← Акыда

Акыда · id 9950

الملخص في شرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (431 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم: فبعث إليهم ملَكاً: فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذِرَني الناس به. قال: فمسحه، فذهب عنه قذَرُه، فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر -شك إسحاق- فأعطي ناقةً عُشَرَاء، وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذِرني الناس به، فمسحه، فذهب عنه، وأُعطي شعراً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأُبْصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والداً، فأَنتج هذان ووَلَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا

стр. 352

بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلَّغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفُك، ألم تكن أبرصَ يقذرُك الناس، فقيراً فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرَك شاةً أتبلَّغ بها في سفري. فقال: كنت أعمى فردّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئت، ودَعْ ما شئت؛ فوالله لا أَجْهَدُك بشيء أخذتَه لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتُلِيْتُم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك" (١) أخرجاه. ــ أخرجاه: أي: البخاري ومسلم. أبرص: الأبرص: من به داءُ البرص وهو: بياضٌ يظهر في ظاهر

стр. 353

البدن لفساد المزاج. وأقرع: هو: من به قرَع وهو: داءٌ يصيب الصبيان في رؤوسهم ثم ينتهي بزوال الشعر أو بعضه ويطلق القرع على الصلع. وأعمى: هو: من فقد بصره. أن يبتليهم: أي: يختبرهم بنعمته. قذِرني الناس: بكسر: الذّال أي: كرِهوا مخالطَتي وعدُّوني مستقذراً من أجله. شك إسحاق: هو ابن عبد الله بن أبي طلحة راوي الحديث. عُشَراء: بضم العين، وفتح الشين والمد وهي: الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية. والداً: أي: ذات ولد أو التي عُرف منها كثرة الولد والنتاج. أنتج: أي: تولى صاحبُ الناقة وصاحب البقرة نتاجهما. وولّد: بتشديد اللام أي: تولّى ولادها. وكان لهذا ... إلخ: أي: كان لكلّ واحد منهم ما يملأ الوادي من الإبل والبقر والغنم. انقطعت بي الحبال: أي: أسباب المعيشة. أتبلَّغ به: أي: أتوصَّل به إلى البلد الذي أريده. كابراً عن كابر: أي: ورثت هذا المال عن كبيرٍ ورِثَه عن كبيرٍ آخر في الشرف. صيَّرك الله إلى ما كنت: أي: ردّك إلى حالك الأولى برجوع العاهة إليك. لا أَجْهَدُك: أي: لا أشقّ عليك برد شيء تأخذُه من مالي.

стр. 354

المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ عن هؤلاء الثلاثة الذين أُصيب كل منهم بعاهة في الجسم وفقر من المال، ثم إن الله سبحانه أراد أن يختبرهم، فأزال ما أصابهم من العاهات وأدرَّ عليهم من الأموال، ثم أرسل إلى كل واحد منهم الملك بهيئته الأولى من: المرض والقرَع والعمى والفقر يستجديه شيئاً يسيراً، وهنا تكشّفت سرائرهم وتجلّت حقائقُهم، فالأعمى اعترف بنعمة الله عليه ونسبَها إلى من أنعم عليه بها، فأدّى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله، وكفر الآخران بنعمة الله عليهما وجحدا فضله فاستحقا السخَط بذلك. مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان حال من كفر النعم ومن شكرَها. ما يستفاد من الحديث: ١- وجوب شكر نعمة الله في المال وأداء حق الله فيه. ٢- تحريم كفر النعمة ومنع حق الله في المال. ٣- جواز ذكر حال من مضى من الأمم؛ ليتعظ به من سمِعه. ٤- أن الله يختبر عباده بالنعم. ٥- مشروعية قول: بالله ثم بك، فيكون العطف بثُمَّ لا بالواو في مثل هذا التعبير. * * *

стр. 355

باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ الأعراف: ١٩٠] . قال ابن حزم: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبَّد لغير الله؛ كعبدِ عمْروٍ، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب. وعن ابن عباس في الآية، قال: "لمَّا تغشاها آدم حملت، فآتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرَجَتْكُما من الجنة، لتطيعُنَّني أو لأجعلن له قرْنَي أَيِّل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنَّ، ولأفعلنَّ؛ -يُخَوِّفُهما- سَمِّياه عبد الحارث؛ فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً. ثم حَمَلت فأتاهما أيضاً فقال مثل قوله: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميِّتاً. ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدرَكَهُما حبُّ الولد، فسمَّياه عبد الحارث؛ فذلك قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (١) . رواه ابن أبي حاتم. وله بسند صحيح عن قتادة قال: "شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته". ــ (١) أخرجه الترمذي برقم "٣٠٧٧" والحاكم "٢/٥٤٥" وصححه.

стр. 356

وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ قال: "أشفقا ألا يكون إنساناً". وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. ــ التراجم: ابن حزم هو: عالِم الأندلس أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبيّ الظاهريّ توفي سنة ٤٥٦هـ ﵀. مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أنَّ تعبيد الأولاد وغيرهم لغير الله في التسمية شركٌ في الطاعة وكفرٌ بالنعمة. آتاهما: أي: أعطى آدم وحواء ما طلباه من الولد الصالح. صالحاً: أي: ولداً سوياً. جعلا له شركاء: أي: جعلا لله شريكاً في الطاعة. فيما آتاهما: أي: ما رزقهما من الولد بأن سمَّياه عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبداً إلا لله. فتعالى الله: أي: تنزَّه. عمَّا يشركون: أي: عمَّا يفعله أهل مكة من الشرك بالله، فهو انتقال من ذكر الشخص إلى ذكر الجنس. اتفقوا: لعل مرادَه حكاية الإجماع. على تحريم كل اسم معبَّد لغير الله: لأنه شركٌ في الربوبية والإلهية؛ لأن الخلق كلهم ملكٌ لله وعبيدٌ له. حاشا عبد المطلب: أي: فلم يتفقوا على تحريم التسمية به؛ لأن أصلَه من عبودية الرقِّ، أو لأنه من باب الإخبار بالاسم الذي عُرف به

стр. 357

المسمَّى لا من باب إنشاء التسمية. تغشَّاها: التغَشِّي: كنايةٌ عن الجماع. أَيِّل: بفتح الهمزة وكسر الياء مشددةً: ذَكرُ الأوعال. سمِّياه عبد الحارث: وكان الحارث اسم إبليس فأراد أن يسمِّياه بذلك؛ لتحصل صورة الإشراك به. أدركَهما حب الولد: أي: حب سلامة الولد وهذا من الامتحان. أشفقا: أي: خافا. أن لا يكون إنساناً: أي: بأن يكون بهيمة. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن آدم وحواءَ أنه لما أجاب دعاءهما ورزَقهما ولداً سويَّاً على الصفة التي طلَبا، لم يقُوما بشكر تلك النعمة على الوجه المرضيّ كما وعَدا بذلك، بل سمِّياه عبد الحارث؛ فعبَّداه لغير الله، ومن تمام الشكر أن لا يُعبَّد الاسم إلا لله، فحصل منهما بذلك شركٌ في التسمية لا في العبادة. ثم نزَّه نفسه عن الشرك عموماً في التسمية وفي العبادة. ما يستفاد من الآية: ١- تحريم التسمية بكل اسمٍ معبّد لغير الله، كعبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد الكعبة. ٢- أن الشرك يقع في مجرد التسمية ولو لم تُقصد حقيقتها. ٣- أن هبة الله للرجل الولد السويّ من النعم التي تستحق الشكر. ٤- أن من شكر إنعام الله بالولد تعبيده لله. * * *

стр. 358

باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (١) الآية. ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ : "يشركون". وعنه: سمَّوا اللات من الإله والعزَّى من العزيز" وعن الأعمش: "يُدخِلون فيها ما ليس منها". ــ تمام الآية: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف ﵀ بهذا الباب الرد على من يتوسل إلى الله بالأموات، وأن المشروع التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. التراجم: الأعمش هو: سليمان بن مهران الكوفي الفقيه ثقةٌ حافظٌ ورِعٌ مات سنة ١٤٧هـ ﵀. الأسماء الحُسنى: التي بلغت الغاية في الحُسن فليس في الأسماء أحسن منها وأكمل ولا يقوم غيرُها مقامَها. فادعوه بها: أي: اسألوه وتوسَّلوا إليه بها.

стр. 359

وذروا الذين: أي: اترُكوهم وأعرِضوا عن مجادَلتِهم. يُلحِدون: الإلحاد: الميل، أي: يميلون بها عن الصواب إما بجَحدِها أو جحدِ معانيها أو جعلها أسماءَ لبعض المخلوقات. يُلحدون في أسمائه: أي: يشركون غيرَه في أسمائه كتسميتهم الصنم إلهاً. سيُجزون ما كانوا يعملون: وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ بنزول العقوبة بهم. وعنه: أي: عن ابن عباس. سمَّوا اللات ... إلخ: بيانٌ لمعنى الإلحاد في أسمائه: أنهم اشتقُّوا منها أسماءً لأصنامهم. يدخِلون فيها ما ليس منها: أي: يدخلون في أسماء الله ما لم يُسَمِّ به نفسَه ولم يسمِّه به رسولُه. المعنى الإجمالي للآية: أخبر تعالى عن نفسه أن له أسماءً قد بلغت الغاية في الحُسن والكمال؛ وأمر عباده أن يسألوه ويتوسلوا إليه بها، وأن يتركوا الذين يميلون بهذه الأسماء الجليلة إلى غير الوجهة السليمة، وينحرفون بها عن الحق بشتى الانحرافات الضالة، وأن هؤلاء سيلقون جزاءَهم الرادع. ما يستفاد من الآية: ١- إثبات الأسماء والصفات لله على ما يليق بجلاله. ٢- أن أسماء الله حسنى. ٣- الأمر بدعاء الله والتوسل إليه بأسمائه. ٤- تحريم الإلحاد في أسماء الله بنفيِها أو تأويلِها أو إطلاقِها على بعض

стр. 360

المخلوقات. ٥- الأمر بالإعراض عن الجاهلين والملحدين وإسقاطهم من الاعتبار. ٦- الوعيد الشديد لمن ألحد في أسماء الله وصفاتهم. * * *

стр. 361

باب لا يقال: السلام على الله في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، وفلان. فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام" (١) . ــ مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لمَّا كان السلام على الشخص معناه: طلب السلامة له من الشرور، والآفات، امتنع أن يُقال السلام على الله؛ لأنه هو الغنيّ السالم من كلِّ آفة ونقص، فهو يُدعى ولا يُدعى له، ويُطلب منه ولا يُطلب له؛ فهذا الباب فيه وجوبُ تنزيه الله عن الحاجة والنقص ووصفه بالغنى والكمال. في الصحيح: أي: في الصحيحين. قلنا السلام على الله: أي: في التشهد الأخير، كما في بعض ألفاظ الحديث. لا تقولوا السلام على الله: هذا نهيٌ منه ﷺ عن التسليم على الله. فإن الله هو السلام: تعليلٌ للنهي، بأن السلام من أسمائه سبحانه، فهو غنيٌّ عن أن يُسلَّم عليه.

стр. 362

المعنى الإجمالي للحديث: يخبر ابن مسعود ﵁ أنهم كانوا يسلِّمون على الله، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، وبيَّن لهم أن ذلك لا يليق بالله؛ لأنه هو السلام ومنه السلام، فلا يليق به أن يسلَّم عليه، بل هو الذي يسلِّم على عباده ويسلِّمهم من الآفات. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُقال: السلام على الله. ما يستفاد من الحديث: ١- النهي عن السلام على الله. ٢- أن السلام من أسمائه سبحانه. ٣- تعليم الجاهل. ٤- قرنُ الحكمِ بعلِّته. * * *

стр. 363

باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقُلْ أحدُكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، لِيَعْزِم المسألة، فإن الله لا مُكْرِه له". ولمسلم: "وليعظِّم الرغبة، فإن الله لا يتعاظَمُه شيءٌ أعطاه" (١) . ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لمَّا كان قول: "اللهم اغفر لي إن شئت" يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب، والاستغناء عن الله من ناحية، ويُشعر بأن الله -تعالى- قد يضطرّه شيءٌ إلى فعل ما يفعل؛ وفي هذين المحذورين مضادةٌ للتوحيد؛ لذلك ناسب عقدُ هذا الباب في كتاب التوحيد. باب قولِ اللهم ... إلخ: أي: أنه لا يجوز. في الصحيح: أي: في الصحيحين. ليعزم المسألة: أي: ليجزم في طلبته ويحقق رغبته ويتيقن الإجابة. لا مكرِه له: أي: لا يضطرّه دعاءٌ ولا غيرُه إلى فعل شيء.

стр. 364

وليعظِّم الرغبة: بتشديد الظاء أن: يلح في طلب الحاجة. لا يتعاظمُه شيءٌ أعطاه: أي: لا يكبر ولا يعسُر عليه. المعنى الإجمالي للحديث: ينهى ﷺ عن تعليقِ طلب المغفرة والرحمة من الله على المشيئة، ويأمر بعزم الطلب دون تعليق؛ ويعلل ذلك بأن تعليق الطلب من الله على المشيئة يشعِر بأن الله يُثقلُه شيءٌ من حوائج خلقه أو يضطره شيءٌ إلى قضائها، وهذا خلافُ الحقِّ؛ فإنه هو الغني الحميد الفعَّال لما يريد. كما يُشعِر ذلك بفتور العبد في الطلب واستغنائه عن ربِّه؛ وهو لا غنى له عن الله طرفةَ عين. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهيَ عن تعليق طلب المغفرة من الله بالمشيئة وبيانَ علة ذلك. ما يستفاد من الحديث: ١- النهي عن تعليق طلب المطلوب من الله -بمشيئته- والأمرُ بإطلاق سؤال الله دون تقييد. ٢- تنزيهُ الله عما لا يليق به، وسعةُ فضله، وكمالُ غِناه، وكرمُه وجودُه . * * *

стр. 365

باب لا يقول: عبدي وأمتي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقُل أحدُكم: أطعم ربك، وضِّىء ربك، ولْيقُل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، ولْيَقُل: فتاي وفتات، وغلامي" (١) . ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن التلفُّظ بهذه الألفاظ المذكورة يوهم المشاركة في الربوبية، فنُهي عنه تأدُّباً مع الربوبية، وحمايةً للتوحيد بسدِّ الذرائع المفضية إلى الشرك. في الصحيح: أي: الصحيحين. لا يقُل أحدكم: لا: ناهيةٌ، والفعل بعدها مجزومٌ بها، أي: لا يقُل ذلك لمملوكه. أطعم ربّك: بفتح الهمزة أمرٌ من الإطعام. وضِّئ ربك: أمر من التوضئة، والنهي عن الموضعين لمنع المضاهاة لله سبحانه لأنه هو الرب. وهذا المنع يختص في منع الربوبية للإنسان، بخلاف غيرِه فيقالُ رب الدار والدابة. وليقُل سيِّدي: لأن السيادة معناها الرئاسة على ما تحت يدِه.

стр. 366

وأيضاً هناك فرقٌ بين الرب والسيِّد: فإن الرب من أسماء الله بالاتفاق بخلاف السيد فقد اختُلف في كونه من أسماء الله. وعلى القول بأنه منها فليس له من الشُّهرة وكثرة الاستعمال مثل ما للرب. ومولاي: المولى يُطلق على معانٍ كثيرة منها: المالكُ وهو المراد هنا. ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي: لأن الذي يستحق العبودية هو الله سبحانه؛ ولأن في ذلك تعظيماً لا يستحقه المخلوق. وليقل فتاي وفتاتي وغلامي: لأن هذه الألفاظ لا تدل على العبودية كدلالة عبدي وأمتي، وفيها تجنُّب للإيهام والتعاظم. المعنى الإجمالي للحديث: ينهى ﷺ عن التلفظ بالألفاظ التي توهِم الشرك، وفيها إساءة أدب مع الله كإطلاق ربوبية إنسان لإنسان أو عبودية إنسان لإنسان؛ لأن الله هو الرب المعبود وحده. ثم أرشد ﷺ إلى اللفظ السليم الذي لا إيهام فيه؛ ليكون بديلاً من اللفظ الموهِم، وهذا منه ﷺ حمايةً للتوحيد وحفاظاً على العقيدة. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن قول: عبدي وأمَتي. ما يستفاد من الحديث: ١- النهيُ عن استعمال الألفاظ التي توهِم الشرك. ٢- سدُّ الطرق الموصلة إلى الشرك. ٣- ذكرُ البديل الذي لا محذور فيه؛ ليُستعملَ مكان ما فيه محذورٌ من الألفاظ. * * *

стр. 367

باب لا يرد من سأل بالله عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذُوه، ومن سأل بالله فأعطُوه، ومن دعاكم فأجيبُوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئُوه، فإن لم تجدوا ما تكافئُونه فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافأتُموه" (١) . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لأن في عدم إعطاء من سأل بالله عدم إعظامٍ لله، وعدم إجلالٍ له؛ وذلك يُخلُّ بالتوحيد. من استعاذ بالله: أي: من لجأ إلى الله وسألكم أن تدفعوا عنه شرّكم أو شرّ غيركم. فأعيذوه: أي: امنعوه مما استعاذ منه وكفُّوه عنه تعظيماً لاسم الله. ومن سأل بالله: بأن قال: أسألُك بالله. فأعطُوه: أي: أعطُوه ما سأل ما لم يسألْ إثماً أو قطيعة رحم. ومن دعاكم: أي: إلى طعامٍ أو غيرِه. فأجيبوه: أي: أجيبوا دعوته. ومن صنع إليكم: أي: من أحسن إليكم أيَّ إحسان.

стр. 368

معروفاً: المعروف: اسمٌ جامعٌ للخير. فكافئوه: أي: على إحسانه بمثله أو خير منه. فإن لم تجدوا: أي: لم تقدروا على مكافأته. فادعوا له ... إلخ: أي: فبالغوا في الدعاء له جُهدكم. المعنى الإجمالي للحديث: يأمر – ﷺ في هذا الحديث بخصالٍ عظيمة، فيها تعظيمُ حق الله سبحانه بإعطاء من سأل به، وإعاذة من استعاذ به، وتعظيمٌ لحق المؤمن من إجابة دعوته، ومكافأته على إحسانه بمثله أو أحسن منه مع القدرة، ومع عدَمها بإحالة مكافأته إلى الله بطلب الخير له منه. مناسبة الحديث للباب: أن فيه الأمرَ بإعطاء من سأل بالله وعدم ردِّه. ما يستفاد من الحديث: ١- أنه لا يُرد من سأل بالله إجلالاً لله وتعظيماً له. ٢- أن من استعاذ بالله وجبت إعاذتُه ودفع الشر عنه. ٣- مشروعية إجابة دعوة المسلم لوليمةٍ أو غيرِها. ٤- مشروعية مكافأة المُحسِن عند القدرة. ٥- مشروعية الدعاء للمحسِن عند العجز عن مكافأته. * * *

стр. 369

باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة" (١) . رواه أبو داود. ــ مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه يجب احترام أسماء الله وصفاته؛ فلا يُسأل عن شيء من المطالب الدنيوية بوجهه الكريم؛ بل يُسأل به أهمّ المطالب وأعظم المقاصد وهو الجنة، فهذا من حقوق التوحيد. لا يُسأل: رُوي بالنفي ورُوي بالنهي. بوجه الله: هو صفة من صفاته الذاتية يليق بجلاله وعظمته. إلا الجنة: أو ما هو وسيلةٌ إليها من المقاصد العظام. المعنى الإجمالي للحديث: ينهى ﷺ أن يُسأل بوجه الله الكريم الأمور الحقيرة وحوائج الدنيا؛ إجلالاً لله وتعظيماً له، ويقصر ﷺ السؤال بوجه الله على الجنة التي هي غاية المطالب. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُسأل بوجه الله غير الجنة. ما يستفاد من الحديث: ١- إثبات الوجه لله سبحانه على ما يليق بجلاله كسائر صفاته.

стр. 370

٢- وجوب تعظيم الله واحترام أسمائه وصفاته. ١- جواز سؤال الجنة –والأمور الموصِّلة إليها- بوجه الله والمنع من أن يُسأل به شيءٌ من حوائج الدنيا. * * *

стр. 371

باب ما جاء في الّلو وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ... ﴾ الآية. ــ تمام الآية: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر؛ وأن قول "لو" لا يُجدي شيئاً، وهو يشعر بعدم الرضا بالقدر وهذا مخلٌّ بالتوحيد. ما جاء في اللو: أي: من الوعيد والنهي عنه. يقولون: أي: يقول بعض المنافقين يوم أحد معارضةً للقدر. لو كان لنا من الأمر شيءٌ: أي: لو كان الاختيار إلينا. ما قُتلنا هاهنا: أي: لما غُلبنا ولما قُتل من قُتل منا في هذه المعركة. لو كنتم في بيوتكم: أي: وفيكم من كتب الله عليه القتل. لبرز: أي خرج. الذين كُتب: أي قُضي. عليهم القتل: أي: منكم. إلى مضاجعهم: أي: مصارعهم ولم يُنجِّهم قعودُهم؛

стр. 372

لأن قضاء الله كائن لا محالة. وليبتلي الله: أي: يختبر. ما في صدوركم: أي: قلوبكم من الإخلاص والنفاق. وليمحِّص ما في قلوبكم: أي: يميِّز ما تنطوي عليه من النيات. بذات الصدور: بما في القلوب فهو غنيٌّ عن الابتلاء وإنما يفعله ليظهر للناس وليترتب عليه الثواب والعقاب. المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله –سبحانه- عما كان يكنه المنافقون يوم وقعة أحد من الاعتراض على القدر والتسخط لما وقع عليهم من الله، وأنهم يقولون: لو كان الاختيار والمشورة إلينا ما خرجنا؛ ولنجونا مما حصل من الهزيمة والقتل، فرد الله عليهم بأن ما حصل قدرٌ مقدَّر لا ينجي منه البقاء في البيوت؛ فالتلهّف وقول: "لو" لا يجدي شيئاً. مناسبة الآية للباب: أن قول: "لو" في المقدرة لا يجوز؛ وهو من كلام المنافقين. ما يستفاد من الآية: ١- النهي عن قول: "لو" في الأمور المقدرة؛ لأنها تدل على التسخط على القدر وتجدد الأحزان في النفوس، أما قول: "لو" تندُّماً على فوات الطاعة فلا بأس به؛ لأنه يدل على الرغبة في الخير. ٢- مشروعية الاستسلام للقضاء والقدر وعدم تسخّطِه. ٣- أن الحذر لا يُنجي من القدر. ٤- أن من كُتب عليه الموت في محلّ فلا بد أن يذهب إليه، ولو حاول الامتناع عنه.

стр. 373

وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية. ــ تمام الآية: ﴿قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] . قالوا لإخوانهم: أي: قالوا للمسلمين المجاهدين، سُمّوا إخوانهم؛ لموافقتهم في الظاهر، وقيل: إخوانهم في النسب. وقعدوا: أي: عن الجهاد. لو أطاعونا: أي: في القعود. ما قتلوا: أي: كما لم نُقتل. قل: أي: لهؤلاء. فادرءوا عن أنفسكم الموت: أي: ادفعوه عنها. إن كنتم صادقين: أي: في أن القعود ينجّي منه. المعنى الإجمالي للآية: ينكر تعالى على المنافقين الذين يعارضون القدر بقولهم لمن خرج مع رسول الله ﷺ يوم أحد: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قُتل، ويرد عليهم بأنهم إن كانوا يقدرون على دفع القتل عمن كُتب عليه فليدفعوا الموت عن أنفسهم، فهي أولى بالدفع عنها، فإذا لم يقدروا على الدفع عنها فغيرُها من باب أولى. مناسبة الآية للباب: أن قول: "لو" في الأمور المقدّرة من سمات

стр. 374

المنافقين. ما يستفاد من الآية: ١- التحذير من قول: "لو" على وجه المعارضة للقدر والتأسّف على المصائب. ٢- أن مقتضى الإيمان الاستسلام للقضاء والقدر؛ وأن عدم الاستسلام له من صفات المنافقين. ٣- مشروعية مجادلة المنافقين وغيرهم من أهل الباطل؛ لإبطال شبَهِهم ودحض أباطيلهم. * * *

стр. 375

في الصحيح عن أبي هريرة –﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزَنَّ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١) . ــ في الصحيح: أي: في صحيح مسلم. احرص: الحرص هو: بذل الجهد واستفراغ الوُسع. على ما ينفعك: يعني: في معاشك ومعادك. واستعن بالله: أي: الإعانة في جميع أمورك من الله لا من غيرِه. ولا تعجزنَّ: بكسر الجيم وفتحها: أي: لا تفرّط في طلب ما ينفعك متّكلاً على القدر، ومستسلماً للعجز والكسل. وإن أصابك شيءٌ: أي: وإن غلبك أمر ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة. فلا تقل: لو أني فعلت كذا: أي: فإن هذا القول لا يُجدي عليك شيئاً. ولكن قل: قدَر الله: أي: لأن ما قدره لا بد أن يكون والواجب التسليم للمقدور. فإن لو تفتح عمل الشيطان: أي: لما فيها من التأسف على ما فات

стр. 376

والتحسر والحزن ولوم القدر. المعنى الإجمالي للحديث: يأمر النبي – ﷺ في هذا الحديث بالحرص على النافع من الأعمال، والاستعانة بالله في القيام بها، وترقّب ثمراتها، وينهى عن العجز؛ لأنه ينافي الحرص على ما ينفع، ولما كان الإنسان معرضاً للمصائب في هذه الدنيا أمر بالصبر والتحمّل وعدم التلوّم بقول: لو أنني فعلت، لو أنني تركت؛ لأن ذلك لا يجدي شيئاً مع أنه يفتح على الإنسان ثغرةً لعدوِّه الشيطان يدخل عليه منها فيُحزنُه. مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه النهي عن قول: "لو" عند نزول المصائب، وبيان ما يترتب على قولها من المفسدة. ما يستفاد من الحديث: ١- الحث على الاجتهاد في طلب النفع العاجل والآجل ببذل أسبابه. ٢- وجوب الاستعانة بالله في القيام بالأعمال النافعة والنهيُ عن الاعتماد على الحول والقوة. ٣- النهي عن العجز والبطالة وتعطيل الأسباب. ٤- إثبات القضاء والقدر وأنه لا ينافي بذل الأسباب والسعي في طلب الخيرات. ٥- وجوب الصبر عند نزول المصائب. ٦- النهي عن قول: "لو" على وجه التسخط عند نزول المصائب وبيانه مفسدتها. ٧- التحذير من كيد الشيطان. * * *

стр. 377

باب النهي عن سب الريح عن أُبيّ بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبّوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به" (١) صححه الترمذي. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن سبّ الريح سبٌّ لمدبّرها وهو الله تعالى؛ لأنها تجري بأمره، فسبُّها مخلٌّ بالتوحيد. التراجم: أبيّ هو: أبي بن كعب بن قيس الأنصاري سيّد القرّاء شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلّها، قيل: مات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان سنة ٣٠هـ ﵁. لا تسبّوا الريح: أي: لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضررٍ بسببها. فإذا رأيتم ما تكرهون: أي: من الريح إما شدة حرِّها أو بردها أو قوتها. فقولوا اللهم ... إلخ: رجوعٌ إلى خالقها ومدبرها بسؤاله خيرها

стр. 378

ودفع شرها. المعنى الإجمالي للحديث: ينهى – ﷺ عن سب الريح؛ لأنها مخلوقة مأمورة من الله، فسبّها سبٌّ لله وتسخط لقضائه، ثم أرشد – ﷺ إلى الرجوع إلى خالقها بسؤاله من خيرها والاستعاذة به من شرّها؛ لما في ذلك من العبودية لله –تعالى- وذلك هو حال أهل التوحيد. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن سب الريح. ما يُستفاد من الحديث: ١- النهي عن سب الريح؛ لأنها خلقٌ مدبّر فيرجع السبّ إلى خالقها ومدبّرها. ٢- الرجوع إلى الله والاستعاذة به من شر ما خلق. ٣- أن الريح تكون مأمورة بالخير وتكون مأمورة بالشر. ٤- الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره للسلامة من شرّه. * * *

стр. 379

باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ الآية. ــ تمام الآية: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: التنبيه على أن حسن الظن بالله من واجبات التوحيد، وأن سوء الظن بالله ينافي التوحيد. يظنون: أي: المنافقون، والظن في الأصل -خلاف اليقين. غير الحق: أي: غير الظن الحق. ظن الجاهلية: بدلٌ من "غير الحق" أي: الظن المنسوب إلى أهل الجهل حيث اعتقدوا أن الله لا ينصر رسوله والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام. يقولون: بدلٌ من "يظنون". هل لنا من الأمر شيء: استفهامٌ بمعنى النفي أي: ما لنا من النصر والظفر نصيبٌ قطّ. أو قد مُنعنا من تدبير أنفسنا فلم يبق لنا من الأمر شيءٌ. قل إن الأمر كله لله: أي: ليس لكم ولا لغيركم من الأمر شيء بل

стр. 380

الأمر كله لله فهو الذي لا رادّ لما شاءه وأراده. يخفون في أنفسهم: أي: من الإنكار والتكذيب. ما لا يبدون لك: أي: غير الذي يُظهرون لك من الإيمان وطلب الاسترشاد. وبقية المفردات تقدم شرحها في باب ما جاء في اللو. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عما حصل من المنافقين يوم أحد أنهم ظنوا بالله الظن الباطل، وأنه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأن الأمر لو كان إليهم وكان الرسول ﷺ وأصحابه تبعاً لهم يسمعون منهم؛ لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم؛ فأكذبهم الله في هذا الظن، وبين أنه لا يكون ولا يحدث إلا ما سبق به قضاؤه وقدره وجرى به كتابه السابق وأنه لا راد لقضائه. ما يستفاد من الآية: ١- أن من ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق اضمحلالاً لا يقوم بعده فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية. ٢- إثبات الحكمة فيما يُجريه الله من ظهور الباطل أحياناً. ٣- بيان خبث طويّة المنافقين، وأنهم عند الشدائد يظهر ما عندهم من النفاق. ٤- إثبات القضاء والقدر. ٥- وجوب تنزيه الله عما لا يليق به سبحانه. ٦- وجوب حسن الظن بالله تعالى. * * *

стр. 381

وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية. ــ تمام الآية: ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] . الظانين: أي: المسيئين الظن بالله من المنافقين والمنافقات. ظن السوء: بفتح السين وضمها، أي: ظن الأمر السوء وهو: أن لا ينصر رسوله والمؤمنين. عليهم دائرة السوء: أي: دائرة العذاب والذل لازمة لهم لا تتخطاهم. وغضب الله عليهم ولعنهم: أي: سخط عليهم وأبعدهم من رحمته. وأعدّ لهم: أي: هيّأ لهم في الآخرة. جهنم: أي: النار الشديدة العذاب. وساءت مصيراً: أي: منزلاً يصيرون إليه يوم القيامة. المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى: على الذين يتّهمون الله في حكمه، ويظنون أنه لا ينصر رسوله – ﷺ وأصحابه وأتباعه، -على أعدائهم- دائرة العذاب وأبعدهم الله من رحمته، وهيأ لهم في الآخرة ناراً يصيرون إليها هي شر ما يُصار إليه. مناسبة الآية للباب: أن فيها أن من ظنّ أن الله لا ينصر حزبه على أعدائه فقد ظن به ظن السوء.

стр. 382

ما يستفاد من الآية: ١- التحذير من سوء الظن بالله ووجوب حسن الظن به. ٢- أن من ظن أن الله لا ينصر رسوله ودينه فقد ظن به ظن السوء. ٣- وصف الله بأنه يغضب على أعدائه ويلعنهم. ٤- بيان عاقبة الكفار والمنافقين. * * *

стр. 383

قال ابن القيم –﵀ في الآية الأولى: "فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحِلّ، وأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق. فمن ظن أنه يُديل الباطل على الحق إدالة مستقرّة يضمحلّ معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدَّرَه بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فـ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [سورة ص: ٢٧] . وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته ومُوجب حكمته وحمده ووعده الصادق. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ولو فتَّشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقلٌّ ومستكثر، وفتِّش نفسك هل أنت سالم؟

стр. 384

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجياً ــ قال ابن القيم: أي: في زاد المعاد في الكلام على ما تضمنته وقعةُ أحُد، ومناسبة ذكر كلامه هنا توضيح معنى الآية الكريمة. فُسر هذا الظن: أي المذكور في قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . سيضمحلّ: أي: يذهب ويتلاشى حتى لا يبقى له أثر. والاضمحلال: ذهاب الشيء. ففُسِّر: أي: فسر هذا الظن بثلاثة تفاسير. بإنكار الحكمة: أي: أن ما أجراه في وقعة أحد لم يكن لحكمة بالغة وهي التي أشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وإنكار القدر: أي: أنهم لو أطاعونا ولم يخرجوا ما قتلوا. وإنكار أن يتم أمر رسولِه: حيث ظنوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة وأن الإسلام قد باد أهلُه. في سورة الفتح: أي: الظن الذي ذكره الله عن المنافقين والمشركين في سورة الفتح في قوله تعالى: ﴿ ... الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ ... ﴾ [الفتح: ٦] . يُديل الباطل: أي: يجعل له الدولة والغلبة. تعنتاً على القدر: أي: اعتراضاً وافتراضاً عليه. فمستقلّ ومستكثر: أي: من هذا الاعتراض على القدر.

стр. 385

فإن تنج منها: أي: من هذه الخِصلة. تنج من ذي عظيمة: أي: من أمرٍ ذي مصيبة عظيمة. إخالك: بكسر الهمزة أي أظنك. ناجياً: من الاعتراض على القدر. * * *

стр. 386

باب ما جاء في منكري القدر وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده؛ لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله: ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر". ثم استدل بقول النبي ﷺ : "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) . رواه مسلم. ــ مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان توحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر، والإيمان به ذكر المصنف ما جاء في الوعيد في إنكاره؛ تنبيهاً على وجوب الإيمان به. ما جاء في منكري القدر: أي: من الوعيد الشديد. والقدَر: بفتح القاف والدال: ما يقدِّره الله من القضاء وما يجري في الكون. أحُد: بضمَّتين جبلٌ بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الشام. ثم استدلّ بقول النبي ﷺ : أي: لما سأله جبريل عن الإيمان. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ عدّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان فمن أنكره لم يكن مؤمناً متقياً والله لا يقبل إلا من المتقين.

стр. 387

المعنى الإجمالي للأثر: أن عبد الله بن عمر –﵄ لما بلغه أن قوماً ينكرون القدر، بين أنهم بهذا الاعتقاد الفاسد قد خرجوا من الدين؛ حيث أنكروا أصلاً من أصوله، واستدل على ذلك بحديث الرسول – ﷺ الذي ورد فيه أن الإيمان بالقدر أَحد أركان الإيمان الستة التي يجب الإيمان بها جميعاً؛ فمن جحد بعضَها فهو كافرٌ بالجميع. مناسبة الأثر للباب: بيان حكم منكري القدر. ما يستفاد من الأثر: ١- أن إنكار القدر كفرٌ. ٢- أن الأعمال الصالحة لا تُقبل إلا من المؤمن. ٣- الاستدلال على الأحكام من الكتاب والسنة. * * *

стр. 388

وعن عبادة بن الصامت: أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بنيّ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني". وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره؛ أحرقه الله بالنار". ــ التراجم: ١- قال لابنه: هو: الوليد بن عُبادة، وُلد في عهد النبي – ﷺ وهو من كبار التابعين، ومات بعد السبعين ﵀. ٢- ابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري الثقة الفقيه صحاب مالكٍ وُلد سنة ١٢٥هـ توفي سنة ١٩٧هـ ﵀. طعم الإيمان: أي: حلاوته؛ فإن له حلاوة وطعماً من ذاقَهما تسلّى عن الدنيا وما عليها. ما أصابك لم يكن ليخطئك ... إلخ: أي: أن ما قُدِّر عليك من الخير والشر فلن يتجاوزك وما لم يقدَّر عليك فلن يصيبك.

стр. 389

سمعت رسول الله ... إلخ: هذا استدلالٌ من عبادة على ما سبق. إن أول ما خلق الله القلم: أي: هو أول شيء خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض، وليس هو أول المخلوقات مطلقاً. من مات على غير هذا: أي: على غير الإيمان بالقدر. فليس مني: أي: أنا بريءٌ منه؛ لأنه منكِر لعلم الله القديم بأفعال العباد ومن كان كذلك فهو كافر. من لم يؤمن بالقدر: أي: بما قدره الله وقضاه في خلقه. أحرقه الله بالنار: لكفره وبدعته؛ لأنه جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء وكذّب بكتبه ورسله. المعنى الإجمالي للأثر: أن عبادة بن الصامت –﵁ يوصي ابنه الوليد بالإيمان بالقدر خيره وشره، ويبين له ما يترتب على الإيمان به من الثمرات الطيبة والنتائج الحسنة في الدنيا والآخرة، وما يترتب على إنكار القدر من الشرور والمحاذير في الدنيا والآخرة، ويستدلّ على ما يقول بسنة الرسول – ﷺ التي تثبت أن الله قدّر المقادير وأمر القلم بكتابتها قبل وجود هذه المخلوقات، فلا يقع في الكون شيءٌ إلى قيام الساعة إلا بقضاءٍ وقدر. مناسبة الأثر للباب: أن فيه وجوب الإيمان بالقدر، والتحذير من إنكاره والكفر به، وبيان الوعيد المترتب على ذلك. ما يستفاد من الأثر: ١- وجوب الإيمان بالقدر. ٢- الوعيد الشديد المترتب على إنكار القدر. ٣- إثبات القلم وكتابة المقادير الماضية والمستقبلة به إلى قيام الساعة. * * *

стр. 390

وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر؛ فحدثني بشيء، لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهباً؛ ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا؛ لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت؛ فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " (١) حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه. ــ التراجم: ابن الديلمي هو: عبد الله بن فيروز الديلمي ثقة من كبار التابعين. وأبوه فيروز قاتل الأسود العنسي الكذاب. وفي المسند والسنن: أي: في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه. في نفسي شيء من القدر: أي: شكٌّ واضطراب يؤدّي إلى جحد. لو أنفقت ... إلخ: هذا تمثيلٌ لا تحديد. حتى تؤمن بالقدر: أي: بأن جميع الأمور كائنةٌ بقضاء الله وقدره. ولو مت على غير هذا: أي: على غير الإيمان بالقدر.
следующие страницы →