← Акыда

Акыда · id 9950

الملخص في شرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (431 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

باب ما جاء في منكري القدر وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده؛ لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله: ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر". ثم استدل بقول النبي ﷺ : "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) . رواه مسلم. ــ مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان توحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر، والإيمان به ذكر المصنف ما جاء في الوعيد في إنكاره؛ تنبيهاً على وجوب الإيمان به. ما جاء في منكري القدر: أي: من الوعيد الشديد. والقدَر: بفتح القاف والدال: ما يقدِّره الله من القضاء وما يجري في الكون. أحُد: بضمَّتين جبلٌ بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الشام. ثم استدلّ بقول النبي ﷺ : أي: لما سأله جبريل عن الإيمان. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ عدّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان فمن أنكره لم يكن مؤمناً متقياً والله لا يقبل إلا من المتقين.

стр. 387

المعنى الإجمالي للأثر: أن عبد الله بن عمر –﵄ لما بلغه أن قوماً ينكرون القدر، بين أنهم بهذا الاعتقاد الفاسد قد خرجوا من الدين؛ حيث أنكروا أصلاً من أصوله، واستدل على ذلك بحديث الرسول – ﷺ الذي ورد فيه أن الإيمان بالقدر أَحد أركان الإيمان الستة التي يجب الإيمان بها جميعاً؛ فمن جحد بعضَها فهو كافرٌ بالجميع. مناسبة الأثر للباب: بيان حكم منكري القدر. ما يستفاد من الأثر: ١- أن إنكار القدر كفرٌ. ٢- أن الأعمال الصالحة لا تُقبل إلا من المؤمن. ٣- الاستدلال على الأحكام من الكتاب والسنة. * * *

стр. 388

وعن عبادة بن الصامت: أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بنيّ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني". وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره؛ أحرقه الله بالنار". ــ التراجم: ١- قال لابنه: هو: الوليد بن عُبادة، وُلد في عهد النبي – ﷺ وهو من كبار التابعين، ومات بعد السبعين ﵀. ٢- ابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري الثقة الفقيه صحاب مالكٍ وُلد سنة ١٢٥هـ توفي سنة ١٩٧هـ ﵀. طعم الإيمان: أي: حلاوته؛ فإن له حلاوة وطعماً من ذاقَهما تسلّى عن الدنيا وما عليها. ما أصابك لم يكن ليخطئك ... إلخ: أي: أن ما قُدِّر عليك من الخير والشر فلن يتجاوزك وما لم يقدَّر عليك فلن يصيبك.

стр. 389

سمعت رسول الله ... إلخ: هذا استدلالٌ من عبادة على ما سبق. إن أول ما خلق الله القلم: أي: هو أول شيء خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض، وليس هو أول المخلوقات مطلقاً. من مات على غير هذا: أي: على غير الإيمان بالقدر. فليس مني: أي: أنا بريءٌ منه؛ لأنه منكِر لعلم الله القديم بأفعال العباد ومن كان كذلك فهو كافر. من لم يؤمن بالقدر: أي: بما قدره الله وقضاه في خلقه. أحرقه الله بالنار: لكفره وبدعته؛ لأنه جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء وكذّب بكتبه ورسله. المعنى الإجمالي للأثر: أن عبادة بن الصامت –﵁ يوصي ابنه الوليد بالإيمان بالقدر خيره وشره، ويبين له ما يترتب على الإيمان به من الثمرات الطيبة والنتائج الحسنة في الدنيا والآخرة، وما يترتب على إنكار القدر من الشرور والمحاذير في الدنيا والآخرة، ويستدلّ على ما يقول بسنة الرسول – ﷺ التي تثبت أن الله قدّر المقادير وأمر القلم بكتابتها قبل وجود هذه المخلوقات، فلا يقع في الكون شيءٌ إلى قيام الساعة إلا بقضاءٍ وقدر. مناسبة الأثر للباب: أن فيه وجوب الإيمان بالقدر، والتحذير من إنكاره والكفر به، وبيان الوعيد المترتب على ذلك. ما يستفاد من الأثر: ١- وجوب الإيمان بالقدر. ٢- الوعيد الشديد المترتب على إنكار القدر. ٣- إثبات القلم وكتابة المقادير الماضية والمستقبلة به إلى قيام الساعة. * * *

стр. 390

وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر؛ فحدثني بشيء، لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهباً؛ ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا؛ لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت؛ فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " (١) حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه. ــ التراجم: ابن الديلمي هو: عبد الله بن فيروز الديلمي ثقة من كبار التابعين. وأبوه فيروز قاتل الأسود العنسي الكذاب. وفي المسند والسنن: أي: في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه. في نفسي شيء من القدر: أي: شكٌّ واضطراب يؤدّي إلى جحد. لو أنفقت ... إلخ: هذا تمثيلٌ لا تحديد. حتى تؤمن بالقدر: أي: بأن جميع الأمور كائنةٌ بقضاء الله وقدره. ولو مت على غير هذا: أي: على غير الإيمان بالقدر.

стр. 391

لكنت من أهل النار: أي: لأنك جحدت ركناً من أركان الإيمان، ومن جحد واحداً منها فقد جحد جميعها. المعنى الإجمالي للأثر: يخبر عبد الله بن فيروز الديلمي أنه حدَث في نفسه إشكال في أمر القدر، فخشي أن يُفضي به ذلك إلى جحوده، فذهب يسأل أهل العلم من صحابة رسول الله؛ لحل هذا الإشكال –وهكذا ينبغي للمؤمن أن يسأل العلماء عما أُشكل عليه عملاً بقول الله تعالى: ﴿..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ..﴾ [سورة النحل: ٤٣] فأفتاه هؤلاء العلماء كلهم بأنه لا بد من الإيمان بالقضاء والقدر. وأن من مات وهو لا يؤمن به كان من أهل النار. مناسبة ذكر الأثر في الباب: بيان أن الإيمان بالقدر أمرٌ حتمٌ، وأنه هو الذي رواه الصحابة عن نبيهم – ﷺ . ما يستفاد من الأثر: ١- الوعيد الشديد على من لم يؤمن بالقدر. ٢- سؤال العلماء عما أشكل من أمور الاعتقاد وغيره. ٣- أن من وظيفة العلماء كشفَ الشبهات ونشر العلم بين الناس. * * *

стр. 392

باب ما جاء في المصورين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" (١) أخرجاه. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لما كان التصوير وسيلة الشرك المضاد للتوحيد، ناسب أن يعقد المؤلف هذا الباب؛ لبيان تحريمه وما ورد فيه من الوعيد الشديد. ما جاء في المصورين: أي: من الوعيد الشديد. ومن أظلم: أي: لا أحد أظلم منه. يخلق كخلقي: أي: لأن المصور يضاهي خلق الله. فليخلقوا: أمرُ تعجيز وتحدّ وتهديد. ذرة: هي: النملة الصغيرة. أو ليخلقوا: تعجيزٌ آخر. حبة: أي: حبة حنطةٍ فيها طعم ومادة نبات وإنتاج. أو ليخلقوا: تعجيزٌ آخر. شعيرة: نوع آخر من الحبوب.

стр. 393

المعنى الإجمالي للحديث: يروي النبي – ﷺ عن ربه أنه يقول: لا أحد أشد ظلماً ممن يصور الصور على شكل خلق الله؛ لأنه بذلك يحاول مشابهة الله في فعله، ثم يتحداه الله – ويبين عجزه عن أن يخلق أصغر شيء من مخلوقاته وهو الذرة، بل هو عاجز عن أن يخلق ما هو أدنى من ذلك وهو الجماد الصغير، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك كله؛ لأن الله هو المتفرد بالخلق. مناسبة ذكر هذا الحديث في الباب: أنه يدل على تحريم التصوير، وأنه من أظلم الظلم. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم التصوير، وبأي وسيلة وجد وأن المصور من أظلم الظالمين. ٢- وصف الله أنه يتكلم. ٣- أن التصوير مضاهاةٌ لخلق الله، ومحاولةٌ لمشاركته في الخلق. ٤- أن القدرة على الخلق من خصائص الله . * * *

стр. 394

ولهما عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" (١) . ــ ولهما: أي: البخاري ومسلم. يضاهئون بخلق الله: أي: يشابهون بما يصنعونه ما يصنعه الله. المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ خبراً معناه: النهي والزجر، أن المصورين أشد الناس عذاباً في الدار الآخرة، لأنهم أقدموا على جريمة شنعاء وهي صناعتهم ما يشابه لخلق الله في صناعة الصور. مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على شدة عقوبة المصورين، مما يفيد أن التصوير جريمة كبرى. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم التصوير بجميع أشكاله وبأي وسيلة وُجد، وأنه مضاهاة لخلق الله. ٢- أن العذاب يوم القيامة يتفاوت بحسب الجرائم. ٣- أن التصوير من أعظم الذنوب، وأنه من الكبائر. * * *

стр. 395

ولهما عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصوِّر في النار، يُجعل له بكل صورة صوَّرها نفس يُعذَّب بها في جهنم" (١) . ولهما عنه مرفوعاً: "من صوّر صورة في الدنيا؛ كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" (٢) . ــ كل مصوّر: أي: لذي روح. في النار: لتعاطيه ما يشبه ما انفرد الله به من الخلق والاختراع. يجعل له بكل صورة نفسٌ يعذّب بها: الباء بمعنى "في" أي: يُجعل له في كل صورة روحٌ تعذِّبه نفس الصورة التي جُعلت فيها الروح. المعنى الإجمالي للحديث: يخبر ﷺ أن مآل المصورين يوم القيامة إلى النار، يعذَّبون فيها بأشد العذاب بأن تُحضر جميع الصور التي صوَّروها في الدنيا، فيُجعل في كل صورة منها روحٌ ثم تُسلّط عليه بالعذاب في نار جهنم، فيعذب بما صنعت يده والعياذ بالله. ومن تعذيبه أيضاً أن يكلّف ما لا يطيق وهو نفخ الروح في الصورة التي صورها. مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على تحريم التصوير ووعيد المصورين. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم التصوير وأنه من الكبائر.

стр. 396

٢- تحريم التصوير بجميع أنواعه: تماثيل أو نقوش، وسواء كان رسماً باليد أو التقاطاً بآلة التصوير الفوتوغرافية، إذا كانت الصورة من ذوات الأرواح، إلا ما دعت إليه الضرورة. ٣- تحريم التصوير لأي غرض كان إلا لدفع ضرورة. ٤- في الرواية الأخيرة دليلٌ على طول تعذيب المصورين وإظهار عجزهم. ٥- فيها أن الخلق ونفخ الروح لا يقدر عليهما إلا الله تعالى. * * *

стр. 397

ولمسلم عن أبي الهيَّاج؛ قال: قال لي عليّ –﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مُشْرِفاً إلا سويته" (١) . ــ التراجم: أبو الهيّاج هو: حيَّان بن حُصين الأسدي تابعيّ ثقة. ألا: أداة تنبيه. أبعثك: أوجِّهك. لا تدع: لا تترك. إلا طمستها: أي: أزلتها ومحوتها. مشرفاً: أي: مرتفعاً. إلا سوَّيته: أي: جعلته مساوياً للأرض. المعنى الإجمالي للحديث: يعرض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵁ على أبي الهياج أن يوجهه إلى القيام بالمهمة التي وجّهه رسول الله – ﷺ للقيام بها وهي: إزالة الصور ومحوُها؛ لما فيها من المضاهاة لخلق الله والافتتان بها بتعظيمها؛ مما يؤول بأصحابها إلى الوثنية.

стр. 398

وتسوية القبور العالية حتى تصير مساوية للأرض؛ لما في تعلِيتها من الافتتان بأصحابها واتخاذهم أنداداً لله في العبادة والتعظيم. مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على وجوب طمس الصور وإتلافها. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم التصوير ووجوب إزالة الصور ومحوها بجميع أنواعها. ٢- التواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ العلم. ٣- تحريم رفع القبور ببناءٍ أو غيره؛ لأنه من وسائل الشرك. ٤- وجوب هدم القباب المبنية على القبور. ٥- أن التصوير مثل البناء على القبور وسيلة إلى الشرك. * * *

стр. 399

باب ما جاء في كثرة الحلف وقول الله تعالى: ﴿..وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ..﴾ [المائدة: ٨٩] . عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلِف مَنْفَقَة للسلعة مَمْحقة للكسْب" (١) أخرجاه. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من كمال التوحيد احترام اسم الله وعدم امتهانه بكثرة الحلف؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف به وعدم التعظيم له. ما جاء في كثرة الحلف: أي: من النهي عنه، والحلِف: بفتح الحاء وكسر اللام: اليمين. واحفظوا أيمانكم: أي: لا تحلفوا، وقيل: لا تتركوها بغير تكفير، وقيل: لا تحنثوا. منفَقَة: بفتح الميم والفاء مفعَلةٌ من النَّفاق بفتح النون وهو: الرواج. للسلعة: بكسر السين: المتاع. ممحَقة: بفتح الميم والحاء من المحق وهو: النقص والمحو. المعنى الإجمالي للحديث: يحذر ﷺ من التهاون بالحلف وكثرة

стр. 400

استعماله؛ لترويج السلع وجلب الكسب، فإن الإنسان إذا حلف على سلعة أنه أُعطي فيها كذا وكذا أو أنه اشتراها بكذا وهو كاذب فقد يظنه المشتري صادقاً فيما حلف عليه فيأخذها بزيادة على قيمتها تأثراً بيمين البائع، وهو إنما حلف طمَعاً في الزيادة؛ فيكون قد عصى الله، فيعاقب بمحق البركة. مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من استعمال الحلف؛ لأجل ترويج السلع، وبيان ما يترتب على ذلك من الضرر. ما يستفاد من الحديث: ١- التحذير من استعمال الحلف؛ لأجل ترويج السلع؛ لأن ذلك امتهانٌ لاسم الله تعالى وهو ينقص التوحيد. ٢- بيان ما يترتب على الأيمان الكاذبة من المضارّ. ٣- أن الكسب الحرام وإن كثُرت كمّيته فإنه منزوع البركة لا خير فيه. * * *

стр. 401

وعن سلمان ﵁ أن رسول الله – ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِط زانٍ، وعائل مستكبِر، ورجل جعل اللهَ بضاعتَه، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" (١) رواه الطبراني بسند صحيح. ــ التراجم: سلمان لعله أبو عبد الله: سلمان الفارسي، أصله من أصبهان أو رام هرمز، أسلم عند قدوم النبي – ﷺ المدينة وشهد الخندق وغيرَها توفي سنة ٣٦هـ ﵁. لا يكلِّمهم الله: هذا وعيد شديدٌ في حقهم؛ لأنه سبحانه يكلم أهل الإيمان. ولا يزكِّيهم: أي: لا يثني عليهم ولا يطهرهم من دنَس الذنوب. ولهم عذاب أليم: مُوجِع؛ لأنهم لما عظُم ذنبهم عظُمت عقوبتهم. أُشيمِط: تصغير أشمط وهو الذي في شعره شمَطٌ أي شيْبٌ وصغِّر تحقيراً له. زانٍ: أي: يرتكب فاحشة الزنا مع كِبَر سنِّه. وعائلٌ مستكبِر: العائل: الفقير أي: يتكبَّر مع أنه فقير، والكِبر: بطَر الحق وغمط الناس. جعل الله بضاعتَه: أي: جعل الحلف بالله بضاعةً له؛ لكثرة

стр. 402

استعماله في البيع والشراء. المعنى الإجمالي: يخبر – ﷺ عن ثلاثة أصنافٍ من العصاة يُعاقبون أشد العقوبة، لشناعة جرائمهم. أحدهم: من يرتكب فاحشة الزنا مع كِبَر سنه؛ لأن داعي المعصية ضعيفٌ في حقّه، فدل على أن الحامل له على الزنا محبة المعصية والفجور، وإن كان الزنا قبيحاً من كل أحد، فهو من هذا أشد قُبحاً. الثاني: فقيرٌ يتكبر على الناس، والكِبْر وإن كان قبيحاً من كل أحد، لكن الفقير ليس له من المال ما يدعوه إلى الكِبْر فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكِبْر طبيعةٌ له. الثالث: من يجعل الحلف بالله بضاعةً له يكثر من استعماله في البيع والشراء فيمتَهِن اسم الله ويجعله وسيلةً لاكتساب المال. مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من كثرة الحلف في البيع والشراء. ما يستفاد من الحديث: ١- التحذير من كثرة استعمال الحلف في البيع والشراء، والحث على توقير اليمين واحترام أسماء الله سبحانه. ٢- إثبات الكلام لله وأنه يكلِّم من أطاعه ويكرمُه بذلك. ٣- التحذير من جريمة الزنا لا سيما من كبير السن. ٤- التحذير من الكِبْر لا سيما في حق الفقير. * * *

стр. 403

وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنِه مرتين أو ثلاثاً. "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" (١) . ــ في الصحيح: أي في صحيح مسلم. قرني: أي: أهل قرني وهم الصحابة، والقرن: كل طبقة من الناس مقترنين في وقت. ثم الذين يلونهم: وهم التابعون. ثم الذين يلونهم: وهم تابعو التابعين. يشهدون: أي: شهادة الزور. ولا يُستشهدون: أي: لا يُطلب منهم الشهادة؛ لفسقِهم أو لاستخفافهم بأمرها وعدم تحرِّيهم الصدق. ويخونون: أي: يخونون من ائتمنهم. ولا يُؤتمنون: أي: لا يأتمنهم الناس لظهور خيانتهم. وينذُرون لا يوفون: أي: لا يؤدون ما وجب عليهم بالنذر. ويظهر فيهم السمن: السمن كثرة اللحم، وذلك لتنعمهم وغفلتهم عن الآخرة.

стр. 404

المعنى الإجمالي: يخبر – ﷺ أن خير هذه الأمة القرون الثلاثة وهم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين؛ لظهور الإسلام فيهم، وقُربهم من نور النبوة. ثم بعد هذه القرون المفضلة يحدث الشر في الأمة، وتكثر البدع، والتهاون بالشهادة، والاستخفاف بالأمانة والنذور، والتنعم في الدنيا، والغفلة عن الآخرة؛ وظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم. مناسبة الحديث للباب: أن فيه ذم الذين يتساهلون بالشهادة وهي نوعٌ من اليمين. ما يستفاد من الحديث: ١- فضل القرون الثلاثة أو الأربعة: الصحابة والتابعين وأتباعهم. ٢- ذم التسرع في الشهادة. ٣- ذم التهاون بالنذور ووجوب الوفاء بها. ٤- ذم الخيانة في الأمانة والحث على أدائها. ٥- ذم التنعم والرغبة في الدنيا والإعراض عن الآخرة. ٦- علَم من أعلام نبوته – ﷺ حيث أخبر بالشيء قبل وقوعه فوقع كما أخبر. * * *

стр. 405

وفيه عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه" (١) . قال إبراهيم: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار". ــ التراجم: إبراهيم هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي من التابعين ومن فقهائهم، مات سنة ٩٦هـ ﵀. تسبق شهادة أحدهم يمينه ... إلخ: أي: يجمع بين اليمين والشهادة، فتارةٌ تسبق هذه وتارةٌ تسبق هذه. كانوا: أي: التابعون. يضربوننا على الشهادة ... إلخ: أي: لئلا يعتادوا إلزام أنفسهم بالعهود؛ لما يلزم الحالف من الوفاء، وكذا الشهادة لئلا يسهل عليهم أمرها. المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن خير هذه الأمة القرون الثلاثة، ثم يأتي من بعدهم قوم يتساهلون في الشهادة واليمين؛ لضعف إيمانهم، فيخفّ عليهم أمر الشهادة واليمين تحمّلاً وأداءً؛ لقلة خوفهم من الله وعدم مبالاتهم بذلك (٢) .

стр. 406

ويخبر إبراهيم النخَعي عن التابعين أنهم يلقِّنون صغارهم تعظيم الشهادة والعهد؛ لينشأوا على ذلك ولا يتساهلوا فيهما. مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من التساهل باليمين والشهادة. ما يستفاد من الحديث: ١- أن القرون المفضلة ثلاثةٌ، وأنهم خير هذه الأمة. ٢- ذمّ التسرع في الشهادة واليمين. ٣- علمٌ من أعلام نبوّته – ﷺ فإنه وُجد ما أخبر به. ٤- عناية السلف بتربية الصغار وتأديبهم. * * *

стр. 407

باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية. ــ تمام الآية: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: التنبيه على أن الوفاء بالعهود تعظيمٌ لله، وعدم الوفاء بها عدم تعظيمٍ له؛ فهو قدحٌ في التوحيد. ما جاء في ذمة الله: ذمةُ الله هي: العهد، وفيه الحث على حفظها والوفاء بها إذا أُعطيت لأحد. وأوفوا بعهد الله: بالالتزام بمُوجِبه من عقود البيعة والأيمان وغيرها. ولا تنقُضُوا الأيمان: أي: أيمان البيعة أو مطلَق الأيمان. بعد توكيدها: أي: بعد توثيقها بذكر الله تعالى. وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً: أي: شاهداً عليكم بتلك البيعة. إن الله يعلم ما تفعلون: أي: من نقض الأيمان والعهود وهذا تهديد. المعنى الإجمالي للآية: يأمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق؛ والمحافظة على الأيمان المؤكّدة بذكره؛ لأنهم بذلك جعلوه سبحانه شاهداً ورقيباً عليهم؛ وهو سبحانه يعلم أفعالَهم وتصرفاتِهم وسيُجازيهم

стр. 408

عليها. مناسبة الآية للباب: أنها تدل على وجوب الوفاء بالعهود، ومنها ما يجري بين الناس من إعطاء الذمة؛ فإنها يجب الوفاء بها؛ لأنها فردٌ من أفراد معنى الآية. ما يستفاد من الآية: ١- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق. ٢- تحريم نقض العهود والأيمان الداخلة في العهود والمواثيق. ٣- إثبات العلم لله سبحانه وأنه لا يخفى عليه شيء. ٤- وعيد من نقض العهود والمواثيق. * * *

стр. 409

عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سَرِيَّة؛ أوصاه بتقوى الله –تعالى- ومن معه من المسلمين خيراً، فقال: "اغزُوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقِيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خلال "أو خصال" فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك: فاقبل منهم وكُفَّ عنهم: ثم ادعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبِرهم أنهم إن فعلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيءٌ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه؛ فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه.

стр. 410

وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله؛ فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" (١) رواه مسلم. ــ أمَّر أميراً: أي: جعل شخصاً أميراً. على جيشٍ: أي: جنود كثيرة. أو سرية: هي: القطعة من الجيش تخرج منه وتغير وترجع إليه. ومن معه: أي: بمن معه. خيراً: أي: أن يفعل بهم خيراً. اغزوا: أي: اشرعوا في فعل الغزو. في سبيل الله: أي: في طاعته ومن أجله. من كفر بالله: أي: لأجل كفرهم وخص منه من لا يجوز قتلُه من الكفار كالنساء ومن له عهد ... إلخ. ولا تغلوا: الغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمها. ولا تغدروا: أي: لا تنقضوا العهد. ولا تمثِّلوا: التمثيل: تشويه القتيل بقطع أعضائه. وليداً: هو: الصبيّ والعبد. ثلاث خلال أو خصال: شكٌّ من الراوي ومعناهما واحد. فاقبل منهم: أي: اقبل منهم الإسلام وكفّ عنهم القتال.

стр. 411

دار المهاجرين: يعني: المدينة إذ ذاك. فلهم ما للمهاجرين: أي: في استحقاق الفيء والغنيمة. ما على المهاجرين: من الجهاد وغيره. كأعراب المسلمين: الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو. فاسألهم الجزية: أي: اطلب منهم أن يدفعوا الجزية، وهي مالٌ يؤخذ من الكفار على وجه الصغار والذلة لهم، واشتقاقها من الجزاء كأنها جزاءٌ عن القتل. فإن أبَوا: أي امتنعوا عن الدخول في الإسلام ودفع الجزية. حاصرت أهل حصن: الحصن: كل مكان محميّ محرز، وحاصرتهم: ضيقت عليهم وأحطت بهم. ذمة الله وذمة نبيه: الذمة هنا العهد. أن تُخفروا ذممكم: أي: تنقضوا عُهودكم. المعنى الإجمالي للحديث: يذكر لنا هذا الصحابي الجليل بريدة بن الحصيب ﵁ ما كان يفعله النبي – ﷺ عندما يرسل الجيوش والسرايا للقتال في سبيل الله، أنه كان يوصي القواد بالتحرز بطاعة الله من عقوبته بالتزام التقوى، ويأمرهم بالشروع في الغزو مستعينين بالله ليقاتلوا الكفار؛ لإزالة كفرهم حتى يكون الدين كله لله، وينهاهم عن الخيانة في العهود والأخذ من المغانم قبل قسمتها، وعن تشويه القتلى وقتل من لا يستحق القتل من الولدان. وعندما يلاقون عدوهم فإنهم يخيِّرونهم بين ثلاثة أمور: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، وإما أن يقاتلوهم. فإن دخلوا في الإٍسلام خُيروا بين أمرين: إما الانتقال إلى دار الهجرة، ولهم ما للمهاجرين وعليهم ما على

стр. 412

المهاجرين، وإما البقاء مع أعراب المسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. ثم يوصي – ﷺ القواد عندما يحاصرون الكفّار في معاقِلهم؛ فيطلب الكفّار منهم أن يجعلوا لهم عهد الله وعهد نبيه أن لا يجعلوا لهم ذلك، ولكن يجعلوا لهم عهدهم هم؛ فإنّ نقض عهد الله وعهد رسوله أعظم جُرماً من نقض عهودهم. وإذا طلبوا منهم النزول على حكم الله فلا يجيبوهم بل ينزلونهم على حكمهم هم واجتهادهم؛ خشية أن لا يُصيبوا حكم الله تعالى، فينسبون إلى الله ما هو خطأ. مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه النهيَ عن إعطاء ذمة الله وذمة رسوله للكفار؛ خشية عدم الوفاء بذلك، فتكون الجريمة عظيمة، ويكون ذلك هضماً لعهد الله، ونقصاً في التوحيد. ما يستفاد من الحديث: ١- مشروعية بعْث السرايا والجيوش للجهاد في سبيل الله. ٢- أنه يجب أن يكون القتال لإعلاء كلمة الله ومحو آثار الكفر من الأرض لا لنيل الملك وطلب الدنيا، أو نيل الشهرة. ٣- مشروعية تنصيب الأمراء على الجيوش والسرايا. ٤- أنه يشرع لولي الأمر أن يوصي القوّاد ويوضح لهم الخطة التي يسيرون عليها في جهادهم. ٥- أن الجهاد يكون بإذن ولي الأمر وتنفيذه. ٦- مشروعية الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. ٧- مشروعية أخذ الجزية من جميع الكفار. ٨- النهي عن قتل الصبيان. ٩- النهي التمثيل بالقتلى.

стр. 413

١٠- النهي عن الغلول والخيانة في العهود. ١١- احترام ذمة الله وذمة نبيه والفرق بينهما وبين ذمة المسلمين. ١٢- طلب الاحتياط عن الوقوع في المحذور. ١٣- أن المجتهد يخطئ ويصيب والفرق بين حكم الله وحكم العلماء. ١٤- الإرشاد إلى ارتكاب أقل الأمرين خطراً. ١٥- مشروعية الاجتهاد عند الحاجة. * * *

стр. 414

باب ما جاء في الإقسام على الله عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألَّى عليّ أن لا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له وأحبطت عملَك" (١) رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد (٢) . قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أَوبَقَتْ دنياه وآخرتَه" (٣) . ــ مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد: أن الإقسام على الله إذا

стр. 415

كان على وجه الحجر على الله فهو منافٍ للتوحيد؛ لأنه من سوء الأدب مع الله تعالى. ما جاء في الإقسام على الله: أي: من الأدلة على تحريم ذلك. من ذا الذي؟: استفهام إنكار. يتألى علي: أي: يحلف، والأليّة: بتشديد الياء: الحلف. أحبطت عملك: أي: أهدرته. أوبَقَت: أي: أهلكت. المعنى الإجمالي للحديث: يخبر النبي – ﷺ على وجه التحذير من خطر اللسان، أن رجلاً حلف أن الله لا يغفر لرجلٍ مذنبٍ؛ فكأنه حكم على الله وحجر عليه؛ لما اعتقد في نفسه عند الله من الكرامة والحظّ والمكانة، ولذلك المذنب من الإهانة، وهذا إدلالٌ على الله وسوءُ أدب معه، أوجب لذلك الرجل الشقاءَ والخسران في الدنيا والآخرة. مناسبة ذكر الحديث في الباب: أنه يدل على تحريم الإقسام على الله على وجه الحجر على الله والإعجاب بالنفس؛ وذلك نقصٌ في التوحيد. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الإقسام على الله إلا إذا كان على وجه حسنِ الظنّ به وتأميل الخير منه. ٢- وجوب حسن الأدب مع الله. ٣- شدة خطر اللسان ووجوب حفظه. * * *

стр. 416

باب لا يستشفع بالله على خلقه عن جُبَير بن مطعِم ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: نُهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال؛ فاستسق لنا ربَّك؛ فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! سبحان الله! " فما زال يسبِّح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال النبي ﷺ : "ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك؛ إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه" (١) وذكر الحديث. رواه أبو داود. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان تحريم الاستشفاع بالله على خلقه؛ لأنه هضمٌ للربوبية وقدحٌ في توحيد العبد؛ لأن الشافع يشفع عند من هو أعلى منه والله تعالى منزّه عن ذلك؛ لأنه لا أحد أعلى منه. التراجم: جُبير هو: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القُرَشي كان من أكابر قريش أسلم قبل الفتح ومات سنة ٥٧هـ ﵁. نُهِكت: بضم النون أي: جهدت وضعفت.

стр. 417

فاستسق لنا ربك: أي: اسأله أن يسقينا بأن ينزل المطر. نستشفع بالله عليك: نجعله واسطة إليك. سبحان الله: أي: تنزيهاً لله عما لا يليق به. عُرف ذلك في وجوه أصحابه: أي: عُرف الغضب فيها؛ لغضب رسول الله – ﷺ . ويحَك: كلمةٌ تقال للزجر. أتدري ما الله؟: إشارةٌ إلى قلة علمه بعظمة الله وجلاله. المعنى الإجمالي للحديث: يذكر هذا الصحابي أن رجلاً من البادية جاء إلى النبي – ﷺ يشكو ما أصاب الناس من الحاجة إلى المطر؛ ويطلب من النبي – ﷺ أن يسأل ربَّه أن ينزله عليهم؛ لكنه أساء الأدب مع الله؛ حيث استشفع به إلى النبي – ﷺ وهذا جهلٌ منه بحق الله؛ لأن الشفاعة إنما تكون من الأدنى إلى الأعلى، ولذلك أنكر عليه النبي – ﷺ ذلك ونزّه ربه عن هذا التنقّص، ولم ينكر عليه الاستشفاع بالنبي – ﷺ إلى الله سبحانه بدعائه إياه. مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على تحريم الاستشفاع بالله على أحدٍ من خلقه؛ لأنه تنقّص ينزه الله عنه. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الاستشفاع بالله على أحدٍ من خلقه؛ لما في ذلك من التنقص لله تعالى. ٢- تنزيه الله عما لا يليق به. ٣- إنكار المنكر وتعليم الجاهل. ٤- جواز الاستشفاع بالرسول – ﷺ في حياته، بأن يطلُب منه أن يدعوَ الله

стр. 418

في قضاء حاجة المحتاج؛ لأنه مستجاب الدعوة، أما بعد موته فلا يُطلب منه ذلك لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك. ٥- التعليم بطريقة السؤال، لأنه أوقع في النفس. * * *

стр. 419

باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك عن عبد الله بن الشِّخِّير ﵁ قال: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيِّدنا. فقال: "السيد الله ﵎". فقلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً. فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" (١) رواه أبو داود بسند جيِّد. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أن التوحيد لا يتم إلا بتجنُّب كل قول يفضي إلى الغلو في المخلوق، ويُخشى منه الوقوع في الشرك. التراجم: ابن الشِّخِّير: بكسر الشين وتشديد الخاء هو: عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان الحريشيّ أسلم يوم الفتح وله صحبةٌ ورواية. حماية: حماية الشيء صونُه عما يتطرق إليه من مكروه وأذى. المصطفى: أي: المختار من الصفوة وهي خالص الشيء. حِمى التوحيد: صونُه عما يشوبه من الأعمال والأقوال التي

стр. 420

تضاده أو تنقصه. السيد الله: أي: السُّؤدد التام لله ، والخلق كلهم عبيد الله. وأفضلُنا فضلاً: الفضل: الخيرية ضد النقيصة –أي: أنت خيرُنا. طَولاً: الطوْل: الفضل والعطاء والقدرة والغنى. قولوا بقولكم: أي: القول المعتاد لديكم ولا تتكلفوا الألفاظ التي تؤدي الغلو. أو بعض قولكم: أي: أو دعوا بعض قولكم المعتاد واتركوه، تجنباً للغلو. لا يستجرينكم الشيطان: الجري: الرسول أي: لا يتخذكم جَرِيّاً أي: وكيلاً له ورسولاً. المعنى الإجمالي للحديث: لما بالغ هذا الوفد في مدح النبي – ﷺ نهاهم عن ذلك؛ تأدباً مع الله وحمايةً للتوحيد، وأمرهم أن يقتصروا على الألفاظ التي لا غلوّ فيها ولا محذور؛ كأن يدعوه بمحمد رسول الله كما سماه الله . مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو في المدح واستعمال الألفاظ المتكلفة التي ربّما توقع في الشرك. ما يستفاد من الحديث: ١- تواضعه – ﷺ وتأدبه مع ربه. ٢- النهي عن الغلو في المدح ومواجهة الإنسان به. ٣- أن السُّؤدد حقيقةٌ لله سبحانه، وأنه ينبغي ترك المدح بلفظ السيد. ٤- النهي عن التكلف في الألفاظ وأنه ينبغي الاقتصاد في المقال. ٥- حماية التوحيد عما يخل به من الأقوال والأعمال.

стр. 421

وعن أنس ﵁ أن ناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا. فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينَّكم الشيطان، أنا محمدٌ عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " (١) . رواه النسائي بسند جيد. ــ يا خيرَنا: أي: أفضلنا. يستهوينكم الشيطان: أي: يُزين لكم هواكم، أو يذهب بعقولكم. المعنى الإجمالي للحديث: كره – ﷺ مدحَه بهذه الألفاظ ونحوها؛ لئلا يكون ذلك وسيلةً إلى الغلو فيه والإطراء؛ لأنه قد أكمل الله له مقامَ العبودية، فصار يكره أن يُبالغ في مدحه؛ صيانةً لهذا المقام، وإرشاداً للأمة إلى ترك ذلك؛ نصحاً لهم وحماية للتوحيد. وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبد، وقد وصفه الله بهما في مواضع وهما: عبد الله ورسوله، ولا يريد أن يرفعوه فوق هذه المنزلة التي أنزله الله إياها. مناسبة الحديث للباب: أنه – ﷺ نهى أن يُمدح بغير ما وصفه الله به؛

стр. 422

صيانةً للتوحيد وسداً لباب الغلو المُفضي إلى الشرك. ما يستفاد من الحديث: ١- النهي عن الغلو في المدح، وتكلف الألفاظ في ذلك؛ لئلا يفضي إلى الشرك. ٢- تواضعه – ﷺ وحرصه على صيانة العقيدة عما يخل بها. ٣- أنه عبد الله ورسوله، وليس له من الأمر شيء؛ والأمر كله لله سبحانه. ٤- التحذير من كيد الشيطان؛ وأنه قد يأتي من طريق الزيادة على الحد المشروع. * * *

стр. 423

باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ الزمر: ٦٧] . ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف ﵀ أن يختم كتابه بهذا الباب المشتمل على النصوص الدالة على عظمة الله، وخضوع المخلوقات له؛ مما يدل على أنه هو المستحق للعبادة وحده، وأن له صفات الكمال ونعوت الجلال. باب قول الله تعالى: أي: ما جاء في معنى هذه الآية الكريمة من الأحاديث والآثار. ما قدروا الله حق قدره: أي: ما عظّم المشركون الله حق تعظيمه؛ إذ عبدوا معه غيره. والأرض ... إلخ: جملةٌ حالية. جميعاً: أي: بجميع جهاتها وطبقاتها. سبحانه: تنزيهاً له. وتعالى عما يشركون: به من الأصنام والأنداد العاجزة الحقيرة. المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله تعالى أن المشركين ما عظّموا الله حق تعظيمه؛ حيث عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه،

стр. 424

القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته، والمخلوقات كلها بالنسبة إليه صغيرة حقيرة، ثم نزّه نفسه عن شرك المشركين وتنقص الجاهلين. تنبيه: ١- مذهب السلف في قوله تعالى: ﴿ ... وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ... ﴾ هو إمراره كما جاء مع اعتقاد ما دل عليه من غير تحريف ولا تكييف. والأحاديث والآثار تفَسِّرها وتوَضِّحها. ٢- ما يستفاد من هذه الآية يأتي بعد ذكر ما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في هذا الباب. * * *

стр. 425

عن ابن مسعود ﵁ قال: "جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أَصبُع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أَصبُع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجِذُه، تصديقاً لقول الحَبْر". ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على أصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله"، وفي رواية للبخاري: "يجعل السماوات على أصبع، والماء والثرى على أصبُع، وسائر الخلق على أصبُع" (١) أخرجاه. ولمسلم عن ابن عمر مرفوعاً: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرَضين السبع، ثم يأخذُهن بشِماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون" (٢) ورُوي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع والأرَضون السبع في كفِّ الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". ــ حبر: بفتح الحاء وكسرِها أحد أحبار اليهود وهو العالم بتحبير
следующие страницы →