Полный текст (562 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فالواجب فِي هَذَا أَن يقال: إِن من أشار إِلَى بقاء الأحوال فصحيح مَا قَالَ فَقَدْ يصير المعني شربا لأحد فيري بِهِ ولكن لصاحب هذه الحال أحوال هِيَ طوارق لا تدوم فَوْقَ أحواله الَّتِي صارت شربا لَهُ فاذا دامت هذه الطوارق هل كَمَا دامت الأحوال المتقدمة ارتقى إِلَى أحوال أخر فَوْقَ هذه وألطف من هذه فأبدا يَكُون فِي الترقي.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول فِي معني قَوْله ﷺ إنه ليغان عَلَى قلبي حَتَّى أستغفر اللَّه تَعَالَى فِي اليوم سبعين مرة أَنَّهُ كَانَ ﷺ أبدا فِي الترقي من أحواله فَإِذَا ارتقي من حالة إِلَى حالة أعلى مِمَّا كَانَ فِيهَا فربما حصل لَهُ ملاحظة إِلَى مَا ارتقي عَنْهَا فكان بعدها غينا بالإضافة إِلَى مَا حصل فِيهَا فابدا كانت أحواله فِي التزايد ومقدورات الحق سبحانه من الألطاف لا نهاية لَهَا فَإِذَا كَانَ حق الحق تَعَالَى العز، وَكَانَ الوصول إِلَيْهِ بالتحقيق محالا فالعبد أبدا فِي ارتقاء أحواله فلا معنى يوصل إِلَيْهِ إلا وَفِي مقدوره سبحانه مَا هُوَ فوقه يقدر أَن يوصله إِلَيْهِ وعلى هَذَا يحمل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين وسئل الجنيد عَن هَذَا فأنشد:
طوارق أنوار تلوح إِذَا بدت ... فتظهر كتمانا وتخبر عَن جمع
стр. 142
ومن ذَلِكَ القبض والبسط وهما حالتان بَعْد ترقي العبد عَن حالة الخوف والرجاء، فالقبض: للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف ومن الفصل بَيْنَ القبض والخوف والبسط والرجاء أَن الخوف إِنَّمَا يَكُون من شَيْء فِي المستقبل إِمَّا أَن يخاف فوت محبوب أَوْ هجوم محذور، وَكَذَلِكَ الرجاء إِنَّمَا يَكُون بتأميل محبوب فِي المستقبل أَوْ بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه فِي المستأنف.
وَأَمَّا القبض: فلمعني حاصل فِي الوقت، وَكَذَلِكَ البسط فصاحب الخوف والرجاء تعلق قلبه فِي حالتيه بآجله وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عَلَيْهِ فِي عاجله، ثُمَّ تتفاوت نعوتهم فِي القبض والبسط عَلَى حسب تفاوتهم فِي أحوالهم، فمن وارد يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غَيْر مستوف، ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غَيْر مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فِيهِ لأنه مأخوذ عَنْهُ بالكلية بوارده كَمَا قَالَ بَعْضهم: أنا ردم أي لا مساغ فِي، وَكَذَلِكَ المبسوط قَدْ يَكُون فِيهِ بسط يسع الخلق فلا يستوحشن من أَكْثَر الأشياء ويكون مبسوطا لا يؤثر فِيهِ شَيْء بحال من الأحوال.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: دَخَلَ بَعْضهم عَلَى أَبِي بَكْر القحطي وَكَانَ لَهُ ابْن يتعاطى مَا يتعاطاه الشباب وَكَانَ ممر هَذَا الداخل عَلَى هَذَا الابن فَإِذَا هُوَ مَعَ أقرانه فِي اشتغاله ببطالته
стр. 143
فرق قلبه وتألم القحطي، وَقَالَ: مسكين هَذَا الشيخ كَيْفَ ابتلي بمقاساة هَذَا الابن؟ فلما دَخَلَ عَلَى القحطي وجده كَأَنَّهُ لا خبر لَهُ بِمَا يجري عَلَيْهِ من الملاهي فتعجب منه وَقَالَ: فديت من لا تؤثر فِيهِ الجبال الرواسي فَقَالَ القحطي: إنا قَدْ حررنا عَن رق الأشياء فِي الأزل.
ومن أدنى موجبات القبض أَن يرد عَلَى قلبه وارد موجبه إشارة إِلَى عتاب ورمز باستحقاق تأديب فيحصل فِي القلب لا محالة قبض وَقَدْ يَكُون موجب بَعْض الواردت إشارة إِلَى تقريب أَوْ إقبال بنوع لطف وترحيب فيحصل للقلب بسط، وَفِي الجملة قبض كُل أحد عَلَى حسب بسطه، وبسطه عَلَى حسب قبضه، وَقَدْ يَكُون قبض يشكل عَلَى صاحبه سببه يجد فِي قلبه قبضا لا يدري موجبه ولا سببه، فسبيل صاحب هَذَا القبض التسليم حَتَّى يمضي ذَلِكَ الوقت، لأنه لو تكلف نفيه أَوِ استقبل الوقت قبل هجومه عَلَيْهِ باختياره زاد فِي قبضه ولعله يعد ذَلِكَ منه سوء أدب وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض فَإِن الحق سبحانه قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَقَدْ يَكُون بسط يرد بغته ويصادف صاحبه فلته لا يعرف لَهُ سببا يهز صاحبه ويستفزه، فسبيل صاحبه السكون ومراعاة الأدب فَإِن فِي هَذَا الوقت لَهُ خطرا عظيما فليحذر صاحبه مكرا خفيا كَذَا قَالَ بَعْضهم: فتح عَلِي بَاب من البسط فزللت زلة فحجبت عَن مقامي، ولهذا قَالُوا: قف عَلَى البساط وإياك والانبساط وَقَدْ عد أهل التحقيق مطلق القبض والبسط من جملة مَا استعاذوا منه، لأنهما بالإضافة إِلَى مَا فوقهما من استهلاك العبد واندراجه فِي الحقيقة فقر وضر.
стр. 144
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الخوف من اللَّه يقبضني والرجاء منه يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرقني إِذَا قبضني بالخوف أفناني عني، وإذا بسطني بالرجاء ردني عَلِي، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيرى فغطائي عَنْهُ فَهُوَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلهُ محركي غَيْر ممسكي وموحشي غَيْر مؤنسي فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي، فليته أفناني عني فمتعني أَوْ غيبني عني فروحني
стр. 145
ومن ذَلِكَ الهيبة والأنس وهما فَوْقَ القبض والبسط فكما أَن القبض فَوْقَ رتبة الخوف والبسط فَوْقَ منزلة الرجاء، فالهيبة أعلى من القبض والأنس أتم من البسط وحق الهيبة الغيبة , فَكُل هائب غائب , ثُمَّ الهائبون يتفاوتون فِي الهيبة عَلَى حسب تباينهم فِي الغيبة فمنهم وَمِنْهُم، وحق الأنس صحوا بحق فَكُل مستأنس صاح ثُمَّ يتباينون حسب تباينهم فِي الشرب ولهذا قَالُوا: أدني محل الأنس أَنَّهُ لو طرح فِي لظى لَمْ يتكدر عَلَيْهِ أنسه.
قَالَ الجنيد ﵀: كنت أسمع السري يَقُول: يبلغ العبد إِلَى حد لو ضرب وجهه بالسَيْف لَمْ يشعر وَكَانَ فِي قلبي منه شَيْء حَتَّى بان لي أَن الأمر كَذَلِكَ.
وحكي عَن أَبِي مقاتل العكي أَنَّهُ قَالَ: دخلت عَلَى الشبلي وَهُوَ ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش فَقُلْتُ: يا سيدي أَنْتَ تفعل هَذَا بنفسك ويعود ألمه إِلَى قلبي فَقَالَ: ويلك الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها فَهُوَ ذا فأنا أدخل الألم عَلَى نفسي لعلي أحس بِهِ فيستتر عني، فلست أجد الألم وليس يستتر عني وليس لي بِهِ طاقة، وحال الهيبة والأنس وإن جلتا فأهل الحقيقة يعدونها نقصا لتضمنهما تغير العبد، فَإِن أهل التمكين سمت أحوالهم عَنِ التغير وَهُمْ محو فِي وجود العين فلا هيبة لَهُمْ ولا أَنَس ولا علم ولا حس
стр. 146
والحكاية معروفة عَن أَبِي سَعِيد الخراز أَنَّهُ قَالَ: تهت فِي البادية مرة فكنت أقول:
أتيه فلا أدري من التيه من أنا ... سِوَى مَا يَقُول النَّاس فِي وَفِي جنسي
أتيه عَلَى جن البلاد وإنسها ... فَإِن لَمْ أجد شخصا أتيه عَلَى نفسي
قَالَ فسمعت هاتفا يهتف بي وَيَقُول:
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ... ويفرح بالتيه الدني وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ... لغبت عَنِ الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مَعَ اللَّه واقفا ... تصان عَنِ التذكار للجن والإنس.
وإنما يرتقي العبد عَن هذه الحالة بالوجود
стр. 147
ومن ذَلِكَ التواجد والوجد والوجود فالتواجد: استدعاء الوجد بضرب اختيار وليس لصاحبه كمال الوجد إذ لو كَانَ لكان واجدا وباب التفاعل أكثره عَلَى إظهار الصفة وليست كَذَلِكَ، قَالَ الشاعر:
إِذَا تخازرت وما بي من خزر ... ثُمَّ كسرت العين من غَيْر ما عور
فقوم قَالُوا: التواجد غَيْر مُسْلِم لصاحبه لما يتضمن من التكليف ويبعد عَنِ التحقيق، وقوم قَالُوا: إنه مُسْلِم للفقهاء المجردين الَّذِينَ ترصدوا لوجدان هذه المعاني وأصلهم خبر الرسول ﷺ : ابكوا فَإِن لَمْ تبكوا فتباكوا والحكاية المعروفة لأبي مُحَمَّد الجريري ﵀ أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ الجنيد وهناك ابْن مسروق وغيره، وثم قوال، فقام ابْن مسروق وغيره والجنيد ساكن فَقُلْتُ: يا سيدي مَالِك فِي السماع شَيْء، فَقَالَ الجنيد: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] ثُمَّ قَالَ: وأنت يا أبا مُحَمَّد مَالِك فِي السماع شَيْء؟ فَقُلْتُ: يا سيدي أنا إِذَا حضرت موضعا فِيهِ سماع وهناك محتشم أمسكت عَلَى نفسي وجدى فَإِذَا خلوت أرسلت وجدى فتواجدت فأطلق فِي هذه الحكاية التواجد وَلَمْ ينكر عَلَيْهِ الجنيد
стр. 148
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: لما راعى أدب الأكابر فِي حال السماع حفظ اللَّه عَلَيْهِ وقته لبركات الأدب حَتَّى يَقُول أمسكت عَلَى نفسي وجدى، فَإِذَا خلوت أرسلت وجدي فتواجدت، لأنه لا يمكن إرسال الوجد إِذَا شئت بَعْد ذهاب الوقت وغلباته ولكنه لما كَانَ صادقا فِي مراعاة حرمة الشيوخ حفظ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وقته حَتَّى أرسل وجده عِنْدَ الخلوة فالتواجد ابتداء الوجد عَلَى الوصف الَّذِي جرى ذكره وبعد هَذَا الوجد، والوجد مَا يصادف قلبك ويرد عليك بلا تعمد وتكلف ولهذا قَالَ المشايخ: الوجد المصادفة، والمواجيد ثمرات الأوراد فَكُل من ازدادت وظائفه ازدادت من اللَّه تَعَالَى لطائفه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: الورادات من حيث الأوراد فمن لا ورد لَهُ بظاهره لا وارد لَهُ فِي سرائره، وكل وجد فِيهِ من صاحبه شَيْء فليس بوجد، وكما أَن مَا يتكلفه العبد من معاملات ظاهره يوجب لَهُ حلاوة الطاعات، فَمَا ينازله العبد من أحكام باطنه يوجب لَهُ المواجيد.
فالخلاوات ثمرات المعاملات والمواجيد نتائج المنازلات، وَأَمَّا الوجود فَهُوَ بَعْد الارتقاء عَنِ الوجد ولا يَكُون وجود الحق إلا بَعْد خمود البشرية لأنه لا يَكُون للبشرية بقاء عِنْدَ ظهور سلطان الحقيقة،
стр. 149
وَهَذَا معني قَوْل أَبِي الْحُسَيْن النوري أنا منذ عشرين سنة بَيْنَ الوجد والفقد أي إِذَا وجدت ربي فقدت قلبي وإذا وجدت قلبي فقدت ربي وَهَذَا معني قَوْل الجنيد علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه وَفِي هَذَا المعني أنشدوا.
وجودي أَن أغيب عَنِ الوجود ... بِمَا يبدو عَلِي من الشهود
فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بَيْنَ البداية والنهاية.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد فَهُوَ كمن شهد البحر ثُمَّ ركب البحر ثُمَّ غرق فِي البحر وترتيب هَذَا الأمر قصود ثُمَّ ورود ثُمَّ شهود ثُمَّ وجود ثُمَّ خمود وبمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود لَهُ صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق وهاتان الحالتان أبدا متعاقبتان عَلَيْهِ، فَإِذَا غلب عَلَيْهِ الصحو بالحق فبه يصول وَبِهِ يَقُول: قَالَ ﵇ فيما أخبر عَنِ الحق فبي يسمع وبي ويبصر.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: وقف رجل عَلَى حلقه الشبلي فسأله
стр. 150
هل تظهر آثار صحة الوجود عَلَى الواجدين؟ فَقَالَ: نعم نور يزهر مقارنا لنيران الاشتياق فتلوح عَلَى الهياكل آثارها كَمَا قَالَ ابْن المعتز:
وأمطر الكأس ماء من أبارقها ... فأنبت الدر فِي أرض من الذهب
وسبح الْقَوْم لما رأوا عجبا ... نورا من الماء فِي نار من العنب
سلافة ورثتها عاد عَن إرم ... كانت ذخيرة كسرى عَن أب فأب
وقيل لأبي بَكْر الدقي: إِن جهما الدقي أخذ شجرة بيده فِي حال السماع فِي ثوارنه فقلعها من أصلها فاجتمعا فِي دعوة وَكَانَ الدقي كف بصره فقام جهم الدقي يدور فِي هيجانه فَقَالَ الدقي: إذ قرب مني أرونيه وَكَانَ الدقي ضعيفا فمر بِهِ، فلما قرب منه قَالُوا لَهُ: هَذَا هُوَ، فأخذ الدقي ساق جهم فوقفه فلم يمكنه أَن يتحرك، فَقَالَ جهم: أيها الشيخ التوبة التوبة فخلاه.
قَالَ الأستاذ الإِمَام أدام أخدم اللَّه جماله.
فكان ثوران جهم فِي حق وإمساك الدقي بساقه بحق ولما علم جهم أَن حال الدقي فَوْقَ حاله رجع إِلَى الاتصاف واستسلم وكذا من كَانَ بحق لا يستعصي عَلَيْهِ شَيْء، فأما إِذَا كَانَ الغالب عَلَيْهِ المحو فلا علم ولا عقل ولا فَهُمْ ولا حس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يذكر بإسناده أَن أبا عقال المغربي أقام بمكة أربع سنين لَمْ يأكل وَلَمْ يشرب إِلَى أَن مَات.
ودخل بَعْض الفقراء عَلَى أَبِي عقال فَقَالَ لَهُ: سلام عليكم،
стр. 151
فَقَالَ لَهُ أَبُو عقال: وعليكم السَّلام فَقَالَ الرجل: أنا فُلان فَقَالَ.
أَبُو عقال: أَنْتَ فُلان؟ كَيْفَ أَنْتَ وكيف حالك؟ وغاب عَن حالته قَالَ هَذَا الرجل: فَقُلْتُ لَهُ: سلام عليكم فَقَالَ: وعليكم السَّلام كَأَنَّهُ لَمْ يرني قط ففعلت مثل هَذَا غَيْر مرة، فعلمت أَن الرجل غائب فتركته وخرجت من عنده.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عُمَر بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت امْرَأَة أَبِي عَبْد اللَّهِ التروغندي تقول: لما كانت أَيَّام المجاعة والناس يموتون من الجوع دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ التروغندي بيته فرأى فِي بيته مقدار منون حنطه فَقَالَ: النَّاس يموتون من الجوع وَفِي بَيْتِي حنطة فخولط فِي عقله فَمَا كَانَ يفيق إلا فِي أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثُمَّ يعود إِلَى حالته، فلم يزل كَذَلِكَ إِلَى أَن مَات دلت هذه الحكاية عَلَى أَن هَذَا الرجل كَانَ محفوظا عَلَيْهِ آداب الشريعة عِنْدَ غلبات أحكام الحقيقة وَهَذَا هُوَ صفة أهل الحقيقة ثُمَّ كَانَ سبب غبيته عَن تمييزه شفقته عَلَى الْمُسْلِمِينَ وهنا أقوى سمة لتحققه فِي حالة
стр. 152
ومن ذَلِكَ الجمع والفرق لفظ الجمع والتفرقة يجري فِي كلامهم كثيرا وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق يَقُول: الفرق مَا نسب إليك والجمع مَا سلب عَنْك، ومعناه أَن مَا يَكُون كسبا للعبد من إقامة العبودية وَمَا يليق بأحوال البشرية فَهُوَ فرق، وَمَا يَكُون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فَهُوَ جمع هَذَا أدني أحوالهم فِي الجمع والفرق، لأنه من شهود الأفعال فمن أشهده الحق سبحانه أفعاله من طاعاته ومخالفته فَهُوَ عَبْد بوصف التفرقة، ومن أشهده الحق سبحانه مَا يوليه من أفعال نَفْسه سبحانه فَهُوَ عَبْد يشاهد الجمع، فإثبات الخلق من بَاب التفرقة وإثبات الحق من نعت الجمع، ولابد للعبد من الجمع والفرق، فَإِن من لا تفرقة لَهُ لا عبودية لَهُ، ومن لا جمع لَهُ لا معرفة لَهُ، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إشارة إِلَى الفرق وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] إشارة إِلَى الجمع، وإذا خاطب العبد الحق سبحانه بلسان نجواه إِمَّا سائلا أَوْ داعيا أَوْ مثنيا أَوْ شاكرا أَوْ متنصلا أَوْ مبتهلا قام فِي محل التفرقة، وإذا أصغي بسره إِلَى مَا يناجيه بِهِ مولاه واستمع قلبه مَا يخاطبه بِهِ فيما ناداه أَوْ ناجاه أَوْ عرفه معناه أَوْ لوح لقلبه وأراه فَهُوَ يشاهد الجمع.
стр. 153
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: أنشد قوال بَيْنَ يدي الأستاذ أَبِي سهل الصعلوكي رحمه اللَّه تَعَالَى:
جعلت تنزهي نظري إليكا.
وَكَانَ أَبُو القاسم النصرأباذي ﵀ حاضرا فَقَالَ الأستاذ أَبُو سهل: جعلت بنصب التاء، وَقَالَ النصرأباذي: بَل جعلت بضم التاء فَقَالَ الأستاذ أَبُو سهل: أليس عين الجمع أتم: فسكت النصرأباذي.
وسمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ أَيْضًا يحكي هذه الحكاية عَلَى هَذَا الوجه ومعني هَذَا أَن من قَالَ: جعلت بضم التاء يَكُون إخبار عَن حال نَفْسه فكأن العبد يَقُول هَذَا وإذا قَالَ: جعلت بالفتح فكأنه يتبرأ من أَن يَكُون ذَلِكَ بتكلمه بَل يخاطب مولاه فَيَقُول: أَنْتَ الَّذِي خصصتني بِهَذَا لا أنا بتكلفي، فالأول عَلَى خطر الدعوى وَالثَّانِي بوصف التبري من الحول والإقرار بالفصل والطول وفرق بَيْنَ من يَقُول بجهدي أشهدك وبين من يَقُول بفضلك ولطفك أشهدك
стр. 154
وجمع الجمع فَوْقَ هَذَا ويختلف النَّاس فِي هذه الجملة عَلَى حسب تباين أحوالهم وتفاوت درجاتهم فمن أثبت نَفْسه وأثبت الخلق ولكن شاهد الكل قائما بالحق، فهذا هُوَ جمع وإذا كَانَ مختطفا عَن شهود الخلق مصطلما عَن نَفْسه مأخوذا بالكلية عَنِ الإحساس بكل غَيْر بِمَا ظهر واستولى من سلطان الحقيقة فذاك جمع الجمع، والتفرقة.
شهود الأغيار لِلَّهِ والجمع شهود الأغيار بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بِمَا سِوَى اللَّه عِنْدَ غلبات الحقيقة وبعد هَذَا حال عزيزة يسميها الْقَوْم الفرق الثَّانِي وَهُوَ أَن يرد إِلَى الصحو عِنْدَ أوقات أداء الفرائض ليجري عَلَيْهِ الفرائض فِي أوقات فيكون رجوعا لِلَّهِ بالله تَعَالَى لا للعبد بالعبد فالعبد يطالع نَفْسه فِي هذه الحالة فِي تصريف الحق سبحانه يشهد مبدأ ذاته وعينه بقدرته ومجري أفعاله وأحواله عَلَيْهِ بعلمه ومشيئته وأشار بَعْضهم بلفظ الجمع والفرق إِلَى تصريف الحق جمع الخلق، فجمع الكل فِي التقليب والتصريف من حيث إنه منشئ ذواتهم ومجري صفاتهم ثُمَّ فرقهم فِي التنويع ففريقا أسعدهم وفريقا أبعدهم وأشقاهم وفريقا هداهم وفريقا أضلهم
стр. 155
وأعماهم وفريقا حجبهم عَنْهُ وفريقا جذبهم إِلَيْهِ وفريقا آنسهم بوصلته وفريقا آيسهم من رحمته وفريقا أكرمهم بتوفيقه وفريقا اصطلمهم عِنْدَ رومهم لتحقيقه وفريقا أصحاهم وفريقا محاهم وفريقا قربهم وفريقا غيبهم وفريقا أدناهم وأحضرهم ثُمَّ أسقاهم فأسكرهم وفريقا أشقاهم وأخرهم ثُمَّ أقصاهم وهجرهم وأنواع أفعال لا يحيط بِهَا حصر ولا يَأْتِي عَلَى تفصيلها شرح ولا ذكر وأنشدوا لجنيد ﵀ فِي معني الجمع والتفرقة:
وتحققتك فِي سري ... فناجاك لساني
فاجتمعنا لمعاني ... وافترقنا لمعاني
إِن يكن غيبك التعظيم ... عَن لحظ عياني
فلقد صيرك الوجد ... من الأحشاء داني
وأنشدوا:
إِذَا مَا بدالي تعاظمته ... فأصدر فِي حال من لَمْ يرد
جمعت وفرقت عني بِهِ ... ففرد التواصل مثنى العدد
стр. 156
ومن ذَلِكَ الفناء والبقاء أشار الْقَوْم بالفناء إِلَى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إِلَى قيام الأوصاف المحمودة بِهِ، وإذا كَانَ العبد لا يخلوا عَن أحد هذين القسمين فمن المعلوم أَنَّهُ إِذَا لَمْ يكن أحد القسمين كَانَ القسم الآخر لا محالة فمن فني عَن أوصافه المذمومة ظهرت عَلَيْهِ الصفات المحمودة، ومن غلبت عَلَيْهِ الخصال المذمومة استترت عَنْهُ الصفات المحمودة.
واعلم أَن الَّذِي يتصف بِهِ العبد أفعال وأخلاق وأحوال، فالأفعال: تصرفاته باختياره والأخلاق جبلة فِيهِ ولكن تتغير بمعالجته عَلَى مستمر العادة، والأحوال: ترد عَلَى العبد عَلَى وجه الابتداء لكن صفاؤها بَعْد زكاء الأعمال فِيهِ كالأخلاق من هَذَا الوجه، لأن العبد إِذَا نازل الأخلاق بقلبه فينفي بجهده سفاسفها من اللَّه عَلَيْهِ بتحسين أخلاقه، فَكَذَلِكَ إِذَا واظب عَلَى تزكية أعماله ببذل وسعه من اللَّه عَلَيْهِ بتصفية أحواله بَل بتوفية أحواله فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشرعية يقال إنه فني عَن شهواته فَإِذَا فني عَن شهواته بقي بصدق إنابته، ومن عالج أخلاقه فنفى عَن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والغضب والكبر وأمثال هَذَا من رعونات النفس يقال فني عَن سوء الخلق، فَإِذَا فني عَن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق،
стр. 157
ومن شاهد جريان القدرة فِي تصاريف الأَحْكَام يقال: فني عَن حسبان الحدثان من الخلق، فَإِذَا فني عَن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق، ومن استولى عَلَيْهِ سلطان الحقيقة حَتَّى لَمْ يشهد من الأغيار لاعينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا يقال إنه فني عَنِ الخلق، وبقي بالحق ففناء العبد عَن أفعاله الذميمة وأحواله الخسيسة بعدم هذه الأفعال، وفناؤه عَن نَفْسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم فَإِذَا فني عَنِ الأفعال والأخلاق والأحوال فلا يَجُوز أَن يَكُون مَا فني عَنْهُ من ذَلِكَ موجودا، وإذا قيل فني عَن نَفْسه وعن الخلق فنفسه موجودة والخلق موجودون ولكنه لا علم لَهُ بِهِمْ ولابه ولا إحساس ولا خبر فتكون نَفْسه موجودة والخلق موجودين ولكنه غافل عَن نَفْسه وعن الخلق أجمعين غَيْر محس بنفسه وبالخلق وَقَدْ ترى الرجل يدخل عَلَى ذي سلطان أَوْ محتشم فيذهل عَن نَفْسه وعن أهل مجلسه هيبة وربما يذهل عَن ذَلِكَ المحتشم حَتَّى إِذَا سئل بَعْد خروجه من عنده عَن أهل مجلسه وهيئات ذَلِكَ الصدر وهيئات نَفْسه لَمْ يكن الإخبار عَن شَيْء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] لَمْ يجدن عِنْدَ لقاء يُوسُف ﵇ عَلَى الوهلة ألم قطع الأيدي وهن
أضعف النَّاس وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] ولقد كَانَ بشرا وقلن ﴿إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وَلَمْ يكن ملكا فهذا تغافل مخلوق عَن أحواله عِنْدَ لقاء مخلوق فَمَا ظنك بمن تكاشف بشهود الحق سبحانه فلو تغافل عَن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأي أعجوبة فِيهِ فمن فني عَن جهله بقي بعلمه، ومن فني عَن شهوته بقى بإنابته، ومن فني عَن رغبته يفي بزهادته، ومن فني عَن منيته بقي بإرادته،
стр. 158
وَكَذَلِكَ القول فِي جَمِيع صفاته، فَإِذَا فني العبد عَن صفته بِمَا جري ذكره يرتقي عَن ذَلِكَ بفنائه عَن رؤية فنائه، وإلى هَذَا أشار قائلهم: فقوم تاه فِي أرض بقفر وقوم تاه فِي ميدان حبه فأفنوا ثُمَّ أفنوا ثُمَّ أفنوا وأبقوا بالبقا من قرب ربه فالأول فناء عَن نَفْسه وصفاته ببقائه بصفات الحق ثُمَّ فناؤه عَن صفات الحق بشهوده الحق ثُمَّ فناؤه عَن شهود فنائه باستهلاكه فِي وجود الحق
стр. 159
ومن ذَلِكَ الغيبة والحضور فالغيبة غيبة القلب عَن علم مَا يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بِمَا ورد عَلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يغيب عَن إحساسه بنفسه وغيره بوارد من تذكر ثواب أَوْ تفكر عقاب كَمَا رُوِيَ أَن الرَّبِيع بْن خيثم كَانَ يذهب إِلَى ابْن مَسْعُود رضى اللَّه عَنْهُ فمر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماه فِي الكير فغشي عَلَيْهِ وَلَمْ يفق إِلَى الغد فلما أفاق سئل عَن ذَلِكَ فَقَالَ: تذكرت كون أهل النار فِي النار فَهَذِهِ غيبة زادت عَلَى حدها حَتَّى صارت غشية.
وروي عَن عَلِي بْن الْحُسَيْن أَنَّهُ كَانَ فِي سجوه فوقع حريق فِي داره فلم ينصرف عَن صلاته، فسئل عَن حاله فَقَالَ: ألهتني النار الكبرى عَن هذه النار وربما تكون الغيبة عَن إحساسه بمعني يكاشف بِهِ من الحق ثُمَّ إنهم مختلفون فِي ذَلِكَ عَلَى حسب أحوالهم، ومن المشهور أَن ابتداء حال أَبِي حفص النَّيْسَابُورِيّ الحداد فِي ترك الحرفة أَنَّهُ كَانَ عَلَى حانوته فقرأ قارئ آية من الْقُرْآن فورد عَلَى قلب أَبِي حفص وارد تغافل عَن إحساسه فأدخل يده فِي النار وأخرج الحديدة المحماه بيده فرأى تلميذ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: يا أستاذ مَا هَذَا؟ فنظر أَبُو حفص إِلَى مَا ظهر عَلَيْهِ فترك الحرفة وقام من حانوته.
وَكَانَ الجنيد قاعدا وعنده امرأته فدخل عَلَيْهِ الشلبي فأرادت امرأته أَن تستتر فَقَالَ لَهَا الجنيد: لا خبر للشبلي عَنْك فاقعدي
стр. 160
فلم يزل يكلمه الجنيد حَتَّى بكي الشلبي فلما أخذ الشلبي فِي البكاء قَالَ الجنيد لامرأته: استتري فَقَدْ أفاق الشلبي من غيبته.
سمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور وَكَانَ رجلا صالحا قَالَ: كنت أقرأ الْقُرْآن فِي مجلس الأستاذ أَبِي عَلِي الدقاق بنيسابور وقت كونه هناك وَكَانَ يتكلم فِي الحج كثيرا، فأثر فِي قلبي كلامه فخرجت إِلَى الحج تلك السنة وتركت الحانوت والحرفة وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي ﵀ خرج إِلَى الحج أَيْضًا فِي تلك السنة وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأوظب عَلَى القراءة فِي مجلسه فرأيته يوما فِي البادية تطهر ونسي قمقمة كانت بيده فحملتها، فلما عاد إِلَى رحله وضعتها عنده فَقَالَ: جزاك اللَّه تَعَالَى خيرا حيث حملت هَذَا، ثُمَّ نظر إلي طويلا كَأَنَّهُ لَمْ يرني قط وَقَالَ: رأيتك مرة أَنْتَ؟ .
فَقُلْتُ: المستغاث بالله تَعَالَى صحبتك مدة وخرجت عَن مسكني ومالي بسببك وتقطعت فِي المفازة بك والساعة تقول رأيتك مرة.
وَأَمَّا الحضور فَقَدْ يَكُون حاضرا بالحق لأنه إِذَا غاب عَنِ الخلق حضر بالحق عَلَى معني أَنَّهُ يَكُون كَأَنَّهُ حاضر وَذَلِكَ لاستيلاء ذكر الحق عَلَى قلبه فَهُوَ حاضر بقلبه بَيْنَ يدي ربه تَعَالَى فعلى حسب غيبته عَنِ الخلق يَكُون حضوره بالحق فَإِن غاب بالكلية كَانَ الحضور عَلَى حسب الغيبة.
فَإِذَا قيل فُلان حاضر فمعناه أَنَّهُ حاضر بقلبه لربه غَيْر غافل عَنْهُ ولا ساه مستديم للذكر ثُمَّ يَكُون مكاشفا فِي حضوره عَلَى حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالي بِهَا وَقَدْ يقال لرجوع العبد إِلَى أحساسه بأحوال نَفْسه وأحوال الخلق إنه حضر أي رجع عَن غيبته، فهذا يَكُون حضور بخلق وَالأَوَّل حضورا بحق، وَقَدْ تختلف أحوالهم فِي الغيبة، فمنهم من لا تمتد غيبته، وَمِنْهُم من تدوم غيبته وَقَدْ حكي أَن ذا النون الْمِصْرِي بعث إِنْسَانا من أَصْحَابه إِلَى أَبِي يَزِيد لينقل إِلَيْهِ صفة أَبِي يريد، فلما جاء الرجل إِلَى بسطام سأل عَن دار أَبِي يَزِيد فدخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو يَزِيد: مَا تريد؟
стр. 161
فَقَالَ: أريد أبا يَزِيد؟ وأين أبا يَزِيد أنا فِي طلب أَبِي يَزِيد، فخرج الرجل وَقَالَ: هَذَا مجنون، فرجع الرجل إِلَى ذي النون فأخبره بِمَا شهد فبكي ذون النون وَقَالَ: أَخِي أَبُو يَزِيد ذهب فِي الذاهبين إِلَى اللَّه
стр. 162
ومن ذَلِكَ الصحو والسكر فالصحو رجوع إِلَى الإحساس بَعْد الغيبة والسكر غيبة بوارد قوي والسكر زيادة عَلَى الغيبة من وجه، وَذَلِكَ أَن صاحب السكر قَدْ يَكُون مبسوطا إِذَا لَمْ يكن مستوفيا فِي سكره، وَقَدْ يسقط أخطار الأشياء عَن قلبه فِي حال سكره، وتلك حال المتساكر الَّذِي لَمْ يستوفه الوارد فيكون للإحساس فِيهِ مساغ وَقَدْ يقوى سكره حَتَّى يَزِيد عَلَى الغيبة، فربما يَكُون صاحب السكر أشد غيبة من صاحب الغيبة إِذَا قوى سكره، وربما يَكُون صاحب الغيبة أتم فِي الغيبة من صاحب السكر إِذَا كَانَ متساكرا غَيْر مستوف، والغيبة قَدْ تكون للعبادة بِمَا يغلب عَلَى قلوبهم من موجب الرغبة والرهبة ومقتضيات الخوف والرجاء، والسكر لا يَكُون إلا لأَصْحَاب المواجد، فَإِذَا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر، وطالب الروح، وهام القلب وَفِي معناه أنشدوا:
فضحوك من لفظي هُوَ الوصل كُلهُ ... وسكرك من لحظي يبيح لَك الشرابا
فَمَا مل ساقيها وَمَا مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا
وأنشدوا:
فاسكر الْقَوْم دور كأس ... وَكَانَ سكري من المدير
وأنشدوا:
لي سكرتان وللندمان واحدة ... شَيْء خصصت بِهِ من بينهم وحدي
وأنشدوا:
стр. 163
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... فَمَتَى يفيق فتى بِهِ سكران
واعلم أَن الصحو عَلَى حسب السكر، فمن كَانَ سكره بحق كَانَ صحوه بحق، ومن كَانَ سكره بحفظ مشوبا كَانَ صحوه بحظ صحيح مصحوبا، ومن كَانَ محقا فِي حاله كَانَ محفوظا فِي سكره، والسكر والصحو يشيران إِلَى طرف من التفرقة، وإذا ظهر من سلطان الحقيقة علم أَن صفة العبد الثبور والقهر.
وَفِي معناه أنشدوا:
إِذَا طلع الصباح لنجم راح ... تساوى فِيهِ سكران وصاح
قَالَ اللَّه تعالي: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] هَذَا مَعَ رسالته خر صعقا وَهَذَا مَعَ صلابته وقوته صار دكا متكسرا والعبد فِي حال سكره يشاهد الحال وَفِي حال صحوه يشاهد العلم إلا أَنَّهُ فِي حال سكره محفوظ لا يتكلفه وَفِي صحوه متحفظ بتصرفا والصحو والسكر بَعْد الذوق والشرب
стр. 164
ومن ذَلِكَ الذوق والشرب ومن جملة مَا يجرى فِي كلامهم الذوق والشرب ويعبرون بِذَلِكَ عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبواده الواردات وأول ذَلِكَ الذوق ثُمَّ الشرب ثُمَّ الري فصفاء معاملاتهم يوجب لَهُمْ ذوق المعاني ووفاء منازلاتهم يوجب لَهُم الشرب ودوام مواصلاتهم يقتضي لَهُم الري فصاحب الذوق متساكر وصاحب الري صاح، ومن قوى حبه تسرمد شربه فَإِذَا دامت بِهِ تلك الصفة لَمْ يورثه الشرب سكرا فكان صاحيا بالحق فانيا عَن كُل حظ لَمْ يتأثر بِمَا يرد عَلَيْهِ ولا يتغير عما هُوَ بِهِ، ومن صفا سره لَمْ يتكدر عَلَيْهِ الشرب، ومن صار الشراب لَهُ غذاء لَمْ يصبر عَنْهُ وَلَمْ يبق بدونه وأنشدوا:
إِنَّمَا الكاس رضاع بيننا ... فَإِذَا مَا لَمْ نذقها لَمْ نعش
وأنشدوا:
عجبت لمن يَقُول ذكرت ربي ... فهل أنسى فأذكر مَا نسيت
شربت الحب كأسا بَعْد كأس ... فَمَا نفد الشراب ولا رويت
ويقال: كتب يَحْيَي بْن معاذ إِلَى أَبِي يَزِيد البسطامي ههنا من شرب كأسا من المحبة لَمْ يظمأ بعده
стр. 165
فكتب إِلَيْهِ أَبُو يَزِيد عجبت من ضعف حالك ههنا من يحتسي بحار الكون وَهُوَ فاغر فاه يتزيد.
واعلم أَن كاسات القرب تبدو من الغيب ولا تدار إلا عَلَى أسرار معتقة وأرواح عَن رقة الأشياء محررة
стр. 166
ومن ذَلِكَ المحو والإثبات المحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العبادة، فمن نفى عَن أحواله الخصال الذميمة وأتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة فَهُوَ صاحب محو وإثبات.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: قَالَ بَعْض المشايخ لواحد: أيش تمحو وأيش تثبت؟ فسكت الرجل فَقَالَ: أما علمت أَن الوقت محو وإثبات إذ من لا محو لَهُ ولا إثبات فَهُوَ معطل مهمل وينقسم إِلَى محو الزلة عَنِ الظواهر ومحو الغفلة عَنِ الضمائر ومحو العلة عَنِ السرائر، ففي محو الزلة إثبات المعاملات، وَفِي محو الغفلة إثبات المنازلات، وَفِي محو العلة إثبات المواصلات، هَذَا محو وإثبات بشرط العبودية، وَأَمَّا حقيقة المحو والإثبات فصادران عَنِ القدرة فالمحو مَا ستره الحق ونفاه والإثبات مَا أظهره الحق وأبداه والمحو والإثبات مقصوران عَلَى المشيئة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قيل: يمحو عَن قلوب العرافين ذكر غَيْر اللَّه تَعَالَى ويثبت عَلَى ألسنة المريدين ذكر اللَّه ومحو الحق لكل أحد وإثباته عَلَى مَا يليق بحاله ومن محاه الحق سبحانه عَن مشاهدة أثبته بحق حقه
стр. 167
ومن محاه الحق عَن إثباته بِهِ رده إِلَى شهود الأغيار وأثبته فِي أودية التفرقة.
وَقَالَ رجل للشبلي ﵀: مالي أراك قلقا أليس هُوَ معك وأنت مَعَهُ؟ فَقَالَ الشبلي: لو كنت أنا مَعَهُ كنت أنا ولكني محو فيما هُوَ والمحق فَوْقَ المحو، لأن المحو يبقى أثرا والمحق لا يبقى أثرا وغاية همة الْقَوْم أَن يمحقهم الحق عَن شاهدهم ثُمَّ لا يردهم إِلَيْهِ بَعْد مَا محقهم عَنْهُم
стр. 168
ومن ذَلِكَ الستر والتجلي العوام فِي غطاء الستر والخواص فِي دوام التجلي وَفِي الْخَبَر: إِن اللَّه إِذَا تجلي لشيء خشع لَهُ فصاحب الستر بوصف شهوده وصاحب التجلي أبدا بنعت خشوعه والستر للعوام عقوبة وللخواص رحمة، إذ لولا أَنَّهُ يستر عَلَيْهِم مَا يكاشفهم بِهِ لتلاشوا عِنْدَ سلطان الحقيقة ولكنه كَمَا يظهر لَهُمْ يستر عَلَيْهِم.
سمعت مَنْصُور المغربي يَقُول: وافي بَعْض الفقراء حيا من أحياء العرب فأضافة شاب فبينا الشاب فِي خدمة هَذَا الفقير إذ غشي عَلَيْهِ فسأل الفقير عَن حاله فَقَالُوا لَهُ: بنت عم وَقَدْ علقهم فمشت فِي خيمتها فرأى الشاب غبار ذيلها فغشي عَلَيْهِ فمضى الفقير إِلَى بَاب الخيمة وَقَالَ: إِن للغريب فيكم حرمة وذماما وَقَدْ جئت مستشفعا إليك فِي أمر هَذَا الشاب فتعطفي عَلَيْهِ فيما هُوَ بِهِ من هواك، فَقَالَتْ: سبحان اللَّه أَنْتَ سليم القلب إنه لا يطيق شهود غَيْر ذيلي فكيف يطيق صحبتي؟ وعوام هذه الطائفة عيشهم فِي التجلي وبلاؤهم فِي الستر، وَأَمَّا الخواص: فَهُمْ بَيْنَ طيش وعيش، لأنهم إِذَا تجلى لَهُمْ طاشوا وإذا ستر عَلَيْهِم ردوا إِلَى الحظ فعاشوا،
стр. 169
وقيل: إِنَّمَا قَالَ الحق تَعَالَى لموسى ﵇ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ليستر عَلَيْهِ ببعض مَا يعلله بِهِ بَعْض مَا أثر فِيهِ من المكاشفة بفاجأة السماع وَقَالَ ﷺ : إنه ليغان عَلَى قلبي حَتَّى أستغفر اللَّه فِي اليوم سبعين مرة والاستغفار طلب الستر ولأن الغفر هُوَ الستر ومنه غفر الثوب والمغفرة وغيره فكأنه أخبر أَنَّهُ يطلب الستر عَلَى قلبه عِنْدَ سطوات الحقيقة إذ الخلق لا بقاء لَهُمْ مَعَ وجود الحق وَفِي الْخَبَر لو كشف عَن وجهه لحرقت سبحات وجهه مَا أدرك بصره
стр. 170
ومن ذَلِكَ المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة المحاضرة ابتداء ثُمَّ المكاشفة ثُمَّ المشاهدة فالمحاضرة حضور القلب وَقَدْ يَكُون بتواتر البرهان وَهُوَ بَعْد وراء الستر وإن كَانَ حاضرا باستيلاء سلطان الذكر ثُمَّ بعده المكاشفة وَهُوَ حضوره بنعت البيان غَيْر مفتقر فِي هذه الحالة إِلَى تأمل الدليل وتطلب السبيل ولا مستجير من دواعي الريب ولا محجوب عَن نعت الغيب ثُمَّ المشاهدة وَهِيَ حضور الحق من غَيْر بقاء تهمة فَإِذَا أصحت سماء السر عَن غيوم الستر فشمس الشهود مشرقة عَن برج الشرف وحق المشاهدة مَا قاله الجنيد ﵀: وجود الحق مَعَ فقدانك فصاحب المحاضرة مربوط بآياته وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته وصاحب المشاهدة ملقي بذاته وصاحب
المحاضرة يهديه عقله وصاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته وَلَمْ يزد فِي بيان تحقيق المشاهدة أحد عَلَى مَا قاله عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي ﵀ ومعني مَا قاله أَنَّهُ تتوالى أنوار التجلي عَلَى قلبه من غَيْر أَن يتخللها ستر وانقطاع كَمَا لو قدر اتصال البروق فكما أَن الليلة الظلماء بتوالي البروق فِيهَا واتصالها إِذَا قدرت تصير فِي ضوء النهار فَكَذَلِكَ القلب إِذَا دام بِهِ دوام التجلي متع نهاره فلا ليل وأنشدوا:
ليلي بوجهك مشرق ... وظلامه فِي النَّاس ساري
стр. 171
والناس فِي سدف الظلام ... ونحن فِي ضوء النهار
وَقَالَ النوري: لا يصح للعبد المشاهدة وَقَدْ بقي لَهُ عرق قائم وَقَالَ إِذَا طلع الصباح استغني عَنِ المصباح وتوهم قوم أَن المشاهدة تشير إِلَى طرف من التفرقة، لأن بَاب المفاعلة فِي العربية بَيْنَ اثنين وَهَذَا وَهُمْ من صاحبه فَإِن فِي ظهور الحق سبحانه ثبور الخلق وباب المفاعلة جملتها لا تقتضي مشاركة الاثنين نَحْو سافر وطارق النعل وأمثاله وأنشدوا:
فلما استبان الصبح أدرك ضوؤه ... بأنواره أنوار ضوء الكواكب
يجرعهم كأسا لو ابتلي بِهِ ... اللظى بتجريعه طارت كأسرع ذاهب
كأس وأي كأس تصطلمهم عَنْهُم وتفنيهم وتخطفهم مِنْهُم ولا تبقيهم كأس لا تبقي ولا تذر تمحوهم بالكلية ولا تبقي شظية من آثر البشرية كَمَا قَالَ قائلهم: ساروا فلم يبق لا رسم ولا أثر
стр. 172
ومن ذَلِكَ اللوائح والطوالع واللوامع قَالَ الأستاذ هذه الألفاظ متقاربة المعنى لا يكاد يحصل بينها كبير فرق وَهِيَ من صفات أَصْحَاب البدايات الصاعدين فِي الترقي بالقلب فلم يدم لَهُمْ بَعْد ضياء شموس المعارف لكن الحق يؤتي رزق قلوبهم فِي كُل حِينَ كَمَا قَالَ وَلَهُمْ رزقهم فِيهَا بكرة وعشيا فكلما أظلم عَلَيْهِم سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح لَهُمْ فِيهَا لوائح الكشف وتلألأ لوامع القرب وَهُمْ فِي زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح فَهُمْ كَمَا قَالَ القال: يا أيها البرق الَّذِي يلمع من أي أكناف السما تسطع فتكون أولا لوائح ثُمَّ لوامع ثُمَّ طوالع فاللوائح كالبروق مَا ظهرت حَتَّى استترت كَمَا قَالَ القائل: افترقنا حولا فلما التقينا كَانَ تسليمه عَلِي وداعا وأنشدوا:
يا ذا الَّذِي زار وَمَا زار ... كَأَنَّهُ مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا ... مَا ضره لو دَخَلَ الدارا
واللوامع أظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فَقَدْ تبقى اللوامع وقتين وثلاثة ولكن كَمَا قَالُوا: والعين باكية لَمْ تشبع النظرا
стр. 173
وكما قَالُوا: لَمْ ترد ماء وجهه العين إلا شرقت قبل ريها برقيب فَإِذَا لمع قطعك عَنْك وجمعك بِهِ لكن لَمْ يسفر نور نهاره حَتَّى كر عَلَيْهِ عساكر الليل فهؤلاء بَيْنَ روح ونوح، لأنهم بَيْنَ كشف وستر كَمَا قَالُوا: فالليل يشملنا بفاضل برده والصبح يلحقنا رداء مذهبا الطوالع أبقى وقتا وأقوى سلطانا وأدوم مكثا وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة لكنها موقفة عَلَى خطر الأقوال ليست برفيعة الأوج ولا بدائمة المكث ثُمَّ أوقات حصولها وشيكة الارتحال وأحوال أفوالها طويلة الأذيال وَهَذَهِ المعاني الَّتِي هِيَ اللوائح واللوامع والطوالع تختلف فِي القضايا فمنها مَا إِذَا فات لَمْ يبق عَنْهَا أثر كالشوارق إِذَا أفلت فكأن الليل كَانَ دائما ومنها مَا يبقى عَنْهُ أثر فَإِن زال رقمه بقي ألمه وإن غربت أنواره بقيت آثاره فصاحبه بَعْد سكون غلباته يعيش فِي ضياء بركاته فإلي أَن يلوح ثانيا يرجى وقته عَلَى انتظار عوده ويعيش بِمَا وجد فِي حِينَ كونه
стр. 174
ومن ذَلِكَ البواده والهجوم البواده مَا يفاجأ قلبك من الغيب عَلَى سبيل الوهلة إِمَّا موجب فرح وإما موجب ترح والهجوم مَا يرد عَلَى القلب بقوة الوقت من غَيْر تصنع منك ويختلف فِي الأنواع عَلَى حسب قوة الوارد وضعفه فمنهم من تغيره البواده وتصرفه الهواجم وَمِنْهُم من يَكُون فَوْقَ مَا يفجؤه حالا وقوة أولئك سادت الوقت كَمَا قيل: لا تهتدي نوب الزَّمَان إليهم وَلَهُمْ عَلَى الخطب الجليل لجام
стр. 175
ومن ذَلِكَ التلوين والتمكين التلوين صفة أرباب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق فَمَا دام العبد فِي الطريق فَهُوَ صاحب تلوين لأنه يرتقي من حال إِلَى حال وينتقل من وصف إِلَى وصف ويخرج من مرحل ويحصل فِي مربع فَإِذَا وصل تمكن وأنشدوا:
ما زلت أنزل فِي ودادك منزلا ... تتحير الألباب دُونَ نزوله
وصاحب التلوين أبدا فِي الزيادة وصاحب التمكين وصل ثُمَّ اتصل وأمارة أَنَّهُ اتصل أَنَّهُ بالكلية من كليته بطل.
وَقَالَ بَعْض المشايخ انتهى سفر الطالبين إِلَى الظفر بنفوسهم فَإِذَا ظفروا بنفوسهم فَقَدْ وصلوا.
قَالَ الأستاذ ﵀: يريد بِهِ انخناس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة فَإِذَا دام للعبد هذه الحالة فَهُوَ صاحب تمكين كَانَ الشيخ أَبُو عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول: كَانَ مُوسَى ﵇ صاحب تلوين فرجع من سماع الْكَلام واحتاج إِلَى ستر وجهه لأنه أثر فِيهِ الحال، ونبينا ﷺ كَانَ صاحب تمكين فرجع كَمَا ذهب لأنه لَمْ يؤثر فِيهِ مَا شاهده تلك الليلة وَكَانَ يتشهد عَلَى هَذَا بقصة يُوسُف ﵇ أَن النسوة اللاتي رأين يُوسُف ﵇ قطعن أيديهم لما ورد عليهن من شهود يُوسُف ﵇ عَلَى وجه الفجأة وامرأة
стр. 176
الْعَزِيز كانت أتم فِي بلاء يُوسُف منهن ثُمَّ لَمْ تتغير عَلَيْهَا شعرة ذَلِكَ اليوم لأنها كانت صاحبة تمكين فِي حَدِيث يُوسُف ﵇.
وَقَالَ الأستاذ واعلم أَن التغير بِمَا يرد عَلَى العبد يَكُون لأحد أمرين: إِمَّا لقوة الوارد أَوْ لضعف صاحبه والسكون من صاحبه لأحد أمرين: إِمَّا لقوته أَوْ لضعف الوارد عَلَيْهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: أصول الْقَوْم فِي جواز دوام التمكين تتخرج عَلَى وجهين أحدهما لا سبيل إِلَيْهِ لأنه قَالَ ﷺ : لو بقيتم عَلَى مَا كنتم عَلَيْهِ عندي لصافحتكم الملائكة ولأنه ﷺ ، قَالَ: لي وقت لا يسعني فِيهِ غَيْر ربي أخبر عَن وقت مخصوص قَالَ رحمه اللَّه تَعَالَى والوجه الثَّانِي أَنَّهُ يصح دوام الأحوال، لأن أهل الحقائق ارتقوا عَن وصف التأثر بالطوارق والذي فِي الْخَبَر أَنَّهُ قَالَ: لصافحتكم الملائكة فلم يعلق الأمر فِيهِ عَلَى أمر مستحيل ومصافحة الملائكة دُونَ مَا أثبت لأهل البداية من قَوْله ﷺ إِن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بِمَا يصنع
стр. 177
وَمَا قَالَ لي وقت قائما قَالَ عَلَى حسب فَهُم السامع وَفِي جَمِيع أحواله كَانَ قائما بالحقيقة والأولى أَن يقال إِن العبد مَا دام فِي الترقي فصاحب تلوين يصح فِي نعته الزيادة فِي الأحوال والنقصان منها فَإِذَا وصل إِلَى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنه الحق سبحانه فِي كُل نفس فلا حد لمقدوراته فَهُوَ فِي الزيادات متلون بَل ملون وَفِي أصل حاله متمكن فأبدا يتمكن فِي حالة أعلى مِمَّا كَانَ فِيهَا قبله ثُمَّ يرتقي عَنْهَا إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه فِي كُل جنس، فأما المصطلم عَن شاهده المستوفي إحساسه بالكلية فللبشرية لا محالة حد فَإِذَا بطل عَن جملته ونفسه وحسه وَكَذَلِكَ عَنِ المكونات بأسرها ثُمَّ دامت بِهِ هذه الغيبة فَهُوَ محو فلا تمكين لَهُ إذن ولا تلوين ولا مقام ولا حال وما دام بِهَذَا الوصف فلا تشريف ولا تكليف اللَّهُمَّ إلا أَن يرد بِمَا يجري عَلَيْهِ من غَيْر شَيْء منه فذلك متصرف فِي ظنون الخلق مصرف فِي التحقيق قَالَ اللَّه تعالي: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨] وبالله التوفيق
стр. 178
ومن ذَلِكَ التقرب والبعد أول رتبة فِي القرب القرب من طاعته والاتصاف فِي دوام الأوقات بعبادته.
وَأَمَّا البعد فَهُوَ التدنس بمخالفته والتجافي عَن طاعته فأول البعد بَعْد عَنِ التوفيق ثُمَّ بَعْد عَنِ التحقيق بَل البعد عَنِ التوفيق هُوَ البعد عَنِ التحقيق قَالَ ﷺ مخبرا عَنِ الحق سبحانه: مَا تقرب إلي المتقربون بمثل أداء مَا افترضت عَلَيْهِم ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حَتَّى يحبني وأحبه فَإِذَا أحببته كنت لَهُ سمعا وبصرا فبي يبصر وبي يسمع الخير فقرب العبد أولا قرب بإيمانه وتصديقه ثُمَّ قرب بإحساسه وتحقيقه وقرب الحق سبحانه مَا يخصه اليوم بِهِ من العرفان وَفِي الآخرة مَا يكرمه بِهِ من الشهود والعيان وَفَيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بوجود اللطف والامتنان ولا يَكُون قرب العبد من الحق إلا ببعدنا من الخلق وَهَذَهِ من صفات القلوب دُونَ أحكام الظواهر والكون فقرب الحق سبحانه بالعلم والقدرة عام للكافة وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ثُمَّ بخصائص التأنيس مختص بالأولياء قَالَ اللَّه تعالي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَقَالَ تعالي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] وَقَالَ تعالي ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَقَالَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ومن تحقق بقرب الحق فأدونه دوام مراقبته إياه لأنه عَلَيْهِ رقيب التقوى ثُمَّ رقيب الحفاظ والوفاء ثُمَّ رقيب الحياء
стр. 179
وأنشدوا:
كأن رقيبا منك يرعى خواطري ... وآخر يرعي ناظري ولساني
فَمَا رمقت عيناي بعدك منظرا ... يسوؤك إلا قُلْت: قَدْ رقاني
ولا بدرت من فِي دونك لفظة ... لغيرك إلا قُلْت: قَدْ سماني
ولا خطرت فِي السر بعدك خطرة ... لغيرك إلا عرجا بعناني
وإخوان صدق قَدْ سئمت حَدِيثهم ... وأمسكت عَنْهُم ناظري ولساني
وَمَا الزهد أسلي عَنْهُم غَيْر أنني ... وجدجتك مشهودي بكل مكان
وَكَانَ بَعْض المشايخ يخص واحدا من تلامذته إقباله عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْحَابه لَهُ فِي ذَلِكَ فدفع إلي كُل واحد مِنْهُم طيرا وَقَالَ اذبحوه بحيث لا يراه أحد فمضى كُل واحد وذبح الطير بمكان خال وجاء هَذَا الإِنْسَان والطير مَعَهُ غَيْر مذبوح فسأله الشيخ فَقَالَ: أمرتني أَن أذبحه بحيث لا يراه أحد وَلَمْ يكن موضع إلا والحق سبحانه يراه فَقَالَ الشيخ لِهَذَا أقدم هَذَا عليكم إذ الغالب عليكم حَدِيث الخلق وَهَذَا غَيْر غافل عَنِ الحق ورؤية القرب حجاب عَنِ القرب فمن شاهد لنفسه محلا أَوْ نفسا فَهُوَ ممكور بِهِ ولهذا قَالُوا أوحشك اللَّه تَعَالَى من قربه أي من شهودك لقربه فَإِن الاستئناس بقربه من سمات العزة بِهِ إذ الحق سبحانه وراء كُل أَنَس وإن مواضع الحقيقة توجب الدهش والمحو وَفِي قريب من هَذَا قَالُوا: محنتي فيك إنني مَا أبالي بمحنتي قربكم مثل بعدكم فَمَتَى وقعت راحتي وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ﵀ كثيرا مَا ينشد:
ودادكم هجر وحبكم قلى ... وقربكم بَعْد وسلمكم حرب
стр. 180
ورأى أَبُو الْحُسَيْن النوري بَعْض أَصْحَاب أَبِي حمزة فَقَالَ: أَنْتَ من أَصْحَاب أَبِي حمزة الَّذِي يشير إِلَى القرب، إِذَا لقيته فقل لَهُ إِن أبا الْحُسَيْن النوري يقرئك السَّلام وَيَقُول لَك: قرب القرب فيما نحن فِيهِ بَعْد البعد فأما القرب بالذات فتعالى اللَّه الْمَلِك الحق عَنْهُ فَإِنَّهُ متقدس عَنِ الحدود والأقطار والنهاية والمقدار مَا اتصل بِهِ مخلوق ولا انفصل عَنْهُ حادث مسبوق بِهِ جلت العملية عَن قبول الوصل والفصل فقرب هُوَ فِي نعته محال وَهُوَ تداني الذوات وقرب هُوَ واجب فِي نعته وَهُوَ قرب بالعلم والرؤية وقرب هُوَ جائز فِي وصفه يخص بِهِ من يشاء من عباده وَهُوَ قرب الفضل باللطف
следующие страницы →