← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9953

الرسالة القشيرية

عبد الكريم القشيري

Полный текст (562 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بَاب الذكر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بشْرَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْدَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلا أُنَبِّئْكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرَقِ وَأَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: مَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّيْرِيُّ , عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ , عَنْ عُمَرَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ ثَابِتٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالُ فِي الأَرْضِ: اللَّهَ اللَّهَ قَالَ الأستاذ: الذكر ركن قوى فِي طريق الحق بَل هُوَ العمدة فِي هَذَا الطريق ولا يصل أحد إلى الله تَعَالَى إلا بدوام الذكر

стр. 352

والذكر عَلَى ضربين: ذكر اللسان وذكر القلب فذكر اللسان بِهِ يصل العبد إِلَى استدامة ذكر القلب والتأثير لذكر القلب فَإِذَا كَانَ العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فَهُوَ الكامل فِي وصفه فِي حال سلوكه. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فَقَدْ أعطى المنشور ومن سلب الذكر فَقَدْ عزب وقيل: إِن الشلبي كَانَ فِي ابتداء أمره ينزل كُل يَوْم سربا ويحمل مَعَ نَفْسه حزمة من القضبان فكان إِذَا دَخَلَ قلبه غلفه ضرب نَفْسه بتلك الخشب حَتَّى يكسرها عَلَى نَفْسه فربما كانت الحزمة تفنى قبل أَن يمسى فكان يضرب بيديه ورجليه عَلَى الحائط وقيل: ذكر اللَّه بالقلب سَيْف المريدين بِهِ يقاتلون أعداءهم وَبِهِ يدفعون الآفات الَّتِي يقصدهم وإن البلاء إِذَا أظل العبد فَإِذَا فزع بقلبه إِلَى اللَّه تَعَالَى يحيد عَنْهُ فِي الحال كُل مَا يكرهه. وسئل الواسطي عَنِ الذكر فَقَالَ: الخروج من ميدان الغفلة إِلَى فضاء المشاهدة عَلَى غلبة الخوف وشدة الحب. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا محمد البلاذري يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن بَكْر يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: من ذكر اللَّه تَعَالَى ذكرا عَلَى الحقيقة نسى فِي جنب ذكره كُل شَيْء وحفظ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ كُل شَيْء وَكَانَ لَهُ عوضا عَن كُل شَيْء، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ المعلم يَقُول: سمعت أَحْمَد المسجدي يَقُول: سئل أَبُو عُثْمَان فقيل لَهُ: نحن نذكر اللَّه تَعَالَى ولا نجد فِي قلوبنا حلاوة فَقَالَ: احمدوا اللَّه تَعَالَى عَلَى أَن زين جارحة من جوارحكم بطاعته، وَفِي الْخَبَر المشهور عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 353

إِذَا رأيتم رياض الْجَنَّة فارتعوا فِيهَا، فقيل لَهُ: وَمَا رياض الْجَنَّة؟ فَقَالَ: مجالس الذكر. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَفْوَانَ الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنَا بْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ، ارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ قَالَ: اغْدُوا وَرُوحُوا وَاذْكُرُوا مَنْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ وسمعته مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد الفراء يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: أليس اللَّه تَعَالَى يَقُول: أنا جليس من ذكرني؟ مَا الَّذِي استفدتم من مجالسة الحق سبحانه، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُوسَى السلامي يَقُول: سمعت الشبلي ينشد فِي مجلسه: ذكرتك لا أنى نسيتك لمحة ... وأيسر مَا فِي الذكر ذكر لساني وكدت بلا وجد أموت من الهوى ... وهام عَلَى القلب بالخفقان فلما أراني الوجد أنك حاضري ... شهدتك موجودا بكل مكان فخاطبت موجودا بغير تكلم ... ولاحظت معلوما بغير عيان ومن خصائص الذكر أَنَّهُ غَيْر مؤقت بَل مَا من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر اللَّه تَعَالَى إِمَّا فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فَقَدْ لا تجوز فِي بَعْض الأوقات والذكر بالقلب مستدام فِي عموم الحالات، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]

стр. 354

سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك ﵀ يَقُول: قياما بحق الذكر وقعودا عَنِ الدعوى فِيهِ، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يسأل الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق فَقَالَ: الذكر أتم أم الفكر؟ فَقَالَ الأستاذ أَبُو عَلَى: مَا الَّذِي يقع للشيخ منه فَقَالَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: عندي الذكر أتم من الفكر، لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر وَمَا وصف بِهِ الحق سبحانه أتم مَا اختص بِهِ الخلق فاستحسنه الأستاذ أَبُو عَلَى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: لولا أَن ذكره فرض عَلَى لما ذكرته إجلالا لَهُ مثلى يذكره وَلَمْ يغسل فمه بألف توبة متقبلة عَن ذكره. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ ﵀ ينشد لبعضهم: مَا إِن ذكرتك إلا هُمْ يزجرني ... قلب وسرى وروحي عِنْدَ ذكراكا حَتَّى كأن رقيبا منك يهتف بي ... إياك ويحك والتذكار إياك ومن خصائص الذكر أَنَّهُ جعل فِي مقابلته الذكر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وَفِي خبر أَن جبريل ﵇ قَالَ لرسول اللَّه ﷺ : إِن اللَّه تَعَالَى: يَقُول أعطيت أمتك مَا لَمْ أعط أمة من الأمم فَقَالَ: وَمَا ذاك يا جبريل؟ فَقَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] لَمْ يقل هَذَا لأحد غَيْر هذه الأمة. وقيل: إِن الْمَلِك يستأمر الذاكر فِي قبض روحه. وَفِي بَعْض الكتب أَن مُوسَى ﵇ قَالَ: يا رب أين تسكن؟ فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ فِي قلب عبدى المؤمن ومعناه سكون الذكر فِي القلب فَإِن الحق منزه عَن كُل سكون وحلول وإنما هُوَ إثبات ذكر وتحصيل. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت

стр. 355

فارسا يَقُول: سمعت الثَّوْرِي يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي وسألته عَنِ الذكر فَقَالَ: غيبة الذاكر عَنِ الذكر ثُمَّ أنشأ يَقُول: لا لأني أنساك أَكْثَر ذكراك ولكن بذاك يجرى لساني. وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: مَا من يَوْم إلا والجليل سبحانه ينادي: عبدى مَا أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك إِلَى وتذهب إِلَى غيرى وأذهب عَنْك البلايا وأنت معتكف عَلَى الخطايا يا ابْن آدم مَا تقول غدا إِذَا جئتني. وَقَالَ سلمان الداراني: إِن فِي الْجَنَّة قيعانا فَإِذَا أخذ الذاكر فِي الذكر أخذت الملائكة فِي غرس الأشجار فِيهَا فربما يقف بَعْض الملائكة فيقال لَهُ: لَمْ وقفت فيقال فتر صاحبي وَقَالَ الْحَسَن: تفقدوا الحلاوة فِي ثلاثة أشياء فِي الصلاة والذكر وقراءة الْقُرْآن فَإِن وجدتم وإلا فاعلموا أَن الباب مغلق وَقَالَ حامد الأسود: كنت مَعَ إِبْرَاهِيم الخواص فِي سفر فجئنا إِلَى موضع فِيهِ حيات كثيرة فوضع ركوته وجلس وجلست فلما كَانَ برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات فصحت بالشيخ فَقَالَ: اذكر اللَّه تَعَالَى فذكرت فرجعت ثُمَّ عادت فصحت بِهِ فَقَالَ: مثل ذَلِكَ فلم أزل إِلَى الصباح فِي مثل تلك الحالة فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت مَعَهُ فسقطت من وطائه حية عظيمة قَدْ تطوقت بِهِ فَقُلْتُ: مَا أحسست بِهَا فَقَالَ: لا منذ زمان مَا بت ليلة أطيب من البارحة وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: من لَمْ يذق وحشة الغفلة لَمْ يجد طعم أَنَس الذكر. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّهِ الذبياني يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول: مكتوب فِي بَعْض الكتب الَّتِي أنزل اللَّه تَعَالَى إِذَا كَانَ الغالب عَلَى عبدى ذكرى عشقني وعشقته وبإسناده أَنَّهُ أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇ بي فافرحوا وبذكري فتنعموا

стр. 356

وَقَالَ النوري: لكل شَيْء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عَنِ الذكر وَفِي الإنجيل اذكرني حِينَ تغضب أذكرك حِينَ أغضب وارض بنصرتي لَك فَإِن نصرتي لَك خير لَك من نصرتك لنفسك وقيل لراهب: أَنْتَ صائم فَقَالَ: صائم بذكره فَإِذَا ذكرت غيره أفطرت وقيل: إِذَا تمكن الذكر من القلب فَإِن دنا منه الشَّيْطَان صرع كَمَا يصرع الإِنْسَان إِذَا دنا منه الشَّيْطَان فتجتمع إِلَيْهِ الشياطين فيقولون مَا لِهَذَا فيقال قَدْ مسه الإنس وَقَالَ سهل مَا أعرف معصية أقبح من نسيان هَذَا الرب وقيل: الذكر الخفي لا يرفعه الْمَلِك لأنه لا اطلاع لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ سر بَيْنَ العبد وبين اللَّه وَقَالَ: بَعْضهم وصف لي ذاكر فِي أجمة فأتيته فبينا هُوَ جالس إِذَا سبع عظيم ضربه ضربة واستلب منه قطعة فغشى عَلَيْهِ وعلى فلما أفاق قُلْت: مَا هَذَا فَقَالَ: قيض اللَّه هَذَا السبع عَلَى فكلما دخلتني فترة عضني عضة كَمَا رأيت. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: كَانَ بَيْنَ أَصْحَابنا رجل يكثر أَن يَقُول اللَّه اللَّه فوقع يوما عَلَى رأسه جذع فانشج رأسه وسقط الدم فاكتتب عَلَى الأَرْض اللَّه اللَّه.

стр. 357

بَاب الفتوة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] قَالَ الأستاذ: أصل الفتوة أَن يَكُون العبد أبدا فِي أمر غيره قَالَ ﷺ : لا يزال اللَّه تَعَالَى فِي حاجة العبد مَا دام العبد فِي حاجة أخيه المسلم أَخْبَرَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الأَسْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمَزَ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول هَذَا الخلق لا يَكُون كماله إلا لرسول اللَّه ﷺ فَإِن كُل أحد فِي الْقِيَامَة يَقُول: نفسي نفسي وَهُوَ ﷺ يَقُول: أمتي أمتي. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الفتوة بالشأم واللسان بالعراق والصدق بخراسان. وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن نصير بْن مَنْصُور الصائغ يَقُول: سمعت ابْن مردويه الصائغ يَقُول: سمعت الفضل يَقُول: الفتوة الصفح عَن عثرات الإخوان. وقيل: الفتوة أَن لا ترى لنفسك فضلا عَلَى غيرك وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق الفتى من لا يَكُون خصما لأحد. وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن تكون خصما لربك عَلَى نفسك ويقال: الفتى من لا خصم لَهُ

стр. 358

سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول سمي أَصْحَاب الكهف فتية، لأنهم آمنوا بالله تَعَالَى بلا واسطة وقيل: الفتى من كسر الصنم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] وصنم كُل إِنْسَان نَفْسه فمن خالف هواه فَهُوَ فتى عَلَى الحقيقة. وَقَالَ الحرث المحاسبي: الفتوة أَن تنصف ولا تنتصف وَقَالَ عَمْرو بْن عُثْمَان المكي: الفتوة حسن الخلق. وسئل الجنيد عَنِ الفتوة فَقَالَ: أَن لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا وَقَالَ النصرأباذي: المروءة شُعْبَة من الفتوة وَهُوَ الإعراض عَنِ الكونين والأنفة منهما وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن يستوي عندك المقيم والطارئ. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُمَر الحافظ يَقُول: سمعت أبا سهل بْن زِيَاد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل يَقُول سئل أَبِي مَا الفتوة؟ فَقَالَ: ترك مَا تهوى لما تخشى وقيل لبعضهم: مَا الفتوة فَقَالَ: أَن لا يميز بَيْنَ أَن يأكل عنده ولى أَوْ كافر. سمعت بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول: استضاف مجوسي إِبْرَاهِيم الخليل ﵇ فَقَالَ: بشرط أَن تسلم فمر المجوسي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: منذ خمسين سنة نطمعه عَلَى كفره فلو ناولته لقمة من غَيْر أَن تطالبه بتغيير دينه فمضى إِبْرَاهِيم ﵇ عَلَى أثره حَتَّى أدركه واعتذر إِلَيْهِ فسأله عَنِ السبب فذكر ذَلِكَ لَهُ فأسلم المجوسي. وَقَالَ الجنيد: الفتوة كف الأذى وبذل الندى وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الفتوة اتباع السنة وقيل: الفتوة الوفاء والحفاظ وقيل: الفتوة فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فِيهَا وقيل: الفتوة أَن لا تهرب إِذَا أقبل السائل

стр. 359

وقيل: أَن لا تحتجب من القاصدين وقيل: أَن لا تدخر ولا تعتذر وقيل: إظهار النعمة وإسرار المحنة. وقيل أَن تدعو عشرة أنفس فلا تتغير إِن جاء تسعة أَوْ أحد عشر وقيل: الفتوة ترك التمييز. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: قَالَ أَحْمَد بْن خضرويه لأمرأته أم عَلَى أريد أَن أتخذ دعوة أدعو عيارا شاطرا كَانَ فِي بلدهم رأس الفتيان قَالَت امرأته: إنك لا تهتدي إِلَى دعوة الفتيان فَقَالَ: لابد فَقَالَتْ: إِن فعلت فاذبح الأغنام والبقر والحمر وألقها من بَاب دار الرجل إِلَى بَاب دارك فَقَالَ: أما الأغنام والبقر فأعلم فَمَا بال الحمر فَقَالَتْ تدعو فتى إِلَى دارك فلا أقل من أَن يَكُون لكلاب المحلة خير. وقيل: اتخذ بَعْضهم دعوة وفيهم شيخ شيرازي فلما أكلوا وقع عَلَيْهِم النوم فِي حال السماع فَقَالَ الشيخ الشيرازي لصاحب الدعوة: إيش السبب فِي نومنا فَقَالَ: لا أدري اجتهدت فِي جَمِيع مَا أطعمتكم إلا الباذنجان فلم أسأل عَنْهُ فلما اصبحوا سألوا بياع الباذنجان فَقَالَ: لَمْ يكن لي شَيْء فسرقت الباذنجان من الموضع الفلاني وبعته فحملوه إِلَى صاحب الأَرْض ليجعله فِي حل فَقَالَ الرجل: تسألون مني ألف باذنجانة قَدْ وهبته تلك الأَرْض ووهبته ثورين وحمارا وآلة الحرث لئلا يعود إِلَى مثل مَا فعل. وقيل: تزوج رجل بامرأة فقبل الدخول ظهر بالمرأة الجدري فَقَالَ: الرجل اشتكت عيني ثُمَّ قَالَ: عميت فزفت إِلَيْهِ المرأة ثُمَّ ماتت بَعْد عشرين سنة ففتح الرجل عينيه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ أعم ولكن تعاميت حذرا أَن تحزن فقيل لَهُ سبقت الفتيان. وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي من أراد الظرف فَعَلَيْهِ بسقاة الماء ببغداد

стр. 360

فقيل لَهُ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ: لما حملت إِلَى الخليفة فيما نسب إِلَى من الزندقة رأيت سقاء عَلَيْهِ عمامة وَهُوَ مترد بمنديل مصري وبيده كيزان خزف رقاق فَقُلْتُ: هَذَا ساقى السلطان فَقَالُوا: لا هَذَا ساقي العامة فأخذت الكوز وشربت وقلت لمن معى أعطه دِينَار فلم يأخذ وَقَالَ: أَنْتَ أسير وليس من الفتوة أَن نأخذ منك شَيْئًا وقيل: لَيْسَ من الفتوة أَن تربح عَلَى صديقك قاله بَعْض أصدقائنا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ فتى يسمى أَحْمَد بْن سهل التاجر وَقَد اشتريت منه خرقة بياض فأخذ الثمن رأس ماله فَقُلْتُ: ألا تأخذ ربحا فَقَالَ: أما الثمن فآخذه ولا أحملك منه لأنه لَيْسَ لَهُ من الخطر مَا أتخلق بِهِ معك ولكن لا آخذ الربح إذ لَيْسَ من الفتوة أَن تربح عَلَى صديقك. وقيل: خرج إِنْسَان يدعى الفتوة من نيسابور إلى نسا فاستضافه رجل ومعه جَمَاعَة من الفتيان، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء عَلَى أيديهم فانقبض النَّيْسَابُورِيّ عَن غسل اليد وَقَالَ: لَيْسَ من الفتوة أَن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال. فَقَالَ واحد مِنْهُم: أنا منذ سنين أدخل هذه الدار لَمْ أعلم أَن امْرَأَة تصب الماء عَلَى أيدينا أم رجلا. سمعت منصورا المغربي يَقُول: أراد واحد أَن يمتحن نوحا العيار النَّيْسَابُورِيّ فباع منه جارية فِي زي غلام وشرط أَنَّهُ غلام وكانت وضيئة الوجه فاشتراها نوح عَلَى أَنَّهَا غلام ولبثت عنده شهورا كثيرة، فقيل للجارية هل علم أنك جارية؟ فَقَالَتْ: لا إنه مَا مسني ويتوهم أني غلام وقيل: إِن بَعْض الشطار طلب منه تسليم غلام كَانَ يخدمه إِلَى السلطان فأبي فضرب ألف سوط فلم يسلم فاتفق أَنَّهُ احتلم تلك الليلة وَكَانَ بردا شديدا فلما أصبح اغتسل بالماء البارد فقيل لَهُ خاطرت بروحك فَقَالَ: استحييت من اللَّه تَعَالَى أَن أصبر عَلَى ضرب ألف سوط لأجل مخلوق ولا أصبر عَلَى مقاساة برد الاغتسال لأجله.

стр. 361

وقيل: قدم جَمَاعَة من الفتيان لزيارة وحد يدعى الفتوة فَقَالَ الرجل: يا غلام قدم السفرة فلم يقدم فَقَالَ الرجل: ثانيا وثالثا فنظر بَعْضهم إِلَى بَعْض وَقَالُوا: لَيْسَ من الفتوة أَن يستخدم الرجل من يتعاصى عَلَيْهِ فِي تقديم السفرة كُل هَذَا فَقَالَ الرجل: لَمْ أبطأت بالسفرة فَقَالَ الغلام: كَانَ عَلَيْهَا نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إِلَى الفتيان مَعَ النمل وَلَمْ يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة فلبثت حَتَّى دب النمل فَقَالُوا: دققت يا غلام مثلك من يخدم الفتيان. وقيل: إِن رجلا نام بالمدينة من الحاج فتوهم أَن هميانه سرق فخرج فرأى جعفرا الصادق فتعلق بِهِ وَقَالَ: أخذت همياني فَقَالَ: إيش كَانَ فِيهِ؟ فَقَالَ: ألف دِينَار فأدخله داره ووزن لَهُ ألف دِينَار فرجع الرجل إِلَى منزله ودخل بيته فرأى هميانه فِي بيته وَقَدْ كَانَ توهم أَنَّهُ سرق فخرج إِلَى جَعْفَر معتذر ورد عَلَيْهِ الدنانير فأبي أَن يقبلها وَقَالَ شَيْء أخرجته من يدي لا أسترده فَقَالَ الرجل: من هَذَا؟ فقيل جَعْفَر الصادق. وقيل: سأل شقيق البلخي جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنِ الفتوة فَقَالَ: مَا تقول أَنْتَ؟ فَقَالَ شقيق: إِن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا قَالَ جَعْفَر الكلاب عندنا بالمدينة كَذَلِكَ نفعل فَقَالَ شقيق: يا ابْن بنت رَسُول اللَّهِ مَا الفتوة عندكم؟ فَقَالَ: إِن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول دعانا أَبُو الْعَبَّاس بْن مسروق ليلة إِلَى بيته فاستقبلنا صديق لنا فقلنا ارجع معنا فنحن فِي ضيافة الشيخ فَقَالَ: إنه لَمْ يدعني فقلنا نحن نستثني كَمَا استثنى رَسُول اللَّهِ ﷺ لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

стр. 362

فرددناه فلما بلغ بَاب الشيخ أخبرناه بِمَا قَالَ وقلنا فَقَالَ: جعلت موضعي من قلبك أَن تجئ إِلَى منزلي من غَيْر دعوة عَلَى كَذَا وكذا إِن مشيت إِلَى الموضع الَّذِي تقعد فِيهِ إلا عَلَى خدي وألح عَلَيْهِ ووضع خده عَلَى الأَرْض وحمل الرجل , فوضع قدمه عَلَى خده من غَيْر أَن يوجعه وسحب الشيخ وجهه عَلَى الأَرْض إِلَى أَن بلغ موضع جلوسه. قَالَ الأستاذ: واعلم أَن من الفتوة الستر عَلَى عيوب الأصدقاء لا سيما إِذَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ شماتة الأعداء. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: كَانَ يقال للنصرأباذي كثيرا: إِن عليا القوال يشرب بالليل ويحضر مجلسك بالنهار وَكَانَ لا يسمع فِيهِ مَا يقال فاتفق أَنَّهُ كَانَ يمشى يوما ومعه واحد مِمَّن يذكر عليا بِذَلِكَ فوجد عليا مطروحا فِي موضع وَقَدْ ظهر عَلَيْهِ أثر السكر وصار بحيث يغسل فمه فَقَالَ: الرجل إِلَى كم نقول للشيخ ولا يسمع؟ هَذَا عَلَى الوصف الَّذِي نقول فنظر إِلَيْهِ النصر أباذي وَقَالَ للعذول: احمله عَلَى رقبتك وانقله إِلَى منزله فلم يجد بدا من طاعته فِيهِ، وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الفارسي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: دخلنا مَعَ أَبِي حفص عَلَى مريض نعوده ونحن جَمَاعَة فَقَالَ للمريض: أتحب أَن تبرأ فَقَالَ: نعم فَقَالَ: لأَصْحَابه تحملوا عَنْهُ فقام العليل وخرج معنا وأصبحنا كلنا أَصْحَاب فراش نعاد.

стр. 363

بَاب الفراسة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قيل: للمتفرسين. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الأستاذ: الفراسة خاطر يهجم عَلَى القلب فينفى مَا يضاده وَلَهُ عَلَى القلب حكم اشتقاقا من فريسة السبع وليس فِي مقابلة الفراسة مجوزات للنفس وَهِيَ عَلَى حسب قوة الإيمان فَكُل من كَانَ أقوى إيمانا كن أحد فراسة وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق وتكون مواد علمه من الحق بلا سهو. ولا غفلة بَل حكم حق جرى عَلَى لسان عَبْد. وقوله: نظر بنور الحق يعنى بنور خصه بِهِ الحق سبحانه. وَقَالَ الواسطي: إِن الفراسة سواطع أنوار لمعت فِي القلوب وتمكين معرفة حملت السرائر فِي الغيوب من غيب إِلَى غيب حَتَّى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق سبحانه إياها فيتكلم عَلَى ضمير الخلق. ويحكى عن أَبِي الْحَسَن الديلمي أَنَّهُ قَالَ: دخلت أنطاكية لأجل أسود قيل لي إنه يتكلم عَلَى الأسرار فأقمت فِيهَا إِلَى أَن أخرج من جبل لكام ومعه شَيْء من المباح يبيعه وكنت جائعا منذ يومين لَمْ آكل شَيْئًا فَقُلْتُ لَهُ: بكم هَذَا وأوهمت أني أشتري مَا بَيْنَ يديه فَقَالَ: اقعد ثُمَّ حَتَّى إِذَا بعناه نعطيك

стр. 364

مَا تشتري بِهِ شَيْئًا فتركه وسرت إِلَى غيره أوهمه أني أساومه ثُمَّ رجعت إِلَيْهِ وقلت لَهُ إِن كنت تبيع هَذَا فقل لي بكم؟ فَقَالَ: إِنَّمَا جعت يومين أقعد ثُمَّ حَتَّى إِذَا بعناه نعطيك مَا تشترى بِهِ شَيْئًا فقعدت فلما باعه أعطاني شَيْئًا ومشى فتبعته فالتفت إِلَى وَقَالَ إِذَا عرض لَك حاجة فأنزلها بالله تَعَالَى إلا أَن يَكُون لنفسه بها حظ فتحجب عَنِ اللَّه تَعَالَى. وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول الفراسة مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب وَهِيَ من مقامات الإيمان. وقيل: كَانَ الشَّافِعِي ومحمد بْن الْحَسَن رحمهما اللَّه تَعَالَى فِي الْمَسْجِد الحرام فدخل رجل فَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن: أتفرس أَنَّهُ نجار، وَقَالَ الشَّافِعِي: أتفرس أَنَّهُ حداد فسألاه فَقَالَ: كنت قبل هَذَا حدادا والساعة أنجر وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: المستنبط من يلاحظ الغيب أبدا ولا يغيب عَنْهُ ولا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَهُوَ الَّذِي دل عَلَيْهِ قَوْل تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] والمتوسم هُوَ الَّذِي يعرف الوسم وَهُوَ العارف بِمَا فِي سويداء القلوب بالاستدلال والعلامات قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أي للعارفين بالعلامات الَّتِي يبديها عَلَى الفريقين من أوليائه وأعدائه والمتفرس ينظر بنور اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ سواطع أنوار لمعت فِي قلبه فأدرك بِهَا المعاني وَهُوَ من خواص الإيمان وَالَّذِينَ هُمْ أَكْثَر من حظا الربانيون قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] يعنى: علماء حكماء متخلقين بأخلاق الحق نظرا وخلقا وَهُمْ فارغون عَنِ الإخبار عَنِ الخلق والنظر إليهم والاشتغال بِهِمْ وقيل: كَانَ أَبُو القاسم المنادي مريضا وَكَانَ كبير الشأن من مشايخ نيسابور فعاده

стр. 365

أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي , والحسن الحداد , واشتريا بنصف درهم تفاحا فِي الطريق نسيئة وحملاه إِلَيْهِ فلما قعدا قَالَ أَبُو القاسم: مَا هذه الظلمة فخرجا وَقَالا: إيش فعلنا؟ وتفكرا فقالا: لعلنا لَمْ نؤد ثمن التفاح فأعطيا الثمن وعادا إِلَيْهِ فلما وقع بصره عليهما قَالَ: يمكن الإِنْسَان أَن يخرج من الظلمة بِهَذِهِ السرعة أخبراني عَن شأنكما فذكرا لَهُ القصة فَقَالَ: نعم كَانَ يعتمد كُل واحد منكما عَلَى صاحبه فِي إعطاء الثمن والرجل يستحي منكما فِي التقاضي فكان يتقي التبعة وأنا السبب إِنَّمَا رأيت ذَلِكَ فيكما وَكَانَ أَبُو القاسم المنادي هَذَا يدخل السوق كُل يَوْم ينادى فَإِذَا وقع بيده مَا فِيهِ كفايته من دانق إِلَى نصف درهم خرج وعاد إِلَى رأس وقته ومراعاة قلبه، وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور الحق إِذَا استولى عَلَى سر ملكه الأسرار فيعاينها ويخبر عَنْهَا، وسئل بَعْضهم عَنِ الفراسة فَقَالَ: أرواح تتقلب فِي الملكوت فتشرف عَلَى معاني الغيوب فتنطق عَن أسرار الخلق نطق مشاهدة لا نطق ظن وحسبان، وقيل: كَانَ بَيْنَ زَكَرِيَّا الشختني وبين امْرَأَة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا عَلَى رأس أَبِي عُثْمَان الحيري بَعْد مَا صار من خواص تلامذته فتفكر فِي شأنها فرفع أَبُو عُثْمَان رأسه إِلَيْهِ وَقَالَ: أما تستحيي. قَالَ الأستاذ الإِمَام ﵀ كنت فِي ابتداء وصلتي بالأستاذ أَبِي عَلِي رضى اللَّه عَنْهُ عقد لي المجلس فِي مَسْجِد المطرز فاستأذنته وقتا للخروج إِلَى نسا فأذن لي فكنت أمشى مَعَهُ يوما فِي طريق مجلسه فخطر ببالي ليته يتوب عنى فِي مجالسي أَيَّام غيبتي فالتفت إِلي وَقَالَ أنوب عَنْك أَيَّام غيبتك فِي عقد المجالس فمشيت قليلا فخطر ببالي أَنَّهُ عليل يشق عَلَيْهِ أَن ينوب عنى فِي الأسبوع يومين فليته يقتصر عَلَى يَوْم واحد فِي الأسبوع فالتفت إلي وَقَالَ: إِن لَمْ يمكني فِي الأسبوع يومان أنوب عَنْك فِي الأسبوع مرة واحدة فمشيت مَعَهُ قليلا , فخطر ببالي شَيْء ثالث فالتفت إلي وصرح بالإخبار عَنْهُ عَلَى القطع. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: كَانَ شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطئ وَيَقُول: من غض بصره عَنِ المحارم

стр. 366

وأمسك نَفْسه عَنِ الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الحلال لَمْ تخطئ فراسته، وسئل أَبُو الْحَسَنِ النوري من أين تولدت فراسة المتفرسين فَقَالَ: من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فمن كَانَ حظه من ذَلِكَ النور أتم كانت مشاهدته أحكم وحكمه بالفراسة أصدق ألا ترى كَيْفَ أوجب نفخ الروح فِيهِ السجود لَهُ بقوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] قَالَ الأستاذ: وَهَذَا الْكَلام من أَبِي الْحَسَن النوري فِيهِ أدنى غموض وإبهام بذكر نفخ الروح لا لتصويب من يَقُول بقدم الأرواح ولا كَمَا يلوح لقلوب المستضعفين فَإِن الَّذِي يصح عَلَيْهِ النفخ والاتصال والانفصال فَهُوَ قابل للتأثير والتغيير وَذَلِكَ من سمات الحدوث وإن اللَّه خص الْمُؤْمِنيِنَ ببصائر وأنوار بِهَا يتفرسون وَهِيَ فِي الحقيقة معارف وعليه يحمل قَوْله ﷺ فَإِنَّهُ ينظر بنور اللَّه أي: بعلم وبصيرة يخصه اللَّه تَعَالَى بِهِ ويفرده بِهِ من دُونَ أشكاله , وتسمية العلوم والبصائر أنوار غَيْر مستبدع ولا يبعد وصف ذَلِكَ بالنفخ والمراد منه الخلق. وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: المتفرس هُوَ المصيب بأول مرماه إِلَى مقصده ولا يعرج عَلَى تأويل وظن وحسبان وقيل: فراسة المريدين تكون ظنا يوجب تحقيقا وفراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي: إِذَا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون فِي قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت

стр. 367

الخلدي يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول: الفراسة أول خاطر بلا معارض فَإِن عارض معارض من جنسه فَهُوَ خاطر وحَدِيث نفس. ويحكى عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ الرازي نزيل نيسابور قَالَ كساني ابْن الأنباري صوفا ورأيت عَلَى رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بِذَلِكَ الصوف فتمنيت فِي نفسي أَن يكونا جميعا لي فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إِلَى فتبعته وَكَانَ عادته إِذَا أراد أَن أتبعه يلتفت إِلَى فلما دَخَلَ داره دخلت فَقَالَ: انزع الصوف فنزعنه فلفه وطرح القلنسوة عَلَيْهِ ودعا بنار فأحرقهما. وَقَالَ أَبُو حفص النَّيْسَابُورِيّ: لَيْسَ لأحد أَن يدعى الفراسة ولكن يتقى الفراسة من الغير، لأن النَّبِي ﷺ قَالَ: اتقوا فراسة المؤمن وَلَمْ يقل تفرسوا وكيف يصح دعوى الفراسة لمن هُوَ فِي محل اتقاء الفراسة وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن مسروق: دخلت عَلَى شيخ من أَصْحَابنا أدعوه فوجدته عَلَى حال رثة فَقُلْتُ فِي نفسي: من أين يرتزق هَذَا الشيخ فَقَالَ: يا أبا الْعَبَّاس دع عَنْك هذه الخواطر الدنيئة فَإِن لِلَّهِ ألطافا خفية. ويحكى عَنِ الزبيدي قَالَ: كنت فِي مَسْجِد ببغداد مَعَ جَمَاعَة من الفقراء فلم يفتح عَلَيْنَا بشيء أياما فأتيت الخواص لأسأله شَيْئًا فلما وقع بصره عَلَى قَالَ: الحاجة الَّتِي جئت لأجلها يعلمها اللَّه تَعَالَى أم لا فَقُلْتُ: بلى فَقَالَ: اسكت ولا تبدها لمخلوق فرجعت وَلَمْ ألبث إلا قليلا حَتَّى فتح عَلَيْنَا بِمَا فَوْقَ الكفاية وقيل: كَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ يوما فِي الجامع فوقع حمام فِي الْمَسْجِد من شدة مَا لحقه من الحر والمشقة فَقَالَ سهل: إِن شاه الكرماني مَات الساعة إِن شاء اللَّه تَعَالَى فكتبوا ذَلِكَ فكان كَمَا قَالَ. وقيل: خرج أَبُو عَبْد اللَّهِ التروغندي وَكَانَ كبير الوقت إِلَى طوس فلما بلغ خر وَقَالَ لصاحبه اشتر الخبز فاشترى مَا يكفيهما فَقَالَ: اشتر أَكْثَر فاشترى صاحبه مَا يكفى عشرة أنفس تعمدا فكأنه لَمْ يجعل لقول ذَلِكَ الشيخ تحقيقا قَالَ فلما صعدنا إِلَى الجبل إِذَا بجماعة قيدتهم اللصوص لَمْ يأكلوا منذ مدة فسألونا الطعام فَقَالَ: قدم إليهم السفرة

стр. 368

قَالَ الأستاذ الإِمَام رضى اللَّه عَنْهُ كنت بَيْنَ يدي الأستاذ أَبِي عَلِيّ ﵀ يوما فجرى حَدِيث الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ وأنه يقوم فِي السماع موافقة للفقراء فَقَالَ الأستاذ أَبُو عَلَى مثله فِي حاله لعل السكون أولى بِهِ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ المجلس أمض إِلَيْهِ فتجده وَهُوَ قاعد فِي بَيْت كتبه وعلى وجه الكتب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فِيهَا أشعار الْحُسَيْن بْن مَنْصُور فاحمل تلك المجلدة ولا تقل لَهُ شَيْئًا وجئني بِهَا وَكَانَ وقت هاجر فدخلت عَلَيْهِ وإذا هُوَ فِي بَيْت كتبه والمجلدة موضوعة بحيث ذكر فلما قعدت أخذ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ فِي الْحَدِيث وَقَالَ كَانَ بَعْض النَّاس ينكر عَلَى أحد من الْعُلَمَاء حركته فِي السماع فرأى ذَلِكَ الإِنْسَان يوما خاليا فِي بَيْت وَهُوَ يدور كالمتواجد فسئل عَن حاله فَقَالَ: كانت مسألة مشكلة عَلَى فتبين لي معناها فلم أتمالك من السرور حَتَّى قمت أدور فقيل لَهُ مثل هَذَا يَكُون حالهم فلما رأيت مَا أمرني بِهِ الأستاذ أَبُو عَلِي وَمَا وصف لي عَلَى الوجه الَّذِي قَالَ وجرى عَلَى لسان الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ مَا كَانَ قَدْ ذكره بِهِ تحيرت وقلت: كَيْفَ أفعل بينهما ثُمَّ فكرت فِي نفسي وقلت: لا وجه إلا الصدق فَقُلْتُ: إِن الأستاذ أبا عَلِي وصف لي هذه المجلدة وَقَالَ لي احملها إلي من غَيْر أَن تستأذن الشيخ وأنا هُوَ ذا أخافك وليس يمكنني مخالفته فأي شَيْء تأمر فأخرج مسدسا من كَلام الْحُسَيْن وفيه تصنيف لَهُ سماه كتاب الصيهور فِي نقض الدهور وَقَالَ: احمل هَذَا إِلَيْهِ وقل لَهُ: إني أطالع تلك المجلدة وأنقل منها أبياتا إِلَى مصنفاتي فخرجت. ويحكى عَنِ الْحَسَن الحداد أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ أَبِي القاسم المنادي وعنده جَمَاعَة من الفقراء فَقَالَ لي: اخرج وائتهم بشيء فسررت حيث أذن لي فِي التكلف للفقراء وأن آتيهم بشيء بَعْد مَا علم فقري قَالَ: فأخذت مكتلا وخرجت فلما أتيت سكة سيار رأيت شيخا بهيا , فسلمت عَلَيْهِ وقلت: جَمَاعَة من الفقراء فِي موضع فهل لَك أَن تتخلق معهم بشيء فأمر حَتَّى إِذَا أخرج إلي شَيْئًا من الخبز واللحم والعنب فلما بلغت الباب ناداني أَبُو القاسم المنادي من وراء

стр. 369

الباب: رده إِلَى الموضع الَّذِي أخذته منه فرجعت واعتذرت إِلَى الشيخ وقلت: لَمْ أجدهم وعرضت بأنهم تفرقوا فرددت السبب عَلَيْهِ ثُمَّ جئت إِلَى السوق ففتح عَلَى بشيء فحملته فَقَالَ: ادخل فقصصت عَلَيْهِ القصة فَقَالَ: نعم ذاك ابْن سيار رجل سلطاني إِذَا جئت للفقراء بشيء فأتهم بمثل هَذَا لا بمثل ذاك. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن القرافي: زرت أبا الخير التيناتي فلما ودعته خرج معى إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ: يا أبا الْحُسَيْن أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما ولكن احمل هاتين التفاحتين فأخذتهما ووضعتهما فِي جيبي وسرت فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أَيَّام فأخرجت واحدة منهما وأكلتها ثُمَّ أردت أَن أخرج الثَّانِيَة فَإِذَا هما جميعا فِي جيبي فكنت آكل منهما ويعودان إِلَى بَاب الموصل فَقُلْتُ فِي نفسي: إنهما يفسدان عَلِي حال توكلي إِذَا صارتا معلوما لي فأخرجتهما من جيبي بمرة فنظرت فَإِذَا فَقِير ملفوف فِي عباءة يَقُول: أشتهى تفاحة فناولتهما إياه فلما عبرت وقع لي أَن الشيخ إِنَّمَا بعثهما إِلَيْهِ وكنت فِي رفقة فِي الطريق فانصرفت إِلَى الفقير فلم أجده. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أبا عُمَر بْن علوان يَقُول: كَانَ شاب يصحب الجنيد وَكَانَ يتكلم عَلَى خواطر النَّاس فذكر للجنيد فَقَالَ لَهُ الجنيد: إيش هَذَا الَّذِي ذكر عَنْك؟ فَقَالَ للجنيد: أعتقد شَيْئًا فَقَالَ: اعتقدت فَقَالَ الشاب: اعتقدت كَذَا وكذا فَقَالَ الجنيد: لا فَقَالَ: اعتقد ثانيا ففعل فَقَالَ: اعتقدت كَذَا وكذا فَقَالَ: لا فَقَالَ: ثالثا فَقَالَ: مثله فَقَالَ الشاب: هَذَا عجب أَنْتَ صدوق وأنا أعرف قلبي فَقَالَ الجنيد: صدقت فِي الأَوَّل وَالثَّانِي والثالث ولكني أردت أَن أمتحنك هل يتغير قلبك.

стр. 370

وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول اعتل ابْن الرقي فحمل إِلَيْهِ دواء فِي قدح فأخذه ثُمَّ قَالَ: وقع اليوم فِي المملكة حدث لا آكل ولا أشرب حَتَّى أعلم مَا هُوَ فورد الْخَبَر بعده بأيام أَن القرمطي دَخَلَ مَكَّة فِي ذَلِكَ اليوم وقتل بِهَا تلك المقتلة العظيمة. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت أبا عثمان المغربي يَقُول: ذكر لابن الكاتب هذه الحكاية فَقَالَ: هَذَا عجب لَهُ فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بعجب فَقَالَ لي أَبُو عَلِي بْن الكاتب: إيش خبر مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى اليوم فَقُلْتُ: ذا تحارب الطلحيون وبنو الْحَسَن ومقدم الطلحيين أسود عَلَيْهِ عمامة حمراء وعلى مَكَّة اليوم غيم عَلَى مقدار الحرم فكتب أَبُو عَلَى إِلَى مَكَّة فكان كَمَا ذكرت. ويروى عَن أَنَس بْن مَالِك رضى اللَّه عَنْهُ قَالَ: دخلت عَلَى عُثْمَان رضى اللَّه عَنْهُ وكنت رأيت فِي الطريق امْرَأَة تأملت محاسنها فَقَالَ عُثْمَان رضى اللَّه عَنْهُ: يدخل عَلَى أحدكم وآثار الزنا ظاهرة عَلَى عينه فَقُلْتُ: أوحي بَعْد رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الخراز: دخلت الْمَسْجِد الحرام فرأيت فقيرا عَلَيْهِ خرقتان يسأل شَيْئًا فَقُلْتُ فِي نفسي: مثل هَذَا كُل عَلَى النَّاس فنظر إلي وَقَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] قَالَ: فاستغفرت فِي سرى فناداني وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] . وحكي عَن إِبْرَاهِيم الخواص أَنَّهُ قَالَ: كنت ببغداد فِي جامع الْمَدِينَة وهناك جَمَاعَة من الفقراء فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة حسن الحرمة حسن الوجه فَقُلْتُ لأَصْحَابنا: يقع لي أَنَّهُ يهودي فكلهم كرهوا ذَلِكَ فخرجت وخرج الشاب ثُمَّ رجع إليهم وَقَالَ: إيش قَالَ الشيخ فِي؟

стр. 371

فاحتشموه فألح عَلَيْهِم فَقَالُوا: قَالَ: إنك يهودي. قَالَ: فجاءني وأكب عَلَى يدي وأسلم؟ فقيل لَهُ: مَا السبب؟ قَالَ: نجد فِي كتبنا أَن الصديق لا تخطئ فراسته فَقُلْتُ: أمتحن الْمُسْلِمِينَ فتأملتهم فَقُلْتُ: إِن كَانَ فيهم صديق ففي هذه الطائفة، لأنهم يقولون حَدِيثه سبحانه فلبست عليكم فلما اطلع هَذَا الشيخ عَلِي وتفرس فِي علمت أَنَّهُ صديق وصار الشاب من كبار الصوفية. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم بْن العلاء يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن دَاوُد يَقُول: كُنَّا عِنْدَ الجريري ﵀ فَقَالَ: هل فيكم من إِذَا أراد الحق سبحانه أَن يحدث فِي المملكة حدثا أعلمه قبل أَن يبديه قُلْنَا: لا فَقَالَ: ابكوا عَلَى قلوب لَمْ تجد من اللَّه تَعَالَى شَيْئًا وَقَالَ أَبُو مُوسَى الديلمي: سألت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَحْيَي عَنِ التوكل فَقَالَ: لو أدخلت يدك فِي فم التنين حَتَّى تبلغ الرسغ لا تخف مَعَ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا غيره قَالَ: فخرجت إِلَى أَبِي يَزِيد لاسأله عَنِ التوكل فدققت الباب فَقَالَ: أليس لَك فِي قَوْل عَبْد الرَّحْمَنِ كفاية فَقُلْتُ: افتح الباب فَقَالَ: مَا زرتني أتاك الجواب من وراء الباب وَلَمْ يفتح لي الباب قَالَ فمضيت ولبثت سنة ثُمَّ قصدته فَقَالَ: مرحبا جئتني زائرا فكنت عنده شهرا فكان لا يخطر بقلبي شَيْء إلا حَدَّثَنِي عَنْهُ فعند وداعه قُلْت: أفدني فائدة فَقَالَ: حَدَّثَنِي أخي أَنَّهَا كانت حاملا بي , فكانت إِذَا قدم لَهَا طَعَام من حلال امتدت يدها إِلَيْهِ , وإذا كَانَ فِيهِ شبهة انقبضت يدها عَنْهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص دخلت البادية فأصابتني شدة فلما بلغت مَكَّة داخلني شَيْء من الإعجاب فنادتني عجوز يا إِبْرَاهِيم كنت معك فِي البادية , فلم أكلمك لأني لَمْ أرد أَن أشغل سرك أخرج عَنْك هَذَا الوسواس. وحكى أَن الفرغاني كَانَ يخرج كُل سنة إِلَى الحج ويمر بنيسابور ولا يدخل عَلَى أَبِي عُثْمَان الحيري قَالَ: فدخلت عَلَيْهِ مرة وسلمت فلم يرد عَلِي السَّلام فَقُلْتُ فِي نفسي:

стр. 372

مُسْلِم يدخل عَلَيْهِ ويسلم فلا يرد سلامه فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: مثل هَذَا يحج ويدع أمه لا يبرها قَالَ: فرجعت إِلَى فرغانة ولزمتها حَتَّى ماتت ثُمَّ قصدت أبا عُثْمَان , فلما دخلت استقبلني وأجلسني , ثُمَّ إِن الفرغاني لازمه وسأله سياسة دابته فولاه ذَلِكَ حَتَّى مَات أَبُو عُثْمَان وَقَالَ خير النساج: كنت جالسا فِي بَيْتِي فوقع لي أَن الجنيد بالباب فنفيت عَن قلبي فوقع ثانيا وثالثا فخرجت فَإِذَا بالجنيد فَقَالَ: لِمَ لَمْ تخرج مَعَ الخاطر الأَوَّل وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن البسطامي دخلت عَلَى أَبِي عُثْمَان المغربي فَقُلْتُ: فِي نفسي لعله يتشهى عَلَى شَيْئًا فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا يكفى النَّاس أَن آخذ مِنْهُم حَتَّى يريدوا مسألتي إياهم وَقَالَ بَعْض الفقراء: كنت ببغداد فوقع لي أَن المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهما لأشتري بِهَا الركوة والحبل والنعل وأدخل البادية قَالَ فدق عَلَى البادية ففتحت فَإِذَا أنا بالمرتعش مَعَهُ خريقة فَقَالَ: خذها فَقُلْتُ: يا سيدي لا أريدها قَالَ فلم تؤذينا كم أردت فَقُلْتُ: خمسة عشر درهما فَقَالَ: هِيَ خمسة عشر درهما وَقَالَ بَعْضهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: ميت الذهن فأحياه اللَّه تَعَالَى بنور الفراسة وجعل لَهُ نور التجلي والمشاهدة لا يَكُون كمن يمشى بَيْنَ أهل الغفلة غافلا، وقيل: إِذَا صحت الفراسة ارتقى صاحبها إِلَى المشاهدة. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن البغدادي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن مسروق يَقُول:

стр. 373

قدم عَلَيْهَا شيخ فكان يتكلم عَلَيْنَا فِي هَذَا الشأن بكلام حسن وَكَانَ عذب اللسان جيد الخاطر فَقَالَ لنا فِي بَعْض كلامه: كُل مَا وقع لكم فِي خاطركم فقولوه لي فوقع فِي قلبي أَنَّهُ يهودي وَكَانَ الخاطر يقوى ولا يزول فذكرت ذَلِكَ للجريري فكبر عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لابد أَن أخبر الرجل بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: تقول لنا مَا وقع لكم فِي خاطركم فقولوه لي إنه يقع لي أنك يهودي فأطرق ساعة ثُمَّ رفع رأسه فَقَالَ: صدقت أشهد أَن لا اللَّه إلا اللَّه وأشهد أَن محمدا رَسُول اللَّهِ وَقَالَ: قَدْ مارست جَمِيع المذاهب وكنت أقول إِن كَانَ مَعَ قوم مِنْهُم شَيْء فمع هَؤُلاءِ فداخلتكم لأختبركم فأنتم عَلَى الحق وحسن إسلامه. ويحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ كَانَ يَقُول لَهُ السري تكلم عَلَى النَّاس فَقَالَ الجنيد: وَكَانَ فِي قلبي حشمة من الْكَلام عَلَى النَّاس فإني كنت أتهم نفسي فِي استحقاق ذَلِكَ فرأيت ليلة النَّبِي ﷺ فِي المنام وكانت ليلة جمعة فَقَالَ لي: تكلم عَلَى النَّاس فانتبهت وأتيت بَاب السري قبل أَن أصبح فدققت عَلَيْهِ الباب فَقَالَ: لَمْ ليلة جمعة فَقَالَ لي: فَقَالَ: لَمْ تصدقنا حَتَّى قيل لَك فقعد لِلنَّاسِ فِي الجامع بالغد فانتشر فِي النَّاس أَن الجنيد قعد يتكلم عَلَى النَّاس فوقف عَلَيْهِ غلام نصراني متنكرا وَقَالَ لَهُ: أيها الشيخ ما معنى قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ اتقوا فراسة المؤمن فَإِن المؤمن ينظر بنور اللَّه تَعَالَى فأطرق الجنيد ثُمَّ رفع رأسه وَقَالَ أسلم فَقَدْ حان وقت إسلامك فأسلم الغلام.

стр. 374

بَاب الخلق قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَهْدِي قَالَ: حَدَّثَنَا بَشَّارُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بْنُ جَرِيرٍ , عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا. قَالَ الأستاذ الخلق الْحَسَن أفضل مناقب العبد وَبِهِ يظهر جواهر الرجال والإِنْسَان مستور بخلقه مشهود بخلقه سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: إِن اللَّه تَعَالَى خص نبيه ﷺ بِمَا خصه بِهِ ثُمَّ لَمْ يثن عَلَيْهِ بشيء من خصاله بمثل مَا أثنى عَلَيْهِ بخلقه فَقَالَ عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَقَالَ الواصفي: وصفه بالخلق العظيم لأنه جاد بالكونين واكتفى بالله تَعَالَى، وَقَالَ الواسطي أَيْضًا: الخلق العظيم أَن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تَعَالَى وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: معناه لَمْ يؤثر فيك جفاء الخلق بَعْد مطالعتك الحق. وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز لَمْ يكن لَك همة غَيْر اللَّه تَعَالَى، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: التصوف خلق من زاد عليك بالخلق فَقَدْ زاد عليك فِي التصوف،

стр. 375

ويروى عَنِ ابْن عُمَر ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سمعتموني أقول لمملوك أخزاه اللَّه تَعَالَى فاشهدوا أَنَّهُ حر. وَقَالَ الفضيل: لو أَن العبد أَحْسَن الإحسان كُلهُ وكانت لَهُ دجاجة فأساء إِلَيْهَا لَمْ يكن من المحسنين وقيل: كَانَ ابْن عُمَر ﵄ إِذَا رأى واحدا من عبيده يحسن الصلاة يعتقه فعرفوا ذَلِكَ من خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة وَكَانَ يعتقهم، فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: من خدعنا فِي اللَّه انخدعنا لَهُ. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد بْن الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت الحرث المحاسبي يَقُول: فقدنا ثلاثة أشياء حسن الوجه مَعَ الصيانة وحسن القول مَعَ الأمانة وحسن الإخاء مَعَ الوفاء. وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: الخلق استصغار مَا منك واستعظام مَا منه إليك. وقيل للأحنف: مِمَّن تعلمت الخلق فَقَالَ: من قَيْس بْن عَاصِم المنقري، قيل: وَمَا بلغ من خلقه؟ فَقَالَ: بينا هُوَ جالس فِي داره إذ جاءت خادم لَهُ بسفود عَلَيْهِ شواء فسقط من يدها فوقع عَلَى ابْن لَهُ فمات فدهشت الجارية فَقَالَ: لا روعة عليك أَنْتَ حرة لوجه اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ شاه الكرماني: علامة حسن الخلق كف الأذي واحتمال المؤن، وَقَالَ النَّبِي ﷺ إنكم لَنْ تسعوا النَّاس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق. وقيل لذي النون الْمِصْرِي: من أَكْثَر النَّاس هما؟ قَالَ: أسوأهم خلقا. وَقَالَ وهب: مَا تخلق عَبْد بخلق أربعين صباحا إلا جعل اللَّه ذَلِكَ طبيعة فِيهِ. وَقَالَ الْحَسَن البصري فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: وخلقك فحسن،

стр. 376

وقيل: كَانَ لبعض النساك شاة فرآها عَلَى ثَلاث قوائم فَقَالَ: من فعل هَذَا بِهَا؟ فَقَالَ غلام لَهُ: أنا فَقَالَ: لَمْ؟ قَالَ لأغمك بِهَا، فَقَالَ: لا بَل لأغمن من أمرك بِذَلِكَ اذهب فأنت حر، وقيل لإبراهيم بْن أدهم: هل فرحت فِي الدنيا قط؟ فَقَالَ: نعم مرتين إحداهما: كنت قاعد ذَات يَوْم فجاء إِنْسَان وبال عَلِي، وَالثَّانِيَة: كنت قاعدا فجاء إِنْسَان وصفعني. وقيل: كَانَ أويس القرني إِذَا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة , فَيَقُول: إِن كَانَ لابد فارموني بالصغار كيلا تدقوا ساقي فتمنعوني عَنِ الصلاة. وشتم رجل الأحنف بْن قَيْس وَكَانَ يتبعه فلما قرب من الحي وقف وَقَالَ: يا فتي إِن بقي فِي قلبك شَيْء فقله كيلا يسمعك بَعْض سفهاء الحي فيجيبوك، وقيل لحاتم الأصم: أيحتمل الرجل من كُل أحد، فَقَالَ: نعم إلا من نَفْسه، وروي أَن أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب رضى اللَّه عَنْهُ دعا غلاما لَهُ فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه فقام إِلَيْهِ فرآه مضطجعا فَقَالَ: أما تسمع يا غلام؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: فَمَا حملك عَلَى ترك جوابي؟ فَقَالَ: أمنت عقوبتك فتكاسلت، فَقَالَ: امض فأنت حر لوجه اللَّه تَعَالَى، وقيل: نزل معروف الكرخي الدجلة ليتوضأ ووضع مصحفه وملحفته فجاءت امْرَأَة وحملتهما فتبعها معروف وَقَالَ: يا أختي أنا معروف ولا بأس عليك ألك ابْن يقرأ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: فزوج؟ قَالَتْ: لا قَالَ، فهاتي المصحف وخذي الثوب. ودخل اللصوص مرة دار الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي بالمكابرة وحملوا مَا وجدوا فسمعت بَعْض أَصْحَابنا يَقُول: سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: اجتزت بالسوق فوجدت جبتي عَلَى من يَزِيد فأعرضت وَلَمْ ألتفت إِلَيْهِ. سمعت الشيخ أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول:

стр. 377

سمعت الوجيهي يَقُول: قَالَ الجريري: قدمت من مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى فبدأت بالجنيد لكيلا يتعنى إلي فسلمت عَلَيْهِ ثُمَّ مضيت إِلَى المنزل فلما صليت الصبح فِي الْمَسْجِد إِذَا أنا بِهِ خلفي فِي الصف فَقُلْتُ: إِنَّمَا جئتك أمس لئلا تتعنى فَقَالَ: ذاك فضلك وَهَذَا حقك. وسئل أَبُو حفص عَنِ الخلق فَقَالَ: مَا اختار اللَّه لنبيه ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية. وقيل: الخلق أَن تكون من النَّاس قريبا وَفَيْمَا بينهم غريبا، وقيل: الخلق قبول مَا يرد عليك من جفاء الخلق وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق، وقيل: كَانَ أَبُو ذر عَلَى حوض يسقى إبلا لَهُ فأسرع بَعْض النَّاس إِلَيْهِ فانكسر الحوض فجلس ثُمَّ اضطجع، فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ أمرنا إِذَا غضب الرجل أَن يجلس فَإِذَا ذهب عَنْهُ وإلا فليضطجع، وقيل: مكتوب فِي الإنجيل: عبدى اذكرني حِينَ تغضب أذكرك حِينَ أغضب، وَقَالَت امْرَأَة لمالك بْن دِينَار: يا مرائي فَقَالَ: يا هذه وجدت اسمي الَّذِي أضله أهل البصرة، وَقَالَ لقمان لابنه: لا تعرف ثلاثة إلا عِنْدَ ثلاثة الحليم عِنْدَ الغضب والشجاع عِنْدَ الحرب والأخ عِنْدَ الحاجة إِلَيْهِ. وَقَالَ مُوسَى ﵇: إلهي لا أسألك أَن لا يقال لي مَا لَيْسَ فِي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ مَا فعلت ذَلِكَ لنفسي فكيف أفعله لَك. وقيل: ليحيى بْن زِيَاد الحارثي وَكَانَ لَهُ غلام سوء: لَمْ تمسك هَذَا الغلام؟ فَقَالَ: لأتعلم عَلَيْهِ الحلم. وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] الظاهرة: تسوية الخلق , والباطنة: تصفية الخلق. وَقَالَ الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أَن يصحبني عابد سيئ الخلق. وقيل: الخلق الْحَسَن احتمال المكروه بحسن المداراة.

стр. 378

وحكى أَن إِبْرَاهِيم بْن أدهم خرج إِلَى بَعْض البراري فاستقبله جندي فَقَالَ: أين العمران؟ فأشار إِلَى المقبرة فضرب رأسه وأوضحه فلما جاوزه قيل لَهُ: إنه إِبْرَاهِيم بْن أدهم زاهد خراسان فجاء يعتذر إِلَيْهِ فَقَالَ: إنك لما ضربتني سألت اللَّه تَعَالَى لَك الْجَنَّة فَقَالَ: لَمْ؟ فَقَالَ: علمت أني أؤجر عَلَيْهِ فلم أرد أَن يَكُون نصيبي منك الخير ونصيبك منى الشر. وحكى أَن أبا عُثْمَان الحيري دعاه إِنْسَان إِلَى ضيافة فلما وافى بَاب داره قَالَ: يا أستاذ لَيْسَ الآن وقت دخولك وَقَدْ ندمت فانصرف فرجع أَبُو عُثْمَان فلما وافي منزله عاد إِلَيْهِ الرجل وَقَالَ: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر وَقَالَ: احضر الساعة فقام أَبُو عُثْمَان ومضى، فلما وافى بَاب داره قَالَ مثل مَا قَالَ فِي الأَوَّل ثُمَّ كَذَلِكَ فعل فِي الثالثة والرابعة وأبو عُثْمَان ينصرف ويحضر فلما كَانَ بَعْد مرات قَالَ: يا أستاذ , أردت اختباره وأخذ يعتذر ويمدحه فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا تمدحني عَلَى خلق تجد مثله مَعَ الكلاب، الكلب إِذَا دعى حضر وإذا زجر انزجر. وقيل: إِن أبا عُثْمَان اجتاز بسكة وقت الهاجرة فألقى عَلَيْهِ من سطح طست رماد فتغير أَصْحَابه وبسطوا ألسنتهم فِي الملقى فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا تقولوا شَيْئًا من استحق أَن يصب عَلَيْهِ النار فصولح عَلَى الرماد لَمْ يجز لَهُ أَن يغضب. وقيل: نزل بَعْض الفقراء عَلَى جَعْفَر بْن حنظلة فكان جَعْفَر يخدمه جدا والفقير يَقُول: نعم الرجل أَنْتَ لو لَمْ تكن يهوديا فَقَالَ جَعْفَر: عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إِلَيْهِ من الخدمة فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية. قيل: كَانَ لعبد اللَّه الخياط حريف مجوسي يخيط لَهُ ثيابا ويدفع إِلَيْهِ دراهم زيوفا وَكَانَ عَبْد اللَّهِ يأخذها، فاتفق أَنَّهُ قام من حانوته يوما لشغل فجاء المجوسي بالدراهم الزيوف فدفعها إِلَى تلميذه: فلم يقبلها فدفع إِلَيْهِ الصحاح فلما رجع عَبْد اللَّهِ قَالَ لتلميذه: أين قميص المجوسي؟ فذكر لَهُ القصة فَقَالَ: بئسما عملت إنه مذ مدة يعاملني بمثلها وأنا أصبر عَلَيْهِ وألقيها فِي بئر لئلا يغر بِهَا غيرى.

стр. 379

وقيل: الخلق السيئ يضيق قلب صاحبه لأنه لا يسع فِيهِ غَيْر مراده كالمكان الضيق لا يسع فِيهِ غَيْر صاحبه. وقيل: حسن الخلق أَن لا تتغير مِمَّن يقف فِي الصف بجنبك. وقيل: من سوء خلقك وقوع بصرك عَلَى سوء خلق غيرك. وسئل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشؤم فَقَالَ: سوء الخلق. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا

стр. 380

بَاب الجود والسخاء قَالَ اللَّه : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعَابِدِ الْبَخِيلِ. قَالَ الأستاذ: ولا فرق عَلَى لسان العلم بَيْنَ الجود والسخاء ولا يوصف الحق سبحانه بالسخاء والسماحة لعدم التوقيف، وحقيقة الجود أَن لا يصعب عَلَيْهِ البذل وعند الْقَوْم السخاء هُوَ الرتبة الأولى ثُمَّ الجود بعده ثُمَّ الإيثار فمن أعطى البعض وأبقى البعض فَهُوَ صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شَيْئًا فَهُوَ صاحب جود، والذي قاسي الضرر وآثر غيره بالبلغة فَهُوَ صاحب إيثار. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵁ يَقُول: قَالَ أسماء بْن خارجة: مَا أحب أَن أرد أحدا عَن حاجة طلبها لأنه إِن كَانَ كريما أصون عرضه، وإن كَانَ لئيما أصون عَنْهُ عرضي. وقيل: كَانَ مورق الْعِجْلِي يتلطف فِي إدخال الرفق عَلَى إخوانه يضع عندهم ألف درهم فَيَقُول: أمسكوها عندكم حَتَّى أعود إليكم ثُمَّ يرسل إليهم أنتم منها فِي حل.

стр. 381

وقيل: لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل الْمَدِينَة فَقَالَ: من الرجل؟ فَقَالَ: من أهل الْمَدِينَة فَقَالَ: لَقَدْ آتانا منكم رجل يقال لَهُ: الحكم بْن المطلب فأغنانا فَقَالَ المدني: فكيف وَمَا أتاكم إلا فِي جبة صوف؟ فَقَالَ: مَا أغنانا بمال ولكنه علمنا الكرم فعاد بعضنا عَلَى بَعْض حَتَّى استغنينا. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لما سعي غلام الخليل بالصوفية إِلَى الخليفة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فَإِنَّهُ تستر بالفقه وَكَانَ يفتى عَلَى مذهب أَبِي ثورة وَأَمَّا الشحام والرقام والنوري وجماعة فقبض عَلَيْهِم فبسط النطع لضرب أعناقهم فتقدم النوري فَقَالَ السياف: تدري إِلَى ماذا تبادر؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: وَمَا يعجلك؟ : فَقَالَ: أوثر عَلَى أَصْحَابي محياة ساعة، فتحير السياف وأنهى الْخَبَر إِلَى الخليفة فردهم إِلَى الْقَاضِي ليتعرف حالهم، فألقى الْقَاضِي عَلَى أَبِي الْحُسَيْن النوري مسائل فقهية فأجابه عَنِ الكل ثُمَّ أخذ يَقُول: وبعد فَإِن لِلَّهِ تَعَالَى عباد إِذَا قاموا قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله وسرد ألفاظا أبكى الْقَاضِي، فأرسل الْقَاضِي إِلَى الخليفة وَقَالَ: إِن كَانَ هَؤُلاءِ زنادقة فَمَا عَلَى وجه الأَرْض مُسْلِم. وقيل: كَانَ عَلِي بْن الفضيل يشتري من باعة المحلة فقيل لَهُ: لو دخلت السوق فاسترخصت، فَقَالَ: هَؤُلاءِ نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا. وقيل: بعث رجل إِلَى جبلة بجارية وَكَانَ بَيْنَ أَصْحَابه فَقَالَ: قبيح أَن أتخذها لنفسي وأنتم حضور وأكره أَن أخص بِهَا واحدا وكلكم لَهُ حق وحرمة، وَهَذَهِ لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين، فأمر لكل واحد بجارية أَوْ وصيف. وقيل: عطش عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة يوما فِي طريقة فاستسقى من منزل امْرَأَة فأخرجت كوزا وقامت خلف الباب وَقَالَتْ: تنحوا عَنِ الباب وليأخذه بَعْض غلمانكم فإني امْرَأَة من العرب مَات خادمي منذ أَيَّام فشرب عُبَيْد اللَّه الماء وَقَالَ لغلامه: أحمل إِلَيْهَا عشرة آلاف درهم فَقَالَتْ: سبحان اللَّه تسخر بي فَقَالَ: أحمل إِلَيْهَا عشرين ألف

стр. 382

درهم فَقَالَتْ: اسأل اللَّه تَعَالَى العافية فَقَالَ: يا غلام احمل إِلَيْهَا ثلاثين ألف درهم فردت الباب وَقَالَتْ: أف لَك فحمل إِلَيْهَا ثلاثين ألف درهم فأخذتها فَمَا أمست حَتَّى كثر خطابها. وقيل: الجود إجابة الخاطر الأَوَّل. سمعت بَعْض أَصْحَاب أَبِي الْحَسَن البوشنجي ﵀ يَقُول: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي فِي الخلاء فدعا تلميذا لَهُ وَقَالَ لَهُ: انزع عنى هَذَا القميص وادفعه إِلَى فُلان فقيل لَهُ: هلا صبرت حَتَّى تخرج من الخلاء؟ فَقَالَ: لَمْ آمن عَلَى نفسي أَن يتغير عَلِي مَا وقع لي من التخلف منه بِذَلِكَ القميص. وقيل لقيس بْن سَعْد بْن عُبَادَة: هل رأيت أسخى منك؟ فَقَالَ: نعم، نزلنا بالبادية عَلَى امْرَأَة فحضر زوجها فَقَالَتْ: إنه نزل بك ضيفان فجاء بناقة ونحرها وَقَالَ: شأنكم بِهَا، فلما كَانَ بالغد جاء بأخرى ونحرها وَقَالَ: شأنكم بِهَا فقلنا: مَا أكلنا من الَّتِي نحرت البارحة إلا اليسير فَقَالَ: إني لا أطعم أضيافي الغاب فبقينا عنده يومين أَوْ ثلاثة والسماء تمطر وَهُوَ يفعل كَذَلِكَ، فلما أردنا الرحيل وضعنا لَهُ مائة دِينَار فِي بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إِلَيْهِ ومضينا فلما متع النهار إِذَا نحن برجل يصيح خلفنا قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قراي ثُمَّ إنه لحقنا وَقَالَ: لتأخذنه وإلا طعنتكم برمحي فأخذناه وانصرف فأنشأ يَقُول: وإذا أخذت ثواب مَا أعطيته فكفى بذاك لنائل تكديرا سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري دار بَعْض أَصْحَابه فوجده غائبا وباب بَيْت لَهُ مقفل فَقَالَ: صوفي وَلَهُ بَاب بَيْت مقفل اكسروا القفل، فكسروا القفل وأمر بجميع مَا وجد فِي الدار والبيت وأنفذه إِلَى السوق وباعوه وأصلحوا وقتا من الثمن وقعدوا فِي الدار فدخل صاحب المنزل وَلَمْ يمكنه أَن يَقُول شَيْئًا،

стр. 383

فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت بياتا ورمت بالكساء وَقَالَتْ: يا أَصْحَابنا هَذَا أَيْضًا من جملة المتاع فبيعوه فَقَالَ الزوج لَهَا: لَمْ تكلفت هَذَا باختيارك فَقَالَتْ: اسكت مثل هَذَا الشيخ يباسطنا ويحكم عَلَيْنَا ويبقى لنا شَيْء ندخره عَنْهُ قَالَ بشر بْن الحرث: النظر إِلَى البخيل يقسى القلب. وقيل: مرض قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَة فاستبطأ إخوانه فسأل عَنْهُم فقيل: إنهم يستحيون مِمَّا لَك عَلَيْهِم من الدين فَقَالَ: أخزى اللَّه تَعَالَى مالا يمنع الإخوان من الزيارة، ثُمَّ أمر من ينادي من كَانَ لقيس عَلَيْهِ دين فَهُوَ منه فِي حل فكسرت عتبته بالعشى لكثرة من عاده، وقيل لعبد اللَّه بْن جَعْفَر: إنك تبذل الكثير إِذَا سئلت وتضن فِي القليل إِذَا نوجزت فَقَالَ: إني أبذل مالي وأضن بعقلي. وقيل: خرج عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر إِلَى ضيعة لَهُ فنزل عَلَى تحيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فِيهَا إذ أتي الغلام بقوته فدخل كلب الحائط ودنا من الغلام فرمى إِلَيْهِ الغلام بقرص فأكله ثُمَّ رمى إِلَيْهِ بالثاني والثالث فأكله وعبد اللَّه ينظر فَقَالَ: يا غلام كم قومك كُل يَوْم؟ قَالَ: مَا رأيت قَالَ: فلم آثرت هَذَا الكلب؟ قَالَ: مَا هِيَ بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده قَالَ: فَمَا أَنْتَ صانع اليوم؟ قَالَ: أطوى يومي هَذَا فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر: إلام عَلَى السخاء إِن هَذَا لأسخى منى فاشترى الحائط والغلام وَمَا فِيهَا من الآلات فأعتق الغلام ووهبها لَهُ. وقيل: أتى رجل صديقا لَهُ ودق عَلَيْهِ الباب فلما خرج إِلَيْهِ قَالَ: لماذا جئتني؟ قَالَ: لأربع مائة درهم دين ركبتي فدخل الدار ووزن لَهُ أربع مائة درهم وأخرجها إِلَيْهِ ودخل الدار باكيا فَقَالَتْ لَهُ أمرأته: هلا تعللت حِينَ شق عليك الإجابة، فَقَالَ: إِنَّمَا أبكي لأني لَمْ أتفقد حاله حَتَّى أحتاج إِلَى مفاتحتي بِهِ.

стр. 384

وَقَالَ مطرف بْن الشخير: إِذَا أراد أحدكم منى حاجة فليرفعها فِي رقعة فإني أكره أَن أري فِي وجهه ذل الحاجة، قيل: أراد رجل أَن يضاد عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاس فأتى وجوه البلد وَقَالَ لَهُمْ: يَقُول لكم ابْن الْعَبَّاس: تغدوا عندي اليوم فأتوه فملأوا الدار فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فأخبر الْخَبَر فأمر بشراء الفواكه فِي الوقت وأمر بالخبز والطبيخ وأصلح أمرا فلما فرغوا قَالَ لوكلائه: أموجود لنا كُل يَوْم هَذَا؟ فَقَالُوا: نعم فَقَالَ: فليتغد هَؤُلاءِ كلهم عندنا كُل يَوْم. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: كَانَ الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما فِي صحن داره فدخل إِلَيْهِ إِنْسَان وسأله شَيْئًا من الدنيا وَلَمْ يحضره شَيْء فَقَالَ: اصبر حَتَّى أفرغ فصبر فلما فرغ قَالَ: خذ القمقمة واخرج، فأخذها وخرج ثُمَّ صبر حَتَّى علم أَنَّهُ بَعْد فصاح وَقَالَ: دَخَلَ إِنْسَان وأخذ القمقمة فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ذَلِكَ لأن أهل المنزل كَانُوا يلومونه عَلَى كثرة البذل. وسمعته يَقُول: وهب الأستاذ أَبُو سهل جبته من إِنْسَان من الشتاء وَكَانَ يلبس جبة النِّسَاء حِينَ يخرج إِلَى التدريس إذ لَمْ يكن لَهُ جبة أُخْرَى، فقدم الوفد المعروفون من فارس فيهم من كُل نوع إمام من الْفُقَهَاء والمتكلمين والنحويين فأرسل إِلَيْهِ صاحب الجيش أَبُو الْحَسَنِ وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس دراعه فَوْقَ تلك الجبة الَّتِي للنساء وركب فَقَالَ: صاحب الجيش إنه يستخف بي إمام البلد يركب فِي جبة النِّسَاء ثُمَّ إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه عَلَى كَلام جميعهم فِي كُل فن. وسمعته يَقُول: لَمْ يناول الأستاذ أَبُو سهل أحدا شَيْئًا بيده وَكَانَ يطرحه عَلَى الأَرْض ليأخذه الآخذ من الأَرْض:، وَكَانَ يَقُول: الدنيا أقل خطرا من أَن أرى لأجلها يدي فَوْقَ يد أحد، وَقَالَ ﷺ : اليد العليا خير من اليد السفلى وقيل: كَانَ أَبُو مرثد عَلِي ﵀ أحد الكرام فمدحه بَعْض الشعراء فَقَالَ: مَا عندي مَا أعطيك ولكن قدمني إلي الْقَاضِي وادع عَلَى عشرة آلاف درهم حَتَّى أقر لَك بِهَا ثُمَّ

стр. 385

احبسني فَإِن أهلي لا يتركوني مسجونا ففعل ذَلِكَ، فلم يمس حَتَّى دفع إِلَيْهِ عشرة آلاف درهم وخرج من السجن. وقيل: سأل رجل الْحَسَن بْن عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ شَيْئًا فأعطاه خمسين ألف درهم وخمس مائة دِينَار وَقَالَ: ائت بحمال يحمله لَك، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وَقَالَ: يَكُون كراء الحمال من قبلي. وسألت امْرَأَة اللَّيْث بْن سَعْد سكرجة عسل فأمر لَهَا بزق من عسل فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنها سألت عَلَى قدر حاجتها ونحن نعطيها عَلَى قدر نعمنا وَقَالَ بَعْضهم: صليت فِي مَسْجِد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريما لي فلما سلمت وضع بَيْنَ يدي كُل واحد حلة ونعلين وَكَذَلِكَ وضع بَيْنَ يدي فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: إِن الأشعث قدم من مَكَّة فأمر بِهَذَا لأهل جَمَاعَة مسجده فَقُلْتُ: إِنَّمَا جئت أطلب غريما لي ولست من جماعته فَقَالُوا: هُوَ لكل من حضر وقيل: لما قربت وفاة الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مروا فلانا يغسلني وَكَانَ الرجل غائبا فلما قدم أخبر بِذَلِكَ فدعا بتذكرته فوجد عَلَيْهِ سبعين ألف درهم دينا فقضاها وَقَالَ: هَذَا غسلي إياه قيل: لما قدم الشَّافِعِي من صنعاء إِلَى مَكَّة كَانَ مَعَهُ عشرة آلاف دِينَار فقيل لَهُ: تشتري بِهَا قنية فضرب خيمته خارج مَكَّة وصب الدنانير فَكُل من دَخَلَ عَلَيْهِ كَانَ يعطيه قبضة قبضة فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب وَلَمْ يبق شَيْء. وقيل: خرج السري يَوْم عيد فاستقبله رجل كبير الشأن فسلم السرى عَلَيْهِ سلاما ناقصا فقيل لَهُ: هَذَا رجل كبير الشأن فَقَالَ: قَدْ عرفته ولكن رُوِيَ مسند أَنَّهُ إِذَا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة تسعون لأبشهما فأردت أَن يَكُون مَعَهُ الأكثر وقيل: بكى أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ يوما فقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ: لَمْ يأتني ضيف منذ سبعة أَيَّام وأخاف أَن يَكُون اللَّه تَعَالَى قَدْ أهانني

стр. 386

وروي عَن أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ: زكاة الدار أَن يتخذ فِيهَا بَيْت للضيافة وقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] قيل قيامه عَلَيْهِم بنفسه وقيل:، لأن ضيف الكريم كريم وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن الجنيد: كَانَ يقال أربعة: لا ينبغي للشريف أَن يأنف منهن وإن كَانَ أميرا قيامه من مجلسه لأبيه وخدمته لضيفه وخدمته لعالم يتعلم منه والسؤال عما لَمْ يعلم. وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] إنهم كَانُوا يتحرجون أَن يأكل أحدهم وحده فرخص لَهُمْ فِي ذَلِكَ وقيل: أضاف عَبْد اللَّهِ بْن عامر بْن كريز رجلا فأحسن قراه فلما أراد الرجل أَن يرتحل عَنْهُ لَمْ يعنه غلمانه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا أنشد عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي قَالَ أنشدني المتنبي فِي معناه: إِذَا ترحلت عَن قوم وَقَدْ قدروا ... أَن لا تفارقهم فالراحلون هُمْ وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ سخاء النفس عما فِي أيدي النَّاس أفضل من سخاء النفس بالبذل وَقَالَ بَعْضهم دخلت عَلَى بشر بْن الحرث فِي يَوْم شديد البرد وَقَدْ تعرى من الثياب وَهُوَ ينفض فَقُلْتُ: يا أبا نصر النَّاس يريدون فِي الثياب فِي مثل هَذَا اليوم وأنت قَدْ نقصت فَقَالَ: ذكرت الفقراء وَمَا هُمْ فِيهِ وَلَمْ يكن لي مَا أواسيهم بِهِ فأردت أَن أوافقهم بنفسي فِي مقاساة البرد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الدقاق يَقُول: لَيْسَ السخاء أَن يعطي الواجد المعدم إِنَّمَا السخاء أَن يعطي المعدم الواجد.

стр. 387

بَاب الغيرة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْمُزَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّازُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُرَاتِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ غِيرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنَانْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَبِي كثير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. قَالَ الأستاذ: الغيرة كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغير فمعناه أَنَّهُ لا يرضى بمشاركة الغيرة مَعَهُ فيما هُوَ حق لَهُ من طاعة عبده حكى عَنِ السرى أَنَّهُ قرئ بَيْنَ يديه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فَقَالَ السري لأَصْحَابه: أتدرون مَا هَذَا الحجاب؟ هَذَا حجاب الغيرة ولا أحد أغير من اللَّه تَعَالَى ومعنى قَوْله هَذَا حجاب الغيرة، يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين.

стр. 388

وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: إِن أَصْحَاب الكسل عَن عبادته هُم الَّذِينَ ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لَهُم البعد عَنْهُ وأخرهم عَن محل القرب ولذلك تأخروا وَفِي معناه أنشدوا: أناصب لمن هويت ولكن مَا احتيالي بسوء رأي الموالي وَفِي معناه أَيْضًا قَالُوا: سقيم لَيْسَ يعاد ... ومريد لا يراد سمعت الأستاذ أبا عَلِي ﵀ يَقُول: سمعت الْعَبَّاس الزوزني يَقُول: كَانَ لي بداية حسنة وكنت أعرف كم بقى بيني وبين الوصول إِلَى مقصودي من الظفر بمرادي، فرأيت ليلة من الليالي فِي المنام كأنني أتدهده من حالق جبل فأردت الوصول إِلَى ذروته قَالَ: فحزنت فأخذني اليوم فرأيت قائلا يَقُول: يا عَبَّاس الحق لَمْ يرد منك أَن تصل إِلَى مَا كنت تطلب ولكنه فتح عَلَى لسانك الحكمة، قَالَ: فأصبحت وَقَدْ ألهمت كلمات الحكمة. وسمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: كَانَ شيخ من الشيوخ لَهُ حال ووقت مَعَ اللَّه فخفي مدة لَمْ ير بَيْنَ الفقراء، ثُمَّ إنه ظهر بَعْد ذَلِكَ لا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الوقت فسئل عَنْهُ فَقَالَ: آه وقع حجاب. وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا وقع شَيْء فِي خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يَقُول: هَذَا من غيرة الحق سبحانه يريد أَن لا يجري من صفاء هَذَا الوقت وأنشدوا فِي معناه: همت بإتياننا حَتَّى إِذَا نظرت ... إِلَى المرأة نهاها وجهها الْحَسَن وقيل لبعضهم: تريد أَن تراه؟ فَقَالَ: لا , فقيل: لَمْ؟ فَقَالَ: أنزه ذَلِكَ الجمال عَن نظر مثلى , وفى معناه أنشدوا: إني لأحسد ناظري عليكا ... حَتَّى أغض إِذَا نظرت إليكا وأراك تخطر فِي شمائلك الَّتِي ... هِيَ فتنتي أغار منك عليكا

стр. 389

وسئل الشبلي مَتَى تستريح فَقَالَ: إِذَا لَمْ أر لَهُ ذاكرا. سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فِي قَوْل النَّبِي ﷺ فِي مبايعته فرسا من أعرابي وأنه استقاله فأقاله فَقَالَ الأعرابي: عمرك اللَّه تَعَالَى مِمَّن أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : امرؤ من قريش، فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه من الحاضرين للأعرابي: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك، فكان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: إِنَّمَا قَالَ امرؤ من قريش غيرة وإلا كَانَ واجبا عَلَيْهِ التعرف إِلَى كُل أحد أَنَّهُ من هُوَ ثُمَّ إِن اللَّه سبحانه أجرى عَلَى لسان ذَلِكَ الصحابي التعريف للأعرابي بقوله: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك. ومن النَّاس من قَالَ: إِن الغيرة من صفات أهل البداية، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، وليس لَهُ فيما يجري فِي المملكة تحكم، بَل الحق سبحانه أولى بالأشياء فيما يقضى عَلَى مَا يقضي: سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ ﵀ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: الغيرة عمل المريدين فأما أهل الحقائق فلا. وسمعته يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية عَلَى النفوس، وغيرة الإلهية عَلَى القلوب. وَقَالَ الشبلي أَيْضًا: غيرة الإلهية عَلَى الأنفاس أَن تضيع فيما سِوَى اللَّه تَعَالَى، والواجب أَن يقال: الغيرة غيرتان: غيرة الحق سبحانه عَلَى العبد وَهُوَ أَن لا يجعله للخلق فيضن بِهِ عَلَيْهِم , وغيرة العبد للحق وَهُوَ أَن لا يجعل شَيْئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تَعَالَى , فلا يقال أنا أغار عَلَى اللَّه تَعَالَى ولكن يقال: أنا أغار لِلَّهِ تَعَالَى، فإذن الغيرة عَلَى اللَّه جهل، وربما تؤدي إِلَى ترك الدين، والغيرة لِلَّهِ تَعَالَى توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال لَهُ. واعلموا أَن من سنة الحق تَعَالَى مَعَ أوليائه أنهم إِذَا ساكنوا غَيْر أَوْ لاحظوا شَيْئًا أَوْ ضاجعوا بقلوبهم شَيْئًا شوش عَلَيْهِم ذَلِكَ فيغار عَلَى قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه أَوْ ضاجعوه، كآدم ﵇ لما وطن نَفْسه عَلَى الخلود فِي الْجَنَّة أَخْرَجَهُ منها،

стр. 390

وإبراهيم ﵇ لما أعجبه إِسْمَاعِيل ﵇ أمره بذبحه حَتَّى أَخْرَجَهُ من قلبه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] وصفا سره منه أمره بالفداء عَنْهُ. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا زَيْد الفقيه المروزي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حسان يَقُول: بينا أنا أدور ففي جبل لبنان إذ خرج عَلَيْنَا رجل شاب قَدْ أحرقته السموم والرياح، فلما نظر إلي ولى هاربا فتبعته وقلت: تعظني بكلمة فَقَالَ: احذر فَإِنَّهُ غيور لا يحب أَن يرى فِي قلب عبده سواه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: قَالَ النصرأباذي: الحق تَعَالَى غيور ومن غيرته، أَنَّهُ لَمْ يجعل إِلَيْهِ طريقا سواه. وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه إِن لفلان إلي حاجة ولي أَيْضًا إِلَيْهِ حاجة، فَإِن قضى حاجتي قضيت حاجته، فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِي ﷺ فِي مناجاته: إلهي كَيْفَ يَكُون لَك حاجة؟ فَقَالَ: إنه ساكن بقلبه غيرى، فليفرغ قلبه عَنْهُ أقض حاجته. وقيل: إِن أبا يَزِيد البسطامي رأى جَمَاعَة من الحور العين فِي منامه فنظر إليهن فسلب وقته أياما ثُمَّ إنه رأى فِي منامه جَمَاعَة منهن فلم يلتف إليهن وَقَالَ: إنكن شواغل، وقيل: مرضت رابعة العدوية فقيل لَهَا: مَا سبب علتك؟ فَقَالَتْ: نظرت بقلبي إِلَى الْجَنَّة فأدبني فله العتبى لا أعود ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: كنت أطلب رجلا صديقا لي مدة من الأوقات، فمررت فِي بَعْض الجبال فَإِذَا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى فسألت عَن حالهم فَقَالُوا: ههنا رجل يخرج من السنة مرة يدعو لَهُمْ فيجدون الشفاء، فصبرت حَتَّى خرج ودعا لَهُمْ فوجدوا الشفاء فقفوت أثره وتعلقت بِهِ وقلت لَهُ: بي علة باطنة فَمَا دواؤها؟ فَقَالَ: يا سري خل عنى فَإِنَّهُ غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه. قَالَ الأستاذ: وَمِنْهُم من غيرته حِينَ يرى النَّاس يذكرونه تَعَالَى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذَلِكَ ويشق عَلَيْهِ.
следующие страницы →