← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9942

الأصول من علم الأصول

ابن عثيمين

Полный текст (93 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المؤلف الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في أصول الفقه كتبناها على وفق المنهج المقرر للسنة الثالثة الثانوية في المعاهد العلمية، وسميناها: «الأصول من علم الأصول» أسأل اللهَ أن يجعل عملنا خالصاً لله نافعاً لعباد الله، إنه قريب مجيب.

стр. 2

أصُول الفِقْه تعريفه: أصول الفقه يعرّف باعتبارين: الأول: باعتبار مفردَيهِ؛ أي: باعتبار كلمة أصول، وكلمة فقه. فالأصول: جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه أغصانها قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [ابراهيم:٢٤]. والفقه لغة: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٧] واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. فالمراد بقولنا: «معرفة»؛ العلم والظن؛ لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيًّا، وقد يكون ظنيًّا، كما في كثير من مسائل الفقه. والمراد بقولنا: «الأحكام الشرعية»؛ الأحكام المتلقاة من الشرع؛ كالوجوب والتحريم، فخرج به الأحكام العقلية؛ كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية؛ كمعرفة نزول الطل في الليلة الشاتية إذا كان الجو صحواً.

стр. 3

والمراد بقولنا: «العملية»؛ ما لا يتعلق بالاعتقاد؛ كالصلاة والزكاة، فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد؛ كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته، فلا يسمّى ذلك فقهاً في الاصطلاح. والمراد بقولنا: «بأدلتها التفصيلية»؛ أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية؛ فخرج به أصول الفقه؛ لأن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية. الثاني: باعتبار كونه؛ لقباً لهذا الفن المعين، فيعرف بأنه: علم يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. فالمراد بقولنا: «الإجمالية»؛ القواعد العامة مثل قولهم: الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصحة تقتضي النفوذ، فخرج به الأدلة التفصيلية فلا تذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل للقاعدة. والمراد بقولنا: «وكيفية الاستفادة منها»؛ معرفة كيف يستفيد الأحكام من أدلتها بدراسة أحكام الألفاظ ودلالاتها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وناسخ ومنسوخ وغير ذلك، فإنَّه بإدراكه يستفيد من أدلة الفقه أحكامها. والمراد بقولنا: «وحال المستفيد»؛ معرفة حال المستفيد وهو المجتهد، سمي مستفيداً؛ لأنه يستفيد بنفسه الأحكام من أدلتها لبلوغه مرتبة الاجتهاد، فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه. فائدة أصول الفقه: إن أصول الفقه علم جليل القدر، بالغ الأهمية، غزير

стр. 4

الفائدة، فائدته: التَّمَكُّن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أسس سليمة. وأول من جمعه كفنٍ مستقل الإمام الشافعي محمد بن إدريس ﵀، ثم تابعه العلماء في ذلك، فألفوا فيه التآليف المتنوعة، ما بين منثور، ومنظوم، ومختصر، ومبسوط حتى صار فنًّا مستقلًّا، له كيانه، ومميزاته.

стр. 5

الأحكام الأحكام: جمع حُكم وهو لغةً: القضاء. واصطلاحاً: ما اقْتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب، أو تخيير، أو وضع. فالمراد بقولنا: «خطاب الشرع»؛ الكتاب والسنة. والمراد بقولنا: «المتعلق بأفعال المكلفين»؛ ما تعلق بأعمالهم سواء كانت قولاً أم فعلاً، إيجاداً أم تركاً. فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح. والمراد بقولنا: «المكلفين»؛ ما من شأنهم التكليف فيشمل الصغير والمجنون. والمراد بقولنا: «من طلب»؛ الأمر والنهي سواء على سبيل الإلزام، أو الأفضلية. والمراد بقولنا: «أو تخيير»؛ المباح. والمراد بقولنا: «أو وضع»؛ الصحيح والفاسد ونحوهما مما وضعه الشارع من علامات وأوصاف للنفوذ والإلغاء. أقسام الأحكام الشرعية: تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية.

стр. 6

فالتكليفية خمسة: الواجب والمندوب والمحرَّم والمكروه والمباح. ١ - فالواجب لغة: الساقط واللازم. واصطلاحاً: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام؛ كالصلوات الخمس. فخرج بقولنا: «ما أمر به الشارع»؛ المحرم والمكروه والمباح. وخرج بقولنا: «على وجه الإلزام»؛ المندوب. والواجب يثاب فاعله امتثالاً، ويستحق العقاب تاركُه. ويُسمَّى: فرضاً وفريضة وحتماً ولازماً. ٢ - والمندوب لغة: المدعوُّ. واصطلاحاً: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام؛ كالرواتب. فخرج بقولنا: «ما أمر به الشارع»؛ المحرم والمكروه والمباح. وخرج بقولنا: «لا على وجه الإلزام»؛ الواجب. والمندوب يثاب فاعله امتثالاً، ولا يعاقب تاركه. ويُسمَّى سنة ومسنوناً ومستحباً ونفلاً. ٣ - والمحرم لغة: الممنوع. واصطلاحاً: ما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام بالترك؛ كعقوق الوالدين. فخرج بقولنا: «ما نهى عنه الشارع»؛ الواجب والمندوب والمباح.

стр. 7

وخرج بقولنا: «على وجه الإلزام بالترك»؛ المكروه. والمحرم يثاب تاركه امتثالاً، ويستحق العقاب فاعله. ويسمى: محظوراً أو ممنوعاً. ٤ - والمكروه لغة: المبغض. واصطلاحاً: ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك؛ كالأخذ بالشمال والإعطاء بها. فخرج بقولنا: «ما نهى عنه الشارع»؛ الواجب والمندوب والمباح. وخرج بقولنا: «لا على وجه الإلزام بالترك»؛ المحرم. والمكروه: يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله. ٥ - والمباح لغة: المعلن والمأذون فيه. واصطلاحاً: ما لا يتعلق به أمر، ولا نهي لذاته؛ كالأكل في رمضان ليلاً. فخرج بقولنا: «ما لا يتعلق به أمر»؛ الواجب والمندوب. وخرج بقولنا: «ولا نهي»؛ المحرم والمكروه. وخرج بقولنا: «لذاته»؛ ما لو تعلق به أمر لكونه وسيلة لمأمور به، أو نهي لكونه وسيلة لمنهي عنه، فإن له حكم ما كان وسيلة له من مأمور، أو منهي، ولا يخرجه ذلك عن كونه مباحاً في الأصل. والمباح ما دام على وصف الإباحة، فإنه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب. ويسمى: حلالاً وجائزاً.

стр. 8

الأحكام الوضعية: الأحكام الوضعية: ما وضعه الشارع من أمارات، لثبوت أو انتفاء، أو نفوذ، أو إلغاء. ومنها: الصحة والفساد. ١ - فالصحيح لغة: السليم من المرض. واصطلاحاً: ما ترتبت آثار فعله عليه عبادةً كان أم عقداً. فالصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة، وسقط به الطلب. والصحيح من العقود: ما ترتبت آثاره على وجوده؛ كترتب الملك على عقد البيع مثلاً. ولا يكون الشيء صحيحاً إلا بتمام شروطه وانتفاء موانعه. مثال ذلك في العبادات: أن يأتي بالصلاة في وقتها تامة شروطها وأركانها وواجباتها. ومثال ذلك في العقود: أن يعقد بيعاً تامة شروطه المعروفة مع انتفاء موانعه. فإن فُقِد شرطٌ من الشروط، أو وُجِد مانع من الموانع امتنعت الصحة. مثال فَقْد الشرط في العبادة: أن يصلي بلا طهارة. ومثال فقد الشرط في العقد: أن يبيع ما لا يملك. ومثال وجود المانع في العبادة: أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي. ومثال وجود المانع في العقد: أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئاً، بعد ندائها الثاني على وجه لا يباح.

стр. 9

٢ - والفاسد لغة: الذاهب ضياعاً وخسراً. واصطلاحاً: ما لا تترتب آثار فعله عليه عبادةً كان أم عقداً. فالفاسد من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة، ولا يسقط به الطلب؛ كالصلاة قبل وقتها. والفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه؛ كبيع المجهول. وكل فاسد من العبادات والعقود والشروط فإنه محرّم؛ لأن ذلك مِنْ تعدِّي حدود الله، واتخاذِ آياته هزؤاً، ولأن النبي ﷺ أنكر على من اشترطوا شروطاً ليست في كتاب الله. (١) والفاسد والباطل بمعنى واحد إلا في موضعين: الأول: في الإحرام؛ فرّقوا بينهما بأن الفاسد ما وطئ فيه المُحرمِ قبل التحلل الأول، والباطل ما ارتد فيه عن الإسلام. الثاني: في النكاح؛ فرقوا بينهما بأن الفاسد ما اختلف العلماء في فساده كالنكاح بلا ولي، والباطل ما أجمعوا على بطلانه كنكاح المعتدة.

стр. 10

العِلم تعريفه: العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً؛ كإدراك أن الكل أكبر من الجزء، وأن النية شرط في العبادة. فخرج بقولنا: «إدراك الشيء»؛ عدم الإدراك بالكلية ويسمّى «الجهل البسيط»، مثل أن يُسأل: متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: لا أدري. وخرج بقولنا: «على ما هو عليه»؛ إدراكه على وجه يخالف ما هو عليه، ويسمّى «الجهل المركب»، مثل أن يُسأل: متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: في السنة الثالثة من الهجرة. وخرج بقولنا: «إدراكاً جازماً»؛ إدراك الشيء إدراكاً غير جازم، بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه، فلا يسمى ذلك علماً. ثم إن ترجح عنده أحد الاحتمالين فالراجح ظن والمرجوح وَهم، وإن تساوى الأمران فهو شك. وبهذا تبيّن أن تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي: ١ - علم؛ وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. ٢ - جهل بسيط؛ وهو عدم الإدراك بالكلية.

стр. 11

٣ - جهل مركب؛ وهو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه. ٤ - ظن، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. ٥ - وهم، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ راجح. ٦ - شك، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضدٍّ مساو. أقسام العلم: ينقسم العلم إلى قسمين: ضروري ونظري. ١ - فالضروري: ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريًّا، بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال؛ كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، وأن النار حارة، وأن محمداً رسول الله. ٢ - والنظري: ما يحتاج إلى نظر واستدلال؛ كالعلم بوجوب النية في الصلاة.

стр. 12

الكلام تعريفه: الكلام لغة: اللفظ الموضوع لمعنى. واصطلاحاً: اللفظ المفيد مثل: الله ربنا ومحمد نبينا. وأقل ما يتألف منه الكلام اسمان، أو فعل واسم. مثال الأول: محمد رسول الله، ومثال الثاني: استقام محمد. وواحد الكلام كلمة وهي: اللفظ الموضوع لمعنى مفرد وهي إما اسم، أو فعل، أو حرف. أ - فالاسم: ما دل على معنى في نفسه من غير إشعار بزمن. وهو ثلاثة أنواع: الأول: ما يفيد العموم كالأسماء الموصولة. الثاني: ما يفيد الإطلاق كالنكرة في سياق الإثبات. الثالث: ما يفيد الخصوص كالأعلام. ب - والفعل: ما دل على معنى في نفسه، وأشعر بهيئته بأحد الأزمنة الثلاثة. وهو إما ماضٍ كـ «فَهِمَ»، أو مضارع كـ «يَفْهَمُ»، أو أمر كَـ «اِفْهَمْ». والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له. ج - والحرف: ما دل على معنى في غيره، ومنه:

стр. 13

١ - الواو: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، ولا تقتضي الترتيب، ولا تنافيه إلا بدليل. ٢ - الفاء: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم مع الترتيب والتعقيب، وتأتي سببية فتفيد التعليل ٣ - اللام الجارّة. ولها معانٍ منها: التعليل والتمليك والإباحة. ٤ - على الجارّة. ولها معانٍ منها: الوجوب. أقسام الكلام: ينقسم الكلام باعتبار إمكان وصفه بالصدق وعدمه إلى قسمين: خبر وإنشاء. ١ - فالخبر: ما يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب لذاته. فخرج بقولنا: «ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب»؛ الإنشاء؛ لأنه لا يمكن فيه ذلك، فإن مدلوله ليس مخبراً عنه حتى يمكن أن يقال: إنه صدق أو كذب. وخرج بقولنا: «لذاته»؛ الخبر الذي لا يحتمل الصدق، أو لا يحتمل الكذب باعتبار المخبر به، وذلك أن الخبر من حيث المخبر به ثلاثة أقسام: الأول - ما لا يمكن وصفه بالكذب؛ كخبر الله ورسوله الثابت عنه. الثاني - ما لا يمكن وصفه بالصدق؛ كالخبر عن المستحيل شرعاً أو عقلاً، فالأول: كخبر مدعي الرسالة بعد النبي ﷺ ، والثاني: كالخبر عن اجتماع النقيضين كالحركة والسكون في عين واحدة في زمن واحد.

стр. 14

الثالث: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب إما على السواء، أو مع رجحان أحدهما، كإخبار شخص عن قدوم غائب ونحوه. ٢ - والإنشاء: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق والكذب، ومنه الأمر والنهي. كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: من الآية ٣٦] وقد يكون الكلام خبراً إنشاء باعتبارين؛ كصيغ العقود اللفظية مثل: بعت وقبلت، فإنها باعتبار دلالتها على ما في نفس العاقد خبر، وباعتبار ترتب العقد عليها إنشاء. وقد يأتي الكلام بصورة الخبر والمراد به الإنشاء وبالعكس لفائدة. مثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٨] فقوله: يتربصن بصورة الخبر والمراد بها الأمر، وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به، حتى كأنه أمر واقع، يتحدث عنه كصفة من صفات المأمور. ومثال العكس: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: من الآية ١٢] فقوله: «ولنحمل» بصورة الأمر والمراد بها الخبر، أي: ونحن نحمل. وفائدة ذلك تنزيل الشيء المخبر عنه منزلة المفروض الملزم به. الحقيقة والمجاز: وينقسم الكلام من حيث الاستعمال إلى حقيقةٍ ومجازٍ. ١ - فالحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له، مثل: أسد للحيوان المفترس. فخرج بقولنا: «المستعمل»؛ المهمل، فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.

стр. 15

وخرج بقولنا: «فيما وضع له»؛ المجاز. وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية وشرعية وعرفية. فاللغوية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة. فخرج بقولنا: «في اللغة»؛ الحقيقة الشرعية والعرفية. مثال ذلك الصلاة، فإن حقيقتها اللغوية الدعاء، فتحمل عليه في كلام أهل اللغة. والحقيقة الشرعية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع. فخرج بقولنا: «في الشرع»؛ الحقيقة اللغوية والعرفية. مثال ذلك: الصلاة، فإن حقيقتها الشرعية الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فتحمل في كلام أهل الشرع على ذلك. والحقيقة العرفية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف. فخرج بقولنا: «في العرف»؛ الحقيقة اللغوية والشرعية. مثال ذلك: الدابة، فإن حقيقتها العرفية ذات الأربع من الحيوان، فتحمل عليه في كلام أهل العرف. وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله، فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية. ٢ - والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، مثل: أسد للرجل الشجاع.

стр. 16

فخرج بقولنا: «المستعمل»؛ المهمل، فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً. وخرج بقولنا: «في غير ما وضع له»؛ الحقيقة. ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة. ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه: وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي، ليصح التعبير به عنه، وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة، والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها. فإن كانت المشابهة سمي التجوز «استعارة»؛ كالتجوز بلفظ أسد عن الرجل الشجاع. وإن كانت غير المشابهة سمي التجوز «مجازاً مرسلاً» إن كان التجوز في الكلمات، و «مجازاً عقليًّا» إن كان التجوز في الإسناد. مثال ذلك في المجاز المرسل: أن تقول: رعينا المطر، فكلمة «المطر» مجاز عن العشب، فالتجوز بالكلمة. ومثال ذلك في المجاز العقلي: أن تقول: أنبت المطر العشب فالكلمات كلها يراد بها حقيقة معناها، لكن إسناد الإنبات إلى المطر مجاز؛ لأن المنبت حقيقة هو الله تعالى فالتجوز في الإسناد. ومن المجاز المرسل: التجوز بالزيادة، والتجوز بالحذف. مثلوا للمجاز بالزيادة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فقالوا: إن الكاف زائدة لتأكيد نفي المثل عن الله تعالى.

стр. 17

ومثال المجاز بالحذف: قوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: واسأل أهل القرية؛ فحذفت «أهل» مجازاً، وللمجاز أنواع كثيرة مذكورة في علم البيان. وإنما ذكر طرف من الحقيقة والمجاز في أصول الفقه؛ لأن دلالة الألفاظ إما حقيقة وإما مجاز، فاحتيج إلى معرفة كل منهما وحكمه. والله أعلم. تنبيه: تقسيم الكلام الى حقيقة ومجاز هو المشهور عند أكثر المتأخرين في القران وغيره، وقال بعض أهل العلم: لا مجاز في القران، وقال اخرون: لا مجاز في القران ولا في غيره، وبه قال أبو إسحاق الإسفراييني ومن المتأخرين العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أنه اصطلاح حادث بعد انقصاء القرون الثلاثة المفضلة، ونصره بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب (١).

стр. 18

الأمر تعريفه: الأمر: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء، مثل: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فخرج بقولنا: «قول»؛ الإشارة فلا تسمى أمراً، وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: «طلب الفعل»؛ النهي لأنه طلب ترك، والمراد بالفعل الإيجاد، فيشمل القول المأمور به. وخرج بقولنا: «على وجه الاستعلاء»؛ الالتماس، والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن. صيغ الأمر: صيغ الأمر أربع: ١ - فعل الأمر، مثل: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: من الآية ٤٥] ٢ - اسم فعل الأمر، مثل: حيّ على الصلاة. ٣ - المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَاب﴾ [محمد: من الآية ٤] ٤ - المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: من الآية ٤]

стр. 19

وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر، مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه، أو يرتب على فعله ثواب، أو على تركه عقاب (١). ما تقتضيه صيغة الأمر: صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي: وجوب المأمور به، والمبادرة بفعله فوراً. فمن الأدلة على أنها تقتضي الوجوب قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية ٦٣]، وجه الدلالة أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول ﷺ أن تصيبهم فتنة، وهي الزيغ، أو يصيبهم عذاب أليم، والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك

стр. 20

واجب؛ فدل على أن أمر الرسول ﷺ المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور. ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: (١٤٨)، والمائدة: ٤٨] والمأمورات الشرعية خير، والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة. ولأن النبي ﷺ كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية، حتى دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس (١). ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها. وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك، فيخرج عن الوجوب إلى معان منها: ١ - الندب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب بدليل أن النبي ﷺ اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد (٢).

стр. 21

٢ - الإباحة؛ وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جواباً لما يتوهم أنه محظور. مثاله بعد الحظر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فالأمر بالاصطياد للإباحة لوقوعه بعد الحظر المستفاد من قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] ومثاله جواباً لما يتوهم أنه محظور؛ قوله ﷺ : «افعل ولا حرج» (١)، في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض. ٣ - التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: من الآية ٤٠]، ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارا﴾ [الكهف: من الآية ٢٩] فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد. ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي. مثاله: قضاء رمضان فإنه مأمور به لكن دلَّ الدليل على أنه للتراخي، فعن عائشة ﵂ قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله ﷺ (٢)

стр. 22

ولو كان التأخير محرماً ما أقِرّت عليه عائشة ﵂. ما لا يتم المأمور إلا به: إذا توقف فعل المأمور به على شيء كان ذلك الشيء مأموراً به، فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، وإن كان المأمور به مندوباً كان ذلك الشيء مندوباً. مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجباً. ومثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوباً. وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها.

стр. 23

النَّهْي تعريفه: النهي: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٠]. فخرج بقولنا: «قول»؛ الإشارة، فلا تسمى نهياً وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: «طلب الكف»؛ الأمر، لأنه طلب فعل. وخرج بقولنا: «على وجه الاستعلاء»؛ الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من النهي بالقرائن. وخرج بقولنا: «بصيغة مخصوصة هي المضارع إلخ»؛ ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر مثل: دع، اترك، كف، ونحوها؛ فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف لكنها بصيغة الأمر فتكون أمراً لا نهياً. وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي، مثل: أن يوصف الفعل بالتحريم أو الحظر أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب، أو نحو ذلك (١).

стр. 24

ما تقتضيه صيغة النهي: صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده. فمن الأدلة على أنها تقتضي التحريم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧] فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه، يقتضي وجوب الانتهاء، ومِنْ لَازِمِ ذلك تحريم الفعل. ومن الأدلة على أنه يقتضي الفساد قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)؛ أي: مردود، وما نهى عنه؛ فليس عليه أمر النبي ﷺ ، فيكون مردوداً. هذا وقاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم؟ كما يلي: ١ - أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه، أو شرطه فيكون باطلاً. ٢ - أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه، فلا يكون باطلاً.

стр. 25

مثال العائد إلى ذات المنهي عنه في العبادة: النهي عن صوم يوم العيدين. ومثال العائد إلى ذاته في المعاملة: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة. ومثال العائد إلى شرطه في العبادة: النهي عن لبس الرجل ثوب الحرير، فستر العورة شرط لصحة الصلاة، فإذا سترها بثوب منهي عنه، لم تصح الصلاة لعود النهي إلى شرطها. ومثال العائد إلى شرطه في المعاملة: النهي عن بيع الحمل، فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع، فإذا باع الحمل لم يصح البيع لعود النهي إلى شرطه. ومثال النهي العائد إلى أمر خارج في العبادة: النهي عن لبس الرجل عمامة الحرير، فلو صلى وعليه عمامة حرير، لم تبطل صلاته؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا شرطها. ومثال العائد إلى أمر خارج في المعاملة: النهي عن الغش، فلو باع شيئاً مع الغش لم يبطل البيع؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا شرطه. وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معانٍ أخرى لدليل يقتضي ذلك، فمنها: ١ - الكراهة: ومثلوا لذلك بقوله ﷺ : «لا يمسنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول» (١)، فقد قال الجمهور: إن النهي هنا

стр. 26

للكراهة، لأن الذكر بضعة من الإنسان، والحكمة من النهي تنزيه اليمين. ٢ - الإرشاد: مثل قوله ﷺ لمعاذ: «لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١). من يدخل في الخطاب بالأمر والنهي: الذي يدخل في الخطاب بالأمر والنهي «هو» المكلف، وهو البالغ العاقل. فخرج بقولنا: «البالغ»؛ الصغير، فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة، ويمنع من المعاصي؛ ليعتاد الكف عنها. وخرج بقولنا: «العاقل»؛ المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد، ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه. ولا يرد على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون، لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلى الفاعل!. والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 27

مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه﴾ [التوبة: من الآية ٥٤]. ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [لأنفال: من الآية ٣٨] وقوله ﷺ لعمرو بن العاص: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله» (١)، وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٥] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] موانع التكليف: للتكليف موانع منها: الجهل والنسيان والإكراه؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢). رواه ابن ماجه والبيهقي، وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته. فالجهل: عدم العلم، فمتى فعل المكلف محرماً جاهلاً بتحريمه فلا شيء عليه، كمن تكلم في الصلاة جاهلاً بتحريم الكلام، ومتى ترك واجباً جاهلاً بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان

стр. 28

قد فات وقته، بدليل أن النبي ﷺ لم يأمر المسيء في صلاته - وكان لا يطمئن فيها - لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات، وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع. والنسيان: ذهول القلب عن شيء معلوم، فمتى فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه؛ كمن أكل في الصيام ناسياً. ومتى ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه؛ ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي ﷺ : «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» (١). والإكراه: إلزام الشخص بما لا يريد، فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه. وتلك الموانع إنما هي في حق الله؛ لأنه مبني على العفو والرحمة، أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه، إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه، والله أعلم.

стр. 29

العام تعريفه: العام لغة: الشامل. واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، مثل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣] فخرج بقولنا: «المستغرق لجميع أفراده»؛ ما لا يتناول إلا واحداً كالعَلَم والنكرة في سياق الإثبات؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] لأنها لا تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول، وإنما تتناول واحداً غير معيَّن. وخرج بقولنا: «بلا حصر»؛ ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد: مئة وألف ونحوهما. صيغ العموم: صيغ العموم سبع: ١ - ما دل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة، وعامة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ٢ - أسماء الشرط؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِه﴾ [الجاثية: من الآية ١٥] ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: من الآية ١١٥]

стр. 30

٣ - أسماء الاستفهام؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: من الآية ٣٠] ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: من الآية ٦٥] ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: ٢٦]. ٤ - الأسماء الموصولة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: من الآية ٦٩]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:٢٦]. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض﴾ [آل عمران: من الآية ١٢٩]. ٥ - النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري؛ كقوله تعالى: ﴿وما من اله الا الله﴾ [آل عمران: ٦٢] ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: من الآية ٣٦]. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٤] ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: من الآية ٧١] ٦ - المعرّف بالإضافة مفرداً كان أم مجموعاً؛ كقوله تعالى: ﴿وأذكروا نعمة الله عليكم﴾ [أعراف: ٧٤] ٧ - المعرف بأل الاستغراقية مفرداً كان أم مجموعاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء: من الآية ٢٨]. ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ [النور: من الآية ٥٩]. وأما المعرف بأل العهدية، فإنه بحسب المعهود فإن كان عامًّا فالمعرَّف عام، وإن كان خاصًّا فالمعرَّف خاص، مثال العام قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [صّ:٧١] ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [صّ:٧٢] ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [صّ:٧٣]

стр. 31

ومثال الخاص قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ [المزمل: من الآية ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل:١٦] وأما المعرف «بأل» التي لبيان الجنس؛ فلا يعم الأفراد، فإذا قلت: الرجل خير من المرأة، أو الرجال خير من النساء، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس، وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال. العمل بالعام: يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه؛ لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك. وإذا ورد العام على سبب خاص وجب العمل بعمومه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله فيختص بما يشبهها. مثال ما لا دليل على تخصيصه: آيات الظهار؛ فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت، والحكم عام فيه وفي غيره. ومثال ما دل الدليل على تخصيصه قوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (١)، فإن سببه أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى

стр. 32

زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه فقال: «ما هذا»؟ قالوا: صائم. فقال: «ليس من البر الصيام في السفر»، فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل؛ وهو من يشق عليه الصيام في السفر، والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر (١) حيث كان لا يشق عليه، ولا يفعل ﷺ ما ليس ببر.

стр. 33

الخاص الخاص لغة: ضد العام. واصطلاحاً: اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام والإشارة والعدد. فخرج بقولنا: «على محصور» العام. والتخصيص لغة: ضد التعميم. واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام. والمخصِّص - بكسر الصاد -: فاعل التخصيص وهو الشارع، ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص. ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل. فالمتصل: ما لا يستقل بنفسه. والمنفصل: ما يستقل بنفسه. فمن المخصص المتصل: أولاً: الاستثناء وهو لغة: من الثني، وهو رد بعض الشيء إلى بعضه؛ كثني الحبل. واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 34

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] فخرج بقولنا: «بإلا أو إحدى أخواتها»؛ التخصيص بالشرط وغيره. شروط الاستثناء: يشترط لصحة الاستثناء شروط منها: ١ - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً. فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه بحيث لا يفصل بينهما فاصل. والمتصل حكماً: ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه كالسعال والعطاس. فإن فصل بينهما فاصل يمكن دفعه، يمكن دفعه أو سكوت لم يصح الاستثناء مثل أن يقول: عبيدي أحرار، ثم يسكت، أو يتكلم بكلام آخر ثم يقول: إلا سعيداً؛ فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع. وقيل: يصح الاستثناء مع السكوت، أو الفاصل إذا كان الكلام واحداً لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمهُ الله يوم خلق السموات والأرض، لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه»، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذّخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر» (١). وهذا القول أرجح لدلالة هذا الحديث عليه.

стр. 35

٢ - أن لا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، فلو قال: له عليّ عشرة دراهم إلا ستة لم يصح الاستثناء ولزمته العشرة كلها. وقيل: لا يشترط ذلك، فيصح الاستثناء، وإن كان المستثنى أكثر من النصف فلا يلزمه في المثال المذكور إلا أربعة. أما إن استثنى الكل، فلا يصح على القولين، فلو قال: له علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة كلها. وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح، وإن خرج الكل أو الأكثر، مثاله: قوله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] وأتباع إبليس من بني آدم أكثر من النصف، ولو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئاً. ثانياً: من المخصص المتصل: الشرط ، وهو لغة: العلامة. والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجوداً، أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها. والشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر. مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم﴾ [التوبة: من الآية ٥] ومثال المتأخر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا﴾ [النور: من الآية ٣٣]. ثالثاً: الصفة وهي: ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال.

стр. 36

مثال النعت: قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: من الآية ٢٥] ومثال البدل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: من الآية ٩٧] ومثال الحال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء: من الآية ٩٣] المخصص المنفصل: المخصص المنفصل: ما يستقل بنفسه وهو ثلاثة أشياء: الحس والعقل والشرع. مثال التخصيص بالحس: قوله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [لاحقاف: من الآية ٢٥] فإن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض. ومثال التخصيص بالعقل: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [احقاف: من الآية ٣٣] فإن العقل دل على أن ذاته تعالى غير مخلوقة. ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص، وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ المخصوص لم يكن مراداً عند المتكلم، ولا المخاطب من أول الأمر، وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص. وأما التخصيص بالشرع، فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما، وبالإجماع والقياس. مثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [لبقرة: من الآية ٢٢٨]. خص بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ

стр. 37

ثمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٤٩]. ومثال تخصيص الكتاب بالسنة: آيات المواريث؛ كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء: من الآية ١١] ونحوها خص بقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (١) ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: من الآية ٤] خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد أربعين، هكذا مثل كثير من الأصوليين، وفيه نظر لثبوت الخلاف في ذلك، ولم أجد له مثالاً سليماً. ومثال تخصيص الكتاب بالقياس: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: من الآية ٢] خص بقياس العبد الزاني على الأمة في تنصيف العذاب؛ والاقتصار على خمسين جلدة، على المشهور. ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ...»، الحديث (٢). خص بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

стр. 38

وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر» (١) خص بقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٢). ولم أجد مثالاً لتخصيص السنة بالإجماع. ومثال تخصيص السنة بالقياس: قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام» (٣)، خص بقياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب، والاقتصار على خمسين جلدة، على المشهور.

стр. 39

المُطلَق والمقَيَد تعريف المطلق: المطلق لغة: ضد المقيد. واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بلا قيد؛ كقوله تعالى: ﴿تحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة ٣] فخرج بقولنا: «ما دل على الحقيقة»؛ العام لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة فقط. وخرج بقولنا: «بلا قيد»؛ المقيد. تعريف المقيد: المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه. واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بقيد؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٩٢] فخرج بقولنا: «قيد»؛ المطلق. العمل بالمطلق: يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده؛ لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك. وإذا ورد نص مطلق، ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن

стр. 40

كان الحكم واحداً، وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد. مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] وقوله في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٩٢] الحكم واحد هو تحرير الرقبة، فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل، ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما. ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: من الآية ٣٨] وقوله في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ [المائدة: من الآية ٦] فالحكم مختلف، ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل؛ فلا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على إطلاقها ويكون القطْع من الكوعِ مفصلِ الكف، والغسل إلى المرافق.
следующие страницы →