رسالة في حكم ثمن الكلاب
(بيع الكلب-تغريم قاتل الكلب ثمنه-إجارة الكلب-
ثمن تدريب الكلب-ثمن علاج الكلب)
تأليف
أحمد بن عوض
راجعه وقدم له فضيلة الشيخ/ مصطفى بن العدوي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
فهذا بحث موجز في حكم بيع الكلاب، وبعض توابع ذلك،
أعدّه أخي في الله/ أحمد بن عوض-حفظه الله-
وقد اعتنى فيه بالناحيتين: الحديثية، والفقهية على السواء،
فخرّج الأحاديث، والآثار، وحكم على كل بما يستحق،
وأورد أقوال أئمة الفقه في هذا الصدد، فضلًا
стр. 3
عن إيراده الآثار عن الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين في هذا الصدد، وحكم عليها-كما أشرت سابقًا-بما تستحق مع تخريجها.
وقد راجعت معه عمله فألفيته-ولله الحمد-نافعًا،
فجزاه الله خيرًا على ما صنع وزاده الله توفيقًا،
وصل اللهمّ على نبينا محمد وسلم
والحمد لله رب العالمين.
كتبه/ أبو عبد الله مصطفى بن العدوي
стр. 4
مقدمة المؤلف:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه رسالة، جمعت فيها ما ورد من الكتاب، والسنة في حكم بيع الكلاب، ثم أردفت ذلك بأقوال الصحابة، والتابعين، وأقوال أصحاب المذاهب الأربعة، وغيرهم، وبينت فيها كل قول، وبما استدل، ووجه الاستدلال، وكيف ردَّ على المخالف في استدلاله، وتكلمت فيها على الأحاديث، والآثار، صحة، وضعفًا، ونقلت كل قول من مصدره.
وقد عرضت ذلك على شيخنا مصطفى بن العدوي-حفظه الله، وبارك في علمه وعمله
стр. 5
وعمره وذريته-، فراجعه مشكورًا.
فجزاه الله عني وعن طلبة العلم خير الجزاء على ما يبذله من نصح، وجهد، ووقت.
هذا والحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين.
كتبه/
أحمد بن عوض
стр. 6
أقوال العلماء في حكم بيع الكلاب إجمالًا.
اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال:
القول الأول: لا يجوز بيع الكلب مطلقًا، مُعلمًا كان، أو غير مُعَّلَم.
القول الثاني: يجوز بيع الكلب مُطلقًا.
القول الثالث: يجوز شراء كلاب الصيد دون بيعها.
القول الرابع: يجوز شراء وبيع الكلاب المأذون في اتخاذها.
القول الخامس: يجوز بيع الكلب المعلم.
стр. 7
ويمكن أن تقسم إلى قولين رئيسين:
قول بجواز بيع الكلب، وقول بعدم الجواز.
ولكن فصلت القول فيها؛ كي أنسب إلى كل عالم قولَه، ولا نزيد على كلامِه، وإليك أقوالَهم بالتفصيل.
стр. 8
القول الأول: لا يجوز بيع الكلاب مطلقًا، (مُعلمًا، أو غير مُعَّلَم).
وهو قول: مالك في المشهور عنه وصححه ابن عبد البر، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم، وغيرهم (١).
أدلتهم:
١. عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» (٢).
• وقال بذلك القول من الصحابة والتابعين:
١. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: «ثَمَنُ الْكَلْبِ سُحْتٌ» (١).
٢. عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا «يَكْرَهَانِ ثَمَنَ الْكَلْبِ» (٢).
٣. عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قال: «مَا أُبَالِي ثَمَنَ كَلْبٍ أَكَلْتُ، أَوْ ثَمَنَ خِنْزِيرٍ» (٣).
٤. عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «أَخْبَثُ
стр. 14
الْكَسْبِ كَسْبُ الزَّمَّارَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ» (١).
• واستدلوا بالقياس: على الخنْزير بجامع حرمة الاقتناء في غير حال الحاجة (٢).
• ووجه الاستدلال بالأحاديث السابقة:
أن النهى عن ثمن الكلب مطلق، يشمل المعلم، وغير المعلم، وما يجوز اقتناؤه، وما لا يجوز، فمن قيده بالكلب غير المعلم، أو الكلب الذي لا يجوز اقتناؤه، فعليه الدليل المخصص لهذا الإطلاق (٣).
стр. 15
ولأنه حيوان نجس، فلم يجز بيعه كالخنزير (١).
ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي:
أ - أن هذه الأحاديث منسوخة؛ فإنها كانت عند الأمر بقتل الكلاب؛ حيث لم تكن في الكلاب منفعة مباحة، ولما نسخ الأمر بقتل الكلاب، وجاء الأمر بإباحة الاقتناء لبعضها، ثبت أن أحاديث النهي منسوخة.
ب-أن قرن ثمن الكلب، مع مهر البغي، وحلوان الكاهن، لا يدل على أن حكمهما واحد، فهذه دلالة اقتران، وهي ضعيفة (٢).
стр. 16
وأجيب عليه:
١. أن الرخصة في كلب الصيد، والغنم، وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب، فالكلب الذي أذن رسول الله ﷺ في اقتنائه، هو الذي حرم ثمنه، وأخبر أنه خبيث، دون الكلب الذي أمر بقتله، فإن المأمور بقتله غير مستبقى، حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجر العادة ببيعه، وشرائه، بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه، أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجر عادتهم ببيعه، بل قد أمروا بقتله كما في حديث ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ»، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 17
زَرْعًا» (١)، وكما في حديث ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟»، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ (٢)، (٣).
٢. والاستدلال بالنهي أولى لأن الأصل في النهي التحريم، وأما دلالة الاقتران فهي دلالة ضعيفة، ولذلك قرن الرسول ﷺ النهي عن ثمن الكلب بالنهي عن كسب الحجام، والأول حرام، والثاني مكروه (٤).
стр. 18
أقوال أهل العلم بالتفصيل
أولًا: المالكية:
قال مالك ﵀: "أكره ثمن الكلب الضاري، وغير الضاري؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب" (١).
وقال سحنون لابن القاسم: "أرأيت الكلاب، هل يجيز مالك بيعها؟
قال مالك: لا يجوز بيعها" (٢).
وقال ابن رشد الجد ﵀: "المعلوم من قول
стр. 19
ابن القاسم، وروايته عن مالك: أنه لا يجوز بيع الكلب، وإن كان من الكلاب المأذون في اتخاذها للصيد، والضرع، والحرث، على ظاهر قول النبي ﷺ في نهيه عن ثمن الكلب عمومًا، لم يخص فيه كلبا من كلب، ويقوي ذلك ما روي عن ابن عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، وإن كان ضاريًا» " (١).
وقال ابن عبد البر ﵀: "وكل ما جاز أكل لحمه جاز شراؤه، وبيعه، وما لا يجوز أكل لحمه ينقسم قسمين: أحدهما: مما ينتفع به، وهو حي، والآخر لا منفعة فيه، فكل ما فيه منفعة الركوب، والزينة، والصيد، وغير ذلك، مما ينتفع به
стр. 20
الآدميون، جاز بيعه وشراؤه إلا الكلب وحده؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وقد قيل في كلب الصيد، والماشية، انه جائز بيعه، وروي ذلك أيضًا عن مالك، والأول تحصيل مذهبه، وهو الصحيح إن شاء الله" (١).
ثانيًا: الشافعية:
قال الشافعي ﵀: "وبهذا نقول لا يحل للكلب ثمن بحال" (٢).
وقال النووي ﵀: "وأما النهي عن ثمن الكلب، وكونه من شر الكسب، وكونه خبيثًا، فيدل على
стр. 21
تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان مُعلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء" (١).
وقال ابن حجر ﵀: "وظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب، مُعلمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه، أو لا يجوز، ومن لازم ذلك، أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور" (٢).
ثالثًا: الحنابلة:
قال أحمد بن حنبل ﵀: "بيع الكلاب باطل" (٣).
стр. 22
وقال ابن قدامة ﵀: "لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل، أي كلبٍ كان" (١).
وقال المرداوي ﵀: "قوله: (ولا يجوز بيع الكلب)، هذا المذهب مُطلقا، وعليه الأصحاب، وقطعوا به" (٢).
رابعًا: الظاهرية:
قال ابن حزم ﵀: "ولا يحل بيع كلب أصلًا، لا المباح اتخاذه ولا غيره؛ لصحة نهي النبي ﷺ عنه، وسنذكره في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى
стр. 23
فمن اضطر إليه فله أخذه ممن يستغني عنه بلا ثمن، وإن لم يتمكن له، فله ابتياعه، والثمن حرام على البائع، باق على ملك المشتري، وإنما هو كالرشوة في المظلمة، وفداء الأسير؛ لأنه أخذ مال بالباطل، وبالله تعالى التوفيق" (١).
وممن قال بذلك القول أيضًا: ابن المنذر، وغيره:
فقال ابن المنذر ﵀: "لا يجوز بيع الكلاب، ولا يقسم إن وقع في الغنائم، ولكن الإمام يعطي ما كان منه مما يجوز الانتفاع به، من شاء من أصحاب المقاسم، وإنما منعنا من قيمته؛ نهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب، فذلك على العموم" (٢).
стр. 24
وقال النووي ﵀: "ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان مُعلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء، .. والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، … وداود، … وغيرهم" (١).
وقال بذلك القول من المعاصرين جماعة:
فقال ابن عثيمين ﵀: "لا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد، ولو كان مُعلمًا، مع أن فيه نفعا مباحًا؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب" (٢).
وقال الشنقيطي حفظه الله: "إن الأصح من هذه الأقوال، هو القول بعدم جواز بيع الكلب مُطلقًا" (٣).
стр. 25
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "لا يجوز بيع الكلاب، ولا يحل ثمنها، سواء كانت كلاب حراسة، أو صيد، أو غير ذلك" (١).
وجاء في مجموع فتاوى ابن باز: " ثمن الكلب ماذا يعمل به يا شيخ؟
فأجاب ﵀: يرد على صاحبه، البيع باطل" (٢).
وجاء في موسوعة البيوع أصالة ومعاصرة: "لا يجوز بيع الكلب، ويجوز اقتناء كلب الصيد، ونحوه مما يحتاج إليه، ولو احتاج الإنسان إلى
стр. 26
كلب حراسة، ونحوه، ولم يجد أحدًا يبذله له إلا بالبيع، فإنه يجوز شراؤه، بعد أن ينصح بائعه، والإثم على البائع، وإذا كان الإنسان لا يصل إلى حقه، إلا عن طريق الشراء، فالإثم على من ألجأه إلى ذلك، والله أعلم" (١).
وجاء في موقع الإسلام سؤال وجواب بإشراف الشيخ محمد بن صالح المنجد: "وأما بيع الكلاب، فبيعها حرام، ولو كان الكلب مما يجوز اقتناؤه، وقد وردت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الكلاب، وهي بعمومها، تشمل جميع الكلاب، ما يجوز اقتناؤه، وما لا يجوز" (٢).
стр. 27
وجاء في مجلة البحوث الإسلامية بالرياض: "نظرا للنهي الثابت في الحديث الصحيح عن ثمن الكلب، فلا شك في رجحان قول الجمهور، بعدم جواز بيعه، وهذا النهي باق، لم يثبت دليل صحيح يصرفه عن ظاهره، بل كل ما تعلق به أصحاب الرأي الثاني؛ القائلون بصحة بيعه، آثار ضعيفة، وتعليلات مردودة، والله تعالى أعلم" (١).
стр. 28
القول الثاني: يجوز بيع الكلاب مُطلقًا.
وهو قول: الحنفية، وراوية عن مالك، وبهذا قال ابن العربي المالكي (١).
أدلتهم:
١ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [سورة المائدة: ٤]
ووجه الاستدلال: أن لفظ الإحلال يقتضي إباحة
стр. 29
سائر وجوه المنافع، والبيع أحدها، فوجب جوازه؛ لعموم اللفظ (١).
قال القرطبي ﵀: "وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن، أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل من الجوارح؛ أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير" (٢).
стр. 30
وأجيب عليه: أن الآية ليس فيها دليل على حل البيع، ولا تعرض له؛ إذ غاية ما فيها إباحة الصيد بهذه الكلاب في قوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فأين ذكر حل البيع؟ وذكر إباحة الثمن؟ (١).
١. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِيًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (٢).
٢. عن سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيِّ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 31
قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ (١).
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» (٢).
وجه الاستدلال: أن الاقتناء هو التملك؛ لأن القنية الملك، يقال: عبد قن، يعني: مملوك، وهذا اللفظ يقتضي إباحة جميع جهات القنية، والشراء أحدها، فوجب جوازه بالعموم (٣).
وأجيب عليه: أنك إذا قلت: إنه جاز للصيد، وللحرث، والماشية، فيجوز بيعه؛ لأن فيه المنافع؛ فمعنى ذلك أنك تزيد على استثناء الشرع، والشرع
وجه الاستدلال: أن لفظ الحديث اقتضى أن تكون الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو ينتظم الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع بها، فدل على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها؛ بسائر وجوه الانتفاع إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل (١).
وأجيب عليه: أن الحديث ضعيف (٢).
٥. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «نَهَى
٦. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ سُحْتٌ: كَسْبُ الْحَجَّامِ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ إِلَّا الْكَلْبُ الضَّارِي» (١).
ووجه الاستدلال: أن إباحة ثمن الكلب المعلم، يدل على جواز بيع الكلاب التي ينتفع بها من
стр. 38
وجهين:
أحدهما: أنه إذا جاز بيع الكلب المعلم، جاز بيع غيره من الكلاب.
والثاني: أن ذكره الكلب المعلم؛ لأجل ما فيه من النفع، فكل ما أمكن الانتفاع به منها، فهو مثله (١).
وأجيب عليه:
١. أن الحديثين ضعيفان (٢).
٢. أن الكلب منع بيعه لنهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب (٣).
стр. 39
وقالوا: وأما ما روي عن النبي ﷺ من الأخبار في النهي عن ثمن الكلب، وأن ثمن الكلب حرام، فإن خبرنا قاض عليها؛ لأن النهي موجود فيه، مع استثناء الكلب المعلم، ولأن النهي كان في حال الأمر بقتلها، وإباحة الاقتناء متأخرة عنه لا محالة (١).
وأجيب عليه:
١ .... أن أحاديث إباحة الكلب المعلم معلولة، لا تصح (٢).
٢. ولا يوجد دليل على النسخ كما تقدم (٣).
стр. 40
وممن قال بهذا القول من الصحابة والتابعين:
١. عن جابر، وأبي هريرة ﵁: «أَنَّهُمَا كَرِهَا ثَمَنَ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ» (١).
٢. عن إبراهيم النخعي، قال: «لَا بَأْسَ بِثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» (٢).