له الأجور في كتابه (الزواجر) ما نصه: ومن الكبائر أتخاذ القبور ساجد وإبقاء السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها واستلامها، والصلاة إليها.
أخرج الطبراني عنه ﵊ أنه قال: ((لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر)) .
وروى الإمام أحمد والترمذى والنسائي وغيرهم عن ابن عباس: ((لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)) .
وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) .
وروى الشيخان أنه ﷺ قال: لعن الله - وفي رواية - قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة)) .
وروى ((من شرار امتى من يتخذ القبور مساجد)) . وايضاً ((كانت بنو إسرائيل أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى)) .
ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً. وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث، وقيس عليه كل تعظيم للقبر، كايقاد السرج عليه تعظيماً له وتبركا به، والطوائف به كذلك. وأما أتخاذها أوثاناً فجاء النهي عنه بقوله ﷺ ((لا تتخذوا قبرى وثناً بعدى)) أى لا تعظموه تعظيم غيركم لأوثانهم بالسجود له أو نحوه. فإن أراد بقوله: واتخاذها أوثاناً هذا المعنى، أتجه ما قالوه: بل يكفر بشرطه. وأن أريد أن مطلق التعظيم الذى لم يؤذن فيه كبيرة ففيه بعد.
стр. 597
نعم، قال بعض الحنابلة: قصد الصلاة عند القبر تبركا به عين المحادة لله ورسوله. ومن أعظم أسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مسجداً وتجب إزالة كل منكر، وتجب المبادرة لهدمها، وعدم القباب التى على القبور، إذ هي اضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ، لأنه نهي ذلك، وأمر بهدم القبور. وتجنب إزالة كل قنديل أو سراج، ولا يصح وقفه ونذره. أهـ.
وقال أيضاً: إن من الكبائر زيارة النساء لها، فعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ : ((لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) .
وصرح أصحابنا بتحريم السراج على القبر، وإن قل، حيث لم ينفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس. فلا يبعد في هذا حينئذ أن يكون كبيرة. أنتهى ما في الزواجر باقتصار.
قلت: وقد أختلف العلماء في زيارة النساء للقبور إذا لم تكن مشتملة على محرم من نوح وغيره. وأما إذا اشتملت على ما يفعله كثير من نساء زماننا قولاً وفعلاً، بل ما يفعله كثير من جهلة الرجال أيضاً فلا خوف في الحرمة إذ ذاك كما لا يخفى على المطلع الخبير.
قال الشيخ على الحلبي الشافعي فيما كتبه على الغاية ما نصه: وكذلك يجب منعهن من زيارة كثير من قبور الأولياء في العراق وغيره، لما في ذلك من المفاسد التى يطول شرحها من تبرج بزينة، ولطم ونوح، واجتماع نساء ورجال واختلافهم جلوساً ومشياً، فلا يمترى عاقل في سد هذا الباب حسماً لمادة الفساد. بل يكره للرجل - والحالة هذه - فضلاً عن النساء، ولو قيل بالتحريم لم يبعد. أنتهى.
стр. 598
وإن أردت استيفاء بحث البناء على الأموات، فارجع إلى الكتب الفقهية المعتبرات، واكتف الآن بما سطرناه، واعتصم بما نقلناه، وأسأل البارى سبحانه هداه. ثم إني أقول بعد هذا كله: إن الذى عقدت حباً عقيدتى في فصله سنية شد الرحل إلى مرقد سيد الشفعاء، والرسول المقدم يوم الفزع الأكبر على الأصفياء. وهو من خصوصياته عليه أكمل الصلاة والسلام، كما ذهب إلى نحوه في الاستغاثة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، لا سيما وقد تعددت الأحاديث في ذلك، وإن أول أو طعن البعض منها بضعف المسالك.
وأما ما دعا ذاك القبر المطهر من الأنبياء التى لا يصحح تعيينها تواتر يفيد اليقين، وكذا مشاهد الأولياء الذين لم يرد في السفر إليهم أثر قوى عن السلف الصالحين، فعدم شد الرحل إليهم سداً للذرائع اصوب، وترك ما يريبك إلى ما لا يريبك أحب في المذاهب.
كيف لا، وقد اتسع الخرق الآن على الراقعين، وقدم لسفر إلى مقابر الأولياء على سائر الفرائض كثير من الجاهلين، بل يقدمه أهل البدع على الحج، ويعد إيفاء نذره لأصحابنا بها افضل من العج والثج، ويحسب الطواف حول ذلك الميت شبه الطواف بين أركان البيت: فألهاهم عن الواجبات التفاخر بذلك والتكاثر.
وظنوا ان أصلح الأمة من واظب على السفر إلى المقابر. وكأني بمن يقول: إنك قد خالفت القولين، ولم تسلك في احد الطريقين المتقدمين. فأقول له: إنى قد سلكت نحو ما ذكرت، لأنه الطريق الوسط، السالم عند المنصف الممعن من الشطط، ولا سيما إذا نوى المسجد النبوى معه فهو الأحوط. فإن أصبت ببياني هذا فلى الأجر إن شاء الله، وإن أخطأت فأسأله سبحانه أن يغفر لى ما أخطأت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 599
[كيف بدلت التوراة والإنجيل]
(قوله: ((وإن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها، وإنما بدلت معانيها)) ) أقول: إن هذا القول إن صح نقله لم ينفرد به ايضاً ابن تيميه، بل هو قول ابن عباس ﵄. فقد قال الوالد عليه الرحمة تفسيره على قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾ ما نصه: أى يسمعون التوراة، ويؤولونها تأويلاً فاسداً حسب أغراضهم. وإلى ذلك ذهب ابن عباس والجمهور على أن تحريفها تبديل كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته ﷺ ، فإنه روى: أن من صفاته فيها أنه أبيض ربعه، فغيروه باسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه، كما في البخارى. وقيل المراد: بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور. أهـ. باقتصار.
قلت: ولعل معنى التحريف لغة فيه تقوية لمذهب ابن عباس، فقد قال الراغب في مفرداته: تحريف الشئ إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال : ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ . ومن بعد مواضعه ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ [البقرة ٧٥] أهـ.
وهذا بناء على صحة العزو إليه. وأما ما رأيته فيما حرره لأبي نصر المنبجى من كتاب طويل ما نصه: وقد جاءت في الإنجيل الذى بأيدى النصارى كلمات مجملة، إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها في قوله ((أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي)) ، ونحو ذلك. وبها ضلت النصارى حيث أتبعوا المتشابه كما ذكر الله تعالى عنهم في القرآن، ففيه إشارة إلى أنه ليس قائلاً بتبديل المعاني فقط. فالعزو حينئذ غير صحيح كما لا يخفى. فليتدبر.
стр. 600
[ابن حجر لا يعدل في القضية]
تنبيه
قد ظهر لك من جميع ما تقدم أن الشيخ ابن حجر نسب إلى شيخ الإسلام كثيراً من الأقوال التى لا أصل لها ولا سند في نقلها بخلاف ما إذا ذكر عن الشيخ الأكبر محيى الدين أو غيره من المتصوفين قولاً ليس لهم به مستمسك في الدين، ولا قاله أحد غيرهم من علاء المسلمين، فيأخذ حينئذ بتأويله وبتكليف لتعديله، ولله در القائل: [كامل] :
فرصاص من أحببته ذهب كما ... ذهب الذى لم ترض عنه رصاص
فمن ذلك ما قاله في الزواجر في بحث الإجماع على كفر فرعون بما نصه: فإنا وإن كنا نعتقد جلالة الشيخ محيى الدين فقوله بإيمانه مردود، فإن العصمة ليست إلا للأنبياء ﵈، مع انه نقل عن بعض كتبه أنه صرح فيها بان فرعون مع هامان وقارون في النار، وإذا أختلف كلام إمام فيؤخذ بما يوافق الأدلة الظاهرة، ويعرض عما خالفها. أهـ باقتصار. فليت شعرى لِمَ لَمْ يجعل كثيرا من كلام الشيخ ابن تيميه - إن صح - مع هذا القبيل ويدرأ عنه سوء الظن وباطل الأقاويل، لكن كما قيل: [طويل]
وعين الرضا عن كل عيب كليله ... كما أن عين السخط تبدى المساويا
ومع هذا، فإنى أسأل الله ان يغفر لى ولهم جميع العبد والخطأ والزلل. ويجزيهم عنا خير الجزاء، وهو الذى يختص برحمته من يشاء.
فصل
[ارتفاع الحدث بماء الورد]
وحيث أنتهت الأجوبة عما ذكر العلامة ابن حجر من المسائل التى عزاها لشيخ الإسلام ابن تيميه وعرفت أجوبتها المرضية، فلنذكر
стр. 601
إن شاء الله تعالى الأجوبة عما ذكره زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن احمد بن رجب البغدادى الدمشقى الحنبلى المتوفى سنة سبعمائة وخمس وتسعين - من المسائل التى اختارها ذلك الإمام أيضاً فنقول:
(قال ابن رجب: أختار الشيخ ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه) أقول: أنت تعلم أن هذه المسألة فيها خلاف كثير بين الأئمة، فمنهم من خصه بالماء. ومنهم من جوزه بالنبيذ. وحكى ابن القيم في (أعلام الموقعين) عن الحسن بن صالح بن حى، وحميد بن عبد الرحمن جواز الوضوء بالخل. وفي الهداية جواز عند الأئمة الحنفية بالماء الذى يقطر من المكرم. وبعضهم لم يجوزه بماء البحر.
قال الشعراني الشيخ عبد الوهاب (في الميزان) : أتفق العلماء على أنه لا تصح الطهارة إلا بالماء، مع قول ابن ليلى والأصم بجواز الطهارة بسائر أنواع المياه المعتصرة من الأشجار ونحوها. أهـ. ولا يخفى أنهما من المجتهدين المشهورين، لا سيما ابن أبي ليلى فقد كان مجتهداً في زمن أبي حنيفة، حتى نقل العلامة الشيخ عبد العزيز الرجبى البغدادى في شرحه لكتاب الخراج لأبي يوسف أن أبا يوسف ترافع عنده أحد الملوك مع أحد الرعية، ونور الملك دعواه بشاهدين، ثم وقع في نفس الإمام انه غير محق في تلك الدعوى. والبينة. فقال الإمام له: إن خصمك يريد تحليفك على ان شاهديك شهدا بحق لعلمه أن الملك لا يحلف. فقال: شهود ويمين؟ فقال الإمام: إن ابن أبي ليلى يرى ذلك، وهو من كبار المجتهدين. فنكل حينئذ الملك عن اليمين أهـ. وترجمته في الطبقات والتواريخ مشهورة.
ومما يقرب من هذا الخلاف الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبقية الأئمة الثلاث من قوله بإزالة النجاسة الحقيقية بسائر المائعات المزيلات
стр. 602
للنجاسة، كماء الورد والخل، ونحوهما، وقولهم: لا تزال إلا بالماء خاصة، فلا تغفل.
[حكم المسح على النعلين وما جرى مجراهما]
(قال ابن رجب: واختار القول بجواز المسح على النعلين والقدمين وكل ما يحتاج في نزعه من الرجال إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين) أقول: لم أر في تأليفاته التى بين يدى أنه أختار هذا القول، بل رأيته قال في فتاواه ما نصه: الخف إذا كان فيه خرق يسير، فيه نزاع مشهور، فأكثر الفقهاء على أنه يجوز المسح عليه كقول أبي حنيفة ومالك.
والقول الثاني أنه لا يجوز كما هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد، قالوا: لأن ما ظهر من القدم ففرضه الغسل، وما أستتر ففرضه المسح، ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل، والقول الأول أرجح. أهـ. باقتصار.
(قلت) : لعل من ذلك ما ذكره (في الميزان) عن الثورى أنه قال: أمسح على الخفين ما تعلقا بالقدم وإن تخرقا. أهـ. وأما دليل المسح على النعلين إن قال به فلعله ما رواه أبو داود في سننه قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحرانى حدثنا محمد يعنى ابن سلمه، عن محمد بن اسحق، عن محمد بن طلحه ابن يزيد بن ركانه، عن عبيد الله الخولانى، عن ابن عباس قال: علي - يعنى علي بن أبي طالب. وقد أهراق الماء فدعا بوضوء فاتيناه بتور دخل فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال يا ابن عباس: ألا اريك كيق كان يتوضأ رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى. قال: فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم دخل يديه في الإناء جميعاً فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من اذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة
стр. 603
مثل ذلك، ثم أخذ بكفيه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تسف على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح راسه وظهور أذنيه ثم ادخل يديه جميعاً فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك. قال: قلت وفي النعلين. قال: قلت وفي النعلين قال: وفي النعلين. وما رواه أيضاً في سننه عن أوس بن ابي أوس الثقفى، قال: إنه رأى رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم فتوضأ ومسح على نعليه وقديمه ومسح على بن ابي طالب على الجوزبين، وروى ذلك عن عمر وابن عباس ﵄.
[هل يتوقت المسح على الخفين ؟]
(قال ابن رجب: واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف إلى آخره) أقل: هذا موافق لقول الإمام مالك، فقد قال محمد المالكى في التوضيح: إن المقيم لا يمسح عند مالك في رواية عنه. والمسافر يمسح مؤبداً. وفي الأخرى. المقيم كالمسافر مسح مؤبداً، وكذلك نقله المالكية الداماد من الحنفية في شرح الملتقى. وقال الشعراني من الشافعية: قال مالك: لا تتوقف مدة المسافر ولا المقيم، بل يمسح ما بداله مالم ينزعه أو يصبه جنابة. أهـ.
(قلت) : ولعل المأخذ في ذلك ما رواه في الميزان عن البيهقى بسنده إلى أبي عمارة قال: ((قلت يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم، فقلت: يوماً؟ قال يومين. فقلت: ويومين؟ قال وثلاثة. قلت: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: نعم وما بدا لك)) وفي رواية ((وما شئت)) . وفي رواية ((قال نعم، حتى سبعاً)) ثم قال ﷺ : ((نعم ما بدا لك)) أهـ. فلا تغفل.
(قال ابن رجب: واختار المسح على اللفائف ونحوها) أقول: لم أطلع
стр. 604
عليه في كتبه، لكن أنت تعلم ان مثل هذه المسائل فيها للإجتهاد مساغ ودلائل، لا سيما، وقد وقه في باب المسح اختلاف كثير، يعرفه المطلع الخبير فقد قال الشيخ محيى الدين عليه الرحمة في الفتوحات ما نصه: أما المسح على الخفين فاختلف علماء الشريعة فيه، فمن قائل بالجواز على الإطلاق، ومن قائل بمنع جوازه على الإطلاق، كابن عباس، ورواية عن مالك. ومن قائل بجواز المسح عليهما في السفر دون الحضر.
واختلف علماء الشريعة في تحديد المسح على الخف، فمن قائل: إن القدر الواجب من ذلك مسح أعلى الخف وما زاد على ذلك فمستحب، وهو مسح أسفل الخف بقول على بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه: لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح أعلى الخف. وقال أشهب: إن الواجب مسح باطن الخف، ومسح الأعلى مستحب. واختلفوا في المسح على الجوربين، فمن قائل بالمنع على الإطلاق ومن قائل بالجواز إذا كان على صفة خاصة. فإما أن تكون من الكثافة والنحافة بحيث أن يصل ماء المسح إلى الرجل، وأو يكون مبطناً بجلد يجوز المشى فيه واى يمكن المشى فيه. واختلفوا في المتخرق (١) فمن قائل بجوازه إذا كان الخرق يسيراً من غير حد. ومن قائل بتحديد الخرق اليسير بثلاثة أصابع. ومن قائل بجوازه مادام ينطلق عليه اسم الخف وإن تفاحش خرقه، وهو الأوجه عندى. ومن قائل بمنع المسح إذا كان الخرق في مقدم الخف وإن كان يسيراً. والذى اقول به: إن هذه المسالة لا أصل لها ولا نص فيها في كتاب ولا سنة، فكان
стр. 605
الأولى إهمالنا لها، والذى أحوجنا إلى الكلام فيها خلاف علماء الشريعة المطهرة. والحق في ذلك عندنا إنما هو مع من قال يجوز مادام يسمى خفاً.
وأختلفوا في وقت المسح، فمن قائل بالتوقيت فيه ثلاثة ايام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم. ومن قائل بان لا توقيت، وليمسح ما أراد ما لم يقم مانع كالجنابة.
وأختلفوا في شرط المسح، فمن قائل: إن من شرط المسح أن يكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء. ومن قائل: إنه ليس من شرطه إلا طهارتهما من النجاسة، وبه أقول، والقول الأول أحوط. وشرط آخر أن لا يكون خف على خف، فمن قائل بجواز المسح عليهما، وبه أقول. ومن قائل بالمنع، وهكذا حكم الجرموق. أهـ. ملخصاً.
(قلت) : واختلفوا في جواز المسح على العمامة، فأجازة الإمام أحمد إذا كانت محنكة، وقد أستوفى البحث عليها الوالد في الأجوبة العراقية فإن أردته، فأرجع إليه.
[التيمم لخشية فوات الوقت]
(قال ابن رجب: واختار جواز التيمم بخشية فوات الوقت في حق المعذور، كمن أخر لصلاة عمداً حتى تضايق وقتها، وكذا من خشى فوت الجمعة، والعيدين وهو محدث) - اقول: أما التيمم لصلاة العيدين وكذا الجنازة إذا خيف فوتهما فقد أجاز الإمام الأعظم خلافاً للثلاثة. وقال في الميزان: زمن تعذر عليه الماء في الحضر وخاف فوت الوقت فإن كان الماء بعيداً عنه، أو في بئر ولو أستقى منه خرج الوقت أنه يتيمم ويصلى، ثم إذا وجد الماء أعاد، مع قول مالك: إنه يصلى بالتيمم، ولا يعيد، ومع قول أبي حنيفة:
стр. 606
إنه يصبر إلى ان يقدر على الماء. أهـ. وقال المالكى في التوضيح على قول الماتن: وكذلك الحاضر الصحيح يخشى فوات الوقت على المشهور، ولا يعيد ما نصه: منشأ الخلاف هل تتناول الآية الحاضر أو هي مختصة بالمريض والمسافر، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ الآية، فإن حملنا ((أو)) على بابها فيكون قوله ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء﴾ مطلقاً، ولا يختص بمريض ولا مسافر، وإن جعلناهم بمعنى الواو خصت المريض والمسافر، لأن التقدير: وإن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط. والمشهور أظهر لحمل ((أو)) على حقيقتها. ومقابل المشهور لمالك أنه يطلب الماء وإن خرج الوقت. والمشهور أيضاً أنه لا إعادة عليه. أهـ. ملخصاً.
والتيمم لصلاة الجنازة مختلف فيه عند المالكية أيضاً، وكذا لو خشى فوات الجمعة فقولان. قال الشارح في توضيحه: القول بالمنع لأشهب. قال: فإن فعل لم يجزه. والقول بالجواز حكاه ابن القصار وغيره. قال ابن عطاء الله: ومنشأ الخلاف هل الجمعة فرض يومها أو بدل عن الظهر. أهـ.
وظاهر المذهب أنه لا يتيمم لها. قال ابن يونس: قال بعض المتأخرين: لو قيل يتيمم ويدرك الجمعة، ثم يتوضأ ويعيد احتياطاً ما بعد. أهـ. ما في التوضيح فليتدبر، وسيأتى قريباً ما يوضحه إن شاء الله تعالى.
[اختيار لابن تيمية في التيمم]
(قال ابن رجب: واختار أن المرأة إذا لم يمكنها من الاغتسال. إلخ) - أقول: هذا قريب مما مر. وقال الشيخ محيى الدين عليه الرحمة في الفتوحات (باب كون التيمم بدلاً عن الوضوء باتفاق، ومن الكبرى بخلاف) - أتفق بالشريعة أن التيمم بدل من الطهارة الصغرى والكبرى،
стр. 607
ونحن لا نقول فيها: إنها طهارة مشروعة مخصوصة اعتبرها الشرع، فإنه ما ورد شرع عن النبي ﷺ ، ولا من الكتاب العزيز أن التيمم بدل، فلا فرق بين التيمم وبين كل طهارة مشروعة. وإنما قلنا مشروعة، لأنها ليست بطهارة لغوية.
واتفق علماء الشريعة على أن التيمم يجوز للمريض والمسافر. واختلفوا في المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، فمن قائل بجواز التيمم له، وبه أقول ولا إعادة عليه. ومن قائل: لا يتيمم مع وجود الماء، سواء في ذلك المريض والخائف. ومن قائل: يتيمم، وإن وجد الماء قبل خروج الوقت توضأ وأعاد، وإن وجد الماء بعده لا إعادة عليه. واختلفوا في الحاضر إذا عدم الماء، فمن قائل: يجوز التيمم له، وبه أقول. ومن قائل: لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء.
واختلف العلماء في الخائف من البرد، وإذا غلب على ظنه أنه يمرض باستعماله، فمن قائل: يجوز التيمم. ومن قائل: لا يجوز، وبالأول أقول.
واختلفوا فيه النية له، فمن قائل تحتاج. ومن قائل لا تحتاج، وبالأول أقول، لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة ٥] ، والتيمم عبادة والإخلاص عين النية.
واختلفوا في اشتراط دخول الوقت في هذه الطهارة، فمن قائل، به أقول. ومن قائل بعدم هذا الشرط فيها.
واختلف العلماء في حد الأيدى في التيمم، فمن قائل مثل حدها في الوضوء. ومن قائل: هو مسح الكف فقط. ومن قائل: إن الاستحباب، والفرض الكفان. ومن قائل: إن الفرض إلى المناكب. والذى أقول به: إن أقل ما يسمى يداً في لغة العرب يجب، فما زاد على
стр. 608
أقل مسمى اليد إلى غاية فذلك له، وهو مستحب عندى.
واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد، فمن قائل: واحدة. ومن قائل: إثنان. ومن قائل: ضربتان لليدين، وضربتان للوجه. ومذهبنا من ضرب واحدة أجزأت عنه، وحديث الضربة الواحدة أثبت، فهو أحب إلى. أهـ. ملخصاً.
(وأقول) : إنى لم أعثر عليه في فتاويه. نعم، ورأيت ما يوافقه حاكياً للأقوال، وهو قوله: مسألة - مسافر وصل الماء وقد ضاق الوقت ما يفعل؟ الجواب - إذا وصل الماء وقد ضاق الوقت، فإنه يصلى بالتيمم على قول جمهور العلماء. وكذا لو كان هناك بئر، ولكن لا يمكن أن يصنع حبلاً حتى يخرج الوقت فيتيمم.
وقد قال بعض الفقهاء: إنه يغتسل ويصلى بعد خرود الوقت، وهو ضعيف. فإذا علم المسافر أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضاً عليه أن يصلى بالتيمم باتفاق الأئمة، وليس له التأخير حتى يجد الماء. وهذا بخلاف المستيقظ آخر الوقت والماء حاضر، فإن هذا مأمور أن يغتسل ويصلى ووقته من حين يستيقظ لا من حين طلوع الفجر. بخلاف من كان يقظان عند طلوع الفجر، أو عند زوالها مقيماً، أو مسافراً، فالوقت في حقه من حينئذ، والله تعالى اعلم. أهـ.
ورأيت في محل آخر من فتاويه ما منه: ومن كان مستيقظاً في أول الوقت والماء بعيد عنه لا يدركه إلا بعد الوقت، فإنه يصلى في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء. اما إذا استيقظ آخر وقت الفجر، وإذا اغتسل طلعت الشمس، فجمهور العلماء هنا يقولون: يغتسل ويصلى بعد طلوع الشمس، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأحد القولين في مذهب مالك رحمهم الله تعالى. وقال في القول الآخر: يتيمم أيضاً ويصلى في الوقت، كما
стр. 609
تقدم في تلك المسائل. والصحيح هنا قول الجمهور، لأن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ، وقبل ذلك لم يكن وقتها في حقه.
وإذا كان كذلك، فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا بعد طلوعها، فقد صلاها في وقتها، ولم يفوتها عن وقتها في حقه بخلاف من استيقظ أول الوقت.
وكذلك من نسى صلاة، فإذا ذكرها فإنه يغتسل ويصلى في اى وقت كان وهذا هو الوقت في حقه. وإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، كما استيقظ الصحابة لما ناموا عن الصلاة عام خيبر، فإنه يصلى بالطهارة الكاملة وإن أخرها إلى حين الزوال، ولا يصلى هنا بالتيمم.
ويستحب أن ينتقل عن المكان الذى نام فيه كما انتقل ﷺ . وبالجملة فليس لأجد شغل يسقط عنه فعل الصلاة في وقتها، بل لا بد أن يصليها في الوقت، لكن يصلى بحسب حاله، فما قدر عليه فعله وما عجز عنه سقط عنه. أهـ.
(ولنذكر) من كلام أئمتنا الحنفية ما يقرب من أقوال الشيخ ابن تيميه، أو يوافقها بالقواعد المرعية، في هذه المسائل الفرعية. فمن ذلك ما ذكره في الدار المختار، وحاشيته رد المختار في بحث الغسل ما نصه: عليه غسل وثمة رجال لا يدعه وإن رأوه. والمرأة بين رجال ونساء تؤخره. لا بين نساء فقط. واختلف في الرجل بين رجال ونساء، أ, نساء فقد كما بسطه ابن الشحنة. وينبغي لها أن تتيمم وتصلى لعجزها شرعاً عن الماء. ولا يخفى أن تأخير الغسل لا يقتضى عدم التيمم، فإن المبيح له وهو العجز عن الماء قد وجد، والأشبه الإعادة بعد ذلك. واستظهر الرحمتى عدم الإعادة، قال: لأن العذر لم يأت من قبل المخلوق، فإن المانع لها الشرع والحياء، وهما من الله تعالى.
стр. 610
وفي باب التيمم منهما: من عجز عن استعمال الماء تيمم لبعده ميلاً أربعة آلاف ذراع أو خطوة، أو لمرض يشتد أو يمتد، أو برد يهلك الجنب أو يمرضه، ولو في المصر، وإذا لم تكن له أجرة حمام، ولا ما يدفيه، أى من ثوب يلبسه أو مكان يؤويه.
وكذلك يباح التيمم لخوف عدو أو عطش، أ, عدم آلة. وجاز التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة، أى ولو كان الماء قريباً، أو كان المصلى جنباً أو كونه إماماً أو لا في الأصح، لأن المناط خوف الفوت لا إلى بدل. فجاز لكسوف، وخسوف، وسنن رواتب، كالسنن التى بعد الظهر والمغرب والعشاء والجمعة إذا أخرها، بحيث لو توضأ فات وقتها فله التيمم.
قال الطحاوى: والظاهر أن المستحب كذلك لفوته وقته، كما إذا ضاق وقت الضحى عنه وعن الوضوء فتيمم له، لا يجوز التيمم لفوت الجمعة ووقت لفواتها إلى بدل، أى فبدل الجمعة يصلى ظهراً، وبدل الوقتيات قضاء.
وقال زفر: يتيمم لفوات الوقت. وفي القنية: أنه رواية عن مشايخنا قال البرهان الحلبي: فالأحوط أن يتيمم ويصلى ثم يعيد، وإنما أختار المشايخ قول زفر لقوة دليله، وهو أن التيمم إنما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، فيتيمم عند خوف فوته.
قال ابن الهمام: ولم يتجه لهم عليه سوى أن التقصير جاء من قبله فلا يوجب الترخيص عليه، وهو إنما يتيمم إذا أخر لا لعذر. أهـ.
وأقول: إذا أخر لا لعذر، فهو عاص. والمذهب عندنا أنه كالمطيع في الرخص. نعم، وتأخير إلى هذا الحد عذر جاء من قبل غير صاحب الحق، فينبغي أن يقال: يتيمم ويصلى، ثم يعيد الوضوء، كمن عجز بعذر من قبل
стр. 611
العباد. ونقل الزاهدى في شرحه هذا الحكم عن الليث بن سعد. وقد ذكر ابن خلكان: أنه كان حنفي المذهب. أهـ. ما في الحلية.
وهذا قول متوسط بين القولين، وفيه الخروج عن العهدة بيقين، ولا سيما وابن الهمام يميل إلى ترجيح قول زفر، وأنه رواية عن مشايخنا الثلاثة. ونظير هذا مسألة الضيف الجنب الذى خاف ريبة، فإنهم قالوا: يصلى بالتيمم مع وجود الماء، ثم يعيد. أهـ. باختصار.
وإن أردت زيادة الاطلاع على نظائر هذه المسائل وتفصيل الدلائل فارجع إلى الكتب المطولة، وبما ذكرناه من أقوال العلماء والقواعد التى زبرتها الأجلاء، تبين توجيه ما أختاره الشيخ فتدبر ذلك، أظنك تسلك به إن شاء الله تعالى أحسن المسالك.
[مدة الحيض]
(قال ابن رجب: واختار أن لآحد لأقل الحيض، ولا لأكثرة ... ألخ)
أقول: نقل في شرح الملتقى من كتب الحنفية أنه لأحد لأكثر الحيض، ولا لأقله عند الإمام مالك.
وقال الشعراني في الميزان، وقال مالك والشافعي: إنه ليس لأمد انقطاع الحيض مدة معينة، وإنما الرجوع فيه إلى إعادة البلدان، فإنه يختلف باختلافها في الحرارة والبرودة.
وفي الفتوحات: وأما أقل الحيض، فمن قال لا حد لأقله، وبه أقول، فإن أقل الحيض عندنا دفعه. أهـ.
وفي الدرر البهية للشوكاني، وشرحه الروضة الندية لشيخنا أبي الطيب القنودي: ولم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر، لأن ماورد في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر، لأن ما ور د في تقدير الحيض والطهر وأكثرهما، فهو إما موقوف، ولا تقوم به الحجة، أو مرفوع ولا يصح. فلا تعويل على ذلك ولا رجوع
стр. 612
إليه، بل المعتبر لذات العادة المتقررة هو العادة. وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم. أهـ.
[مسافة القصر]
(قال ابن رجب: وقال القصر يجوز في قصير السفر وطويله كالظاهرية) .
أقول: من أدلة داود، أهل الظاهر على ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً﴾ ، وخصوا أيضاً القصر بصلاة السفر. غير أنهم اختلفوا في مدته، فروى عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام، وبه قال الزهرى والأوزاعي.
وقال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.
وقال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ.
وقال الحسن: مسيرة ليلتين، وقال الشعبي والمخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وإليه ذهب إمامنا أبو حنيفة رحمه الله تعالى. وقال مالك والشافعي: أربعة برد، كل يريد أربعو فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد النبي ﷺ ، هو الذى قدر أميال البادية، كل ميل أثني عشر ألف قدم، وهي أربعة ألاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدم خطوة. فالحنفية استدلت بقوله ﷺ : ((يمسح المسافر ثلاثة أيام)) وهذا يقتضى أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام ألا يكون مسافراً وإذا لم يكن مسافراً لم تحصل له الرخص المشروعة في السفر.
وأما الشافعية فاستدلوا بما رواه ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه
стр. 613
وسلم - أنه قال: ((يأهل مكة، لا تقصرة في أدنى من اربعة برد من مكة إلى عسفان)) . قالت الظاهرية: أضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً في تقدير المدة. وأدلة الحنفية والشافعية تعارضت فتساقطت، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، وهو مقطوع المتن والخبر، مظنون المتن لأنه خبر واحد. فكان القرآن أقوى دلالة فلزم العمل به. وإن أردت استقصاء أدلتهم وأدلة غيرهم فارجع إلى تفسير الفخر وغيره. وقد تراءى لك أن الشيخ ابن تيمية وافق في ذلك سادات، أقوالهم مرضية والحمد لله سبحانه.
[هل تستبرأ البكر ؟]
(قال ابن رجب: واختار أن البكر لا تستبرأ) .
أقول: قال في الميزان: قال الأئمة الثلاثة إنه لا فرق في وجوب الاستبراء بين الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب.
وقال مالك: إنها إن كانت ممن يوطأ مثلها لا يجوز وطؤها قبل الاستبراء. وإن كانت ممن يوطأ مثلها جاز وطؤها من غير استبراء.
وقال داود: لا يجب استبراء البكر. أهـ. وقد علمت من كلام ابن رجب أنه قول ابن عمر، واختاره البخارى أيضاً فليفهم.
قال ابن رجب: واختار أن كل من أكل في شهر رمضان أنه دليل لا قضاء عليه.
[هل يقضى من أكل في وقت الصوم يظنه بليل]
أقول: قال الشعراني: أتفق الأئمة على أنه لو أكل شاكاً في طلوع الفجر ثم بان أنه طلع بطل صومه.
وقال عطاء وداود وإسحق: إنه لا قضاء عليه.
وحكى عن مالك: أنه يقضى في الفرض. أهـ.
стр. 614
وقال ابن رجب: إنه الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم. أهـ. فليحفظ.
[المسابقة]
(قال ابن رجب: والقول بجواز المسابقة بلا محل، وإن أخرج المستبقان)
أقول: إنى عثرت في كتب الشيخ ابن تيمية عليه الرحمة التى عندى على مفصل بحث المسابقة، غير أنى وجدت له عبارة توافق أقوال العلماء استطردها في بحث حرمة الشطرنج والنرد ما نصها: قال الذين لم يحرموا الشطرنج كطائفة من اصحاب الشافعي عليه الرحمة وغيرهم اعتقدوا أن لفظ الميسر لا يدخل فيه إلا ما كان قماراً فيحرم لما كان فيه من أكل المال بالباطل، كما يحرم مثل ذلك في المسابقة والمناضلة، فإنه لو أخرج كل منهما السبق ولم يكن بينهما محلل حرموا ذلك لأنه قمار. وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار)) . أهـ.
ولنذكر ما قاله علماء المذاهب الأربعة في بحث المسابقة على وجه الاختصار، لتتضح المسألة لذوى الأبصار.
فاعلم أن المسابقة بين الخيل كما قال الإمام النووى والشافعي في شرح صحيح مسلم: أختلف العلماء فيها هل هي مباحة أم مستحبة؟ ومذهب اصحابنا أنها مستحبة. وأجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل: قويها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره، سواء كان معها ثالث أو لا. فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع، لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين، أو يكون بينهما، ويكون معهما محلل ثالث على فرس مكافئ لفرسيهما، ولا يخرج المحلل من عنده شيئاً ليخرج هذا العقد من صورة القمار. أهـ.
стр. 615
وفي شرح المنهاج: ويجوز شرط المال من غيرهما، بأن يقول الإمام أو أحد الرعية من سبق منكما فله من بيت المال أو على كذا.
ومن أحدهما فيقول: إذا سبقتنى فلك على كذا، وإن سبقتك فلا شئ عليك، لأن المقصد خلو العقد عن القمار، فإن المخرج حريص على أن يسبق كي لا يغرم. والآخر حريص عليه ليأخذ.
وعن مالك لا يجوز. لأنه نوع من القمار، فإن شرط أن يسبق من سبق فله على الآخر. كذا لم يصح إلا بمحلل فرسه كفء لفرسيهما، لأن ذلك يخرج العقد عن صورة القمار.
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من أدخل فرساً بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار)) صحح ابن حبان.
وقيل: لا يجوز. ولا اعتبار بالمحلل، لأن كلا منهما قد يغتم وقد يغرم وذلك قمار - والمذهب الأول. أهـ.
وقال ابن حجر في التحفة: ولو كانوا عشرة وشرط لكل واحد سوى الأخير مثل أو دون من قبله جاز على ما في الروضة. أهـ، وقد نظم أسماءها شارح المنهاج فقال: [رجز] .
مهمة خيل السبق عشره ... في الشرح دون الروضة المعتبرة
وهي مجل ومصل تالى ... والبارع المرتاح بالتوالى
ثم حظى عاطف مؤمل ... ثم السكيت والأخير الفسكل
وفي الدر المختار الحنفي ما نصه: ولا بأس بالمسابقة في الرمي والفرس والبغل والحمار والإبل وعلى الأقدام، لأنه من أسباب الجهاد فكان مندوباً، وعند الثلاثة لا يجوز في الإقدام، أى بالجمل، أما بدونه فيباح في كل الملاعب. وحل الجعل إن شرط المال من جانب واحد، وحرم لو شرط من
стр. 616
الجانبين لأنه يصبح قماراً، لأن القمر الذى يزداد تارة وينتقص أخرى وسمى القمار قماراً، لأن واحد من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويجوز أن يستفيد مال صاحبه وهو حرام بالنص. ولا كذلك إذا شرط من جانب واحد، لأن الزيادة والنقصان لا تمكن فيهما، بل في أحدهما تمكن الزيادة، وفي الآخر إلا نتقاض فقط فلا تكون مقامرة، لأنها مفاعلة منه إلا إذا أدخلا ثالثاً محللاً بينهما بفرس كفء لفرسيهما يتوهم أن يسبقهما، وإلا لم يجز. ثم إذا سبقهما أخذ منهما، وإن سبقاه لم يعطيهما، وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه. أهـ. بضم من الحاشية وبقى فيها زيادة بيان.
وفي شرح الزرقاني لموطإ الإمام ما نصه: عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد ابن المسيب يقول: ليس برهان الخيل بأس، وغن لم يكن في حديث ابن عمر المذكور عند مالك والأئمة الستة، لأنه جاء في بعض طرقه عند احمد من رواية عبد الله عن نافع عن ابن عمران أن النبي ﷺ ((سابق بين الخيل وراهن)) وقد اتفقوا على جواز المسابقة بعوض بشرط كونه من غير المتسابقين، كما قال: إذا دخل فيها محلل فإن سبق (بالبناء للفاعل) أخذ السبق (بفتحتين) أى الرهن الذى يوضع لذلك، وإن سبق لم يكن عليه شئ بشرط ألا يخرج المحلل من عنده شيئاً، ليخرج العقد من صورة القمار. وهو أن يخرج كل منهما سبقاً، فمن غلب أخذه، فهذا ممنوع اتفاقاً. وأجمعوا على جواز المسابقة بلا عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل لحديث: ((لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر)) رواه الترمذى.
وخصه بعض العلماء بالخيل، أجازه عطاء في كل شيء. أهـ.
وفي شرح الدليل من كتب الحنبلية ما نصه:
الخامس: الخروج عن شبه القمار بأن يكون العوض من واحد، فإن أخرجا معاً بأن أخرج كل من المتسابقين شيئاً لم يجز
стр. 617
إلا بمحلل لا يخرج شيئاً، ولا يجوز كون المحلل أكثر من واحد يكافئ مركوبة مركوبيها في المسابقة، فإن سبقا معاً أى سبق المخرجان المحلل ولم يسبق أحدهما الآخر أحرزا سبقيهما، أى أحرز كل واحد منهما ما أخرجه لأنه لا سابق فيهما. ولا شء للمحلل، لأنه لم يسبق واحداً منهما، ولم يأخذا من المحلل شيئاً لأنه لم يشترط عليه من سبقه شيئاً. وإن سبق أحدهما - أى أحد المخرجين - صاحبه أو سبق المحلل أحرز السبقتين، لأنهما قد جعلاه لمن سبق. أهـ. وبقى في صورة المسابقة كلام يطلب من محله. والحاصل أنى لم أعثر للشيخ ابن تيمية على كلام مغاير لكلامه الأول، أو لكلام الجمهور الذى عليه المعول، ولئن سلمنا صحة النقل عنه فيما يخالف الجمهور فلابد أن يكون لمستند من قياس أو خبر مأثور، أو اختيار لقول مجتهد مهجور، قد تبينت عنده ادلته، وثبتت لديه ارجحيته لقوة الدليل والله سبحانه الموفق للصواب وهو يهدى السبيل. فتدبر ولا تفغل.
(قال ابن رجب: والقول ب استبراء المختلعة بحيضه) -
أقول وبالله تعالى التوفيق: قال العلامة ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين ما نصه:
فصل
[استبراء المختلعة]
كلام دقيق لابن القيم في أنواع العدة وتعطيلها
وأما تفريقه في العدة بين الموت والطلاق وعدة الحرة وعدة الأمة، بين الاستبراء والعدة، مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله، فهذا إنما يتبين وجهه إذا عرف الحكمة التى لأجلها شرعت العدة، وعرفت أجناس العدة وأنواعها. فأما المقام الأول - ففي شرع العدة حكم مع العلم ببراءة الرحم،
стр. 618
ألا يجتمع ماء الوطأين وأكثر، فتختلط الأنساب وتفسد. وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة. ومنها تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره، وإظهار شرفه. ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق، إذ لعله يندم فيصادف زمناً يتمكن من الرجعة. ومنها قضاء حق الزواج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. ومنها الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة، وحق الولد والقيام بحق الله الذى أوجبه. ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء العقود عليه، فإن النكاح مدة الممر، ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الريبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم، كما هو مذهب زيد بن ثابت ﵁ والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه.
فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها.
المقام الثاني في أجناسها. وهي أربعة في كتاب الله تعالى، وخامس في سنة رسول الله ﷺ . فالجنس الأول من أرباب العدة - ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق ٤] .
الثاني - ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بانفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة ٢٣٤] .
والثالث - ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة ٢٢٨] .
والرابع - ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ [الطلاق ٤] .
والخامس - قول النبي ﷺ : ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة)) مقدم هذه الأجناس الحاكم عليها
стр. 619
كلها - وضع الحل، فإذا وجد فالحكم له ولا التفات إلى غيره. وقد كان بين السلف نزاع في المتوفي عنها أنها أبعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على أنقضائها بوضع الحمل.
وأما عدة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة واتفاق الناس، فإن الموت لما كان انتهاء العقد وانقضاءه واستقرت به الأحكام من التوراث واستحقاق المهر، وليس المقصود بالعدة ههنا مجرد استبراء بحيضة واحدة، ولا ستواء الصغيرة والأيسة وذوات القرء في مدتها. فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبد محض لا يعقل معناه. وهذا باطل لوجوه:
منها - أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله من عقله، ويخفى على من خفى عليه.
ومنها - أن العدة ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة، العاقلة، والمجنونة، والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية.
ومنها - ان رعاية حق الزوجين والولد والزوج ظاهر فيها.
والصواب أن يقال: هي تحريم لانقضاء النكاح لما كمل. ولهذا تجد فيها رعاية لحق الزوج وحرمة له. ألا ترى أن النبي ﷺ كان من احترامه ورعاية حقوقه تحريم نسائه بعده، ولما كان نساؤه في الدنيا هن نساءه في الآخرة قطعاً لم يحل لأحد أن يتزوج بهن بعده بخلاف غيره، فإن هذا ليس معلوماً في حقه. فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضرراً محققاً بغير نفع معلوم. ولكن لو تأيمت على أولادها كانت محمودة على ذلك. وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في أحترام حق الزوج، وتعظيم حرمة هذا العقد غاية
стр. 620
المبالغة من تربص سنة في شر ثيابها وحفش بيتها، فخفف الله تعالى عنهم ذلك بشريعته التى جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة، بل هي من أجل نعمة عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهر وعشراً على وفق الحكمة والمصلحة، إذ لا بد من مدة مضروبة لها، وأولى المدد لذلك المدة التى يعلم فيها وجود الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مضغة - فهذا أربعة أشهر. ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، وقدر بعشرة أيام، لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل.
فصل
وأما عدة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك، لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق، ولا ببراءة الرحم، لأنها تحصل بحيضة كالاستبراء، وإن كان ببراءة الرحم بعض مقاصدها. ولا يقال: هي تعبد لما تقدم، وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما فيها من الحقوق، ففيها حق الله سبحانه، وهو أمتثال أمره وطلب مرضاته. وحق للزوج المطلق، وهو اتساع زمن الرجعة له. وحق للزوجة، وهو استحقاقها النفقة والسكنى مادامت في العدة. وحق للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نسبه، وأن لا يختلط بغيره. وحق للزوج الثاني، وهو أن لا يسقى ماؤه زرع غيره. فرتب الشارع على كل واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام، فرتب على رعاية حق لزوم المنزل، وأنها لا تخرج ولا تخرج، هذا موجب القرآن، ومنصوص إمام اهل الحديث أهل الرأى. ورتب على حق المطلق تمكينه من الرجعة مادامت في العدة، وعلى حقها استحقاق النفقة والسكنى، وعلى حق الولد ثبوت نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم برئ غير مشغول بولد غيره
стр. 621
فكان في جعلها ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق، وتكميلاً لها. وقد دل القرآن على أن العدة حق للزوج عليها بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمال كم لعيهن من عدة تعتدونها﴾ فهذا دليل على ان العدة للرجل على المرأة بعد المسيس. وقال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ فجعل الزوج أحق بردها في العدة، فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص، لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان؟ كما جعل الله سبحانه للمولى تربص أربعة أشهر، لينظر في أمره هل يفئ أو يطلق، وكما جعل مدة تخيير الكفار أربعة أشهر، لينظروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم. فإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة والمسفوخ نكاحها بسبب من الأسباب، والمطلقة ثلاثاً، والموطوءة بشبهه، والمزنى بها تعتد ثلاثة قروء، ولا رجعة هناك، فقد وجد الحكم في صورة ثابتاً بنص أو إجماع، وأما كونه قولاً لبعض العلماء فلا يمكن النقض به.
وقد أختلف الناس في عدة المختلعة، فذهب إسحاق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلاً أنها تعتد بحيضة واحدة. وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس ﵁. وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم له مخالف. وقد دلت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة دلالة صريحة. وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده، أو ظن الإجماع على خلاف موجبها، فهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر. أما رجحانه أثراً فإن النبي ﷺ لم يأمر المختلعة قط أن تعتد ثلاث حيض، بل قد روى اهل السنن عنه ﵊ من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب أمرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي،
стр. 622
فأتى أخوها يشتكى إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل ﵊ إلى ثابت فقال: ((خذ الذى لها عليك، وخل سبيلها)) قال نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها. وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس ﵁: أن أمرأة ثابت بن قيس أختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ ، أو أمرت أن تعتد بحيضة. قال الترمذى: الصحيح أنها تعتد بحيضة. وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضاً. وأعل الحديث بعلتين:
إحداهما: إرساله.
والثاني: أن الصحيح فيه ((امرت)) بحذف الفاعل، والعلتان غير مؤثريتن فإنه قد روى من وجوه متصلة، ولا تعارض بين ((أمرت، وأمرها رسول الله ﷺ )) إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله ﷺ في حياته، وإذا كان الحديث قد روى بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسر المحتمل ويبينه فكيف يجعل المحتمل معارضاً للمفسر بل مقدماً عليه؟ ثم يكفى في ذلك فتاوى النبي ﷺ .
قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ: هو إجماع من الصحابة. وأما اقتضاء النظر له فإن المختلعة لم يبق لزوجها عليها عدة، وقد ملكت نفسها أو صارت أحق ببعضها، فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدة في حقها براءة الرحم. وقد رأينا الشريعة جاءت في غير هذا النوع بحيضة واحدة، جاءت في ذلك في المسبية والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرع، والمهاجرة من دار الحرب، ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية،
стр. 623
والمختلعة فرع متردد بين هذين الأصلين، فينبغي إلحاقها بأشبهها بها، فنظرنا فإذا هي بذوات الحيضة أشبه.
ومما يبين حكمة الشريعة في ذلك: أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام:
أحدها - المفارقة قبل الدخول فلا عدة عليها إذ لا رجعة فيها.
الثاني - المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدتها ثلاثة قروء، ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرح به في القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة ٢٢٨] ، وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا بلغت أجلها خبر زوجها بين إمساكها بمعروف أو مفارقتها بإحسان وهي الرجعية قطعاً فلم يذكر الأقراء وبدلها في حق بائن ألبته.
القسم الثالث - من بانت عن زوجها وانقطع حقه عنها بسبى أو هجرة أو خلع فجعل عدتها حيضة بالاستبراء، ولم يجعلها ثلاثاً، إذ لا رجعة للزوج، وهذا في غاية الظهور والمناسبة.
وأما الزانية والموطوءة بشبهة فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط ونص عليه أحمد في الزانية، واحتاره شيخنا ابن تيمية في الموطوءة بشبهة وهو الراجح، وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده.
فإن قيل: فهب هذا قد سلم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلم معكم في المطلقة ثلاثاً، فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حق زوجها من الرجعة، والقصد مجرد استبراء رحمها.
قيل: نعم، هذا سؤال وارد. وجوابه وجهين:
стр. 624
أنه قد أختلف في عدتها، هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور، بل الذى لا يعرف الناس غيره أنها ثلاثة قروء، وعلى هذا فيكون وجهه أن المطلقة الثالثة كانت من جنس الأوليين فأعطيت حكمها ليكون باب الطلاق كله باباً واحداً، فلا يختلف حكمه، والشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعاً من ترتب الحكم، بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها.
الوجه الثاني - أن الشارع حرمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره عقوبة له، ولعن المحلل والمحلل له لمناقضتهما ما قصد الله سبحانه من عقوبة، وكان من تمام هذه العقوبة أن طول مدة تحريمها عليه، وكان ذلك أبلغ فيما قصده بتزوجها آخر نكاح رغبة مقصوداً، لا تحليل موجب اللعنة، ويفارقها وتعتد من فراقه ثلاثة قروء أخر - طال عليه الانتظار وعيل صبره فأمسك عن الطلاق الثلاث. وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر، وكان التربص بثلاثة قروء في الرجعية نظراً للزوج، ومراعاة لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرمة لها عليه. وههنا كان تربصها عقوبة له وزجراً لما أوقع الطلاق المحرم لما أحل الله له. وأكدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص ثان.
وقيل: بل عدتها حيضة واحدة، وهو اختيار أبي الحسين بن اللبان، فإن كان مسبوقاً بالإجماع فالصواب اتباع الإجماع، وألا يلتفت إلى قوله، وإن لم يكن في المسألة إجماع فقوله ظاهر: والله تعالى أعلم.
فإن قيل: قد جاءت السنة بأن المخبرة تعتد ثلاث حيض، كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة ﵁ قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض. قيل: ما أصرحه من حديث لو ثبت، ولكنه حديث منكر بإسناد
стр. 625
مشهور. وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول: الأقراء الأطهار، فإن صح الحديث وجب القول به ولم يسع مخالفته، ويكون حكمها حكم المطلقة ثلاثاً في اعتدادها بثلاثة قروء، ولا رجعة لزوجها عليها، فإن الشارع يخصص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص. فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيرة فإنها لو جعلت عدتها حيضة واحدة لبادرت إلى التزوج بعدها، أيس منها زوجها. فإذا جعلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحسبها عن الأزواج، ولعلها تتذكر زوجها فيها وترغب في رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة.
ولو قيل: إن اعتداد المختلعة بثلاث حيض لهذا المعنى بعينه لكان حسناً على وفق حكمه الشارع، ولكن هذا مفقود في المسبية والمهاجرة والزانية والموطوءة بشبهة.
فإذا قيل: فهب أن هذا كله قد سلم لكم، فكيف يسلم لكم في الآيسة والصغيرة التى لا يوطأ مثلها.
قيل: هذا إنما يرد على من جعل علة العدة مجرد براءة الرحم فقط. ولهذا أجابوا عن هذا السؤال: بأن العدة ههنا شرعت تعبداً محضاً غير معقول المعنى. وأما من جعل هذا بعض مقاصج العدة فإن لها مقاصد أخرى من تكميل شان هذا العقد واحترامه، وإظهار خطره وشرفه، فجعل له حريم بعد انقطاعه بموت أو فرقة، فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها، ولا بين الصغيرة والكبيرة، مع أن المعنى الذى طولت له العدة في حق الرجعية والمطلقة ثلاثاً موجود بعينه في الآيسة والصغيرة. وكان مقتضى الحكمة التى تضمنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي وعقوبته، وزجره في الطلاق المحرم - التسوية بين النساء في ذلك. وهذا ظاهر جداً وبالله تعالى
стр. 626
التوفيق. أنتهى. وإنما سقته بطوله لأنه قلما يوجد في كتاب، ومنه اتضح سبب الاختيار في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
[وطء الوثنيات بملك اليمين]
(قال ابن رجب: والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين)
أقول: قال الشعراني في الميزان: واتفقوا على انه لا يجوز لمن يحل له نكاح الكفار وطء إمائهم بملك اليمين. خلافاً لأبي ثور فإنه قال: يجوز وطء جميع الإماء بملك اليمين على أى دين كن. أنتهى فليتدبر.
[بيع الأصل بالعصير]
(قال ابن رجب: والقول بجواز بيع الأصل بالعصير كالزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج)
قال الإمام النووى في شرح صحيح مسلم (عند حديث ابن عمر) : نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً. وبيع الزبيب بالعنب كيلاً، وعن كل ثمر بخرصه.
وفي حديث أبي هريرة: رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أو سق ما نصه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرايا باتباع بخرصها. فيه تحريم بيع الرطب بالتمر، وهو المزابنة، كما فسر في الحديث، مشتقة من الزبن وهو المخاصمة والمدافعة. وقد أتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه رباً. وأجمعوا أيضاً على تحريم بيع العنب بالزبيب. وأجمعوا أيضاً على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذة من الحقل وهو الحرث، وموضع بالزرع. وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعاً. وقال أبو حنيفة إن كان مقطوعاً جاز بيعه بمثله من اليابس.
стр. 627
وأما العرايا فهي أن يخرص الخارص بخلات فيقول: هذا الرطب الذى عليها إذا يبس تجئ منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاص، فيبيعه صاحبه لأنسان بثلاثة أوسق تمر، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشترى التمر، ويسلم بائع الرطب الرطب بالتخليه. وهذا جائز فيما دون خمسة أو سق، ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق.
وفي جوازه في خمسة أوسق للشافعي، أصححها: لا يجوز لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب وجاءت العرايا رخصة. وشك الراوى في خمسة أوسق أو دونها فوجب الأخذ باليقين وهو دون خمسة أوسق، وبقيت الخمسة على التحريم. والأصح أنه لا يجوز ذلك للفقراء والأغنياء، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب من الثمار. وفيه قول ضعيف: أنه يحتص بالفقراء. وقول أنه لا يختص بالرطب والعنب. هذا تفصيل مذهب الشافعي في العربة، وبه قال أحمد وآخرون، وتأولها مالك وأبو حنيفة على غير هذا، وظواهر الأحاديث ترد تأولهما. أهـ.
وقال في الميزان. قال الأئمة الثلاثة: لا يجوز بيع حيوان يؤكل بلحم من جنسه. مع قول أبي حنيفة إن ذلك جائز. وقال مالك والشافعي: إنه لا يجوز بيع دقيق الحنطة بمثله، مع قول أحمد بجوازه، مع قول أبي حنيفة أنه يجوز بيع احدهما بالآخر إذا استويا في النعومة والخشونة. أهـ.
ومن ذلك ومما سيأتى قريباً إن شاء الله تعالى تعلم وجه ما أختاره الشيخ ابن تيميه، وأنه من جملة المسائل الاجتهادية. فليفهم.
[بيع الفضل بالمصنوع متفاضلاً]
(قال ابن رجب: والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلى متفاضلاً وجعل الزائد مقابلاً للصنعة) .
стр. 628
وقال الإمام النووى في شرحه لصحيح مسلم: وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، قال الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ والأحاديث فيه كثيرة مشهورة.
ونص النبي ﷺ في هذه الأحاديث على تحريم الربا في ستة أشياء: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. فقال أهل الظاهر: لا ربا في غير هذه الستة بناء على أصلهم في نفى القياس. وقال جميع العلماء سواهم: لا يختص بالستة، بل يتعدى إلى ما في معناها وهو يشاركها في العلة.
وأختلفوا في العلة التى هي سبب تحريم الربا في الستة، فقال الشافعي: العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان، فلا يعتدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات وغيرها لعدم المشاركة. قال: والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم.
وأما مالك فقال: في الذهب والفضة كقول الشافعي ﵁ وقال في الأربعة: العلة فيها كونها تدخر للقوت وتصلح له، فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر، وإلى القطنية (١) لأنها في معنى البر والشعير.
وأما أبو حنيفة فقال: العلة في الذهب الفضة الوزن، وفي الأربعة الكيل فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما، وإلى كل مكيل كالجص والأشنان وغيرهما.
وقال سعيد ابن المشيب واحمد والشافعي في القديم: العلة في الأربعة كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين، فعلى هذا لا ربا في البطيخ والفرجل ونحوه مما لا يكال ولا يوزن.
стр. 629
وأجمع العلماء على جواز بيع الربوى بربوى لا يشاركه في العلة متفاضلاً مؤجلاً، وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل.
وأجمعوا على ظانه لا يجوز بيع الربوى بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالاً، كالذهب بالذهب. وعلى أنه لا يجوز التفرق بين التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة، كالذهب بالفضة إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة، كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير. وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يداً بيد، كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شء من هذا إلا ما سنذكره إن شاء الله تعالى عن ابن عباس في تخصسص الربا بالستة.
قال العلماء: إذا بيع الذهب بذهب، أو الفضة بفضة سميت مراطلة. وإذا بيعت الفضة بذهب سميت صرفاً لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل والتفرق قبل القبض والتأجيل. وقيل: من صريفها وهو تصوبتهما في الميزان. أنتهى.
[تفصيل مسائل الربا]
وقال الشعراني في كتابه الميزان ما نصه: وقال جماعة من الصحابة: إن الربا خاص بالنسيئة، فلا يحرم التفاضل. أهـ.
ولنذكر من كلام الفهامة ابن القيم ما يفصل مسائل الربا للمعترض والمتعلم، فقد قال في كتابه إعلام الموقعين ما نصه:
فصل
وأما حرمة بيع مد حنطة وحفنة، وجواز بيعة بقفيز شعير فهذا من محاسن الشريعة التى لا يهتدى إليها إلا أولو العقول الوافرة، ونحن نشير إلى
стр. 630
حكمه ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة. وشرع الرب سبحانه وحكمته فوق عقولنا، فيقول: الربا نوعان: جلى وخفى، فالجلى حرم لما فيه من الضرر العظيم. والخفى حرم لأنه ذريعة إلى الجلى. فتحريم الأول قاصداً، وتحريم الثاني وسيلة.
فأما الجلى فربا النسيئة، وهو الذى كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده ألافاً مؤلفة. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدوم محتاج. فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصير عليه بزيادة يبذلها له تكليف بذلها ليفتدى من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر.
فمن رحمة أرحم الراحمين، وحكمته وإحسانه إلى خلقه: أن حرم الربا ولعن آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ﷺ ، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذه كان من أكبر الكبائر.
وسئل الإمام أحمد عن الربا الذى لا يشك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له: أتقضى أم تربي؟ فإن لم يقضه زاد في المال، وزاده هذا في الأجل.
وقد جعل الله الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدق، قال تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربى الصدقات﴾ [البقرة ٢٧٦] ، وغير ذلك من الآيات. وفي الصحيحين: ((إنما الربا في النسيئة)) ومثل هذا يرد به حصر الكمال، وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون
стр. 631
الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ . وقول ابن مسعود: إنما العالم الذى يخشى الله تعالى.
فصل
[ابن القيم يرى أن ربا الفضل حرم سداً للذرائع]
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدرى عن النبي ﷺ : ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإنى أخاف عليكم الرماء)) : هو الربا.
فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذى بين النوعين. إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك - تدعو بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جداً.
فمن حكمة الشارع ﷺ أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقداً او نسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة، فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها، فطائفة قصرت التحريم عليها، وأقدم من يروى عنه هذا مذهب قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس. قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس.
وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، هذا مذهب عمار وأحمد
стр. 632
في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول الشافعي.
وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه، وهو قول مالك، وهو أرجح هذه الأقوال، كما ستراه إن شاء الله تعالى.
وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما مونها موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة.
وطائفة أجمعوا على جواز إسلامهما في المزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقداً، فإن ما يجرى في الربا إذا أختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا أنتقضت من غير فرق مائز دل على بطلانها.
وأيضاً فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمينة، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذى به بعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع.
وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حاله واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة ترتفع وتنخفض
стр. 633
فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم، الضرر اللاحق بهم حين أتخذت الفلوس سلعة بعد الربح، فعم الضرر، وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هب بغيرها لصلح أمر الناس.
فلو ابيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل أن يعطى صحاحاً ويأخذ مكسرة أو خفاقاً، ويأخذ ثقالاً أكثر منها لصارت متجراص، وجر ذلك ربا النسيئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود إلى سائر الموزونات.
فصل
وأما الأصناف الربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها، لأنها أقوات العالم وما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها إلى اجل. سواء اتحد الجنس أو أختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالاً متفاضلاً وإن أختلف صفاتها، وجوز لهم التفاضل فيها مع أختلاف أجناسها.
وسر ذلك والله تعالى أعلم إنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تشخ نفسه حالة لطمعه في الربح، فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، ولا سيما أهل العمود والبوادى، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام، فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها لدخلها إما أن يربى، فيصير الصاع الواحد قفزاناً كثيرة عن النساء، ثم فطموا عن بيعها
стр. 634
متفاضلاً يداً بيد، إذ يجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء، وهو عين المفسدة.
وهذا بخلاف الجنسين المتباينين فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ولا يفعلونه، وفي تجويز النساء بينهما ذريعة إلى: إما أن يقتضى وإما أن يربى، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يداً بيد كيف شاءوا، فحصلت لهم مصلحة المناولة واندفعت عنهم مفسدة: إما أن يقضى وإما أن يربى.
وهذا بخلاف إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو منعوا بهم ولا متنع السلم الذى هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيره، والشريعة لا تأتى بهذا، وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم، وليس بذريعة إلى مفسدة راحجة.
ومنعوا مما لا تدعوا الحاجة إليه، ويتذرع به غالباً إلى مفسدة راجحة.
يوضح ذلك أن المفسدة من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه يحتاج إلى بيعة بالدراهم ليشترى الصنف الآخر، كما قال النبي ﷺ : ((بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً)) (١) أو بيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوى، وعلى التقديرين يحتاج إلى بيعه حالاً بخلاف ما لو مكن من النساء فإنه حينئذ بيعة بفضل، ويحتاج أن يشترى الصنف الآخر بفضل لأن صاحب ذلك الصنف يربى عليه كما أربي هو على غيره
стр. 635
فينشأ من النساء بكل واحد منهما، والنساء ها هنا في صنفين وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.
فإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفاً واحداً وصنفين، مقصودهما واحد أو متقارب كالدراهم والدنانير، والبر والشعير، والتمر والزبيب.
وإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبز والثياب، والحديد والزيت. يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة: فتطلب النقوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته، فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتماماً لهذه الحكمة، ورعاية لهذه المصلحة.
فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر.
وكما يفعل أرباب الحيل يطلقون العقد وقد توطئوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد النكاح وقد أتفقوا على التحليل. ويطلقون بيع السلعة إلى أجل، وقد أتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن. فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالاً، وأخروا الطلب لأجل الربح فيقعوا في نفس المحذور.
وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بحسبها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان. ومنعوا من التجارة في الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع البر والعين لأن البر ليس فيه صنعه يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم الذى قصد الشارع أن لا تفاضل بينها. فلهذا قال: برها وعينها سواء، فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد، وإن تحريم هذا تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل، وسد