كلاهما من طريقه: أنّ النبي ﷺ أتي بلحارث، فإذا هم رَوبي، فقال: ما لكم يا بني الحارث رَوبي؟ قالوا: أصابتنا رسول الله هذه الحمى، فأين أنتم عن صعيب؟ قالوا: يا رسول الله، ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء، ثم يتفل عليه أحدكم ويقول: باسم الله، تراب أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا بإذن ربنا، ففعلوا، فتركتهم الحمى.
قال ابن النجار عقِبَه: قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوي: صعيب: وادي بطحان (١) دون الماجشونية (٢)، وفيه حفرة مما يأخذ الناس
стр. 282
منه، وهو اليوم إذا أوبأ إنسانٌ أخَذ منه (١).
قلت - والقائل السمهودي -: قد رأيتُ ذلك في نسخة كتاب يحيى التي رواها ابنه طاهر بن يحيى عنه. والماجشونية: هي الحديقة المعروفة اليوم بالمدشونية (٢).
وأورده الصالحي في سبل الهدى والرشاد باللفظ نفسه (٣).
стр. 283
ثالثًا: الروايات المتعلقة بآداب سكني المدينة وزيارتها:
- القملة والنخامة في المسجد:
وروى يحيى عن يوسف بن ماهك (١)، قال: رأيت عبيد بن عمير (٢) أخذ من ثوب ابن عمر قملة فدفنها في المسجد (٣).
وروي يحيى عن ابن عمر قال: إذا وجد أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد، فليجعلها في ثوبه حتى يخرج (٤).
روي يحيى بلفظ: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن ألا تخبرني ما كان بدء هذه الصفرة التي في قبلة المسجد؟ قال: نعم، صلى بنا رسول الله ﷺ حتى إذا انصرف رأي نخامة في القبلة، وذكره وقال: فسارَع الناس إليه، فكان هذا بدؤه (٥).
стр. 284
المنع مِن إنشاد الضالة في المسجد، وكذلك رفع الصوت واللغط فيه، وغير ذلك:
روي ابن شبَّة (١)، ويحيى بسندٍ جيّد، عن سالم بن عبد الله أنّ عمر يعني ابن الخطاب - ﵁ اتخذ مكانًا إلى جانب المسجد، يقال له البطيحاء، وقال: من أراد يلغط أو يرفع صوتًا، أو ينشد شعرًا فليخرجْ إليه.
ولفظ يحيى: أن عمر بن الخطاب بنَى في ناحية المسجد رحبة تُدعى البطيحاء (٢)، ثم قال: مَن أراد أنْ يلغط أو ينشد شعرًا، أو يرفع صوتًا فليخرُج إلى هذه الرحبة (٣).
ولمّا ذكر السمهودي ما قال بأنّ ابن شَبّة رواه بسندٍ جيّد عن ابن عمر ﵁: أنّ عمر ﵁ كان إذا خرج من الصلاة نادي في المسجد: إيّاكم
стр. 285
واللغطَ، ويقول: ارتفعوا في أعلى المسجد)، قال: ورواه يحيى بلفظ: إذا خرج إلى الصلاة (١).
وروى يحيى عن نافع عن ابن عمر أن عمر بينما هو في المسجد عشاء؛ إذْ سمع ضحك رجلٍ، فأرسل إليه فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا رجل من ثقيف، فقال: أمِن أهل البلد أنت؟ فقال: بل من أهل الطائف، فتوعّده، قال: لو كُنتَ من أهل البلد لنكّلتُ بك، إنّ مسجدنا هذا لا تُرفع فيه الأصوات (٢).
وروى ابن زبالة ويحيى عن سعيد بن المسيب (٣) أن عمر بن الخطاب مر بحسان بن ثابت وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال حسان: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يَقَولُ: أَجِبْ عَنِّي؛ اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ (٤).
стр. 286
وفي رواية ليحيى عقب قوله: (قد كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) فانصرف عمر وقد عرف أنه يريد النبي ﷺ (١).
- الأذان في المسجد:
قال المراغي: وحكى ابن زبالة ويحيى وابن النجار (٢): أنّ الأذان في المسجد تُرِك في أيام الحرّة ثلاثة أيّام، وخرج الناس وسعيد بن المسيب في المسجد (٣).
стр. 287
المبحث الثاني الروايات المتعلقة بمسجد قباء، وببقية المساجد في المدينة وما حولها
أولًا: جمع الروايات المتعلقة بمسجد قباء:
قال المراغي: قيل أقام رسول الله ﷺ بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة. حكاه يحيى (١).
قال يحيى بن الحسين في أخبار المدينة: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، حدثنا عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب أنّ النبي ﷺ ، قال: (المسجد الذي أُسّس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (٢)﴾ (٣).
بعدما ذكر المراغي ما جاء في كتاب رزين عن محمد بن المنكدر: أدركتُ الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان، قال:
стр. 288
ونقله يحيى من حديث جابر عن فعل النبي ﷺ ، والله أعلم (١).
وقال بعدما ذكر أثر (محمد بن المنكدر مرسلا (٢)، قال: كان النبي ﷺ يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان) قال بعده:
ورواه يحيى عن ابن المنكدر عن جابر متصلا (٣). قال السمهودي بعدما ذكر حديث فضل الصلاة في مسجد قباء من طريق بسند جيّد:
ورواه يحيى من طريقين -فيهما من لم أعرفه- بلفظ: (مَن توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له عدل عمرة) (٤).
وبعدما أورد السمهودي رواية ابن زبالة في مصلى النبي ﷺ في قباء، قال: اقتصر يحيى في بيان مصلى النبي ﷺ على الأسطوان التي في الرحبة، فذكر رواية ابن زبالة. ثم روى عن معاذ بن رفاعة (٥)، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي إلى الأسطوان الخارجة، وهي في صفّ المخلَّقَة، وإنما كان موضعها
стр. 289
يومئذ كهيئة العريش. ثم ذكر أن موسى بن سلمة (١) حدثه أنه رأى أبا الحسن علي بن موسى الرضيّ يُصلّي إلى هذه الأسطوانة الخارجة، ثم قال يحيى: ورأيتُ غير واحدٍ من أهل بيتي منهم: عبد الله وإسحاق ابنا موسى ابن جعفر، وحسين بن عبد الله بن عبد الله بن حسين: يُصلون إلى هذه الأسطوانة الخارجة إذا جاؤوا قباء ويذكرون أنه مصلى رسول الله ﷺ . قال: ورأيتُ من أهل بيتي مَن يأتي قباء فيصلي إليها مِمّن يُقتدى به مِمّن لا أُبالي أن لا أرى غيره في الثقة والعلم، انتهى (٢).
ولمّا ذكر السمهودي عن محمد بن المنكدر قوله أيضًا: أدركتُ الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان قال بعده: وروى يحيى عن ابن المنكدر نحوه أيضًا (٣).
стр. 290
الثاني: الروايات المتعلقة ببقية المساجد في المدينة وما حولها:
مسجد الفتح (١):
روي ابن زبالة ويحيى، وابن النجار من غير طريقهما: عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله ﷺ مَّر بِمسجد الفتح الذي على الجبل، وقد حضرت صلاة العصر، فرقي فصلى فيه صلاة العصر (٢).
روي يحيى عن هارون بن كثير (٣) عن أبيه عن جده أنّ رسول الله ﷺ دعا يوم الخندق على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح. قال يحيى: فدخلتُ مع الحسين بن عبد الله (٤) مسجد الفتح، فلما بلغ الأسطوانة الوسطى من المسجد قال: هذا موضع مصلّي رسول الله ﷺ الذي دعا فيه على الأحزاب، وكان يصلي فيه إذا جاء مسجد الفتح (٥).
стр. 291
وروى ابن زبالة، ويحيى من طريقه - عن جابر بن عبد الله، قال: كان السيل يحول بين بني حرام وبين مسجد رسول الله ﷺ ، فنقلهم عمر بن الخطاب إلى الشعب (١)، وكلّم قومًا كانوا فيه من أهل اليمن، يقال لهم: بنو ناعصة (٢)، فانتقلوا إلى الشعب الذي تحت مسجد الفتح، فآثارهم هناك. واشترت بنو حرام غلامًا روميًّا من أعطياتهم، وكان ينقل الحجارة من الحرة وينقشها، فبنوا مسجدهم الذي في الشعب وسقفوه بخشب وجريد، وكان عمر بن عبد العزيز زاد فيه مدماكين (٣) من أعلاه، وطابق سقفه، وجعل فيه زيت مسجد رسول الله ﷺ (٤).
стр. 292
سجد القبلتين (١):
روي يحيى عن عثمان بن محمد بن الأخنس (٢)، قال: زار رسولُ الله ﷺ امرأة وهي أم بشر من بني سلمة - في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، قالت أم بشر: فهم يأكلون من ذلك الطعام إلى أنْ سألوا رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر، فلما أنْ صلّى ركعتين أمر أنْ يوجّه
стр. 293
إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فهي القبلة التي قال الله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (١) فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين. وفي رواية له: فلَمّا صلى ركعتين أمر أنّ يولي وجهه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة والمسجد مسجد القبلتين، وكان الظهر يومئذ أربعًا: منها ثنتان إلى بيت المقدس، وثنتان إلى الكعبة (٢).
مسجد الشيخين:
لمّا ذكَر السمهودي المسجد الذي يُسمى مسجد الشيخين (٣)، بذكر الأثر الذي رواه ابن زبالة، قال:
ورواه يحيى من طريق ابن زبالة، قال ابنُه طاهر بن يحيى عقِبَه: ويعرف اليوم بمسجد العدوة (٤).
стр. 294
وروي يحيى أيضًا عن محمد بن طلحة (١)، قال: المسجد الذي صلّى
فيه رسول الله ﷺ يوم الجمعة حين راح - أي إلى أُحد من هاهنا المسجد الذي على يمينك إذا أردتَ قناة، أي وادي الشظاة، صلى فيه النبي ﷺ العصر والعشاء والصبح، ثم غدا إلى أُحد يوم السبت (٢).
مسجد ميثب:
قال السمهودي: روى ابن زبالة وابن شبة ويحيى عن محمد بن عقبة بن أبي مالك (٣) أنّ النبي ﷺ صلّى في مسجد صدقِته؛ ميثب (٤).
مسجد بنِي بياضة:
روي ابن شبَّة ويحيى عن سعد بن إسحاق (٥) أنّ النبي ﷺ صلى في مسجد بني بياضة (٦).
стр. 295
مسجد الخربة:
وبعدما ذَكر السمهودي مسجد الخربة في أثر رواه ابن زبالة، قال: قد روي يحيى بن الحسن في كتابه خبر ابن زبالة المذكور، ورأيتُه في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى بلفظ: دُبُر القَرَصَة، ثم قال عقِبَه ما لفظه: قال لنا طاهر بن يحيى: هذا في بنِي حارثة، وكانت القَرَصَة ضيعةٌ، وهي عند بيت سعد بن معاذ، انتهى (١).
المسجد الذي يُسمى مسجد واقم (مسجد بني عبد الأشهل):
روي يحيى عن بكر بن عبد الوهاب (٢) عن محمد بن عمر (٣)، قال: قالوا: كان بالمدينة تسعة مساجد يسمعون فيها مؤذن النبي ﷺ ، فيصلون في مساجدهم، ولا يأتون مسجد النبي ﷺ إلا يوم الجمعة؛ فإنّهم كانوا يُجمّعون فيه، وربما خرج رسول الله ﷺ إذا صلى الظهر إلى مسجد بني عبد الأشهل، فيصلي العصر والمغرب في مسجد بني الأشهل، ولم تكن دار، كان رسول الله ﷺ أكثر لها غشيانًا من دار بني عبد الأشهل قبل وفاة سعد بن معاذ وبعد وفاته (٤)
стр. 296
مسجد بني ظفر وغيره:
روي يحيى عن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة (١) أنّ النبي ﷺ صلّى في مسجد بنِي معاوية … ومسجد بني ظفر (٢).
وروى يحيى عن إدريس بن محمد بن يونس بن محمد الظفري (٣) عن جده أنّ رسول الله ﷺ جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر، وأنّ زياد بن عبيد الله كان أمر بقلعه حتى جاءته مشيخة بني ظفر وأعلموه أنّ رسول الله ﷺ جلس عليه، فردّه، قال: فقَلّ امرأة نزر ولدها تجلس عليه إلا حملت (٤).
قال يحيى عقبه: مسجد بني ظفر دون مسجد بني عبد الأشهل، قال: وأدركتُ الناس بالمدينة يذهبون بنسائهم، حتى ربما ذهبوا بهنّ بالليل فيجلسن على الحجر (٥).
стр. 297
وفي قول ليحيى في (مسجد بني ظفر) قرر السمهودي وقبله يحيى بأنه: دون مسجد بني عبد الأشهل (١).
مسجد الشجرة (بذي الحليفة):
قال الإمام أبو إسحاق الحربي في باب (ذو الحليفة، وهي الشجرة): حدثني يحيى بن حسن عن زبير، عن عبد الجبار بن سعد (٢)، عن سليمان بن محمد، عن ابن أبي سبرة (٣)، عن أبي بكر بن عبد الله بن عبيد الله بن عمرو (٤)، وموسى بن عقبة (٥) عن نافع (٦) عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ
стр. 298
أنه كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة (١).
وقال السمهودي: روي يحيى عنه - يعني ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة صلّى في مسجد الشجرة (٢).
مسجد الفضيخ:
قال السمهودي: وروى ابن شبة وابن زبالة ويحيى في عدة أحاديث: أنّ النبي ﷺ صلّى بمسجد الفضيخ (٣).
مسجد المعرَّس:
- روي يحيى عن ابن عمر: أنّ النبي ﷺ قيل له - وهو بالمُعرّس - نائمٌ، يعني: معرّس الشجرة: إنك بطحاء مباركَة (٤).
مسجد عتبان بن مالك (٥)، وبعدما ذكر السمهودي أثر ابن زبالة
стр. 299
فيه قال:
ورواه يحيى، وقال: فهو المسجد الذي بأصل المزدلف (١) أُطُم مالك ابن عجلان (٢).
مسجد المنارتين:
روي ابن زبالة، ويحيى من طريقه عن حرام بن سعد بن محيصة (٣) أنّ رسول الله ﷺ صلى في المسجد الذي بأصل المنارتين في طريق العقيق الكبير (٤).
стр. 300
ولمّا ذكَر المراغي المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ الجمعة بعد خروجه من قباء، وأنَّه في بني سالم بن عوف في بطن وادي رانونا (١)، قال: قيل: واسم المسجد: العُبَيب، والوادي: صُلْب. حكاه ابن زبالة ويحيى، والله أعلم (٢).
مُصلّى النبي ﷺ في الأعياد والاستسقاء، وما حوله:
روي يحيى عن داود بن أبي الفرات (٣)، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فقال: هذا مستمطرنا، ومصلانا لأضحانا وفِطِرنا، لا يضيق ولا ينقص منه شيء (٤).
يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل (٥)، قال: رأيت عثمان بن
стр. 301
عبد الرحمن (١) ومحمد بن المنكدر (٢) ينصرفان من العيد فيقومان عند البِركة (٣) التي بأسفل السوق، قال: وسألتُ عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك، فقال: كان رسول الله ﷺ يقف عند ذلك المكان إذا انصرف من العيد (٤).
مسجد شَرَف الروحاء:
وعن هذا المسجد بعدما ذكَر السمهودي رواية البخاري، عقّب عليه بقوله:
ورواه يحيى بلفظ: أنّ رسولَ الله ﷺ صلى إلى جانب المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشَرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلّى فيه رسول الله ﷺ بعواسج، يكون عن يمينك حين تقوم في المسجد) (٥).
стр. 302
مسجد بوادي رَوحاء:
وعن هذا المسجد قال السمهودي بعدما ذكر رواية ابن زبالة:
ورواه يحيى بنحوه، إلا أنه قال: لقد صلّى قبلي في هذا الموضع سبعون نبيًّا (١).
وفي رواية ليحيى عن ابن عمر: أنّه كان يصلّي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسيل الذي دون ثنية المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، قال نافع: كان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلّي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلّي فيه الظهر (٢).
مشربة أم إبراهيم:
روي اين زبالة ويحيى من طريقه، وابن شَبّة من طريق أبي غسان (٣) عن ابن أبي يحيى (٤) عن يحيى بن محمد بن ثابت (٥): أنّ النبي ﷺ صلّى في
стр. 303
مَشْرُبة (١) أمّ إبراهيم (٢).
دعاء النبي ﷺ عند باب المربد:
روى يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل (٣)، قال: سمعت غير واحد ممن أدركت يقول: كان النبي ﷺ إذا جاء مربده، وهو مربد الحكم بن أبي العاص، فكان إذا خرج منه وقف عند بابه ودعا (٤).
حديث تفقد النعال عند أبواب المساجد:
قال المراغي:
وفي كتاب يحيى أنّ النبي ﷺ قال: تفقدوا نعالكم عند أبواب
стр. 304
مساجدكم (١).
وقال السمهودي: وروى يحيى عن عطاء بن أبي رباح أنّ رسول الله ﷺ قال: تفقدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم (٢).
ما خَتَم العقيقي به كلامه في ذكر المساجد:
قال السمهودي: رأيتُ يحيى ختَم كتابَه بحديث ابن عمر في هذه المساجد. وبآخر النسخة ما صورتُه:
نقل من خط أحمد بن محمد بن يونس الإسكاف (٣) في آخر الجزء (٤).
стр. 305
الخاتمة
стр. 306
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، وبعد:
الحمد لله وحده، فبعد عملية جمع وتوثيق نصوص كتاب يحيى بن الحسن العلوي العقيقي "أخبار المدينة" المتناثرة في عدة كُتُب، ومِن ثَمّ دراستها أحببتُ في آخر المطاف وخاتمته أنّ أبين أهم النتائج التي توصل إليها الباحث، من خلال مستويين وهما:
الأول: خاص بالمؤلف.
الثاني: بمنهجه في كتابه أخبار المدينة.
أمّا ما يخص المؤلف ففيه:
تناولت الدراسة التعريف بيحيى العلوي العقيقي من حيث ألقابه وكنيته ونسبه فهو: الإمام أبو الحسين يحيى بن حسن بن جعفر بن عبيد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.
- كشفت الدراسة عن مولده ونشأته حيث ولد في قصر عاصم بالعقيق سنة ٢١٤ هـ وكان تعليمه أيضا بالمدينة النبوية ولم تمدنا المصادر بتفاصيل دقيقة عن هذه النشأة كما تبين أنه توفي في مكة سنة ٢٧٧ هـ.
- وقفت الدراسة على بعض أسرة يحيى العقيقي فعرفت بوالده، وأمه، وجده، وأولاده السبعة و يعد أبرزهم أبو القاسم طاهر الذي كان يدعى كل بني أخوته بـ: ابن أبي طاهر زيادة في تشريفهم وتعريفهم.
стр. 307
- توصلت الدراسة إلى أنّ يحيى العقيقي رجل ذو شأن في مجتمعه معتنيًا بقضاياه فكان يقوم بالإصلاح بين الناس وقد أصلح بين بني جعفر وبين بني علي وهم في وادي القرى خارج المدينة.
- كشفت الدراسة أنّ يحيى العقيقي سني على مذهب الإمام مالك، أما ما ذهب إليه البعض من أنه كان شيعيا فأثبت الباحث عدم صحة ذلك من خلال عدد من الأدلة والشواهد.
- وقفت الدراسة إلى أنّ شيوخ يحيى العقيقي الذين تلقي عنهم العلم زاد عددهم على ثمانين شيخًا، كما كشفت عن تلامذته.
- ألقت الدراسة الضوء على التكوين المعرفي ليحيى العقيقي وتبين أنه أحد رواد المؤرخين الثقات الذين عنو في التأريخ للمدينة أضف إلى كونه نسابة محدثًا ثقه.
- كشفت الدراسة من خلال المصادر عددا من المصنفات التي نسبت إليه وصل عددها إلى تسعة مؤلفات منها ما هو منشور وهي: كتاب "أخبار الزينبيات" و"المعقبين .. "، المتداول على أنه كتاب "نسب آل أبي طالب" والباقي ما زال مفقودا تتمثل في كتاب "أخبار المدينة" (موضوع الدراسة) وكتاب "أخبار الفواطم" وكتاب "مقتل صني المخزومي "وكتاب "الرد على أولي الرفض والمكر فيمن كني بأبي بكر" وكتاب "الخلافة" وكتاب "مسجد النبي" و كتاب "المناسك".
стр. 308
أما ما يتعلق بكتاب "أخبار المدينة" ومنهج يحيى العقيقي في معالجة
موضوعاته فتتمثل في الآتي:
- قامت هذه الدراسة بعد التنقيب في المصادر بجمع مادة كتاب "أخبار المدينة ليحيى العقيقي، ثم رتبتْها حسب موضوعاتها، هذا، إضافةً إلى توثيق هذه المادة وتحقيقها.
- أثبتت الدراسة من خلال العديد من الأدلة والشواهد التاريخية صحة نسبة كتاب "أخبار المدينة" ليحيى العقيقي.
- كشفت الدراسة أنّ كتاب يحيى العقيقي "أخبار المدينة" بنسخه الأربعة ظل متداولًا بين أيدي المؤرخين حتى نهاية القرن التاسع زمن السمهودي.
- أبانت الدراسة أنّ كتاب أخبار المدينة ما زال مطويًا ولم يبقَ منه إلا نقولات نقلها عنه المتأخرون المعنيون بالتأريخ للمدينة.
- أما عن شكل الكتاب فوقفت الدراسة على وصف الآجري له حيث ذكر أنه جاء في مجلد ضخمة شبيه بمائة ورقة، أفاد منها في كتابه الشهير.
- أثبتت الدراسة أنّ يحيى العقيقي رتب مادة كتابه "أخبار المدينة" حسب الأبواب والموضوعات، كما اتضح أنه على الرغم من أن
стр. 309
- العقيقي جاء تاليا لابن زبالة في التصنيف بشأن التأريخ للمدينة إلا أنه كان أوثق من ابن زبالة في الروايات، لكونه محدثًا ثقة، لهذا كان السمهودي يقرن مرويات ابن زبالة ويعْضِدها بمروايات يحيى العقيقي لتنال نوعًا من القبول.
- كشفت الدراسة عن منهج يحيى العقيقي في كتابه "أخبار المدينة" وتبين أنه اعتمد على منهج ذكر الإسناد في نقل مروياته وعول أحيانًا على النقل المباشر من مصادره بطريقة السماع والعرض أما ما نقل عنه من مرويات دون أسانيد فترجح لدى الباحث أنّ يكون ذلك بتصرف الناقلين عنه.
- كشفت الدراسة عن الموراد التي استقى منها يحيى العقيقي مادة كتابه "أخبار المدينة" وكان أغلبهم من رجال الحديث والفقه ومن أبرزهم: هارون بن موسى الفروي، ومحمد بن أحمد الجمحي، وبكر بن عبد الوهاب و محمد بن يعقوب، وموسي بن عبد الله الخزاعي وأبو مصعب الزهري وكان منهم أيضًا من عني بالتأريخ للمدينة مثل الزبير بن بكار.
- كشفت الدراسة أيضًا عن براعة يحيى العقيقي فيما قدمه من مصورات ثلاث والتي رسم من خلالها بدقة موضع القبور الثلاثة في حجرة
стр. 310
عائشة ﵂، كما أنه كان يحقق بنفسه فيما نقله من أخبار كذرع ما بين المصلى الشريف إلى جدار القبلة الذي فيه المحراب وحدد موضعه.
- تبين من خلال الدراسة أيضًا أن يحيى العقيقي كان له موقفا نقديا حيال بعض موارده ويظهر ذلك من خلال عدد من الألفاظ والعبارات مثل قوله: في بعض الرواة: كانت له صحبة، وأيضًا وقوله: ورأيتُ من أهل بيتي مِمّن يُقتدى به، مِمّن لا أبالي أنّ لا أرى غيره في الثقة والعلم، وكذا قوله: ولَم أرَ فينا رجلا أفضل منه.
- بينت الدراسة ظهور أثر يحيى العقيقي الواضح فيمن عني من بعده بالتأريخ للمدينة في بعض مسميات فصول أو عناوين كتبهم وممن ذكر ذلك للعقيقي الآجري من عناوين باب دفن أبي بكر وعمر ﵄ مع النبي ﷺ ، و باب صفة دفن رسول الله ﷺ وصفة قبر أبي بكر وعمر ﵄ وكذا تقي الدين السبكي باب ما جاء في زيارة قبر النبي ﷺ ، وقد غلب الظن عند الباحث أنّ مسميات مواضيع السمهودي وغيره ما هي إلا بسبب تأثرهم في منهجه.
- تبين من خلال الدراسة أثر كتاب يحيى العقيقي "أخبار المدينة" على كتابات المؤرخين من بعده؛ وعظَم استفادتهم منه، فكان موردًا للعديد من المؤرخين الذين أرخوا للمدينة النبوية والفقهاء وغيرهم، أمثال:
стр. 311
أبي إسحاق الحربي (ت ٢٨٥ هـ) في كتابه "المناسك .. " إذ نقل عنه في (٢٥ موضعًا)، وشمس الدين محمد الحنبلي (ت ٧٤٤ هـ) في كتابة "الصارم المكي في الرد على السبكي" فنقل عنه في موضعين، وكتابي: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام"، و"فتاوي السبكي" لتقي الدين علي السبكي (ت ٧٧١) فنقل عنه في موضعين، وأبو بكر المراغي (ت ٨١٦ هـ) في كتابه " تحقيق النصرة بمعالم دار الهجرة" بنَقله عنه في (٢٦ موضعا)، إلا أنّ أكثر من نقل عنه هو نور الدين السمهودي (٩١١ هـ) في كتابه "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى" وذلك في (٢٦٦ موضعًا)، ونقل عنه محمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت ٩٤٢ هـ) في كتابه "سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد" في (٢٧ موضعًا). مما يدل على شيءٍ من أثر الكتاب على المؤرخين من بعده.
هذا وبالله التوفيق؛؛؛