١- فضيلة تحقيق التوحيد وثوابه.
٢- إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع للاستفادة وإظهار الحق.
٣- عمق علم السلف لمعرفتهم أن المذكورين في الحديث لم ينالوا هذه المنزلة إلا بعمل.
٤- حرص السلف على الخير والمنافسة على الأعمال الصالحة.
٥- أن ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
٦- طلب الدعاء من الفاضل في حياته.
٧- علَم من أعلام نبوته – ﷺ حيث أخبر أن عكاشة من السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فقُتل شهيداً في حروب الردة ﵁.
٨- فضيلة عكاشة بن محصن ﵁.
٩- استعمال المعاريض وحسن خلقه – ﷺ حيث لم يقل –للرجل الآخر- لست منهم.
١٠- سد الذرائع لئلا يقوم من ليس أهلاً فيُردُّ، والله أعلم.
* * *
стр. 37
باب الخوف من الشرك
وقول الله : ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] .
وقال الخليل ﵇: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما ذكر التوحيد وفضله وتحقيقه ناسب أن يذكر الخوف من ضده وهو الشرك، ليحذَره المؤمن ويخافه على نفسه.
الخوف: توقع مكروه، وهو ضد الأمن.
الشرك: صرف شيء من العبادة لغير الله.
لا يغفر أن يشرك به: أي لا يعفو عن عبد ليقيَه وهو يعبد غيرَه.
ويغفر ما دون ذلك: أي يغفر ما دون الشرك من الذنوب.
لمن يشاء: أي لمن يشاء المغفرة له من عباده حسب فضله، وحكمته.
الخليل: الذي بلغ أعلى درجات المحبة، والمراد به إبراهيم ﵇ الذي اتخذه الله خليلاً.
اجنبني وبنيَّ: اجعلني وإياهم في جانب وحيِّز بعيد عن ذلك.
стр. 38
الأصنام: جمع صنم وهم ما كان منحوتاً على صورة البشر أو صورة أي حيوان.
المعنى الإجمالي للآية الأولى: أن الله سبحانه يخبر خبراً مؤكداً أنه لا يغفر لعبد لقيَه وهو مشرك به ليحذّرنا من الشرك، وأنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء أن يغفر له تفضلاً وإحساناً؛ لئلا نقنط من رحمة الله.
المعنى الإجمالي للآية الثانية: أن إبراهيم الخليل ﵊ يدعو ربه أن يجعله هو بنيه في جانب بعيد عن عبادة الأصنام وأن يباعد بينه وبينها، لأن الفتنة بها عظيمة ولا يأمن الوقوعَ فيها.
مناسبة الآيتين للباب: أن الآية الأولى تدل على أن الشرك أعظم الذنوب، لأن من مات عليه لا يُغفر له، وهذا يوجب للعبد شدة الخوف من هذا الذنب الذي هذا شأنه، والآية الثانية تدل على أن إبراهيم خاف الشرك على نفسه ودعا الله أن يعافيه منه، فما الظن بغيره، فالآيتان تدلان على وجوب الخوف من الشرك.
ما يستفاد من الآيتين:
١- أن الشرك أعظم الذنوب، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه.
٢- أن ما عدا الشرك من الذنوب إذا لم يتب منه داخل تحت المشيئة -إن شاء غفره بلا توبة، وإن شاء عذب به- ففي هذا دليل على خطورة الشرك.
٣- الخوف من الشرك، فإن إبراهيم ﵇ -وهو إمام الحنفاء
стр. 39
والذي كسّر الأصنام بيده -خافه على نفسه فكيف بمن دونه.
١- مشروعية الدعاء لدفع البلاء، وأنه لا غنى للإنسان عن ربه.
٢- مشروعية دعاء الإنساء لنفسه ولذريته.
٣- الرد على الجهال الذين يقولون: لا يقع الشرك في هذه الأمة فأمِنوا منه فوقعوا فيه.
стр. 40
وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسئل عنه فقال: "الرياء" (١) .
ــ
وفي الحديث: أي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني وابن أبي الدنيا والبيهقي.
أخوف ما أخاف عليكم: أي أشد خوفاً أخافه عليكم.
الرياء: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدونه عليها.
المعنى الإجمالي للحديث: لكمال شفقته ﷺ ورحمته بأمته ونصحه لهم بحيث لم يترك خيراً إلا دلهم عليه ولا شراً إلا حذّرهم منه، ومن الشر الذي حذّر منه الظهور بمظهر العبادة لقصد تحصيل ثناء الناس لأنه شركٌ في العبادة -وهو وإن كان شكاً أصغرَ فخطره عظيم، لأنه يحبط العمل الذي قارنه- ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرئاسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلَّم الله كان هذا أخوف ما يُخاف على الصالحين -لقوة الداعي إليه- بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر، فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين، وإما ضعيف.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الخوف من الشرك الأصغر كما أن في الآيتين قبله الخوف من الشرك الأكبر، والباب شاملٌ للنوعين.
стр. 41
ما يستفاد من الحديث:
١- شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر، وذلك من وجهين:
الأول: أن الرسول ﷺ تخوَّف من وقوعه تخوفاً شديداً.
الثاني: أنه ﷺ تخوَّف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى.
٢- شدة شفقته ﷺ على أمته وحرصه على هدايتهم ونصحه لهم.
٣- أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر -فالأكبر هو أن يسوِّي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، والأصغر هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر- والفرق بينهما:
أ-أن الأكبر يحبط جميع الأعمال، والأصغر يحبط العمل الذي قارنة.
ب- أن الأكبر يخلد صاحبه في النار، والأصغر لا يوجب الخلود في النار.
ج- أن الأكبر ينقل عن الملة، والأصغر لا ينقل عن الملة.
стр. 42
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" رواه البخاري (١) .
ــ
يدعو: الدعاء هنا هو السؤال يقال دعاه إذا سأله أو استغاث به.
نداً: الند المثل والشبيه.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر الرسول ﷺ أن من جعل لله شبيهاً ومثيلاً في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيث به نبياً كان هذا الند أو غيره واستمر على ذلك إلى الممات أي لم يتب منه قبل الممات، فإن مصيره إلى النار لأنه مشرك واتخاذ الند على نوعين:
الأول: أن يجعل لله شريكاً في أنواع العبادة أو بعضها فهذا شرك أكبر، صاحبه مخلد في النار.
الثاني: ما كان من الشرك الأصغر كقول الرجل: (ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت) ونحو ذلك مما فيه العطف بالواو على لفظ الجلالة. وكيسير الرياء، وهذا لا يوجب التخليد في النار وإن دخلها.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التخويف من الشرك ببيان عاقبة المشرك ومصيره.
стр. 43
ما يستفاد من الحديث:
١- التخويف من الشرك والحث على التوبة منه قبل الموت.
٢- أن كل من دعا مع الله نبياً أو ولياً -حياً أو ميتاً- أو حجراً أو شجراً فقد جعل نداً لله.
٣- أن الشرك لا يُغفر إلا بالتوبة.
стр. 44
ولمسلم عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" (١) .
ــ
جابر: هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي صحابي جليل مكثر ابن صحابي مات بالمدينة بعد السبعين وله أربع وتسعون سنة.
من لقي الله: من مات.
لا يشرك به: لم يتخذ معه شريكاً في الإلهية ولا في الربوبية.
شيئاً: أي شركاً قليلاً أو كثيراً.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول ﷺ يخبرنا أن من مات على التوحيد فدخوله الجنة مقطوع به، فإن كان صاحب كبيرة ومات مصراً عليها فهو تحت مشيئة الله، فإن عفا الله عنه دخلها أولاً، وإلا عُذب في النار ثم أخرج منها وأُدخل في الجنة.
وأن من مات على الشرك الأكبر لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة ويخلد في النار، وإن كان شركاً أصغر دخل النار -إن لم يكن معه حسنات راجحة- لكن لا يخلد فيها.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التغليظ في النهي عن الشرك مما يوجب شدة الخوف منه.
стр. 45
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب الخوف من الشرك، لأن النجاة من النار مشروطة بالسلامة من الشرك.
٢- أنه ليس العبرة بكثرة العمل، وإنما العبرة بالسلامة من الشرك.
٣- بيان معنى لا إله إلا الله وأنه ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة.
٤- قرب الجنة والنار من العبد وأنه ليس بينه وبينهما إلا الموت.
٥- فضيلة من سلم من الشرك.
* * *
стр. 46
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله
وقوله الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنِّف ﵀ لما ذكر في الأبواب السابقة التوحيدَ وفضله وما يوجب الخوف من ضده ذكر في هذا الباب أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه بل يجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة كما هو سبيل المرسَلين وأتباعهم.
الدعاء: أي دعوة الناس.
إلى شهادة أن لا إله إلا الله: أي إلى توحيد الله والإيمان به وبما جاءت به رسُلُه مما هو مدلول هذه الشهادة.
قل: الخطاب للرسول ﷺ .
هذه: أي الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها.
سبيلي: طريقتي ودعوتي.
أدعو إلى الله: إلى توحيد الله لا إلى حظ من حظوظ الدنيا ولا إلى رئاسة ولا إلى حزبية.
على بصيرة: على علم بذلك وبرهان عقلي وشرعي، والبصيرة
стр. 47
المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل.
ومن اتبعني: أي آمن بي وصدَّقني: يحتمل أنه عطف على الضمير المرفوع في (أدعو) فيكون المعنى: أنا أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرة: ويحتمل أن يكون عطفاً على الضمير المنفصل (أنا) فيكون المعنى: أنا وأتباعي على بصيرة. والتحقيق: أن العطف يتضمن المعنيين فأتباعه هم أهل البصيرة الداعون إلى الله.
وسبحان الله: وأنزه الله وأقدِّسه عن أن يكون له شريك، في ملكه أو معبودٌ بحق سواه.
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله رسولَه أن يخبر الناس عن طريقته وسنته أنها الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله على علم ويقين وبرهان، وكل من اتبعه يدعو إلى ما يدعو إليه على علم ويقين وبرهان، وأنه هو وأتباعُه ينزهون الله عن الشريك له في ملكه وعن الشريك له في عبادته ويتبرأ ممن أشرك به وإن كان أقرب قريب.
مناسبة الآية للباب: أن الله ذكر فيها طريقة الرسول وأتباعه هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله على علم بما يدعون إليه. ففيها وجوب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله الذي هو موضوع الباب.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله هي طريقة الرسول وأتباعه.
٢- أنه يجب على الداعية أن يكون عالماً بما يدعو إليه عالماً بما ينهى عنه.
٣- التنبيه على الإخلاص في الدعوة بأن لا يكون للداعية مقصد سوى
стр. 48
وجه الله لا يقصد بذلك تحصيل مال أو رئاسة أو مدح من الناس أو دعوة إلى حزب أو مذهب.
١- أن البصيرة فريضةٌ لأن اتباعه – ﷺ واجبٌ ولا يتحقق اتباعُه إلا بالبصيرة وهي العلم واليقين.
٢- حسن التوحيد لأنه تنزيه لله تعالى.
٣- قبحُ الشرك لأنه مسبةٌ لله تعالى.
٤- وجوب ابتعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم في شيء فلا يكفي أنه لا يشرك.
* * *
стр. 49
عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم. فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه (١) .
ــ
بعث معاذاً: وجَّهه وأرسله.
إلى اليمن: إلى الإقليم المعروف جنوب الجزيرة العربية داعياً إلى الله ووالياً وقاضياً وذلك في سنة عشرٍ من الهجرة.
أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب.
شهادة: يجوز فيها الرفع على أنه اسم يكن مؤخَّراً وأول خبرها مقدمٌ ويجوز العكس.
وفي رواية: أي في رواية أخرى في صحيح البخاري.
أطاعوك لذلك: أي شهدوا وانقادوا لدعوتك وكفروا بما يُعبد من
стр. 50
دون الله.
افترض عليهم: أوجب عليهم.
أطاعوك لذلك: آمنوا بفرضيَّتها وأقاموها.
إياك: كلمة تحذير.
وكرائم: منصوبٌ على التحذير جمع كريمة، وهي خيار المال ونفائسه.
اتق دعوة المظلوم: احذرها واجعل بينك وبينها وقاية بفعل العدل وترك الظلم.
فإنه: أي الحال والشأن.
ليس بينها وبين الله حجاب: أي لا تحجب عن الله بل ترفع إليه فيقبلها.
أخرجاه: أي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي – ﷺ لما وجه معاذ بن جبل ﵁ إلى إقليم اليمن داعياً إلى الله ومعلماً رسم له الخطة التي يسير عليها في دعوته، فبين له أنه سيواجه قوماً أهل علم وجدَل من اليهود والنصارى، ليكون على أهبةٍ لمناظرتهم ورد شبههم، ثم ليبدأ في دعوته بالأهم فالأهم فيدعو الناس إلى إصلاح العقيدة أولاً لأنها الأساس، فإذا انقادوا لذلك أمرهم بإقام الصلاة لأنها أعظم الواجبات بعد التوحيد، فإذا أقاموها أمر أغنياءهم بدفع زكاة أموالهم إلى فقرائهم مواساة لهم وشكراً لله، ثم حذّره من أخذ جيد المال لأن الواجب الوسط، ثم حثّه على العدل وترك الظلم لئلا يدعو عليه المظلوم ودعوتُه
стр. 51
مستجابة.
مناسبة الحديث للباب: أن أول ما يُدعى إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وفيه إرسال الدعاة لذلك.
ما يستفاد من الحديث:
١- مشروعية إرسال الدعاة إلى الله.
٢- أن شهادة أن لا إله إلا الله أول واجب وهي أول ما يدعى إليه الناس.
٣- أن معنى شهادة أن لا إله إلا الله توحيدُ الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه.
٤- أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين.
٥- أن الإنسان قد يكون قارئاً وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، أو يعرفه ولا يعمل به كحال أهل الكتاب.
٦- أن مخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب".
٧- التنبيه على أنه ينبغي للإنسان خصوصاً الداعية أن يكون على بصيرة من دينه، ليتخلص من شبهات المشبِّهين وذلك بطلب العلم.
٨- أن الصلاة أعظم الواجبات بعد الشهادتين.
٩- أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة.
١٠- بيان مصرفٍ من مصارف الزكاة وهم الفقراء وجواز الاقتصار عليه.
١١- أنه لا يجوز أخذ الزكاة من جيد المال إلا برضا صاحبه.
١٢- التحذير من الظلم، وأن دعوة المظلوم مستجابة ولو كان عاصياً.
стр. 52
ولهما عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه، يفتح الله على يديه"، فبات الناس يدُوكُون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلُّهم يرجو أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأُتي به فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية وقال: "انفُذ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعم" (١) .
يدوكون أي: يخوضون.
ــ
سهل بن سعد: هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي صحابي شهير مات سنة ٨٨هـ، وقد جاوز المائة.
ولهما: أي البخاري ومسلم في صحيحيهما.
يوم خيبر: أي يوم حصار خيبر سنة ٧هـ.
الراية: علم الجيش الذي يرجعون إليه عند الكر والفر.
يفتح الله على يديه: إخبارٌ على وجه البشارة بحصول الفتح.
стр. 53
ليلتَهم: منصوب على الظرفية.
أيُّهم: برفع (أي) على البناء لإضافتها وحذف صدرِ صلتها.
علي بن أبي طالب: هو ابن عم رسول الله – ﷺ وزوج ابنته فاطمة والخليفة الرابع من أسبق السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين قتل سنة ٤٠هـ.
يشتكي عينيه: أي تؤلمانه من الرمد.
فبَرَأ: بفتح الباء على وزن ضَرَبَ، ويجوز كسرها على وزن علِم، أي عوفي عافية كاملة.
أعطاه الراية: دفعها إليه.
انفُذْ: أي امض لوجهِك.
على رسْلِك: على رِفْقِك من غير عجَلة.
بساحتهم: بفناء أرضهم وما قرُب من حصونهم.
إلى الإسلام: وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله.
وأخبرهم ... إلخ: أي أنهم إن أجابوك إلى الإسلام الذي هو التوحيد، فأخبرهم بما يجب عليهم بعد ذلك من حق الله في الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك.
لأن يهدي الله: في تأويل مصدر مبتدأ خبرُه (خير) .
حمُر النَّعم: أي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي – ﷺ بشّر الصحابة بانتصار المسلمين على اليهود من الغد على يد رجل له فضيلةٌ عظيمة وموالاة لله ولرسوله فاستشرف الصحابة لذلك، كلٌّ يود أن يكون هو ذلك الرجل
стр. 54
من حرصهم على الخير، فلما ذهبوا على الموعد طلب النبي – ﷺ علياً وصادف أنه لم يحضر لِما أصابه من مرض عينيه، ثم حضر فتفل النبي – ﷺ فيهما من ريقه المبارك فزال ما يحس به من الألم زوالاً كاملاً وسلَّمه قيادة الجيش، وأمره بالمضي على وجهه برفق حتى يقرب من حصن العدو فيطلب منهم الدخول في الإسلام، فإن أجابوا أخبرهم بما يجب على المسلم من فرائض، ثم بين – ﷺ لعلي فضل الدعوة إلى الله وأن الداعية إذا حصل على يديه هداية رجل واحد فذلك خير له من أنفس الأموال الدنيوية، فكيف إذا حصل على يديه هداية أكثر من ذلك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه مشروعية الدعوة إلى الإسلام الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وبيان فضل الدعوة إلى ذلك.
ما يستفاد من الحديث:
١- فضيلةٌ ظاهرة لعلي بن أبي طالب –﵁، وشهادةٌ من الرسول – ﷺ له بموالاته لله ولرسوله وإيمانه ظاهراً وباطناً.
٢- إثبات أن الله يحب أولياءه محبة تليق بجلاله كسائر صفاته المقدسة الكريمة.
٣- حرص الصحابة على الخير وتسابقهم إلى الأعمال الصالحة ﵃.
٤- مشروعية الأدب عند القتال وترك الطيش والأصوات المزعجة التي لا حاجة إليها.
٥- أمر الإمام عماله بالرفق واللين من غير ضعف ولا انتقاص عزيمة.
٦- وجوب الدعوة إلى الإسلام لا سيما قبل قتال الكفار.
٧- أن من امتنع من قبول الدعوة من الكفار وجب قتاله.
стр. 55
٨- أن الدعوة تكون بالتدريج فيطلب من الكافر أولاً الدخول في الإسلام بالنطق بالشهادتين، ثم يُؤمر بفرائض الإسلام بعد ذلك.
٩- فضل الدعوة إلى الإسلام وما فيها من الخير للمدعو والداعي، فالمدعو قد يهتدي والداعي يُثاب ثواباً عظيماً، والله أعلم.
١٠- دليلٌ من أدلة نبوة الرسول – ﷺ وذلك ببشارته بالفتح قبل وقوعه وبراءة الألم بريقه.
١١- الإيمان بالقضاء والقدر، لحصول الراية لمن لم يسْع إليها ومنْعها ممن سعى إليها.
١٢- أنه لا يكفي التسمي بالإسلام بل لا بد من معرفة واجباته والقيام بها.
* * *
стр. 56
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما ذكر المصنف ﵀ في الأبواب السابقة التوحيد وفضائله والدعوة إليه والخوف من ضده الذي هو الشرك، بين ﵀ في هذا الباب معناه؛ لأن بعض الناس يخطئ في فهم معناه فيظن أن معناه الإقرار بتوحيد الربوبية فقط، وهذا ليس هو المراد بالتوحيد وإنما المراد به ما دلت عليه النصوص التي ساق المصنف ﵀ طرفاً منها في هذا الباب من أنه إفراد الله بالعبادة والخلوص من الشرك.
وعطَف شهادة أن لا إله إلا الله على التوحيد ليبين أن معناهما واحدٌ لا اختلاف فيه.
يدعون: أي يدعونهم من دون الله وهم الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم فالضمير الفاعل يدْعون راجعٌ إلى الكفار.
يبتغون: أي يطلبون والضمير الفاعل فيه راجعٌ إلى المدعوين من الملائكة ونحوهم.
стр. 57
الوسيلة: ما يتقرب به إلى الله، فمعنى توسل إلى الله عمل عملاً يقربه إليه.
ويرجون رحمته: أي لا يرجون أحداً سواه.
ويخافون عذابه: أي: لا يخافون أحداً سواه.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله يخبر أن هؤلاء الذين يدعوهم المشركون من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يبادرون إلى طلب القربة إلى الله فيرجون رحمته ويخافون عذابه، فإذا كانوا كذلك كانوا جملة من العبيد فكيف يُدعون مع الله تعالى، وهم مشغولون بأنفسهم يدعون الله ويتوسلون إليه بعبادته.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل على أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو ترك ما عليه المشركون من دعوة الصالحين والاستشفاع بهم إلى الله في كشف الضر أو تحويله؛ لأن ذلك هو الشرك الأكبر.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على الذين يدعون الأولياء والصالحين في كشف الضر أو جلب النفع بأن هؤلاء المدعوين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاًَ فكيف يملكون ذلك لغيرهم.
٢- بيان شدة خوف الأنبياء والصالحين من الله وبيان رجائهم لرحمته.
* * *
стр. 58
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] .
ــ
براءٌ مما تعبدون: أي بريءٌ من جميع معبوداتكم.
إلا الذي فطرني: أي خلقني وهو الله فهو معبودي وحده.
المعنى الإجمالي للآية: أنه يخبر سبحانه عن عبده ورسوله وخليله أنه تبرَّأ من كل ما يعبد أبوه وقومه، ولم يستثن إلا الذي خلقه وهو الله، فهو يعبده وحده لا شريك له.
مناسبة الآية للباب: أنها دلَّت على أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو البراءة من الشرك وإفراد الله بالعبادة. فإن لا إله إلا الله تشتمل على النفي الذي عبَّر عنه الخليل بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء﴾ ، والإثبات الذي عبَّر عنه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ .
ما يستفاد من الآية:
١- أن معنى لا إله إلا الله توحيدُ الله بإخلاص العبادة له والبراءة من عبادة كل ما سواه.
٢- إظهار البراءة من دين المشركين.
٣- مشروعية التبري من أعداء الله ولو كانوا أقرب الناس.
* * *
стр. 59
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] (١) .
ــ
اتخذوا: أي جعل اليهود النصارى.
أحبارهم: أي علماءهم.
ورهبانهم: أي عبّادهم.
أرباباً: أي مشرِّعين لهم يحلِّلون ويحرِّمون؛ لأن التشريع من خصائص الرب فمن أطاع مخلوقاً فيه فقد اتخذه رباً.
والمسيح ابن مريم: أي واتخذوا عيسى ﵇ رباً بعبادتهم له.
سبحانه عما يشركون: أي تنزه الله تعالى وتقدّس عن الشركاء والنُّظراء.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله سبحانه عن اليهود والنصارى
стр. 60
أنهم استنصحوا الرجال من العلماء والعباد فأطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله، فنزَّلوهم بذلك منزلة الرب الذي من خصائصه التحليل والتحريم، كما عبد النصارى عيسى وزعموا أنه ابنُ الله، فنبذوا كتاب الله الذي أمرهم فيه بطاعته وحده وعبادته وحده –وهذا إخبار منه سبحانه يتضمن إنكار ما فعلوه- ولذلك نزَّه نفسه عما يتضمنه هذا الفعل من الشرك به.
مناسبة الآية للباب: أنها دلت على أن من معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله إفرادَ الله بالطاعة في تحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وأن من اتخذ شخصاً من دون الله يحلل ما أحل ويحرم ما حرَّم فهو مشرك.
ما يستفاد من الآية:
١- أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله طاعةَ الله في التحليل والتحريم.
٢- أن من أطاع مخلوقاً في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه شريكاً لله.
٣- الرد على النصارى في اعتقادهم في المسيح ﵇ وبيانُ أنه عبدُ الله.
٤- تنزيه الله عن الشرك.
* * *
стр. 61
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
ــ
من الناس: فريقٌ من الناس.
من دون الله: أي غير الله.
أنداداً: أي أمثالاً ونظراء.
يحبونهم: المحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيراً والرغبة فيه.
كحب الله: أي يسوونهم به في المحبة المقتضية للذل للمحبوب والخضوع له.
ولو يرى: لو يعلم.
إذ يرون العذاب: وقت ما يعايِنونه.
أن القوة لله: لأن القدرة والغلبة له وحده.
المعنى الإجمالي للآية: ذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الآخرة حيث جعلوا لله أمثالاً ونظراءَ ساوُوهم به المحبة، ثم ذكر حال المؤمنين الموحديث أنهم يحبون الله حباً يفوق حب أصحاب الأنداد لأندادهم أو يفوق حب أصحاب الأنداد لله، لأن حب المؤمنين لله خالص، وحب أصحاب الأنداد لله مشترك، ثم توعّد هؤلاء المشركين به بأنهم لو علموا ما يعايِنون يوم القيامة وما يحل بهم من الأمر الفظيع والعذاب الشديد على شركهم وتفرُّد الله سبحانه بالقدرة والغلبة
стр. 62
دون أندادهم لانتهوا عما هم فيه من الضلال، لكنهم لم يتصوروا ذلك ويؤمنوا به.
مناسبة الآية للباب: أنها من النصوص المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. حيث دلّت على أن من اتخذ نِداً مع الله يحبه كمحبة الله فقد أشرك، فعُلم أن معنى التوحيد أن يُفرد الرب بهذه المحبة التي تستلزم إخلاص العبادة له وحده والذل والخضوع له وحده.
ما يستفاد من الآية:
١- أن من معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله إفرادُ الله تعالى بالمحبة المقتضية للذل والخضوع.
٢- أن المشركين يحبون الله حباً عظيماً ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، لأنهم أشركوا معه غيره فيها.
٣- أن الشرك ظلم.
٤- الوعيد للمشركين يوم القيامة.
* * *
стр. 63
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكَفَر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابُه على الله " (١) وشرحُ هذه الترجمة ما بعدَها من الأبواب.
ــ
في الصحيح: أي صحيح مسلم.
حرم ماله ودمه: أي مُنع أخذ ماله وقتله بناء على ما ظهر منه.
وحسابه على الله: أي الله تعالى هو الذي يتولى حسابَ من تلفَّظ بهذه الكلمة، فيجازيه على حسب نيته واعتقاده.
الترجمة: ترجمة الكتاب والباب فاتحتُه. والمراد بها هنا قولُه: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
المعنى الإجمالي للحديث: يبين ﷺ في هذا الحديث أنه لا يحرُم قتلُ الإنسان وأخذُ ماله إلا بمجموع أمرين:
الأول: قول لا إله إلا الله.
الثاني: الكفر بما يُعبد من دون الله. فإذا وُجد هذان الأمران وجب الكفُّ عنه ظاهراً وتفويضُ باطنه إلى الله، فإن كان صادقاً في قلبه جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقاً عذّبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر.
مناسبة الحديث للباب: أنه من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله:
стр. 64
وأنه الكفر بما يُعبد من دون الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن معنى: لا إله إلا الله هو الكفر بما يعبد من دون الله من الأصنام والقبور وغيرها.
٢- أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع عدم الكفر بما يُعبد من دون الله لا يحرِّم الدم والمال ولو عرَف معناها وعمل به. ما لم يضف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
٣- أن من أتى بالتوحيد والتزم شرائعه ظاهراً وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك.
٤- وجوب الكف عن الكافر إذا دخل شرائعه ظاهرا وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك.
٥- أن الإنسان قد يقول: لا إله إلا الله ولا يكفر بما يُعبد من دونه.
٦- أن الحكم في الدنيا على الظاهر، وأما في الآخرة فعلى النيات والمقاصد.
٧- حرمة مال المسلم ودمه إلا بحق.
ومعنى قول المصنف: "وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب": أن ما يأتي بعد هذا الباب من الأبواب في ما يبين التوحيد ويوضح معنى "لا إله إلا الله" وبيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع مما يجب تركه من مضمون لا إله إلا الله.
* * *
стр. 65
باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] .
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه يتضمن ذكر شيء مما يضاد التوحيد، وهو التماس رفع الضر أو دفعه من غير الله للتحذير منه، فإن التوحيد يُعرف بضده.
من الشرك: من تبعيضية: أي من الشرك الأكبر إن اعتقد أن هذه الأشياء تنفع أو تضر بذاتها، أو من الشرك الأصغر إن اعتقد أنها سببٌ للنفع والضر.
الحلقة: كل شيء مستدير.
ونحوهما: من كل ما يُلبس أو يُعلَّق لهذا الغرض.
رفع البلاء: إزالته بعد نزوله.
ودفعه: منعه قبل نزوله.
أفرأيتم: أخبروني.
ما تدعون: تسألونه جلب الخير ودفع الضر.
من دون الله: غيره من الأنداد والآلهة.
стр. 66
بضر: بمرضٍ أو فقرٍ أو بلاءٍ أو شدة.
هل هن كاشفات ضُره: أي لا تقدر على ذلك.
برحمة: أي: بصحة وعافية وخير وكشف بلاء.
حسبي الله: أي الله كافيني وكافي من توكل عليه.
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله نبيه محمداً – ﷺ أن يسأل المشركين سؤالَ إنكار عن أصنامهم التي يعبدونها مع الله هل تقدرُ على النفع والضر؟ فلا بد أن يعترفوا بعجزِها عن ذلك، فإذا كان كذلك بطلت عبادتُها من دون الله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها دليلاً على بطلان الشرك. ولبس الحلقة والخيط من ذلك، لا يكشف الضر ولا يمنع منه.
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الشرك لأن كل ما يعبد من دون الله، لا يملك ضراً ولا نفعاً لعابده.
٢- التحذير من لبس الحلقة والخيط وغيرها لجلب النفع أو دفع الضر، لأنه شرك من جنس ما يراد من الأصنام.
٣- مشروعية مناظرة المشركين لإبطال الشرك.
٤- وجوب الاعتماد على الله وحده وتفويض الأمور كلها إليه.
* * *
стр. 67
عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صُفْر، فقال: "ما هذه؟ " قال: مِن الواهِنة. فقال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهْناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً" (١) رواه أحمد بسند لا بأس به.
ــ
عمران: هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، صحابيٌ ابن صحابي، أسلم عام خيبر ومات سنة ٥٢هـ بالبصرة.
ما هذه؟ استفهام إنكار.
الواهنة: نوعٌ من المرض يصيب اليد.
انزعها: اطرحها والنزعُ هو الجذب بقوة.
وهناً: ضعفاً.
ما أفلحت: الفلاح هو الفوز والظفر والسعادة.
المعنى الإجمالي للحديث: يذكر لنا عمران بن حصين ﵄ موقفاً من مواقف رسول الله ﷺ في محاربة الشرك وتخليص الناس منه، ذلك الموقفُ: أنه أبصر رجلاً لابساً حلقة مصنوعة من الصفر، فسأله عن الحامل له على لبسها؟ فأجاب الرجل أنه لبسها لتعصِمه من الألم، فأمر بالمبادرة بطرحها، وأخبره أنها لا تنفعه بل تضره، وأنها
стр. 68
تزيد الداء الذي لبست من أجله، وأعظم من ذلك لو استمرت عليه إلى الوفاة حُرم الفلاح في الآخرة أيضاً.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على المنع من لبس الحلقة لدفع البلاء؛ لأن ذلك من الشرك المنافي للفلاح.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن لبس الحلقة وغيرها للاعتصام بها من الأمراض من الشرك.
٢- النهي عن التداوي بالحرام.
٣- إنكار المنكر وتعليم الجاهل.
٤- ضرر الشرك في الدنيا والآخرة.
٥- استفصال المفتي واعتبار المقاصد.
٦- أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر.
٧- أن الشرك لا يُعذر فيه بالجهل.
٨- التغليظ في الإنكار على من فعل شيئاً من الشرك؛ لأجل التنفير منه.
* * *
стр. 69
وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: "من تعلَّقَ تميمةً فلا أتمَّ الله له. ومن تعلق وَدْعَة فلا وَدَعَ الله له" (١) وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٢) .
ــ
عقبة بن عامر: هو عقبة بن عامر الجهني صحابي مشهور، وكان فقيهاً فاضلاً وَلِيَ إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريباً من الستين.
وله: أي وروى الإمام أحمد.
تعلَّق تميمة: أي علَّقها عليه أو على غيره معتقداً بها. والتميمة خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتَّقون بها العين.
فلا أتم الله له: دعاءٌ عليه بأن لا يتم الله أموره.
ودعة: الودعة شيءٌ يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين.
فلا ودَع الله له: أي لا جعله في دعة وسكون. أو لا خفَّف الله عنه ما يخافه.
وفي رواية: أي وروى الإمام أحمد من حديث آخر.
المعنى الإجمالي للحديثين: أن النبي ﷺ يدعو على من استعمل التمائم يعتقد فيها دفع الضرر بأن يعكس الله قصده ولا يتم له أموره، كما
стр. 70
أنه – ﷺ يدعو على من استعمل الودع لنفس القصد السابق أن لا يتركه الله في راحة واطمئنان، بل يحرك عليه كل مؤذٍ –وهذا الدعاء يقصد منه التحذير من الفعل- كما أنه يخبر – ﷺ في الحديث الثاني أن هذا العمل شرك بالله.
مناسبة الحديثين للباب: أن فيهما دلالة على تحريم تعليق التمائم والودَع واعتباره شركاً؛ لما يقوم بقلب المعلِّق لها من الاعتماد على غير الله.
ما يستفاد من الحديثين:
١- تعليق التمائم والودع من الشرك.
٢- أن من اعتمد على غير الله عامله الله بنقيض قصدِه.
٣- الدعاء على من علَّق التمائم والودَع بما يفوت عليه مقصوده ويعكس عليه مراده.
* * *
стр. 71
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: "أنه رأى رجلاً في يده خيطٌ من الحمَّى فقطعَه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
ــ
ولابن أبي حاتم: أي وروى ابن أبي حاتم – صاحب كتاب الجرح والتعديل.
عن حذيفة: هو ابن اليمان العبسي حليف الأنصار صحابي جليل من السابقين الأولين، مات سنة ٣٦هـ ﵁.
من الحُمَّى: أي للوقاية من الحمى فلا تصيبه بزعمه.
وتلا: أي قرأ الآية مستدلاً بها على إنكار ما رأى.
معنى الأثر إجمالاً: أن حذيفة بن اليمان ﵁ أبصر رجلاً قد ربط في عضده خيطاً يتقي به مرض الحمى فأزاله عنه منكِراً فعله هذا، واستدل بالآية التي أخبر الله فيها أن المشركين يجمعون بين الإقرار بتوحيد الربوبية والشرك في العبادة.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه اعتبار لبس الخيط –لدفع المرض- شركاً يجب إنكاره.
ما يستفاد من الأثر:
١- إنكار لبس الخيط لرفع البلاء أو دفعه، وأنه شرك.
٢- وجوب إزالة المنكر لمن يقدر على إزالته.
٣- صحة الاستدلال بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر لشموله له.
٤- أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ومع هذا هم مشركون، لأنهم لم يخلصوا في العبادة.
стр. 72
باب ما جاء في الرقي والتمائم
في الصحيح عن أبي بَشِير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً: "أن لا يَبْقَيَنَّ في رقبةِ بعيرٍ قِلادةٌ من وَتَر أو قلادةٌ إلا قُطِعَتْ" (١) .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه استمرارٌ في ذكر الأشياء التي تخل بعقيدة التوحيد من الرقى والتمائم الشركية.
ما جاء في الرقى والتمائم: أي: من النهي عما لا يجوز منها.
في الصحيح: أي في الصحيحين.
عن أبي بشير: هو صحابيٌّ شهد غزوة الخندق، ومات بعد الستين.
قلادةٌ: ما يعلَّق في رقبة البعير وغيره.
وترٍ: واحد أوتار القوس.
أو قلادةٌ: شكٌّ من الراوي هل القلادة بقيدة بكونها من وتر أو مطلقة من الوتر وغيره.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي ﷺ بعث في بعض أسفاره
стр. 73
من ينادي في الناس بإزالة القلائد التي في رقاب الإبل التي يُراد بها دفع العين ودفع الآفات، لأن ذلك من الشرك الذي تجب إزالته.
مناسبة الحديث للباب: من حيثُ إنه يدل على أن تقليد الإبل ونحوِها الأوتارَ وما في معناها لدفع الآفات حرامٌ وشرك، لأنه من تعليق التمائم المحرمة.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن تعليق الأوتار – لدفع الآفات- في حكم التمائم في التحريم.
٢- إزالة المنكر.
٣- تبليغ الناس ما يصون عقيدتهم.
* * *
стр. 74
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلة شرك" رواه أحمد وأبو داود (١) .
ــ
سيأتي شرح المفردات في كلام المصنف ﵀.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول ﷺ يخبر أن استعمال هذه الأشياء لقصد دفع المضار وجلب المصالح من عند غير الله شركٌ بالله لأنه لا يملك دفع الضر وجلب الخير إلا الله سبحانه، وهذا الخبر معناه النهيُ عن هذا الفعل.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيانَ أن استعمال هذه الأشياء المذكورة شركٌ يخل بالتوحيد.
ما يستفاد من الحديث:
١- الحث على صيانة العقيدة عما يخل بها وإن كان يتعاطاه كثيرٌ من الناس.
٢- تحريم استعمال هذه الأشياء المذكورة فيه.
٣- أن هذه الثلاث المذكورة شركٌ من غير استثناء.
* * *
стр. 75
التمائم: شيء يُعلَّق على الأولاد من العين. لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فرخَّص فيه بعضُ السلف وبعضهم لم يرخِّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
والرُّقى (١) : هي التي تسمى العزائم. وخَصَّ منه الدليلُ ما خلا من الشرك. فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة (٢) . والتِّوَلة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يُحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجلَ إلى امرأته.
ــ
يعلق على الأولاد: أي بأعناق الصبيان.
من العين؛ أي لدفع الإصابة بالعين.
العزائم: جمع عزيمة، قيل هي آياتٌ من القرآن تقرأُ على ذوي العاهات أو تقرأُ في ماءٍ ويُسقاه المريض. أو تكتب في صحن ونحوه وتمحى الكتابة بماء ونحوه ويسقاه المريض.
وخص منه: أي أخرج من عمومه.
الدليل: وهو قوله ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حُمَة" كما سبق في باب: "من حقق التوحيد".
ما خلا من الشرك: أي الاستعانة بغير الله بأن كانت بأسماء الله وصفاته وآياته والمأثورُ عن النبي ﷺ .