← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي الجواب أمور من تدبرها ... سقى الأنام بها من صفو مشربه ولم يكن مانعاً نفس الزيارة بل ... شد الرحال إليها فوق مركبه مستمسكاً بصحيح القول متبعاً ... خير القرون الألى جاءوا بمذهبه مع الأئمة أهل الحق كلهم ... قالوا كما قال قولاً غير مشتبه وقد علمت يقيناً حين وافقة ... أهل العراق على فتياه فانتبه هذا وقد قلت فيما قلت مرتجلاً ... فيما تقدم قولاً غير منجبه لو كان حيا يرى قولي ويسمعه ... رددت ما قال قولاً غير مشتبه فابرز ورد ترى والله أجوبة ... مثل الصواعق تردى من تمر به عقلاً ونقلاً وآيات مفصلة ... من كل أروع شهم القول منبته ماضي الجنان كحد السيف فكرته ... يريك نظما ونثراً في تأدبه وقاد ذهن إذا جالت قريحته ... يكاد يخشى عليه من تلهبه فمنزل القول في أعلى منازلهم ... فليس ذو منصب ينجو بمنصبه وانظر إلى من طغى في الأرض من أمم ... ولا تكن سالكاً في إثر سبسبه إن الإله يجازي كل ذي عمل ... بمثل إحسانه أو قبح مكسبه هذا جوابك يا هذا موازنة ... بحرا وقامية في النظم والشبه والحمد لله حمداً لا نفاد له ... جار على مر ما يقضي وأطيبه ثم الصلاة على خير الورى شرفاً ... محمد المرسل الهادي لمذهبه وآله والصحاب الغر قاطبة ... ما أشرق الحق من أنوار كوكبه وانتهت - وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المباحث المجملة بالعبارات المفصلة والدلائل المكملة؛ فلا تغفل. (ترجمة القاضي تاج الدين السبكي) (ومنهم) - ولده تاج الدين - فهو قاضي القضاة عبد الوهاب بن علي السبكي. ولد بالقاهرة سنة سبعمائة وسبع وعشرين، وسمع بها من جماعة، ثم

стр. 37

قدم دمشق مع والده واشتغل على والده وغيره، وقرأ على ((المزي)) ، ولازم الإمام الذهبي وتخرج به ثم عزل من القضاء بأخيه بهاء الدين وتوجه إلى مصر على وظائف أخيه ثم عاد إلى القضاء وولى الخطابة ثم عزل وحصل له فتنة شديدة وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوماً، ثم عاد إلى القضاء ودرس بمدارس كثيرة. وقال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد مالم يجبر على قاض مثله. ونقل الشيخ عبد الوهاب الشعرانى في كتابه ((الأجوبة المرضية)) : أن أهل زمانه رموه بالكفر واستحلال شرب الخمر والزنا وأنه كان يلبس الغيار والزنار بالليل ويخلعهما بالنهار، وتحزبوا عليه وأتوا به مقيداً مغلولاً من الشام إلى مصر، وجاء معه خلائق من الشام يشهدون عليه؛ ثم تداركه اللطف على يد الشيخ جمال الدين الإسنوى. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: حصل فنوناً من العلم: من الفقه والأصول وكان ماهراً فيه، والحديث وشارك في العربية وكان له بد في النظم والنثر جيد البديهة ذا بداهة وطلاقة لسان وذكاء مفرط صنف تصانيف عدة على صغر سنه، ومن جملة تصنيفاته: شرح مختصر ابن الحاجب سماه ((برفع الحاجب)) وشرح منهاج البيضاوي، والقواعد، وطبقات الفقهاء وغير ذلك. توفي شهيداً بالطاعون سنة سبعمائة وإحدى وسبعين. ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى. (ترجمة العز بن جماعة) (ومنهم) - العز بن جماعة فهو عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني الحموى الدمشقي المولد، المصري الشافعي: أخذ النحو عن أبي حيان، وولى قضاء الديار المصرية مدة طويلة، وكان يتمنى أن يموت بأحد الحرمين فاستعفى عن القضاء، ثم حج فمات ودفن بالمعلى إلى جانب الفضيل بن عياض،

стр. 38

وأبى القاسم القشيرى سنة سبعمائة وست وستين. وله بعض التأليفات، منها: مناسك الحج على المذاهب الأربعة. وكان خيراً صالحاً - رحمه الله تعالى. وأقول: إن الشيخ ابن حجر قد صرح في كلامه السابق بذكر هؤلاء الثلاثة فلزمت ترجمتهم. ثم أجمل بعد ذلك بقوله: وغيرهم؛ فلزم أيضاً تكميلاً للاطلاع ترجمة بعض من اؤلئك الغير. (ترجمة الزملكاني) (فمنهم) الزملكاني - وهو القاضي كمال الدين أبو المعالي محمد بن الإمام علاء الدين على الزملكاني، انتهت إليه رياسة مذهب الشافعي. قال ابن الوردى في تاريخه: طلب من حلب على البريد إلى حضرة السلطان ليولى القضاء بالشام؛ فتوفى بمدينة بلبيس وحمل إلى القاهرة فدفن بالقوافة سنة سبعمائة وسبع وعشرين. وكان غزير العلم، كثير الفنون، مسدد الفتاوى، دقيق الذهن - رحمه الله تعالى. اهـ. وقال في كتاب (كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون) : بحث ابن تيمية وابن الزملكاني في مسألة الطلاق، وفي حرمة شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين فصنفوا فيه منها الأبحاث الجلية وكتاب الدرة اليتيمة. وبالغ العلماء في رده حتى صرح بكفر من أطلق عليه شيخ الإسلام، فانتدب حافظ الشام الشمس بن ناصر الدين الشافعي المتوفى سنة ثمانمائة واثنين واربعين فجمع كتاباً سماه ((الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر)) انتهى. وذكر السخاوى: أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قرأ عليه - يعني على الشمس - وهو أيضاً قرأ على ابن حجر، وله مصنفات عديدة. وسيأتي إنشاء الله تعالى هذا البحث مع أدلة الطرفين في محله.

стр. 39

(ترجمة أبي حيان) (ومنهم أبو حيان الظاهري وقيل الشافعي - وهو العلامة أثير الدين محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي وقد قدمنا سبب انحرافه عن الشيخ ابن تيمية بعد ان مدحه بالأبيات المارة آنفاً. قال ابن الوردى: وله مصنفات جليلة، منها تفسير القرآن العظيم، وهو المسمى باليحر، وشرح التسهيل وغير ذلك. وكان يستهزئ بالفضلاء من أهل القاهرة، ويتحملونه لحقوق اشتغالهم عليه ومن حسن شعره قوله: [طويل] . وقابلني في الدرس أبيض ناعم ... وأسمر لدن أورثا جسمى الردى فذا هز من عطفيه رمحاً مثقفاً ... وذا سل من جفنيه عضباً مهنداً (ترجمة ابن حجر الهيتمي) ولنذكر أيضاً ترجمة الشيخ ابن حجر المذكور، ضضوعفت لنا وله الأجور - فهو واحد العصر، ثاني القطر، علامة المنقول فهامة المعقول شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر، نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده كان ملازماً للصمت تشبيها له بالحجر. الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، ولد بمصر سنة تسع وتسعمائة وتوفي سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة - بالتاء قبل السين - بمكة زادها الله تعالى شرفاً وكان مقيماً بها. وله تأليفات مفيدة منها: تحفة المحتاج في أربع مجلدات، والزواجر والصواعق، وشرح الهمزية والفتاوى الفقهية والحديثية وغير ذلك وأخذ عن القاضي زكريا وغيره والهيتمي نسبة إلى محله من إقليم الغربية بمصر. (ترجمة ابن حجر العسقلاني) وأما ابن حجر الآخر - فهو شيخ الإسلام، أمير المؤمنين في الحديث، شهاب الدين أحمد بن علي محمد بن حجر، نسبة إلى حجر قوم تسكن الجنوب العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي.

стр. 40

ولد سنة سبعمائة وثلاث وسبعين، وصار حافظ الإسلام وحجة الأعلام ومحي السنة ورحل الناس إليه من الأقطار وله تصانيف كثيرة مشهورة منها: فتح الباري في شرح صحيح البخاري. واقتفى آثار السلف وتوفي سنة ثمانمائة واثنتين وخمسين وهو من مشايخ القاضي زكريا وإنما ترجمت هنا هذا الفاضل لييز بينهما من لم يكن مطلعاً على تراجم الأفاضل - رحمهم الله تعالى. فصل: يشتمل على مقصدين المقصد الأول: في تراجم بعض آباء الشيخ ابن تيمية وأقربائه (ترجمة المجد ابن تيمية) (فمنهم) - جده شيخ الإسلام مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن علي بن تيمية الحرانى الفقيه الحنبلي الإمام المقرئ المحدث المفسر الأصولى النحوي، واحد الحفاظ الأعلام، ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريباً بحران، وحفظ القرآن وسمع من عمه الخطيب فخر الدين، ثم ارتحل إلى بغداد مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني وأقام بها ست سنين يشتغل بالعلوم، ثم رجع إلى حران فاشتغل على عمه فخر الدين. قال الذهبي: وقال لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين الحديد لداود. وقال الحافظ عز الدين: حدث بالحجاز والعراق والشام وحران وصنف ودرس وكان من أعيان العلماء وأكابر الفضلاء. وقال الذهبي: قال شيخنا: كان جدنا عجباً في حفظ الأحاديث وسردها وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة قال الذهبي: وكان معدوم النظير في زمانه، رأساً في الفقه وأصوله، وصنف التصانيف واشتهر وبعد وصيته، وكان

стр. 41

فرد زمانه في معرفة المذهب مفرط الذكاء متين الديانة كبير الشأن ومن تصنيفاته: تفسير القرآن العظيم، والمنتقى في الأحاديث والمحرر في الفقه ومنتهى الغاية وغير ذلك. قال ابن رجب في طبقانه: كان المجد يفتى أحياناً: أن الطلاق الثلاث المجموعات غنما يقع منها واحدة فقط. توفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة سنة اثنين وخمسين وستمائة بحران وتوفيت ابنة عمه زوجته بدرة المكناة بأم البدر قبله بيوم الأحد، وروت بالإجازة عن ضياء الخريف - رحمهم الله تعالى. (ترجمة عبد الحليم بن تيمية) (ومنهم) - والده شهاب الدين أبو أحمد عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، نزيل دمشق. ولد سنة سبع وعشرين وستمائة بحران. وسمع من والده وغيره. وأتقن العلوم ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه. قال الذهبي: وكان إماماً محققاً كثير الفنون وكان من أنجم الهدى وإنما اختفى من نور القمر وضوء الشمس - يشير إلى أبيه وابنه. وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه توفى سلخ ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى. (ترجمة عبد الغني بن تيمية) (ومنهم) - أبو محمد سيف الدين عبد الغني بن فخر الدين عبد الله بن تيمية الحرانى الحنبلي، وخطيب حران وابن خطيبها وعظ ودرس وصنف وله كتاب ((الزوائد على تفسير الوالد)) ورحل إلى بغداد، وسمع من علمائها، توفي سنة تسع وثلاثين وستمائة. (ترجمة شرف الدين بن تيمية) (ومنهم) - المفتى الزاهد القدوة شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم

стр. 42

ابن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية أخو الشيخ تقي الدين. ولد سنة ست وتسعين وستمائة بحران. وقدم مع أهله إلى دمشق رضيعاً فخضر بها على جماعة، واشتغل بالعلوم، وبرع في الفرائض والحساب وعلم الهيئة وفي الأصلين والعربية والحديث ودرس بالحنبلية مدة وكان قانعاً زاهداً عابداً ورعاً كثير الصدقات ولد كرامات وحج مراراً وجلس مع أخيه مدة في الديار المصرية وقد استدعى غير مرة وحده للمناظرة فناظر وأفحم الخصم، وأثنى عليه الزملكاني والذهبي في معجمه كثيراً توفي بدمشق، صلى عليه بالجامع، وحمل إلى القلعة فصلى عليه أخوه شيخ الإسلام وعبد الرحمن وغيرهما ثم صلى عليه مراراً فدفن بمقابر الصوفية سنة سبع وعشرين وسبعمائة - رحمه الله تعالى. (ترجمة محمد بن تيمية) (ومنهم) - على ما في تاريخ ابن خلكان: أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية الحرانى. الخطيب الواعظ الفقيه الحنبلي كان فاضلاً تفرد في بلاده بالعلم وكان المشار إليه في الدين. أخذ العلوم عن جماعة، وقدم بغداد وصنف في المذاهب وله ديوان خطب مشهور وتفسير القرآن الكريم، وله قبول تام عند الخاص والعام وكان أبوه أحد الأبدال والزهاد وذكره المؤرخون وأثنوا عليه. توفي في سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحران. انتهى ملخصاً. (ترجمة زينب بنت تيمية) (ومنهم) - زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلية قال الحافظ ابن حجر: سمعت من الحجار وغيره ن وحدثت وأجازت لى قال في الشذرات: وتوفيت سنة تسع وتسعين وسبعمائة - رحمها الله تعالى.

стр. 43

المقصد الثاني: في ترجمة بعض تلامذته الكرام المشهورين وترجمة المثنين عليه من العلماء المتأخرين على طريق الاختصار لتكمل الفائدة لذوي الأبصار فأقول: (ترجمة الإمام ابن القيم) (منهم) - العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي المفسر النحوي الأصولي المتكلم الشهير بابن القيم الجوزية. قال في الشذرات: بل هو المجتهد المطلق. قال ابن رجب: ولد شيخنا سنة إحدى وتسعين وستمائة ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ عنه وتفنن في كافة علوم الإسلام وكان عارفاً في التفسير لا يجاري فيه وبأصول الدين وإليه فيه المنتهى، وبالحديث ومعانيه ودقائق الاستنباط فيه لا يلحق في ذلك. وبالفقه والأصول والعربية وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام والتصوف. حبس مدة لإنكاره ((جد الرحيل إلى قبر الخليل)) وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى ولم اشاهد مثله في عبادته وعمله بالقرآن والحديث وحقائق الإيمان وليس هو بالمعصوم ولكن لم أر في معناه مثله وقد امتحن وأوذي مرات وحبس مع شيخه شيخ الإسلام تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفرداً عنه ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ، وكان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن وبالتدبر والتفكر ففتح عليه من ذلك خير كثير وحصل له بجانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة وتسلط ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والخواص في غوامضهم وتصانيفه وحج مرات كثيرة وجاور بمكة وكان اهل مكة يتعجبون من كثرة طوافه وعبادته. وسمعت عليه قصيدته

стр. 44

النونية في السنة وأشياء من تصانيفه غيرها وأخذ عنه العلم خلق كثير في حياة شيخه وإلى أن مات وانتفعوا به. قال القاضي برهان الدين الزرعي: وما تحت أديم السماء أوسع علماً منه ودرس يالصدرية وأم بالجوزية وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة وصنف تصانيف كثيرة جداً في أنواع العلوم وحصل له من الكتب ما لم يحصل لغيره. فمن تصانيفه: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته وسفر الهجرتين ومراحل السائرين والكلم الطيب وزاد المسافرين وزاد المعاد - أربع مجلدات، وهو كتاب جليل وكتاب نقد المنقول وكتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين - ثلاث مجلدات كتاب بدائع الفوائد - مجلدان. النونية الشهيرة بالشافعية الكافية. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. ونزهة المشتاقين وكتاب الداء والدواء. وكتاب مفتاح دار السعادة - مجلد ضخم غريب الأسلوب واجتماع الجيوش الإسلامية وكتاب الطرق الحكمية وكتاب عدة الصابرين وكتاب إغاثة اللهفان وكتاب الروح وكتاب الصراط المستقيم والفتح القدسي. والتحفة المكية والفتاوى وغير ذلك. توفي ثالث عشر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ودفن بمقبرة الباب الصغير بعد أن صلى عليه بمواضع عديدة، وكان قد رأى قبل موته شيخه تقي الدين في النوم وسأله عن منزلته فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة - رحمهم الله تعالى انتهى. باختصار. (ترجمة الحافظ الذهبي) (ومنهم) - الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ابن قايماز - بالزاي - التركماني الذهبي.

стр. 45

قال في الشذرات: قال التاج السبكي في طبقاته الكبرى: شيخنا وأستاذنا محدث العصر. اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي والبرازلي والذهبي والشيخ الوالد لا خامس لهم في عصرهم. فأما أستاذنا أبو عبد الله فبحر لا نظير له وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة إمام الوجود حفظاً وذهب العصر معنى ولفظاً وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها أخبار من حضرها تحمل المطى إلى جواره وتضرب النزل المهارى أكبادها فلا تبرح حتى تحل بداره وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة جزاه الله تعالى عنا أحسن الجزاء وجعل حظه من عرصات الجنان موفر الأجزاء. وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وأخذ عن شيوخ كثيرين منهم: هبة الله بن عساكر، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد توفي يوم الإثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ومن شعره: [متقارب] تولى كأن شبابي لم يكن ... وأقبل شيب علينا تولى ومن عاين المنحنى والنقا ... فما بعد هذين إلا المصلى انتهى باقتصار. ونقل في الشذرات عن ((المنهل الصافي)) بعد ترجمة حسنة: أن له تصانيف كثيرة مفيدة؛ منها: تاريخ الإسلام الكبير - في إحدى وعشرين مجلداً. ومختصره في عدة مجلدات. ومختصر العبر من غبر. ومختصر آخر، وآخر وآخر. واختصر تهذيب الكامل للمزي ومنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال والمغنى في الضغفاء ومختصر آخر ومنها طبقات الحفاظ والتجريد في أسماء الصحابة ومنها مختصر تاريخ بغداد للخطيب ومنها مختصر تاريخ ابن السمعاني واختصر وفيات المنذري. واختصر تاريخ دمشق بعشر

стр. 46

مجلدات واختصر تاريخ نيسابور للحاكم. واختصر المحلى لابن حزم الظاهري واختصر الفاروق لشيخ الإسلام الأنصاري.واختصر رد الرافضة للشيخ ابن تيمية واختصر المعلم لابن عبد البر. واختصر سلاح المؤمن. ومنها كتاب سيرة الحلاج وكتاب الكبائر وكتاب العرش وكتاب أحاديث الصفات وكتاب الشفاعة وكتاب صفة النار وكتاب رؤية الباري سبحانه وكتاب التلويح وكتاب تقويم البلدان وترجمة السلف وهالة البدر والمعجم الكبير والوسط والصغير، وغير ذلك مما يطول ذكره. ومن شعره: [كامل] العلم قال الله قال رسوله ... إن صح والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين الرسول وبين رأى فقيه انتهى باختصار. وقد توفى بدمشق. قال ابن الوردى: صلى على الشيخ شمي الدين الذهبي - منقطع النظير في معرفة أسماء الرجال والمحدث الكبير - صلاة الغائب بحلب وكان قد أضر في آخر عمره - رحمه الله تعالى. ترجمة ابن كثير (ومنهم) - الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي ولد سنة سبعمائة وقدم دمشق مع أخيه وله سبع سنين وألف في صغره ((أحكام التنبيه)) وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جداً. قال الذهبي: هو الإمام المحدث البارع ووصفه بحفظ المتون وأطنب في ترجمته. قال ابن حبيب: سمع وجمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتاوى وشنف وحدث وأفاد وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير ومن تصانيفه: التاريخ

стр. 47

المسمى ((بالبداية والنهاية)) وكتاب في جمع المسانيد العشرة وطبقات الشافعية وسيرة وشرح قطعة من البخاري وغير ذلك وقد أخذ عن جماعة أجلهم الشيخ ابن تيمية وقد أكثر عنه وتلامذته كثيرة منهم: العلامة ابن حجر العسقلاني. وقال فيه: أحفظ من أدركناه لمتون الحديث وأعرفهم بجرحها وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي غليه إلا واستفدت منه. وقال ابن قاضي شبهة: كانت له خصوصية بالشيخ ابن تيمية ومناصفة منه واتباع له في كثير من آرائه وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي وتوفي في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه تقي الدين - رحمهما الله تعالى. (ترجمة شمس الدين ابن قداه) (ومنهم) - على ما في الشذرات: الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، الجماعيلى الأصل ثم الصالحي الفقيه الحنبلي المقرئ المحدث الحافظ الناقد النحوي المتفنن الجبل الراسخ ولد في رجب سنة أربع أو خمس أو ست وسبعمائة وتوفى سنة أربع وأربعين في جمادى الآخرة وعمره أربعون سنة أو أقل وسمع من خلق كثير منهم: الحجار، وعنى بالحديث وفنونه وبرع في ذلك وأفتى ودرس، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية مدة، وأخذ عن الذهبي وغيره وقد ذكر في طبقات الحفاظ قال: وصنف التصانيف الكثيرة بعضها كمل وبعضها لم يكمل لهجوم المنية عليه وله توسع في العلوم والفقه والأصلين وذهن سيال وعدة محفوظات. وعدله ابن رجب في طبقاته ما يزيد على سبعين مصنفاً ودفن بسفح قاسيون - انتهى ملخصاً. قلت: ومن تأليفاته كتاب الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي في مسألة شد الرجل لزيارة القبور وهو كتاب يدل على كمال إطلاعه في الرجال

стр. 48

وغزارة علمه وستأتي بعض عباراته في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. (ترجمة ابن قاضي الجبل) (ومنهم) - قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن أبي بكر محمد بن أحمد بن قدامة الحنبلي. قال في ((الشذرات)) : هو الشيخ الإمام جمال الإسلام، صدر الأئمة الأعلام شيخ الحنابلة المقدسي الأصل ثم الدمشقي المشهور بابن قاضي الجبل. مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة وكان متفنناً عالماً بالحديث وعلله والنحو واللغة والأصلين والمنطق وله في الفروع القدم العالى. قرأ على الشيخ نقي الدين ابن تيمية عدة تصنيفات في علوم شتى وأذن له في الإفتاء فأفتى في شبيته وسمع من غيره وفي مشايخه كثرة ثم طلب في آخر عمره إلى مصر ليدرس بمدرسة السلطان حسن وأقام بها مدة وأخذوا عنه ورأس على أقرانه إلى أن ولى القضاء بدمشق إلى أن توفي قال الذهبي فيه: هو مفتى الفرق، سيف المناظرين وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه. وله اختيارات في المذهب معها بيع الوقف للحاجة وتبعه على ذلك جماعة وكلهم تبع لشيخ الإسلام. توفي بمنزله بالصالحية في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. ومن شعره: [مجزوء الكامل المرفل] الصالحية جنة ... والصالحون بها أقاموا فعلى الديار أهلها ... منى التحية والسلام وقوله رحمه الله تعالى: [وافر] نبي أحمد وكذا إمامي ... وسيخي أحمد كالبحر طامى واسمي أحمد ولذاك أرجو ... شفاعة أشرف الرسل الكرام (ترجمة الطوفى الصرصري) (ومنهم) - البحر العباب، والغيث الذي يقصر عنه السحاب: أبو الربيع سليمان نجم الدين بن عبد القوي الصرصري البغدادي الحنبلي، المعروف

стр. 49

جابن البوقي ولد سنة بضع وستمائة بقرية طوفي من أعمال صرصر قرية تبعد عن بغداد بفرسخين. وتوفي في رجب سنة ست عشرة وسبعمائة في بلد الخليل، وله تفسير يسمى بالإشارات الإلهية والمباحث الأصولية، ليس له في بابه نظير؛ قاله في طبقات الحنابلة وقال في ((الشذرات)) : إنه الحنبلي الأصولي المتفنن، دخل بغداد فحفظ المحرر في الفقه وقرأ العربية والأصول والفرائض والمنطق جالس فضلاء بغداد وحصل منهم فنوناً وسمع منهم الحديث وسافر إلى دمشق وسمع بها الحديث ولقي الشيخ ابا العباس أحمد بن تيمية وغيره ثم سافر إلى مصر فسمع بها الحديث وقرأ على أبي حيان مختصره لكتاب سيبويه وحج وجاور بالحرمين وقرأ بهما كثيراً من الكتب وأقام بالقاهرة مدة، وصنف تصانيف كثيرة منها: الإكسير في قواعد التفسير وشرح مقامات الحريري - في مجلدات، وغير ذلك. قيل: وكان مع ذلك كله شيعياً حتى أنه قال في نفسه: أشعرى حنبلي رافضي هذه إحدى العبر (١) ؛ حتى أنه صنف كتاباً سماه العذاب الواصب على أرواح النواصب وقد حبس وطيف به لأجل ذلك، ثم سافر إلى الجح وجاور ثم تزل إلى الشام. وتوفي في بلد الخليل ﵇ انتهى ملخصاً. وإنما ذكرته لشهرة أقواله والإطلاع على غريب حاله؛ وإلا فهو ليس من تلامذة الشيخ المختصين بل من جملة الملاقين الآخذين. والله سبحانه أعلم بحقائق الأمم الغابرين الناقلين.

стр. 50

(ترجمة ابن الوردى) (ومنهم) - زين الدين عمر بن مظفر بن عمر بن محمد الوردى المصري الحلبي الشافعي قال ابن العماد: كان إماماً بارعاً في اللغة والفقه والنحو والأدب متفنناً في العلم ونظمه في الطبقة القصوى وله فضائل مشهورة وله تصانيف كثيرة منها شرح ألفية ابن مالك وألفية ابن معطى واللباب وتذكرة الغريب ومنطق الطير في التصوف وغير ذلك توفي مطعونا بحلب سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقال ابن قاضي شهبة: وله ديةان شعر ومقامات. وناب في الحكم بحلب وفي شبيبته عن ابن النقيب ثم عزل نفسه وحلف لا بلى القضاء لمنام رآه وكان ملازماً للاشتغال والتصنيف وشاع ذكره واشتهر صيته قال السيوطي ومن نظمه: [سريع] لا تقصد القاضي إذا أدبرت ... دنياك واقصد من جواد كريم كيف ترجى الرزق من عند من ... يفتى بأن الفلس مال عظيم ومنه قوله: [سريع] سبحان من سخر لى حاصدى ... يُحدث لى في غيبتى ذكراً لا أكره الغيبة من حاسد ... يفيدنى الشهوة والأجرا قلت: وهو من أعظم المحبين الموالين للسيخ ابن تيمية فقد قال في ترجمته المطنبة في تاريخه مانصه: لقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون. وكان معظماً لحرمات الله تعالى، دائم الابتهال قوى التوكل وهو أكبر من ينبه على فضله مثلى؛ فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت إني ما رأيت بعيني مثله ولا أرى هو مثل نفسه في العلم. انتهى باختصار.

стр. 51

(ترجمة زين الدين الحراني) (ومنهم) - زين الدين أبو حفص عمر بن سعد الله الحراني الدمشقي الفقيه، قال الذهبي: عالم ذكي، خبير بصير بالفقه والعربية سمع الكثير وتخرج على الشيخ ابن تيمية ولازمه وولى نيابة الحكم. وحدث ابن الشيخ السلامية عنا أنه قال: لم أقض قضية إلا وأعددت لها الجواب بين يدي الله تعالى. ولد سنة خمس وثمانين وستمائة وتوفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة شهيداً بالطاعون - رحمه الله تعالى. (ترجمة ابن مفلح) (ومنهم) - أقضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح بن محمد ابن مفرج المقدسي، ثم الصالحي الحنبلي. قال ابن العماد: هو الشيخ الإمام العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره شيخ الإسلام وأحد الأئمة الأعلام تفقه وبرع ودرس وأفتى وناظر وحدث وأفاد وناب في الحكم عن قاضي القضاة المرداوي وتزوج ابنته وكان آية وغاية في نقل مذهب الإمام أحمد ﵁. وقال أبو البقاء السبكي: ما رأت عيناي أحداً أفقه منه وكان ذا حفظ من زهد وتعفف وورع ودين ومتين. وذكره الذهبي في ((المعجم)) فقال: شاب عالم، له عمل ونظر في رجال السنن. ناظر وسمع وكتب وتقدم ولم ير في زمانه في المذاهب الأربعة من له محفوظات أكثر منه فمن محفوظاته: المنتقى في الأحكام. وقال ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد ابن مفلح وحسبك هذه الشهادة من مثل هذا الإمام. وحضر عند الشيخ تقي الدين ونقل عنه كثيراً وكان يقول له: ما أنت ابن مفلح، بل أنت ابن مفلح وكان أخبر الناس بمسائله واختياراته حتى أن العلامة ابن القيم كان يراجعه في ذلك.

стр. 52

وله مشايخ كثيرون منهم: المزىّ والذهبي وكذلك الشيخ تقي الدين السبكي يثنى عليه كثيراً. قال ابن كثير: وله مصنفات كثيرة منها على ((المقنع)) نحو ثلاثين مجلداً وعلى ((المنتقي)) وكتاب الفروع أربع مجلدات وهو من أجل الكتب وقد اشتهر في الآفاق. وله كتاب في أصول الفقه: والآداب الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى توفي ليلة الخميس ثاني رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة بالصالحية دفن بالروضة بالقرب من الشيخ موفق الدين وله بضع وخمسون سنة - رحمه الله تعالى -. (ترجمة شرف الدين ابن المنجا) (ومنهم) - الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد بن المنجا بن عثمان التنوخي الدمشقي الحنبلي، ولد سنة خمس وسبعين وستمائة. قال الذهبي في معجمه: كان إماماً فقيهاً حسن الفهم سمع وتفقه وأفتى ودرس بالسمارية وكان من خواص أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية وملازميه حضراً وسفراً وكان مشهوراً بالتقوى والخصال الجميلة والعلم والشجاعة توفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة ودفن بقاسيون - رحمه الله تعالى. [ترجمة بعض تلامذة الإمام الذين تأثروا به ولم يعاصروه] وأقول حيت انتهى - ما قصد إيراده من ذكر بعض تلامذته ومن تخرج بملازمته - فلنذكر بعضا من الطبقات التي بعدهم من الأئمة الثقات: (ترجمة ابن ناصر) (فمنهم) - حافظ دمشق الشام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن عبد الله

стр. 53

بن محمد القيسى الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين الشافعي ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة وحفظ القرآن وعدة متون وحصل العلوم وأكب على الحديث ولازم الشيوخ وصار حافظ الشام بلا منازع واشتهر اسمه وبعد صيته وله تصانيف عديدة منها: افتتاح القارى لصحيح البخاري، وعقود الدرر في علوم الأثر وأتحاف السالك وله مصنفات في المعراج والوفاة النبوية ونفحات الأخيار والرد الوافر في الانتصار للشيخ ابن تيمية كما تقدم وله غير ذلك وتوفي بدمشق سنة اثنين وأربعين وثمانمائة ودفن بمقبرة باب الفراديس - رحمه الله تعالى. (ترجمة الشيخ إبراهيم الكوراني) (ومنهم) - نزيل المدينة المنورة الشيخ إبراهيم بن شهاب الدين حسن الشهرزورى الشهراني الكوراني الكردي الشافعي. قال الشيخ مصطفى الحموى: هو محقق العلوم على اختلاف أنواعها، ومقيد شواردها ومؤهل أطلال المعارف بعد إقواء رباعها نادرة الإعصار وعديم الشكل في سائر الأمصار حامل لواء الشريعة والحقيقة وغائص بحار الأنظار الدقيقة أظهر نوعاً من المعارف لايدرك أهل زمانه جنسه فصار ملة واحدة وطريقة منزهة من كل خسة فهو إمام الأمة وحبر الملة ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ففيه الصوفيه وصوفي الفقهاء وعالم الصلحاء وصالح العلماء وارث علوم الأولياء ووارد موارد الأصفياء ولد في شوال سنة خمس وعشرين وألف ببلاد شهران من جبال الكرد ونشأ في عفة وصيانة وديانة وأخذ في طلب العلم ببلاده على مشايخ قطره وفاز منه بالحظ الأوفى وقرأ التفسير على المنلا محمد بن شريف الكوراني الصديقي وما ترك شيئاً من العلوم إلا وحققه في بلاده إلا علمى التصوف والحديث ففي بلاد العرب وخرج بعد وفاة والده قاصداً لأداء الفريضة وسنة الزيارة فمر على بغداد فأقام بها قدر عامين،

стр. 54

ثم سافر إلى الشام وبقي فيها أربعة أعوام ثم ذهب إلى المدينة المنورة على ساكنهها أفضل الصلاة والسلام ولم يزل - إلى أن مات فيها - يتعهد الخلوة أياماً وينقطع للذكر حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى وراضوانه عصر يوم الأربعاء - الذي ورد أنه لايفتح فيه قبر منافق - الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ألف ومائة وواحدة ودفن بعد المغرب ببقيع الغرقد وله مصنفات كثيرة؛ منها: شرحان على عقيدة شيخه القشاشى أحمد ومسلك الاعتدال إلى آية خلق الأفعال ومسلك السداد وإعمال الفكر والرويات وإفاضةى العلام في تحقيق مسألة الكلام وتنبيه العقول على تنزيه الصوفيه عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول ومطلع الجود وإتجاف الخلف بعقيدة السلف. واللعمة والسنية وجناح النجاح واقتفاء الآثار ومجلى المعاني حاشية على عقائد الدوانى وجلاء الأنظار ونوال الطول والأمم لإيقاظ الهمم وإسعاف الخيف وغير ذلك. انتهى ملخصاً. قلت: وكان سلفي العقيدة ذاباً عن شيخ الإسلام ابن تيمية وكذا يذب عما وقع في كلمات الصوفية مما ظاهره الحلول أو الاتحاد أو العينية - نفعنا الله تعالى به وأكرمه بجنات عليه، آمين. (ترجمة منلا على القارئ) (ومنهم) - المنلا على بن محمد بن سلطان الهروى القارئ الملكي الحنفي قال الحموى في ترجمته: علامة الزمان، وواحد العصر والأوان، وعالم بلد الله الحرام والمشاعر العظام. قرأ العلم ببلاده ثم رحل إلى مكة المكرمة وتديرها. وله شيوخ كثيرون منهم: شيخ الإسلام ابن جعفر الهيتمي وكان كثير الاعتراض عليه، وشديد التعصب على الشافعية. وله مصنفات كثيرة؛ منها: شرح الشفاء وشرح الشمائل. وشرح النخبة. وشرح الشاطبية. وشرح الجزرية ولخص القاموس وسماه الناءوس. ورسالة في ابن عربي والحط

стр. 55

منه بقوله بإيمان فرعون وغير ذلك، وله وسائل لا تحصى كثرة وتوفي بمكة المكرمة سنة ألف وأربعة عشر ودفن بالمعلى ولما بلغ خبر موته علماء مصر وصلوا عليه بالجامع الأزهر صلاة الغيبة في مجمع حافل يجمع آلاف نسمة - رحمه الله تعالى - انتهى ملخصاً. قلت: وكان كثير الذبّ أيضاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن القيم وكامل التعظيم لهما ومما قاله في شرح الشمائل ما نصه: ومن طالع شرح منازل السماء السائرين تبين له أنهما كانا من أكابر أهل السنة والجماعة ومن أولياء هذه الأمة، انتهى. وأطال في كثير من تأليفاته ببيان حالهما والتنويه بقدرهما ومن أراد ذلك فليرجع إلى ما هنالك. (ترجمة العلامة السويدي البغدادي) (ومنهم) - أمير المؤمنين في الحديث الشيخ النحرير أبو المعالي على أفندي الشافعي ابن الفهامة الشيخ محمد سعيد بن أبي البركات عبد الله الشهير بالسويدي البغدادي العباسي. قال في ((النزهة)) من ترجمة طويلة ما نصه: وكان لأهل السنة برهاناً ولعلماء المحدثين سلطاناً ما رأيت أكثر منه حفظاً ولا أعذب منه لفظاً، ولا أحسن منه وعظاً ولا أفصح منه لساناً ولا أوضح منه بياناً ولا أكمل منه وقاراً ولا آمن منه جاراً ولا أكثر منه حلماً ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علماً ولا أغرب منه عقلاً ولا أوفر منه في فنه فضلاً ولا ألين منه جانباً ولا آنس منه صاحباً اختارت روحه - في دمشق الشام - من الملأ الأعلى رفيقاً، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقاً﴾ [النساء٦٩] وجاء تاريخ وفاته - أسكنه الله تعالى أعلى جناته - إن المدارس تبكي عند فقد على. انتهى.

стр. 56

وذلك سنة الألف والمائتين والسابعة والثلاثين في السابع والعشرين من رجب الأصم. أحله الله تعالى في النعيم الأتم. وقد مر عليك ثناؤه على الشيخ ابن تيمية وستأتي أيضاً بعض عبارته المرضية وله تأليفات مفيدة ورسائل عديدة ومن أجلها: كتاب ((العقد الثمين في بيان مسائل الدين)) وقد شرحه ولده الفهامة صاحب التصنيفات الجليلة ((أبو الفوز محمد الآمين)) وقد توفي عند رجوعه من الحج في بلاد نجد الأربعين والمائتين والألف. وله أيضاً كتاب ((شرح التعرف في الأصلين والتصوف)) وكتاب ((رد الإمامية)) وشرح ((مقاصد الإمام النووي الكبير والصغير)) - ((سبائك الذهب في الأنساب)) وغير ذلك. (ترجمة شهاب الدين مفتى الحنفية ببغداد الألوسي البغدادي) (ومنهم) : مفتى مدينة السلام مولانا ووالدنا وأستاذنا ابو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الشافعي مفتى الحنفية ببغداد الشهير بالآلوسي، وابن العلامة ولى الله تعالى بلا نزاع السيد عبد الله أفندي. قال صاحب ((حديقة الورود)) : هو أستاذنا ومقتدانا إنسان عين الزمان بل عين إنسان نوع الإنسان وسر الليالي المضمر في خاطر الدهر بل نذرها الذي وقت به لهذا العصر كشاف رموز الحقائق وغواص بحر الدقائق شيخ علماء العراق بل بدر الآفاق علامة الفضلاء وسند النبلاء وحيد الدهر بالانفاق كريم الذات بديع الأخلاق خاتمة المفسرين وسعد المحققين وفخر علماء المسلمين والواصل إلى رتبة الاجتهاد الذي شرق وغرب ذكره في البلاد أخذ العلوم عم علماء محققين وأجلاء مدققين وقد ألف ودرس وهو دون العشرين وكان حسن المنظر والمحاضرة والمفاكهة فصيح اللسان ورعاً تقياً عفيفاً فريداً في وعضه وجودة خطه وقوة حافظته حتى إنه قال: ما استودعت ذهني شيئاً فخانني وقد ولد يوم الجمعة منتصف شعبان في

стр. 57

العام السابع عشر بعد الألف والمائتين وتوفي سنة السبعين بعد المائتين والألف ضحوة يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام. وجاء تاريخ وفاته. [بسيط] حور الجنان به حفت مؤرخة ... جنات روح المعاني قبر محمود وقد آلف تأليف عديدة منها تفسيره ((روح المعاني)) عشر مجلدات ضخام، وهو تفسير ليس له نظير والله تعالى در ((الفاروقى)) (١) القائل فيه: [طويل] يقولون قد مات الشهاب أبو الثناء ... وباتت عليه أعين العلم باكية فقلت لهم ما مات من زال شخصه ... وروح معانيه إلى الحشر باقية وله شرح ((درة الغواص)) و ((حاشية شرح القطر)) و ((الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية)) وكتاب ((الفيض الوارد)) و ((حواش على حواشي عبد الحكيم)) وكتاب ((الطراز المذهب)) وكتاب ((النفحات القدسية)) وشرح ((البرهان)) و ((نشوة الشمول)) و ((نشوة المدام)) و ((نزهة الألباب وغرائب الاغتراب)) وشرح العينية، وحواشي مير في الآداب، والأجوبة اللاهورية وكتاب ((الاستعارة)) والمقامات وغير ذلك - انتهى باختصار. وقال في ((أريج الند والعود)) : إن شيخنا قد ألفت في ترجمته رسائل مفصلة، وبينت أحواله وسيرته في مجلات مطولة. وقد كان نادرة الأوان وممدوحاً بكل لسان حصل العلوم النقلية والعقلية فتفرد بها، ودرس العربية والبيان والحديث والتفسير ووقف على غامضه فيه تفسيره الشهير، والكلام والرياضي الأصلين وقصدته العلماء من الأقطار البعيدة، ونزلت في داره وحضروا عنه وأفتى خمس عشرة سنة بسيرة مرضية وانقادت له الخواص والعوام وهابته الأمراء الفخام وبعد وصيته في سائر بلاد الإسلام ولم يسمع بمثله في كافة الأقاليم منذ سنين عديدة مع تقوى وصلاح وديانة قوية،

стр. 58

وسخاء وكرم وصدقات خفيه وقد صنف ودرس وانتفع به خلق كثير وله التصنيفات الحسنة في علوم شتى والنثر العجيب الذي لم يسبق إلى حسن أسلوبه والاستحضار الكامل والفكر الواصل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذب عن السنة وكان لا يمل من التدريس والتأليف وكان ذا حافظة غريبة وفطنة عجيبة وقد انتهت إليه الرياسة في بغداد وأخذت عنه علماؤها الأمجاد وصار أستاذ الكل في الكل والمعول عليه في العقد والحل: [بسيط] . لا يبلغ الواصف المطرى خصائصه ... وإن يكن سابقاً في كل ما وصفا توفي سنة السبعين بعد المائتين والألف وعمره نحو ثلاث وخمسين سنة ودفن بالقرب من الشيخ معروف الكرخي وقبره مشهور يزار ويوم وفاته حل بالمسلمين خطب عظيم ونقص جسيم وكثر عليه من المسلمين الضجيج والعويل والأنين. رحمه الله تعالى، ولا زالت نعمه عليه تتوالى. آمين. انتهى ملخصاً. وأقول: قد مر لك نقلى كلام الوالد عليه الرحمة فيه والتبجيل له بظاهره وخافيه وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضاً ما تستحليه. (ترجمة مسند الوقت أحمد ولى الله الدهلوي) (ومنهم) : ناطق هذه الدورة وحكيمها وقائد هذه الطبقة وزعيهما الشيخ الأجل مسند الوقت: أحمد ولى الله المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى. وله رسالة في التفهيمات الإلهية فيها الذب عن شيخ الإيلام ابن تيمية قال فيها: والذي أعتقده أنا، وأحب أن يعتقده جميع المسلمين في علماء الإسلام حملة الكتاب والسنة والفقه الذابين عن عقيدة أهل السنة والحديث، أنهم عدول بتعديل النبي ﷺ حيث قال: ((يحمل هذا العلم من

стр. 59

كل حلف عدوله)) (١) وإن كان بعضهم قد تكلم فيهم بما لا يرضيه هذا المعتقدة إذا كان قولهم ذلك غير مردود عليهم بنص الكتاب والسنة والإجماع وكان قولهم ذلك محتملاً وكان مجال ومساغ للخوض فيه سواء كان قولهم ذلك في أصول الدين أو في المباحث الفقهية أو في الحقائق الوجدانية وعلى هذا الأصل اعتقدنا في شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى. فإنا قد تحققنا من حاله أنه عالم بكتاب الله ومعانيه اللغوية والشرعية وحافظ لسنة رسول الله ﷺ وآثار السلف عارف بمعانيهما اللغوية والشرعية أستاذ في النحو واللغة محور لمذهب الحنابلة فروعه وأصوله فائق في الذكاء ذو لسان وبلاغة في الذب عن عقيدة أهل السنة لم يؤثر عنه فسق ولا بدعة اللهم إلا هذه الأمور التي ضيق عليه لأجلها وليس شيء منها إلا ومعه دليله من الكتاب والسنة وآثار السلف فمثل هذا الشيخ عزيز الوجود في العالم ومن يطيق أن يلحق شأوره في تحريره وتقديره والذين ضيقوا عليه ما بلغوا معشار ما آتاه الله تعالى، وإن كان تضييقه ذلك ناشئاً من اجتهاد ومشاجرة العلماء في مثل ذلك ما هي إلا كمشاجرة الصحابة ﵃ فيما بينهم والواجب في ذلك كف اللسان إلا بخير - انتهى. ثم أجاب عن مسائله التي ضيقوا عليه فيها. (ترجمة العلامة الشوكاني) (ومنهم) - شيخ الإسلام والمسلمين وارث علوم سيد المرسلين العلامة المجتهد المطلق الإمام العلامة الرباني، قاضي القضاة بن علي الشوكاني اليماني ﵁ فإنه أثنى عليه في مؤلفاته الممتعة النافعة في مسألة الاستواء ومسألة الطلاق الثلاث وغيرهما. وشرح

стр. 60

كتاب ((المنتقى في الأخبار)) لجده، وأتى بما لم تستطعه الأوائل. وترجم له في كتابه ((البدر الطالع)) وقال: تقي الدين أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام شيخ الإسلام إمام الأئمة المجتهد المطلق نظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجباً في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف كذا في ((اندرر)) للحافظ ابن حجر. وأقول أنا: لا أعلم بعد ((ابن حزم)) مثله وما أظن أنه سمح الزمان ما بين عصري الرجلين بمن يشابههما أو يقاربهما وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه ولعل فتاواه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلد بل أكثر وكان قولاً بالحق لاتأخذه في الله لومة لائم ولا كان متلاعباً بالدين ولا يتفرد بمسائل بالتشهى ولا يطلق لسانه بما اتفق بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة لمن تقدمه من الأئمة تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم تزرع له عداوة في النفوس ولولا ذلك لكان كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بأنه بحر لا ساحل له وكنز ليس له نفاد والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه بل يريمه بالعظائم وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة فإنه لا بد أن يستنكره المقصرون ويقع له معهم محنة ثم يكون أمره الأعلى وقوله الأولى ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره وهكذا كان حال هذا الإمام فإنه بعد موته عرف الناس مقداره واتفقت الألسن بالثناء عليه إلا من لا بعتد به وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته.

стр. 61

قال: وقد ترجمه جماعة وبالغوا في الثناء عليه، ورثاه كثير من الشعراء. وقال جمال الدين السرمدي في ((أماليه)) : ومن عجائب زمننا في الحفظ ابن تيمية كان يمر بالكتاب وكان يمر بالكتاب مطالعة فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه وقد ترجم له ((الصفدي)) وسرد في أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار ومن أنفعها كتابه في ((إبطال الحيل)) فإنه نفيس جداً وكتابه ((المنهاج في الرد على الرافضي)) في غاية الحسن. وقال ((ابن سيد الناس اليعمرى)) في ترجمته: إنه برز في كل فن على أبناء جنسه ولم ترعين من رآه مثله ولا أرت عينه مثل نفسه وقد خالف الأئمة الأربعة في مسائل عدة صنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة وقد أثنى عليه كثير من أكابر علماء عصره فمن بعدهم ووصفوه بالتفرد وأطلقوا في نعته عبارات ضخمة، وهو حقيق بذلك. انتهى حاصله. قلت: وكان زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة أكثر أهل زمانه في العقا والنهى وأوفرهم في الفهم والفقه والبصيرة والذكاء حسدوه لكمال عقله وجمال عمله وعلمه وعادوه لصدعه بالحق وإيثارة على الخلق؛ وهذه سنة الله في عباده المؤمنين المخلصين له في الدين. (ترجمة الإمام الأجر أبي الطيب) (صديق بن حسن أيده الله تعالى) (ومنهم) - شيخنا الإمام الكبير السيد العلامة الأمير البدر المنير البحر الحبر في التفسير والحديث والفقه والأصول والتاريخ والأدب والشعر والكتابة والتصوف والحكمة والفلسفة وغيرها: أبو الطيب صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي (١) ، حماه الله تعالى وعافاه وعن الشرور وقاه وهو الذي نطقت ألسن الخلائق بثنائه،

стр. 62

وأذعنت الأعداء لفضله وفرط ذكائه ولد يوم الأحد لعله التاسع عشر من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف الهجرية. أخذ العلم عن أكابر أطراف وطنه ثم ارتحل إلى مدينة دهلي وهي إذ ذاك مشحونة بعلماء الدين؛ فأخذ عن شيوخها في المعقول والمنقول لا سيما من آخرهم وأفضضلهم الشيخ صدر ين الدهلوي تلميذ الشيخ عبد العزيز بن مسند الوقت الشيخ الأجل أحمد ولى الله المحدث الدهلوي ثم ارتحل إلى بهو وبال وسافر إلى الحجاز وحج وزار النبي ﷺ . وأخذ من علماء اليمن الميمون تلاميذ العلامة المجتهد المطلق: محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى وجمع في ذلك كتاباً سماه ((سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند)) ، وذكر فيه أخذ عنه ومن أجاز له والأسانيد التي تلقاها عن شيوخه وبقي عاكفاً في الحرمين نحو ثمانية أشهر ثم عاد إلى بهوبال، واستوطن واستقر هنالك بنشر العلم ويفيد العلماء وينصر السنة المطهر ويروح كتبها ويؤلف ومؤلفاته الشريفة الممتعة النافعة باللسان العربي ولغة الفرس والهند تربو على ستين كتاباً منها: تفسيره المرسوم ((بفتح البيان في مقاصد القرآن)) وهو الجامع بين الرواية الصحيحة والدراية الصريحة؛ وليس قرية وراء عبادان ومنها ((الروضة الندية في شرح الدرر البهية)) في فقه الحديث ليس له نظير في هذا الباب. ومنها ((مسك الختام شرح بلوغ المرام)) بالفارسي. ومنها ((عون لباري لحل أدلة صحيح البخاري)) ومنها ((حصول المأمول في علم الأصول)) أي أصول الفقه. و ((البلغة إلى أصول اللغة)) و ((الإكسير في أصول التفسير)) إلى غير ذلك مما لايحصى كثرة. وقد سرد أسماء كتبه صاحب المواهب و ((كنز الرغائب)) في كتاب ((قرة الإعيان ومسرة الأذهان)) (١) ولبعضهم كتاب وسيط في ترجمته الشريفة سماه ((قطر الصيب في ترجمة الإمام أبي الطيب)) وقد طبعت مصنفاته أكثرها في هذه

стр. 63

الأيام بمصر القاهرة وقسطنطينية. وياله من تحقيق وبيان وقد سارت بها الركبان من بلدان إلى بلدان إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف استدل ورجح ويحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه وما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه ولا أشد استحضاراً للسنة المطهرة وعزوها منه هذا، ومع ما هو عليه من الكرم والجود والشجاعة وجمع الفؤاد والبراعة والفراغ من ملاذ النفس ومن خالطه وعرفه ينسبني إلى التقصير فيه ومن نابذة وخالفه قد ينسبني إلى التعالى فيه وهو أبيض ربعة من القوم قليل الشيب لهذا العهد شعره إلى شحمة أذنيه فصيح سريع القراءة سريع الكتابة سريع الحفظ والمطالعة لا يبالي في الله لومة لائم من أهل الابتداع ولا تمنعه صولة صائل في تحرير الحق الحقيق بالاتباع. ولا يناظر أحداً من الناس ولا يخاطبهم بشيء من الرد لكونهم مكابرين لا مناظرين ولا جاهلين ولا عالمين وليس له خصوم إلا بعض المقلدة وأهل البدعة المقصرين عن بلوغ رتبته في الدنيا وقد ترجم له في كتبته الشريفة بما يغني عن الإطالة في هذا المقام وترجم له غيره من علماء الدنيا شرقاً وغرباً يميناً وشمالاً أيضاً فلا ضرورة لنا ولا حاجة بنا إلى تمام الكلام على هذا المرام. والمقصود هنا أنه حماه الله تعالى أثنى على شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته عليها ثناء حسنا، ونقل عن جمع جم من أكابر السلف والخلف الأثنية الكثيرة عليه، فإن شئت زيادة الاطلاع على هذه الحال فارجع إلى ذلك المقال. وبقي من المثنين عليه علماء كثيرون وأئمة من أهل سائر المذاهب ذوي الفضائل والمناقب لا يسعنا لضيق الوقت سرد أسمائهم وبسط ثنائهم. وأما الحنابلة فهم بأجمعهم له معظمون ولعقيدته قابلون ولكلامه سامعون كما سمعت أقوال كبرائهم وسيأتيك إن شاء الله تعالى

стр. 64

كثير من عباراتهم فتدبر هذا وذاك وهو سبحانه المرجو لهدانا وهداك. فصل: (في الجرح والتعديل) فإن قلت: قد تبين أن من العلماء من هو قادح في الشيخ ابن تيمية وإن كانوا أقل من الفرقة الراضية المرضية؛ إلا أنه من القاعدة التي عليها التعويل أن الجرح مقدم على التعديل فما الجواب المميز للخطأ عن الصواب؟ قلت: قال العلامة شيخ مشايخنا وافضل المتأخرين في عصرنا: السيد محمد أمين بن عابدين الدمشقي محشى ((الدر المختار)) في كتابه ((سل الحسام الهندي لنصرة الشيخ خالد النقبندى)) : إن هذه القاعدة المعروفة بين أهل التفريغ والتأصيل من أن الجرح مقدم على التعديل إنما هي في غير من اشتهرت عدالته وظهرت ديانته وفي غير من علم أن التكلم فيه ناشئ عن عداوة أو جهالة وغباوة فقد قال الحافظ الباجي: الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحه وكان هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره؛ فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقة لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ وما من إمام وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر في ((كتاب)) العلم بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض - بدأ فيه بحديث الزبير ﵁ ((دب غليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء)) الحديث وروى بسنده عن ابن عباس ﵃ أنه قال:

стр. 65

((استمعوا إلى العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم اشد تغايراً من التيوس في زروبها (١)) ) . مطلب (لا يؤخذ بقول العلماء في طعن بعضهم بعضاً) وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك وإليه أشار ((الرافعي)) بقوله: ينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب، انتهى. وقد أطال في هذا المقام وهو لعمري على رأس المخالف أمضى من حسام وقال أيضاً في حاشيته على ((الدر المختار)) في بحث الإمام أبي حنيفة وذكر مناقبه ورد الطاعنين فيه ما نصه: إن الإمام ﵁ لما شاعت فضائله جرت عليه العادة القديمة من إطلاق ألسنة الحاسدين فيه حتى طعنوا في اجتهاده وعقيدته مما هو مبرأ منه قطعاً لقصد أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره كما تكلم بعضهم في مالك وبعضهم في الشافعي وبعضهم في أحمد بل تكلم فرقة في أبي بكر وعمر وفرقة في عثمان وعلى وفرقة كفرت جميع الصحابة [طويل] ... ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً ... وللناس قال بالظنون وقيل وقال الذهبي والعسقلاني: إن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول؛ لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب إذ لحسد لاينجو منه إلا من عصمه الله تعالى. قال الذهبي: وما علمت أن عصراً سلم أهله من ذلك إلا عصر النبيين

стр. 66

عليهم الصلاة والسلام انتهى. ونحو ذلك ما نقله ((الإمام الشعراني)) في ميزاته عن ((طبقات التاج السبكي)) ما نصه: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وألا تنظر إلى كلام بعض الناس فيهم إلا ببرهان واضح ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحاً عما ترى بينهم، فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك. قال: ولا يزال الطالب عندي نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الأئمة فتلحقه الكآبة وظلمة الوجه فإياك ثم إياك أن تصغي لما وقع بين ((أبي حنيفة وسفيان الثوري)) أو بين ((أحمد بن صالح والشعبي)) أو بين ((أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي)) وهلم جرا إلى الزمان الشيخ ((عز الدين ابن عبد السلام)) ، و ((والشيخ تقي الدين بن الصلاح)) فإنك إن فعلت إن فعلت ذلك خفت أئمة أعلام ولأقوالهم محامل ربما لم يفهمها غيرهم فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما نسكت عما جرى بين الصحابة ﵃ أجمعين. قال: وكان ((الشيخ عز الدين بن عبد السلام)) يقول: إذا بلغك أن أحداً من الأئمة شدد النكير على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفاً على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفاً على أحد ان يفهم من كلامه خلاف مراده لا سيما علم العقائد فإن الكلام في ذلك أشد. انتهى. مطلب (فيمن طعن في معاصروه) وقال أيضاً ((الشعراني)) في كتابه ((الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية)) كما وقع أيضاً ((للشيخ عز الدين بن عبد السلام)) من رمى أهل زمانه بالكفر - من أجل كلمة قالها - في عقيدته، وحرضوا (١) السلطان عليه ثم تداركه الله تعالى بلطفه.

стр. 67

وكذا نكروا على ((الشيخ تاج الدين السبكي)) ورموه بالكفر واستحلال شرب الخمر وأتوا به مغلولاً مقيداً من الشام إلى مصر ومعه خلائق يشهدون عليه وأنكروا على إمام الحرمين (١) شيخ ((الغزالي)) وحسدوه وآذوه: فبرعه له ولد واشتغل بالعلم وصار يدرس نياتة عن والده فأطمعوه السم فقتلوه وأفتوا بكفر ((الإمام الغزالي)) بألفاظ وجدوها في كتابه ((الأحياء)) وحرقوا ما وجدوه في أرض المغرب من نسخ الأحياء. وكان من جملة من قام عليه ((القاضي عياض)) وضرب رسول الله ﷺ ابن أبي الخوارزم في المنام بقارع فلم يزل أثر الضرب على جنبيه حتى مات والواقعة مشهورة. ومن جملة ما شنعوا على ((الغزالي)) قوله: ((ليس في الإمكان ابدع مما كان)) وأمر ((الإمام أبي حنيفة)) و ((أحمد بن حنبل)) من الحبس والضرب مشهور وما قاساه ((الإمام الشافعي)) من أهل مصر لما ادعى الاجتهاد المطلق وكذا ((الإمام مالك)) من أهل عصره، وما قاساه ((الإمام البخاري)) حتى أخرجوه من بخارى إلى مدينة خرتنك فمات بها. وما قاساه ((سعد ابن أبي وقاص)) وتشكي أهل الكوفة عليه عند ((عمر)) رضي الله تعالى عنهما أنه لا يحسن أن يصلى. وغير ذلك مما يضيق عن تعدادهم هذا الكتاب فإن أردته فارجع إلى المصنفات المفصلة والكتب المطولة. وفي كتاب ((هداية السائل إلى أدلة السائل)) لشيخنا ((أبي الطيب القنوجي)) حماه الله تعالى: قد فتح باب التقليد والمتذهب عداوات وتعصبات قل من سلم منها إلا من عصمه الله تعالى قال: وذكر ((الحافظ الذهبي)) في ترجمة ((أحمد بن عبد الله الهناني)) أن ((نعيما الأصفاني)) قال: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به؛ لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو المذهب أو الحسد،

стр. 68

ولا ينجو منه إلا من عصمه الله تعالى، وما علمت عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت لسردت من ذلك كراريس، انتهى. [لغرض أو مرض هوجم ابن تيمية] (واقول) : إذا أحطت خبراً بما تلوناه ونمليه عليك، واستمسكت بزمام الحق والأنصاف الموضوع بين يديك تعلم أن كلام بعض الطاعنين في ((الشيخ ابن تيمية)) بل معدود من جملة ما نسب إلى أمثاله من المغزوات (١) المتقدمة المسطورة. فأما ((القاضي السبكي)) ومتا بعوه، فلداء المعاصرة نافسوه، وغدوا بكل نقيصة رامية ولأمور رامية ولأمور يطول شرحها مع معاديه. وأما ((أبو حيان)) فقد جرى أيضاً بينهما كما جرى بين الأقران في كل زمان. وأما غيرهما فللمخالفة المذهبية في بعض المسائل الفرعية الاجتهادية وبعض الاعتقادية. ومنهم من طعن من غير تحقيق وروية. ومنهم لاعتراضه على بعض كلمات الصوفية المغاير ظاهرها للشريعة المطهرة الأحمدية ولأنه سلفى الاعتقاد كالأئمة الأمجاد وطاعنوه كما نعلم خلفيون ولآيات الصفات مؤولون، وشتان بين مفوض لأخبار الصفات ومؤول للآحاديث والآيات البينات وكل منهم إن شاء الله تعالى قصد الخير ((وإنما الأعمال بالنيات)) وسيجىء تفصيل هذه المجملات وينكشف عن وجه الحقيقة غيهب الشبهات بعناية الله سبحانه وتوفيقه.

стр. 69

فصل: (في كلام العلامة ابن حجر فيما يتعلق بكتب الصوفية) (ابن تيمية والتصوف والمتصوفة) قال الشيخ ((ابن حجر)) عليه الرحمة في كتابه المذكور: وحاصل ما أشير إليه في السؤال أنه قال في بعض كلامه: إن في كتب الصوفية ما هو مبني على أصول الفلاسفة المخالفين لدين المسلمين فتلقى ذلك بالقبول من يطلع فيها من غير أن يعرف حقيقتها كدعوى أحدهم أنه مطلع على اللوح المحفوظ؛ فإنه عند الفلاسفة كابن سينا وأتباعه ((النفس الفلكية)) ويزعم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية، أو بالعقل الفعال يقظة أو مناماً وهم يدعون أن ما يحصل من المكاشفة يقظة أو مناماً هو بسبب اتصالها بالنفس الفلكية عندهم وهي سبب حدوث الحوادث العالم فإذا اتصلت بها النفس البشر انتقش فيها ما كان في النفس الفلكية وهذه الأمور لم يذكرها قدماء الفلاسفة وإنما ذكرها ابن سينا ومن يتلقى عنه. ويؤخذ ذلك من بعض كلام ((أبي حامد الغزالي)) وكلام ((ابن عربي)) ((وابن سبعين)) وأمثال هؤلاء الذي تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لاعلى أصول المسلمين ولقد خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة والإسماعيلية والقرامطة الباطنية بخلاف عباد أهل السنة والحديث ومتصوفيهم، ((كالفضيل)) (١) وسائر رجال الرسالة وهؤلاء أعظم الناس إنكاراً لطرق من هو خير من الفلاسفة كالمعتزلة والكلابية فكيف بالفلاسفة؟ وأهل التصوف ثلاثة أنصاف: قوم على مذهب اهل السنة كهؤلاء المذكورين

стр. 70

وقوم على طريقة بعض أهل الكلام من الكلابية وغيرهم. وقوم خرجوا إلى طريق الفلسفة؛ مثل مسلك من سلك رسائل ((إخوان الصفا)) وقطعة توجد في كلام ((أبي حيان التوحيدي)) . وأما ((ابن عربي)) و ((ابن سبعين)) ونحوهما فجاءوا فلسفية غيروا عباراتها، وأخرجوا في قالب التصوف. و ((ابن سينا)) تكلم في آخر ((الإشارات)) على مقام العارفين بحسب ما يليق بحاله وكذا معظم من لم يعرف الحقائق الإيمانية. و ((الغزالي)) ذكر شيئاً من ذلك في بعض كتبه، لا سيما في الكتاب ((المضنون به على غير أهله)) و ((مشكاة الأنوار)) ونحو ذلك. حتى ادعى صاحبه ((أبو بكر ابن العربي)) فقال: شيخنا دخل في نظر الفلاسفة وأراد أن يخرج منهم فما قدر؛ لكن ((أبو حامد)) يكفر الفلاسفة في غير موضع وبين فساد طريقتهم وأنها لا تحصل المقصود واشتغل في آخر عمره ((بالبخاري)) ومات على ذلك. وقيل: أنه رجع عن هذه الكتب ومنهم من يقول: إنها مكذوبة عليه وكثر كلام الناس فيه لأجلها؛ ((كالمازوي والطرطوشي وابن الجوزي وابن عقيل)) وغيرهم. انتهى حاصل الكلام ((ابن تيمية)) . وهو يناسب ما كان عليه من سوء الاعتقاد حتى في أكابر الصحابة ومن بعدهم إلى أهل عصره وربما أداه ذلك إلى تبديع كثير منهم. ومن جملة من تتبعه: الولى القطب العارف ((أبو الحسن الشاذلي)) نفعنا الله تعالى به وبعلومه ومعارفه في ((حزبه الكبير وحزب البحر)) وقطعة من كلامه كما تتبع ((ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين)) وتتبع أيضاً ((الحلاج الحسين بن منصور)) ولا زال يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه وبدعوه (١) بل كفره كثير منهم.

стр. 71

وقد كتب إليه بعض أجلاء عصره علماً ومعرفة سنة خمس وسبعمائة: من فلان إلى الشيخ الكبير العالم إمام أهل عصره بزعمه - أما بعد، فإنا أحببناك في الله زماناً وأعرضنا عما يقال عنك إعراض الغفلة إحساناً إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس وهل يشك في الليل عاقل إذا غابت الشمس، وإنك أظهرت أنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله تعالى أعلم بقصدك ونيتك ولكن الإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول وما رأينا آل أمرك إلا إلى هتك الأستار والأعراض باتباع من لايوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض؛ فهو سائر زمانه يسب الأوصاف والذوات وام يقنع بسب الأحياء حتى كفر الأموات ولم يكفه التعرض على من تأخير من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الأول من له أعلى المراتب في الفضل فياويح من هؤلاء! خصماؤه يوم القيامة وهيهات أن لايناله غضب وأنى له بالسلامة! وكنت ممن سمعه وهو على منبر جامع الجبل بالصالحية وقد ذكر ((عمر بن الخطاب)) ﵁ فقال: إن عمر غلطات وبليات وأي بليات! وأخبرني عنه السلف أن ذكر ((علي بن أبي طالب)) ﵁ في مجلس آخر فقال: إن علياً أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان فياليت شعري! من أين يحصل لك الصواب، إذا أخطأ على - كرم اللع تعالى وجهه - بزعمك وعمر بن الخطاب؟ والآن قد بلغ هذا الحال منتهاه والأمر إلى مقتضاه ولا ينفعني إلا القيام في أمرك ودفع شرك؛ لأنك قد أفرطت في الغى، ووصل أذاك إلى كل ميت وحي وتلزمني الغيرة شرعاً من الله ولرسوله ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد الله المسلمين بحكم ما تقوله العلماء وهم أهل الشرع وأرباب السيف الذين بهم الوصل والقطع إلى أن يحصل منك الكف عن أعراض

стр. 72

الصالحين ﵃ أجمعين. انتهى ما قاله، ونقله ((ابن حجر)) عليه الرحمة. (أقول) : كان ينبغي من ((ابن حجر)) أن يعزو هذا الكلام إلى الكتاب الذي نقله منه ونسبه إلى ابن تيمية. ثم نظر بعين التدبر والإنصاف إليه على تقدير صحته بهذه العبارة فهل يقتضي هذا التهور العظيم والطعن الوخيم! وسيقف بحوله سبحانه على تفصيله كالدر النظم. الفصل الأول: (في عقيدة الإمام ابن تيمية) اعلم أولاً أن عقيدة الشيخ ابن تيمية الموافقة للكتاب والسنة وأقول سلف الأمة مستفيضة مفصلة في تصنيفاته وحبه وتعظيمه للصحابة الكرام - لاسيما ((الشيخين)) - طافحة به عباراته وذلك أظهر من الشمس في رابعة النهار خصوصاً لمن تتبعها في تأليفاته ونقلها بأسرها يفضي إلى الملل إلا أنى أحرر لك البعض: ((وعن البحر اكتفاء بالوشل)) فمنه قوله: ... [كامل] يا سائلى عن مذهبي وعقيدتي ... رزق الهدى من للهداية يسأل اسمع كلام محقق في قوله ... لا ينثنى عنه ولا يتبدل حب الصحابة كلهم لي مذهب ... ومودة القربى بها أتوسل ولكلهم قدر وفضل ساطع ... لكنما الصديق منهم أفضل وأقول في القرآن ما جاءت به ... آيانه فهو القديم المنزل وجميع آيات الصفات أمرها ... حقاً كما نقل الطراز الأول وأرد عهدتها إلى نقالها ... وأصونها عن كل ما يتخيل

стр. 73

قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه ... وإذا استدل يقول قال الأخطل (١) والمؤمنون يرون ربهم حقاً ... وإلى السماء بغير كيف ينزل وأقر بالميزان والحوض الذي ... أرجو بأني منه ريا أنهل وكذا الصراط بمد فوق جنهم ... فموجد ناج وآخر مهمل والنار يصلاها الشقي بحكمة ... وكذا التقى إلى الجنان سيدخل ولكل حي عاقل في قبره ... عمل يقارنه هناك ويسأل هذا اعتقاد الشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل فإن اتبعت سبيلهم فموفق ... وإن ابتدعت فما عليك معول وقال من جملة رسالة كتبها للجماعة المنتدبين للشيخ العارف ((عدي ابن مسافر)) ما نصه: وأهل السنة أيضاً في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الغالية الذين يغلون في ((علي)) ﵁ فيقضلونه على ((أبي بكر وعمر)) رضي الله تعالى عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفروا والأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبياً أو إلهاً - وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر ((عثمان)) رضي الله تعالى عنهما ويستحلون دماءهم ودماء من تولاهما! ويستحلون سب ((علي وعثمان)) ونحوهما، أو يقدحون في خلافة ((علي)) وإمامته وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. انتهى

стр. 74

[إجلاله للصحابة] وقال أيضاً فيها ما لفظه: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة؛ فإن الله تعالى قد أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله سبحانه: ﴿محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار﴾ الآية [الفتح ٢٩] وقوله تعالى: ﴿لقد ﵁ المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ [الفتح ١٨] . وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) . وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين ((على بن أبي طالب)) كرم الله وجهه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ((أبو بكر وعمر)) واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة ((عثمان)) بعد ((عمر)) رضي الله تعالى عنهما. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً)) . وقال ﷺ : ((عليكم بسنتي وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواخذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) فكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه آجر الخلفاء الراشدين المهديين. وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ودلائل ذلك فضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها. وكذلك نؤمر بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب،

стр. 75

وبعضهم كانوا مجتهدين فيه إما مصيبين لهم أجران وإما مثابين على عملهم الصالح مغفور له خطؤهم وما كان لهم من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله تعالى يغفرها لهم إما توبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك فإنهم خير قرون هذه الأمة، انتهى بحروفه. وقال أيضاً في كتابه (اعتقاد الفرقة الناجية) ما نصه: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ الآية [الحشر ١٠] . وطاعة النبي ﷺ في قوله: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أتفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضع عشرة: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به ﷺ بل وقد ﵃ ورضوا عنه ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، و ((ثابت بن قيس بن شماس)) وغيرهم من الصحابة ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين ((علي بن أبي طالب)) وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊ ((أبو بكر ثم عمر)) ، ويثلثون ((بعثمان)) ، ويربعون ((بعلي)) رضي الله تعالى عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما اجتمعت الصحابة على تقديم ((عثمان)) في البيعة مع أن أهل السنة قد اختلفوا في ((عثمان وعلي)) بعد اتفاقهم على تقديم ((أبي بكر وعمر)) ايهما أفضل فقدم قوم ((عثمان)) وأربعوا ((بعلي)) وقدم قوم ((علياً)) ، وقوم
следующие страницы →