← История

История · id 993

مرويات كتاب أخبار المدينة جمع وتوثيق ودراسة

عبد العزيز عوض سلمان الجهني

Полный текст (311 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تقديم وجه الله المسلمين إلى العلم والاهتمام به وحملت الآيات القرآنية الكثير من تلك التوجيهات، كما كان يؤكد على أهمية العلم، وفضل العلم والعلماء في الأمة. وبعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، تولى بعده الخلفاء الراشدون ﵁ فاهتموا بالعلم وتنشئة أطفال المسلمين على القراءة والكتابة بالرغم من اتساع عملية الفتوح ومواجهة قوى عالمية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسلمين. وقد استمر الاهتمام بالعلم وتشجيعه في العصر الأموي حتى اكتمل الوعي بالتأليف في نواحي العلم المختلفة من تفسير، وسنة، وتاريخ، وفقه، وكيمياء وطب، وفلك، وغير ذلك في نواحي العلوم والفنون، فظهرت التصانيف المختلفة في بداية العصر العباسي، ولذا قال الذهبي: "وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث، والفقه، والتفسير، فصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه، وصنف الليث بمصر وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت

стр. 2

كتب العربية واللغة، والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل ولله الحمد تناول العلم، وأخذ الحفظ يتناقص، فلله الأمر كله". كان الاهتمام في المدينة على أشده بالعلم الشرعي، وكانت مغازي الرسول ﷺ وما يتعلق بها من أحكام، وتاريخ ومعرفة مكان، داخلة في لب هذا الاهتمام، وبرز في ذلك الفقيه العالم عروة بن الزبير بن العوام القرشي (ت ٩٤ هـ/ ٧٣١ م)، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس ﵁ (ت ١٠٥ هـ/ ٧٢٣ م)، وأبان بن عثمان بن عفان (ت ١٠٥/ ٧٢٣ م)، وعاصم بن عمر بن قتادة الأوسي (ت ١٢٠ هـ/ ٧٣٨ م)، ومحمد بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م). وأخذ التصنيف في السيرة والمغازي يأخذ نسقًا واضحًا بمغازي موسى ابن عقبة (ت ١٤١/ ٧٥٨ م)، ومحمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ/ ٧٦٨ م). ثم أصبح التأليف التاريخي أكثر نضجًا عند أبي معشر السندي (ت ١٧٠/ ٧٨٧ م) في كتابه "تاريخ الخلفاء"، ثم تطور الاهتمام بتاريخ المدينة عند ابن أبي ثابت الأعرج (ت ١٩٧ هـ/ ٨١٣ م) وهو أقدم من عني بتاريخ المدينة المنورة، وتبعه محمد بن الحسن بن زبالة (ت ١٩٩ هـ/ ٨١٤ م) في كتابه أخبار المدينة.

стр. 3

ثم تتابعت التآليف في تاريخ المدينة المنورة أو بعض معالمها مثل الواقدي (ت ٢٠٧ هـ/ ٨٢٣ م)، ومصعب الزبيري (ت ٢٣٦/ ٨٥١ م)، والزبير ابن بكار (ت ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م)، وعرام السلمي (ت ٢٥٧/ ٨٨٨ م). وامتدادا لهذا النهج من التأليف في تاريخ المدينة المنورة يبرز العقيقي: أبو طاهر يحيى بن الحسن بن جعفر الأعرج الحسيني العلوي (ت ٢٧٧/ ٨٩٠ م) في كتابه أخبار المدينة وكان له عدة نسخ اطلع عليها السمهودي (ت ٥٩١١/ ١٥٠٩ م)، ولكن الكتاب فُقِد بعد ذلك ولم يصلنا سوى النقولات التي حفظت في عدد من المؤلفات التاريخية. وخدمة لتاريخ المدينة المنورة فإن مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة يسره أن يقدم للباحثين والقراء مرويات كتاب أخبار المدينة للعقيقي، جمع ودراسة الباحث الأستاذ: عبد العزيز بن عوض الجهني، كي يساهم هذا الكتاب في معرفة طرق وآفاق ومناهج التأليف والمؤلفين في تاريخ المدينة المنورة من ذلك العهد المبكر إلى تاريخنا المجيد. أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة

стр. 4

إهداء إلى من أضاء لي طريقي وساندني، إلى أمي وزوجتي وإخوتي حبًّا ومودةً وذكري. عبد العزيز الجهني

стр. 5

الشكر والتقدير الحمد لله الذي أعان ويسر على إتمام هذا البحث، وأصلي وأسلّم على رسوله وآله وصحبه. فعملًا بقول رسول الله: "لا يَشكُرُ الله مَن لا يَشكُرُ النَّاسَ". أتقدم بوافر الشكر وأجله إلى مشرفي سعادة الأستاذ الدكتور ياسر أحمد نور الذي منحني من وقته وأفادني بعلمه وتوجيهاته وكان صاحب الفضل بعد الله الإخراج هذا العمل فبارك الله فيه، كما أتقدم بالشكر والامتنان لسعادة الأستاذ الدكتور سليمان ضفيدع الرحيلي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته والذي وافته المنية في ٥ رمضان ١٤٣٥ هـ فقد أفادني بمحاضراته وعلمه الوفير جعل الله ذلك في ميزان حسناته، كما أتقدم بالشكر والعرفان، لسعادة الدكتور يوسف حواله حفظه الله الذي أعطاني من وقته وأفادني بعلمه الكثير فجزاهم الله عنا خير الجزاء لتفضلهم بقبول الرسالة ومناقشتها وتقويمها وأتقدم بالشكر لجميع أساتذتي الكرام في القسم نفع الله بهم، كما أقدم عظيم شكري وجزيل امتناني لكل من مد لي يد العون والمساعدة في سبيل إنجاز هذا البحث، ولا يفوتني أن أشكر والدتي التي كانت دعواتها دوما ترافقني، وزوجتي التي ساعدتني طيلة مدة بحثي، فجزاهم الله عني خير الجزاء وأدعو للجميع بأن يجعل الله ذلك في موازين حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

стр. 6

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن للمدينة النبوية مكانةً عظيمة في نفوس المسلمين، فهي دار هجرة المصطفى ﷺ ، ومهبط الوحي ومأرز الإيمان، وقبلة العلم الأولى في الإسلام، ومسجدها ثاني المساجد .. ، وهو ما استحث الإخباريين والمؤرخين على القيام بتصنيف المؤلفات التي تؤرخ للمدينة على مرِّ عصورها. وكانت بداية التصنيف في هذا الشأن في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري على يد محمد بن الحسن بن زبالة (ت: ١٩٩ هـ) في كتابه "أخبار المدينة"، ثم تتابعت المؤلفات التاريخية من بعده فظهر كتاب "حرب الأوس والخزرج" وكتاب "وقعة الحرة" لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ)، وكتاب "الحرات" وكتاب "الأوس والخزرج" لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ)، ثم مؤلفات أبي الحسن علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٨ هـ) منها: "كتاب المدينة"، "قضاة أهل المدينة"، و"حمى المدينة وجبالها وأوديتها"، وكتابا "نسب الأنصار" و "نسب الأوس" لعبد

стр. 7

الله بن عمارة؛ المعروف بابن القداح المدني الأنصاري (ت قبل ٢١٠ هـ) (١)، وكتابا "أخبار المدينة النبوية وأمراء المدينة" لأبي زيد عمر بن شبة النميري (ت ٢٦٢ هـ)، وكتاب "أخبار المدينة"، و"أخبار الأوس والخزرج"، و"نوادر المدنيين" للزبير بن بكار (ت ٢٦٥ هـ)، وكتاب "أخبار المدينة" لأبي الحسن يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي العقيقي (ت ٢٧٧ هـ) - موضوع الرسالة -، وكتاب "التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة" لمحمد بن أحمد المطري (ت ٧٤١ هـ)، وكتاب "تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة" لأبي بكر الحسين بن المراغي (ت ٨١٦ هـ)، و"كتاب وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى" لنور الدين السمهودي (٩١١ هـ). وهذه المصنفات منها ما هو منشور ومحقق، ومنها ما تم جمع نصوصه من بطون المصادر وما زال مطويًا (٢)، ومن الأمثلة المهمة في هذا الشأن

стр. 8

كتاب "مرويات أخبار المدينة" لمحمد بن حسن ابن زبالة، جمع وتوثيق صلاح عبد العزيز سلامة، وكذلك هذا العمل الذي أقدمه للمتخصصين، المتمثل في جمع وتوثيق ودراسة كتاب (أخبار المدينة) ليحيى بن الحسن العلوي العقيقي المشار إليه آنفًا، والذي هو مناط البحث في هذه الدراسة. أهمية موضوع البحث: تكمن أهمية البحث في أن الفقيه المحدث يحيي بن الحسن العلوي العقيقي النسابة أحد المؤرخين الثقات، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على كتابته التاريخية، كما يعد كتابه (أخبار المدينة موردًا للعديد من المؤرخين الذين أرخوا للمدينة النبوية وغيرهم، أمثال: أبو إسحاق الحربي (ت ٢٨٥ هـ) في "كتابه المناسك"، وشمس الدين محمد الحنبلي (ت ٧٤٤ هـ) في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي" وكتابي: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام"، و"فتاوي السبكي"، لتقي الدين علي السبكي (ت ٧٧١ هـ). وكتاب "تحقيق النصرة بمعالم دار الهجرة" لأبي بكر المراغي (ت ٨١٦ هـ)، ومؤرخ المدينة نور الدين السمهودي (٩١١ هـ) في كتابه "وفاء الوفاء بأخبار دار

стр. 9

المصطفى"، وكتاب "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت ٩٤٢ هـ). أسباب اختيار موضوع البحث: يعد يحيي بن الحسن العلوي العقيقي أحد أعمدة التأليف في تاريخ المدينة، ورغم ذلك لا تزال مرويات كتابه "أخبار المدينة متفرقة في كثير من كتب السيرة والتاريخ، ولأن كتابه ما زال مطويًا، فكان ذلك باعثًا لي على اختياره موضوعًا لبحثي الموسوم بـ (مرويات كتاب أخبار المدينة ليحيى ابن الحسن العلوي العقيقي)، آملًا في إلقاء المزيد من الضوء على المؤلف ومنهجه التاريخي في هذا المصنف، بعد القيام بجمع مروياته. مشكلة البحث: تمثلت مشكلة البحث في التساؤلات الآتية: من هو يحيي بن الحسن العلوي العقيقي؟ .. وما طبيعة كتابه "أخبار المدينة"؟ .. وما المنهج الذي اتبعه في صياغة مادته ومعالجة موضوعاته؟ .. وما أثر هذا المصنف على من عني بالتأريخ للمدينة من بعده؟ ..

стр. 10

الدراسات السابقة: لم يقف الباحث - في حدود استقصائه - على دراسة اختصت تحديدًا بدراسة هذا الموضوع، إلا أن ثمة بحوث أخرى تطرقت إلى بعض جوانبه، ولعل من أهمها، بحث الدكتور صالح أحمد العلي المعنون، "بالمؤلفات العربية عن المدينة والحجاز" (١)، حيث أعطى فكرة موجزة عن كتاب يحيي العقيقي وأشار إلى بعض من نقل عنه من المتأخرين، ثم اعتبر كتاب يحيى العقيقي مكملًا لكتاب ابن زبالة، ومقصورًا على المدينة دون ما حولها من وديان أو مساجد (٢). ومن هذه الدراسات أيضًا، "تاريخ ومناقب ومآثر الست الطاهرة البتول السيدة زينب"، و"أخبار الزينبيات" للعبيدلي النسابة (٣)، حيث استعرض في هذه الدراسة ترجمة موسعة ليحيى العقيقي،

стр. 11

وبالرغم من صغر الكتاب إلا أنه ذكر معلومات قيمة وأسماء كتب استفدت منها في الدراسة. ومن الدراسات ما قام به المحقق محمد كاظم حيث عرض ليحيى العقيقي من خلال ترجمة موسعة في مقدمة كتاب" المعقبين من ولد الإمام أمير المؤمنين" وسوف يحقق في صحة نسبة هذا الكتاب ليحيى العقيقي في ثنايا الدراسة. وأخيرًا دراسة الباحثة هدى محمد سعيد سندي، في بحثها الموسوم "موارد السمهودي" حيث أشارت في هامش بعض الصفحات إلى النقول التي اقتبسها السمهودي من "كتاب أخبار المدينة" للعقيقي. دراسة تحليلية لأهم مصادر الدراسة: سأتناول في هذا المقام أهم المصادر التي اعتمدت عليها الدراسة في التعريف بيحيى العقيقي ومؤلفه "أخبار المدينة" وقد رتبتها حسب أهميتها بالنسبة للبحث وهي على النحو التالي: - كتاب "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ﷺ " لمؤلفه نور الدين علي بن عبد الله الشهير بلقبه السمهودي، (ت ٩١١ هـ). ويعد هذا الكتاب من أجمع وأشمل ما ألف عن تاريخ المدينة وأخبارها،

стр. 12

كما أنه يعد من أهم المصادر التي نقلت عن كتاب "أخبار المدينة" المفقود للعقيقي. وقد أشار صالح العلي إلى أن السمهودي نقل عنه ما يقارب ٢١٠ روايه (١) وكذا الباحثة هدى سندي قد ذكرت أن ما نقله عنه السمهودي ١٦٩ (٢) رواية، أما محمد نظام الدين الفتيح فقد اكتفى بالإشارة إلى استكثار السمهودي من النقل عن كتاب "أخبار المدينة" (٣). أما الباحث فقد أحصى بدقه عدد ما نقله السمهودي من هذا الكتاب من مرويات فكانت في (٢٢٦) رواية. - كتاب "المناسك وأماكن طُرُق الحج ومعالِم الجزيرة" لمؤلفه الإمام أبي

стр. 13

إسحاق الحربي إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم (ت ٢٨٥ هـ) (١). وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن الإمام أبا إسحاق الحربي كان أحد تلاميذ العقيقي فضلا عن النقول العديدة التي اقتبسها من كتاب "أخبار المدينة". ومما يميز هذه النقول أن الإمام الحربي أوردها كاملة وهو ما أفاد في بيان النصوص والروايات التي نقلها عنه السمهودي بأسانيد مختصرة كما أفاد بذلك محقق الكتاب (حمد الجاسر) وذكر بأن "في تلك النقول ما يصحح ما أورد السمهودي منها"، أما عدد الروايات التي نقلها الحربي عن شيخه من كتابه "أخبار المدينة" أحصاها الباحث في (٢٨) رواية. - كتاب الشريعة، للشيخ محمد بن الحسين الآجري، (ت ٣٦٠ هـ) ويعد أيضًا من المصادر المهمة في هذا البحث وأهم ما وقفت عليه في هذا الكتاب أن الآجري رأي كتاب "أخبار المدينة" للعقيقي رؤيا العين عند أحد مؤذني مسجد الرسول ﷺ وذكر بأنه شبيهًا بمائة ورقة، وبين أنّ الكتاب مصنف حسب الأبواب (باب في كذا، وباب في

стр. 14

كذا، وهكذا)، كما أفاد الباحث من منقولاته في نفي ما اتهم به العقيقي من أنه كان على عقيدة الرافضة. - كتاب "تحقيق النصرة بتلخيص معَالم دار الهجرة" لمؤلفه زين الدين أبي بكر حسين المراغي العثماني الشافعي (ت ٨١٦ هـ). وهو من المؤلفات المهمة أيضا التي نقلت عن كتاب "أخبار المدينة" المفقود وقد بلغ عدد ما نقله عنه من مرويات (٢٦) نقلًا وقد أشار إلى ذلك: نشأت كمال محقق الكتاب. وفي نُقول المراغي ما يوحي بأنه اطلع على كتاب العقيقي هذا قبل فَقْدِه وطيِّه. - كتاب "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد"، المؤرخ محمد بن يوسف الصالحي الشامي، (ت ٩٤٢ هـ). وهو من المصادر المهمة في هذه الدراسة حيث نقل عن كتاب "أخبار المدينة" ليحيى العقيقي (٣٠) رواية، منها ثلاث روايات مكررة. - كتاب "تهذيب الكمال"، للعلامة الحافظ المحدث، يوسف بن الزكي عبد

стр. 15

الرحمن أبو الحجاج المزي المتوفي سنة (ت ٧٤٢ هـ). يعتبر هذا المصنف من المصادر المهمة في جمع المادة، ومعرفة شيوخ يحيى العقيقي الذين ذكرهم المزي حيث بلغ عددهم ٣٧ شيخًا بتعدادي. وهذه التراجم أفادت الدراسة في التعرف على شيوخ يحيى العقيقي. - تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفي (ت ٧٥٦ هـ). وهو من المصادر المهمة جدا في جمع مادة العقيقي ودارسة كتابه أخبار المدينة، حيث نقل عنه في موضعين، من كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) ونقلًا واحدًا من كتاب (فتاوي السبكي)، وهذان النقلان لهما من الأهمية الشيء الكثير حيث كشفت أن كتاب يحيى مقسم لأبواب؛ إذ نقل عن يحيى نفسه أنه قال: ( … في أخبار المدينة، في باب ما جاء في زيارة قبر النبي ﷺ ، وفي السلام عليه)، وقد اعتمد على هذين النصين بعض العلماء في بناء أحكام فقهية خاصة بفقه زيارة النبي ﷺ (١). - كتاب "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة" لشمس الدين محمد بن

стр. 16

عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) وهو من المصادر المهمة التي أفادت الباحث بترجمة موسعة لـ يحيى العقيقي وتكوينه المعرفي ومؤلفاته وبعض من شيوخه ومن روى عنه من تلامذته، وثناء بعض العلماء عليه، كما استفدت منه عن الحالة الثقافية في المدينة زمن المؤلف وما بعده. وأما في جانب الترجمة للمؤلف (يحيى العقيقي) فقد استفدت من مصادر ومراجع كثيرة، من كتب التراجم والأنساب السنية والشيعية. ومنها على سبيل المثال: - كتاب "المعقبين من ولد أمير المؤمنين" (ت ٢٧٧ هـ) المنسوب ليحيى العقيقي: فقد استفدت من بعض مادته في بيان عقيدة العقيقي وتكوينه المعرفي في ثنايا البحث. - كتاب تاريخ التراث العربي، فؤاد سيزكين أفادني بترجمة للعقيقي، وذكر بعض آثاره ومؤلفاته. كتاب طبقات النسابين، بكر بن عبد الله أبو زيد (ت ١٤٢٨ هـ) استفدت منه بترجمة للعقيقي بشكل وافي وكذلك مؤلفاته وقد أورد من آثاره ما أفاد في بيان عقيدته السنية ومذهبه. وأما ما يتعلق بالمصادر الشيعية فقد تناولت التعريف بالعقيقي وبعض

стр. 17

مؤلفاته وهي على النحو التالي: - أبو الحسن محمد بن أبي جعفر العبيدلي (ت ٤٣٥ هـ) أفاد الباحث بالتعريف بيحيى العقيقي وأولاده (١). - أبو العباس أحمد على النجاشي (ت ٤٥٠ هـ) كتابه "رجال النجاشي" عرف بيحيى العقيقي ووصفه بالعالم الفاضل الصدوق، وقد استفدت من هذا الكتاب بالرد على دعواه أن يحيى العقيقي روي عن الرضا، كما ذكر أن له من التصانيف: كتاب نسب آل أبي طالب، وكتاب المسجد (٢). - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠ هـ). صاحب "الفهرست" وقد استفدت منه في ترجمة يحيى العقيقي وذكر تصانيفه منها كتاب "المسجد" وكتاب "المناسك" وكتاب "نسب آل أبي طالب" (٣).

стр. 18

- علي بن أبي القاسم بن زيد البيهقي ابن فندق (ت ٥٦٥ هـ) كتابه "لباب الأنساب والألقاب والأعقاب" أفاد الباحث بذكر نسبه وكتبه وأنَّه أول من دون أنساب آل البيت (١). - محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني (ت ٥٨٨ هـ) كتابه "معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين منهم قديما وحديثا" أفاد في أن له كتاب المسجد (٢). - إسماعيل بن الحسين بن محمد المروزي الأزرقاني (ت. بعد ٦١٤ هـ). واستفدت منه في أنّ عقب والد يحيى (الحسن المنتشر الصحيح اليوم هو: من يحيي بن الحسن العقيقي، وقد أشار إلى أنه أول من صنف من الطالبيين في النسب وإلى أنه عالم فاضل محدث ونسابة وأن كتابه حسن في النسب ومشهور ويعرف "يحيي بن الحسن العقيقي" وحدد سنة وفاته (٣). - صفي الدين محمد بن تاج الدين ابن الطقطقي (ت ٧٠٩ هـ)

стр. 19

مؤرخ له كتابه "الأصيلي في أنساب الطالبيين" استفدت كثيرا منه، ولي ردود في ثنايا البحث على اتهاماته للعقيقي، ثم ذكر مؤلفاته وأعطي وصفًا لكتاب" نسب آل أبي طالب "حيث قال" ابتدأ بولد أبي طالب لصلبه، ثم بولدهم بطن بعد بطن إلى قريب من زمانه، وهو كتاب حسن، ما رأيت في مصنفات الأنساب أحسن ولا أعدل ولا أنصف ولا أرصن منه" (١). وقد استفدت من تعليقات محقق الكتاب (مهدي الرجائي) في مواضع وهو يتحدث عن يحيى العقيقي (٢). - أبو الحسن علي بن محمد العمري (ت ٧٠٩ هـ) كتابه (المجدي في أنساب الطالبيين) أفادني في ذكر أعقاب الحسين الأصغر وفيه ذكر أن يحيى هو الشريف الناسب صاحب كتاب النسب، وذكر فضائله وأولاده (٣). - ضامن بن شدقم الحسيني المدني (ت ١٠٩٠ هـ)

стр. 20

كتاب (مختصر تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار) استفاد الباحث بذكر عقب الحسن بن جعفر في مشجرة بينت أعقاب يحيى العقيقي وأمه ومكان مولده ودفنه، كما ذكر مصنفاته واستفاض في ذكر أوصافه (١). - أغابزرك الطهراني (ت ١٣٥٥ هـ) كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) أفاد الباحث بالتعريف بـ يحيى العقيقي ومكان وفاته وأن له من التصانيف أخبار المدينة وأنساب آل أبي طالب، وذكر بعضا ممن نقل عن العقيقي من الفقهاء (٢). - عبد الرزاق كمونة الحسيني (ت ١٣٩٠) كتابه (منية الراغبين في طبقات النسابين) عرف بنسب يحيى العقيقي وأمه بشيء من التفصيل وذكر مكان مولده ووفاته ونسبه إلى بلدة بقرب المدينة تدعى العقيق وأنَّه روي عن الإمام علي بن موسى الرضا، واستفاض بأوصافه كثيرا ولما لقب بالنسابة وأشار إلى أنه مصلح وقع على يديه الصلح بين بني علي

стр. 21

وبني جعفر وذكر أنه "أمير بالمدينة ذو المناقب، وأحد علماء العترة" وعرف بمؤلفاته وذكر أحد شيوخه وبعضا ممن روي ونقل عنه (١). كما أنه لم أُحرم نفسي من الاستفادة من أغلب ما ألف في تاريخ المدينة وأخبارها قديمًا وحديثًا، كما سيتضح ذلك بتصفح البحث. منهج البحث: قام منهج البحث في هذه الدراسة على المحاور الآتية: ١. التعريف بيحيى العقيقي ومؤلفاته والكشف عن منهجه التاريخي في كتابه أخبار المدينة في ضوء ما تم جمعه من مرويات. ٢. جمع واستخراج مرويات كتاب "أخبار المدينة" المفقود لـ يحيى بن الحسن العلوي العقيقي بأسانيدها الموجودة في الكُتُب الناقلة عنه، ثم تصنيفها حسب الموضوعات وحسب الترتيب الزمني للأحداث التاريخية. ٣. التعريف بالأعلام عدا المشهورين، وكذلك المعالم والأماكن الواردة في النصوص المجموعة مع بيان ما ورد فيها من مفردات غريبة أو مبهمة.

стр. 22

خطة البحث: يحتوي هذا البحث على مقدمة وبابين رئيسيين وخاتمة، على النحو التالي: المقدمة: وتضمنت: ذكر أهمية الموضوع، وأسباب اختياري له، ومشكلة البحث والدراسات السابقة، ودراسة تحليلية لأهم مصادر ومراجع الدراسة، والمنهج المتبع فيه، وأخيرًا خطة البحث. التمهيد: واشتمل على عرض موجز، عن الواقع الثقافي في المدينة زمن المؤلف. الباب الأول: تضمن التعريف بالمؤلف ومنهجه التاريخي وقسمته إلى فصلين: الفصل الأول: تناولت فيه التعريف بيحيى العقيقي، من حيث نسبه، ونشأته، وأسرته، وشيوخه، وتلاميذه. ثم مؤلفاته، والمجالات المعرفية التي برع فيها ومذهبه وعقيدته وآراء أئمة أهل السنة، ومذهب الشيعة فيه، ثم وفاته ﵀. الفصل الثاني: تعرضت من خلاله للتعريف بكتاب "أخبار المدينة" وأهميته التاريخية ومنهج العقيقي في عرض مروياته وتوثيقها ونقدها وكذا موارده مع بيان أثر كتاب يحيى العقيقي في كتابات المؤرخين من بعده.

стр. 23

الباب الثاني: نقوم من خلاله بجمع مرويات كتاب يحيى العقيقي "أخبار المدينة"، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: المرويات المتعلقة بقدوم الرسول ﷺ حتى بناء مسجده الشريف. الفصل الثاني: المرويات المتعلقة بالزيادات في المسجد النبوي، والكتابات فيه من عصر الخلفاء والعصور التي بعده. الفصل الثالث: جمع مرويات يحيى العقيقي المتعلقة بالحجرات والدُّور التي حول المسجد النبوي الشريف، والروايات المتعلقة بوفاة النبي ﷺ ودفنه وقبر صاحبَيْه ﵄. الفصل الرابع: مرويات يحيى العقيقي المتعلقة بأُحد، وفضائل المدينة وآدابها ومسجد قباء، وبقية المساجد في المدينة وما حولها. الخاتمة: وتتضمن النتائج التي خلصت إليها الدراسة، وقائمة الفهارس، والمصادر والمراجع. * * *

стр. 24

التمهيد

стр. 25

الواقع الثقافي في المدينة زمن المؤلف يحيى العقيقي: لا ريب أن البيئة الثقافية التي تحيط بأي مؤرخ تؤثر في تكوينه العلمي والمعرفي بحسب ما تحويه هذه البيئة من علوم ومعارف، بل إن هذا المؤرخ هو الأجدر من غيره بالتأريخ لهذه البيئة والحديث عنها، ولا شك أن هذا التوصيف ينسحب على مؤرخنا موضوع الدراسة (يحيى بن الحسن العلوي العقيقي) وعلى هذا لزم أن نفرد هذا التمهيد للحديث عن الواقع الثقافي بالمدينة الذي أحاط بيحيي بن الحسن العلوي العقيقي وأثر في بنائه العلمي والمعرفي والثقافي في الفترة التي عاشها خلال القرن الثالث الهجري وما سبقها ممن لهم علاقة في ذلك من سلف الأمة. من المعلوم أن المدينة تفردت بخصائص تميزها عن باقي البلدان، فبعد أن هاجر إليها النبي ﷺ وصحبه أضحت قبلة العلم الأولى في الإسلام، فبها كما قال الإمام مالك: "كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله ﷺ بين أظهرهم، يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده" (١).

стр. 26

ثم جاء عصر التابعين، وأخذت تتشكل فيها العلوم الإسلامية وتتبلور، فعلى صعيد الفقه والحديث، اختصت المدينة بالفقهاء السبعة، يقول ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) "وكان المفتون بالمدينة من التابعين: ابن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .. " (١). كما ظهر مذهب الإمام مالك (ت ١٧٩) وموطؤه الذي جمع بين كونه كتابا في الفقه والحديث. أما مدرسة التفسير والقراءات بالمدينة، فتأسست على يد أبي بن كعب وترجمان القرآن عبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ)، ثم تلاهم من التابعين أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي (٢)، ومحمد بن كعب القرظي (ت ١١٧ هـ) (٣)،

стр. 27

ونافع مولى ابن عمر (ت ١١٧ هـ) (١)، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني المخزومي (ت ١٢٨ هـ) (٢)، ويزيد بن رومان (ت ١٣٠ هـ) (٣)، وزيد بن أسلم (ت ١٣٦ هـ) (٤)، والإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ). أمّا ما يتعلق بجانب السيرة والمغازي والتاريخ، فبرز من التابعين كلٌّ من: عاصم بن عمرو بن قتادة (ت ١٢٠ هـ) (٥)، وشرحبيل بن سعد المدني (ت ١٢٣ هـ) (٦)، ومحمد بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ)، وموسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) (٧)،

стр. 28

ومحمد بن إسحاق بن يسار (ت ١٥١ هـ) (١)، ومحمد ابن زبالة (ت ١٩٩ هـ) (٢)، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧). ومن برز أيضا في علم الأنساب محمد بن شهاب الزهري المدني (ت ١٢٤ هـ) له كتاب فيه نسب قومه (٣)، والضحاك بن عثمان القرشي (ت ١٨٠ هـ) وكان علامة قريش بالمدينة بأخبار العرب وأيامها وأشعارها (٤)، والمغيرة بن عبد الرحمن الحزامي (ت ١٨٠ هـ) والذي كان "علامة بالنسب صادقًا عالمًا" (٥)، وعبد العزيز بن عمران (ت ١٩٧ هـ) (٦). أما على صعيد الشعر والأدب بالمدينة فظهر عدد من فحول الشعراء في القرن الثاني مثل: عروة بن يحيى بن مالك الليثي (ت ١٣٠ هـ) (٧)،

стр. 29

ويزيد بن عبيد السعدي المدني (ت ١٣٠ هـ) (١) ومحمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري (ت ١٥٧ هـ) (٢)، وأبو الحسن موسى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ت ١٩١ هـ) (٣). أما إذا انتقلنا إلى القرن الثالث الهجري، الذي هو عصر المؤرخ يحيى ابن الحسن العلوي العقيقي موضوع البحث، فبدأت المدينة تشهد حالة من التراجع العلمي والثقافي، بل ذهب أحد الدارسين إلى أن المذهب المالكي استمر في حضوره أكثر من ٦٠ عاما بعد وفاة مالك ثم بدأ يقل عطاؤه ويأفل (٤)، ويظهر ذلك في مقولة الذهبي: "كان العلم وافرًا بالمدينة زمن التابعين كالفقهاء السبعة وزمن صغار التابعين ثم زمن تابعي التابعين ثم تناقص العلم في الطبقة التي بعدها ثم تلاشي" (٥).

стр. 30

وكذا ذكر السخاوي (١): "ثم في أثناء المائة الثالثة تناقص علم الحرمين وكثر بغيرهما". ويعود السبب في هذا التراجع العاملين: العامل السياسي: معلوم أن مقر الخلافة انتقل عن المدينة النبوية، ومع مرور الوقت انعكس فيما بعد بالسلب على منطقة الحجاز عموما والمدينة خصوصا، حيث غدت من مناطق الأطراف، فأصبحت بذلك موئلًا للعديد من الثورات وظهيرًا لحركات المعارضة ضد الخلافة الأموية والعباسية من بعدها، خاصة من قبل العلويين والشيعة (٢)، ومن الأمثلة الدالة على ذلك ثورة إسماعيل بن يوسف الجون (ت ٢٥٢ هـ) وحصاره للمدينة أدى إلى هلاك أهلها جوعًا، ولم يصلِ أحد في مسجد رسول الله ﷺ (٣)،

стр. 31

كذلك ثورة محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى الحسيني: الملقب بالمليط، قاما بثورة في سنة إحدى وسبعين ومائتين بالمدينة، فقتلا أهلها وأخذا أموالهم، ولم يصلِ أهل المدينة في مسجد رسول الله ﷺ لا جمعة ولا جماعة مدة شهر كامل (١)، لا شك أن هذه الثورات أحدثت رَدّة فعل معاكس طبيعية متمثلة في صَبّ جام غضب الخلفاء على المدينة مما عرضها للتهميش النوعي من قبل الحكام (٢). العامل الاقتصادي: تردي الأحوال السياسية أفضى إلى تردي الأحوال الاقتصادية، وهذا ما دفع بعض علماء المدينة للخروج إلى الحواضر الأخرى، حيث قاموا بالهجرة إلى بعض البلاد الإسلامية، بحثًا عن الأمن والاستقرار لممارسة حياتهم المعيشية (٣)، ومن أبرز الشواهد على ذلك رحيل الواقدي أحد تلامذة الإمام مالك حيث قدم بغداد سنة (١٨٠ هـ) في دين

стр. 32

لحقه أثر كساد تجارته من الحنطة فلم يزل بها حتى مات (١) وخلق سواه (٢). وبالرغم من حالة التراجع العلمي والمعرفي التي بدأت تخيم على المدينة مع بدايات القرن الثالث الهجري، فإن ذلك لا يعني انعدام الحركة العلمية كلية بالمدينة، بل ظل لها حضور وإن كان بالطبع ضعيفا إذا قورنت بما كانت عليه في القرنين الأول والثاني من الهجرة. فعلى صعيد الفقه والحديث ظلت كما أشرنا مدرسة الإمام مالك مستمرة في عطائها حتى منتصف القرن الثالث الهجري كان منهم: إسماعيل ابن أبي أويس (ت ٢٢٧ هـ) (٣)، وكذلك الإمام المحدث إبراهيم بن المنذر

стр. 33

الحزامي الأسدي المدني (ت ٢٣٦ هـ)، وهو من تلامذة الإمام مالك (١) ويحيى بن معين (ت ٢٣٣) إمام الجرح والتعديل الذي مات بالمدينة (٢)، وكذا أبو مصعب الزهري المدني الفقيه (ت ٢٤٢ هـ) (٣)، وهو الإمام الثقة قاضي المدنية حيث قال عن نفسه "يا أهل المدينة لا تزالون ظاهرين على أهل العراق، ما دمت فيكم حيًا" (٤)، وهارون بن موسى الفروي (ت ٢٥٣ هـ) (٥)، ومحمد بن أحمد أبو يونس الجمحي (ت ٢٥٥ هـ) (٦)، الذي ورث مجلس أبي مصعب بالفتيا. وفي جانب القراءات كان هناك قارئ المدينة الأشهر أبو موسى عيسى بن ميناء بن وردان المعروف بقالون (ت ٢٢٠ هـ) (٧)، وخلفه ابنه أحمد، وجاء بعدهما محمد بن إسحاق القرشي المخزومي المدني (ت ٢٣٦ هـ) (٨).

стр. 34

وفي مجال التاريخ والأخبار، برز الإخباري مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري (ت ٢٣٦ هـ)، والزبير بن بكار (ت ٢٥٦ هـ) الذي صنف عددا من المؤلفات في هذا الجانب مثل: أخبار المدينة، كتاب أخبار العرب وأيامها، وكتاب الموفقيات في الأخبار، وكتاب نوادر المدنيين (١). وفي جانب علم الأنساب برز عبد الله بن محمد بن عمارة القداح الأنصاري (ت. قبل ٢١٠ هـ) (٢)، صاحب كتاب نسب الأنصار (٣) ومصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري (ت ٢٣٦ هـ) صاحب كتاب "نسب قريش" (٤)، والزبير بن بكار الذي صنف كتاب "جمهرة نسب قريش وأخبارها" (٥).

стр. 35

وفي ميدان الشعر والأدب، برز محمد بن صالح الطالبي القرشي (ت، نحو ٢٥٢ هـ) (١)، من أمراء المدينة (٢) والذي كان راوية وأديبا شاعرا، كذلك من الشعراء برز مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري (٣)، والزبير ابن بكار الذي كان علامة قريش في الشعر والأدب (٤)، ويشهد على ذلك المادة التي احتواها كتابه الجمهرة. بعد هذا العرض يمكننا القول بأن هذا الواقع الثقافي هو الذي أسهم في تشكيل وتكوين يحيى بن الحسن العلوي العقيقي معرفيًّا وعلميًّا، وهذا ما سنحاول بيانه في الفصل الآتي.

стр. 36

الباب الأول: يحيى العقيقي ومؤلَّفه أخبار المدينة

стр. 37

الفصل الأول: التعريف بمؤلف كتاب "أخبار المدينة" النسابة أبي الحسين يحيى بن الحسن العلوي العقيقي يعرض هذا الفصل التعريف بالمؤلف من خلال النقاط التالية: - نسبه. - نشأته وأسرته. - شيوخه. - تلامذته. - مؤلفاته والمجالات المعرفية التي برع فيها. - مذهبه وعقيدته وآراء أئمة أهل السنة، ومذهب الشيعة فيه. - وفاته ﵀.

стр. 38

أ - نسبه: أفضل ما يُورَدُ في ترجمة يحيى العقيقي ما قاله هو عن نفسه فقال: "أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب (١) " ﵃. وهناك من المؤرخين من أضاف في نسبه:

стр. 39

نسبه: الحسيني (١)، الحجة (٢)، العبيدي (٣)، العبيدلي (٤)، العلوي (٥)، الطالبِي (٦)، الْهاشِمي (٧)، الشريف (٨)، المدني (٩)، العقيقي (١٠) المعروف بالنسابة المؤرخ (١١).

стр. 40

وإذا تحولنا لبيان هذا النسب: أبو الحسين (١): هي كنيته التي أثبتها بنفسه (٢)، كما أثبتها له كثير من العلماء والباحثين والنسابين، ولعله تكنى بها قبل أن يأتيه الولد؛ إذ ليس من عقبه (٣) الحسين (٤).
следующие страницы →