الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ . وقول ابن مسعود: إنما العالم الذى يخشى الله تعالى.
فصل
[ابن القيم يرى أن ربا الفضل حرم سداً للذرائع]
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدرى عن النبي ﷺ : ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإنى أخاف عليكم الرماء)) : هو الربا.
فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذى بين النوعين. إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك - تدعو بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جداً.
فمن حكمة الشارع ﷺ أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقداً او نسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة، فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها، فطائفة قصرت التحريم عليها، وأقدم من يروى عنه هذا مذهب قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس. قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس.
وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، هذا مذهب عمار وأحمد
стр. 632
في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول الشافعي.
وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه، وهو قول مالك، وهو أرجح هذه الأقوال، كما ستراه إن شاء الله تعالى.
وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما مونها موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة.
وطائفة أجمعوا على جواز إسلامهما في المزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقداً، فإن ما يجرى في الربا إذا أختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا أنتقضت من غير فرق مائز دل على بطلانها.
وأيضاً فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمينة، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذى به بعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع.
وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حاله واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة ترتفع وتنخفض
стр. 633
فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم، الضرر اللاحق بهم حين أتخذت الفلوس سلعة بعد الربح، فعم الضرر، وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هب بغيرها لصلح أمر الناس.
فلو ابيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل أن يعطى صحاحاً ويأخذ مكسرة أو خفاقاً، ويأخذ ثقالاً أكثر منها لصارت متجراص، وجر ذلك ربا النسيئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود إلى سائر الموزونات.
فصل
وأما الأصناف الربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها، لأنها أقوات العالم وما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها إلى اجل. سواء اتحد الجنس أو أختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالاً متفاضلاً وإن أختلف صفاتها، وجوز لهم التفاضل فيها مع أختلاف أجناسها.
وسر ذلك والله تعالى أعلم إنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تشخ نفسه حالة لطمعه في الربح، فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، ولا سيما أهل العمود والبوادى، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام، فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها لدخلها إما أن يربى، فيصير الصاع الواحد قفزاناً كثيرة عن النساء، ثم فطموا عن بيعها
стр. 634
متفاضلاً يداً بيد، إذ يجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء، وهو عين المفسدة.
وهذا بخلاف الجنسين المتباينين فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ولا يفعلونه، وفي تجويز النساء بينهما ذريعة إلى: إما أن يقتضى وإما أن يربى، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يداً بيد كيف شاءوا، فحصلت لهم مصلحة المناولة واندفعت عنهم مفسدة: إما أن يقضى وإما أن يربى.
وهذا بخلاف إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو منعوا بهم ولا متنع السلم الذى هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيره، والشريعة لا تأتى بهذا، وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم، وليس بذريعة إلى مفسدة راحجة.
ومنعوا مما لا تدعوا الحاجة إليه، ويتذرع به غالباً إلى مفسدة راجحة.
يوضح ذلك أن المفسدة من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه يحتاج إلى بيعة بالدراهم ليشترى الصنف الآخر، كما قال النبي ﷺ : ((بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً)) (١) أو بيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوى، وعلى التقديرين يحتاج إلى بيعه حالاً بخلاف ما لو مكن من النساء فإنه حينئذ بيعة بفضل، ويحتاج أن يشترى الصنف الآخر بفضل لأن صاحب ذلك الصنف يربى عليه كما أربي هو على غيره
стр. 635
فينشأ من النساء بكل واحد منهما، والنساء ها هنا في صنفين وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.
فإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفاً واحداً وصنفين، مقصودهما واحد أو متقارب كالدراهم والدنانير، والبر والشعير، والتمر والزبيب.
وإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبز والثياب، والحديد والزيت. يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة: فتطلب النقوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته، فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتماماً لهذه الحكمة، ورعاية لهذه المصلحة.
فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر.
وكما يفعل أرباب الحيل يطلقون العقد وقد توطئوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد النكاح وقد أتفقوا على التحليل. ويطلقون بيع السلعة إلى أجل، وقد أتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن. فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالاً، وأخروا الطلب لأجل الربح فيقعوا في نفس المحذور.
وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بحسبها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان. ومنعوا من التجارة في الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع البر والعين لأن البر ليس فيه صنعه يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم الذى قصد الشارع أن لا تفاضل بينها. فلهذا قال: برها وعينها سواء، فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد، وإن تحريم هذا تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل، وسد
стр. 636
الذرائع، ولهذا لم يبح شئ من ربا النسيئة، أما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإن ما حرم سد الذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد. وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صناعته محرمة كالأنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيع هذا هو الذى أنكره عبادة على معاوية، فإنه يتضمن مقابلة الصناعة المحرمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كالآت الملاهي.
وأما إن كانت الصناعة مباحة، كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها، فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك.
فالشريعة لا تأتى به.، ولا تأتى بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه، فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبته، بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج، والعسر، والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر، وشعير وثياب. وتكليف الاستصباغ لكل من أحتاج إليه إما متعذر، أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع.
وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذى تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه، فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلعة، فلو لم يجز بيعة بالدراهم فسدت مصالح الناس، والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ، ليس فيها ما هو صريح في المنع.
وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة، ولا ينكر تخصيص العام، وتقييد المطلق بالقياس الجلى، وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة.
والجمهور يقولون: لم يدخل في ذلك الحلية، ولا سيما أن لفظ النصوص
стр. 637
في الموضوعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير، كقوله الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير، وفي الزكاة، كقوله في الرقة ربع العشر، والرقة هي الورق، وهي الدراهم المضروبة. وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإن حمل المطلق على المقيد كان نهياً عن الربا في النقدين، وإيجاباً للزكاة فيهما، ولا يقتضى ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما، بل فيه تفصيل فتجب الزكاة.
ويجرى الربا في بعض صوره لا في كلها، وفي هذا توفيه الأدلة حقها وليس فيه مخالفة الدليل منها.
يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجرى الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجرى بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها،فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها: إما أن تقضى، وإما أن تربى، إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سد على الناس عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر.
يوضحه: أن الناس على عهد نبيهم ﷺ ، كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها.
ومن المعلوم بالضرورة: أنه كان يعطيها المحاويج، ويعلم أنهم يبيعونها ومعلوم قطعاً أنها لا تباع بوزنها، فإنه سفه.
ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا يساوى يناراً، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله، وأفقه في دينه، وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل، أو يعلموها الناس، يوضحه: انه لا يعرف
стр. 638
عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلى إلا بغير جنسه، أو بوزنه والمنقول عنهم إنما هو في الصرف، يوضحه: أن التحريم ربا الفضل، إنما كان سداً للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد، والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم.
وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصنوعة صياغة مباحة أكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
وتحريم التفاضل إنما كان سداً للذريعة. فهذا محض القياس، ومقتضى أصول الشرع، ولا تتم مصلحة الناس إلا به وبالحيل، والحيل باطلة في الشرع. وغاية ما في ذلك فعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقومة بالأثمان في المغصوب وغيرها. وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوى فلساً، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة، فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوى الصياغة؟ وكيف تأتى الشريعة الكاملة الفاضلة التى بهرت العقول حكمة، وعدلاً، ورحمة وجلاله بإباحة هذا، وتحريم ذاك! وهل هذا إلا عكس العقول والفطر والمصلحة؟
والذى يقضى منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت؟ وحرموا بيع الكسب والسمسم، وبيع النشا بالحنطة، وبيع الخل بالزبيب، ونحو ذلك. وحرموا بيع مد حنطة ودرهم. وجاءوا إلى ربا النسيئة ففتحوا للتحليل عليه كل باب، فتارة بالعينة وتارة بالمحلل، وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ
стр. 639
عليه. ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علم الله والكرام الكانبون، والمتعاقدون ومن حضر أنه عقد ربا، مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة نقداً ليس. ودخول السلع كخروجها، حرف جاء لمعنى في غيره. فهلا فعلوا ههنا، كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم! .
وقالوا: قد يجعل وسيلة إلى الربا الفضل بان يكون المد في احد الجانبين يساوى بعض امد في الجانب الآخر فيقع التفاضل، فيالله العجب! كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل، وابيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتاً خالصاً! وأين مفسدة بيع الحلية بجنسها، ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية، التى هي أساس كل مفسدة، وأصل كل بلية، وإذا حصحص الحق، فليقل المتعصب الجاهل ما قال، وبالله تعالى التوفيق.
فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة، ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة باكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بازيد منه من الردئ، ولما ابطل الشارع ذلك علم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة.
قيل: الفرق بين الصفة التى هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان وتستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التى حي مخلوقة لله سبحانه لا أثر للعبد فيها، ولا هي من صنعه. فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة، إذ ذلك يفضى إلى نقص ما شرعه من المنع من التفاضل، فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر، والعاقل لا يبيع جنساً بجنسه إلا لما بينهما من التفاوت، فإن كانا متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك، فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرم عليهم ربا الفضل.
وهذا بخلاف الصناعة التى جوز لهم المعارضة عليها معه، يوضحه أن المعارضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمونه إلى غير
стр. 640
أصلها وجوهرها، إذ لا فرق بينهما في ذلك، يوضحه أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بع المصوغ بوزنه واخسر صياغتك. ولا يقول له تحيل على بيع المصوغ باكثر من وزنه بأنواع الحيل. ولم يقل قط: لا تبعه إلا بغير جنسه، ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئاً من الأشياء بجنسه.
فإن قيل: فهب أن هذا قد سلم لكم في المصوغ، فكيف يسلم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضلاً، وتكون الزيادة في لا تتقوم فيها الصياغة للمصلحة العامة المقصودة منها، فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة، فإن كان الضارب يضربها باجرة، فإن القصد بها أن تكون معياراً للناس لا يتجرون فيها كما تقدم، والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف، فلو قوبلت بالزيادة فسدت المعاملة، وأنتقضت المصلحة التى ضربت لأجلها، أتخذها الناس سلعة واحتاجت إلى تقويم بغيرها، ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه، فيأخذ الرجل الدراهم ويرد نظيرها، وليس المصوغ كذلك. ألا ترى أن الرجل ياخذ مائة خفاقاً، ويرد خمسين ثقالاً بوزنها، ولا يابى ذلك الآخذ ولا القابض، ولا يرى أحدهما أنه قد خسر شيئاً، وهذا بخلاف المصوغ، والنبي ﷺ ، وخلفاؤه لم يضربوا درهماً واحداً، وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار.
فإن قيل: يلزمكم على هذا ان تجوروا بيع فروع الأجناس باصولها متفاضلاً، فجوزوا بيع دقيق الحنطة بالحب متفاضلاً، والزيت بالزيتون، والسمسم بالشيرج. قيل: هذا سؤال وارد أيضاً، وجوابه. أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع، أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص
стр. 641
على تحريمها، والثلاثة متبقية في فروع الأجناس مع أصولها، وقد تقدم أن غير الأصناف الأربعة، ففرعها إن خرج عن كونه قوتاً لم يكن من الربوبيات، وإن كان قوتاً كان جنساً قائماً بنفسه، وحرم بيعه بجنسه الذى هو مثله متفاضلاً، كالدقيق بالدقيق، والخبر بالخبز، ولم يحرم بيعه بجنس آخر. وإن كان جنسهما واحداً. فلا يحرم السمسم بالشيرج، ولا الهريسة بالخبز، فإن هذه الصناعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها، ولم يحرم بيعها باصولها كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا حرام إلا ما حرمه الله تعالى، كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله تعالى، وتحريم الحلال كتحليل الحرام.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بيع اللحم بالحيوان، فإنكم إن منعتموه نقضتم قولكم، وإن جوزتموه خالفتم النص، وإن النص كان قد منع من بيع اللحم بالحيوان، فهذا دليل على المنع من بيع الخبز بالبر، والزيت بالزيتون وكل ربوى بأصله.
قيل: الكلام في هذا الحديث في مقامين: أحدهما في صحته، والثاني في معناه: أما الأول فهو حديث لا يصح موصولاً وإنما هو مرسل، فمن لم يحتج بالمرسل لم يرد عليه، ومن رأى قبول المرسل مطلقاً ومراسيل سعيد بن المسيب فهو حجة عنده.
قال أبو عمر: لا أعلم أن حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصل عن النبي ﷺ من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد ابن المسيب كما ذكره مالك في مؤطأه. وقد أختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه، وكان مالك يقول: معنى الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار، لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذى أعطي أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز كتفاضلاً، وكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده
стр. 642
بلحم إذا كانا من جنس واحد. قالوا: وإذا أختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيع الحيوان باللحم. وأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه فلا يأخذون بهذا الحديث ويجوزون بيع اللحم بالحيوان مطلقاً وأما أحمد فيمنع بيعه بحيوان من جنسه، ولا يمنع بيعه بغير جنسه، وإن منعه بعض أصحابه. وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه. وروى الشافعي عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل: أعطوني منها بشاة. فقال أبو بكر ﵁: لا يصلح هذا.
قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفاً من الصحابة.
والصواب في هذا الحديث إن ثبت أن المراد به إذا كان الحيوان مقصود اللحم كشاة يقصد لحمها فيباع بلحم، فيكون قد باع لحماً بلحم أكثر منه من جنس واحد، واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل.
وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا بقصد لحمه كالفرس يباع بلحم إبل، فهذا لا يحرم بيعه به.
بقى إذا كان الحيوان مأكولاً بقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم، فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين، كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب. وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل المحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون.
وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار. وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه والله تعالى أعلم. أهـ.
وبهذا كله علمت أن مسائل الربا في بعض صورها أيضاً خلاف. وأن
стр. 643
الشيخ عليه الرحمة قد وافق باقواله من جهة جماعة من الأسلاف، فتأمل أدلته أيها المنصف وزنها بميزان الإنصاف. ومع هذا فلعل له أدلة أخرى لم أطلع عليها، أو عدل بعد ذلك عن تلك الاختيارات الفرعية الاجتهادية والميل إليها. ومن عذر وقنع بما تيسر أكتفى بمجمل ما أملاه القلم الملول وسطر. والله سبحانه الهادى للصواب، وإليه في كل الأمور المآب.
خاتمة
[هل يجوز إهداء ثواب القراءة للنبي ﷺ -]
ومن جملة الاختيارات المنسوبة إلى الشيخ ابن تيمية ما ذكره الفهامة ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: عدم جواز قراءة الفاتحة للنبي ﷺ ، فقد قال في آخر باب الجنائز ما نصه:
تتمه
ذكر ابن حجر في الفتاوى الفقهية. أن الحافظ ابن تيمية زعم منع إهداء ثواب القراءة للنبي ﷺ ، لأن جنابه الرفيع لا يتجزا عليه إلا بما أذن فيه، وهو الصلاة عليه وسؤال الوسيلة له. قال: وبالغ السبكى وغيره في الرد بأن مثل ذلك لا يحتاج لأذن خاص، ألا ترى أن ابن عمر كان يعتمر عنه ﷺ عمراً بعد موته من غير وصية.
وحج ابن الموفق وهو في طبقة الجنيد عنه سبعين حجة، وختم ابن السراج عنه ﷺ أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك. أهـ.
قلت: ورأيت نحو ذلك بخط مفتى الحنفية الشهاب أحمد بن الشلبي شيخ صاحب البحر نقلاً عن شرح الطيبة للنويرى، ومن جملة ما نقله: أن ابن عقيل من الحنابلة قال: يستحب إهداؤها له ﷺ . أهـ.
стр. 644
قلت وقول علماؤنا: له أن يجعل ثواب عمله لغيره يدخل فيه النبي ﷺ ، فإنه أحق بذلك حيث أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوع شكر وإسداء جميل له، والكامل قابل لزيادة الكمال. وما استدل به بعض المانعين من أنه تحصيل المحاصل، لأن جميع أعمال أمته في ميزانه. يجاب عنه: بأنه لا مانع من ذلك، فإن الله تعالى أخبرنا بأنه صلى عليه، ثم أمرنا بالصلاة عليه بأن نقول: اللهم صلًّ على محمد. والله تعالى أعلم.
وكذا أختلف في إطلاق قول: أجعل ذلك زيادة في شرفه ﷺ ، فمنع منه شيخ الإسلام البلقيني والحافظ ابن حجر، لأنه لم يرد له دليل وأجاب عنه ابن حجر المسكى الحديثية بقوله تعالى: ﴿قل رب زدنى علماً﴾ وغيره. أهـ المراد منه.
وفي كتاب الروح للحافظ ابن القيم بعد أن أيد وصول ثواب قراءة القرآن للأموات بادلة كثيرة قال ما نصه: فإن قيل فما تقولون في الإهداء إلى رسول الله ﷺ ؟ قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من لم يستحبه ورآه بدعة، لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي ﷺ له أجر كل من عمل خيراً من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شئ، لأنه هو الذى دل امته على كل خير، وأرشدهم ودعاهم إليه. ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من أتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شئ. وكل هدى وعلم فغنما ناله أمته على يده، فله ﷺ مثل أجر من أتبعه، أهداه إليه أو لم يهده. والله تعالى أعلم. أهـ.
وقد سئل عن ذلك العلامة نجم الدين ابن قاضى عجلون فأجاب بقوله: وقع الخلاف بين جمع من العلماء المتأخرين في إهداء الثواب للنبي ﷺ ، فمنهم من منعه لأنه لا يتجزأ على الجناب الرفيع إلا بما أذن فيه ولم يؤذن إلا بالصلاة عليه وسؤال الوسيلة له. ومنهم من جوزه. وقد توسع
стр. 645
الناس في ذلك وتصرفوا بالتعبير عنه بعبارات متقاربة في المعنى، كقوله: في صحيفته ﷺ ، أو نقدمها إلى حضرته، أو زيادة في شرفه. وقد يقترن بذلك هيئات تخل في الأدب مع النبي ﷺ وما الحاجة إلى ارتكاب ذلك، مع أن جميع حسنات الأمة جارية في صحيفته. وقد قال ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) فالذى يتعين ترك ذلك كله، والاشتغال بما لا ريب فيه، كسؤال الوسيلة له ﷺ ، والصلاة عليه غير ذلك من أعمال البر المأثورة في الشرع، فإنها بحمد الله كثيرة، وفيها ما يغنى عن الابتداع في الدين، والأمور المختلف فيها، واله تعالى أعلم بالصواب. أهـ.
فتبين أن المسألة خلافية بين المتأخرين، وأن ابن تيمية لم ينفرد بهذا القول، ولكل وجهه فاختر لنفسك ما يحلو.
[هل للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره]
بقى أنه هل للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره أم لا؟ فاهل السنة على الأول، المعتزلة على الثاني. لكن استثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما بخلاف غيرهما، وهو المشهور عن الشافعي. والذى حرره المتأخرون من الشافعية وصول القراءة للميت إذا كانت بحضرته أو دعى له عقبها ولو غائباً، لأن محل القراءة تنزل الرحمة والبركة، والدعاء أرجى للقبول. ومقتضاه ان المراد انتفاع الميت بالقراءة لا حصول ثوابها له.
وأما عندنا: فالواصل إليه نفس الثواب. وهذا إذا لم تكن القراءة بالأجرة. وأما إذا كانت بالأجرة فلا تجوز على قول الجمهور المفتى به. والله تعالى أعلم. وتفصيل البحث في الكتب الفقهية في الإجازة والجنائز، ولا سيما الحاشية المذكورة، وفتح القدير. فإن أردته فارجع إليهما.
стр. 646
[مطلب في إرسال العذبة]
(ومن ذلك ما أعترض به ايضاً الشيخ ابن حجر في شرح الشمائل على ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام في بيان سبب إرسال العذبة) .
في حديث ابن عمر: ((كان النبي ﷺ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه)) ورساهما بالتجسيم.
وأجاب العلامة الشيخ على القارى في شرحه عن ذلك، وسيتضح لك على وجه التفضيل ما هنالك. فنقول: قال القارئ ما نصه: قال ابن القيم عن شيخه ابن تيميه إنه ذكر شيئاً بديعاً وهو أنه ﷺ لما رأى ربه واضعاً يده على كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة.
قال العراقى: لم نجد لذلك أصلاً.
قال ابن حجر: بل هذا من قبيح رأيهما وضلالهما، إذ هم مبنى على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له، والحط على أهل السنة في نفيهم له وهو إثبات الجهة والجسمية لله سبحانه، ولهماكم هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان، ويقضى عليه بالزور والبهتان، قبحهما الله تعالى وقبح من يقول بقولهما.
والإمام أحمد وأجلاء مذهبه مبرءون من هذه الوصمة القبيحة، كيف وهي كفر عند كثيرين! .
(أقول) : قد صانهما الله تعالى من هذه السمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة، ومن طالع شرح منازل السائرين تبين له أنهما كانا من أكابر أهل السنة والجماعة ومن أولياء هذه الأمة، وهما بريئان مما رماهما أعداؤهما من التشبيه والتمثيل، غير أنهما ذهبا في باب الصفات إلى مذهب السلف الذى عليه الأئمة الكرام، فإذا أنتفى عنهما التجسيم فالمعنى البديع الذى ذكره الشيخ في الحديث له وجه ظاهر، وتوجيه باهر، سواء رأى النبي ﷺ ربه
стр. 647
في المنام، أو تجلى الله عليه بالتجلى الصورى المعروف عند أرباب الحال. أهـ. باختصار.
وقال المناوى في شرحه أيضاً بعد سوقه لكلام ابن حجر ما نصه: فنقول ابن حجر غير مستقيم. أما أولاً، فلأنهما قال: إن الرؤية المذكورة كانت في المنام، وهذه كتبهما حاضرة.
وأما ثانياً فلأنا نؤمن بأن له يداً لا كيد المخلوق، وفلا مانع من وضعها وضعاً لا يشبه وضع المخلوق، بل وضع يليق بجلاله.
وعجبت من الشيخ ابن حجر كيف أنكر هذا مع وجود خبر الترمذى ((أتانى ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدرى، فوضع كفه بين كتفى فوجدت بردها بين ثنوتى - أى ثديى - وتجلى لى علم كل شئ)) أهـ. المراد منه.
وتعقبه أيضاً الشيخ إبراهيم الكوراني في إفاضة العلام بقوله: أما إثبات الجهة والجسمية المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنهما لم يثبتا الجسمية اصلاً بل صرحا بنفيهما في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذوراً، وإنما أقرأ قوله تعالى: ﴿أستوى على العرش﴾ على ظاهره الذى يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذى هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسمية.
وأما قول العراقى لم نجد له أصلاً، ففيه أن ما ذكر ابن القيم ليس فيه أن ما عزاه لشيخه منقول حتى يتجه عليه أنه لا أصل له، وإنما فيه أن ما عزاه لشيخه إبداء مناسبة بديعة لإرخاء العذبة فهمها مما هو منقول، وهو الحديث الذى أخرجه جماعة منهم أحمد والترمذى وغيرهما، وصححوه: ((أن الله تجلى لى في أحسن صورة)) وفي رواية: أتانى الليلة ربي في أحسن صورة -
стр. 648
إلى أن قال - فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ... ... ..)) الحديث وإذا كان هذا فهماً منه، واستنباطاً لا نقلاً لم يرد عليه قول العراقي، ولم يجد له اصلاً. فالمناسبة التى أبداها ابن تيمية مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنية عليه اصلاً كما ظنه ابن حجر.
بل على صحة التجلى في المظهر مع التنزيه بليس كمثله شئ.
وقد دل كلام ابن تيمية عليه الرحمة عموماً وخصوصاً على أن الحق بتجلى لما يشاء على أى وجه يشاء مع التنزيه بليس كمثله شئ في كل حال، حتى تجليه في المظهر، وهذا هو الغاية في الإيمان والعلم أيضاً. أهـ. باقتصار.
فقد تبين لك تحامل العلامة ابن حجر، والتهور العارى عن الإصابة فيما سطر. فتدبر وأنصف.
[حكم بيع المسجد إذا خرب]
(ومن ذلك أنه ذهب إلى بيع المسجد إذا خرب كما تقدمت الإشارة إليه من بعض المترجمين)
فاعلم أن الوالد رحمه الله تعالى نقل ذلك أيضاً عنه في مجمعته الوسطى بما نصه: قال شيخ الإسلام ابن تيميه في فتاواه: بيع المسجد إذا خرب فلم تمكن عمارته جائز عند الإمام أحمد وغيره من العلماء. واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب ﵁ نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر، وصار الآخر سوقاً للتمارين، وأشتهرت القصة ولم تنكر. ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه. أهـ.
قلت: وفي حاشية الدر المختار ما يقرب من ذلك، فقد نقل عن الخلاصة: أن المسجد إذا خرب، أو الحوض إذا خرب، ولم يحتج إليه لتفرق الناس
стр. 649
عنه. صرفت أوقافه في مسجد آخر، أو حوض آخر. أ. هـ.
وفي تنوير الأبصار: جعل شئ من الطريق مسجداً لضيقه جاز، لأنهما للمسلمين كعكسة. كما جاز الإمام الطريق مسجداً لا عكس. أهـ.
وفي حاوى الزاهدى رامزاً للمحيط وشرف الأئمة ما نصه: حوض أو مسجد خرب، وتفرق الناس عنه فللقاضي أن يصرف أوقافه إلى مسجد آخر أو حوض آخر.
وفي شرحه للزيادات: والمسجد إذا أستغنى عنه المسلمون، ولا يصلى فيه وخرب ما حوله يعود إلى صاحبه كما كان إن كان حياً، وإلى ورثته إن كان ميتاً.
وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال ابو يوسف: يبقى مسجداً أبداً، فأما أوقاف المسجد فإن كان بانى المسجد ومتخذها واحداً يكون ميراثاً، وإن كانوا جماعة تصرف إلى أقرب المساجد في تلك المحلة، لأن قصد الواقف في الأول عمارة مسجده. وفي الثاني عمارة مسجد المحلة، وبالصرف إلى مسجد آخر في المحلة عمارتها. وقال أيضاً: ولو خرب أحد المسجدين في قرية واحدة فللقاضى صرف خشبة إلى عمارة الآخر إذا لم يعلم بانيه ولا وارثه، وإن علم صرفها هو بنفسه. أهـ.
ومما نقلناه تبين لك أنه أيضاً لم ينفرد بالقول بهذه المسألة الاجتهادية ايضاً، كيف وهو مروى عن عمر ﵁، وأحمد بن حنبل، والإمام الأعظم أبي حنيفة، ومحمد رحمهم الله تعالى.
وقد بسط الأدلة في فتاواه نقلاً وعقلاً، وإن أردت استبقاء البحث فعليك بما حرره، وبالكتب الفقهية للأئمة الحنفية، والله سبحانه الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 650
خاتمة الكتاب
هذا آخر ما تيسر تحريره، وغاية ما وسعنى مع ضيق الوقت تسطيره على جواب علامة البشر، مولانا شهاب الدين احمد بن حجر، وألتمس ممن تحلى بالعلم وتدثر بالحلم، وتدرع الإنصاف، وتجنب وصمة الحسد وطريق الاعتساف، أن يحيط بما أستخرجته من كتب العلماء، ويمعن الفكر بما حررته عند أختلاف الآراء، وأن لا يحمله داء التقليد والمعاصرة، على أن يزيف تبره ويطفئ نوره، ويطمس تدقيقاته المبتكرة. بل يمتثل ما أمره به أمير المؤمنين على كرم الله تعالى وجهه من قوله: ((لا تعرف الحق بالرجال، وأعرف الحق تعرف أهله)) وقول حجة الإسلام: ((العاقل من ينظر في نفس القول)) فإن كان حقه قبله، وإن باطلاً تركه. واللبيب من ينتزع الحق من كل كلام، عالماً بان معدن الذهب الرغام. وفي المثل: ((ليس لقدم العهد يفضل القائل)) (١) ، ولا لحداثته يهتضم المصيب في المحافل.
والواجب على طالب النجاة في الدارين أن لا يحكم لأحد من المدعين بلا سماع كلام الخصمين. وها أنا بتوفيقه سبحانه قد ذكرت كلام الشيخين، وتصفحت نصوص الطرفين، متجنباً عن داء العصبية، متنحياً عن حمى الغيرة الجاهلية، إذ لست بحنبلي المذهب، حتى أرمى بسهم العصبية في هذا المطلب. غير أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتقدمات في هذا الشأن، حملتني على نصح الإخوان، وعن الطعن فيمن هو من أولياء الله، والذب عن ذلك الحبر والأواه، وبيان ما عسر تحقيقه ودق تدقيقه على كثير من فضلاء الزمان.
стр. 651
فدونكه كتاباً مفصلاً للمسائل المشكلة، وجامعاً من أقوال المذاهب كل شريدة معطلة، حاوياً لما عز وجدانه على الطالبين، ومعدنا خالياً عن بهرجة المبهرجين والناقدين. ومع ذالا آمن من عثار قلمي أو كبيرة أدهمى، أو زلة قدمى. ولا داعى أن الشيخ شهاب الدين قد حط فيما حكاه على الشيخ تقى الدين من أجل حظوظ نفسية، أو عدم اطلاع على المسائل الشرعية. أو أقول: إن الشيخ ابن تيمية لم يخطئ في بعض المسائل الاجتهادية، أو أنه معصوم عن السهو والتهور في كافة المباحث الأصولية والفرعية. بل إنى أحسن في كليهما الظن، وأميط ما أستطعت عن كلاميهما غبار الوهن. وأقول كما فصلته مراراً: إن بعض الأقوال المتقدمة مكذوبة، والبعض الآخر منها لازم المذهب واللوازم غير مطلوبة. ومنها ما هو مذهب الحنابلة كما قد شاع وذاع. ومنها ما هو مجتهد فيه، وللاجتهاد كما لا يخفى عليك أتساع. وأن الشيخ أبا العباس قد بلغ نحو أمثاله في ذلك رتبة الاجتهاد بلا التباس، حاوياً لشروطه المتقدمة في هذا الكتاب فله الثواب على ذلك، ولا لوم عليه أن أخطأ بعد أن بذل الوسع فيما هنالك، إذ مأخذه الكتاب والسنة الفسيحة المسالك.
وأقول: إن الفهامة ابن حجر قد استعجل ولم يتبين عندما أجاب وحرر حتى بدعه ونسب إليه المكفر ثم أستغفر. فليته تتبع كتب ذلك الإمام، وأقواله المسلمة عند ذوى النقض والإبرام، حتى يلوح له الصدق، ويتثبت ليتحصحص الحق، ولا ينتقد عليه المتبعون، أو يغتر بنقله الغافلون، أو يتبع كلامه في الازدراء والتكفير من أهل زماننا الجاهلون، لأنه العلامة المتبع، ومن إذا قال قولا يضاح له ويستمع وعلى العلات أسأل الله تعالى أن يغفر لهذين الشيخين وينفعنا بعلوم هذين الأحمدين في الدارين، ويجزيهما عن شفيعنا ونبينا ﷺ خير الجزاء، ويعفو عن كافة ورثة الأنبياء القاصدين
стр. 652
نفع الأمة، والكاشفين بإنارة كلماتهم عن وجه الحق غياهب البدع المدلهمة وان يعيذنا من شر الحاسدين وكيد المداحين، ويحفظنا من تحريف الخائن لا رب غيره، ولا يرجى إلا خيره، ولا تهزم إلا به جيوش الأباطيل، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
وكان ذلك في شهر ربيع الآخر من شهور السنة السابعة والتسعين بعد المائتين والألف من هجرة الرسول المعصوم الأمين، عليه افضل صلاة المصلين وأزكى سلام المسلمين، والحمد لله رب العالمين:
وبالأصل ما نصه: ((بحمده تعالى قد كمل كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين)) لأبي البركات خير الدين نعمان الحسينى الشهير ((بآلوسى زاده)) نجل خاتمة المفسرين السيد محمود أفندى مفتى الحنفية في بغداد المحمية، على مسودة الؤلف المذكور، ضوعفت لنا ولهم الأجور، في داره المعمورة الدائمة السرور.
***
تم بحمد الله كتاب ((جلاء العينين، في محاكمة الأحمدين))
لأبي البركات خير الدين نعمان الحسيني
الشهير ((بآلوسى زاد ١٢٥))
ولله المنة والحمد
стр. 653
كلمة المطبعة
- والآن ... وقد انتهينا من طبع كتاب "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" لمؤلفه العالم الجليل السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي
- ويعتبر هذا الكتاب واحدا من الأعمال العديدة السديدة المفيدة التي نقوم عليها إخراجا وطبعا ونشرا، وقد بذلنا فيه قارى الجهد حتى يطلع على قارئه
- نسأل الله أن يفتح بين أيدينا الطريق كي نحقق للقارئ غايات العلم والمعرفة، كما نسأله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، نافعا لعباده
- وفق الله كل العاملين من أجل تمكين الكلمة المسلمة في أرض الله
محمود علي صبح المدني