ولابن أبي حاتم عن حذيفة: "أنه رأى رجلاً في يده خيطٌ من الحمَّى فقطعَه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
ــ
ولابن أبي حاتم: أي وروى ابن أبي حاتم – صاحب كتاب الجرح والتعديل.
عن حذيفة: هو ابن اليمان العبسي حليف الأنصار صحابي جليل من السابقين الأولين، مات سنة ٣٦هـ ﵁.
من الحُمَّى: أي للوقاية من الحمى فلا تصيبه بزعمه.
وتلا: أي قرأ الآية مستدلاً بها على إنكار ما رأى.
معنى الأثر إجمالاً: أن حذيفة بن اليمان ﵁ أبصر رجلاً قد ربط في عضده خيطاً يتقي به مرض الحمى فأزاله عنه منكِراً فعله هذا، واستدل بالآية التي أخبر الله فيها أن المشركين يجمعون بين الإقرار بتوحيد الربوبية والشرك في العبادة.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه اعتبار لبس الخيط –لدفع المرض- شركاً يجب إنكاره.
ما يستفاد من الأثر:
١- إنكار لبس الخيط لرفع البلاء أو دفعه، وأنه شرك.
٢- وجوب إزالة المنكر لمن يقدر على إزالته.
٣- صحة الاستدلال بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر لشموله له.
٤- أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ومع هذا هم مشركون، لأنهم لم يخلصوا في العبادة.
стр. 72
باب ما جاء في الرقي والتمائم
في الصحيح عن أبي بَشِير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً: "أن لا يَبْقَيَنَّ في رقبةِ بعيرٍ قِلادةٌ من وَتَر أو قلادةٌ إلا قُطِعَتْ" (١) .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه استمرارٌ في ذكر الأشياء التي تخل بعقيدة التوحيد من الرقى والتمائم الشركية.
ما جاء في الرقى والتمائم: أي: من النهي عما لا يجوز منها.
في الصحيح: أي في الصحيحين.
عن أبي بشير: هو صحابيٌّ شهد غزوة الخندق، ومات بعد الستين.
قلادةٌ: ما يعلَّق في رقبة البعير وغيره.
وترٍ: واحد أوتار القوس.
أو قلادةٌ: شكٌّ من الراوي هل القلادة بقيدة بكونها من وتر أو مطلقة من الوتر وغيره.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي ﷺ بعث في بعض أسفاره
стр. 73
من ينادي في الناس بإزالة القلائد التي في رقاب الإبل التي يُراد بها دفع العين ودفع الآفات، لأن ذلك من الشرك الذي تجب إزالته.
مناسبة الحديث للباب: من حيثُ إنه يدل على أن تقليد الإبل ونحوِها الأوتارَ وما في معناها لدفع الآفات حرامٌ وشرك، لأنه من تعليق التمائم المحرمة.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن تعليق الأوتار – لدفع الآفات- في حكم التمائم في التحريم.
٢- إزالة المنكر.
٣- تبليغ الناس ما يصون عقيدتهم.
* * *
стр. 74
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلة شرك" رواه أحمد وأبو داود (١) .
ــ
سيأتي شرح المفردات في كلام المصنف ﵀.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول ﷺ يخبر أن استعمال هذه الأشياء لقصد دفع المضار وجلب المصالح من عند غير الله شركٌ بالله لأنه لا يملك دفع الضر وجلب الخير إلا الله سبحانه، وهذا الخبر معناه النهيُ عن هذا الفعل.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيانَ أن استعمال هذه الأشياء المذكورة شركٌ يخل بالتوحيد.
ما يستفاد من الحديث:
١- الحث على صيانة العقيدة عما يخل بها وإن كان يتعاطاه كثيرٌ من الناس.
٢- تحريم استعمال هذه الأشياء المذكورة فيه.
٣- أن هذه الثلاث المذكورة شركٌ من غير استثناء.
* * *
стр. 75
التمائم: شيء يُعلَّق على الأولاد من العين. لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فرخَّص فيه بعضُ السلف وبعضهم لم يرخِّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
والرُّقى (١) : هي التي تسمى العزائم. وخَصَّ منه الدليلُ ما خلا من الشرك. فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة (٢) . والتِّوَلة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يُحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجلَ إلى امرأته.
ــ
يعلق على الأولاد: أي بأعناق الصبيان.
من العين؛ أي لدفع الإصابة بالعين.
العزائم: جمع عزيمة، قيل هي آياتٌ من القرآن تقرأُ على ذوي العاهات أو تقرأُ في ماءٍ ويُسقاه المريض. أو تكتب في صحن ونحوه وتمحى الكتابة بماء ونحوه ويسقاه المريض.
وخص منه: أي أخرج من عمومه.
الدليل: وهو قوله ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حُمَة" كما سبق في باب: "من حقق التوحيد".
ما خلا من الشرك: أي الاستعانة بغير الله بأن كانت بأسماء الله وصفاته وآياته والمأثورُ عن النبي ﷺ .
стр. 76
وحاصل ما ذكره المصنف ﵀ في حكم هذه الأشياء المذكورة ما يلي:
١- أن الرقية تنقسم إلى قسمين: قسم مشروع وقسم ممنوع: فالمشروع ما خلا من الشرك، والممنوع ما كان فيه شرك.
٢- أن التمائم تنقسم إلى قسمين:
قسم ممنوع بالإجماع: وهو ما كان يشتمل على شرك، وقسم مختلف فيه وهو ما كان من القرآن. قيل: إنه جائز، وقيل: إنه ممنوع، والصحيح أنه ممنوع سداً للذريعة وصيانة للقرآن.
٣- التولة ممنوعة من غير خلافٍ، لأنها نوع من السحر.
* * *
стр. 77
وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعاً: "من تعلق شيئاً وُكِل إليه". رواه أحمد والترمذي (١) .
ــ
عبد الله بن عُكيم: ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي أدرك زمن النبي ﷺ ولا يُعرف أنه سمع منه.
مرفوعاً: أي إلى النبي ﷺ .
من تعلق شيئاً: أي التفت قلبُه إلى شيءٍ يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه.
وُكِل إليه: أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلَّقَه من دونه وخذله.
المعنى الإجمالي للحديث: هذا حديثٌ وجيز اللفظ عظيم الفائدة يخبر فيه النبي ﷺ أن من التفت بقلبه أو فعله أو بهما جميعاً إلى شيء يرجو منه النفع أو دفع الضر وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلَّقه، فمن تعلَّق بالله كفاه ويسَّر له كل عسير، ومن تعلق بغيره وكله الله إلى ذلك الغير وخذله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتحذير من التعلُّق على غير الله في جلب المنافع ودفع المضار.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن التعلق بغير الله.
стр. 78
٢- وجوب التعلق بالله في جميع الأمور.
٣- بيان مضرة الشرك وسوء عاقبته.
٤- أن الجزاء من جنس العمل.
٥- أن نتيجة العمل ترجع إلى العامل خيراً أو شراً.
* * *
стр. 79
وروى الإمام أحمد عن رُويفِع ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلَّد وتراً أو استنجى برجيعِ دابةٍ أو عظمٍ فإن محمداً بريء منه" (١) .
ــ
رُوَيفِع: هو: رويفع بن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث من بني مالك بن النجار الأنصاري وَلِيَ برقة وطرابلس فافتتح إفريقية سنة ٤٧ وتوفي ببرقة سنة ٥٦هـ.
عقد لحيته: قيل: معناه ما يفعلونه في الحروب من فتلِها وعقدها تكبُّراً. وقيل: معناه معالجة الشعر؛ ليتعقَّد ويتجعَّد على وجه التأنُّث والتنعم. وقيل: المراد عقدُها في الصلاة أو كفها.
تقلد وتراً: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته من أجل الوقاية من العين.
استنجى: أي أزال النجوَ -وهو العذرة- عن المخرج.
برجيع دابة: الرجيع: الروث. سُمِّي رجيعاً لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان علَفاً.
بريءٌ منه: هذا وعيد شديد في حق من فعل ذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر ﷺ أن هذا الصحابي سيطول عمرُه حتى يدرك أناساً يخالفون هديه ﷺ في اللحى الذي هو توفيرُها
стр. 80
وإكرامُها إلى العبث بها على وجهٍ يتشبهون فيه بالأعاجم أو بأهل الترف والميوعة. أو يُخلُّون بعقيدة التوحيد باستعمال الوسائل الشركية فيلبسون القلائد أو يُلبسونها دوابَّهم يستدفعون بها المحذور. أو يرتكبون ما نهى عنه نبيهم من الاستجمار بروث الدواب والعظام. فأوصى النبي – ﷺ صاحبه أن يبلغ الأمة أن نبيها يتبرأ ممن يفعل شيئاً من ذلك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن تقليد الأوتار لدفع المحذورات وأنه شرك؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- عَلَم من أعلام النبوة، فإن رويفعاً طالت حياته إلى سنة ٥٦هـ.
٢- وجوب إخبار الناس بما أُمِروا به ونُهوا عنه مما يجب فعله أو تركه.
٣- مشروعية إكرام اللحية وإعفائها وتحريم العبث بها بحلق أو قص أو عقد أو تجعيد أو غير ذلك.
٤- تحريم اتخاذ القلادة لدفع المحذور، وأنه شرك.
٥- تحريم الاستنجاء بالروث والعظم.
٦- أن هذه الجرائم المذكورة من الكبائر.
* * *
стр. 81
وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعِدل رقبة". رواه وكيع. وله عن إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن.
ــ
وكيع: هو: وكيع بن الجراح ثقة إمامٌ صاحب تصانيفَ مات سنة ١٩٧هـ.
إبراهيم: هو الإمام إبراهيم النخعي ثقة من كبار الفقهاء مات سنة ٩٦هـ.
كعدل رقبة: أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة.
وله: أي وروى وكيع أيضا.
وكانوا: أي أصحاب عبد الله بن مسعود وهم منا سادات التابعين.
معنى الأثرين إجمالاً: الإخبار أن من أزال عن إنسان ما يعلِّقه على نفسه لدفع الآفات فله من الثواب مثل ثواب من أعتق رقبة من الرق؛ لأن هذا الإنسان صار بتعليق التمائم مستعبداً للشيطان فإذا قطعها عنه أزال عنه رِقَّ الشيطان. ويحكي إبراهيم النخعي عن بعض سادات التابعين أنهم يعمِّمون المنع من تعليق التمائم ولو كانت مكتوباً فيها قرآنٌ فقط سداً للذريعة.
مناسبة الأثرين للباب ظاهرة: فإن فيهما حكاية المنع من تعليق التمائم مطلقاً عن هؤلاء الأجلاء من سادات التابعين.
ما يستفاد من الأثرين:
стр. 82
١- فضل قطع التمائم؛ لأن ذلك من إزالة المنكر وتخليص الناس من الشرك.
٢- تحريم تعليق التمائم مطلقاً ولو كانت من القرآن عند جماعة من التابعين.
٣- حرص السلف على صيانة العقيدة عن الخرافات.
* * *
стр. 83
باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩-٢٣] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه استمرارٌ في ذكر الشركيات المنافية للتوحيد، أو كماله.
تبرك: التبرك: طلب البركة ورجاؤها واعتقادُها.
ونحوهما: ما أشبههما من بقعة أو مغارة أو قبر أو مشهد أو أثر.
أفرأيتم: أخبِروني عن هذه الأصنام هل نفعت أو ضرَّت.
اللات: قُرِئَ بتخفيف التاء وقُرِئَ بتشديدها فعلى القراءة الأولى هي: اسم صخرةٍ بيضاء منقوشة عليها بيتٌ بالطائف وعلى القراءة الثانية: هي اسم فاعلٍ من لتَّ. لرجل كان يلِتُّ السويق للحاج (١) فمات فعكفوا على قبره.
العُزَّى: شجرةُ سمرٍ قد بني حولها وجعل لها أستارٌ بين مكة
стр. 84
والطائف.
مناة: صنمٌ بالمشلل بين مكة والمدينة.
الثالثة الأخرى: ذمٌّ لها بالتأخر. أي المتأخرة الوضيعة المقدار.
ألكم الذكر: تجعلون لكم ما تحبُّون وهو الذكر.
وله الأنثى: تجعلون له الإناث حيثُ تقولون: الملائكة بنات الله.
ضِيزى: جورٌ وباطل.
أسماء: مجرّد تسمية.
سمَّيتموها: من تلقاء أنفسكم.
من سلطان: أي من حجة وبرهان على ألوهيتها.
إن يتبعون: ما يتبعون أي: ليس لهم مستند.
إلا الظن: أي حسن ظنِّهم بآبائهم.
وما تهوى الأنفس: حظوظ أنفسِهم في الرئاسة.
الهدى: إرسالُ الرسل بالحجة الواضحة والحق المنير.
المعنى الإجماليّ للآيات: يحاجُّ تعالى المشركين في عبادتهم ما لا يعقِل من هذه الأوثان الثلاثة ماذا أجدتهم، ويوبخهم على جَورهم في القسمة حيث نزَّهوا أنفسهم عن الإناث وجعلوها لله. ثم يطالبهم بالبرهان على صحة عبادة هذه الأصنام ويبين أن الظن ورغبة النفوس لا يكونان حجةً على هذا المطلب. وإنما الحجة في ذلك ما جاءت به الرسلُ من البراهين الواضحة والحججِ القاطعة على وجوب عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام.
مناسبة الآيات للباب: أن فيها تحريم التبرك بالأشجار والأحجار واعتباره شركاً، فإن عُبَّاد هذه الأصنام المذكورة إنما كانوا يعتقدون
стр. 85
حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها. فالتبرك بالقبور كالتبرك باللات. وبالأشجار والأحجار كالتبرك بالعزى ومناة.
ما يستفاد من الآيات:
١- أن التبرك بالأشجار والأحجار شرك.
٢- مشروعية مجادلة المشركين لإبطال الشرك وتقرير التوحيد.
٣- أن الحكم لا يثبُت إلا بدليل مما أنزل الله لا مجرد الظن وهوى النفس.
٤- أن الله قد أقام الحجة بما أرسل من الرسل وأنزل من الكتب.
* * *
стр. 86
عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَين ونحن حُدَثاء عهد بكفر وللمشركين سِدْرة يعكُفون عندها ويَنُوطُون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسِدْرة فقلنا يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر -إنها السُّنَن- قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبُن سَنَنَ من كان قبلكم" (١) رواه الترمذي وصححه.
ــ
أبو واقد الليثيّ: هو الحارث بن عوفٍ صحابيٌّ مشهور مات سنة ٦٨هـ وله ٨٥ سنة.
حُنَيْن: وادٍ يقع شرقي مكة بينه وبينها بضعةُ عشر ميلاً، قاتل فيه رسول الله ﷺ قبيلة هوازِن.
حُدَثاءُ عهدٍ بكُفْرٍ: قريبٌ عهدنا بالكفر.
يعكِفون: يقيمون عندها ويعظِّمونها ويتبركون بها.
ينوطون أسلحتهم: يعلِّقونها عليها للبركة.
أنواط: جمع نَوْطٍ: وهو مصدرٌ سُمِّي به المنوطُ، سمِّيت بذلك لكثرة ما يناط بها من السلاح لأجل التبرك.
стр. 87
اجعل لنا ذات أنواط: سألوه أن يجعل لهم مثلها.
الله أكبر: أجلُّ وأعظم صيغة تعجب.
السُّنن: بضمِّ السين: الطرق أي سلكتم كما سلك من قبلكم الطرق المذمومة.
إسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.
سُنن من كان قبلكم: بضم السين طرُقهم ويجوز فتح السين بمعنى طريقِهم.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر أبو واقد عن واقعةٍ فيها عجبٌ وموعظة وهي أنهم غزوا مع رسول الله ﷺ قبيلة هوازن وكان دخولهم في الإسلام قريباً فخفي عليهم أمر الشرك. فلما رأوا ما يصنع المشركون من التبرك بالشجرة طلبوا من الرسول ﷺ أن يجعل لهم شجرة مثلَها. فكبَّر النبي ﷺ استنكاراً وتعظيماً لله وتعجُّباً من هذه المقالة. وأخبر أن هذه المقالة تشبه مقالة قوم موسى له لما رأوا من يعبد الأصنام: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وأن هذا جريانٌ على طريقتهم. ثم أخبر ﷺ أن هذه الأمة ستتبع طريقة اليهود والنصارى وتسلك مناهجَهم وتفعل أفعالهم وهو خبرٌ معناه الذم والتحذير من هذا الفعل.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على أن التبرك بالأشجار وغيرها شركٌ وتأليه مع الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن التبرك بالأشجار شركٌ ومثلها الأحجار وغيرها.
٢- أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده لا يُؤمن أن يكون في قلبِه بقيةٌ من
стр. 88
تلك العادة.
١- أن سبب عبادة الأصنام هو تعظيمُها والعكوفُ عندها والتبرك بها.
٢- أن الإنسان قد يستحسن شيئاً يظنه يقربه إلى الله وهو يبعده عنه.
٣- أنه ينبغي للمسلم أن يسبح ويكبر إذا سمع ما لا ينبغي أن يقال في الدين وعند التعجب.
٤- الإخبار عن وقوع الشرك في هذه الأمة وقد وقع.
٥- عَلَم من أعلام نبوته ﷺ حيثُ وقع الشرك في هذه الأمة كما أخبر ﷺ .
٦- النهيُ عن التشبه بأهل الجاهلية واليهود والنصارى، إلا ما دلّ الدليل على أنه من ديننا.
٧- أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، لأن النبي ﷺ جعل طلبتهم كطلبة بني إسرائيل ولم يلتفت إلى كونهم سمُّوها ذات أنواط.
* * *
стр. 89
باب ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بياناً لنوع من أنواع الشرك المضاد للتوحيد.
ما جاء في الذبح لغير الله: أي من الوعيد وفي بيان حكمه.
نُسُكي: ذبحي.
محياي: ما آتيه في حياتي.
مماتي: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.
وبذلك أُمرت: أي أمرني ربي بالإخلاص في العبادة.
أول المسلمين: أي أول من يمتثل من هذه الأمة.
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله نبيه أن يقول للمشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغيره: إني أخلص لله صلاتي وذبحي وما أحيا وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، أصرف كل ذلك له وحدَه لا أشرك به أحداً عكْس ما أنتم عليه من الشرك به.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل على أن الذبح لغير الله شرك.
стр. 90
ما يستفاد من الآية:
١- أن الذبح لغير الله شركٌ أكبر لأنه قرَنه بالصلاة، فكما أن من صلى لغير الله فقد أشرك فكذلك من ذبح لغيره فقد أشرك.
٢- أن الصلاة والذبح من أعظم العبادات.
٣- وجوب الإخلاص لله في جميع العبادات.
٤- أن العبادات توقيفية –أي متوقفة على أمر الشارع- لقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ .
* * *
стр. 91
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
ــ
فصلِّ لربك: أي لا لغيره.
وانحر: أي اذبح.
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله نبيه – ﷺ أن يخلص له في صلاته وذبيحته مخالفاً للمشركين الذين يعبدون غيرَ الله وينحرون للأوثان.
مناسبة الآية للباب: أن الذبح عبادة يجب إخلاصها لله، وصرفها لغيره شرك أكبر.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الذبح لغير الله شرك أكبر؛ لأنه عبادة، وصرف العبادة لغير الله شركٌ أكبر.
٢- أن الصلاة والذبحَ من أعظم العبادات.
٣- أن الصلاة والذبح لله من أعظم مظاهر شكر النعم، فإنه أتى بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك سببٌ للقيام بشكر ما أعطاه من الكوثر.
* * *
стр. 92
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى مُحْدِثاً، ولعن الله من غير منار الأرض" (١) رواه مسلم.
ــ
لعنَ الله: اللعنة من الله: الطرد والإبعاد، ومن المخلوقين السبُّ والدعاء.
ذبح لغير الله: من الأصنام أو الأولياء والصالحين أو الجن أو غير ذلك.
لعن والديه: المراد بهما أبوه وأمه وإن علوا، سواءٌ باشر لعنهما أو تسبب فيه بأن يلعن والدَي شخصٍ فيرد عليه بالمثل.
آوى: أي ضمَّ وحمى.
محدِثاً: بكسر الدال الجاني، وبفتحها هو الأمر المبتدع في الدين، وإيواؤه الرضا به.
غيّر منار الأرض: منارُ الأرض هي المراسيم التي تفرِّق بين ملكك وملك جارك، وتغييرها يكون بتقديمها أو تأخيرها.
المعنى الإجمالي للحديث: يحذِّر ﷺ أمته من أربع جرائم، فيخبر أن الله تعالى يطرد من رحمته من ارتكب واحدةً منها:
الأولى: التقرب بالذبح إلى غير الله، لأنه صرفٌ للعبادة إلى غير
стр. 93
مستحقِّها.
الثانية: من دعا على والديه باللعنة أو سبَّهما أو تسبب في ذلك بأن يصدرَ منه ذلك في حق أبوي شخص فيردُّ عليه ذلك الشخص بالمثل.
الثالثة: من حمى جانياً مستحقاً للحد الشرعي فمنعه من أن يقام عليه الحد، أو رضي ببدعة في الدين وأقرّها.
الرابعة: من تصرّف في مراسيم الأرض التي تفرز الحقوق فقدّمها أو أخرها عن مكانها، فينشأ عن ذلك اقتطاع شيءٍ من أرض غيره ظلماً.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على غلظ تحريم الذبح لغير الله حيث إن فاعله أو من يستحق لعنة الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الذبح لغير الله محرمٌ شديد التحريم وشركٌ في مقدمة الكبائر.
٢- أن الذبح عبادةٌ يجب صرفها لله وحده.
٣- تحريم لعن الوالدين وسبِّهما مباشرة أو تسبباً.
٤- تحريم مناصرة المجرمين وحمايتهم من تطبيق الحد الشرعي عليهم وتحريم الرضا بالبدع.
٥- تحريم التصرف في حدود الأرض بتقديم أو تأخير.
٦- جواز لعن أنواع الفُساق لأجل الزجر عن المعاصي.
* * *
стр. 94
وعن طارق بن شهاب: أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرِّب له شيئاً. قالوا لأحدهما: قَرِّب. قال: ليس عندي شيء أُقرِّب. قالوا: قرب ولو ذباباً. فقرَّب ذباباً فخلّوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله فضربوا عنقه فدخل الجنة" (١) . رواه أحمد.
ــ
طارق بن شهاب: هو طارق بن شهاب البجلي الأحمسي رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه. فحديثه مرسل، صحابيٌّ. مات طارقٌ سنة ٨٣هـ ﵁.
في ذباب: أي بسبب ذباب.
صنمٌ: ما كان منحوتاً على صورة.
لا يجاوزه: لا يمرُّ به ولا يتعداه.
يقرِّب: يذبح.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر النبي ﷺ عن خطورة الشرك
стр. 95
وشناعته فيحّث أصحابه ويبدأ حديثه ببداية تجعل النفوس تستغرب وتتطلع إلى سياق الحديث "دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب" شيء يسير سبّب أمراً خطيراً، وأوجب السؤال عن تفصيله، وهنا يفصل فيقول: إن رجلين -يظهر أنهما من بني إسرائيل- أرادا العبور عن مكان يحل في ساحته صنم يفرض على من أراد تجاوزه أن يذبح له تقرباً إليه وتعظيماً له، فطلب عبّاد ذلك الصنم من الرجلين التمشي على هذا النظام الشركي، فأما أحدهما فاعتذر بالعدم فقنعوا منه بأيسر شيء، لأن مقصودهم حصول الموافقة على الشرك، فذبح للصنم ذباباً فتركوه يمرّ فدخل بسبب فعله هذا نار جهنم؛ لأنه فعل الشرك ووافقهم عليه وطلبوا من الآخر أن يقرّب للصنم فاعتذر بأن هذا شرك ولا يمكن أن يفعله فقتلوه فدخل الجنة؛ لامتناعه من الشرك.
مناسبة الحديث للباب: أنه دل على أن الذبح عبادة، وأن صرفه لغير الله شرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان خطورة الشرك ولو في شيء قليل.
٢- أن الشرك يوجب دخول النار، وأن التوحيد يوجب دخول الجنة.
٣- أن الإنسان قد يقع في الشرك وهو لا يدري أنه الشرك الذي يوجب النار.
٤- التحذير من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان.
٥- أن هذا الرجل دخل النار بسببٍ لم يقصدْه ابتداءً وإنما فعله تخلُّصاً من شر أهل الصنم.
٦- أن المسلم إذا فعل الشرك أبطل إسلامه ودخل النار؛ لأن هذا
стр. 96
الرجل كان مسلماً وإلا لم يقل: "دخل النار في ذباب".
٧- أن المعتبر عمل القلب وإن صغر عمل الجوارح وقل.
٨- أن الذبح عبادة وصرفه لغير الله شركٌ أكبر.
٩- فضل التوحيد وعظيم ثمرته.
١٠- فضيلة الصبر على الحق.
* * *
стр. 97
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه تابعٌ للباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله فيه بيان حكم الذبح لغير الله، وهذا الباب فيه منع الوسيلة الموصلة إلى ذلك ومنع التشبه بأهله.
يذبح فيه لغير الله: أي أُعد لذلك وقصد لأجله.
لا تقم فيه؛ أي لا تصلّ في مسجد الضرار.
لمسجد أسس: بني.
على التقوى: على طاعة الله ورسوله.
المطهرين: الذين يتطهرون من الأنجاس الحسية والمعنوية.
المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله سبحانه رسوله ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون مضارة لمسجد قباء وكفراً بالله ورسوله وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلي فيه؛ ليتخذوا من ذلك حجة يبررون بها عملهم ويسترون بها باطلهم فوعدهم ﷺ أن يفعل ما طلبوا ولم يعلم قصدهم السيء، فنهاه الله عن ذلك وحثه على الصلاة في مسجد قباء الذي بُني على طاعة الله ورسوله أو في مسجده ﷺ على
стр. 98
اختلافٍ بين المفسرين في ذلك، ثم أثنى على أهل ذلك المسجد بتطهّرهم من الشرك والنجاسات، والله يحب مَن هذه صفته.
مناسبة الآية للباب: هي قياس الأمكنة المعدة للذبح لغير الله على المسجد الذي أُعد لمعصية الله في منع عبادة الله فيه، فكما أن هذا المسجد لا تجوز الصلاة فيه لله، فكذلك هذا الموضع الذي أُعد للذبح فيه لغير الله لا يجوز الذبح فيه له سبحانه.
ما يستفاد من الآيات:
١- منع الذبح لله في المواضع المعدة للذبح لغيره، قياساً على منع الصلاة في المسجد المؤسس على معصية الله.
٢- استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المتنزهين عن ملابسة القاذورات.
٣- إثبات المحبة لله على الوجه اللائق به سبحانه كسائر صفاته.
٤- الحث على إسباغ الوضوء والتطهر من النجاسات.
٥- أن النية تؤثر في البقاع.
٦- مشروعية سد الذرائع المفضية إلى الشرك.
* * *
стр. 99
عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً بِبُوانة فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (١) رواه أبو داود وإسنادها على شرطهما.
ــ
ثابت بن الضحاك: هو ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عديّ الأشهليّ الخزرجيّ الأنصاريّ صحابيّ مشهورٌ مات سنة ٦٤هـ.
نذر: النذر لغة الإيجاب، وشرعاً هو أن يلزم الإنسان نفسه بشيء من العبادات لم يكن لازما ً عليه شرعاً.
بوانة: هضبةٌ من وراء ينبع.
وثن: الوثن: كل ما عُبد من دون الله من قبر وغيره.
عيد: العيد: اسمٌ لما يعود من الاجتماع على وجهٍ معتادٍ.
على شرطهما: أي ينطبق عليه شرط البخاري ومسلم الذي هو اتصال السند بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة.
المعنى الإجمالي للحديث: يذكر الراوي أن رجلاً التزم لربه أن ينحر إبلاً في موضع معين على وجه الطاعة والقربة، وجاء ليسأل النبي ﷺ عن التنفيذ فاستفصل النبي ﷺ عن ذلك المكان هل سبق أن وُجد فيه
стр. 100
شيءٌ من معبودات المشركين أو سبق أن المشركين يعظمونه ويجتمعون فيه فلما علم – ﷺ بخلوّ هذا المكان من تلك المحاذير أفتى بتنفيذ النذر، ثم بين – ﷺ النذر الذي لا يجوز الوفاء به، وهو ما كان المنذور فيه معصية لله أو لا يدخل تحت ملك الناذر.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه المنع من الذبح لله في المكان الذي كان فيه وثنٌ من أوثان الجاهلية أو فيه عيدٌ من أعيادهم –ولو بعد زواله-.
ما يستفاد من الحديث:
١- المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان الذي عُين له وثنٌ ولو بعد زواله.
٢- المنع من الوفاء بالنذر بمكان عيدِ الجاهلية ولو بعد زواله.
٣- استفصال المفتي من المستفتي قبل الفتوى.
٤- سد الذريعة المفضية إلى الشرك.
٥- ترك مشابهة المشركين في عبادتهم وأعيادهم وإن كان لا يُقصد ذلك.
٦- أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون أو يتخذونه محلاً لعيدهم معصية.
٧- أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
٨- أن النذر الذي لا يملكه الناذِر – كأن قال: لله عليَّ أن أعتق عبد فلان. لا وفاء له.
٩- وجوب الوفاء بالنذر الخالي من المعصية الداخل تحت ملك الناذر.
١٠- أن النذر عبادة لا يجوز صرفه لغير الله.
стр. 101
باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] .
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ بين فيه نوعاً من أنواع الشرك المنافي للتوحيد، وهو النذر لغير الله؛ ليُحذر ويُجتنب.
من الشرك: أي الأكبر.
النذر لغير الله: لأنه عبادة. وصرف العبادة لغير الله شرك. والنذر: مصدر نذر ينذُر أوجب على نفسه شيئاً لم يكن واجباً عليه شرعاً تعظيماً للمنذور له. وأصله في اللغة والإيجاب.
يوفون بالنذر: يتممون ما أوجبوا على أنفسهم من الطاعات لله.
ما: شرطيةٌ، ويجوز أن تكون موصولة.
أنفقتم من نفقة: يشمل كل صدقة مقبولة وغير مقبولة.
أو نذرتم من نذر: يشمل كل نذر مقبول وغير مقبول.
فإن الله يعلمه: أي فيجازيكم عليه، ففيه معنى الوعد والوعيد.
المعنى الإجمالي للآيتين: أن الله يمدح الذين يتعبدون له بما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات. كما أنه يخبر سبحانه أنه يعلم كل
стр. 102
صدقة تصدقنا بها وكل عبادة التزمناها له أو لغيره وسيجازي كلاً على حسب نيته وقصده.
مناسبة الآيتين للباب: أنهما لا يدلان على أن النذر عبادةٌ حيث مدح الموفين به، وهو لا يمدح إلا على فعل مأمور أو ترك محظور، كما أنه أخبر أنه يعلم ما يصدر منا من نفقات ونذور، وسيجازينا على ذلك، فدلَّ ذلك على أن النذر عبادةٌ وما كان عبادةً فصرفُه لغير الله شرك.
ما يستفاد من الآيتين:
١- أن النذر عبادة فيكون صرفه لغير الله شركاً أكبر.
٢- إثبات علم الله تعالى – بكل شيء.
٣- إثبات الجزاء على الأعمال.
٤- الحث على الوفاء بالنذر.
* * *
стр. 103
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (١) .
ــ
عائشة: هي أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وبنت أبي بكر الصديق ﵄، وهي أفقه النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبي ﷺ ما عدا خديجة، ففي تفضيلها عليها خلافٌ، توفيت سنة ٥٧هـ.
في الصحيح: أي صحيح البخاري.
فليطعه: أي ليفعل ما نذره من طاعته.
فلا يعصه: أي فلا يفعل ما نذره من المعصية.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي ﷺ يأمر من صدر منه نذرُ طاعةٍ أن يوفي بنذره: كمن نذر صلاةً أو صدقة أو غير ذلك، وينهى من صدر منه نذر معصية عن تنفيذ نذره: كمن نذر الذبح لغير الله أو الصلاة عند القبور أو السفر لزيارتها أو غير ذلك من المعاصي.
مناسبة الحديث للباب: أنه دل على أن النذر يكون طاعةً ويكون معصيةً، فدلّ على أنه عبادة؛ فمن نذر لغير الله فقد أشرك به في عبادته.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله شرك.
٢- وجوب الوفاء بنذر الطاعة.
٣- تحريم الوفاء بنذر المعصية.
стр. 104
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيانَ نوعٍ من أنواع الشرك المنافي للتوحيد، وهو الاستعاذة بغير الله ليُحذر ويُجتنب.
الاستعاذة: لغة: الالتجاء والاعتصام والتحرّز. وحقيقتها: الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.
يعوذون: بأن يقولَ أحدهم إذا أمسى بوادٍ وخاف من الجن: أعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهاء قومه.
رهقاً: خوفاً أو إثماً.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله سبحانه يخبر أن بعض الإنس يلجئون إلى بعض الجن لتأمنهم مما يخافون، وأن الملتجأ بهم زادوا الملتجئين خوفاً بدل أن يؤمنوهم، وهذا معاملةٌ لهم بنقيض قصدهم وعقوبة من الله لهم.
مناسبة الآية للباب: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول ﷺ وآمنوا به ذكروا أشياءً من الشرك كانت تجري من الإنس في الجاهلية من جملة الاستعاذة بغير الله، وذلك من باب
стр. 105
الاستنكار لها.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الاستعاذة بغير الله شرك، لأن مؤمني الجن قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ٢] . ثم ذكروا بعد ذلك على وجه الاستنكار ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] .
٢- عموم رسالة محمد – ﷺ للثقلين.
٣- أن الاستعاذة بغير الله تورث الخوف والضعف.
٤- يفهم من الآية أن الاستعاذة بالله تورث قوة وأمناً.
* * *
стр. 106
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" (١) رواه مسلم.
ــ
خولة بنت حكيم: هي بنت حكيم بن أمية السلمية كانت زوجةً لعثمان بن مظعون ﵁ وكانت صالحة فاضلة.
بكلمات الله: المراد بها هنا القرآن.
التامات: الكاملات التي لا يلحقُها نقصٌ ولا عيبٌ.
من شر ما خلق: أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره.
المعنى الإجمالي للحديث: يرشد النبي ﷺ أمته إلى الاستعاذة النافعة التي يندفع بها كل محذور يخافه الإنسان عندما ينزل بقعة من الأرض بأن يستعيذ بكلام الله الشافي الكافي الكامل من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، ليأمن في منزله ذلك ما دام مقيماً فيه من كل غائلة سوء.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه إرشاداً إلى الاستعاذة النافعة المشروعة بدلاً من الاستعاذة الشركية التي كان يستعملها المشركون.
стр. 107
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان أن الاستعاذة عبادة.
٢- أن الاستعاذة المشروعة هي ما كانت بالله أو بأسماء الله وصفاته.
٣- أن كلام الله غيرُ مخلوق؛ لأن الله شرع الاستعاذة به، والاستعاذة بالمخلوق شركٌ كما سبق، فدلّ على أنه غير مخلوق.
٤- فضيلةُ هذا الدعاء مع اختصاره.
٥- أن نواصي المخلوقات بيد الله.
* * *
стр. 108
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
وقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه ذكر فيه نوعاً من أنواع الشرك المنافي للتوحيد وهو أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيرَه.
أن يستغيث: الاستغاثة طلبُ الغوث وهو إزالة الشدة.
أو يدعو: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب. وأما الدعاء فيكون من المكروب وغيره.
ما لا ينفعك: إن عبدته.
ولا يضرك: إن لم تعبده.
فإن فعلت: أي دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك.
من الظالمين: من المشركين، فإن الشرك أعظم الظلم.
المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله نبيه أن يدعو أحداً من سائر المخلوقين العاجزين عن إيصال النفع ودفع الضر، ثم يبين له حكمه لو فُرض أن دعا غير الله بأنه يكون حينئذ من المشركين، وهذا النهي عام لجميع الأمة.
مناسبة الآية للباب: أن فيها النهي عن دعاء غير الله وأنه شركٌ ينافي التوحيد.
стр. 109
ما يستفاد من الآية:
١- أن دعاء غير الله شركٌ أكبر.
٢- أن أصلح الناس لو دعا غير الله صار من الظالمين أي المشركين فكيف بغيره.
٣- بيان عجزِ آلهة المشركين وبطلان عبادتها.
* * *
стр. 110
وقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .
ــ
وإن يمسسك: أي إن يصِبْك.
بضر: بفقر أو مرض أو غير ذلك من أنواع الضر.
فلا كاشف: لا رافع.
فلا راد: لا دافع.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع والضر والنفع دون ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده المعبود وحده دون غيره ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكهما لغيره.
مناسبة الآية للباب: أن فيها بيانَ استحقاق الله للعبادة بالدعاء ونحوه، وأن دعاء غيره شركٌ لأنه لا ينفع ولا يضر.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب إفراد الله تعالى بتوحيد الألوهية لتفرده بتوحيد الربوبية.
٢- بطلان دعاء غير الله لعجزه عن نفع من دعاه ودفع الضر عنه.
٣- إثبات المشيئة لله سبحانه.
٤- إثبات صفتي المغفرة والرحمة لله سبحانه على ما يليق بجلاله.