأنماط السلوكية فتفسير ذلك يكون هو "البيئة غير الملائمة"، وهو افتراض دائري. إن التغير في السلوك هو حاصل السمات الوراثية والتغيرات البيئية, والنموذج الإضافي البحت غير معقول؛ لأنه يوحي بأن السلوك يمكن أن يتغير وإن كان أي من طرفي الإضافة يمكن أن يكون صفرًا.. ومما يتناسق منطقيًّا مع النموذج الإضافي أن السلوك يمكن أن يتغير بدون أي مساهمة بيئية, وبالعكس بدون أي أساس سلوكي وراثي, وثمة رأي أكثر قبولًا، ويشار إليه عادة باسم "رأي التفاعل": الوراثة × البيئة = التغير السلوكي. وطبقًا لهذا الرأي: إذا كانت قيمة أي طرف في الحد الأيمن للمعادلة صفرًا, فإن نتيجة المعادلة أنه لا يوجد سلوك، وبالتالي لا يوجد تغير, ولذلك فإن الوضع الأكثر معقولية للسلوك الإنساني هو كيفية تفاعل الوراثة مع البيئة, وقد أدى هذا الاتجاه العام إلى النجاح في علاج السوابق التكوينية للتخلف العقلي, وبعض الأعراض المرضية الأخرى. وفيما يلي نعرض توارث السلوك الإنساني، دون البيئة في تشكيل النمو الإنساني:

стр. 83

توارث السلوك الإنساني: the heritability of human behavior مدخل ... ١- توارث السلوك الإنساني: the heritability of human behavior إن البحث الذي يهدف تبيان عملية التفاعل على المستوى الإنساني في المواقف الطبيعية، قد ثبت أنه صعب التصميم للغاية، وفي الفترة الأخيرة قدَّم سكار وويبنبرج scarr & weinberg "١٩٧٦" تقريرًا عن دراسة في هذا الموضوع، لكي تختبر "عملية التفاعل", فوجد أن التكوين الوراثي أو البيئي يجب أن يتشكَّل، والتشكيل التكويني قد خلق طفرات وإجراء اختبارات للتأثيرات في مختلف البيئات "وقد تَمَّ هذا مع الحيوانات". وثمة استراتيجية لتقيم تفاعل الوراثة والبيئة تتضمَّن حرمان التركيب العضوي, مثال ذلك: نفترض أن شمبانزي عادي يكتسب كفاءة إداكية إذا وفَّرنا له مستوى معينًا من الإثارة البيئية، وبذلك نحرم الحيوان من كل مثير داخلي له علاقة بالشكل أو المثيرات البيئية, وكما هو الحال بالنسبة للتشكيل التكويني, فإن استراتيجية الحرمان قد استخدمت مع الحيوانات، ولكن لا يمكن استخدامها مع الإنسان. والنمو الانفعالي مظهر آخر من النمو الإنساني يبدو أن له سوابق تكوينية قوية، كما أنَّ النمو الإدراكي والمعرفي يتضمَّنان أيضًا استعدادًا تكوينيًّا مسبقًا، ومن جوانب النمو والسلوك الإنسانيين التي لاقت وراثيتها اهتمامًا كبيرًا من العلماء نذكر: الذكاء، والشخصية، وسوف نتعرض لهما بعد استعراض طرق تحديد الوراثية.

стр. 84

طرق تحديد الوراثية: methods of determining heritability يرى وليم ماير willam mayer "١٩٧٩" "أننا قبل أن نتفهَّم تمامًا البحث الخاص بتوارث السلوك، يجب أن نفحص بعض الطرق المستخدمة لتقدير الدرجة التي يتحدَّد بها تكوينيًّا السلوك أو نمط السلوك. وكل طريقة تعاني إلى حَدٍّ ما من نفس الخطأ الأساسي، وبالتحديد عدم القدرة على مواجهة التغيرات في البيئة.." ولذلك -وربما باستثناء واحد- يستطيع الذين يؤيدون رأيًا بيئيًّا أن ينتقدوا دائمًا هذا البحث على أساس أن العموميات في البيئة هي مرجع المعطيات العلمية بنفس السهولة كالعموميات المفترضة في التركيب التكويني, وللرد على هذا الانتقاد نحتاج للدليل في المستوى الإنساني، على أن الفروق الشديدة في البيئة لا تنتج

стр. 85

فروقًا ذات بال في أداء الأفراد الذين تربط بينهم علاقة بيولوجية، كما في حالة التوائم المتطابقة، ولسوء الحظ من الناحية العلمية أن مثل هذه الحالات، وهي توجد فعلًا، لا تحدث عشوائيًّا حى إنه في الظروف المثالية تبرز لنا بعض الصعوبات في تفسيرها, ومن طرق تحديد الوراثية: ١- توزيع السكان population distribution: من طرق المعالجة الموضوعية الواضحة في دراسة التأثيرات التكوينية إجراء اختبار على عينات من الناس من مجموعتين محددتين أو أكثر من السكان, وتجرى مقارنة الخصائص الأدائية للمجموعتين على أساس المتوسطان ومقدار التغير, والمفهوم الذي تبنى عليه هذه المعالجة هو أن المجموعات من الناس التي يمكن تمييزها تأتي من تجمُّعات جينية مختلفة، أي: إن المجموعات المحدَّدة تختلف في معدل حدوث بعض الجينات، وتنتشر مثل هذه التجمعات الجينية بين الأشخاص

стр. 86

الذين يعيشون في مناطق تتميز بدرجة عالية من الثبات البيئي والاجتماعي كالمناطق الريفية, والذين يعيشون في بيئات منعزلة مغلقة يتميزون بمعدل مرتفع من الزواج الداخلي، فإذا فحصنا لدى أفراد هذه المناطق بعض البيانات من قبيل معدَّل الزواج بين أقارب الدم, أو بحث الأنساب, وربطناها ببعض الخصائص السلوكية في تكوين الشخصية لأمكن لنا إثبات أثر بيئة الوراثة ومنهج الأنساب, ونزيد من فائدته المحدودة شكل "٢٨". وأكثر الأمثلة وضوحًا لهذا البحث هو عن الفروق السلوكية بين الأجناس، وإن كان هيرسك hirsck "١٩٦٣" قد أشار بوضوح إلى أن الجينات من أجناس معينة مثلًا قد تكون أو لا تكون موزَّعة توزيعًا اعتداليًّا، غير أن هناك افترضًا بأن هذا التوزيع يكون اعتداليًّا في مجموعة سكان عندما لا تسجّل سوى الفروق بين المتوسطات, والدليل على افترض وجود توزيع اعتدالي ليس كبيرًا، ولذلك فإن المقارنات الإحصائية التي تستند كلية على الفروق بين المتوسطات تكون غير ملائمة تمامًا, وعلى نفس المستوى من الأهمية أنه يجري أيّ بحث من هذا القبيل يعالج عينات إجمالي السكان من مجموعة مميزة من الناس, ولكن معظم الأبحاث في هذا المجال قد استخدمت عينات قومية مأخوذة من مناطق فردية محددة جغرافيا "شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكة مثلًا", ومن ثَمَّ لا يمكن الحصول إلّا على استدلالات تجريبية حول إجمالي السكان من كلا العنصرين من السكان "السود والبيض"، وتدل معطيات هذه الدراسات على أن أداء عينات البيض أحسن من أداء عينات السود، ومعظم هذه الفروق تحدث في الاختبارات القياسية للذكاء والتحصيل. ومن أشهر الدراسات في هذا الصدد ما قام به بوك book "١٩٥" حين قام بدراسة ثلاثة بيئات محلية صغيرة كاملة من البشر المنعزلين الذين يعيشون فيما وراء الدائرة القطبية بثلاثين ميلًا، فتوصَّل إلى انتشار معدلات من السمات الفصامة والاضطرابات السلوكية من شأنها أن توحي بوجود نوع متوسط من الجينات, كما أجريت دراسة أخرى على مجموعة أخرى من المنعزلين يسمون الهترايت huttertes يقيمون في الولايات المتحدة وكندا، وهم قوم أصحاب نحلة دينية تؤمن بأن الزواج بغير الأقارب خطيئة وإثم كبير، ولذلك فإنَّ أفراد الجماعة كلها أحفاد لعدد من الرجال يبلغ ١٠١ رجلًا فقط، فمنذ ق١٨ اتضح أن معظم

стр. 87

أفراد هذه الجماعة ينتشر بينهم كثير من الاضطرابات السلوكية والأمراض العقلية, وأكثرها انتشارًا جنون الهوس والاكتئاب. ومرجع ذلك ارتفاع نسبة الزواج الداخلي، والانعزال عن المؤثرات الخارجية, مما يؤيد التغير الوراثي "ريتشارد سوين: ١٩٧٩". ومن ذلك لا توجد معطيات علمية لاختبار التفسير التكويني، ومهما يكن من أمر فإن قرأنا عن الخبرات التي واجهها السود والمجموعات العرقية الأخرى في أمريكا, فقد نستطيع تصوير قضية مشابهة عن العوامل البيئية باعتبارها الأسباب الرئيسية في متوسط الاختلافات في الأداء. إن المقارنة بين السكان تفترض بيئات متكافئة تقريبًا، وهذه قد يكون وجودها مستحيلًا, وعلينا أن نجد بيئات مقارنة إذا أردنا عزو الاختلافات السلوكية أساسًا إلى نوع السكان وليس للتعلم, ومع ذلك فمن الضروري الحديث عن توزيع السكان بصرف النظر عن قصورها كوسيلة لدراسة التوارث الإنساني, ومع أننا قد نفحص أيًّا من المظاهر العديدة للسلوك مثل: القدرات المعرفية، والقدرات الحركية، وتغيرات الشخصية، فإن الاتجاه العام للنتائج يدل على أن توزيع القدرات بين مجموعات سكانية محددة يغطي الاختلافات بين متوسطات السكان، بل إن تعميمًا واحدًا دقيقًا عن الاختلافات بين المتوسطات يصعب التوصل إليه، ذلك لأن النتائج تتوقف كلية على السمات السلوكية المفحوصة، وسن الأطفال موضوع الدراسة وطرق التقييم. ٢- تحليل السلالات pedigree analysis: كما يدل لفظ السلالة، فإن هذه المعالجة لدراسة التكوينات الوراثية تشبه رسم شجرة العائلة، فمن المعلوم أنه في كثير من الأسر الملكية في أوربا يعتبر المزاج النزفي hemophilia "عدم تجلط الدم" من الاحتمالات الوراثية، وحدوث هذا النزيف يمكن التنبؤ به في سلالة معينة بكثير من الدقة، وذلك بتتبع تاريخ أقاربه الذين يتصلون به عن طريق الوراثة, ولعل أحسن ما كتب في هذا المجال يختص بالتخلف العقلي، ويتضمَّن أسرة عرفت باسم أسرة كاليكاك the kallikakes لقد أنجبت امرأة متخلفة عقليًّا طفلًا، وبلغ عدد أفراد السلالة التي انحدرت من الزواج

стр. 88

الأصلي ٤٨٠ فردًا، والذي حدث أن معدل ذكاء الأطفال كان أقل منه لدى باقي السكان، وكان معدل الاستقرار الفعلي لديهم كبيرًا, كما كثرت بينهم كثير من حالات الضعف العقلي والفساد الخلقي وإدمان الخمر، ثم تزوج رجل من أسرة كاليكاك بامرأة ذات قدرات طبيعية، ومنها تكونت سلالة ثابتة بلغ عدد أفرادها ٤٩٦ فردًا، كانت هذه المجموعة الأخيرة أكثر تفوقًا من المجموعة الأولى بصفة عامة. ومرة ثانية لا يمكن تحديد السبب في المستوى الأوّل من التخلف، ولأي درجة كانت البيئة وليست الاختلافات الوراثية هي التي أسهمت في ارتفاع معدل الإجرام والتخلف العقلي في الأسرة الأولى بالمقارنة الأسرة الثانية, ومثل ذلك أيضًا ما حدث في أسرة جيوك the jukes التي تألَّفت من خمس شقيقات أنجبن أطفالًا شرعيين وأطفال غير شرعيين, أمكن تتبعهم لسبعة أجيال على الأقل, وقد تَمَّ الالتفات إليهم بصورة رسمية لأول مرة حين تبيِّنَ وجود ستة أفراد من نفس الأسرة في السجن في مقاطعة واحدة من مقاطعات نيويورك في عام ١٨٧٤، ثم كشفت دراسات الأنساب عن تاريخ ٥٤٠ شخصًا لهم تاريخ ممتد من المرض والانحلال والجريمة والتسول. وعلى الرغم من أن التقريرين يمثلان نوعًا من البرهان الذي لا يقبل الجدل على قوة الوراثة، ومع ذلك فإن علماء النفس يخامرهم الكثير من الشك في أن السمات من قبيل الانحطاط والتدهور وفساد الخلق تنتقل بالوراثة من السلف إلى الخلف, غير أنه من الدلائل التي تثبت دور الوراثة ما هو مرتبط "بخوريا هنتتكتون" ونقص الذكاء؛ حيث قام سيجوجرين sjogren "١٩٥٣" بتوثيق شجرة النسب لحالة مريض مصاب بالمرض تبيِّنَ أنه على امتداد خمسة أجيال من الزواج كانت الزوجات صحيحات، غير أنه وجد أن هناك طفلان مصابان في الجيل الأول، وسبعة في الثاني، ثم خمسة عشر في الجيل الثالث "ريتشارد سوين: ١٩٧٩". وهذا دليل واضح على أهمية عامل الوراثة في هذا الجانب. ٣- طريقة التوائم The Twing method: تعتبر طريقةُ التوائم طريقةً أكثر لدراسة محددات الوراثة، وهي الطريقة اللازمة للحصول على معامل الوراثة heritability index "h٢" وهذا المعامل يقدر

стр. 89

الدرجة التي ترجع فيها الفروق بين الناس في سمة ما إلى التكوينات الوراثية أو البيئية, وتعتمد هذه الطريقة أساسًا على استخدام التوأمين أحاديَّا الزيجوت "mz" monzygotic twins والتوأمين ثنائيَّا الزيجوت "dz" dizygoic teins. - والتوأمان أحاديَّا الزيجوت يشار إليهما عادة باسم التوأمين المتماثلين أو المتطابقين؛ لأنهما يتكونان من بويضة واحدة وحيوان منوي واحد. - والتوأمان ثنائيَّا الزيجوت "التوأمان المتآخيان" ينشأن من بويضتين من الأم وعادة خليتين منويتين، وهما في الغالب لا يتشابهان أكثر من تشابه الشقيقتين العاديين, والتوأمان ثنائيَّا الزيجوت يحتمل مثلًا أن يكونا من جنسين مختلفين، أو من جنس واحد.. شكل "٢٩".

стр. 90

ومن دراسة التوائم أحادية الزيجوت وثنائية الزيجوت يمكن أن نعرف الإسهام النسبي للتكوينات الوراثية في تشكيل السلوك, والطريقة التي تتضمن أساسًا إجراء اختبارات على السمات المعينة لكل من التوائم الأحادية والثنائية الزيجوت, ويجري التركيز على التغيّر في الأداء لكلٍّ من زوجي التوائم أكثر مما هو على متوسط الأداء, ومن الناحية المنطقية إذا وجد أن سمة سلوكية معينة تتحدد كلية بالتكوينات الوراثية، فإن لنا أن نتوقع اختلافًا أقل في التوأمين أحاديَّا الزيجوت عن التوأمين الأخيرين, وعلى ذلك: فإن الطريقة المتبعة هي المقارنة الإحصائية للتغير الحادث لكلٍّ من نوعي التوائم, ويوضح شكل "٣٠" صورة التوأمين أحاديَّا الزيجوت في أعمار مختلفة, وقد قام كلٌّ من هولزنجر holzinger "١٩٢٩" وكاتل cattell "١٩٦٠" وغيرهما بوضع معادلات وراثية تزيد تعقيدًا مع زيادة عدد المكونات البيئية التي أسهمت في التغيير.

стр. 91

وثمة فرض هام في استخدام معامل الوراثة, هو أنَّ العوامل البيئية لكلٍّ من نوعي التوائم متشابهة أساسًا، ومن الناحية العملية الفعلية نجد أن التغير البيئي للتوأمين أحاديّ الزيجوت يكون عادة قليلًا, وثمة حالة مشابهة وإن تكن أكثر دقة يمكن إسنادها للتوأمين ثنائيِّ الزيجوت، ومن المحتمل أن يكون صحيحًا أن والدي التوأمين أحاديِّ الزيجوت يقومان في الواقع بتوحيد الظروف البيئية للتوأمين، ولكن من المحتمل أيضًا أن كثيرًا من الآباء يشجعون على تكوين الكيان المستقل لكل من التوأمين "وهو الإجراء الذي ينصح بها حاليًا"، بل إن الأمر أكثر صعوبة إذا أردنا الدفاع عن افتراض الثبات البيئي للتوأمين ثنائيِّ الزيجوت. ومن الاختلافات الأخرى المحتملة أن التوأمين ثنائي الزيجوت يمكن أن يكونا من جنسين مختلفين، لدرجة أنه إذا تواجد الضغط البيئي التفاضلي، فإن الاختلافات بين التوأمين يمكن تبسيطها, وإذا وجد ترابط بين المكونات الوراثية والبيئية، فإن أدوارهما لا يمكن التفرقة بينهما. وهناك تنوع هام في طريقة التوأمين، وهو يتضمَّن كلا نوعي التوائم عند الولادة أو بعدها بقليل، والقيام بتربيتهما في بيئتين منزليتين مختلفتين, وهذا الإجراء يتضمَّن اختبار كل زوج من التوائم بحثًا عن الاختلافات في درجة التغير المشترك في كل من التوأمين أحاديِّ الزيجوت والتوأمين ثنائيِّ الزيجوت، ويفترض هذا الإجراء أنه في حالة وجود اختلافات بيئية لكل من زوجي التوائم، إذا كانت التكوينات الوراثية تحدد التغير، فإن التوأمين أحاديِّ الزيجوت يظهران تغيرًا أقل فيما بينهما عن التوأمين ثنائيِّ الزيجوت.. وهنا يمكن أن تثار قضية وهي أن الأخصائيين الاجتماعيين يحاولون وضع التوائم في بيئات تقترب شبهًا من ناحية المستوى الثقافي، والمركز الاقتصادي والاجتماعي للوالدين. ٤- الشبه بين الطفل والوالدين parent-chilk resemblance: وهي طريقة أخرى لتقييم الأدوار النسبية للطبيعة والتنشئة تتضمَّن الأطفال الذين يتم تبنيهم في سن مبكرة، أو يقوم على تربيتهم حاضنين, والطريقة القياسية

стр. 92

في هذا الصدد هي الحصول على درجات عن السمات السلوكية ذات الأهمية للأم والأب الحقيقيين، والوالدين الحاضنين والطفل, وفي بعض الحالات وجد هونزج honzig "١٩٦٣، ١٩٧٥" أن العلاقة المتبادلة بين الطفل والأم الحقيقية، وبين الطفل والأم الحاضنة يجري فحصها على مر الوقت, وهذه الطريقة تتسم بالإثارة؛ لأنها تسمح بإجراء تقييم لحجم العلاقة كدالة على مستوى نمو الطفل، أو كدالة في طول الوقت الذين عاشه الطفل في منزل الحاضنة, والإجراء الأكثر مثالية هو الحصول على علاقة تبادلية بين الطفل والأمه الحقيقية، وبين الطفل والأم الحاضنة في نقطة زمنية واحدة، ويجب أن تكون الأبحاث مع افتراض أن الأطفال قد وضعوا عشوائيًّا في منازل الحضانة، وهذا الافتراض يسمح للباحث بالادعاء بأن أي اختلافات في العلاقة التبادلية مع الوالدين الحقيقيين والطفل، وبين الحاضنين والطفل ترجع إلى اختلافات في البيئة. والافتراض بعشوائية اختيار الحاضنين تتعرَّض عادة لعدم الصدق أو للانتهاك، وغالبًا ما يؤدي ذلك الأمر بالتشبهات البيئية إلى التخفيف من الفروق الوراثية. وهذا الاهتمام بالشكل الإجرائي ذو أهمية؛ إذ إنه من الممكن تبيان أننا عندما نقارن مؤشرات الوراثة من خلال طرق متعددة، فإن الطرق المختلفة تعطي نتائج مختلفة, وسنعرض فيما يلي لأهم الجوانب التي لاقت كثيرًا من البحوث حول تأثير التغيُّر التكويني الوراثي, وهما الذكاء والشخصية.

стр. 93

توارث الصفات الشخصية: أ- توارث الذكاء heritability of intelligence: أثارت البحوث حول تأثير التغير التكويني الوارثي على الذكاء جدلًا شديدًا، وذلك بسبب الاختلافات الفلسفية بين الذين يعرفون باسم الفطريين nativists أو الطبيعيين "وهم يمثلون التحديد الوراثي"، وأولئك الذين يعرفون باسم "التجريبيين".. empiricists وهم "يمثلون التحديد التجريبي", وقد شاع الجدل بين هاتين المدرستين في علم النفس، وأثَّر على اتجاهات وطرق الأبحاث, ولسوء الحظ يبدو

стр. 94

أن هذا الجدل قد ابتعد عن مجال النقاش العلمي وأصبح موضوعًا للتباري في الجدل الأدبي، وقد حدثت هذه الزيادة في الاستقطاب؛ لأن بعض الباحثين المهتمين بالإسهام النسبي للتكوينات الوراثية والبيئية في زيادة الذكاء قد استخدموا الاختلافات الجنسية العرقية الظاهرة كقياس. ولقد تأثر البعض من غير المتخصصين بكل الدراسات الخاصة بالمحددات الوراثية وكأنها تتعلق مباشرة بالاختلافات الجنسية، عندما تبحث في الاختلافات في إطار جنس ما, وفي اعتقادنا أن استخدام الاختلافات الجنسية كقاعدة لتقدير الوراثية أمر يؤسف له، ذلك لأنَّ نتائج مثل هذه الدراسات غالبًا ما تكون غامضة، وبالتالي يجب ألّا تستخدم بوضع قرارات تحدد السياسة التي تؤثر على أي من الجماعتين. ومن جهة أخرى: فإذا جادلنا في أن الوراثية يجب ألّا تكون موضع بحث لأسباب سياسية، فإن ذلك أيضًا غير لائق. إن كثيرًا من الدراسات عن الوراثية لا تهتم سوى بالجنس "العرق"، ولا تزال تقدم قاعدة تجريبية لتقدير الدرجة التي يمكن أن يعزى فيها السلوك إلى التشكيل البيئي, علاوة على ذلك: فإن مثل هذه الدراسات تقدّم فكرة ما عن الطريقة التي يمكن بها تعزيز مثل هذه التغيرات السلوكية. إن الذكاء تجريد من صنع الإنسان لا يمكن قياسه إلّا من خلال أنماط سلوكية معينة, وهو ليس وحدة متكاملة تشغل حيزًا محددًا في الدماغ, لقد ذكر بعض المؤلفين أن الذكاء هو ما يقيسه اختبار الذكاء, ولكن بعض هذه المقاييس مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بأحداث بيئية, ويمكن وصفها بأنها أكثر مادية. إن الدرجة التي تؤثر بها التكوينات الوراثية أو البيئية على الذكاء تتوقف على الدرجة التي يعكس بها الاختبار البيئي، وهنا أيضًا قدر كبير من المنطق في الرأي القائل بأن البيئة كلما زادت تجانسًا فإن تأثيرات التغيرات الوراثية تبرز بوضوح أكبر.

стр. 95

وفي دراسة أجراها نيومان وفريمان وهولزنجر holzinger & freedman & newman "١٩٣٧" وجدوا أن التوائم المتماثلة الذين يربون منفصلين في ظروف بيئية شديدة التباين قد أظهروا تناقضًا أعظم في معامل الذكاء منه في الحالات الأخرى، وفي إحدى الحالات تناقضًا أعظم في معامل الذكاء منه في الحالات الأخرى، وفي إحدى الحالات كان الفرق ٢٤ نقطة في معامل الذكاء، وعلى ذلك: فحتَّى التأثير القوي للمحداد التكوينية الوراثية يبدو من الممكن التغلب عليه بالاختلاف في المثيرات البيئية. ولقد لاحظ كل من أيرلمر كيملنج ويورفيك erlenner - kimling& jarvik مختلف مراتب الأزدواج التي اعتمدت عليها العلاقات المتبادلة, فكلما ازدادت درجة العلاقات المتبادلة تتزايد الازدواجيات هي الأخرى. إن المرتبة الأولى تسمَّى بالأشخاص الذين لا تربط بينهم علاقة, وعندما توجد علاقة متبادلة بين درجات معامل الذكاء بين ازدواجيات عشوائية من الناس، فإن متوسط العلاقة المتبادلة يكون صفرًا، ولا تسهم ظروف التربية إلّا بفرق بسيط, وأضحت الدراسة أنه في نهاية قائمة الرتب توجد التوائم الأحادية الزيجوت، مجموعة من التوائم ربوا منفصلين، ومجموعة أخرى من التوائم ربوا معًا. إن متوسط العلاقة

стр. 96

المتبادلة في معامل الذكاء بالنسبة للتوائم الذين ربوا منفصلين هو + ٧٨ تقريبًا، في حين أن متوسط هذه العلاقة النسبية للتوائم الذين ربوا معًا هو + ٩٠, والفرق في الدرجة بين المجموعتين يفسر عادة بأنه يبين تأثيرات البيئة؛ وحيث إن التوائم المتماثلة الذين يربون منفصلين يبدون درجة أعلى من العلاقات التبادلية من التوائم الأخوية الذين ربوا معًا، فإن ذلك يعتبر دليلًا قويًّا على تأثيرات التكوينات الوراثية على الذكاء. إن أهم الانتقادات التي توجَّه إلى دراسات العلاقات المتبادلة هذه هي أنه فيما بين التوائم يتوقع الإنسان تعميمًا بيئيًّا أكبر مما في حالة الأشقاء العاديين, وعلى ذلك يحدث ليس بين التشابهات التكوينية الوراثية المتشابهات البيئية. يوحد صورة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ اسكنر شكل "٣٢" ذكاء الأمهات الحقيقيات بالنسبة لمعامل ذكاء أطفالهن, في مقابل ذكاء الأمهات الحاضنات بالنسبة لذكاء أطفالهن الذين لم يعيشوا أبدًا مع أمهاتهم الحقيقيات. وفي طريقة أخرى لدراسة موضوع الطبيعة "الفطرة" في مقابل التنشئة narure - nurture تجرى مقارنة العلاقات المتبادلة بين الوالد الحاضن، والوالد الحقيقي, وبين الطفل في اختبارات الذكاء، إن الموقف البيئي يتنبأ بأن العلاقات المتبادلة بين الوالد الحاضن والطفل يجب أن تكون على الأقل على نفس المستوى العالي كالعلاقات المتبادلة بين الوالد الحقيقي والطفل, وقد أخذت المعطيات الخاصة بهذا الموضوع من داسات النمو التي قام بها بيركلي berkeley، وقدمها هونزيك honzik "١٩٥٧" حيث لاحظ أولًا أن العلاقات المتبادلة للثلاث مجموعات "الوالد

стр. 97

الحقيقي، الطفل، الوالد الحقيقي، الطفل المحتضن، والوالد الحقيقي، الطفل المحتضن" سجَّلت صفرًا بالنسبة للثلاث أو أربع سنوات الأولى تقريبًا. وهذه المقاييس المأخوذة من مرحلة الطفولة المبكرة لا تتنبأ بالأداء في مراحل السن التالثة, والسبب في عدم وجود هذ العلاقات هو أنَّ اختبارات الطفولة تقيس القدرات الحسية والحركية، وهي تختلف عن المطلبات المعرفية التجريدية "نوع مسائل الاختبار" التي تفرضها اختبارات الذكاء للأطفال الأكثر تقدمًا في السن والكبار. ثانيًا أن علاقات معامل الذكاء المتبادلة بين الآباء الحقيقيين وأطفالهم، سواء كان الأطفال يعيشون بعيدًا أو لا، هذه العلاقات تكون عالية, وهذه المعطيات تعزز التفسير التكويني الوارثي، خاصَّة عندما تبين هذه المعطيات أن العلاقة المتبادلة بين معامل الذكاء للآباء الحاضنين وأطفالهم المحتضنين قريبة من الصفر, ويجب أن تفسر هذه المعطيات بمنتهى الحذر. وقد قام سكيدز وشوداك skeeds & shodak "١٩٥٩" وأكيدز akeeds "١٩٦٦" بقياس الذكاء لمائة طفل محتضنين في فترة تقرب من ١٦ عامًا, ووجدوا أن معاملات ذكائهم تزيد حوالي ٢٠ نقطة في المتوسط عن الأطفال الآخرين الذين بقوا مع أمهاتهم الحقيقيات, وعندما حسبوا العلاقات المتبادلة باستخدام نفس الازدواجيات التي استخدمها هونزيك honzik، وجدوا أن العلاقات المتبادلة من الوالد الحقيقي والطفل أعلى منها بين الوالد الحاضن والطفل، تمامًا كما وجدها هونزويك. وتفسير هذه الظاهرة يتطلّب تفهُّم مفهوم العلاقة المتبادلة, ومع أن العلاقة المتبادلة بين مجموعة من الدرجات قد تكون غالبة، إلّا أن ذلك لا يستتبع أن النقط الفعلية، أو متوسط النقط متشابهة. إن العلاقة المتبادلة هي مؤشر على التوافق بين الدرجات المقارنة في قياسين. وفي الدراسة التي قام بها هونزيك honzik ودراسة سكيدز skeeds نجد أن القيم المقارنة للدرجات الخاصة بالوالد الحقيقي والطفل أكثر تشابها من القيم المقارنة لدرجات الوالد المحتضن والطفل ... وفي حالة الدرجات الخاصة بالوالد المحتضن والطفل، نجد أن الأطفالقد سجلوا درجات مطلقة أعلى، كان أداؤهم أفضل من أداء الوالدين الحقيقيين, وتدل هذه المعطيات على أنَّ الأطفال الطبيعين الذين يوضعون في الحضَّانة "التبني" في بيئات مثيرة يتقدمون في ذكائهم.

стр. 98

والدراسة التي أجراها سكار ووينبرج scarr & weinborg "١٩٧٦" تمثل تقدمًا عظيمًا في طريقة البحث في آثار انتزاع الأطفال من البيئات المنزلية المفترض أنَّها ضارة بمستوى الذكاء، ووضعهم في بيئات منزلية تبدو أنها تنشط نمو الذكاء, فلقد تَمَّ احتضان أطفال سود "وهم أطفال من زوجين سود" وأطفال من جنس مختلط "وهم أطفال من أحد الأبوين أسود والآخر أبيض"، وفي عائلات من البيض من الطبقة المتوسطة والعليا، وتدل النتائج: على أن تلك العائلات تميل لتربية الأطفال الذين يظهرون أداء أفضل في اختبارات الذكاء، وكذلك في المدرسة, وتنطوي الدراسة على أهمية كبيرة؛ لأن الأطفال المحتضنين يلقون نفس العناية المفيدة المستمرة التي يلقاها أطفال الوالدين المحتضنين بالمقارنة بالمعاملة غير المنتظمة المتيسرة في البرامج التعويضية. كما أنه وبعكس الدراسات المشابهة التي أجريت قبل ذلك: فإن التغير في البيئة أكثر تأثيرًا، وبالتالي يزداد الاحتمال بأن البيئة يمكن أن يكون لها تأثير. ومن الأسئلة التي طرحت: سؤال خاص بتأثير الوضع الحضاني على الأداء في اختبارات الذكاء, فإذا لم يكن للبيئة تأثير على الأداء، فإن متوسط الأداء وتغيره يجب أن يظل معادلًا للمتوسط الخاص بالأطفال السود أو المختلطين, وتدل النتائج على أن تأثير بيئة الطبقة المتوسطة والعليا أدى إلى رفع درجات من ١٠-٢٠ نقطة, وأطفال الوالدين المختلطين السود الذين اختضنوا بعد هذه السن ٣٢.٣ شهرًا، وكان أداء الأطفال البيولوجيين في اختبارات الذكاء أفضل من أداء كل المجموعات, وبالرغم من التأثير الكبير لبيئة الحضانة فإن المعطيات قد أظهرت أيضًا أن متغيرات التكوينات الوراثية تسهم في تغير الأداء في اختبار الذكاء. وطبقًا لنتائج "سكار"، وينبرج، "١٩٧٦" فإن أهم نتائج الدراسة تعزز الرأي بأن البيئة الاجتماعية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد متوسط معامل الذكاء للأطفال السود، وأن المتغيرات الاجتماعية ومتغيرات التكوينات الوراثية تسهم في التغير الفردي بينهم".

стр. 99

والاستراتيجية الثالثة في دراسة التكوينات الوراثية لنمو الذكاء "وقد تكون أقلها حسمًا" هي دراسة تواريخ العائلات. إن تاريخ أسرة كاليكاك سبق أن قدمت كمثال لهذه المعالجة، غير أن ثمة نتائج أخرى تركز على الأطفال ذوي معامل الذكاء العالي بدرجة غير عادية، والذين درست عائلاتهم وبيئاتهم دراسة مكثفة, من ذلك: دراسات تيرمان tirman "١٩٢٥" وفريمان وأودين freman & oden "١٩٤٧، ١٩٥٩"؛ حيث كانت النقط التي سجلها نحو ١٠٠٠ طفل "الذين اشتركوا في هذه الدراسة" من حيث معامل الذكاء لا تقل عن ١٤٠، وكان آباء هؤلاء الأطفال أنفسهم ذوي ذكاء عال، وطوال مرحلة الطفولة وإلى مرحلة الرشد كان هؤلاء الأطفال أكثر طولًا وأثقل وزنًا من المتوسط، وكانت المشاكل الصحية التي واجهتهم أقل، كما كانت نسبة الوفيات بينهم أقل, ودلت التقديرات النفسية والطبية النفسية على أنهم يتميزون بصحة عقلية أفضل، وكان عدد من حول منهم إلى المؤسسات النفسية أو الأطباء النفسيين أقل، كما كانوا أكثر شعبية، وكانت لهم أدوارًا قيادية أكثر من المدرسة, وقد أدَّى زواجهم إلى نسبة أعلى في الزيجات السعيدة, وكذلك في معدّلات الطلاق. والظاهر أن الموهوبين منهم تمكنوا من إنجاح زواجهم، أو تخلصوا منه, وكان عدد الموهوبين الذين ذكرت التقارير أنهم غير سعداء، وإن استمروا في الزواج كان عددهم أقل, وكان استهلاكم للخمور أكثر من عامة السكان، وإن كان ذلك نتيجة ثانوية للطبقة المتوسطة, وكما كان متوقعًا، كان أداء هؤلاء الأطفال في المدرسة جيدًا، ومعظمهم واصل الدراسة لأربع سنوات أو أكثر في الجامعة, وكان أطفالهم بدورهم أكثر نباهة من الطبيعي. لقد أظهر الأطفال في كل مستويات النمو نمطًا للتفوق في عدد من السمات المختلفة, وقد استنتج تيرمان terman أن هيئة التكوينات الوراثية كانت السبب الأساسي في هذا النمط، هذا ونتائج "تيرمان" ليست وحيدة، لقد قدَّم آخرون نتائج مشابهة في الدراسات عن الأفراد اللامعين. ويجدر بنا الإشارة إلى أن الأفراد اللامعين فوق المستوى العادي هم أيضًا متفوقون في الكفاءة الاجتماعية، طبقًا لهذه الدراسات التي تعارض مع الاعتقاد العام أن الأفراد اللامعين فوق المستوى العادي غير متزنين عقليًّا، وهم ضعاف

стр. 100

بدنيًّا, ومتخلفين اجتماعيًّا, ومن الواضح أن المتغيرات الوراثية والبيئية في تلك الدراسات تلتبس تمامًا مما يجعل الحكم على أيٍّ منها مستحيلًا, ومن المحتمل أن يكون الوالدان ذوي الذكاء والتعليم الفائقين قادرين على خلق بيئة مثيرة للعقل، ليس هذا فقط, بل يوفران لأطفالهما رعاية صحية وغذائية فائقة. إن الأطفال قد حصلوا على رعاية صحة فائقة؛ لأنَّ الوالدين كان باستطاعتهما توفير هذه الرعاية، والوالدان بسبب ألمعيتهم الفائقة كانوا أكثر قدرة على مراعاة احتياطات التطعيم والاحتياجات الغذائية, وغير ذلك من أوجه الرعاية اللازمة. وهكذا يرى تيرمان وزملاؤه أن السمات الإيجابية تواكب العلاقات المتبادلة بين الوالدين والطفل، ولا يمكن أن تعزى مباشرة أو كلية إلى التفوق في التكوينات الوارثية. وأخيرًا ما الذي يمكن أن نستخلصه حول توارث الذكاء الإنساني، إننا نقول بأن الذكاء موروث، وأن البيئة تؤثر على المظاهر السلوكية الناجمة عنه، ولا نستطيع أن نقدر مدى ما يسهم به كل من هذه العوامل؛ لأن القدرات الوراثية والعوامل البيئية تختلط اختلاطًا يصعب التمييز والتفرقة والفصل بينهما "كما سيتضح في التفاعل بين الوراثة والبيئة". ب- توارث الشخصية والطباع:heritability of personality temperament تركز الاهتمام خلال السنوات العشر الماضية على تغيرات السمات الانفعالية والسمات العامة للشخصية لدى الأطفال والكبار، وكان السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التغيرات لا تحدث إلّا بفعل البيئة "الوالدان، المدرسون، الأقران", ومدى تأثيرها على التركيب العضوي السلبي "bell, ١٩٦٨". لقد قدمت دراسات العلاقات المتبادلة التقليدية لتفاعلات الوالد والطفل الافتراض الضمني بأن الوالدين هما السبب في الأنماط السلوكية لأطفالهم, وقد أثار بيل bell افتراضًا معقولًا بأن الفروق التركيبية بين الأطفال قد تكون هي السبب في التغيرات السلوكية بين الآباء, ويشير مصطلح "الفروق التركيبية" constitutional differences هنا ليس

стр. 101

فقط إلى الفروق الموروثة، ولكن أيضًا إلى الفروق التي تنتج عن أحداث طبيعية في فترة الحمل أو الإصابات في أثناء الولادة, والواقع أن بل bell يذكرنا بأن النمو الاجتماعي والانفعالي مثله في ذلك كمثل النمو العقلي عملية تفاعلية، وأن الأطفال يؤثرون على بيئتهم بطرق عديدة، وتستجيب البيئة بدورها بطرق عديدة, وهكذا.. فمثلًا بَيَّنَ موس moss "١٩٦٧" أن الأمهات أكثر استجابة لأبنائهن منهن لبناتهن, ذلك لأن الأطفال الذكور أكثر شغبًا وإلحاحًا من الإناث, ولذلك فمن المحتمل أن نفس السلوك الأمومي والأبوي قد يولدان مجموعة كبيرة من الاستجابات بين أطفال مختلفين, وإذا أردنا إيضاح الاستعدادات الوراثية في الشخصية فيجب علينا أن نعير موقف بِل bell مزيدًا من الاعتبار في نماذجنا الفطرية، وفي تخطيطاتنا البحثية. والبحث في توارث الشخصية يواجه كثيرًا من الموضوعات المتعلقة بالطريقة كالتي يواجهها الذكاء، بل والمزيد منها، فأولًا: إن أكثر الطرق انتشارًا لدراسة توارث الشخصية هي من خلال استخدام التوائم المتماثلة iderntical twins والتوائم المتأخية fraternal twins, وتواجه هذه الطريقة مشاكل في فصل عوامل التكوينات الوراثية عن عوامل البيئة، علاوة على ذلك, فإن مقاييس الشخصية تميل للاقتصار على صلاحية "صدق" اختبارات معامل الذكاء, وهذا النقص في الصدق يجعل مشكلة تقدير الوراثية أكثر صعوبة, وثانيًا: فإن هناك طرقًا كثيرة سبق التعرف عليها, فضلًا عن ذلك فإن القائمين على اختبارات معامل الذكاء يوافقون على ما يعنونه بالذكاء أكثر مما يتَّفق عليه القائمون على اختبارات الشخصية من حيث تعريف الشخصية, ونتيجة لذلك فإن اختبارين للشخصية يهدفان لقياس نفس السمة يفشلان عادة في الارتباط فيما بينهما بالقدر الواجب. علاوة على ذلك فإن الشخصية يمكن تقييمها باستخدام اختبارات الورقة والقلم "اختبارات موضوعية" أو الاختبارات الإسقاطية مثل اختبار بقع الحبر، أو المقابلات, ويستخدم مختلف الباحثين إجراءات مختلفة ووسائل فنية محددة لقياس الشخصية. إن تجميع صورة متكاملة أمر صعب، ولذلك فإننا سوف نقصر تعليقنا على صفات الشخصية الأكثر تحديدًا والتي لاقت أكبر قدر من الاهتمام, والتي تؤدي إلى ظهور بعض

стр. 102

الإجماع في النتائج. وفي مناقشتنا للاستعداد الوراثي المسبق لمتغيرات الشخصية سوف نستخدم الشخصية بشكل واسع غير محدد، ونضم إليها الانفعالية، والخجل، والانطواء، والانبساط، ومستوى النشاط. إن الملاحظة اليومية تفترض أن الأطفال يغيرون استجاباتهم للمواقف المولدة للانفعال. إن بعض الأطفال يئنون بالبكاء ويلجأون إلى أحد الكبار المعروفين لهم للاطمئنان والإحساس بالأمان، وفي حين أن أطفالًا آخرين لا يمكن السيطرة عليهم, ويحتاجون بقدر كبير من الملاحظة قبل أن تخمد فترة الانفعال, ومع أنه باستطاعتنا أن نقيم تفسيرًا بيئيًّا "التقليد، والتفات الكبار كمكافأة على السلوك الانفعالي"، فإن بعض علماء النفس لديهم الأدلة التي تفيد أن الاختلافات في "الانفعالية" emotionality لها أيضًا أساس وراثي في التشابه الانفعالي للتوأمين المتطابقين، والأشقاء، والأزواج العشوائية من الأطفال، وقد قيست كفاءة الجهاز العصبي الذاتي بعدة طرق مثل: مقاومة البشرة، وضغط الدم الانقباضي والانبساطي، سرعة نبضات القلب، إفراز اللعاب، والتنفس، وزمن ثبات حركية الأوعية الدموية، وقد تَمَّ تجميع هذه الدرجات "فقط", وأطلق عليها اسم "دليل التوازن التلقائي" an index of automatic balance ولا يجب اعتبار نتيجة هذه الدارسة إلّا كتقرير للمكوّن الوراثي؛ إذ أن ١٧ توأمًا متطابقًا اشتركوا في الاختبار, ولم تكن المقاييس ذاتها على درجة عالية من الوثوق بها، وكان عدد أزواج الأشقاء ٥٤، وعدد الأزواج غير المترابطة ١٠٠٩ زوجًا. ومع الفروق في العلاقات التبادلية بين درجات "الانفعالية" للتوائم، والأشقاء، والأزواج غير المترابطة لم تكن ذات دلالة إلّا أنه في جميع الحالات كانت العلاقات المتبادلة بالنسبة للتوائم المتطابقة أعلى منها في المجموعتين الآخريتين, وكانت هذه العلاقات بالنسبة للأشقاء هي الأخرى أعلى منها في حالة الأزواج العشوائية, وعلى ذلك: فالبرغم من أن الفروق لم تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية، إلّا أنَّ ترتيب مستوى العلاقات التبادلية يتناسب مع التفسير الوراثي, وعندما تحسب الفروق بين متوسط الدرجات، فإنه من الواضح أن التوائم المتطابقة كانت درجة اختلافها أقل كثيرًا من الأشقاء، وهؤلاء بدورهم أظهروا من الفروق

стр. 103

ذات الدلالة أقل من الأزواج العشوائية "غير المترابطة"، ويبدو من المعقول أن نستخلص من ذلك أن للتفاعل الانفعالي مكوّن وراثي, وإن كان من المحتمل أنه ليس قويًّا في الظاهر، بمعنى أن يتقبَّل التشكيل البيئي. وثمة سمة سلوكية أخرى قد يكون لها سوابق وراثية هي "مستوى النشاط activity level, ويوضح سكار scarr "١٩٦٦" أن هناك فروقًا فردية ثابتة في مدى تولُّد النشاط في حد ذاته، ومدى سرعته وتكراره، ومقدار ما يكمن وراءه من حيوية أو فتور، ومقدار النشاط أو الاسترخاء العصبي، ومقدار ما يكتنفه من صبر أو فروغ صبر, ووجود فروق فردية كبيرة في هذا البعد أمر مقرَّر في العديد من الدراسات عن الأطفال حديثي الولادة؛ حيث يقول الباحثون: إن هناك نسبًا مئوية مختلفة من هؤلاء الأطفال الذين كان من الصعب السيطرة عليهم. ولم يقتصر ما كشف عنه كاجن، موس moss & kagan "١٩٦٢" عن الفروق الفردية بين الأطفال حديثي الولادة, ولكنهما قررا أيضًا أن هذه الفروق تستمر حتى المراهقة, وهنا يصبح التساؤل هو: هل لاختلافات الأفراد في "النشاط" أساس وراثي أم أنها ناتجة كلية من الخبرات البيئية؟ لقد قارن سكار scarr٢٤ زوجًا من التوائم المتطابقة مع ٢٨ زوجًا من التوائم الأخوية, وكانت كل التوائم من الإناث, وأعمارهن تتراوح من ٦-١٠ سنوات، وتَمَّ الحصول على مؤشرات "مستوى النشاط" من خلال ملاحظة الأطفال في لعبتين صممتا لفرض قياس الفضول أو حب الاستطلاع curiosity، ومقابلة مع كل طفلة، وثلاث مجموعات من التقديرات "كانت هذه التقديرات تستند إلى مقاييس لقياس الحيوية vigor، والتوتر tension، والارتباك sauirming ولقد بحث جوست، سونتيج jost & sontage سمة سلوكية لها سوابق وراثية في مستوى النشاط, وقام بذلك سكار scarr "١٩٦٦" الذي أوضح أن هناك فروقًا فردية ثابتة في مدى تولد النشاط أو الاسترخاء العصبي، ومقدار ما يكتنفه من صبر أو فروغ صبر, ووجود فروق فردية كبيرة في هذا البعد أمر مقرر في العديد من الدراسات. شكل "٣٣".

стр. 104

البيئة والنمو الإنساني أولًا: البيئة قبل الولادية prenatal ... ٢- البيئة والنمو الإنساني: البيئة هي المجال الذي تحدث فيه عملية النمو, ويقصد بالمجال هنا: جميع القوى المحيطة بالفرد التي يتفاعل معها أثناء نموه، أو بعبارة أبسط: جميع العوامل التي يتأثر بها الفرد ويؤثر فيها في سياق نموه على طول فترة الحياة, سواء كانت هذه القوى أو هذه العوامل داخلية أو خارجية "ثقافية أو اجتماعية" قبل الولادة، أم بعدها. وفي هذا الإطار الشامل لمفهوم البيئة يمكن تقسيم البيئة في تأثيرها على النمو الإنساني إلى قسمين: البيئة الداخلية بل الولادية، والبيئة الخارجية بعد الولادية. أولًا: البيئة قبل الولادية prenatal بداية الكائن الإنساني هي التقاء أو تقابل خليتين جنسيتين إحداهما الحيوان المنوي للأب، وبويضة الأم، وتكون خلية واحدة تعرف باللاقحة, وتستمر اللاقحة في النمو عن طريق انقسام الخلايا وتخصصها وتمايز وظائفها في أعضاء, وأجهزة مختلفة إلى أن يخرج إلى الحياة بعد مدة حمل تمتد بين ٢٤٠-٣٠٠ يوم تقريبًا، وحين يولد يأتي إلى العالم الخارجي مزودًا بأجهزة استقبال حسية "أعضاء البصر، والسمع، والتذوق، والشم، واللمس"، وأجهزة إرسال حركية "العضلات،

стр. 105

الغدد، والجهاز العصبي"، وهي معدات لو لم يزود بها الكائن الإنساني قبل مجيئه إلى العالم أو تعرض للأذى أثناءها لاستحال عليه أن ينمو أو ينمي أي نوع من السلوك. ولذلك: تنقسم البيئة قبل الولادية إلى قسمين: - البيئة الداخلية للخلية المخصبة. - والبيئة الرحمية. أ- البيئة الداخلية للخلية intracellular environment: يعد السيتوبلازم الميحط بنواة الخلية بيئة ذات تأثير هام, ففي بعض التجارب على الحيوانات أمكن استبدال السيتوبلازم بآخر، فكانت النتيجة خلق أجنة من أنواع مختلفة, وقد مكَّنت دراسات مماثلة من اكتشاف أن التفاعل بين النواة والسيتوبلازم هو الذي يحدد لها وظيفتها, وقد تبين من بعض الدراسات ما لبعض العقاقير المهدئة ذات التركيب الكيميائي الخاص من تأثير على أجنة الحوامل؛ فالتأثير الكيميائي لهذه العقاقير جعل الأجنَّة تولد مشوهة، وأعضاؤها ناقصة؛ لأن فاعليتها كانت على البيئة الداخلية للخلايا المتكاثرة المكونة للجنين. ب- البيئة الخارجية للخلية intercellular environment "البيئة الرحمية": تقوم البيئة الرحمية بالتأثير الهائل على الوليد الذي يمكث في رحم أمه أهم تسعة أشهر في حياته، حيث تنفتح إمكاناته الوراثية، وتظهر فيها خصائصه البشرية, وفي هذه الفترة يحوطه سائل رحمي داخل غشاء الرحم الذي يجعل الحراة مناسبة ومنتظمة حوله، كما يعزله عن الضوء والصوت، ويحميه من الارتجاجات والصدمات، ويصل إليه الغذاء عن طريق الحبل السري من دم الأم, ويمكن أن يحدث ما يغير من هذه الظروف, أي: يغير من البيئة الرحمية مما يؤثر على نمو الجنين. "طلعت منصور، عادل الأشول: ١٩٧٦". وأهم العوامل التي تؤثر على الجنين في البيئة الرحمية قبل الولادية ما يلي: ١- الحالة الصحية للأم الحامل: إن أي مرض يصيب الأم الحامل وخاصة في الشهور الثلاثة الأولى للحمل يؤذي الجنين، نظرًا لأنه محروم من المناعة التي تواجه الفيروسات, فلا يستطيع

стр. 106

تكوين أجسام مضادة لها، فإذا انتقل إليه فيروس أو بكتريا عن طريق المشيمة فتك به بسهولة, وأدى إلى الإجهاض, أو أعاق نموه في الرحم, وجاء وليدًا مشوهًا, من ذلك: إن إصابة الأم الحامل بأحد الأمراض المعدية مثل: الحصبة الألمانية rubella أو مرض الزهري syphilis وخاصة في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل ينتقل من الأم الحامل إلى الجنين, مما قد يسبب له أمراضًا أو تشوهات مثل: الصمم أو العمي أو البكم أو أمراض القلب وضمور المخ, microcephaliak, كما قد يعاني من تأخر في نموه الجسمي والعقلي, وبالتالي يكون الطفل متخلفًا عقليًّا. وجدير بالذكر أن الحصبة الألمانية تخضع الآن لعمليات التطعيم، وينصح بتطعيم الأطفال الإناث بشكل خاص بمصل الحصبة الألمانية، وبهذا فإنه من المتوقع تبعًا لذلك أن تقل أو تنعدم إصابات التخلف العقلي المسببة عن الحصبة الألمانية. اضطرابات التمثيل الغذائي أو عملية الهدم والبناء عند الأم الحامل, فلقد أمكن التعرُّف حتى الآن على حوالي ٩٠-١٢٠ نوعًا من الأمراض التي تصيب الجنين نتيجة لذلك, ومنها: التخلف العقلي الذي يحدث نتيجة اضطراب عمليتي الهدم والبناء بسبب طفرة في الجينات, تسبب اختفاء نشاط إنزيمي معين، أو اضطرابه فيما يتصل بالعمليات المرتبطة بالبروتينيات, كما في حالات الفينيل كيتونيوريا المعروفة باسم PKU، أو اضطراب في التمثيل الدهون، أو الكربوهيدرات كما في حالات الجلاكتوسيميا galactosemia وقد سبق أن أوضحنا ذلك. كما أن اختلاف فصائل دم الوالدين قد يسبب التخلف العقلي، خاصة إذا كانت الأم تحمل "-rh"، وكان الأب يحمل "+ rh"، فإن الجنين حينئذ يرث عن الأب "+ rh" فيحدث اختلاف بين دم الجنين ودم الأم الذي يقوم بدوره بتكوين أجسام مضادة لدم الطفل تنتقل إلى الجنين عن طريق الحبل السري فتهاجم دم الجنين وتقتل الخلايا العصبية, وقد تحدث مضاعفات تقتل الجنين، وتحدث مثل هذه الحالات بعد الحمل الأول. "شكل: ٣٤".

стр. 107

- بالإضاة لذلك, فإن اضطرابات التسمُّم العضوي التي تصيب الأم يمكن أن تنتقل إلى الجنين عن طريق الحبل السري وتؤثر في الجهاز العصبي للجنين فيولد متخلفًا عقليًّا, كما أن إصابة الأم الحامل بمرض الحمى الصفراء يؤدي إلى إصابة الجنين بمرض الفراء المخية, ويسبب التخلف العقلي. - تعرُّض الأم الحامل لصدمة آلية في بطنها يصل تأثيرها للجنين قد تؤثر على جهازه العصبي، خاصة أن دماغ الجنين وهي لينة تتأثر بالصدمة مما يؤدي إلى إتلاف بعض مراكز المخ، وقد يؤدي إلى إصابته بالصرع. - بالإضافة لما سبق فإن إصابة الأم ببعض الاضطرابات الهرمونية يؤثر على الجنين، من ذلك: إصابة الأم بمرض السكر يؤدي إلى اضطرابات هرمونية عند الجنين، كما أن نقص إفراز الغدة الدرقية لدى الأم ينتج عنه خمول الغدة الدرقية للجنين, مما ينتج عنه نقص في النمو والتأخر العقلي. "شكل: ٣٥".

стр. 108

- كذلك فإن صغر حجم رحم الأم يؤثر بدوره في الجنين، فلا يعطيه فرصة الحركة المعتادة اللازمة للأرجاع العصبية البسيطة التي تظهر في منتصف فترة الحمل. شكل "٣٥" طفل رضيع كانت الأم مصابة بتضخم الغدة الدرقية أثناء الحمل. ٢- سوء تغذية الأم الحامل: أوضحت الدراسات والأبحاث الطبية والغذائية أن الغذاء من العناصر الأساسية والضرورية لصحة الأم الحامل وجنينها، ذلك أن حصول الحامل على غذاء صحي مناسب يساعد على نمو جنينها نموًّا طبيعيًّا. فالحامل التي يحتوي جسمها على نسبة عالية من عنصر الكالسيوم مخزونًا بعظامها، من السهل أن تحفظ لجنينها إمدادًا كافيًا من هذا العنصر، ذلك لأن الجنين يحصل على متطلباته الغذائية من مدخرات الأم، أما إذا كانت المدخرات غير كافية, وهبطت إلى نقطة النقص عند الأم, عجز الجنين على الحصول على عناصره الضرورية, وأثَّر هذا بالتالي على نموه. ولقد أوضح موناجو montago "١٩٧٢" أن الحامل التي تتناول أغذية متكاملة خلال حملها ينمو جنينها نموًّا طبيعيًّا وتلد طفلًا يتمتع بصحة جيدة. كما أوضحت دراسة كابلان kaplan "١٩٧٢" أن الحامل التي ينقصها الغذاء الجيد ينمو جنينها نموًّا غير طبيعي, وتنجب طفلًا يتميز بنقص الوزن وانعدام الصحة, بل والإصابة ببعض الأمراض، كما أوضحت دراسات أخرى أن الأمهات اللاتي يعانين من نقص في الغذاء غالبًا ما يلدن أطفالًا بهم نقص جسمي أو عقلي أو اضطراب نفسي شديد, وأوضحت دراسات كوخ koch "١٩٨٦" أن نقص فيتامين "ب١٢" في غذاء الأمهات الحوامل يؤذي جهازها العصبي, ويؤدي إلى ولادة صغارٍ مشوهين جسميًّا وعقليًّا, وما مشكلة البلاجرا في بعض الدول الفقيرة إلّا نتيجة لسوء التغذية أثناء الحمل.

стр. 109

وقد أشار فيرنون p.e. vernon إلى أن عدم كفاية التغذية أو سوء التغذية يؤثر تأثيرًا سيئًا على نمو الجنين, خاصة في الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل، وعلى نمو الطفل في الأربع سنوات الأولى بعد الولادة, وهي الفترة التي يكتمل فيها نمو الدماغ والأعصاب, كما وجد باسامنيك pasamainc "١٩٦٦" أن سوء تغذية الأمهات الحوامل يجعلهن معتدلات الصحة كثيرات المرض متوترات أثناء الحمل, يؤدي إلى الولادة قبل الأوان أو الولادة العسرة، ونقص نمو الأجنة، وارتفاع نسبة الوفيات، والصرع، وشلل الدماغ، والاضطرابات العقلية بين الأطفال. ولقد أظهرت الدراسات التي أجريت في شيلي وجواتيمالا وجنوب أفريقيا أن الأطفال الذين يتعرضون لسوء التغذية في مرحلة ما قبل الميلاد لا يمكنهم أن يصلوا إلى المستوى العقلي الذي يصل إليه زملاؤهم ممن لا يواجهون مثل هذه الظروف, حتى ولو أعطوا بعد ذلك ما يعوض هذا النقص. وأكدت دراسة أخرى أجريت في الولايات المتحدة على أطفال أمريكيين عانت أمهاتهم من نقص شديد في البروتين أثناء النصف الثاني من فترة الحمل "حيث تكون حاجة الجنين إلى البروتين أكثر ما يمكن"، وبمقارنة هؤلاء الأطفال بمجموعة أخرى كانت أمهاتهم تتمتع بصحة جيدة, وجد أن المحرومين كانوا أقل وزنًا عند الولادة، وبمتابعة المجموعتين حتى سنّ الرابعة وجد أن الأطفال الذين حرموا من البروتين كانوا أقل ذكاءً من المجموعة الثانية. ويفسر تأثير سوء التغذية أثناء الحمل على الطفل بأن الحرمان الغذائي في هذه الفترة المبكرة من العمر يصعب تعويض العجز الذي يسببه. ٣- الحالة النفسية للأم الحامل: الناحية الانفعالية للأم الحامل لها تأثيرها الواضح على الجهاز العصبي المركزي, وكذلك على الغدد الصماء التي تفرز هرموناتها في الدم مباشرة، وأن وطأة الانفعالات الشديدة التي تتعرّض لها الأم الحامل تحدث أثار كبيرة على هذه الأجهزة العصبية والبيوكيميائية, فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن حال الأم من الناحية الانفعالية أثناء حملها له تأثيرات هامة في مجرى نمو الجنين, وبالتالي في صحته وتوافقه في المستقبل.

стр. 110

كما أظهرت بعض الدراسات بوضوح أن الحالة النفسية السيئة للأم الحامل أثناء حملها يسبب تأثيرات ضارة على الجنين "١٩٨٠، tylor". ويرجع ذلك لسببين: الأول: إن الرحم والجهاز التناسلي للأم يرتبط ارتباطًا شديدًا بالجهاز العصبي اللإرادي بشقيه السمبتاوي والباراسمبتاوي, وفي أثناء الانفعال يستثار هذا الجهاز ويختل التوازن بين شقيه السمبتاوي والباراسمبتاوي فيحدث اضطرابًا في الانقباضات الرحمية, وفي سير الدورة الدموية الجنينية الأموية. والسبب الثاني: يرجع إلى أن الحامل إذا ما تعرضت لانفعال شديد, فإن نسبة الأدرينالين الذي تفرزه الغدة الكظرية يزداد في دمها, مما يحدث حالة من التوتر العصبي، ويلحق هذا التوتر بالجنين عن طريق زيادة نسبة الهرمون في دمه المرتبط بالدورة الدموية للأم, وتكون النتيجة النهائية هي مضاعفة حركة الجنين داخل الرحم, فيستنفذ الغذاء في هذه الحركة الزائدة بدلًا من استنفاذها في النمو. وفي دراسات حول الحمل غير الشرعي وجد أن الحالة الانفعالية التي تعانيها الأم الحامل التي تحمل جنينها بدون رغبة, فلا تعتني بصحتها ولا بغذائها، وتبذل ما في وسعها للتخلص منه، وتظل في حالة من التوتر والقلق, خاصة عندما تفشل في التخلُّص من الجنين, فتقبل وجوده في أحشائها على مضض منها. وتؤدي هذه الظروف الرحمية السيئة التي تعيشها الأجنَّة غير الشرعية إلى زيادة نسبة الولادات المشوهة والمتخلفة عقليًّا. ٤-التدخين أثناء الحمل: أشارت الدراسات إلى أن نسبة ولادة أطفال مشوهين من الأمهات الحوامل المدخنات أو المدمنات على تعاطي المخدرات والكحوليات أعلى منها عند الأمهات الأخريات, فقد أشار فيرنون vernon إلى أن تدخين الأم يؤدي إلى الإجهاض أو الولادة قبل الأوان, وإلى زيادة نسبة الوفيات بين الأطفال الرضع، ويرجع ذلك إلى
следующие страницы →