مثال النعت: قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: من الآية ٢٥]
ومثال البدل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: من الآية ٩٧]
ومثال الحال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء: من الآية ٩٣]
المخصص المنفصل:
المخصص المنفصل: ما يستقل بنفسه وهو ثلاثة أشياء: الحس والعقل والشرع.
مثال التخصيص بالحس: قوله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [لاحقاف: من الآية ٢٥] فإن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض.
ومثال التخصيص بالعقل: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [احقاف: من الآية ٣٣] فإن العقل دل على أن ذاته تعالى غير مخلوقة.
ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص، وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ المخصوص لم يكن مراداً عند المتكلم، ولا المخاطب من أول الأمر، وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص.
وأما التخصيص بالشرع، فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما، وبالإجماع والقياس.
مثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [لبقرة: من الآية ٢٢٨].
خص بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
стр. 37
ثمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٤٩].
ومثال تخصيص الكتاب بالسنة: آيات المواريث؛ كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء: من الآية ١١] ونحوها خص بقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (١)
ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: من الآية ٤] خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد أربعين، هكذا مثل كثير من الأصوليين، وفيه نظر لثبوت الخلاف في ذلك، ولم أجد له مثالاً سليماً.
ومثال تخصيص الكتاب بالقياس: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: من الآية ٢]
خص بقياس العبد الزاني على الأمة في تنصيف العذاب؛ والاقتصار على خمسين جلدة، على المشهور.
ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ...»، الحديث (٢). خص بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
стр. 38
وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]
ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر» (١) خص بقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٢).
ولم أجد مثالاً لتخصيص السنة بالإجماع.
ومثال تخصيص السنة بالقياس: قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام» (٣)، خص بقياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب، والاقتصار على خمسين جلدة، على المشهور.
стр. 39
المُطلَق والمقَيَد
تعريف المطلق:
المطلق لغة: ضد المقيد.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بلا قيد؛ كقوله تعالى: ﴿تحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة ٣]
فخرج بقولنا: «ما دل على الحقيقة»؛ العام لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة فقط.
وخرج بقولنا: «بلا قيد»؛ المقيد.
تعريف المقيد:
المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بقيد؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٩٢]
فخرج بقولنا: «قيد»؛ المطلق.
العمل بالمطلق:
يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده؛ لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
وإذا ورد نص مطلق، ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن
стр. 40
كان الحكم واحداً، وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد.
مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] وقوله في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٩٢] الحكم واحد هو تحرير الرقبة، فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل، ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما.
ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: من الآية ٣٨] وقوله في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ [المائدة: من الآية ٦] فالحكم مختلف، ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل؛ فلا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على إطلاقها ويكون القطْع من الكوعِ مفصلِ الكف، والغسل إلى المرافق.
стр. 41
المُجْمَلُ والمبَيَّن
تعريف المجمل:
المجمل لغة: المبهم والمجموع.
واصطلاحاً: ما يتوقف فهم المراد منه على غيره، إما في تعيينه أو بيان صفته أو مقداره.
مثال ما يحتاج إلى غيره في تعيينه: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٨]. فإن القرء لفظ مشترك بين الحيض والطهر، فيحتاج في تعيين أحدهما إلى دليل.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان صفته: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ [البقرة: من الآية ٤٣]، فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ [البقرة: من الآية ٤٣]، فإن مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان.
تعريف المبيَّن:
المبيَّن لغة: المظهر والموضح.
واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه، إما بأصل الوضع أو بعد التبيين.
مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ سماء، أرض،
стр. 42
جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع، ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها.
ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: من الآية ٤٣]، فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل، ولكن الشارع بيَّنهما، فصار لفظهما بيِّناً بعد التبيين.
العمل بالمجمل:
يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه.
والنبي ﷺ قد بيَّن لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها، حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها، ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً.
وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً.
مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر»؛ بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: من الآية ٤٣].
ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت﴾ [آل عمران: من الآية ٩٧].
وكذلك صلاته الكسوف على صفتها، هي في الواقع بيان
стр. 43
لمجمل قوله ﷺ : «فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا» (١).
ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة، فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال ﷺ : «إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ...»، الحديث (٢).
وكان بالفعل أيضاً، كما في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قام على المنبر فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ... ، الحديث، وفيه: ثم أقبل على الناس وقال: «إنما فعلت هذا؛ لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (٣).
стр. 44
الظَّاهِر والمؤَوَّل
تعريف الظاهر:
الظاهر لغة: الواضح والبين.
واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره. مثاله قوله ﷺ : «توضؤوا من لحوم الإبل» (١)، فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية دون الوضوء الذي هو النظافة.
فخرج بقولنا: «ما دل بنفسه على معنى»؛ المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه.
وخرج بقولنا: «راجح»؛ المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة.
وخرج بقولنا: «مع احتمال غيره»؛ النص الصريح؛ لأنه لا يحتمل إلا معنًى واحداً.
العمل بالظاهر:
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه
стр. 45
طريقة السلف، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، وأقوى في التعبد والانقياد.
تعريف المؤول:
المؤول لغة: من الأَوَل وهو الرجوع.
واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح.
فخرج بقولنا: «على المعنى المرجوح»؛ النص والظاهر.
أما النص، فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح.
والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
١ - فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح؛ كتأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ إلى معنى: واسأل أهل القرية، لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
٢ - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح؛ كتأويل المعطلة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] إلى معنى استولى، والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل.
стр. 46
النَّسْخ
تعريفه:
النسخ لغة: الإزالة والنقل.
واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة.
فالمراد بقولنا: «رفع حكم»؛ أي: تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً.
فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع، مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب، أو وجوب الصلاة لوجود الحيض؛ فلا يسمى ذلك نسخاً.
والمراد بقولنا: «أو لفظه»، لفظ الدليل الشرعي؛ لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ أو بالعكس أو لهما جميعاً؛ كما سيأتي.
وخرج بقولنا: «بدليل من الكتاب والسنة»؛ ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس فلا ينسخ بهما.
والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً.
أما جوازه عقلاً: فلأن الله بيده الأمر، وله الحكم؛ لأنه الرب المالك، فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته، وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ثم إن مقتضى
стр. 47
حكمة الله ورحمته بعباده أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم، والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان، فقد يكون الحكم في وقت أو حال أصلح للعباد، ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح، والله عليم حكيم.
وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها:
١ - قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: من الآية ١٠٦]
٢ - قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم﴾ [لأنفال: من الآية ٦٦] ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنّ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٧] فإن هذا نص في تغيير الحكم السابق.
٣ - قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (١) فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور.
ما يمتنع نسخه:
يمتنع النسخ فيما يأتي:
١ - الأخبار، لأن النسخ محله الحكم، ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذباً، والكذب مستحيل في أخبار الله ورسوله، اللهم إلا أن يكون الحكم أتى بصورة الخبر، فلا يمتنع نسخه كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [لأنفال: من الآية ٦٥] الآية، فإن هذا خبر معناه الأمر، ولذا جاء
стр. 48
نسخه في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. [لأنفال: من الآية ٦٦].
٢ - الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان: كالتوحيد، وأصول الإيمان وأصول العبادات ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف، والكرم والشجاعة، ونحو ذلك؛ فلا يمكن نسخ الأمر بها، وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان كالشرك والكفر ومساويء الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن ونحو ذلك، إذ الشرائع كلها لمصالح العباد ودفع المفاسد عنهم.
شروط النسخ:
يشترط للنسخ فيما يمكن نسخه شروط منها:
١ - تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بكل منهما.
٢ - العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي أو بالتاريخ.
مثال ما علم تأخره بالنص: قوله ﷺ : «كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة» (١).
ومثال ما علم بخبر الصحابي: قول عائشة ﵂: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم
стр. 49
نسخن بخمس معلومات (١).
ومثال ما علم بالتاريخ: قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية؛ فقوله: «الآن» يدل على تأخر هذا الحكم. وكذا لو ذكر أن النبي ﷺ حكم بشيء قبل الهجرة، ثم حكم بعدها بما يخالفه، فالثاني ناسخ.
٣ - ثبوت الناسخ، واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ أو مماثلاً له؛ فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد، وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى أو مماثلاً؛ لأن محل النسخ الحكم، ولا يشترط في ثبوته التواتر.
أقسام النسخ:
ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهذا هو الكثير في القرآن.
مثاله: آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [لأنفال: من الآية ٦٥]، نسخ حكمها بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [لأنفال:٦٦]
وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ، بقاء ثواب التلاوة، وتذكير الأمة بحكمة النسخ.
الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كآية الرجم، فقد ثبت في
стр. 50
«الصحيحين» (١) من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، وقامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف.
وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة.
الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات السابق في حديث عائشة ﵂.
وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن؛ ومثاله آيتا المصابرة.
الثاني: نسخ القرآن بالسنّة؛ ولم أجد له مثالاً سليماً.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ [البقرة: (١٤٤)،١٤٤، (١٤٩)، ١٥٠].
الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله ﷺ : «كنت نهيتكم
стр. 51
عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً» (١).
حكمة النسخ:
للنسخ حِكَمٌ متعددة منها:
١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم.
٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.
٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك.
٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف، ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل
стр. 52
الأخبار
تعريف الخبر:
الخبر لغة: النبأ.
والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
وقد سبق الكلام على أحكام كثيرٍ من القول.
وأما الفعل فإن فعله ﷺ أنواع:
الأول: ما فعله بمقتضى الجبلّة؛ كالأكل والشرب والنوم، فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأموراً به أو منهيًّا عنه لسبب، وقد يكون له صفة مطلوبة كالأكل باليمين، أو منهي عنها كالأكل بالشمال.
الثاني: ما فعله بحسب العادة؛ كصفة اللباس فمباح في حدِّ ذاته، وقد يكون مأموراً به أو منهيًّا عنه لسبب.
الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية؛ فيكون مختصًّا به، كالوصال في الصوم والنكاح بالهبة.
ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل؛ لأن الأصل التأسي به.
الرابع: ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه، ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال، وذلك لأن فعله تعبداً يدل على مشروعيته، والأصل عدم
стр. 53
العقاب على الترك فيكون مشروعاً لا عقاب في تركه، وهذا حقيقة المندوب.
مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (١)، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل، فيكون مندوباً.
ومثال آخر: كان النبي ﷺ يخلل لحيته في الوضوء (٢). فتخليل اللحية ليس داخلاً في غسل الوجه، حتى يكون بياناً لمجمل، وإنما هو فعل مجرد فيكون مندوباً.
الخامس: ما فعله بياناً لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان لوجوب التبليغ عليه، ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا، فإن كان واجباً كان ذلك الفعل واجباً، وإن كان مندوباً كان ذلك الفعل مندوباً.
مثال الواجب: أفعال الصلاة الواجبة التي فعلها النبي ﷺ بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: من الآية ٤٣].
ومثال المندوب: صلاته ﷺ ركعتين خلف المقام بعد أن
стр. 54
فرغ من الطواف (١) بياناً لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: من الآية ١٢٥] حيث تقدم ﷺ إلى مقام إبراهيم وهو يتلو هذه الآية، والركعتان خلف المقام سنة.
وأما تقريره ﷺ على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولاً كان أم فعلاً.
مثال إقراراه على القول: إقراره الجارية التي سألها: «أين الله؟» قالت: في السماء (٢).
ومثال إقراراه على الفعل: إقراره صاحب السَّرية الذي كان يقرأ لأصحابه، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الاخلاص: (١)، فقال النبي ﷺ : «سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك»، فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه» (٣).
ومثال آخر: إقراره الحبشة يلعبون في المسجد (٤)؛ من أجل التأليف على الإسلام.
стр. 55
فأما ما وقع في عهده ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه، ولكنه حجة لإقرار الله له، ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه، قال جابر ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل، متفق عليه (١)، زاد مسلم: قال سفيان: ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن.
ويدل على أن إقرار الله حجة، أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم، فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز.
أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه:
ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، وموقوف، ومقطوع.
١ - فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ حقيقة أو حكماً.
فالمرفوع حقيقة: قول النبي ﷺ وفعله وإقراره.
والمرفوع حكماً: ما أضيف إلى سنته، أو عهده، أو نحو ذلك، مما لا يدل على مباشرته إياه.
стр. 56
ومنه قول الصحابي: أمِرنا أو نهينا، أو نحوهما؛ كقول ابن عباس ﵄: أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض (١).
وقول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (٢).
٢ - والموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، وهو حجة على القول الراجح، إلا أن يخالف نصًّا أو قول صحابي آخر، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص، وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح منهما.
والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك.
٣ - والمقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن بعده.
والتابعي: من اجتمع بالصحابي مؤمناً بالرسول ﷺ ، ومات على ذلك.
أقسام الخبر باعتبار طرقه:
ينقسم الخبر باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد:
١ - فالمتواتر: ما رواه جماعة كثيرون، يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس
стр. 57
مثاله: قوله ﷺ : «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١).
٢ - والآحاد: ما سوى المتواتر.
وهو من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.
فالصحيح: ما نقله عدل تام الضبط بسند متصل، وخلا من الشذوذ والعلة القادحة.
والحسن: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل، وخلا من الشذوذ والعلة القادحة، ويصل إلى درجة الصحيح إذا تعددت طرقه ويسمى: صحيحاً لغيره.
والضعيف: ما خلا من شرط الصحيح والحسن.
ويصل إلى درجة الحسن إذا تعدت طرقة، على وجه يجبر بعضها بعضاً، ويسمى: حسناً لغيره.
وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف، فليس بحجة، لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها.
صِيَغ الأداء:
للحديث تحمّل وأداء.
стр. 58
فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير.
والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير.
وللأداء صيغ منها:
١ - حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ.
٢ - أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ، أو قرأ هو على الشيخ.
٣ - أخبرني إجازة، أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة.
والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه، وإن لم يكن بطريق القراءة.
٤ - العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ «عن».
وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس، فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث.
هذا وللبحث في الحديث ورواته أنواع كثيرة في علم المصطلح، وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى.
стр. 59
الإجماع
تعريفه:
الإجماع لغة: العزم والاتفاق.
واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي.
فخرج بقولنا: «اتفاق»؛ وجود خلاف ولو من واحد، فلا ينعقد معه الإجماع.
وخرج بقولنا: «مجتهدي»؛ العوام والمقلدون، فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم.
وخرج بقولنا: «هذه الأمة»؛ إجماع غيرها فلا يعتبر.
وخرج بقولنا: «بعد النبي ﷺ »؛ اتفاقهم في عهد النبي ﷺ فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً، لأن الدليل حصل بسنة النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، ولذلك إذا قال الصحابي: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ ؛ كان مرفوعاً حكماً، لا نقلاً للإجماع.
وخرج بقولنا: «على حكم شرعي»؛ اتفاقهم على حكم عقلي، أو عادي فلا مدخل له هنا، إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع.
والإجماع حجة لأدلة منها:
стр. 60
١ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ [البقرة: من الآية ١٤٣] فقوله: شهداء على الناس، يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم، والشهيد قوله مقبول.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: من الآية ٥٩] دل على أن ما اتفقوا عليه حق.
٣ - قوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة». (١)
٤ - أن نقول: إجماع الأمة على شيء، إما أن يكون حقًّا، وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقًّا فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟ هذا من أكبر المحال.
أنواع الإجماع:
الإجماع نوعان: قطعي وظني.
١ - فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة كالإجماع
стр. 61
على وجوب الصلوات الخمس وتحريم الزنى، وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة، ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله.
٢ - والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء. وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته، وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في «العقيدة الواسطية» (١): «والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة». اهـ.
واعلم أن الأمة لا يمكن أن تجمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ، فإنها لا تجمع إلا على حق، وإذا رأيت إجماعاً تظنه مخالفاً لذلك، فانظر فإما أن يكون الدليل غير صحيح، أو غير صريح، أو منسوخاً، أو في المسألة خلاف لم تعلمه.
شروط الإجماع:
للإجماع شروط منها:
١ - أن يثبت بطريق صحيح، بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقله ثقة واسع الاطلاع.
٢ - أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع، لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها.
فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه، وقيل: لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة،
стр. 62
ويكون حجة على من بعده، ولا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين فينعقد الإجماع من أهله بمجرد اتفاقهم، ولا يجوز لهم ولا لغيرهم مخالفته بعد، لأن الأدلة على أن الإجماع حجة ليس فيها اشتراط انقراض العصر، ولأن الإجماع حصل ساعة اتفاقهم فما الذي يرفعه؟
وإذا قال بعض المجتهدين قولاً أو فعل فعلاً، واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد، ولم ينكروه مع قدرتهم على الإنكار، فقيل: يكون إجماعاً، وقيل: يكون حجة لا إجماعاً، وقيل: ليس بإجماع ولا حجة، وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع؛ لأن استمرار سكوتهم إلى الانقراض مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم، وهذا أقرب الأقوال.
стр. 63
القياس
تعريفه:
القياس لغة: التقدير والمساواة.
واصطلاحاً: تسوية فرع بأصل في حكم لعلَّة جامعة بينهما.
فالفرع: المقيس.
والأصل: المقيس عليه.
والحكم: ما اقتضاه الدليل الشرعي من وجوب، أو تحريم، أو صحة، أو فساد، أو غيرها.
والعلة: المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل، وهذه الأربعة أركان القياس، والقياس أحد الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية.
وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيًّا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فمن أدلة الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان﴾ [الشورى: من الآية ١٧] والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها.
٢ - قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه﴾ [الانبياء: من الآية ١٠٤] ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] فشبّه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه، وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض، وهذا هو القياس.
стр. 64
ومن أدلة السنة:
١ - قوله ﷺ لمن سألته عن الصيام عن أمها بعد موتها: «أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته؛ أكان يؤدي ذلك عنها»؟ قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك» (١).
٢ - أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ولد لي غلام أسود! فقال: «هل لك من إبل»؟ قال: نعم، قال: «ما ألوانها»؟ قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق»؟ قال: نعم، قال: «فأنى ذلك»؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (٢).
وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره.
ومن أقوال الصحابة: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه (٣) إلى أبي موسى الأشعري في القضاء قال: ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عندك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق.
стр. 65
قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول.
وحكى المزني أن الفقهاء من عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام.
شروط القياس:
للقياس شروط منها:
١ - أن لا يصادم دليلاً أقوى منه، فلا اعتبار بقياس يصادم النص أو الإجماع أو أقوال الصحابة إذا قلنا: قول الصحابي حجة، ويسمى القياس المصادم لما ذكر: «فاسد الاعتبار».
مثاله: أن يقال: يصح أن تزوج المرأة الرشيدة نفسها بغير ولي قياساً على صحة بيعها مالها بغير ولي.
فهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص، وهو قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (١).
٢ - أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع، فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه، وإنما يقاس على الأصل الأول؛ لأن الرجوع إليه أولى، ولأن قياس الفرع عليه الذي جعل أصلاً قد يكون غير صحيح، ولأن القياس على الفرع ثم الفرع على الأصل تطويل بلا فائدة.
стр. 66
مثال ذلك: أن يقال: يجري الربا في الذرة قياساً على الرز، ويجري في الرز قياساً على البر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال: يجري الربا في الذرة قياساً على البر؛ ليقاس على أصل ثابت بنص.
٣ - أن يكون لحكم الأصل علة معلومة؛ ليمكن الجمع بين الأصل والفرع فيها، فإن كان حكم الأصل تعبديًّا محضاً لم يصح القياس عليه.
مثال ذلك: أن يقال: لحم النعامة ينقض الوضوء قياساً على لحم البعير لمشابهتها له، فيقال: هذا القياس غير صحيح لأن حكم الأصل ليس له علة معلومة، وإنما هو تعبدي محض على المشهور.
٤ - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم يعلم من قواعد الشرع اعتباره؛ كالإسكار في الخمر.
فإن كان المعنى وصفاً طرديًّا لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به؛ كالسواد والبياض مثلاً.
مثال ذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود (١)، فقوله: «أسود»؛ وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم، ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض، ولا يثبت لها إذا عتقت تحت حر، وإن كان أسود.
٥ - أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل؛
стр. 67
كالإيذاء في ضرب الوالدين المقيس على التأفيف، فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس.
مثال ذلك: أن يقال العلة في تحريم الربا في البر كونه مكيلاً، ثم يقال: يجري الربا في التفاح قياساً على البر، فهذا القياس غير صحيح، لأن العلة غير موجودة في الفرع، إذ التفاح غير مكيل.
أقسام القياس:
ينقسم القياس إلى جليّ وخفيٍّ.
١ - فالجلي: ما ثبتت علته بنص، أو إجماع، أو كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة، فإن علة حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود ﵁ إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة؛ ليستنجي بهن، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: «هذا ركس» (١) والركس النجس.
ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان (٢)، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي، لثبوت علة الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب.
стр. 68
ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما.
٢ - والخفي: ما ثبتت علته باستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل، فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان.
قياس الشبه:
ومن القياس ما يسمى: ب- «قياس الشبه» وهو أن يتردد فرع بين أصلين مختلفي الحكم، وفيه شبه بكل منهما، فيلحق بأكثرهما شبهاً به، مثال ذلك: العبد هل يملك بالتمليك قياساً على الحر أو لا يملك قياساً على البهيمة؟
إذا نظرنا إلى هذين الأصلين الحر والبهيمة وجدنا أن العبد متردد بينهما، فمن حيث أنه إنسان عاقل يثاب ويعاقب وينكح ويطلق؛ يشبه الحر، ومن حيث أنه يباع ويرهن ويوقف ويوهب ويورث ولا يودع ويضمن بالقيمة ويتصرف فيه؛ يشبه البهيمة، وقد وجدنا أنه من حيث التصرف المالي أكثر شبهاً بالبهيمة فيلحق بها
وهذا القسم من القياس ضعيف إذ ليس بينه وبين الأصل علة مناسبة سوى أنه يشبهه في أكثر الأحكام مع أنه ينازعه أصل آخر.
стр. 69
قياس العكس:
ومن القياس ما يسمى ب- «قياس العكس» وهو: إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه.
ومثلوا لذلك بقوله ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (١).
فأثبت النبي ﷺ للفرع وهو الوطء الحلال نقيض حكم الأصل وهو الوطء الحرام لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه، أثبت للفرع أجراً لأنه وطء حلال، كما أن في الأصل وزراً لأنه وطء حرام.
стр. 70
التعارض
تعريفه:
التعارض لغة: التقابل والتمانع.
واصطلاحاً: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر.
وأقسام التعارض أربعة:
الأول: أن يكون بين دليلين عامين وله أربع حالات:
١ - أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع.
مثال ذلك: قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: من الآية ٥٢] وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: من الآية ٥٦] والجمع بينهما أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق وهذه ثابتة للرسول ﷺ .
والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل، وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول ﷺ ولا غيره.
٢ - فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول.
مثال ذلك: قوله تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٤] فهذه الآية تفيد
стр. 71
التخيير بين الإطعام والصيام مع ترجيح الصيام، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: من الآية ١٨٥] تفيد تعيين الصيام أداء في حق غير المريض والمسافر، وقضاءً في حقهما، لكنها متأخرة عن الأولى، فتكون ناسخة لها كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع الثابت في «الصحيحين» (١) وغيرهما.
٣ - فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
مثال ذلك: قوله ﷺ : «من مس ذكره فليتوضأ» (٢) وسئل ﷺ عن الرجل يمس ذكره؛ أعليه الوضوء؟ قال: «لا إنما هو بضعة منك» (٣)، فيرجح الأول؛ لأنه أحوط، ولأنه أكثر طرقاً، ومصححوه أكثر، ولأنه ناقل عن الأصل، ففيه زيادة علم.
стр. 72
٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولا يوجد له مثال صحيح.
القسم الثاني: أن يكون التعارض بين خاصين، فله أربع حالات أيضاً.
١ - أن يمكن الجمع بينهما فيجب الجمع.
مثاله حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم النحر بمكة (١) وحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صلاها بمنى (٢)، فيجمع بينهما بأنه صلاها بمكة، ولما خرج إلى منى أعادها بِمَنْ فيها من أصحابه.
٢ - فإن لم يمكن الجمع، فالثاني ناسخ إن علم التاريخ.
مثاله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥٠]، وقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
стр. 73
حُسْنُهُن﴾ [الأحزاب: من الآية ٥٢]، فالثانية ناسخة للأولى على أحد الأقوال.
٣ - فإن لم يمكن النسخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
مثاله: حديث ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال (١) وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم (٢)، فالراجح الأول لأن ميمونة صاحبة القصة فهي أدرى بها، ولأن حديثها مؤيد بحديث أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال قال: وكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُما (٣).
٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولا يوجد له مثال صحيح.
القسم الثالث: أن يكون التعارض بين عام وخاص فيخصص العام بالخاص.
стр. 74
مثاله: قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر» (١) وقوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٢) فيخصص الأول بالثاني، ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق.
القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه. فله ثلاث حالات:
١ - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٤]، وقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: من الآية ٤] فالأولى خاصة في المتوفى عنها عامة في الحامل وغيرها. والثانية خاصة في الحامل عامة في المتوفى عنها، وغيرها لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية، وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج (٣)، وعلى هذا فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل سواء كانت متوفى عنها أم غيرها.
стр. 75
٢ - وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
مثال ذلك: قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١) وقوله: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (٢).
فالأول خاص في تحية المسجد عام في الوقت، والثاني خاص في الوقت عام في الصلاة، يشمل تحية المسجد وغيرها لكن الراجح تخصيص عموم الثاني بالأول، فتجوز تحية المسجد في الأوقات المنهي عن عموم الصلاة فيها، وإنما رجحنا ذلك لأن تخصيص عموم الثاني قد ثبت بغير تحية المسجد؛ كقضاء المفروضة وإعادة الجماعة؛ فضعف عمومه.
٣ - وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني، وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه، والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها.
لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على