وقد كتب إليه بعض أجلاء عصره علماً ومعرفة سنة خمس وسبعمائة: من فلان إلى الشيخ الكبير العالم إمام أهل عصره بزعمه - أما بعد، فإنا أحببناك في الله زماناً وأعرضنا عما يقال عنك إعراض الغفلة إحساناً إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس وهل يشك في الليل عاقل إذا غابت الشمس، وإنك أظهرت أنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله تعالى أعلم بقصدك ونيتك ولكن الإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول وما رأينا آل أمرك إلا إلى هتك الأستار والأعراض باتباع من لايوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض؛ فهو سائر زمانه يسب الأوصاف والذوات وام يقنع بسب الأحياء حتى كفر الأموات ولم يكفه التعرض على من تأخير من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الأول من له أعلى المراتب في الفضل فياويح من هؤلاء! خصماؤه يوم القيامة وهيهات أن لايناله غضب وأنى له بالسلامة! وكنت ممن سمعه وهو على منبر جامع الجبل بالصالحية وقد ذكر ((عمر بن الخطاب)) ﵁ فقال: إن عمر غلطات وبليات وأي بليات! وأخبرني عنه السلف أن ذكر ((علي بن أبي طالب)) ﵁ في مجلس آخر فقال: إن علياً أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان فياليت شعري! من أين يحصل لك الصواب، إذا أخطأ على - كرم اللع تعالى وجهه - بزعمك وعمر بن الخطاب؟ والآن قد بلغ هذا الحال منتهاه والأمر إلى مقتضاه ولا ينفعني إلا القيام في أمرك ودفع شرك؛ لأنك قد أفرطت في الغى، ووصل أذاك إلى كل ميت وحي وتلزمني الغيرة شرعاً من الله ولرسوله ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد الله المسلمين بحكم ما تقوله العلماء وهم أهل الشرع وأرباب السيف الذين بهم الوصل والقطع إلى أن يحصل منك الكف عن أعراض
стр. 72
الصالحين ﵃ أجمعين.
انتهى ما قاله، ونقله ((ابن حجر)) عليه الرحمة.
(أقول) : كان ينبغي من ((ابن حجر)) أن يعزو هذا الكلام إلى الكتاب الذي نقله منه ونسبه إلى ابن تيمية. ثم نظر بعين التدبر والإنصاف إليه على تقدير صحته بهذه العبارة فهل يقتضي هذا التهور العظيم والطعن الوخيم! وسيقف بحوله سبحانه على تفصيله كالدر النظم.
الفصل الأول: (في عقيدة الإمام ابن تيمية)
اعلم أولاً أن عقيدة الشيخ ابن تيمية الموافقة للكتاب والسنة وأقول سلف الأمة مستفيضة مفصلة في تصنيفاته وحبه وتعظيمه للصحابة الكرام - لاسيما ((الشيخين)) - طافحة به عباراته وذلك أظهر من الشمس في رابعة النهار خصوصاً لمن تتبعها في تأليفاته ونقلها بأسرها يفضي إلى الملل إلا أنى أحرر لك البعض:
((وعن البحر اكتفاء بالوشل)) فمنه قوله: ... [كامل]
يا سائلى عن مذهبي وعقيدتي ... رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله ... لا ينثنى عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب ... ومودة القربى بها أتوسل
ولكلهم قدر وفضل ساطع ... لكنما الصديق منهم أفضل
وأقول في القرآن ما جاءت به ... آيانه فهو القديم المنزل
وجميع آيات الصفات أمرها ... حقاً كما نقل الطراز الأول
وأرد عهدتها إلى نقالها ... وأصونها عن كل ما يتخيل
стр. 73
قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه ... وإذا استدل يقول قال الأخطل (١)
والمؤمنون يرون ربهم حقاً ... وإلى السماء بغير كيف ينزل
وأقر بالميزان والحوض الذي ... أرجو بأني منه ريا أنهل
وكذا الصراط بمد فوق جنهم ... فموجد ناج وآخر مهمل
والنار يصلاها الشقي بحكمة ... وكذا التقى إلى الجنان سيدخل
ولكل حي عاقل في قبره ... عمل يقارنه هناك ويسأل
هذا اعتقاد الشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل
فإن اتبعت سبيلهم فموفق ... وإن ابتدعت فما عليك معول
وقال من جملة رسالة كتبها للجماعة المنتدبين للشيخ العارف ((عدي ابن مسافر)) ما نصه: وأهل السنة أيضاً في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الغالية الذين يغلون في ((علي)) ﵁ فيقضلونه على ((أبي بكر وعمر)) رضي الله تعالى عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفروا والأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبياً أو إلهاً - وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر ((عثمان)) رضي الله تعالى عنهما ويستحلون دماءهم ودماء من تولاهما! ويستحلون سب ((علي وعثمان)) ونحوهما، أو يقدحون في خلافة ((علي)) وإمامته وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. انتهى
стр. 74
[إجلاله للصحابة]
وقال أيضاً فيها ما لفظه: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة؛ فإن الله تعالى قد أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله سبحانه: ﴿محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار﴾ الآية [الفتح ٢٩] وقوله تعالى: ﴿لقد ﵁ المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ [الفتح ١٨] .
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين ((على بن أبي طالب)) كرم الله وجهه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ((أبو بكر وعمر)) واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة ((عثمان)) بعد ((عمر)) رضي الله تعالى عنهما. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً)) . وقال ﷺ : ((عليكم بسنتي وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواخذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) فكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه آجر الخلفاء الراشدين المهديين. وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ودلائل ذلك فضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها. وكذلك نؤمر بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب،
стр. 75
وبعضهم كانوا مجتهدين فيه إما مصيبين لهم أجران وإما مثابين على عملهم الصالح مغفور له خطؤهم وما كان لهم من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله تعالى يغفرها لهم إما توبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك فإنهم خير قرون هذه الأمة، انتهى بحروفه.
وقال أيضاً في كتابه (اعتقاد الفرقة الناجية) ما نصه: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ الآية [الحشر ١٠] . وطاعة النبي ﷺ في قوله: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أتفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضع عشرة: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به ﷺ بل وقد ﵃ ورضوا عنه ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، و ((ثابت بن قيس بن شماس)) وغيرهم من الصحابة ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين ((علي بن أبي طالب)) وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊ ((أبو بكر ثم عمر)) ، ويثلثون ((بعثمان)) ، ويربعون ((بعلي)) رضي الله تعالى عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما اجتمعت الصحابة على تقديم ((عثمان)) في البيعة مع أن أهل السنة قد اختلفوا في ((عثمان وعلي)) بعد اتفاقهم على تقديم ((أبي بكر وعمر)) ايهما أفضل فقدم قوم ((عثمان)) وأربعوا ((بعلي)) وقدم قوم ((علياً)) ، وقوم
стр. 76
توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم ((عثمان ثم علي)) . وإن كانت هذه المسألة مسألة ((عثمان وعلي)) رضي الله تعالى عنهما ليست من الأصول التي يضل فيها عند جمهور أهل السنة.
لكن المسألة التي يضل فيها المخالف مسألة الخلافة وذك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ ((أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي)) ﵃ أجمعين. ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله ويتولون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويحفظون فيهم وصيته حيث قال يوم غديرخم: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) .
وقال أيضاً ((للعباس)) عمه وشكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: ((والذي نفسي بيده، إن الله اصطفى ((إسماعيل)) واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)) - إلى أن قال - ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون،إما مخطئون مجتهدون وإما مصيبون مجتهدون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ماليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ إنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به أفضل به من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه وأتى بحسنات تمحوه أو
стр. 77
غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها يجتهدون إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا أجر واحد والخطأ مغفور لهم.
ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله تعالى على أيديهم من خوارق العادة من أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سلف الأمم في سورة الكهف وغيره، وعن صدر هذه الأئمة من الصحابة والتابعين وسائر التابعين قرون الأمة وهي موجودة إلى يوم القيامة. انتهى ما هو المقصود منه بحروفه.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ الآية [يوسف ١١٠] ما نصه: وكان أبو بكر أكثر علماً وإيماناً من عمر رضي الله تعالى عنهما وإن كان عمر ﵁ محدثاً كما جاء في الحديث الصحيح أنه قال ﷺ : ((قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر)) فهو ﵁ المحدث الملهم الذي صرف الله تعالى الحق على لسانه وقلبه. انتهى.
وقال أيضاً في فتاواه: مسألة في رجل قال في ((علي بن أبي طالب)) ﵁ أنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة.
والجواب: أما كون علي ﵁ من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين وهو أوضح من أن يحتاج إلى دليل؛ بل هو أفضل أهل البيت، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أراد كساءه على ((علي وفاطمة وحسن وحسين)) وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)) .
وأما الصلاة عليه منفرداً فهذا بناء على أنه: هل يصلي على غير النبي
стр. 78
- ﷺ على وجه الانفراد مثل أن يقول: اللهم ﷺ على عمر أو على؟ وتنازع العلماء في ذلك: فمذهب مالك والشافعي وطائفة من الحنابلة أنه لايصلي على غير النبي ﷺ منفرداً كما روى ابن عباس أنه قال: لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على النبي ﷺ وذهب أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لعمر: صلى الله عليك. وهذا القول أصح وأولى ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كعلي أو غيره بالصلاة عليه مضاهاة للنبي ﷺ : بحيث يجعل شعاراً مقروناً باسمه فهذا هو البدعة والله أعلم. انتهى.
ونقل ((السفاريني)) عنه أنه قال ما نصه: الكل مقر بأن ((معاوية)) ليس كفئاً لعلى كرم الله وجهه في الخلافة، ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف على ﵁ لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله فإنها كانت معروفة عندهم كإخوانه أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد لكن ((سعداً)) قد ترك هذا الأمر وكان قد انحصر في على وفي عثمان رضي الله تعالى عنهما. فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا على ﵁. وإنما وقع ما وقع من الشر بسبب قتل عثمان ﵁ ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل علياً، ولم يقاتله على ﵁ على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة ولا كانوا يرون أنه يبدأ علياً بقتال بل لما رأى أن لهؤلاء شوكة وهم خارجون عن طاعته رأى أن يقاتلهم حتى يردوا إلى الواجب وهم رأوا أن عثمان ﵁ قتل مظلوماً باتفاق وقتلته في عسكر علي ﵁ وهم غالبون لهم شوكة وعلى كرم الله تعالى وجهه لم يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن
стр. 79
عثمان فرأوا الآراء الفاسدة أن يبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف. وكان من جهال الفريقين من يظن بالإمامين على وعثمان رضي تعالى عنهما ظنوناً كاذبة منهم من يزعم أن علياً ﵁ أمر بقتل عثمان ﵁ وكان علي ﵁ يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله ولا راضى بقتله ولم يمالى قتله وهذا معلوم منه بلا ريب رضوان الله تعالى وكان أناس من محبي على ومن مبغضه يشيعون ذلك عنه فمحبوه يقصدون الطعن على عثمان، وأنه كان يستحق القتل وأن علياً أمر بقتله.
ومبغضوه يقصدون الطعن على علي ﵁ وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد الذي صبر نفسه ولم يدفع عنها، ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه وأمثال هذه الأمور التي تنسب إلى المشنعين العثمانية والعلوية وكل من الطائفتين مقر بأن معاوية ليس بكفء لعلى ﵁ وقد ولى الخلافة ووقعت له المبايعة لما قتل عثمان فقد جاء الناس يهرعون إليه فقالوا له: نبايعك فمد يدك فلا بد للناس من أمير فقال كرم الله تعالى وجهه: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لأهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى علياً فقالوا: ما نرى أحداً أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده. انتهى.
ثم ذكر تمام القصة قتل عثمان ومحاربة معاوية لعلي ﵁، ثم فيما قال البخاري في ((صحيحه)) من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ جعل ينفض التراب عن ((عمار)) وهم يبنون المسجد النبوي ويقول: ((ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)) : قال وجعل عمار يقول: أعوذ بالله تعالى من الفتن. وفي رواية: ((ويح عمار تقتله الفئة الباغية فيدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سره: ومن رضي بقتل عمار ﵁ -
стр. 80
كان حكمه حكمها، أي حم الفئة الباغية التي قتلته ويروى أن ((معاوية)) تأول ذلك وقال قتله من أخرجه، فألزمه ((على)) بقوله: فرسول الله ﷺ إذن قتل ((حمزة)) حين أخرجه لقتال المشركين.
قال الشيخ: لا يب أن قول على ﵁ عنه هذا هو الصواب انتهى.
فإذا وعيت ما تلوناه عليك تبين لك أن حكاية من رمى الشيخ ابن تيمية باستنقاصه للصحابة ذوي النفوس الزكية كلام ولا أصل له ولا أساس؛ بل هو من عمل من يوسوس في صدور الناس فنعوذ بالله من سر الوسواس الخناس. والحمد لله وحده.
وبه أيضاً تبين للمصنف وكلامنا معه أن ما نسبه الشيخ ابن حجر إلى شيخ الإسلام من سوء الاعتقاد في أكابر الصحابة الكرام لا أصل له. وكذا أغلب ما نسب غليه كما ستقف - إن شاء الله تعالى عليه.
الفصل الثاني: [ابن تيمية والشاذلي]
وأما قوله: (ومن جملة من تتبعه القطب أبو الحسن الشاذلي إلى آخره) فيحتاج دفعه إلى تفصيل وتأصيل، وهو أن الشيخ ((ابن تيمية)) وغير واحد من العلماء ذهبوا إلى عدم جواز القسم على الله سبحانه بأحد من خلقه وكتبوا بذلك رسائل عديدة، وكذا شدد كثير من الأجله النكير على من تكلم بكلمات مغايرة للمسلك الشرعي، ككلمات بعض الصوفية المغاير ظاهرها للشريعة المطهرة المنورة. وسيأتي مفصل البحثين في محله.
والشيخ ((الشاذلي)) رحمه الله تعالى لما صدر منه بعض التعبيرات المخالفة بحسب الظاهر للقواعد الشرعية، وإن أولت عند أربابها بالتأويلات
стр. 81
المرضية وكان الدين لا محاباة فيه وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه - كما قال إمام دار الهجرة - إلا المصطفى ﷺ ، وكان العلماء مأمورين برد ما يخالف ظاهر الشريعة المطهرة فلعل الشيخ ابن تيمية تصدى طمعاً بالنصيحة في تصنيفاته لبيان ما يرد عنده على الشيخ الشاذلي في بعض عباراته وأنت تعلم أن هذه شنشنة العلماء والأكابر ولو أردنا تعداد من رد عليه ود لخرج كتابنا من الصدد ونضبت المحابر وسيتبين بحوله سبحانه ما للشيخ الشاذلي من الكلمات التي صارت غرضاً لسهام الناقدين الثقات من ترجمة حاله وبعض أقواله:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
(ترجمة أبي الحسن الشاذلي)
قال الذهبي في ((العبر)) : الشاذلي أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الحميد المغربي الزاهد شيخ طائفة الشاذلية، سكن الإسكندرية وصحبه بها جماعة وله في التصوف مشكلة توهم ويتكلف له في الاعتذار عنها وعنه أخذ الشيخ أبو العباس المرسي. اهـ.
وقال ((ابن الوردي)) في تاريخه: له عبارات في التصوف مشكلة رد عليها الشيخ ابن تيمية.
وقال الشيخ عبد الرءوف المناوي في ((طبقات الأولياء)) : على أبو الحسن الشاذلي السيد الشريف من ذرية محمد بن الحسن زعيم الطائفة الشاذلية نسبة إلى شاذلة قرية بأفريقية نشأ ببلده فاشتغل بالعلوم الشرعية حتى أتقنها وصار بناظر عليها مع كونه ضريراً، ثم سلك منهاج التصوف وجد واجتهد حتى ظهر صلاحه وخيره وله أحزاب محفوظة وأحوال ملحوظة قيل له: من شيخك؟ فقال: أما فيما مضى ((فعبد السلام بن مشيش)) وأما الآن فإنى أسقي من عرشة أبحر: خمسة سماوية وخمسة أرضية ولما قدم الإسكندرية كان بها ((أبو الفتح
стр. 82
الواسطى)) فوقف بظاهرها واستأذنه لا تسع رأسين فمات أبو الفتح في تلك الليلة وذلك لأن من دخل بلداً على فقير بغير إذنه فمهما كان أحدهما أعلى سلبه أو قتله ولذلك ندبوا الاستئذان.
قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله منه، ومع ذلك آذوه وأخرجوه بجماعته من المغرب وكتبوا إلى نائب الإسكندرية إنه يقدم عليكم مغربي زنديق وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه فدخل الإسكندرية فآذوه فظهرت له كرمات أوجبت اعتقاده.
ومن كلامه: كل علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتميل النفس وتلتذبه فارم به وخذ بالكتاب والسنة. وكا إذا ركب تمشى أكابر الفقراء وأهل الدنيا حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكئوسات بين يديه، وينادي النقيب أمامه بأمره له: من أراد القطب الغوث فعليه بالشاذلي.
ومن كلامه: لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة. وحج مراراً ومات بصحراء عيذاب قاصداً للحج في أواجر ذي القعدة ودفن هناك سنة ست وخمسين وستمائة. اهـ.
وفي ((الأجوبة المرضية)) للشيخ ((عبد الوهاب الشعراني)) : ومما أنكروه على الشاذلي قوله في حزب البحر: نسألك العصمة في الحركات والسكنات والخطرات والإرادات وقالوا: العصمة لا تكون غلا للأنبياء، فكيف يسألها وما ذاك إلا من الجهل وأجاب عنه بأنه ما سأل 'لا لعلمه بأنه غير معصوم، والمراد الحفظ وأنها واجبة للأنبياء لمقام النبوة وجائزة للأولياء لا لمقام الولاية بل ربما يكون لخاصية في نفس الولى. اهـ. ملخصاً.
وفي شرح العارف ((عبد الرحمن بن محمد الفارسي)) الحزب الشاذلي: وجد بخط سيدى أبي العباس المرسي عن سيخه الشاذلي أنه كان يقول لي؛ إذا عرضت لك إلى الله تعالى حاجة فأقسم عليه بي وقال في حزبه في خطابه
стр. 83
وتضرعه لربه : وليس من الكرم ألا تحسن إلا لمن أحسن إليك وأنت المفضال الغني؛ بل من الكرم أن تحسن لمن أساء إليك وأنت الرحيم العلي. فكتب عليه الشارح المذكور ما نصه: رأيت بخط سيدي عبد النور ما صورته: فيه إشكال وتوهم المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء ٧] .
وكذا وجدت منسوباً لسيدي ((أبي عبد الله بن عباد)) ما نصه: ينبغي أن يسقط إليك من قوله أحسن وأساء للآية الكريمة، غير أنه لا يقدر أحد أن يبدل لفظ الشيخ لأنه يرى من نور الولاية ما لا يراه غيره. انتهى ما نقله الشارح باقتصار. وأنت تعلم أن باب التأويل واسع، ومنه الحمل على المشاركلة أو المجاز إن كنت تدافع. وكذا في بعض أحزابه كلمات تصوف، تؤول بالتكلف وكذا التوسل والإقسام بغير الميلك العلام، كالنبي الكريم عليه أفضل الصرلاة والسلام. وهو كما قاله شارحه محل خلاف، بين الأئمة الأسلاف فمنهم من قصره على سيد المرسلين كالشيخ عز الدين، ومنهم من جوزه بكافة الصالحين ومنهم من خصه برب العالمين وستمر بك الأدلة إن شاء الله تعالى مفصلة في هذه المجلة، فخذ ما أجمل الآن وكن من الشاكرين.
الفصل الثالث: [المعترضون على الصوفية كثيرون]
قوله فيما مر آنفاً: (كما تتبع ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، تتبع أيضاً الحلاج الحسين بن منصور ولا زال يتتبع الأكابر ... إلى آخره) فتهور بارد وتشنيع كاسد وقول عاطل ينبغي أن لا يصدر عن مثل هذا الفاضل لأن الشيخ ابن تيمية ليس أول معترض عليهم وعلى أمثالهم من أرباب الوحدة فكم له سلف في ذلك، وكم له محذر عن تلك المهالك. فليت
стр. 84
شعري لم خصه دون الناس القادحين، وجعله سبابة التندم (١) من بين العالمين السالفين وستقف إن شاء الله تعالى على تفصيل الأقوال بالبيان المبين ي، مع أنى ممن يحسن الظن بالشيخ الأكبر محي الدين، ولا أعد نفسي من المنكرين غير أنى مع ممن يحرم مطالعة كتبه المخالف ظاهرها للشرع المبين فأقول:
(ترجمة الإمام محي الدين بن العربي)
أما ابن عربي - بلا ألف ولام أوبهما - فهو أبو بكر محي الدين محمد ابن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي، نفعنا الله بعلومه الربانية وجعلنا من المتمسكين بالكتاب والسنة السنية ولد بمرسية سنة ستين وخمسمائة ونشأ بها وانتقل إلى أشبيلية سنة ثمان وسبعين. ثم ارتحل وطاف البلدان فطرق بلاد الشام والروم والمشرق، ودخل بغداد وحدث بها بشىء من مصنفاته وله التآليف الكثيرة المشهورة وتوفي رحمه الله تعالى في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق في دار القاضي محي الدين بن الزكي وحمل إلى قاسيون فدفن في تربته المعلومة، كما قاله غير واحد من المؤرخين.
قلت: وللشيخ المشار إليه، لا زالت الرحمة منهلة عليه: اختيارات في المسائل الفقهية وغيرها منها: بجواز مسح الرجلين في الوضوء. ومنها قوله: بجوار السجود في التلاوة إلى أي وجهة كانت. ومنها جواز إمامة المرأة للسناء والرجال ومنها قوله: إن الماء الذي تخالطه النجاسة ولم يتغير أحد أو صافه مطهر غير طاهر في نفسه. قال: وما أعرف هذا القول لأحد.
ومنها أن غسل يوم الجمعة فرض، وإليه ذهب أيضاً بعض العلماء. . ومنها أنه لا يؤثر نزع الخف في طهارة القدم. ومنها أنه لا يجوز ان يسمى الله تعالى
стр. 85
مختاراً كما نقله عنه ((الجبلي)) ومنها الفول بإيمان فرعون. ومنها عدم القضاء على تارك الصلاة ومنها أنه لا حد لأقل الحيض. ومنها أن الحاضر إذا عدم الماء جاز له التيمم. ومنها القول بجواز عبور الجنب في المسجد والإقامة فيه وقراءته للقرآن إذا لم يكن وارثاً إلا أن في القراءة كراهة. ومنها أن الطهارة للصلاة على الجنازة وسجود التلاوة ليست بشرط ومنها عدم انتفاض الطهارة بأكل لحوم الإبل، لكن المصلى بالوضوء المقدم عاص. قال: وهذا القول ما قاله به أحد قبلنا انتهى. وفي بعض هذه الأقوال يوافقه بعض الرجال كما سنبينه إن شاء الله تعالى في محله.
وله اختيارات وأقوال أخر لا تسعها هذه المجلة، ومن أدارها فليرجع إلى فتوحاته وغيرها من تصنيفاته ففيها الغرائب، التي لا يدركها إلا ذو الذهن الثاقب والله سبحانه الموفق. والناس فيه ثلاثة أقسام:
[الناس في ابن عربي أقسام ثلاثة]
(القسم الأول) : من نص على التكفير بناء على كلامه المخالف للشريعة المطهرة وألفوا في ذلك الرسائل العديدة المطولة والمختصرة، فمنها للعلامة السخاوي، ومنها للفهامة المدقق السعد التفتازاني، ومنها للمحقق المنلا على القارى. ومنهم من ذكره في تصنيفاته ولم يؤلف فيه كتاباً مستقلاً كالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، فإنه ذكره في ((لسان الميزان)) وحط عليه، ونسب إليه سوء الاعتقاد - وابي حيان المفسر في تفسيريه ((البحر والنهر)) قال في الشذرات: ولقد بالغ ابن المقوى في روضه فحكم بكفر من شك في كفر طائفة ابن عربي. ونقل الشيخ على القارئ عن شيخ الإسلام ((ابن دقيق العيد)) القائل في آخر عمره: لي أربعون سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله تعالى. وقد سألت شيخنا سلطان العلماء عبد العزيز ابن عبد السلام عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب. يقول بقدم العالم،
стр. 86
ولا يحرم فرجاً. وقال: وسئل عنه شيخنا العلامة المحقق الحافظ المغتى المصنف ((أبو زرعة أحمد ابن شيخنا الحافظ العراقي الشافعي)) فقال: لا شك في اشتمال ((الفصوص)) المشهورة على الكفر الصريح الذي لايشك فيه، وكذلك فتوحاته المكية فإن صح صدور ذلك عنه واستمر عليه إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك - قال: وكذلك شيخ الإسلام ((سراج الدين البلقيني)) صرح بكفر ابن عربي - وكذا رضي أبو بكر محمد المعروف بابن الخياط، والقاضي شهاب الدين أحمد الناشري الشافعيان وجملة من العلماء. وقال العلامة أبو حيان عند تفسير قوله تعالى في المائدة ﴿لقد كفر الذين قالوا﴾ الآية (١) ما نصه: ذكر تعالى أن من النصارى من قال: إن المسيح هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله، ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة. وتقدم أنهم ثلاثة طوائف: ملكانية، ويعقوبية، ونسطورية، وكل منهم يكفر بعضهم بعضاً.
ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تسربل بالإسلام ظاهراً وانتمى إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصور الجميلة، ومن ذهب ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة كالحلاج، والشوزى وابن أحلى وابن عربي المقيم بدمشق وابن الفارض وأتباع هؤلاء كابن سبعين والششترى تلميذه وابن مطرف المقيم بمرسية، والصفار المقتول بغرناطة، وان التاج، وابن الحسن المقيم كان بلودقة وممن رأينا يرمى بهذا المذههب المعون العفيف التلمساني وله في ذلك أشعار كثيرة، وابن عياش المالقي الأسود الأقطيع المقيم كان بدمشق وعبد الواحد المؤخر المقيم كان بصعيد مصر والبلى العجمى الذي تولى المشيخة بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة من ديار مصر وأبو يعقوب بن مبشر تلميذ الششترى المقيم كان بحارة زويلة في القاهرة والشريف عبد العزيز المنوفى وتلميذه عبد الغفار التومى.
стр. 87
وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله تعالى ذلك - وشفقة على ضعفاء المسلمين، وليحذوا منهم اشد من الفلاسفة الذين كذبوا الله ورسله ويقولون بقدم العالم وينكرون البحث وقد أولع جهلة من ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله تعالى وأولياءه والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين. انتهى بحروفه.
وقال العلامة القارى أيضاً: ثم اعلم أن من اعتقد حقية عقيدة ابن عربي فكافر بالإجماع من غير نزاع وإنما الكلام فيما إذا أول كلامه بما يقتضي حسن مرامه وقد عرفت من تأويلات من تصدي لتحقيق هذا المقام أنه ليس هناك ما يصح أو يصلح عنه دفع الملام. بقي من شك وتوهم أن هناك بعض التأويل إلا أنه عاجز عن ذلك القيل. فقد نص العلامة ابن المقرى كما سبق أن من شك في كفر اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي فهو كافر وهو أمر ظاهر وحكم باهر. وأما من توقف فليس بمعذور في أمره، بل توقفه سبب كفره. اهـ.
وقال في آخر الرسالة: فالواجب على الحكام في دار الإسلام: أن يحرقوا من كان على هذه المعتقدات الفاسدة والتأويلات الكاسدة، فإنهم أنجس ممن ادعى أن علياً هو الله، وقد أحرقه على ﵁ ويجب إحراق كتبهم المؤلفة ويتعين على كل أحد أن يبين فساد شقاقهم فإن سكوت العلماء واختلاف الآراء صار سبباً لهذه الفتنة وسائر الفتنة وسائر أنواع البلاء، فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة اللاحقة المطابقة للسعادة السابقة. آمين. انتهى.
وقد أطال في كتابه البحث بما له وعليه، فإن أردته فارجع إليه.
(القسم الثاني) : من يجعله من أكابر الأولياء العارفين، وسند العلماء العاملين بل يعده من جملة المجتهدين قال في ((الشذرات)) :
قال الشيخ ((عبد الرءوف المناوي)) في ((طبقات الأولياء)) : كان عارفاً بالآثار
стр. 88
والسنن قوي المشاركة في العلوم أخذ الحديث عن جمع، وكان يكتب الإنشاء لبعض ملوك المغرب ثم تزهد وساح ودخل الحرمين والشام وله في كل بلد دخلها مآثر، انتهى.
وقال بعضهم: برز منفرداً مؤثراً لتخلي والانعزال عن الناس ما أمكنه حتى إنه لم يكن يجتمع به إلا الأفراد ثم آثر التأليف فبرزت عنه مؤلفات لا نهاية لها تدل على سعة باعه، وتبحره في العلوم الظاهرة والباطنة وإنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يدري بها ولا يحيط بها إلا من طالعتها بحقها غير أنه وقع في بعض تصانيف تلك الكتب كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها وكانت سبباً لاعتراض كثيرين لم يحسنوا الظن به، ولا يقولون كما قال غيرهم من الجهابذة المحققين.
إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق غيرة عليها حتى لا يدعيها الكذابون فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد غير مبالين بذلك لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها - انتهى.
ومن هذا القسم المجد صاحب القاموس (١) فقد أثنى عليه بعبارات رائقة كما حكاها في ((الدر المختار)) والشيخ النابلسي (٢) وابن كمال باشا والشيخ عبد الوهاب الشعراني والشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني المدنى وكثير من الفضلاء.
(القسم الثالث) : من اعتقد ولايته وحرم النظر في كتبه. قال العلامة ((ابن عابدين)) في حاشية الدر و ((ابن العماد الحنبلي)) في تاريخه الشذرات: منهم الجلال السيوطي عليه الرحمة فإنه قال في كتابه ((تنبيه الغبي بتبرئه ابن العربي)) : والقول الفيصل في ابن عربي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في
стр. 89
كتبه فقد نقل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا قال: وذلك لأن الصوفية تواطأوا على ألفاظ اصطلحوا عليها وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها فمن أجمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفرهم نص على ذلك ((الغزالي)) في بعض كتبه. وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسنة ومن حمله على ظاهره كفر - انتهى ملخصاً.
وقال العلامة الحصكفي في (الدر المختار في باب الردة) ما نصه: وفي معروضات شيخ الإسلام أبي السعود ما نصه: من قال عن ((فصوص الحكم)) للشيخ محي الدين إنه خارج عن الشريعة، وقد صنفه للإضلال ومن طالعه ملحداً ماذا يلزمه؟ أجاب: نعم فيه كلمات تباين الشريعة وتكلف بعض المتصلفين لإرجاعها إلى الشرع، لكنا تيقنا أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس سره، فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك الكلمات وقد صدر أمر سلطاني بالنهي فيجب الاجتناب من كل وجه. انتهى، فليحفظ. انتهى.
وقال الفهامة المدقق مولانا الوالد قدس سره في رحلته (١) ما نصه: مما هو خاتم التحقيق فصه، فاستطرد السؤال عن السادة الصوفية، أفاض الله تعالى علينا من فيوضاتهم القدسية، فقلت: أما من كان منهم كأبي القاسم الجنيد، مولاى سيد الطائفة سعيد بن عبيد عليه الرحمة والرضوان فذاك الذي لا ينتطح في علو شأنه كبشان. وأما من كان كالشيخ الأكبر قدس سره، فذاك الذي أشكل على الأكثر أمره، وقد كثر ما دحوه كما قد كثر قادحوه والذي أنا أميل إليه وأعول في سرى وعلنى عليه. أنه ظاهر كثير مما قاله هذا الصنف باطل، لايقول به ناقص جاهل فضلاً عن فاضل كامل، بل لا يكاد يخفى بطلانه على ابن يوم فكيف يخفى طول العمر على أولئك القوم فهم أجل من أن يقولوا بذاك، ويعتقدوا عقد عقائدهم على ما هناك فلابد أن يكون
стр. 90
له معنى صحيح هم به قائلون وله نفس الأمر معتقدون وفي كهفه قائلون أن ذلك المعنى صعب المنال لايرقى إليه بسلالم المقال وإنما يرحل إليه على رواحل الرياضات والسهر ويهتدي للوقوف عليه بمصابيح الأذكار والفكر وكثيراً ما يتوقف ذلك على السلوك على يد عارف خريت (١) يزيل بأنفاسه وأنوار نبراسه عن عين سختيت (٢) فالحزم الكف عن الوقيعة فيهم وشد الحزام للارتواء من وقيعة صافيهم نعم التكلم بمثل ذلك الكلام مما لا يخلوا عن كدر. نعم إلا أن تصح دعواهم: أن الانتفاع بذاك أكثر من الضرر وقد دل المعقول والمنقول على صحة ما قيل: لا ينبغي أن يترك الخير الكثير للشر القليل. لكن قيل: إن إثبات صحة تلك الدعوى أصعب عند كل أحد من رفع أحد ورضوى وسمعت من بعض من ينسب للعرفان: أن كلام القوم المشتمل على ذلك مثل بعض آى القرآن فهو وإن لم يحظ بجلالة قدره وصف الواصفين يضل الله به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين فقيل: ليس للقوم أن يضلوا أحداً فهم في ربقة التكليف لن يخرجوا منها أبداً. فقال: هم مظاهر لجميع الأسماء الإلهية فما عليهم أن ضل بكلامهم بعض البرية؟ فقيل له: هذا كعك من ذلك العجين ولا يكاد يلوكه ذو درد (٣) من ضعفاء المؤمنين وأبدى بعض غير ما ذكر لما أبدوه عذراً فقال: إنما قالوا ما قالوه سكراً؟ ولعمري: إنه أبرد من هواء المحراب في كانون، ولا يكاد بروج على إطلاقه إلا على صبي أو مجنون ويرده أنهم أملوا منه للطلاب وكم وكم ملأوا منه إهاب كتاب وأدهى من ذلك وأمر ما قيل في الاعتذار عن حضرة الشيخ الأكبر: إن نحو ما في ((الفصوص)) مما يخالف الظواهر
стр. 91
والنصوص مما دسه بعض اليهود ليحل به من ضعفاء المؤمنين العقود ولا يكاد يقبل هذا إلا فتى، النقصان أبوه وأمه، والبلاهة - عافانا الله تعالى وإياكم - خاله وعمه.
نعم قد دس من بغض على بعض العلماء وأدخل من دخل في الدين شيئاً من الافتراء، ثم ظهر الأمر للمنصف بالرجوع إلى نسخة المنصف أو بنحو ذلك مما تتضح به المسالك غلا أن ذاك عن هذا بمعزل وبعيد عنه بألف ألف منزل. وبالجملة، إن أمر التكلم والتدوين لا ينكشف غباره إلا عن أعين أرباب التمكين. ثم ما قلناه هو من بعض الأمور لا في جميع ما هو في كتب القوم مسطور، غذ منه ما هو حرى بالقبول يشهد له المعقول والمنقول ولم يتعرض له برد ولم يتعرض عليه أحد. ومنه ما هو من الأمور الكشفية ولا تعلق له أصلاً بالأمور الدينية، كالذي يذكر في شأن أرض السمسمة مما أكثر فيه الهياط والمياط (١) ولا يكاد يلج في خريطة ذهن جغرافي حتى يلج الجمل في سم الخياط فاعتقاد مثل هذا وإنكاره بحسب الظاهر في الديانة سيان، والأولى جعله من عالم المثال وتسليمه لأهل ذلك الشأن: [خفيف]
وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار
ومنه ما قيل عن اجتهاد ورأى، لكنه خالف ظواهر الأخبار والآى. فلا يبعد من قائله الغلط، فمن ذا الذي لم يغلط من المجتهد قط؟ من ذلك القول بنجاة فرعون فقد قال الشيخ الأكبر اجتهاداً وعز ناصر له فرعون وقد تناقض كلامه بذلك في كتابين فختم في ((الفصوص)) وختم على القول بنجاة وفتح في ((الفتوحات)) عليه باب الحين بل تناقض في الفتوحات نفسها كما لا يخفى على من أحاط خبراً بدرسها وقد غلظه بذلك معظم المتقدمين والمنتقدين ولكن قال المنصف منهم: غلطه فيه عفو كغلط سائر المجتهدين، ومن الشافعية من أكفر القائل بنجاة ذلك اللعين لمخالفته ما ثبت بإجماع أهل
стр. 92
الصدر الأول من صدور المسلمين مع مخالفته لما نطقت به ظواهر الاى والأخبار النبوية كالحديث الذي ذكره العلامة ابن حجر الهيتمي في ((فتاواه الحديثية)) ، فقد تضمن أن فرعون وغلام الخضر ﵇ طبعا على الكفر ولم يولدا كغيرهما على فطرة الإسلام والحق عندي عدم الإكفار في هذا الباب. وللجلال الدواني وهو شافعي رسالة في إيمانه (١) لكن أنكر نسبتها غليه الشهاب والعجب أن التشنيع على الشيخ الأكبر في هذه المسألة شائع بين كل غاد ورائح مع أنه اضطرب فيها هو أعظم منها من نجاة المهلكين غير قومي لوط وصالح والآيات الدالة على عدم نجاة أولئك المهلكين أظهر في المراد من الآيات الدالة على كفر ذلك اللعين وما أحسن قول ((مالك)) الإمام الحبر: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار ذلك الإمام إلى قبر المصطفى ﵊ فأقنع بذلك وإياك والتكفير فإنه لعمري أمر مر خطير.
ولا تظن أن الخطأ في بعض المسائل ينقص شيئاً أو يورث شيئاً في حق الكامل ثم إني على العلات أقول غير مكترث باعتراض مكثار جهول: لا ينبغي لمن تلوث بالقاذورات الدنيوية وتلبث بأثقال الشهوات النفسانية عن العروج إلى الحظائر القدسية أن يدخل في مضايق القوم فيوجب على نفسه مزيد التعب واللوم وقد اشتهر عن بعضهم وتحقق أنه قال: من طالع كتبنا وليس منا تزندق وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني: إن بعض الخواص قال لشيخنا على الخواص: ما لي لا أفهم كلام أخي فلان؟ فقال: كيف تفهم كلامه وله ثواب واحد ولك ثوبان! وكم رأيت أنا من ترك الصلاة والصيام بل أخرج عنقه عن ربقة جميع شعائر الإسلام لما أنكر عليه من أنكر قرأ له قول الشيخ الأكبر:
العبد رب والرب عبد ... فليت شعري من المكلف؟
стр. 93
وجعل يواري بالقطن المندوف، لهب الاعتراض الوهاج وينسج لعورته سترة من حلج قول ((الحسين بن منصور الحلاج)) : [هزج]
جحودي لك تقديس ... وعقلي فيك منهوس
فما آدم إلا كا ... وما في الكون إبليس
إلى غير ذلك مما هو مبني على القول بوحدة الوجود التي أبى القول بها كثير من أرباب وحدة الشهود وهي على تقدير صحتها في نفس الأمر ليس فيها صريح نقل وإنها لطور ما وراء طور العقل فلا تصطاد بعنكبوت الفكر وإن دق.
وإنما تفيض على طاهرى السر من جانب حضرة الفياض المطلق وقول الشيخ عبد الغني النابلسي عن ابن كمال: يجب على السلطان جبر الناس على القول بها على كل حال مما لا أرى له صحة أصلا وإن كان قد قاله فلا مرحباً به ولا أهلاً فهذا رسول الله ﷺ لم يجبر على ذلك أحداً.
وقولا الشيخ ((إبراهيم الكوراني)) إن كلمة التوحيد تدل على ذلك وإن تكلف له لا يتم أبداً والإمام الرباني مجدد الألف الثاني يقول: قد يعرض للسالك القول بذلك لكنه لا يبقى ولا يستقر عليه إذا ترقى بل يعلم بلامين أن هناك وجودين وحقيقتين متمايزتين، ويقول: أين التراب من رب الأرباب وذكر قدس سره أنه اعتراه ذلك في أثناء مسيره ثم ترقى عنه بفضل الله تعالى ولطفه سبحانه إلى غيره وأنت تعلم أن كثيراً من الفلاسفة يقول بذلك وكلامهم فيما ظاهر فيما يأتي أن يكون اعتقاد الوحدة حالاً من أحوال السالك.
وبالجملة خطر القول بالوحدة كثير ولا يخفى ما هو الأسلم على الصغير والكبير وما كان الله تعالى بمقتضي فضله وعدله ليكلف العبد بما وراء
стр. 94
طور عقله ثم يرسل إليه رسولاً لا يفصح له بسلوك ذلك المنهاج بل بكل أمره إلى أن يفصح له بعد برهة من الزمان الحلاج: ونهاية الكلام تفويض أمر القائلين بذلك إلى الملك العلام مع اعتقاد أن منهم الأجلة الكبار، والسابقين لا يشق لهم غبار - انتهى.
وإنما سقته بطوله لأنه جمع الأقوال بإشاراته الحسنة وتفصيله.
(ترجمة ابن الفارض)
(وأما ابن الفارض) فهو - على ما في ((تاريخ ابن خلكان)) - أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي الحسن على بن المرشد بن علي الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة المعروف بابن الفارض المنعوت بالشرف له ديوان شعر لطيف وأسلوبه فيه رائق ظريف.
وكانت ولادته سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة وتوفي بها يوم الثلاثاء في الثامن من جمادى الأولى سنة اثنين وثلاثين وستمائة ودفن من الغد بسفح المقطم. اهـ. باقتصار.
وقال أبو الفلاح ((عبد الحي بن أحمد بن عماد)) في تاريخه ((الشذرات)) ولما قدم أبوه من حماة مصر فقطنها وصار يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام ثم ولي نيابة الحكم فغلب عليه التلقيب بالفارض ثم ولد بمصر ((عمر)) في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة وتزهد فلما ترعرع اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ((ابن عساكر)) وغيره ثم حبب إليه الخلاء وسلوك طريق الصوفية فصار يسيح في الجبل ومرة إلى أوديته وفي بعض المساجد المهجورة في خربات القرافة مرة ثم يعود إلى والده وهكذا حتى ألف الوحشة وألفه الوحش فصار لا ينفر منه ومع ذلك لم يفتح عليه.
стр. 95
فذهب إلى مكة وبقي في بواديها خمس عشرة سنة ثم رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالأزهر وعكف عليه الأئمة وقصد بالزيارة وذكر له بعض الكرامات والناس فيه صنفان كما علمت كما قال المناوى ما نصه: والحاصل أنه اختلف في شأن صاحب الترجمة وابن عربي والعفيف التلمساني والتمونوي وابن هود وابن سبعين وتلميذه الششترى وابن مظفر والصفار من الكفر إلى القطبانية.
وذكر التصانيف من الفريقين في هذه القضية ولا أقول كما قال بعض الأعلام: سلم تسلم والسلام بل أذهب إلى ما ذهب إليه بعضهم: إنه يحب اعتقادهم وتعظيمهم ويحرم النظر في كتبهم على من لم يتأهل لتنزيل ما فيها من الشحطات على قوانين الشريعة المطهرة وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإنكار. اهـ.
وقال الكمال الأذفوى: وأحسن ديوانه القصيدة التي مطلعها: [كامل]
قلبي يحدثني بأنك متلفى ... روحى فداك عرفت أم لم تعرف
واللامية التي أولها: هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوى سهل.
والكافية التي أولها: ته دلالا فأنت أهل لذاكا.
قال: وأما النائية فهي عند أهل العلم - يعني الظاهر - غير مرضية، مشعرة بأمور ردية وكان عشاقاً يعشق مطلق الجمال وذكر الفوصى في ((الوحيد)) أنه كان للشيخ جوار بالهنسا يذهب إليهن فيغنين له بالدف والشبابة وهو يرقص ويتواجد ولكل قوم مشرب! وقيل: لما حضرته الوفاة رأى الجنة مثلت له فبكى وقال: [بسيط]
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
فقيل له: هذا مقام كريم. فقال: رابعة وهي امرأة تقول: ((وعزتك ما عبدتك رغبة في جنتك بل لمحبتك وليس هذا ما قطعت عمري في السلوك
стр. 96
غليه وقد شنع عليه المنكرون في ذلك فقالوا: لما كشف له الغطاء وتحقق أنه غير الله وأنه لا حلول ولا اتحاد قال ذلك ورؤى في النوم فقيل له: لم لا مدحت المصطفى ﷺ في ديوانك؟ فقال: [طويل]
أرى كل مدح في النبي مقصراً ... وإن بالغ المثنى عليه وأكثراً
إذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى
ويقال: إنه لما نظم قوله: [كامل]
وعلى تفنن واصفيه بوصفه ... يفنى الزمان وفيه مالم يوصف
فرح وقال: لم يمدح بمثله النبي ﷺ وبعض الناس يقول: باطن كلامه كله مدح فيه ﵊. وأنت تعلم أن غالبه لا يصلح لذلك. اهـ. ملخصاً.
وكتب شيخنا أبو يوسف مصره، من أحيا القلوب بترغيبه وزجره: السيد محمد امين افندي واعظ الحضرة القادرية في بغداد المحمية المتوفى سنة ١٢٧٣ على عبارة (الجوهر) للعلامة محمد بن عبد الرحيم الحنفي المنقولة في تأويل بعض كلمات الصوفية وإنها قد صدرت منهم في شطحاتهم وسكوتهم وغيبتهم عن المؤاخذات الشرعية كبعض عباراتهم المشعرة بالحلول والاتحاد، مثل قولهم بعضهم: ما في الجبة إلا الله وأنا الحق وغير ذلك مما صاروا فيه هدفاً للنقاد ما نصه: أقول فإذا كان الأمر كذلك فما الواجب لتدوين هذه العبارات الموهمة في ذلك في الأسفار وإشاعتها في سائر الأمصار حتى تمسك بها الإباحية الأشرار وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار وانظر نظر منصف هل يعذر مدونها عند الله تعالى بناء على أن محملها في نفس الأمر كما ذكره المؤلف مع ماورد عن النبي الأمين المأمون ﷺ : ((كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟)) .
ولعمر الله إن المنكر لها معذور كل العذر بل مثاب يوم الجزاء
стр. 97
كل الثواب والأجر وكيف لا يجب إنكار ما سأذكره لك وهو مما دونوه جزء من كل وقل من جل وهو ما قاله ابن الفارض في تائيته الكبرى: [طويل]
لها صلواتي في المقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ناظر إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
وماكان لى صلى سواى ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
وما قاله ((الجيلي عبد الكريم)) في كتابه المسمى ((بالإنسان الكامل)) في تركيب ﴿قل هو الله أحد﴾ من أن الضمير في ((قل)) يعود إلى الإنسان الكامل ويعني به النبي ﷺ ((وهو)) أيضاً يعود إلى الضمير الذي في ((قل)) العائد إليه لأن الضمائر إلا على متقدم بناء على زعمه فيكون المعنى الإنسان الكامل الله أحد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؟ وهل هذا من الشحطات والسكر!؟ أم من الضلالات والكفر؟
نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. اهـ، ومن خطه نقلته.
(ترجمة ابن سبعين)
وأما ((ابن سبعين)) قطب الدين فهو ((أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الأشبيلي المرسى)) الرقوطى الأصل، الصوفى المشهور.
قال ((الإمام الذهبي)) : كان من زهاد الفلاسفة ومن القائلين بوحدة الوجود له تصانيف وأتباع يقدمهم يوم القيامة. اهـ.
وقال الشيخ ((عبد الرءوف المناوى)) في ((طبقاته)) : درس العربية والآداب في الأندلس ثم انتقل إلى سبتة وانتحل التصوف على قاعدة زهد الفلاسفة وتصوفهم وعكف على مطالعة كتبهم وجد واجتهد وجال في بلاد المغرب ثم رحل وحج وشاع ذكره وكثرت أتباعه على رأى أهل
стр. 98
الوحدة المطلقة وأملى عليهم كلاماً في العرفان على رأى الاتحادية وصنف في ذلك أوضاعاً كثيرة وتلقوها عنه وأثبتوها في البلاد.
وقد ترجمه ((ابن حبيب)) فقال: صوفى متفلسف متزهد يدخل البيت لكن من غير أبوابه وله أقوال تميل إليها بعض القلوب وينكرها بعض.
وقال ((لأبي الحسن الششترى)) عندما لقيه وقد سأله عن وجهته وأخبره بقصد الشيخ ((أبي أحمد)) : إن كنت تريد الجنة فشأنك ومن قصدت وإن كنت تريد رب الجنة فهلم إلينا وأما ما نسب إليه من آثار السيمياء وغيره فكثير جداً وله علم الحروف والأسماء اليد الطولى.
ومما شنع عليه أنه ذكر في ((كتاب البدء)) : أن صاحب الإرشاد ((إمام الحرمين)) إذا ذكر ((أبو جهل)) فهو ثالث الرجلين وأنه قال في شأن ((الغزالي)) : إدراكه (١) في العلوم أضعف من خيط العنكبوت.
وقد حكى عن قاضي القضاة ((ابن دقيق العيد)) أنه قال: جلست معه في ضحوة إلى قرب الظهر وهو يسرد كلاماً تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته والناس فيه بين مكفر ومقلد وتوفي بمكة - زادها الله شرفاً - سنة تسع وستين وستمائة اهـ.
(ترجمة الحلاج)
(وأما الحلاج) فهو على ما قال ((ابن خلكان)) : أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج من أهل البيضاء وهي بلدة بفارس ونشأ بواسطة والعراق وصحب ((ابا القاسم الحنيد)) وغيره والناس في أمره مختلفون فمنهم من يبالغ في تعظيمه ومنهم من يكفره ورأيت في ((مشكاة الأنوار)) لأبي حامد الغزالي فصلا طويلا في حاله وقد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر
стр. 99
عنه مثل قوله: أنا الحق: ما في الجبة إلا الله وهذه الإطلاقات التي ينبة السمع عنها وعن ذكرها وحملها على محامل حسنة وأولها. قال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد وجعل هذا مثل قول القائل: [رمل] :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتنا. اهـ
وقال ((شهاب الدين بن أبي عدسة)) المتوفى سنة ٨٥٦ في تاريخه ((نظم الجمان)) ما نصه: قال ((الحافظ الذهبي)) في ((العبر)) : إن ((الحلاج)) سافر إلى الهند وتعلم السحر وحصل له به حال شيطاني وهرب منه الحال الإيماني ثم بدت منه كفريات أباحت دمه وكسرت صنمه واشتبه على الناس السحر بالكرامات فضل به خلق كثير كداب من مضى ومن يكون إلى مقتل الدجال. والمعصوم من عصمه الله تعالى.
وقال أيضاً: قال ناس ساحر فأصابوا، وقال ناس: به مس من جنون فما أبعدوا لأن الذي كان يصد منه لا يصدر عن عاقل إذ ذلك موجب حتفه أو هو كالمصروع او المصاب الذي يخبر بالمغيبات وقال ناس من الأنعام: بل هو رجل عارف ولى لله تعالى، صاحب كرامات فليقل ما شاء فجهلوا من وجهين:
أحدهما أنه ولى. والثاني: أن الولى يقول ما شاء فلن يقول إلا الحق.
قال ((الصولى)) : جالست ((الحلاج)) فرأيت جاهلا يتغافل وغبياً يتباله وفاجرا يتزهد وكان ظاهره أنه ناسك فإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال اعتزل أو التشنيع تشيع أو السنن تسنن. وكان يعرف الشعبذة واليكمياء والتطبب وادعى الربوبية وصار يقول لأصحابه: أنت آدم ولهذا أنت نوح ولهذا أنت محمد ويدعى التناسخ وأن أرواح الأنبياء إليهم.
وقال ((ابن الشحنة)) : وجدوه يقول: من نظف بيتاً وصلى فيه كذا
стр. 100
وطاف به كذا وتصدق بكذا أغناه عن الحج ونقله عن كتاب للحسن البصري فلم يوجد وقد أفتى العلماء بقتله.
وقال ((السلمى)) في ((تاريخ الصوفية)) : ((الحلاج)) كافر خبيث قتل في ذي القعدة سنة ثلاثمائة وتسع وقد هتك ((الخطيب)) حاله في ((تاريخه)) وأوضح أنه كان ساحراً مموها سيئ الاعتقاد.
(وقال) ((القشيري)) في ((الرسالة)) في (باب حفظ قلوب المشايخ) : ومن المشهور أن ((عمرو بن عثمان)) دخل عليه وهو يكتب شيئاً بمكة في أوراق فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال غير واحد: إن علماء بغداد اتفقوا على كفره ثم أجمعوا على قتله وصلبه.
(قلت) : وهو أعرف وأعلم بحاله منا وتخطئه واحد أولى من تخطئه إجماع العلماء في ذلك العصر، وأمره إلى الله اهـ. بحروفه.
(وقال) : الفاضل ((ابن الأثير)) في تاريخه ((الكامل)) : وفي سنة ٣٠٩هـ قتل ((الحسين بن منصور الحلاج)) الصوفى وأحرق وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب ﴿قل هو الله أحد﴾ ويسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما أكلوا وما صنعوا في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول وبالجملة: فالناس اختلفوا فيه اختلافهم في ((المسيح ﵇) .
فمن قائل: إنه حل فيه جزء إلهي ويدعى فيه الربوبية.
ومن قائل إنه ولى الله تعالى: وإن الذي يظهر منه جملة كرامات الصالحين.
стр. 101
ومن قائل: إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها.
وأما سبب قتله: فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير ((حامد بن العباس)) أنه أحيا جماعة وأنه يحيى الموتى وأن الجن يخدمونه وأنهم يحضرون عنده بما يشتهى وأنهم قدموه على جماعة من حواشي الخليفة وأن ((نصر الحاجب)) قد مال إليه غيره فالتمس ((حامد)) الوزير من ((المقتدر بالله)) أن يسلم إليه ((الحلاج)) وأصحابه فدفع عنه ((نصر الحاجب)) فألح الوزير فأمر ((المقتدر)) بتسليمه فأخذه وأخذ معه إنساناً يعرف ((بالشموى)) وغيره قيل: إنهم يعتقدون أنه إله، فقررهم فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله وأنه يحيى الموتى وقابلوا ((الحلاج)) على ذلك فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادعى الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجل اعبد الله ثم جرى معه قصص يطول شرحها ثم كتب القاضي بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس وأرسل الوزير الفتاوى إلى الخليفة فأذن في قتله فسلم إلى صاحب الشرطة فضرب ألف سوط فما تأوه ثم قطع يده ثم رجله ثم قتل وأحرق بالنار فلما صار رماداً ألقى في الدجلة ونصب الرأس ببغداد وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب.
فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنه لم يقتل وإنما ألقى شبهه على دابة وأنه يجئ بعد أربعين يوماً.
وبعضهم يقول: لقيته على حمار بطريق النهروان وأنه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر يظنون إني ضربت وقتلت - انتهى باقتصار.
стр. 102
[رأى ابن حجر العسقلاني في الحلاج ومن على شاكلته]
وقد سئل الحافظ الإمام ((شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)) رحمه الله تعالى: في رجل ذكر أن ((حسيناً الحلاج)) ليس بولى وذكر بعض الفقهاء أن من اعتقد ولايته كفر ثم ذكر أيضاً أن ((عمر بن الفارض)) ليس بولى وأن في كلامه الاتحاد ثم ذكر أيضاً أن ((يحيى الصرصري)) يعتقد قدم الحروف ثم إن جماعة من الصوفية أنكروا عليه والمسئول من صدقات مولانا شيخ الإسلام أن يبين لنا حقيقة ذلك بما تطمئن به النفوس مثابين على ذلك إن شاء الله تعالى.
فأجاب: الذي نقله الرجل المذكور عن ((الحلاج)) هو قول أهل العلم من الفقهاء وتابعهم أكثر أهل الزهد من المشايخ. وذلك واضح في رسالة الأستاذ ((أبي القاسم القشيري)) رحمه الله تعالى. وخالف في ذلك بعضهم.
وغالب هؤلاء: الصوفية الذي مزجوا التصوف بالفلسفة ومنهم ((محيى الدين بن عربي)) ((وشرف الدين بن الفارض)) وكلامهم في الاتحاد ظاهر.
ففي كلام ((ابن عربي)) في ((الفصوص)) من ذلك فضائح وفي القصيدة التائية الكبرى ((لابن الفارض)) التصريح بالاتحاد والحث عليه وقد تأول ذلك كثير من أهل العلم وذكروا له وجوها من التأويل ولكن ظاهر كلامهم منابذ لظاهر كلام أهل المشرع.
وأما قول الرجل المذكور: إن من اعتقد ولاية ((الحلاج وابن الفارض)) كفر، فليس بجيد منه لأن إطلاق الكفر على من اعتيد شيئاً محتملا خطأ.
وأما قوله في حق ((الصرصري)) فهو كما قال فكلامه صريح فيما ذكر وهو على طريقة الحنابلة ولهم في ذلك منازعات وأما إطلاقه: أن
стр. 103
((الحلاج)) ليس بولى فهو على حكم الظاهر والله أعلم بالسرائر قاله ((أحمد ابن علي بن حجر الشافعي)) - انتهى.
قال ((أحمد بن خلكان)) : والحلاج - بفتح الحاء وتشديد اللام - وإنما لقب بذلك لأنه جلس على حانوت حلاج واستقضاه شغلاً فقال الحلاج: أنا مشتغل بالحلج فقال له: امض في شغلي حتى أحلج عنك فمضى الحلاج فتركه فلما عاد رأى قطنه جميعه محلوجاً. انتهى باقتصار.
وحيث تبين لك أقوال العلماء فيه اتضح لك سقم كلام ((العلامة ابن حجر)) بظاهره وخافيه ولا بأس بأن نذكر شيئاً من كلام شيخ الإسلام ((ابن تيمية)) لتقف على حججه الساطعة المرضية.
[ابن تيمية يرد القول بولاية الحلاج من وجوه]
فأقول: قد قال في بعض فتاويه ما نصه: إن القول بولاية الحلاج مردود بوجوه:
(منها) : أن الأئمة الدين وفقهاء المسلمين اتفقوا على حل دم الحلاج وأمثاله.
(الثاني) : أن الاطلاع على أولياء الله تعالى لا يكون إلا ممن يعرف طرق الولاية وهو الإيمان والتقوى ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد كأهل الحلول والاتحاد. فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفاً بالإيمان والتقوى فلا يكون عارفاً بطرق أولياء الله تعالى فلا يجوز أن يميز بين أولياء الله سبحانه وغيرهم.
(الثالث) : أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته فيكون من جنسه فشهادته له بالولاية شهادة اليهودي والنصراني والرافضي لنفسه أنه على الحق وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة،
стр. 104
فكيف تكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم أهل الضلال؟
(الرابع) : أن يقال: أما كون ((الحلاج)) عند الموت فيما بينه وبين الله تعالى أو لم يتب فهذا غيب يعلمه الله منه.
وأما كونه كان يتكلم بهذا عند الاصطلام (١) فليس كذلك بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر يقظان وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذراً في رفع القلم، وكذلك الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة قد تكون عذراً في الباطن وإن لم تكن عذراً في الظاهر فهذا لو فرض لم يجز أن يقال: قتل ظلماً ولا يقال له إنه موافق له على اعتقاده ولا يشهد بما لا يعلم فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك؟
وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعى فيه الاصطلام أو الشبهة وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد. وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به ونعرف طريق الله سبحانه الذي أمرنا به وقد علمنا بكيهما: أن ما قاله الحلاج باطل وأنه يجب قتل مثله وأما نفس الشخص المعين هل كان في الباطن له أمر يغفر الله تعالى له من توبة أو غيرها فهذا أمر إلى الله تعالى ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك والله تعالى أعلم - انتهى.
стр. 105
* * *
(مكتوب شيخ الإسلام ابن تيمية)
(وقال أيضاً) من جملة كتاب كتبه سنة أربع وستمائة للشيخ ((أبي الفتح نصر المنبجي)) المتوفى سنة ٧١٩ ما نصه: وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتاباً اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله أحداً بعينه وغنما الشيخ هو مجمع المؤمنين فعلينا أن نعنيه في الدين والدنيا بما هو اللائق به.
وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم وقد كتبت في ذلك كتاباً ربما يرسل إلى الشيخ. وقد كتب سيدنا الشيخ ((عماد الدين)) في ذلك رسائل - والله تعالى يعلم وكفى به عليماً - لولا أنى أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات وهو شبيه بدفع من التتار عن المؤمنين ولم يكن للمؤمنين بالله تعالى ورسوله حاجة إلى أن يكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها، ولكن الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن مقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] وقال سبحانه: ﴿قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ [يوسف ١٠٨] وقال تعالى: ﴿إنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣] .
وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد - الذي أنزل الله تعالى به
стр. 106
الكتب وبعث به الرسل - بالاتحاد الذي سموه توحيداً وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق.
وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي وتعظيمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من ((الفتوحات والكنه، والمحكم المربوطة والدرة الفاخرة ومطالع النجوم)) ونحو ذلك ولم يكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع (الفصوص) ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان. وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وكلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده - من نصحه للاسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان اله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة. هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالإتحادية كاتحاد الماء واللبن وهو قول ((اليعقوبية)) وهم السودان ومن الحبشة والقبط وإما بالحلول وهو قول ((النسطورية)) وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول ((الملكانية)) .
(وأما) الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه اهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرونهم بذلك.
стр. 107
وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام: فما علمت أحداً سبقهم غليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أن غنى وما سواه فقير ولكن تفرعوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم.
(الأول) أن يقولوا: عن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست الحق ويفرقوا بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك.
ويقولون: إن الله سبحانه لم يعط أحداً شيئاً ولا أغنى أحداً ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك.
ويقولون: إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة.
ويقولون: إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد وأنهم يكونوا أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل.
ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى. وأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه. وأن قوله تعالى ﴿وقضى ربك
стр. 108
ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء ٢٣] معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع.
ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية. وإن قوم نوح قالوا ﴿لا تذرن آلهتيكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً﴾ [نوح ٢٣] لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه وينكره من أنكره. وأن الفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية وأن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر والعارف يقول: هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر فإن النصارى إنما كفروا لأنههم خصصوا أن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شئ والله أيضاً يعبد كل شئ لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة غليه وهو حليل كل شئ بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أموراً عدمية.
ويقولون: من أسمائه الحسنى العلي. عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو.
وما نكح سوى نفسه وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع وإن ((موسى)) إنما عتب على ((هارون)) حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيفه وعدم اتساعه وإن ((موسى)) كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وأن أعلى ما عبد الهوى وأن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله. ((فرعون)) كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في
стр. 109
قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات ٢٤] وفي قوله ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص ٣٨] .
وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول: إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول ((فرعون)) المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون: نحن على قول فرعون وهذه المعاني كلها هي قول صاحب ((الفصوص)) والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر ١٠] .
والمقصود: أن حقيقة ما تضمنه كتاب ((الفصوص)) المضاف إلى النبي ﷺ أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرءون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله؟ ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ربهم ورب آبائهم الأولين رب المشرق والمغرب ولا يقول أحد منهم: إنه عين المخلوقات. ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى إنهم يقولون: لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله.
وهذا مركب من أصلين:
(أحدهما) أن المعدوم شئ ثابت في العدم كما يقوله كثير من ((المعتزلة والرافضة)) وهو مذهب باطل بالعقل للكتاب والسنة والإجماع.
стр. 110
وكثير من متكلمة أهل الإثبات ((كالقاضي أبي بكر)) (١) كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى.
فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن اله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله ﷺ سورة ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق ١-٥] فذكر المراتب الأربعة: وهي الوجود العيني الذي خلقه وذكر الوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن الله تعالى علمه ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم مستلزم للمراتب الثلاثة.
وهذا القول - أعنى قول من يقول: إن المعدوم شئ ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحته لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلى مذهبه الذي في الفصوص.
(والأصل الثاني) : أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس غيره ولا سواه وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء وهو قول بقية الاتحادية لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام وأحسن كلاماً في مواضع كثيرة - فإنه يفرق بين المظاهر والظاهر فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ويأمر بالسلوك