Полный текст (562 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن منازل شيخ الملامتية وأوحد وقته، صحب حمدون القصار وَكَانَ عالما وكتب الْحَدِيث الكثير مَات بنيسابور سنة تسع وعشرين أَوْ ثلاثين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ المعلم يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: لَمْ يضع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه اللَّه تَعَالَى بتضييع السنن وَلَمْ يبل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أَن يبتلى بالبدع.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد بْن عيسى يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: أفضل أوقاتك وقت تسلم فِيهِ من هواجس نفسك ووقت تسلم النَّاس فِيهِ من سوء ظنك.
стр. 107
وَمِنْهُم أَبُو عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب الثقفي إمام الوقت صحب أبا حفص وحمدون القصار وَبِهِ ظهر التصوف بنيسابور، مَات سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الثقفي يَقُول: لو أَن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف النَّاس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أَوْ إمام أَوْ مؤدب ناصح ومن لَمْ يأخذ أدبه من أستاذ يريه عيوب أعماله ورعونات نَفْسه لا يَجُوز الاقتداء بِهِ فِي تصحيح المعاملات، وَقَالَ: أَبُو عَلَى ﵀: يَأْتِي عَلَى هذه الأمة زمان لا تطيب المعيشة فِيهِ لمؤمن إلا بَعْد استناده إِلَى منافق، وَقَالَ: أف من أشغالا لدنيا إِذَا أقبلت وأف من حسراتها إِذَا أدبرت، والعاقل من لا يركن إِلَى شَيْء إِذَا أقبل كَانَ شغلا، وإذا أدبر كَانَ حسرة.
стр. 108
وَمِنْهُم أَبُو الخير الأقطع مغربي الأصل سكن تينات وَلَهُ كرامات وفراسة حادة كَانَ كبير الشأن، مَات سنة نيف وأربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو الخير: مَا بلغ أحد إِلَى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين.
стр. 109
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عَلِيّ الكتاني بغدادي الأصل صحب الجنيد والخراز والنوري وجاور بمكة إِلَى أَن مَات سنة اثنين وعشرين وثلاث مائة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: نظر الكتاني إِلَى شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل النَّاس فَقَالَ: هَذَا رجل أضاع حق اللَّه فِي صغره فضيعه اللَّه فِي كبره، وَقَالَ الكتاني: الشهوة زمام الشَّيْطَان من أخذ بزمامه كَانَ عبده.
стр. 110
وَمِنْهُم أَبُو يعقوب إِسْحَاق بْن مُحَمَّد النهرجوري صحب أبا عَمْرو الْمَكِّي وأبا يعقوب السوسي والجنيد وغيرهم مَات بمكة مجاورا بِهَا سنة ثلاثين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: الدنيا بحر والآخرة ساحل، والمركب التقوى، والناس سفر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: رأيت رجلا فِي الطواف بفرد عين يَقُول: أعوذ بك منك فَقُلْتُ: مَا هَذَا الدعاء؟ فَقَالَ: نظرت يوما إِلَى الشخص فاستحسنته وإذا لطمة وقعت عَلَى بصرى فسالت عيني فسمعت هاتفا يَقُول: لطمة بنظرة ولو زدت لزدناك.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: أفضل الأحوال مَا قارن العلم.
стр. 111
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن مُحَمَّد المزين من أهل بغداد، أَصْحَاب سهل بْن عَبْد اللَّهِ والجنيد والطبقة، مَات بمكة مجاورا سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وَكَانَ ورعا كبيرا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت المزين يَقُول: الذنب بَعْد الذنب عقوبة الذنب الأَوَّل، والحسنة بَعْد الحسنة ثواب الحسنة الأولى.
وسئل المزين عَنِ التوحيد فَقَالَ: أَن تعلم أَن أوصافه تَعَالَى بائنة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كَمَا باينوه بصفاتهم حدثا.
وَقَالَ: من لَمْ يستغن بالله أحوجه اللَّه إِلَى الخلق، ومن استغنى بالله أحوج اللَّه إِلَيْهِ الخلق.
стр. 112
وَمِنْهُم أَبُو عَلِي بْن الكاتب واسمه الْحَسَن بْن أَحْمَد، صحب أبا عَلِيّ الروذباري وأبا بَكْر الْمِصْرِي وغيرهما، كَانَ كبيرا فِي حاله، مَات سنة نيف وأربعين وثلاث مائة.
قَالَ ابْن الكاتب: إِذَا سكن الخوف فِي القلب لَمْ ينطق اللسان إلا بِمَا يعنيه.
وَقَالَ ابْن الكاتب: المعتزلة نزهوا اللَّه تَعَالَى من حيث العقل فأخطؤوا، والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا.
стр. 113
وَمِنْهُم مظفر القرمسيني من أشياخ الجبل صحب عَبْد اللَّهِ الخراز وغيره.
قَالَ مظفر القرمسيني: الصوم عَلَى ثلاثة أوجه: صوم الروح بقصر الأمل، وصوم العقل بخلاف الهوى، وصوم النفس بالإمساك عَنِ الطعام والمحارم.
وَقَالَ مظفر أخس الأرفاق أرفاق النسوان عَلَى أي وجه كَانَ.
وَقَالَ: الجوع إِذَا ساعدته القناعة فَهُوَ من مزرعة الفكر وينبوع الحكمة وحياة الفطنة ومصباح القلب.
وَقَالَ: أفضل أعمال العبيد حفظ أوقاتهم الحاضرة وَهُوَ أَن لا يقصروا فِي أمر ولا يتجاوزوا عَن حد.
وَقَالَ: من لَمْ يأخذ الأدب عَن حَكِيم لَمْ يتأدب بِهِ مريد.
стр. 114
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر عَبْد اللَّهِ بْن طاهر الأبهري من أقران الشبلي من مشايخ الجبل عالم ورع صحب يُوسُف بْن الْحُسَيْن وغيره مَات بقرب من الثلاثين والثلاث مائة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن طاهر يَقُول: من حكم الفقير أَن لا يَكُون لَهُ رغبة فَإِن كَانَ ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته يعنى المحتاج إِلَيْهِ، وبهذا الإسناد قَالَ: إِذَا أحببت أَخَا فِي اللَّه فأقلل مخالطته فِي الدنيا.
стр. 115
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بْن بنان ينتمي إِلَى أَبِي سَعِيد الخراز من كبار مشايخ مصر قَالَ ابْن بنان: كُل صوفي كَانَ هُم الرزق قائما فِي قلبه، فلزوم العمل أقرب إِلَيْهِ، وعلامة سكون القلب إِلَى اللَّه أَن يَكُون بِمَا فِي يد اللَّه أوثق منه بِمَا فِي يده، وَقَالَ: اجتنبوا دناءة الأخلاق كَمَا تجتنبون الحرام.
стр. 116
وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن شيبان القرمسيني شيخ وقته صحب أبا عَبْد اللَّهِ المغربي والخواص وغيرهما.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا يَزِيد المروزي الفقيه يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: من أراد أَن يتعطل أَوْ يتبطل فليلزم الرخص.
وبهذا الإسناد قَالَ: علم الفناء والبقاء يدور عَلَى إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وَمَا كَانَ غَيْر هَذَا فَهُوَ المغاليط والزندقة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: السفلة من يعصى اللَّه .
стр. 117
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر الْحُسَيْن بْن عَلِي بْن يزدانيار من أرمينية لَهُ طريقة يختص بِهَا فِي التصوف وَكَانَ عالما ورعا وَكَانَ ينكر عَلَى بَعْض العارفين فِي إطلاقات وألفاظ لَهُمْ.
قَالَ ابْن يزدانيار: إياك أَن تطمع فِي الأنس بالله وأنت تحب الأنس بالناس، وإياك أَن تطمع فِي حب اللَّه وأنت تحب الفضول، وإياك أَن تطمع فِي المنزلة عِنْدَ اللَّه وأنت تحب المنزلة عِنْدَ النَّاس.
стр. 118
وَمِنْهُم أَبُو سَعِيد بْن الأعرابي واسمه أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن زِيَاد البصري جاور الحرم وَمَاتَ بِهِ سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، صحب الجنيد وعمرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي والنوري وغيرهم، قَالَ ابْن الأعرابي: أخسر الخاسرين من أبدى لِلنَّاسِ صَالِح أعماله، وبارز بالقبيح من هُوَ أقرب إِلَيْهِ من حبل الوريد.
стр. 119
وَمِنْهُم أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الزجاجي النَّيْسَابُورِيّ جاور بمكة سنين كثيرة وَمَاتَ بِهَا، صحب الجنيد وأبا عُثْمَان والنوري والخواص ورويما، مَات سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: سئل أَبُو عَمْرو الزجاجي مَا بالك تتغير عِنْدَ التكبيرة الأولى فِي الفرائض؟ فَقَالَ: لأني أخشي أَن أفتتح فريضتي بخلاف الصدق، فمن يَقُول: اللَّه أكبر وَفِي قلبه شَيْء أكبر منه أَوْ قَدْ كبر شَيْئًا سواه عَلَى مرور الأوقات فَقَدْ كذب نَفْسه عَلَى لسانه، وَقَالَ: من تكلم عَن حال لَمْ يصل إِلَيْهِ كَانَ كلامه فتنة لمن يسمعه، ودعوى تتولد فِي قلبه، وحرمه اللَّه الوصول إِلَى تلك الحال.
وَقَدْ جاور بمكة سنين كثيرة لَمْ يتطهر فِي الحرم بَل كَانَ يخرج إِلَى الحل ويتطهر فِيهِ احتراما للحرم.
стр. 120
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير بغدادي المنشأة والمولد صحب الجنيد وانتمى إِلَيْهِ وصحب النوري ورويما وسمنون والطبقة.
مَات ببغداد سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
قَالَ جَعْفَر: لا يجد العبد لذة المعاملة مَعَ اللَّه مَعَ لذة النفس، لأن أهل الحقائق قطعوا العلائق الَّتِي تقطعهم عَنِ الحق قبل أَن تقطعهم العلائق.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: إِن مَا بَيْنَ العبد وبين الوجود أَن تسكن التقوى قلبه، فَإِذَا سكنت التقوى قلبه نزلت عَلَيْهِ بركات العلم، وزالت عَنْهُ رغبة الدنيا.
стр. 121
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس السياري واسمه القاسم بْن القاسم من مرور صحب الواسطي وانتمى إِلَيْهِ فِي علوم هذه الطائفة وَكَانَ عالما، مَات سنة اثنين وأربعين وثلاث مائة، سئل أَبُو الْعَبَّاس السياري بماذا يروض المريد نَفْسه؟ فَقَالَ: بالبصر عَلَى فعل الأوامر واجتناب النواهي وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء، وَقَالَ: مَا التذ عاقل بمشاهدة الحق قط، لأن مشاهدة الحق فناء لَيْسَ فِيهَا لذة.
стр. 122
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن دَاوُد الدينوري المعروف بالدقي أقام بالشام وعاش أَكْثَر من مائة سنة مَات بدمشق بَعْد الخمسين والثلاث مائة صحب ابْن الجلاء والزقاق، قَالَ أَبُو بَكْر الدقي: المعدة موضوع يجمع الأطعمة فاذا طرحت فِيهَا الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة، وإذا طرحت فِيهَا الشبهة اشتبه عليك الطريق إِلَى اللَّه، وإذا طرحت فِيهَا التبعات كَانَ بينك وبين أمر اللَّه حجاب.
стр. 123
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي مولده ومنشؤه بنيسابور صحب أبا عُثْمَان الحيري والجنيد ويوسف بْن الْحُسَيْن ورويما وسمنونا وغيرهم، مَات سنة ثَلاث وخمسين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول وَقَدْ سئل: مَا بال النَّاس يعرفون عيوبهم ولا يَرْجِعُونَ إِلَى الصواب؟ فَقَالَ: لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم وَلَمْ يشتغلوا باستعماله واشتغلوا بالظواهر وَلَمْ يشتغلوا بآداب البواطن، فأعمى اللَّه قلوبهم وقيد جوارحهم عَنِ العبادات.
стр. 124
وَمِنْهُم أَبُو عُمَر إِسْمَاعِيل بْن نجيد صحب أبا عُثْمَان ولقي الجنيد وَكَانَ كبير الشأن آخر من مَات من أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان.
توفي بمكة سنة ست وستين وثلاث مائة، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: كُل حال لا يَكُون عَن نتيجة علم فَإِن ضرره عَلَى صاحبه أَكْثَر من نفعه، قَالَ: وسمعته يَقُول: من ضيع فِي وقت من أوقاته فريضة افترضها اللَّه عَلَيْهِ حرم لذة تلك الفريضة ولو بَعْد حِينَ.
قَالَ: وسئل عَنِ التصوف فَقَالَ: الصبر تَحْتَ الأمر والنهي قَالَ: وَقَالَ: آفة العبد رضاه من نَفْسه بِمَا هُوَ فِيهِ.
стр. 125
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن أَحْمَد بْن سهل البوشنجي أحد فتيان خراسان لقي أبا عُثْمَان وابن عَطَاء والجريري وأبا عَمْرو الدمشقي، مَات سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
وسئل البوشنجي عَنِ المروءة فَقَالَ: هِيَ ترك استعمال مَا هُوَ محرم عليك مَعَ الكرام الكاتبين، وَقَالَ لَهُ إِنْسَان: ادع اللَّه لي فَقَالَ: أعاذك اللَّه من فتنتك، وَقَالَ: أول الإيمان منوط بآخره.
стр. 126
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن خفي الشيرازي صحب رويما والجريري وابن عَطَاء وغيرهم، مَات سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة شيخ الشيوخ وواحد وقته.
قَالَ ابْن خفيف: الإرادة استدامة الكد وترك الراحة وَقَالَ: لَيْسَ شَيْء أضر عَلَى المريد من مسامحة النفس فِي ركوب الرخص وقبول التأويلات.
وسئل عَنِ القرب فَقَالَ: قربك منه تَعَالَى بملازمة الموافقات وقربه منك بدوام التوفيق.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: رُبَّمَا كنت أقرأ فِي ابتداء أمرى فِي ركعة واحدة عشر آلاف مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وربما كنت اقرأ فِي ركعة واحدة الْقُرْآن كُلهُ، وربما كنت أصلي من الغداة إِلَى العصر ألف ركعة.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الشيرازي ﵀ يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول: دَخَلَ يوما من الأيام فَقِير، فَقَالَ للشيخ أَبِي عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: بي وسوسة، فَقَالَ الشيخ: عهدي بالصوفية يسخرون من الشَّيْطَان والآن الشَّيْطَان يسخر مِنْهُم، وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الكرخي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: ضعفت عَنِ القيام فِي النوافل فجعلت بدل كُل ركعة من أورادي ركعتين قاعدا للخبر: صلاة القاعد عَلَى النصف من صلاة القائم.
стр. 127
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بندار بْن الْحُسَيْن الشيرازي كَانَ عالما بالأصول كبيرا فِي الحال صحب الشبلي.
مَات بأرجان سنة ثَلاث وخمسين وثلاث مائة.
قَالَ بندار بْن الْحُسَيْن لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لَك دعها لمالكها يفعل بِهَا مَا يريد، وَقَالَ بندار: صحبة أهل البدع تورث الإعراض عَنِ الحق، وَقَالَ بندار: أترك مَا تهوى لما تأمل.
стр. 128
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر الطمستاني: صحب إِبْرَاهِيم الدباغ وغيره، وَكَانَ أوحد وقته علما وحالا.
مَات بنيسابور بَعْد سنة أربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو بَكْر الطمستاني: النعمة العظمي الخروج من النفس والنفس أَعْظَم حجاب بينك وبين اللَّه.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الطمستاني يَقُول: إِذَا هُم القلب عوقب فِي الوقت، وَقَالَ: الطريق واضح والكتاب والسنة قائم بَيْنَ أظهرنا وفضل الصَّحَابَة معلوم لسبقهم إِلَى الهجرة ولصحبتهم، فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب عَنْهُ نَفْسه والخلق وهاجر بقلبه إِلَى اللَّه فَهُوَ الصادق المصيب
стр. 129
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد الدينوري صحب يُوسُف بْن الْحُسَيْن وابن عَطَاء والجريري وَكَانَ عالما فاضلا ورد نيسابور وأقام بِهَا مدة وَكَانَ يعظ النَّاس، ويتكلم عَلَى لسان المعرفة، ثُمَّ ذهب إِلَى سمرقند وَمَاتَ بِهَا بَعْد الأربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري: أدنى الذكر أَن تنسى مَا دونه، ونهاية الذكر أَن يغيب الذاكر فِي الذكر عَنِ الذكر، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري: نقضوا أركان التصوف وعدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها، سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عَنِ الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع عَلَى الدنيا وصلا، وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة، والسؤال عملا، وبذاءة اللسان ملامة، وَمَا هَذَا كَانَ طريق الْقَوْم
стр. 130
وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن سلام المغربي أوحد عصره لَمْ يوصف مثله قبله، صحب ابْن الكاتب وحبيبا المغربي وأبا عَمْرو الزجاجي ولقي النهرجوري وابن الصائغ وغيرهم.
مَات بنيسابور سنة ثَلاث وسبعين وثلاث مائة، وأوصي بأن يصلي عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك رحمه اللَّه تَعَالَى.
سمعت الأستاذ أبا بَكْر بْن فورك يَقُول: كنت عِنْدَ أَبِي عُثْمَان المغربي حِينَ قرب أجله وعلى القوال الصغير يَقُول شَيْئًا، فلما تغير عَلَيْهِ الحال أشرنا عَلَى عَلِي بالسكوت ففتح الشيخ أَبُو عُثْمَان عينيه، وَقَالَ: لَمْ لا يَقُول عَلِي شَيْئًا؟ فَقُلْتُ لبعض الحاضرين: سلوه علام يسمع المستمع فإني أحتشمه فِي تلك الحالة، فسألوه فَقَالَ: إِنَّمَا يسمع من حيث يسمع وَكَانَ فِي الرياضة كبير الشأن.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: التقوى هِيَ الوقوف مَعَ الحدود لا يقصر فِيهَا ولا يتعداها، وَقَالَ: من آثر صحبة الأغنياء عَلَى مجالسه الفقراء ابتلاه اللَّه بموت القلب.
стр. 131
وَمِنْهُم أَبُو القاسم إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد النصرأباذي شيخ خراسان فِي وقته صحب الشبلي وأبا عَلِي الروذباري والمرتعش، جاور بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى سنة ست وستين وثلاث مائة وَمَاتَ بِهَا سنة تسع وستين وثلاث مائة وَكَانَ عالما بالحَدِيث كثيرا الرواية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: إِذَا بدا لَك شَيْء من بوادي الحق فلا تلتفت معها إِلَى جنة ولا إِلَى نار فَإِذَا رجعت عَن تلك الحال فعظم مَا عظمه اللَّه.
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قبل للنصر أباذي: إِن بَعْض النَّاس يجالس النسوان يَقُول: أنا معصوم فِي رؤيتهن فَقَالَ: ما دامت الأشباح باقية فان الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب بِهِ ولن يجترئ عَلَى الشبهات إلا من تعرض للمحرمات.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قَالَ النصراباذي: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلق والمداومة عَلَى الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.
стр. 132
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن إِبْرَاهِيم الحصري البصري سكن بغداد عجيب الحال واللسان شيخ وقته ينتمي إِلَى الشبلي مَات ببغداد سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة قَالَ الحصري: النَّاس يقولون الحصري لا يَقُول بالنوافل وعلى أوراد من حال الشباب لو تركت ركعة لعوتبت، وَقَالَ: من ادعى فِي شَيْء من الحقيقة كذبته شواهد كشف البراهين
стр. 133
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري ابْن أخت الشيخ أَبِي عَلِي الروذباري شيخ الشام فِي وقته مَات بصور سنة تسع وستين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن سَعِيد المصيصي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري: يَقُول كنت راكبا جملا فغاصت رجلا الجمل فِي الرمل فَقُلْتُ: جل اللَّه فَقَالَ الجمل: جل اللَّه، وكأن أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري إِذَا دعا أَصْحَابه مَعَهُ إِلَى دعوة فِي دور السوقة ومن لَيْسَ من أهل التصوف لا يخبر الفقراء بِذَلِكَ، وَكَانَ يطمعهم شَيْئًا فاذا فرغوا أخبرهم ومضى بِهِمْ، فكانوا قَدْ أكلوا فِي الوقت فلا يمكنهم أَن يمدوا أيديهم إِلَى طَعَام الدعوة إلا بالتعزز، وإنما كَانَ يفعل ذَلِكَ لئلا تسوء ظنون النَّاس بهده الطائفة، فيأثموا بسببهم، وقيل: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري يمشي عَلَى أثر الفقراء يوما، وكذا كانت عادته أَن يمشي عَلَى أثرهم وكانوا يمضون إِلَى دعوة، فَقَالَ إِنْسَان: يقال هَؤُلاءِ المستحلون وبسط لسانه فيهم وَقَالَ فِي أثناء كلامه: إِن واحدا مِنْهُم قَد استقرض مني مائة درهم وَلَمْ يردها، ولست أدري أين أطلبه، فلما دخلوا دار الدعوة قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري لصاحب الدار وَكَانَ من محبي هذه الطائفة: ائتني بمائة درهم إِن أردت سكون قلبي
стр. 134
فأتاه بِهَا فِي الوقت فَقَالَ لبعض أَصْحَابه: احمل هذه المائة إِلَى البقال الفلاني وقل لَهُ: هذه المائة الَّتِي استقرضها منك بَعْض أَصْحَابنا وَقَدْ وقع لَهُ فِي التأخير بِهَا عذر وَقَدْ بعثها الآن فاقبل عذره، فمضى الرجل وفعل، فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقال فأخذ البقال فِي مدحهم يَقُول: هَؤُلاءِ هُم الثقاة الأمناء الصلحاء وَمَا أشبه ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري: أقبح من كُل قبيح صوفي شحيح.
قَالَ أَبُو القاسم الأستاذ الإِمَام جمال الإِسْلام ﵁.
هَذَا هُوَ ذكر جَمَاعَة من شيوخ هذه الطائفة كَانَ الغرض من ذكرهم فِي هَذَا الموضوع التنبيه عَلَى أنهم مجمعون عَلَى تعظيم الشريعة متصفون بسلوك طرق الرياضة مقيمون عَلَى متابعة السنة غَيْر مخلين بشيء من آداب الديانة، متفقون عَلَى أَن من خلا من المعاملات والمجاهدات وَلَمْ يبن أمره عَلَى أساس الورع والتقوى كَانَ مفتريا عَلَى اللَّه فيما يدعيه مفتونا هلك فِي نَفْسه، وأهلك من أغتر بِهِ مِمَّن ركن إِلَى أباطيله ولو تقصينا وتتبعنا ورد عَنْهُم من ألفاظهم وحكاياتهم ووصف سيرهم، مِمَّا يدل عَلَى أحوالهم لطال بِهِ الكتاب وحصل منه الملال، وَفِي هَذَا القدر الَّذِي لوحنا بِهِ فِي تحصيل المقصود غنية، وبالله التوفيق.
فأما المشايخ الَّذِينَ أدركناهم وعاصرناهم وإن لَمْ يتفق لنا لقياهم مثل الأستاذ الشهيد لسان وقته وأوحد عصره: أَبِي عَلِي الْحَسَن بْن عَلِي الدقاق، والشيخ نسيج وحده فِي وقته: أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، وأبي الْحَسَن عَلِي بْن جهضم مجاور الحرم، والشيخ أَبِي الْعَبَّاس القصار بطبرستان، وَأَحْمَد الأسود بالدينور، وأبي القاسم الصيرفي بنيسابور، وأبي سهل الخشاب الكبير بِهَا، ومنصور بْن خلف المغربي، وأبي سَعِيد الماليني،
стр. 135
وأبي طاهر الخوزندي قدس اللَّه أرواحهم وغيرهم، فلو اشتغلنا بذكرهم وتفصيل أحوالهم لخرجنا عَنِ المقصود فِي الإيجاز، وغير ملتبس من أحوالهم حسن سيرهم فِي معاملاتهم.
وسنورد من حكاياتهم طرفا فِي مواضع من هذه الرسالة إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
стр. 136
بَاب فِي تفسير ألفاظ تدور بَيْنَ هذه الطائفة وبيان مَا يشكل منها اعلم أَن من المعلوم أَن كُل طائفة من الْعُلَمَاء لَهُمْ ألفاظ يستعملونها انفردوا بِهَا عمن سواهم تواطأوا عَلَيْهَا لأغراض لَهُمْ فِيهَا من تقريب الفهم عَلَى المخاطبين بِهَا أَوْ تسهيل عَلَى أهل تلك الصنعة فِي الوقوف عَلَى معانيهم بإطلاقها، وَهَذَهِ الطائفة مستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بِهَا الكشف عَن معانيهم لأنفسهم والإجمال والستر عَلَى من باينهم فِي طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة عَلَى الأجانب غيرة مِنْهُم عَلَى أسرارهم أَن تشيع فِي غَيْر أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أَوْ مجلوبة بضرب تصرف، بَل هِيَ معان أودعها اللَّه تَعَالَى قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم ونحن نريد شرح هذه الألفاظ تسهيل الفهم عَلَى من يريد الوقوف عَلَى معانيهم من سالكي طرقهم ومتبعي سننهم.
стр. 137
فمن ذَلِكَ الوقت حقيقة الوقت عِنْدَ أهل التحقيق حادث متوهم علق حصوله عَلَى حادث متحقق، فالحادث المتحقق وقت الحادث المتوهم تقول: آتيك رأس الشهر، فالإتيان متوهم ورأس الشهر حادث متحقق فرأس الشهر وقت الإتيان.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول: الوقت مَا أَنْتَ فِيهِ إِن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن، يريد بِهَذَا أَن الوقت مَا كَانَ هُوَ الغالب عَلَى الإِنْسَان، وَقَدْ يعنون بالوقت مَا هُوَ فِيهِ من الزَّمَان، فَإِن قوما قَالُوا: الوقت مَا بَيْنَ الزمانين يَعْنِي الماضي والمستقبل، ويقولون: الصوفي ابْن وقته.
يريدون بِذَلِكَ أَنَّهُ مشتغل بِمَا هُوَ أولى بِهِ فِي الحال قائم بِمَا هُوَ مطالب بِهِ فِي الحين.
وقيل: الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بَل يهمه وقته الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وقيل: الاشتغال بفوات وقت ماض تضييع وقت ثان، وَقَدْ يريدون بالوقت مَا يصادفهم من تصريف الحق لَهُمْ دُونَ مَا يختارون لأنفسهم، ويقولون فُلان بحكم الوقت، أي أَنَّهُ مستسلم لما يبدو لَهُ من الغيب من غَيْر اختيار لَهُ، وَهَذَا فيما لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِم فِيهِ أمر أَوِ اقتضاء بحق شرع، إذ التضييع لما أمرت بِهِ، وإحالة الأمر فِيهِ عَلَى التقدير، وترك المبالاة بِمَا يحصل منك من التقصير خروج عَنِ الدين.
стр. 138
ومن كلامهم: الوقت سَيْف، أي: كَمَا أَن السَيْف قاطع، فالوقت بِمَا يمضيه الحق ويجريه غالب.
وقيل: السَيْف لين مسه قاطع حده، فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم، كَذَلِكَ الوقت من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردى، وأنشدوا فِي ذَلِكَ:
وكالسَيْف إِن لاينته لان مسه ... وحداه إِن خاشنته خشنان
ومن ساعده الوقت فالوقت لَهُ وقت، ومن ناكده الوقت فالوقت عَلَيْهِ مقت.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول: الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك، يَعْنِي: لو محاك وأفناك لتخلصت حِينَ فنيت، لكنه يأخذ منك ولا يمحوك بالكلية، وَكَانَ ينشد فِي هَذَا المعنى:
كُل يَوْم يمر يأخذ بعضي ... يورث القلب حسرة ثُمَّ يمضي
وَكَانَ ينشد أيضًا:
كأهل النار إِن نضجت جلود ... أعيدت للشقاء لَهُمْ جلود
وَفِي معناه:
لَيْسَ من مَات فاستراح بميت ... إِنَّمَا الميت ميت الأحياء
والكيس من كَانَ يحكم وقته إِن كَانَ وقته الصحو فقيامه بالشريعة، وإن كَانَ وقته المحو فالغالب عَلَيْهِ أحكام الحقيقة،
стр. 139
ومن ذَلِكَ المقام والمقام: مَا يتحقق بِهِ العبد بمنازلته من الآداب بِمَا يتوصل إِلَيْهِ بنوع تصرف، ويتحقق بِهِ بضرب تطلب ومقاساة تكلف فمقام كُل أحد موضع إقامته عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا هُوَ مشتغل بالرياضة لَهُ وشرطه أَن لا يرتقي من مقام إِلَى مقام آخر مَا لَمْ يستوف أحكام ذَلِكَ المقام فان من لا قناعة لَهُ لا يصح لَهُ التوكل ومن لا توكل لَهُ لا يصح لَهُ التسليم، وَكَذَلِكَ من لا توبة لَهُ لا تصح لَهُ الإنابة ومن لا ورع لَهُ لا يصح لَهُ الزهد، والمقام هُوَ الإقامة كالمدخل بمعنى الإدخال والمخرج بمعنى الإخراج، ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة اللَّه تَعَالَى إياه بِذَلِكَ المقام ليصح بناء أمره عَلَى قاعدة صحيحة، سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى، يَقُول: لما دَخَلَ الواسطي بنيسابور سأل أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان بماذا كَانَ يأمركم شيخكم؟ فَقَالُوا: كَانَ يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التفسير فِيهَا، فَقَالَ: أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عَنْهَا برؤية منشئها ومجريها، وإنما أراد الواسطي بِهَذَا صبيانهم عَن محل الإعجاب لا تعريجًا فِي أوطان للتقصير أَوْ تجويزًا للإخلال بأدب من الأداب،
стр. 140
ومن ذَلِكَ الحال والحال عِنْدَ الْقَوْم: معنى يرد عَلَى القلب من غَيْر تعمد مِنْهُم ولا اجتلاب ولا اكتساب لَهُمْ من طرب أَوْ حزن أَوْ بسط أَوْ قبض أَوْ شوق أَوِ انزعاج أَوْ هيبة أَوِ احتياج، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من غَيْر الوجود والمقامات تحصل ببذل المجهود وصاحب المقام ممكن فِي مقامه وصاحب الحال مترق عَن حاله.
وسئل ذو النون الْمِصْرِي عَنِ العارف، فَقَالَ: كَانَ ههنا فَذَهَبَ.
وَقَالَ بَعْض المشايخ: الأحوال كالبروق فَإِن بقي فحَدِيث نفس.
وَقَالُوا: الأحوال كاسمها يَعْنِي أَنَّهَا كَمَا تحل بالقلب تزول فِي الوقت، وأنشدوا:
لو لَمْ تحل مَا سميت حالا ... وكل مَا حال فَقَدْ زالا
انظر إِلَى الفيء إِذَا مَا انتهى ... يأخذ فِي النقص إِذَا طالا
وأشار قوم إِلَى بقاء الأحوال ودوامها، وَقَالُوا: إنها إِذَا لَمْ تدم وَلَمْ تتوال، فَهِيَ لوائح وبواده، وَلَمْ يصل صاحبها بَعْد إِلَى الأحوال، فَإِذَا دامت تلك الصفة فعند ذَلِكَ تسمى حالا، وَهَذَا أَبُو عُثْمَان الحيري، يَقُول: منذ أربعين سنة مَا أقامني اللَّه تعالي فِي حال فكرهته أشار إِلَى دوام الرضا، والرضا من جملة الأحوال،
стр. 141
فالواجب فِي هَذَا أَن يقال: إِن من أشار إِلَى بقاء الأحوال فصحيح مَا قَالَ فَقَدْ يصير المعني شربا لأحد فيري بِهِ ولكن لصاحب هذه الحال أحوال هِيَ طوارق لا تدوم فَوْقَ أحواله الَّتِي صارت شربا لَهُ فاذا دامت هذه الطوارق هل كَمَا دامت الأحوال المتقدمة ارتقى إِلَى أحوال أخر فَوْقَ هذه وألطف من هذه فأبدا يَكُون فِي الترقي.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول فِي معني قَوْله ﷺ إنه ليغان عَلَى قلبي حَتَّى أستغفر اللَّه تَعَالَى فِي اليوم سبعين مرة أَنَّهُ كَانَ ﷺ أبدا فِي الترقي من أحواله فَإِذَا ارتقي من حالة إِلَى حالة أعلى مِمَّا كَانَ فِيهَا فربما حصل لَهُ ملاحظة إِلَى مَا ارتقي عَنْهَا فكان بعدها غينا بالإضافة إِلَى مَا حصل فِيهَا فابدا كانت أحواله فِي التزايد ومقدورات الحق سبحانه من الألطاف لا نهاية لَهَا فَإِذَا كَانَ حق الحق تَعَالَى العز، وَكَانَ الوصول إِلَيْهِ بالتحقيق محالا فالعبد أبدا فِي ارتقاء أحواله فلا معنى يوصل إِلَيْهِ إلا وَفِي مقدوره سبحانه مَا هُوَ فوقه يقدر أَن يوصله إِلَيْهِ وعلى هَذَا يحمل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين وسئل الجنيد عَن هَذَا فأنشد:
طوارق أنوار تلوح إِذَا بدت ... فتظهر كتمانا وتخبر عَن جمع
стр. 142
ومن ذَلِكَ القبض والبسط وهما حالتان بَعْد ترقي العبد عَن حالة الخوف والرجاء، فالقبض: للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف ومن الفصل بَيْنَ القبض والخوف والبسط والرجاء أَن الخوف إِنَّمَا يَكُون من شَيْء فِي المستقبل إِمَّا أَن يخاف فوت محبوب أَوْ هجوم محذور، وَكَذَلِكَ الرجاء إِنَّمَا يَكُون بتأميل محبوب فِي المستقبل أَوْ بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه فِي المستأنف.
وَأَمَّا القبض: فلمعني حاصل فِي الوقت، وَكَذَلِكَ البسط فصاحب الخوف والرجاء تعلق قلبه فِي حالتيه بآجله وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عَلَيْهِ فِي عاجله، ثُمَّ تتفاوت نعوتهم فِي القبض والبسط عَلَى حسب تفاوتهم فِي أحوالهم، فمن وارد يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غَيْر مستوف، ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غَيْر مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فِيهِ لأنه مأخوذ عَنْهُ بالكلية بوارده كَمَا قَالَ بَعْضهم: أنا ردم أي لا مساغ فِي، وَكَذَلِكَ المبسوط قَدْ يَكُون فِيهِ بسط يسع الخلق فلا يستوحشن من أَكْثَر الأشياء ويكون مبسوطا لا يؤثر فِيهِ شَيْء بحال من الأحوال.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: دَخَلَ بَعْضهم عَلَى أَبِي بَكْر القحطي وَكَانَ لَهُ ابْن يتعاطى مَا يتعاطاه الشباب وَكَانَ ممر هَذَا الداخل عَلَى هَذَا الابن فَإِذَا هُوَ مَعَ أقرانه فِي اشتغاله ببطالته
стр. 143
فرق قلبه وتألم القحطي، وَقَالَ: مسكين هَذَا الشيخ كَيْفَ ابتلي بمقاساة هَذَا الابن؟ فلما دَخَلَ عَلَى القحطي وجده كَأَنَّهُ لا خبر لَهُ بِمَا يجري عَلَيْهِ من الملاهي فتعجب منه وَقَالَ: فديت من لا تؤثر فِيهِ الجبال الرواسي فَقَالَ القحطي: إنا قَدْ حررنا عَن رق الأشياء فِي الأزل.
ومن أدنى موجبات القبض أَن يرد عَلَى قلبه وارد موجبه إشارة إِلَى عتاب ورمز باستحقاق تأديب فيحصل فِي القلب لا محالة قبض وَقَدْ يَكُون موجب بَعْض الواردت إشارة إِلَى تقريب أَوْ إقبال بنوع لطف وترحيب فيحصل للقلب بسط، وَفِي الجملة قبض كُل أحد عَلَى حسب بسطه، وبسطه عَلَى حسب قبضه، وَقَدْ يَكُون قبض يشكل عَلَى صاحبه سببه يجد فِي قلبه قبضا لا يدري موجبه ولا سببه، فسبيل صاحب هَذَا القبض التسليم حَتَّى يمضي ذَلِكَ الوقت، لأنه لو تكلف نفيه أَوِ استقبل الوقت قبل هجومه عَلَيْهِ باختياره زاد فِي قبضه ولعله يعد ذَلِكَ منه سوء أدب وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض فَإِن الحق سبحانه قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَقَدْ يَكُون بسط يرد بغته ويصادف صاحبه فلته لا يعرف لَهُ سببا يهز صاحبه ويستفزه، فسبيل صاحبه السكون ومراعاة الأدب فَإِن فِي هَذَا الوقت لَهُ خطرا عظيما فليحذر صاحبه مكرا خفيا كَذَا قَالَ بَعْضهم: فتح عَلِي بَاب من البسط فزللت زلة فحجبت عَن مقامي، ولهذا قَالُوا: قف عَلَى البساط وإياك والانبساط وَقَدْ عد أهل التحقيق مطلق القبض والبسط من جملة مَا استعاذوا منه، لأنهما بالإضافة إِلَى مَا فوقهما من استهلاك العبد واندراجه فِي الحقيقة فقر وضر.
стр. 144
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الخوف من اللَّه يقبضني والرجاء منه يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرقني إِذَا قبضني بالخوف أفناني عني، وإذا بسطني بالرجاء ردني عَلِي، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيرى فغطائي عَنْهُ فَهُوَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلهُ محركي غَيْر ممسكي وموحشي غَيْر مؤنسي فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي، فليته أفناني عني فمتعني أَوْ غيبني عني فروحني
стр. 145
ومن ذَلِكَ الهيبة والأنس وهما فَوْقَ القبض والبسط فكما أَن القبض فَوْقَ رتبة الخوف والبسط فَوْقَ منزلة الرجاء، فالهيبة أعلى من القبض والأنس أتم من البسط وحق الهيبة الغيبة , فَكُل هائب غائب , ثُمَّ الهائبون يتفاوتون فِي الهيبة عَلَى حسب تباينهم فِي الغيبة فمنهم وَمِنْهُم، وحق الأنس صحوا بحق فَكُل مستأنس صاح ثُمَّ يتباينون حسب تباينهم فِي الشرب ولهذا قَالُوا: أدني محل الأنس أَنَّهُ لو طرح فِي لظى لَمْ يتكدر عَلَيْهِ أنسه.
قَالَ الجنيد ﵀: كنت أسمع السري يَقُول: يبلغ العبد إِلَى حد لو ضرب وجهه بالسَيْف لَمْ يشعر وَكَانَ فِي قلبي منه شَيْء حَتَّى بان لي أَن الأمر كَذَلِكَ.
وحكي عَن أَبِي مقاتل العكي أَنَّهُ قَالَ: دخلت عَلَى الشبلي وَهُوَ ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش فَقُلْتُ: يا سيدي أَنْتَ تفعل هَذَا بنفسك ويعود ألمه إِلَى قلبي فَقَالَ: ويلك الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها فَهُوَ ذا فأنا أدخل الألم عَلَى نفسي لعلي أحس بِهِ فيستتر عني، فلست أجد الألم وليس يستتر عني وليس لي بِهِ طاقة، وحال الهيبة والأنس وإن جلتا فأهل الحقيقة يعدونها نقصا لتضمنهما تغير العبد، فَإِن أهل التمكين سمت أحوالهم عَنِ التغير وَهُمْ محو فِي وجود العين فلا هيبة لَهُمْ ولا أَنَس ولا علم ولا حس
следующие страницы →