Полный текст (562 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وروي عَن أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ: زكاة الدار أَن يتخذ فِيهَا بَيْت للضيافة وقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] قيل قيامه عَلَيْهِم بنفسه وقيل:، لأن ضيف الكريم كريم وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن الجنيد: كَانَ يقال أربعة: لا ينبغي للشريف أَن يأنف منهن وإن كَانَ أميرا قيامه من مجلسه لأبيه وخدمته لضيفه وخدمته لعالم يتعلم منه والسؤال عما لَمْ يعلم.
وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] إنهم كَانُوا يتحرجون أَن يأكل أحدهم وحده فرخص لَهُمْ فِي ذَلِكَ وقيل: أضاف عَبْد اللَّهِ بْن عامر بْن كريز رجلا فأحسن قراه فلما أراد الرجل أَن يرتحل عَنْهُ لَمْ يعنه غلمانه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا أنشد عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي قَالَ أنشدني المتنبي فِي معناه:
إِذَا ترحلت عَن قوم وَقَدْ قدروا ... أَن لا تفارقهم فالراحلون هُمْ
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ سخاء النفس عما فِي أيدي النَّاس أفضل من سخاء النفس بالبذل وَقَالَ بَعْضهم دخلت عَلَى بشر بْن الحرث فِي يَوْم شديد البرد وَقَدْ تعرى من الثياب وَهُوَ ينفض فَقُلْتُ: يا أبا نصر النَّاس يريدون فِي الثياب فِي مثل هَذَا اليوم وأنت قَدْ نقصت فَقَالَ: ذكرت الفقراء وَمَا هُمْ فِيهِ وَلَمْ يكن لي مَا أواسيهم بِهِ فأردت أَن أوافقهم بنفسي فِي مقاساة البرد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الدقاق يَقُول: لَيْسَ السخاء أَن يعطي الواجد المعدم إِنَّمَا السخاء أَن يعطي المعدم الواجد.
стр. 387
بَاب الغيرة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْمُزَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّازُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُرَاتِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ غِيرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنَانْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَبِي كثير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
قَالَ الأستاذ: الغيرة كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغير فمعناه أَنَّهُ لا يرضى بمشاركة الغيرة مَعَهُ فيما هُوَ حق لَهُ من طاعة عبده
حكى عَنِ السرى أَنَّهُ قرئ بَيْنَ يديه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فَقَالَ السري لأَصْحَابه: أتدرون مَا هَذَا الحجاب؟ هَذَا حجاب الغيرة ولا أحد أغير من اللَّه تَعَالَى ومعنى قَوْله هَذَا حجاب الغيرة، يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين.
стр. 388
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: إِن أَصْحَاب الكسل عَن عبادته هُم الَّذِينَ ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لَهُم البعد عَنْهُ وأخرهم عَن محل القرب ولذلك تأخروا وَفِي معناه أنشدوا: أناصب لمن هويت ولكن مَا احتيالي بسوء رأي الموالي وَفِي معناه أَيْضًا قَالُوا:
سقيم لَيْسَ يعاد ... ومريد لا يراد
سمعت الأستاذ أبا عَلِي ﵀ يَقُول: سمعت الْعَبَّاس الزوزني يَقُول: كَانَ لي بداية حسنة وكنت أعرف كم بقى بيني وبين الوصول إِلَى مقصودي من الظفر بمرادي، فرأيت ليلة من الليالي فِي المنام كأنني أتدهده من حالق جبل فأردت الوصول إِلَى ذروته قَالَ: فحزنت فأخذني اليوم فرأيت قائلا يَقُول: يا عَبَّاس الحق لَمْ يرد منك أَن تصل إِلَى مَا كنت تطلب ولكنه فتح عَلَى لسانك الحكمة، قَالَ: فأصبحت وَقَدْ ألهمت كلمات الحكمة.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: كَانَ شيخ من الشيوخ لَهُ حال ووقت مَعَ اللَّه فخفي مدة لَمْ ير بَيْنَ الفقراء، ثُمَّ إنه ظهر بَعْد ذَلِكَ لا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الوقت فسئل عَنْهُ فَقَالَ: آه وقع حجاب.
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا وقع شَيْء فِي خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يَقُول: هَذَا من غيرة الحق سبحانه يريد أَن لا يجري من صفاء هَذَا الوقت وأنشدوا فِي معناه:
همت بإتياننا حَتَّى إِذَا نظرت ... إِلَى المرأة نهاها وجهها الْحَسَن
وقيل لبعضهم: تريد أَن تراه؟ فَقَالَ: لا , فقيل: لَمْ؟ فَقَالَ: أنزه ذَلِكَ الجمال عَن نظر مثلى , وفى معناه أنشدوا:
إني لأحسد ناظري عليكا ... حَتَّى أغض إِذَا نظرت إليكا
وأراك تخطر فِي شمائلك الَّتِي ... هِيَ فتنتي أغار منك عليكا
стр. 389
وسئل الشبلي مَتَى تستريح فَقَالَ: إِذَا لَمْ أر لَهُ ذاكرا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فِي قَوْل النَّبِي ﷺ فِي مبايعته فرسا من أعرابي وأنه استقاله فأقاله فَقَالَ الأعرابي: عمرك اللَّه تَعَالَى مِمَّن أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : امرؤ من قريش، فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه من الحاضرين للأعرابي: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك، فكان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: إِنَّمَا قَالَ امرؤ من قريش غيرة وإلا كَانَ واجبا عَلَيْهِ التعرف إِلَى كُل أحد أَنَّهُ من هُوَ ثُمَّ إِن اللَّه سبحانه أجرى عَلَى لسان ذَلِكَ الصحابي التعريف للأعرابي بقوله: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك.
ومن النَّاس من قَالَ: إِن الغيرة من صفات أهل البداية، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، وليس لَهُ فيما يجري فِي المملكة تحكم، بَل الحق سبحانه أولى بالأشياء فيما يقضى عَلَى مَا يقضي: سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ ﵀ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: الغيرة عمل المريدين فأما أهل الحقائق فلا.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية عَلَى النفوس، وغيرة الإلهية عَلَى القلوب.
وَقَالَ الشبلي أَيْضًا: غيرة الإلهية عَلَى الأنفاس أَن تضيع فيما سِوَى اللَّه تَعَالَى، والواجب أَن يقال: الغيرة غيرتان: غيرة الحق سبحانه عَلَى العبد وَهُوَ أَن لا يجعله للخلق فيضن بِهِ عَلَيْهِم , وغيرة العبد للحق وَهُوَ أَن لا يجعل شَيْئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تَعَالَى , فلا يقال أنا أغار عَلَى اللَّه تَعَالَى ولكن يقال: أنا أغار لِلَّهِ تَعَالَى، فإذن الغيرة عَلَى اللَّه جهل، وربما تؤدي إِلَى ترك الدين، والغيرة لِلَّهِ تَعَالَى توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال لَهُ.
واعلموا أَن من سنة الحق تَعَالَى مَعَ أوليائه أنهم إِذَا ساكنوا غَيْر أَوْ لاحظوا شَيْئًا أَوْ ضاجعوا بقلوبهم شَيْئًا شوش عَلَيْهِم ذَلِكَ فيغار عَلَى قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه أَوْ ضاجعوه، كآدم ﵇ لما وطن نَفْسه عَلَى الخلود فِي الْجَنَّة أَخْرَجَهُ منها،
стр. 390
وإبراهيم ﵇ لما أعجبه إِسْمَاعِيل ﵇ أمره بذبحه حَتَّى أَخْرَجَهُ من قلبه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] وصفا سره منه أمره بالفداء عَنْهُ.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا زَيْد الفقيه المروزي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حسان يَقُول: بينا أنا أدور ففي جبل لبنان إذ خرج عَلَيْنَا رجل شاب قَدْ أحرقته السموم والرياح، فلما نظر إلي ولى هاربا فتبعته وقلت: تعظني بكلمة فَقَالَ: احذر فَإِنَّهُ غيور لا يحب أَن يرى فِي قلب عبده سواه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: قَالَ النصرأباذي: الحق تَعَالَى غيور ومن غيرته، أَنَّهُ لَمْ يجعل إِلَيْهِ طريقا سواه.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه إِن لفلان إلي حاجة ولي أَيْضًا إِلَيْهِ حاجة، فَإِن قضى حاجتي قضيت حاجته، فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِي ﷺ فِي مناجاته: إلهي كَيْفَ يَكُون لَك حاجة؟ فَقَالَ: إنه ساكن بقلبه غيرى، فليفرغ قلبه عَنْهُ أقض حاجته.
وقيل: إِن أبا يَزِيد البسطامي رأى جَمَاعَة من الحور العين فِي منامه فنظر إليهن فسلب وقته أياما ثُمَّ إنه رأى فِي منامه جَمَاعَة منهن فلم يلتف إليهن وَقَالَ: إنكن شواغل، وقيل: مرضت رابعة العدوية فقيل لَهَا: مَا سبب علتك؟ فَقَالَتْ: نظرت بقلبي إِلَى الْجَنَّة فأدبني فله العتبى لا أعود ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: كنت أطلب رجلا صديقا لي مدة من الأوقات، فمررت فِي بَعْض الجبال فَإِذَا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى فسألت عَن حالهم فَقَالُوا: ههنا رجل يخرج من السنة مرة يدعو لَهُمْ فيجدون الشفاء، فصبرت حَتَّى خرج ودعا لَهُمْ فوجدوا الشفاء فقفوت أثره وتعلقت بِهِ وقلت لَهُ: بي علة باطنة فَمَا دواؤها؟ فَقَالَ: يا سري خل عنى فَإِنَّهُ غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه.
قَالَ الأستاذ: وَمِنْهُم من غيرته حِينَ يرى النَّاس يذكرونه تَعَالَى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذَلِكَ ويشق عَلَيْهِ.
стр. 391
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: لما دَخَلَ الأعرابي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ وبال فِيهِ وتبادر إِلَيْهِ الصَّحَابَة لإخراجه قَالَ ﵀ إِنَّمَا أساء الأعرابي الأدب ولكن الخجل وقع عَلَى الصَّحَابَة والمشقة حصلت لَهُمْ حِينَ رأوا من وضع حشمته كَذَلِكَ العبد إِذَا عرف جلال قدره سبحانه شق عَلَيْهِ سماع ذكره من يذكره بالغفلة وطاعة من لا يعبده بالحرمة.
حكى أَن الشبلي مَات لَهُ ابْن كَانَ اسمه أبا الْحَسَن فجزعت أمه عَلَيْهِ وقطعت شعر رأسها فدخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته فَكُل من أتاه معزيا قَالَ: إيش هَذَا يا أبا بَكْر فكان يَقُول: موافقة لأهلي، فَقَالَ لَهُ بَعْضهم: أخبرني يا أبا بَكْر لَمْ فعلت هَذَا؟ فَقَالَ: علمت أنهم يعزونني عَلَى الغفلة ويقولون آجرك اللَّه تَعَالَى ففديت ذكرهم لِلَّهِ تَعَالَى بالغفلة بلحيتي، وسمع النوري رجلا يؤذن فَقَالَ: طعنة وسم الْمَوْت، وسمع كلبا ينبح فَقَالَ: لبيك وسعديك فقيل لَهُ إِن هَذَا ترك للدين فَإِنَّهُ يَقُول للمؤمن فِي تشهده طعنة وسم الْمَوْت ويلبي عِنْدَ نباح الكلب، فسئل عَن ذَلِكَ فَقَالَ: أما ذَلِكَ فكان ذكره لِلَّهِ عَلَى رأس الغفلة، وَأَمَّا الكلب فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وأذن الشبلي مرة فلما انتهى إِلَى الشهادتين قَالَ: لولا أنك أمرتني مَا ذكرت معك غيرك وسمع رجلا يَقُول:. . اللَّه فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تجله عَن هَذَا.
стр. 392
سمعت بَعْض الفقراء يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الخزفاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول لا اللَّه إلا اللَّه من داخل القلب مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ من القرط ومن نظر إِلَى ظاهر هَذَا اللفظ توهم أَنَّهُ استصغر الشرع ولا كَمَا يخطر بالبال إذ الأخطار للأغيار بالإضافة إِلَى قدر الحق سبحانه متصاغرة فِي التحقيق.
стр. 393
بَاب الولاية قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَرُونَ الْمُقْرِي قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْخَيَّاطُ , عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مَيْمُونٍ مَوْلَى عُرْوَةَ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ ﵄ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْعَبْدُ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رَوْحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: الولي لَهُ معنيان: إحداهما: فعيل بمعنى مفعول وَهُوَ من يتولى اللَّه سبحانه أمره اللَّه تَعَالَى: وَهُوَ يتولى الصلحين فلا يكله إِلَى نَفْسه لحظة بَل يتولى الحق سبحانه رعايته.
وَالثَّانِي: فعيل مبالغة من الفاعل وَهُوَ الَّذِي يتولى عُبَادَة اللَّه تَعَالَى وطاعته فعبادته تجرى عَلَى التوالي من غَيْر أَن يتخلاها عصيان، وكلا الوصفين واجب حَتَّى يَكُون الولي وليا بحب قيامه بحقوق اللَّه تَعَالَى عَلَى الاستقصاء والاستيفاء ودوام حفظ اللَّه تَعَالَى إياه فِي السراء والضراء، ومن شرط الولي أَن يَكُون محفوظا كَمَا أَن من شرط النَّبِي أَن يَكُون معصوما فَكُل من كَانَ للشراع عَلَيْهِ اعتراض فَهُوَ مغرور مخدع.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: قصد أَبُو يَزِيد البسطامي بَعْض من
стр. 394
وصف بالولاية، فلما وافي مسجده قعد ينتظر خروجه فخرج الرجل وتنخم فِي الْمَسْجِد فانصرف أَبُو يَزِيد وَلَمْ يسلم عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا رجل غَيْر مأمون عَلَى أدب من آداب الشريعة، فكيف يَكُون أمينا عَلَى أسرار الحق واختلفوا فِي أَن الولي هل يَجُوز أَن يعلم أَنَّهُ ولي أم لا.
فمنهم من قَالَ لا يَجُوز ذَلِكَ وَقَالَ إِن الولي يلاحظ نَفْسه بعين التصغير، وإن ظهر عَلَيْهِ شَيْء من الكرامات خاف أَن يَكُون مكرا وَهُوَ يستشعر الخوف دائما أبدا , وإنما يخاف سقوطه عما هُوَ فِيهِ , وأن تكون عاقبته بخلاف حاله , وَهَؤُلاءِ يجعلون من شرط الولاية وفاء المآل.
وَقَدْ ورد فِي هَذَا الباب حكايات كثيرة عَنِ الشيوخ وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جَمَاعَة لا يحصون ولو اشتغلنا بذكر مَا قَالُوا لخرجنا عَن حد الاختصار، وإلى هَذَا كَانَ يذهب من شيوخنا الَّذِينَ لقيناهم الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك، وَمِنْهُم من قَالَ يَجُوز أَن يعلم الولي أَنَّهُ ولي وليس من شرط تحقيق الولاية فِي الحال الوفاء فِي المآل، ثُمَّ إِن كَانَ ذَلِكَ من شرطه أَيْضًا فيجوز أَن يَكُون هَذَا الولي خص بكرامة هِيَ تعريف الحق إياه أَنَّهُ مأمون العاقبة إذ القول بجوز كرامات الأولياء واجب وَهُوَ وإن فارقه خوف العاقبة فَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الهيبة والتعظيم والإجلال فِي الحال أتم وأشد فَإِن اليسير من التعظيم والهيبة أهدى للقلوب من كثير من الخوف ولما قَالَ ﷺ عشرة فِي الْجَنَّة من أَصْحَابه فالعشرة لا محالة صدقوا الرسول ﷺ وعروفوا سلامة عاقبتهم ثُمَّ لَمْ يقدح ذَلِكَ فِي حالهم ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف عَلَى حد المعجزة ويدخل فِي جملته العلم بحقيقة الكرامات فَإِذَا رأى الكرامات ظاهرة عَلَيْهِ لا يمكنه أَن لا يميز بينها وبين غيرها فَإِذَا رأى شَيْئًا من ذَلِكَ علم أَنَّهُ فِي الحال عَلَى الحق ثُمَّ يَجُوز أَن يعرف أَنَّهُ فِي المآل يبقى عَلَى هذه الحالة ويكون هَذَا التعريف كرامة لَهُ , والقول بكرامات الأولياء صحيح ,
стр. 395
وكثير من حكايات الْقَوْم تَدُل عَلَى ذَلِكَ كَمَا نذكر طرفا من ذَلِكَ فِي بَاب كرامات الأولياء إِن شاء اللَّه تَعَالَى وإلى هَذَا القول كَانَ يذهب من شيوخنا الَّذِينَ لقيناهم الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وقيل: إِن إِبْرَاهِيم بْن أدهم قَالَ لرجل أتحب أَن تكون لِلَّهِ وليا؟ فَقَالَ: نعم فَقَالَ: لا ترغب فِي شَيْء من الدنيا والآخرة وفرغ نفسك لِلَّهِ تَعَالَى وأقبل بوجهك عَلَيْهِ ليقبل عليك ويواليك وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ فِي صفة الأولياء: هُمْ عباد تسربلوا بالأنس بَعْد المكابدة واعتنقوا الروح بَعْد المجاهدة بوصولهم إِلَى مقام الولاية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت عمي البسطامي يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: سمعت أبا يَزِيد يَقُول: أولياء اللَّه عرائس اللَّه تَعَالَى ولا يرى العرائس إلا المحرمون فَهُمْ مخدرون عنده فِي حجاب الأنس لا يراهم أحد فِي الدنيا ولا فِي الآخرة.
سمعت أبا بَكْر الصيدلاني وَكَانَ رجلا صالحا قَالَ: كنت أصلح اللوح فِي قبر أَبِي بَكْر الطمستاني أنقر فِيهِ اسمه فِي مقبرة الحيرة كثيرا وَكَانَ يقام ذَلِكَ اللوح ويسرق وَلَمْ يقلع من غيره من القبور فكنت أتعجب منه فسألت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يوما عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إِن ذَلِكَ الشيخ آثر الخفاء فِي الدنيا وأنت تريد أَن تشهر قبره باللوح الَّذِي تصلحه فِيهِ وإن الحق سبحانه يأبي إلا إخفاء قبره كَمَا آثر هُوَ ستر نَفْسه وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: الولي قَدْ يَكُون مشهورا ولكن لا يَكُون مفتونا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول: لَيْسَ للأولياء سؤال إِنَّمَا هُوَ الذبول والخمول قَالَ: وسمعته يَقُول: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الوالي الَّذِي توالت أفعاله عَلَى الموافقة
стр. 396
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الولي لا يرائي ولا ينافق وَمَا أقل صديق من كَانَ هَذَا خلقه وَقَالَ أَبُو عَلَى الجوزجاني: الولي هُوَ الفاني فِي حاله الباقي فِي مشاهدة الحق سبحانه تولى اللَّه سياسته فتوالت عَلَيْهِ أنوار التولي لَمْ يكن لَهُ عَن نَفْسه إخبار ولا مَعَ غَيْر اللَّه قرار وَقَالَ أَبُو يَزِيد: حظوظ الأولياء مَعَ تباينها من أربعة أسماء وقيام كُل فريق مِنْهُم باسم منها وَهُوَ الأَوَّل والآخر والظاهر والباطن فَمَتَى فنى عَنْهَا بَعْد ملابستها فَهُوَ الكامل التام فمن كَانَ حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كَانَ حظه من اسمه الباطن لا حظ مَا جرى فِي السرائر من أنواره ومن كَانَ حظه من اسمه الأَوَّل كَانَ شغله بِمَا سبق ومن كَانَ حظه من اسمه الآخر كَانَ مرتبطا بِمَا يستقبله وكل كوشف عَلَى قدر طاقته إلا من تولاه الحق سبحانه ببره وقام عَنْهُ بنفسه وَهَذَا الَّذِي قاله أَبُو يَزِيد يشير إِلَى أَن الخواص من عباده ارتقوا عَن هذه الأقسام فلا العواقب هُمْ فِي ذكرها ولا السوابق هُمْ فِي فكرها ولا الطوارق هُمْ فِي أسرها وكذا أَصْحَاب الحقائق يكونون محوا عَن نعوت الخلائق قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الولي ريحان اللَّه تَعَالَى فِي الأَرْض يشمه الصديقون فتصل رائحته إِلَى قلوبهم فيشتاقون بِهِ إِلَى مولاهم ويزدادون عُبَادَة عَلَى تفاوت أخلاقهم.
وسئل الواسطي كَيْفَ يغذي الولي فِي ولايته فَقَالَ: فِي بدايته بعبادته وَفِي كهولته بستره بلطافته ثُمَّ يجذبه إِلَى مَا سبق لَهُ من نعوته وصفاته ثُمَّ يذيقه طعم قيامه بِهِ فِي أوقاته، وقيل: علامة الولي ثلاثة: شغله بالله تَعَالَى وفراره إِلَى اللَّه تَعَالَى وهمه إِلَى اللَّه قَالَ الخراز: إِذَا أراد اللَّه تَعَالَى أَن يوالي عبدا من عبيده فتح عَلَيْهِ بَاب ذكره فَإِذَا استلذ الذكر فتح عَلَيْهِ بَاب القرب ثُمَّ رفعه إِلَى مجلس الأنس بِهِ ثُمَّ أجلسه عَلَى كرسي التوحيد ثُمَّ رفع عَنْهُ الحجب وأدخله دار الفردانية وكشف لَهُ عَنِ الجلال والعظمة فَإِذَا وقع بصره عَلَى الجلال والعظمة بقى بلا هوى فحينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع فِي حفظه سبحانه وبرئ من دعاوي نَفْسه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت
стр. 397
أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: قَالَ أَبُو تراب النخشبي: إِذَا ألف القلب الإعراض عَنِ اللَّه تَعَالَى صحبته الوقيعة فِي أولياء اللَّه تَعَالَى ويقال: صفة الولي أَن لا يَكُون لَهُ خوف، لأن الخوف ترقب مكروه يحل فِي المستقبل أَوِ انتظار محبوب يفوت فِي المستأنف والولي ابْن وقته لَيْسَ لَهُ مستقبل فيخاف شَيْء وكما لا خوف لَهُ لا رجاء لَهُ، لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أَوْ مكروه يكشف وَذَلِكَ فِي الثَّانِي من الوقت وَكَذَلِكَ لا حزن لَهُ، لأن الحزن من حزونه الوقت ومن كَانَ فِي ضياء الرضا وبرد الموافقة فأنى يَكُون لَهُ حزن قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] .
стр. 398
بَاب الدعاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَوْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا كَامِلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ.
قَالَ الأستاذ: والدعاء مفتاح الحاجة وَهُوَ مستروح أَصْحَاب الفاقات وملجأ المضطرين ومتنفس ذوي المآرب وَقَدْ ذم اللَّه تَعَالَى قوما تركوا الدعاء فَقَالَ: ويقبضون أيديهم قيل لا يمدونها إلينا فِي السؤال
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: خلق اللَّه تَعَالَى الخلق وَقَالَ ناجوني فَإِن لَمْ تفعلوا فانظروا إِلَى فَإِن لَمْ تفعلوا فاسمعوا منى فَإِن لَمْ تفعلوا فكونوا ببابي فَإِن لَمْ تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: أقرب الدعاء إِلَى الإجابة دعاء الحال ودعاء الحال أَن يَكُون صاحبه مضطر لابد لَهُ مِمَّا يدعو لأجله , أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيّ قَالَ: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ المكانسي يَقُول: كنت عِنْدَ الجنيد فأتت امْرَأَة إِلَيْهِ وَقَالَتْ: ادع اللَّه تَعَالَى لي فَإِن ابنا لي ضاع فَقَالَ: اذهبي واصبري فمضت ثُمَّ عادت فَقَالَتْ: مثل ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا الجنيد: اذهبي واصبري فمضت ثُمَّ عادت ففعلت مثل ذَلِكَ مرات والجنيد يَقُول لَهَا: اصبري فَقَالَتْ: عيل
стр. 399
صبري وَلَمْ يبق لي طاقة فادع لي فَقَالَ الجنيد: إِن كَانَ كَمَا قُلْت فاذهبي فَقَدْ رجع ابنك فمضت ثُمَّ عادت تشكر لَهُ فقيل للجنيد: لَمْ عرفت ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] واختلف النَّاس فِي أَن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا فمنهم من قَالَ الدعاء فِي نَفْسه عُبَادَة قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الدعاء مخ العبادة فالإتيان بِمَا هُوَ عُبَادَة أولى من تركه ثُمَّ هُوَ حق الحق فَإِن لَمْ يستجب للعبد وَلَمْ يصل إِلَى حظ نَفْسه فلقد قام بحق ربه، لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية ولقد قَالَ أَبُو حازم الأعرج، لأن أحرام الدعاء أشد عَلَى من أَن أحرم الإجابة وطائفة قَالُوا: السكوت والخمول تَحْتَ جريان الحكم أتم والرضا بِمَا سبق من اختيار الحق أولى ولهذا قَالَ الواسطي: اختيار مَا جرى لَك فِي الأزل خير لَك من معارضة الوقت وَقَدْ قَالَ ﷺ خبرا عَنِ اللَّه تَعَالَى: من شغله ذكرى عَن مسألتي أعطيته أفضل مَا أعطى السائلين وَقَالَ قوم: يجب أَن يَكُون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا والأولى أَن يقال: إِن الأوقات مختلفة ففي بَعْض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وَهُوَ الأدب وَفِي بَعْض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وَهُوَ الأدب وإنما يعرف ذَلِكَ فِي الوقت، لأن علم الوقت إِنَّمَا يحصل فِي الوقت
فَإِذَا وجد بقلبه إشارة إِلَى الدعاء فالدعاء لَهُ أولى وإذا وجد إشارة إِلَى السكوت فالسكوت لَهُ أتم ويصح أَن يقال ينبغي للعبد أَن لا يَكُون ساهيا عَن شهود ربه تَعَالَى فِي حال دعائه ثُمَّ يجب عَلَيْهِ أَن يراعي حاله فَإِن وجد من الدعاء زيادة بسط فِي وقته فالدعاء لَهُ أولي وإن عاد إِلَى قلبه فِي وقت الدعاء شبه زجر ومثل قبض فالأولى لَهُ ترك الدعاء فِي هَذَا الوقت وإن لَمْ يجد فِي قلبه زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه ههنا سيان فَإِن كَانَ الغالب عَلَيْهِ فِي هَذَا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عُبَادَة وإن كَانَ الغالب عَلَيْهِ فِي هَذَا الوقت المعرفة والحال والسكوت فالسكوت أولى ويصح أَن يقال مَا كَانَ للمسلمين فِيهِ نصيب
стр. 400
أَوْ للحق سبحانه فِيهِ حق فالدعاء أولى وَمَا كَانَ لنفسك فِيهِ حظ فالسكوت أتم، وَفِي الْخَبَر المروي إِن العبد يدعو اللَّه تَعَالَى وَهُوَ يحبه فَيَقُول يا جبريل ﵇ أخر حاجة عبدى فإني أحب أَن أسمع صوته وإن العبد ليدعو اللَّه وَهُوَ يبغضه فَيَقُول: يا جبريل اقض لعبدي حاجته فإني أكره أَن أسمع صوته.
ويحكى أَن يَحْيَي بْن سَعِيد الْقَطَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رأى الحق سبحانه فِي منامه فَقَالَ: إلهي كم أدعوك ولا تجيبني فَقَالَ: يا يَحْيَي لأني أحب أَن أسمع صوتك.
وَقَالَ ﷺ : والذي نفسي بيده إِن العبد ليدعو اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غضبان فيعرض عَنْهُ ثُمَّ يدعوه فيعرض عَنْهُ ثُمَّ يدعوه فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لملائكته أَبِي عبدي أَن يدعو غيرى فَقَد استجبت لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السِّمَاكِ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْحَضْرَمِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَجَّاجِ , قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتْجَرُ مِنْ بِلادِ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بِلادِ الشَّامِ وَلا يَصْحَبُ الْقَوَافِلَ تَوَكُّلا مِنْهُ عَلَى اللَّهِ ، قَالَ: بَيْنَا هُوَ جَاءَ مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ إِذْ عَرَضَ لَهُ لِصٌّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَاحَ بِالتَّاجِرِ قِفْ فَوَقَفَ لَهُ التَّاجِرُ وَقَالَ لَهُ شَأْنُكَ بِمَالِي وَخَلِّ سَبِيلِي، فَقَالَ لَهُ اللِّصُّ: الْمَالُ مَالِي وَإِنَّمَا أُرِيدُ نَفْسَكَ.
فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: مَا تَرْجُو بِنَفْسِي شَأْنُكَ وَالْمَالُ وَخَلِّ سَبِيلِي.
قَالَ فَرَدَّ عَلَيْهِ اللِّصُّ مِثْلَ الْمَقَالَةِ الأُولَى، فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَتَوَضَّأَ وَأُصَلِّي وَأَدْعُوَ رَبِّي ، قَالَ: افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ.
قَالَ: فَقَامَ التَّاجِرُ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ أَنْ قَالَ: يَا وَدُودُ، يَا وَدُودُ، يَا ذَا الْعَرْشِ الْمَجِيدِ، يَا مُبْدِئُ، يَا مُعِيدُ، يَا فَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي مَلأَ أَرْكَانَ عَرْشِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي قَدَرْتَ بِهَا عَلْى خَلْقِكَ وَبِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ يَا مُغِيثُ أَغِثْنِي ثَلاثَ
стр. 401
مَرَّاتٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ إِذَا بِفَارِسٍ عَلَى فَرَسٍ أَشْهَبَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ مِنْ نُورٍ، فَلَمَّا نَظَرَ اللِّصُّ إِلَى الْفَارِسِ تَرَكَ التَّاجِرُ وَمَرَّ نَحْوَ الْفَارِسِ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ شَدَّ الْفَارِسُ عَلَى اللِّصِّ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً أَذْرَاهُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّاجِرِ فَقَالَ لَهُ: قُمْ فَاقْتُلْهُ فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَمَا قَتَلْتُ أَحَدًا قَطُّ وَلا تَطِيبُ نَفْسِي لِقَتْلِهِ، قَالَ فَرَجَعَ الْفَارِسُ إِلَى اللِّصِّ فَقَتَلَهُ ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّاجِرِ وَقَالَ اعْلَمْ أَنِّي مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ حِينَ دَعَوْتَ الأُولَى سَمِعْنَا لأَبْوَابِ السَّمَاءِ قَعْقَعَةً فَقُلْنَا أَمْرٌ حَدَثَ ثُمَّ دَعَوْتَ الثَّانِيَةَ فَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَهَا شَرَرٌ كَشَرَرِ النَّارِ ثُمَّ دَعَوْتَ الثَّالِثَةَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَيْنَا مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ وَهُوَ يُنَادِي: مَنْ لِهَذَا الْمَكْرُوبِ فَدَعَوْتُ رَبِّي أَنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ.
وَاعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّهُ مَنْ دَعَا بِدُعَائِكَ هَذَا فِي كُلِّ كُرْبَةٍ وَكُلِّ شِدَّةٍ وُكُلِّ نَازِلَةٍ فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَعَانَهُ قَالَ وَجَاءَ التَّاجِرُ سَالِمًا غَانِمًا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ وَأَخْبَرَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ لَقَّنَكَ اللَّهُ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى الَّتِي إِذَا دُعِيَ بِهَا أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهَا أَعْطَى
ومن آداب الدعاء: حضور القلب وأن لا يَكُون ساهيا فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِن اللَّه تَعَالَى لا يستجيب دعاء عَبْد من قلب لاه.
ومن شرائطه: أَن يَكُون مطعمه حلالا فلقد قَالَ ﷺ لسعد: وأطب كسبك تستجب دعوتك وَقَدْ قيل الدعاء مفتاح الحاجة وأسنانها لقم الحلال.
وَكَانَ يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: إلهي كَيْفَ أدعوك وأنا عاص وكيف لا أدعوك وأنت كريم، وقيل: مر مُوسَى ﵇ برجل يدعو ويتضرع فَقَالَ مُوسَى ﵇ إلهي لو كانت حاجته بيدي قضيتها فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أنا أرحم بِهِ منك ولكنه يدعوني وَلَهُ غنم وقلبه عِنْدَ غنمه وإني لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عِنْدَ غيري فذكر مُوسَى ﵇ للرجل ذَلِكَ فانقطع إِلَى اللَّه تَعَالَى بقلبه فقضيت حاجته وقيل لجعفر الصادق ﵇: مَا بالنا ندعو فلا يستجاب لنا
стр. 402
فَقَالَ: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول ظهر بيعقوب بْن اللَّيْث علة أعيت الأطباء فَقَالُوا لَهُ: فِي ولايتك رجل صَالِح يسمى سهل بْن عَبْد اللَّهِ لو دعا لَك لعل اللَّه تَعَالَى يستجيب لَهُ فاستحضر سهلا وَقَالَ: ادع اللَّه لي فَقَالَ سهل: كَيْفَ يستجاب دعائي فيك وَفِي مجلسك مظلومون فأطلق كُل من فِي حبسه فَقَالَ سهل: اللَّهُمَّ كَمَا أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرج عَنْهُ فعوفي فعرض مالا عَلَى سهل فأبي أَن يقبل فقيل لَهُ: لو قبلته ودفعته إِلَى الفقراء فنظر إِلَى الحصباء فِي الصحراء فَإِذَا هِيَ جواهر فَقَالَ لأَصْحَابه: من يعطى مثل هَذَا يحتاج إِلَى مال يعقوب بْن اللَّيْث وقيل: كَانَ صَالِح المرى يَقُول كثيرا من أدمن قرع بَاب يوشك أَن يفتح لَهُ فَقَالَتْ لَهُ رابعة: إِلَى مَتَى تقول هَذَا مَتَى أغلق هَذَا الباب حَتَّى يستفتح فَقَالَ صَالِح: شيخ جهل وامرأة علمت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحربي يَقُول: سمعت السري يَقُول حضرت مجلس معروف الكرخي فقام إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: يا أبا محفوظ ادع اللَّه تَعَالَى أَن يرد عَلَي كيسي فَإِنَّهُ سرق وفيه ألف دِينَار فسكت فأعاد ثُمَّ سكت فأعاد فَقَالَ معروف: ماذا أقول؟ أقول مَا زويته عَن أنبيائك وأصفيائك فرده عَلَيْهِ فَقَالَ: الرجل فادع اللَّه تَعَالَى لي فَقَالَ: اللَّهُمَّ خر لَهُ.
وحكي عَنِ اللَّيْث أَنَّهُ قَالَ: رأيت ابْن نَافِع ضريرا ثُمَّ رأيته بصيرا فَقُلْتُ لَهُ: بم رد عليك بصرك فَقَالَ: أتيت فِي منامي فقيل قل يا قريب يا مجيب , يا سميع الدعاء يا لطيفا لما يشاء رد عَلَي بصرى فقلتها فرد اللَّه عَلَى بصرى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: كَانَ بي وجع العين ابتداء مَا رجعت إِلَى نيسابور من مرو وكنت مدة أَيَّام لَمْ أجد النوم فتناعست صباحا فسمعت قائلا
стр. 403
يَقُول لي: أليس اللَّه بكاف عبده فانتبهت وَقَدْ فارقني الرمد وزال فِي الوقت الوجع وَلَمْ يصبني بَعْد ذَلِكَ وجع العين.
وحكى عَن مُحَمَّد بْن خزيمة أَنَّهُ قَالَ: لما مَات أَحْمَد بْن حنبل رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كنت بالإسكندرية فاغتممت فرأيت فِي المنام أَحْمَد بْن حنبل رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ يتبختر فَقُلْتُ: يا أبا عَبْد اللَّهِ أي مشية هذه فَقَالَ: مشية الخدام فِي دار السَّلام فَقُلْتُ: مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب وَقَالَ: يا أَحْمَد هَذَا بقولك الْقُرْآن كلامي ثُمَّ قَالَ: ادعني يا أَحْمَد بتلك الدعوات الَّتِي بلغتك عَن سُفْيَان الثَّوْرِي فكنت تدعو بِهَا فِي دار الدنيا فَقُلْتُ: يا رب كُل شَيْء بقدرتك عَلَى كُل شَيْء اغفر لي كُل شَيْء ولا تسألني عَن شَيْء فَقَالَ: يا أَحْمَد هذه الْجَنَّة فادخلها فدخلتها.
وقيل: تعلق شاب بأستار الْكَعْبَة وَقَالَ إلهي لا شريك لَك فيؤتى ولا وزير لَك فيرشي إِن أطعتك فبفضلك ولك الحمد وإن عصيتك فبجهلي فلك الحجة عَلَى فبإثبات حجتك عَلَى انقطاع حجتي لديك إلا غفرت لي فسمع هاتفا يَقُول: الفتى عتيق من النار وقيل: فائدة الدعاء إظهار الفاقة بَيْنَ يديه وإلا فالرب يفعل مَا يشاء وقيل: دعاء العامة بالأقوال ودعاء الزهاد بالأفعال ودعاء العارفين بالأحوال وقيل: خير الدعاء مَا هيجته الأحزان وَقَالَ بَعْضهم إِذَا سألت اللَّه تَعَالَى حاجة فتسهلت فسل اللَّه الْجَنَّة فلعل ذَلِكَ يَوْم إجابتك وقيل: ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء وألسنة المتحققين خرست عَن ذَلِكَ.
وسئل الواسطي أَن يدعو فَقَالَ: أخشى إِن دعوت أَن يقال لي: إِن سألتنا مَالِك عندنا فَقَد اتهمتنا وإن سألتنا مَا لَيْسَ لَك عندنا فَقَدْ أسأت الثناء عَلَيْنَا وإن رضيت أجرينا لَك من الأمور مَا قضينا لَك فِي الدهور.
وروي عَن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: مَا دعوت منذ خمسين سنة ولا أريد أَن يدعو لي أحد
стр. 404
وقيل: الدعاء المراسلة وَمَا دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بَعْد وقيل: لسان المذنبين دعاؤهم.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: إِذَا بكى المذنب فَقَدْ راسل اللَّه وَفِي معناه أنشدوا:
دموع الفتى عما يجن تترجم ... وأنفاسه يبدين مَا القلب يكتم
وَقَالَ بَعْضهم: الدعاء ترك الذنوب وقيل: الدعاء لسان الاشتياق إِلَى الحبيب وقيل: الإذن فِي الدعاء خير من العطاء.
وَقَالَ الكتاني: لَمْ يفتح اللَّه لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح بَاب المغفرة وقيل: الدعاء يوجب الحضور والعطاء يوجب الصرف والمقام عَلَى الباب أتم من الانصراف بالمثاب وقيل: الدعاء مواجهة الحق بلسان الحياء وقيل: شرط الدعاء الوقوف مَعَ الْقَضَاء بوصف الرضا وقيل: كَيْفَ تنتظر إجابة الدعوة وَقَدْ سددت طريقها بالهفوة وقيل لبعضهم: ادع لي فَقَالَ: كفاك من الأجنبية أَن تجعل بينك وبينه واسطة.
سمعت حمزة يُوسُف بْن السَّهْمِيّ يَقُول: سمعت أبا الفتح نصر بْن أَحْمَد بْن عَبْد الْمَلِك يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: جاءت امْرَأَة إِلَى تقى بْن مخلد فَقَالَتْ: إِن ابني قَدْ أسره الروم ولا أقدر عَلَى مال أَكْثَر من دويرة ولا أقدر عَلَى بيعها فلو أشرت إِلَى من يفديه بشيء فَإِنَّهُ لَيْسَ لي ليل ولا نهار ولا نوم ولا قرار فَقَالَ: نعم انصرفي حَتَّى أنظر فِي أمره إِن شاء اللَّه تَعَالَى قَالَ وأطرق الشيخ وحرك شفتيه قَالَ: فلبثنا مدة فجاءت المرأة ومعها ابنها فأخذت
стр. 405
تدعو لَهُ وتقول: رجع سالما وَلَهُ حَدِيث يحدثك بِهِ فَقَالَ الشاب: كنت فِي يدي بَعْض ملوك الروم مَعَ جَمَاعَة من الأسارى وَكَانَ لَهُ إِنْسَان يستخدمنا كُل يَوْم يخرجنا إِلَى الصحراء للخدمة ثُمَّ يردنا وَعَلَيْنَا قيودنا فبينا نحن نجئ من العمل بَعْد المغرب مَعَ صاحبه الَّذِي كَانَ يحفظنا انفتح القيد من رجلي ووقع عَلَى الأَرْض ووصف اليوم والساعة فوافق الوقت الَّذِي جاءت فِيهِ المرأة ودعا الشيخ قَالَ فنهض إِلَى الَّذِي كَانَ يحفظني وصاح عَلَى كسرت القيد قُلْت: لا إنه سقط من رجالي قَالَ فتحير وأخبر صاحبه واحضروا الحداد وقيدوني فلما مشيت خطوات سقط القيد من رجلي فتحيروا فِي أمرى فدعوا رهبانهم فَقَالُوا لي ألك والدة؟ قُلْت: نعم فَقَالُوا وافق دعاؤها الإجابة وَقَدْ أطلقت اللَّه فلا يمكننا تقييدك فزودوني وأصحبوني بمن أوصلني إِلَى ناحية الْمُسْلِمِينَ.
стр. 406
بَاب الفقر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] الآية.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْبَزَّارُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْحِيرِيُّ بِبَغْدَادَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّارُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ , عَنْ إِبْرَاهِيمِ الْهَجَرِيِّ , عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيْسَ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالَ: فَقِيلَ: مَنِ الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ وَيَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ.
قَالَ الأستاذ: معنى قَوْله يستحى أَن يسأل النَّاس أي: يستحى من اللَّه تَعَالَى أَن يسأل النَّاس لا أَنَّهُ يستحى من النَّاس
стр. 407
والفقر شعار الأولياء , وحلية الأصفياء , واختيار الحق سبحانه لخواصه من الأتقياء والأنبياء والفقراء صفوة اللَّه من عباده ومواضع أسراره بَيْنَ خلقه بِهِمْ يصون الخلق وببركاتهم يبسط عَلَيْهِم الرزق
والفقراء الصبر جلساء اللَّه تَعَالَى يَوْم القيامة بِذَلِكَ ورد الْخَبَر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي، قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بْنُ خَشِيشٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ , عَنْ مَالِكٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ وَمِفْتَاحُ الْجَنَّةِ حُبُّ الْمَسَاكِينِ، وَالْفُقَرَاءُ الصَّبْرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وقيل: إِن رجلا أتي إِبْرَاهِيم بْن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبي أَن يقبلها وَقَالَ: تريد أَن تمحوا اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم لا أفعل وَقَالَ معاذ النسفي: مَا أهلك اللَّه تَعَالَى قوما وإن عملوا مَا عملوا حَتَّى أهانوا الفقراء وأزلوهم وقيل: لو لَمْ يكن للفقير غَيْر إرادته سعة الْمُسْلِمِينَ ورخص أسعارهم لكفاه ذَلِكَ لأنه يحتاج إِلَى شرائها والغنى يحتاج إِلَى بيعها هَذَا لعوام الفقراء فكيف حال خواصهم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن سمعان يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن مَسْعُود يَقُول: سئل يَحْيَي بْن معاذ عَنِ الفقر فَقَالَ: حقيقته أَن لا يستغنى إلا بالله ورسمه عدم الأسباب كلها.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم القصار يَقُول الفقر
стр. 408
لباس يورث الرضا إِذَا تحقق العبد فِيهِ.
وقدم عَلِي الأستاذ أَبِي عَلي الدقاق فَقِير فِي سنة خمس أَوْ أربع وتسعين وثلاث مائة من زوزن وعليه مسح وقلنسوة مسح فَقَالَ لَهُ بَعْض أَصْحَابنا: بكم اشتريت هَذَا المسح عَلَى وجه المطايبة فَقَالَ: اشتريته بالدنيا وطلب منى بالآخرة فلم أبعه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قام فَقِير فِي مجلس يطلب شَيْئًا فَقَالَ: إني جائع منذ ثَلاث وَكَانَ هناك بَعْض المشايخ فصاح عَلَيْهِ وَقَالَ كذبت إِن الفقر سر اللَّه وَهُوَ لا يضع سره عِنْدَ من يحمله إِلَى من يريد.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفراء يَقُول: سمعت زَكَرِيَّا النخشبي يَقُول: سمعت حمدون القصار يَقُول: إِذَا اجتمع إبليس وجنوده لَمْ يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: رجل مؤمن قتل مؤمنا ورجل يموت عَلَى الكفر وقلب فِيهِ خوف الفقر.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَطَاء يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الفراغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول يا معشر الفقراء إنكم تعرفون بالله تَعَالَى وتكرمون لِلَّهِ تَعَالَى فانظروا كَيْفَ تكونون مَعَ اللَّه تَعَالَى إِذَا خلوتم بِهِ.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفراغاني يَقُول: سمعت الجنيد وَقَدْ سئل عَنِ الافتقار إِلَى اللَّه أهو أتم أم الاستغناء بالله تَعَالَى فَقَالَ: إِذَا صح الافتقار إِلَى اللَّه فَقَدْ صح الاستغناء بالله تَعَالَى وإذا صح الاستغناء بالله تَعَالَى كمل الغنى بِهِ فلا يقال أيهما أتم الافتقار أم الغنى لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت رويما يَقُول وَقَدْ سئل عَن نعت الفقير فَقَالَ:
стр. 409
إرسال النفس فِي أحكام اللَّه تَعَالَى وقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياء حفظ سره وأداء فرضه وصيانة فقره وقيل: لأبي سَعِيد الخراز لَمْ تأخر عَنِ الفقراء رفق الأغنياء قَالَ لثلاث خصال، لأن مَا فِي أيديهم غَيْر طيب ولأنهم غَيْر موفقين ولأن الفقراء مرادون بالبلاء وقيل: أوحى اللَّه إِلَى مُوسَى ﵇: إِذَا رأيت الفقراء فسائلهم كَمَا تسائل الأغنياء فَإِن لَمْ تفعل فاجعل كُل شَيْء علمتك تَحْتَ التراب.
وروي عَن أَبِي الدرداء أَنَّهُ قَالَ: لأن أقع من فَوْقَ قصر فأنحطم أحب إِلَى من مجالسه الغني لأني سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول إياكم ومجالسة الموتى قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ ومن الموتي؟ قَالَ: الأغنياء وقيل للربيع بْن خيثم: قَدْ غلا السعر قَالَ: نحن أهون عَلَى اللَّه من أَن يجيعنا إِنَّمَا يجيع أولياءه وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم: طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب النَّاس الغنى فاستقبلهم الفقر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن علوية يَقُول: قيل ليحي بْن معاذ: مَا الفقر؟ قَالَ: خوف الفقر قيل: فَمَا الغنى؟ قَالَ: الأمن بالله تَعَالَى وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت ابْن الكريني يَقُول: إِن الفقير الصادق ليحترز من الغنى حذرا أَن يدخله الغنى فيفسد عَلَيْهِ فقره كَمَا أَن الغنى يحترز من الفقر حذرا أَن يدخل عَلَيْهِ فيفسد عَلَيْهِ غناه.
стр. 410
وسئل أَبُو حفص بماذا يقدم الفقير عَلَى ربه فَقَالَ: وَمَا للفقير أَن يقدم بِهِ عَلَى ربه تَعَالَى سِوَى فقره وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى لي مُوسَى ﵇: أتريد أَن يَكُون لَك يَوْم الْقِيَامَة مثل حسنات النَّاس أجمع قَالَ نعم قَالَ عد المريض وكن لثياب الفقراء فاليا فجعل مُوسَى ﵇ عَلَى نَفْسه فِي كُل شَهْر سبعة أَيَّام يطوف عَلَى الفقراء يفلي ثيابهم ويعود المرضى وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ خمسة أشياء من جوهر النفس فَقِير يظهر الغنى وجائع يظهر الشبع ومحزون يظهر الفرح ورجل بينه وبين رجل عداوة يظهر لَهُ المحبة ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفا وَقَالَ بشر بْن الحرث: أفضل المقامات اعتقاد الصبر عَلَى الفقر إِلَى القبر وَقَالَ ذو النون: علامة سخط اللَّه عَلَى العبد خوفه من الفقر.
وَقَالَ الشبلي: أدنى علامات الفقر أَن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها فِي يَوْم ثُمَّ خطر بباله أَن لو أمسك منها قوت يَوْم مَا صدق فِي فقره.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول تكلم النَّاس فِي الفقر والغنى أيهما أفضل وعندي أَن الأفضل أَن يعطى الرجل كفايته ثُمَّ يصان فِيهِ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد بْن ياسين يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول وَقَدْ سألته عَنِ الفقر فسكت حَتَّى خلا ثُمَّ ذهب ورجع عَن قريب ثُمَّ قَالَ كَانَ عندي أربعة دوانيق فاستحييت من اللَّه أَن أتكلم فِي الفقر فذهبت وأخرجتها ثُمَّ قعد وتكلم فِي الفقر.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الدمشقي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول سألت ابْن الجلاء
стр. 411
مَتَى يستحق الفقير اسم الفقر فَقَالَ: إِذَا لَمْ يبق عَلَيْهِ بقية منه فَقُلْتُ: كَيْفَ ذاك فَقَالَ: إِذَا كَانَ لَهُ فليس لَهُ وإذا لَمْ يكن لَهُ فَهُوَ لَهُ وقيل: صحة الفقر أَن لا يستغني الفقير فِي فقره بشيء إلا بمن إِلَيْهِ فقره، وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ إظهار الغنى فِي الفقر أَحْسَن من الفقر.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت هلال بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت النقاش يَقُول: سمعت بنانا الْمِصْرِي يَقُول: كنت بمكة قاعدا وشاب بَيْنَ يدي فجاءه إِنْسَان وحمل إِلَيْهِ كيسا فِيهِ دراهم ووضعه بَيْنَ يديه، فَقَالَ: لا حاجة لي فِيهِ، فَقَالَ: فرقة عَلَى المساكين، فلما كَانَ العشاء رأيته فِي الوادي يطلب شَيْئًا لنفسه، فَقُلْتُ: لو تركت لنفسك مِمَّا كَانَ معك شَيْئًا؟ قَالَ لَمْ أعلم أني أعيش إِلَى هَذَا الوقت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَلِي بْن بندر الصيرفي يَقُول: سمعت محفوظا يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: أَحْسَن مَا يتوسل بِهِ العبد إِلَى مولاه دوام الفقر إِلَيْهِ عَلَى جَمِيع الأحوال، وملازمة السنة فِي جَمِيع الأفعال، وطلب القوت من وجه حلال.
وسمعته يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: ينبغي للفقير أَن لا تسبق همته خطوته.
وسمعته يَقُول سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت فاطمة أخت أَبِي عَلِيّ الروذباري تقول سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: كَانَ أربعة فِي زمانهم واحد كَانَ لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان شَيْئًا وَهُوَ يُوسُف بْن أسباط ورث من أَبِيهِ سبعين ألف درهم وَلَمْ يأخذ منها شَيْئًا وَكَانَ يعمل الخوص بيده.
وآخر كَانَ يقبل من الأخوان والسلطان جميعا وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق الفزاري، فكان مَا أخذه من الإخوان ينفقه فِي المستورين الَّذِينَ لا يتحركون، والذي كَانَ يأخذه من السلطان كَانَ يخرجه إِلَى أهل طرسوس.
стр. 412
والثالث: كَانَ يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وَهُوَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ يأخذ من الأخوان ويكافئ عَلَيْهِ.
الرابع: كاني يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الأخوان وَهُوَ مجلد بْن الْحُسَيْن كَانَ يَقُول السلطان لا يمن والإخوان يمنون.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي الْخَبَر من تواضع لغنى لأجل غناه ذهب ثلثا دينه: إِنَّمَا ذَلِكَ، لأن المرء بقلبه ولسانه ونفسه، فَإِذَا تواضع لغنى بنفسه ولسانه ذهب ثلثا دينه فلو اعتقد فضله بقلبه كَمَا تواضع لَهُ بلسانه ونفسه ذهب دينه كُلهُ، وقيل: أقل مَا يلزم الفقير فِي فقره أربعة أشياء: علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه، وقيل: من أراد الفقر لشرفه مَات فقيرا، ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عَنِ اللَّه تَعَالَى مَات غينا، وَقَالَ المزين: كانت الطرق إِلَى اللَّه أَكْثَر من نجوم السماء فَمَا بقى منها طريق إلا طريق الفقر وَهُوَ أصح الطرق.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يُوسُفَ القزويني يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النوري يَقُول: نعت الفقير السكون عِنْدَ العدم، والإيثار عِنْدَ الوجود.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سئل الشبلي عَن حقيقة الفقر فَقَالَ: أَن لا يستغني بشيء دُونَ اللَّه .
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: قَالَ لي أَبُو سهل الخشاب الكبير الفقر فقر وذل، فَقُلْتُ: لا بَل فقر وعز، فَقَالَ: فقر وثرى، فَقُلْتُ: لا بَل فقر وعرش.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سئلت عَن معني قَوْله ﷺ كاد الفقر أَن يَكُون كفرا
стр. 413
قَالَ: فَقُلْتُ: آفة الشيء وضده عَلَى حسب فضيلته وقدره فكلما كَانَ فِي نَفْسه أفضل فضده وآفته أنقص كالإيمان لما كَانَ أشرف الخصال كَانَ ضده الكفر، فلما كَانَ الخطر عَلَى الفقر الكفر دل عَلَى أَنَّهُ أشرف الأوصاف.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا نصر الهروي يَقُول: سمعت المرتعش.
يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: إِذَا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فَإِن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه فَقُلْتُ: يا أبا القاسم وهل يَكُون فَقِير يوحشه العلم؟ فَقَالَ: نعم الفقير إِذَا كَانَ صادقا فِي فقره فطرحت عَلَيْهِ علمك ذاب كَمَا يذوب الرصاص فِي النار.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مظفرا القرمسيني يَقُول: الفقير هُوَ الَّذِي لا يَكُون لَهُ إِلَى اللَّه حاجة قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: وَهَذَا اللفظ فِيهِ أدنى غموض لمن سمعه عَلَى وصف الغفلة عَن مرمى الْقَوْم وإنما أشار قائله إِلَى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بِمَا بجريه الحق سبحانه وَقَالَ ابْن خفيف: الفقر عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات وَقَالَ أَبُو حفص: لا يصح لأحد الفقر حَتَّى يَكُون العطاء أحب إِلَيْهِ من الأخذ وليس السخاء أَن يعطى الواجد المعد إِنَّمَا السخاء أَن يعطى المعدم الواجد.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول: لولا شرف التواضع لكان حكم الفقير إِذَا مشى أَن يتبختر وَقَالَ يُوسُف بْن أسباط: منذ أربعين سنة مَا ملكت قميصين
стр. 414
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت كأن الْقِيَامَة قَدْ قامت وقيل: أدخلوا مَالِك بْن دِينَار ومحمد بْن واسع الْجَنَّة فنظرت أيهما يتقدم فتقدم مُحَمَّد بْن واسع سألت عَن سبب تقدمه فقيل لي إنه كَانَ لَهُ قيمص واحد ولمالك قميصان وَقَالَ مُحَمَّد المسوحي: الفقير الَّذِي لا يرى لنفسه حاجة إِلَى شَيْء من الأسباب.
وسئل سهل بْن عَبْد اللَّهِ مَتَى يستريح الفقير فَقَالَ: إِذَا لَمْ ير لنفسه غَيْر الوقت الَّذِي هُوَ فِيهِ وتذكروا عِنْدَ يَحْيَي بْن معاذ الفقر والغنى فَقَالَ: لا يوزن غدا لا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر فيقال يشكر ويصبر وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض الأنبياء ﵈ إِن أردت أَن تعرف رضاي عَنْك فانظر كَيْفَ رضا الفقراء عَنْك وَقَالَ الزقاق من لَمْ يصحبه التقى فِي فقره أكل الحرام المحض.
وقيل: كَانَ الفقراء فِي مجلس سُفْيَان الثوري كأنهم الأمراء.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفراء يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن طاهر يَقُول: من حكم الفقير أَن لا يَكُون لَهُ رغبة فَإِن كَانَ ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وأنشدنا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: أنشدني عَبْد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم بْن العلاء قَالَ أنشدني أَحْمَد بْن عَطَاء لبعضهم:
قَالُوا غدا العيد ماذا أَنْتَ لابسه ... فَقُلْتُ خلعة ساق حبه جرعا
فقر وصبر هما ثوباي تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أَن تلقى الحبيب بِهِ ... يَوْم التزاور فِي الثوب الَّذِي خلعا
الدهر لي مأتم إِن غبت يا أملي ... والعيد مَا كانت لي مرأى ومستمعا
وقيل إِن هذه الأبيات لأبي عَلِي الروذباري
стр. 415
وَقَالَ أَبُو بَكْر الْمِصْرِي وَقَدْ سئل عَنِ الفقير الصادق فَقَالَ: الَّذِي لا يملك ولا يميل وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: ودوام الفقر إِلَى اللَّه تَعَالَى مَعَ التخليط أحب إِلَى من دوام الصفاء مَعَ العجب.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أبا بَكْر الجوال يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الحصري يَقُول: مكث أَبُو جَعْفَر الحداد عشرين سنة يعمل كُل يَوْم بدينا وينفقه عَلَى الفقراء ويصوم ويخرج بَيْنَ العشاءين فيتصدق عَلَيْهِ من الأبواب.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الْحُسَيْن بْن يُوسُفَ القزويني يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النوري يَقُول نعت الفقير السكون عِنْدَ العدم والبذل والإيثار عِنْدَ الوجود وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ الكتاني يَقُول: كَانَ عندنا بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فتى عَلَيْهِ أطمار رثة وَكَانَ لا يداخلنا ولا يجالسنا فوقعت محبته فِي قلبي ففتح لي بمائتي درهم من وجه حلال فحملتها إِلَيْهِ ووضعتها عَلَى طرف سجادته وقلت لَهُ إنه فتح لي ذَلِكَ من وجه حلال تصرفه فِي بَعْض أمورك فنظر إِلَى شزرا ثُمَّ كشف عما هُوَ مستور عنى وَقَالَ اشتريت هذه الجلسة مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الفراغ بسبعين ألف دِينَار غَيْر الضياع والمستغلات تريد أَن تخدعني عَنْهَا بِهَذِهِ وقام وبددها وقعدت ألتقط فَمَا رأيت كعزه حِينَ مر ولا كذلي حِينَ كنت ألتقطها وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: مَا وجبت عَلَى زكاة الفطر أربعين سنة ولى قبول عظيم بَيْنَ الخاص والعام.
سمعت الشيخ أبا عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول ذَلِكَ وسمعته يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول
стр. 416
سألت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف عَن فَقِير يجوع ثلاثة أَيَّام وبعد ثلاثة يخرج ويسأل مقدار كفايته إيش يقال فِيهِ فَقَالَ: يقال فِيهِ مكد كلوا واسكتوا فلو دَخَلَ فَقِير من هَذَا الباب لفضحكم كلكم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الصوفي يَقُول: سمعت الدقي يَقُول وَقَدْ سئل عَن سوء أدب الفقراء مَعَ اللَّه تَعَالَى فِي أحوالهم فَقَالَ: انحطاطهم من الحقيقة إِلَى العلم.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الطبري يَقُول: سمعت خيرا النساج يَقُول دخلت بَعْض المساجد وإذا فِيهِ فَقِير فلما رآني تعلق بي وَقَالَ: أيها الشيخ تعطف عَلَى فَإِن محنتي عظيمة فَقُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: فقدت البلاء وقويت بالعافية فنظرت فَإِذَا قَدْ فتح عَلَيْهِ بشيء من الدنيا.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أبا بَكْر الوراق يَقُول طوبي للفقير فِي الدنيا والآخرة فسألوه عَنْهُ فَقَالَ: لا يطلب السلطان منه فِي الدنيا الخراج ولا الجبار فِي الآخرة الحساب.
стр. 417
بَاب التصوف قَالَ الأستاذ: الصفاء محمود بكل لسان وضده الكدورة وَهِيَ مذمومة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَي الطَّلْحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَوْفَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ , قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ، فَقَالَ: ذَهَبَ صَفْوُ الدُّنْيَا وَبَقِيَ الْكَدَرُ فَالْمَوْتُ الْيَوْمَ تُحْفَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
قَالَ الأستاذ: هذه التمسية غلبت عَلَى هذه الطائفة فيقال: رجل صوفي وللجماعة صوفية ومن يتوصل إِلَى ذَلِكَ يقال لَهُ: متصوف وللجماعة المتصوفة وليس يشهد لِهَذَا الاسم من حيث العربية قياس والاشتقاق والأظهر فِيهِ أَنَّهُ كاللقب فأما قَوْل من قَالَ إنه من الصوف وتصوف إِذَا لبس الصوف، كَمَا يقال: تقمص إِذَا لبس القميص فذلك وجه لكن الْقَوْم لَمْ يختصوا بلبس الصفو ومن قَالَ إنهم منسوبون إِلَى صفة مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ فالنسبة إِلَى الصفة لا تجيء عَلَى نَحْو الصوفي
ومن قَالَ: إنه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد فِي مقتضى اللغة وقول من قَالَ: إنه مشتق من الصف فكأنهم فِي الصف الأَوَّل بقلوبهم من حيث المحاضرة من اللَّه تَعَالَى فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضى هذه النسبة إِلَى الصف ثُمَّ إِن هذه الطائفة أشهر من أَن يحتاج فِي تعيينهم إِلَى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق وتكلم النَّاس فِي التصوف مَا معناه وَفِي الصوفي من هُوَ فَكُل عبر بِمَا وقع لَهُ واستقصاء جميعه يخرجنا عَنِ المقصود من الإيجاز وسنذكر بَعْض مقالاتهم فِيهِ عَلَى حد التلويح إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
стр. 418
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن يَحْيَي الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ التميمي يَقُول: سئل أَبُو مُحَمَّد الجريري عَنِ التصوف فَقَالَ: الدخول فِي كُل خلق سنى والخروج من كُل خلق دنى.
سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عمار الهمداني يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد المرعشي يَقُول سئل شيخي عَنِ التصوف فَقَالَ: سمعت الجنيدي وَقَدْ سئل عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ أَن يميتك الحق عَنْك ويحييك بِهِ.
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن مُحَمَّد الفارسي يَقُول: سمعت أبا الفاتك يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن مَنْصُور وَقَدْ سئل عَنِ الصوفي فَقَالَ: وحداني الذات لا يقبله أحد ولا يقبل احدا.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت أبا عَلِي الوراق يَقُول: سمعت أبا حمزة البغدادي يَقُول: علامة الصوفي الصادق أَن يفتقر بَعْد الغنى ويذل بَعْد العز ويخفى بَعْد الشهرة، وعلامة الصوفي الكاذب أَن يستغنى بَعْد الفقر ويعز بَعْد الذل ويشتهر بَعْد الخفاء.
وسئل عَمْرو بْن عُثْمَان المكي عَنِ التصوف فَقَالَ: أَن يَكُون العبد فِي كُل وقت بِمَا هُوَ أولى بِهِ فِي الوقت.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ القصاب: التصوف أخلاق كريمة ظهرت فِي زمان كريم من رجل كريم مَعَ قوم كرام.
وسئل سمنون عَنِ التصوف فَقَالَ: أَن تملك شَيْئًا ولا يملك شَيْء.
وسئل رويم عَنِ التصوف فَقَالَ: استرسال النفس مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يريد.
وسئل الجنيد عَنِ التصوف فَقَالَ: هُوَ أَن تكون مَعَ اللَّه تَعَالَى بلا علاقة.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول: أخبرني مُحَمَّد بْن الفضل قَالَ: سمعت عَلِي بْن عَبْد الرحيم الواسطي يَقُول: سمعت رويم بْن أَحْمَد البغدادي يَقُول: التصوف مبني عَلَى ثَلاث خصال: التمسك الفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والإيثار، وترك التعرض والاختيار.
وَقَالَ معروف الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مِمَّا فِي أيدي الخلائق.
стр. 419
وَقَالَ حمدون القصار: اصحب الصوفية فَإِن للقبيح عندهم وجوها من المعاذير وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظمونك بِهِ.
وسئل الخراز عَن أهل التصوف فَقَالَ: أقوام اعطوا حَتَّى بسطوا ومنعوا حَتَّى فقدوا ثُمَّ نودوا من أسرار قريبة ألا فابكوا عَلَيْنَا وَقَالَ الجنيد: التصوف عنوة لا صلح فِيهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: هُمْ أهل بَيْت واحد لا يدخل فيهم غيرهم.
وَقَالَ أَيْضًا: التصوف ذكر مَعَ اجتماع ووجد مَعَ استماع وعمل مَعَ اتباع.
وَقَالَ أَيْضًا: الصوفي كالأرض يطرح عَلَيْهَا كُل قبيح ولا يخرج منها إلا كُل مليح.
وَقَالَ أَيْضًا: إنه كالأرض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كُل شَيْء وكالقطر يسقى كُل شَيْء.
وَقَالَ إِذَا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أَن باطنه خراب.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الصوفي من يرى دمه هدرا وملكه مباحا.
وَقَالَ النوري: نعت الصوفي الكون عِنْدَ العدم والإيثار عِنْدَ الوجود.
وَقَالَ الكتاني: التصوف خلق فمن زاد عليك فِي الخلق فَقَدْ زاد عليك فِي الصفاء.
وَقَالَ أَبُو عَلِي الروذباري: التصوف الإناخة عَلَى بَاب الحبيب وإن طرد عَنْهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: صفوة القرب بَعْد كدورة البعد.
وقيل: أقبح من كُل قبيح صوفي شحيح.
وقيل: التصوف كف فارغ وقلب طيب.
وَقَالَ الشبلي: التصوف الجلوس مَعَ اللَّه بلا هُمْ.
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: الصوفي المشير عَنِ اللَّه فَإِن الخلق أشاروا إِلَى اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ الشلبي: الصوفي منقطع عَنِ الخلق متصل بالحق كقوله تَعَالَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] قطعه عَن كُل غَيْر ثُمَّ قَالَ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]
стр. 420
وَقَالَ أَيْضًا: الصوفية أطفال فِي حجر الحق.
وَقَالَ أَيْضًا: التصوف برقة محرقة.
وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ العصمة عَن رؤية الكون وَقَالَ رويم: مَا تزال الصوفية بخير مَا تنافروا فَإِذَا اصطلحوا فلا خير فَهُمْ وَقَالَ الجريري: التصوف مراقبة الأحوال ولزوم الأدب.
وَقَالَ المزين: التصوف الانقياد للحق.
وَقَالَ أَبُو تراب النشخبي: الصوفي لا يكدره شَيْء ويصفو بِهِ كُل شَيْء.
وقيل: الصوفي لا يتبعه طلب ولا يزعجه سبب.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سئل ذو النون عَنِ التصوف فَقَالَ: هُمْ قَوْل آثروا اللَّه عَلَى كُل شَيْء فأثرهم اللَّه عَلَى كُل شَيْء.
وَقَالَ الواسطي: كَانَ للقوم إشارات ثُمَّ صارت حركات ثُمَّ لَمْ يبق إلا حسرات.
وسئل النووي عَنِ الصفوي فَقَالَ: من سمع السماع وآثر الأسباب.
سمعت أبا خاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول قُلْت: للحصري من الصوفي عندك؟ فَقَالَ: الَّذِي لا تقله الأَرْض ولا تظله السماء قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: إِنَّمَا أشار إِلَى حال المحو، وقيل: الصوفي من إِذَا استقبله حالان أَوْ خلقان كلاهما حسن كَانَ مَعَ الأحسن، وسئل الشبلي لَمْ سموا بِهَذِهِ التسمية؟ فَقَالَ: لبقية بقيت عَلَيْهِم من نفوسهم ولولا ذَلِكَ لما تعلقت بِهِمْ تسمية.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سئل ابْن الجلاء
стр. 421
مَا معنى صوفي فَقَالَ: لَيْسَ نعرفه فِي شرط العلم ولكن نعرف فقيرا مجردا من الأسباب كَانَ مَعَ اللَّه تَعَالَى بلا مكان ولا يمنعه الحق سبحانه من علم كُل مكان فسمى صوفيا وَقَالَ بَعْضهم: التصوف إسقاط الجاه وسواد الوجه فِي الدنيا والآخرة وَقَالَ أَبُو يعقوب المزايلي: التصوف حال تضمحل فِيهَا معالم الإِنْسَانية وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السيرواني: الصوفي يَكُون مَعَ الواردات لا مَعَ الأوراد.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: أَحْسَن مَا قيل فِي هَذَا الباب قَوْل من قَالَ هَذَا طريق لا يصلح إلا لأقوام قَدْ كنس اللَّه بأرواحهم المزابل وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يوما: لَمْ يكن للفقير إلا روح فعرضها عَلَى كلاب هَذَا الباب فلم ينظر كلب إِلَيْهَا وَقَالَ الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التصوف الإعراض عَنِ الاعتراض وَقَالَ الحصري: الصوفي لا يوجد بَعْد عدمه ولا يعدم بَعْد وجوده قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم القشيري: وَهَذَا فِيهِ إشكال، ومعنى قَوْله لا يوجد بَعْد عدمه أي إِذَا فنيت آفاته لا تعود تلك الآفات، وقوله: ولا يعدم بَعْد وجوده يعنى إِذَا اشتغل بالحق لَمْ يسقط بسقوط الخلق فالحادثات لا تؤثر فِيهِ ويقال: الصوفي المصطلم عَنْهُ بِمَا لاح لَهُ من الحق ويقال: الصوفي مقهور بتصريف الربوبية مستور بتصرف العبودية ويقال: الصوفي لا يتغير فَإِن تغير لا يتكدر.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الْمِصْرِي يَقُول: سمعت الخراز يَقُول: كنت فِي جامع قيروان يَوْم جمعة فرأيت رجلا يدور فِي الصف وَيَقُول تصدقوا عَلَى فَقَدْ كنت صوفيا فضعفت فرفقته بشيء فَقَالَ لي: مر ويلك لَيْسَ من ذَلِكَ وَلَمْ يقبل الرفق.
стр. 422
بَاب الأدب
قَالَ اللَّه : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] قيل: حفظ آداب الحضرة وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] جاء فِي التفسير عَنِ ابْن عَبَّاس فقهوهم وأدبوهم.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غَنَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: حَقُّ الْوَلِدِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ وَيُحْسِنَ مَرْضَعَهُ وَيُحْسِنَ أَدَبَهُ
ويحكى عَن سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ قَالَ: من لَمْ يعرف مَا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسه وَلَمْ يتأدب بأمره ونهيه كَانَ من الأدب فِي عزله وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِن اللَّه أدبني فأحسن أدبي وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير فالأديب الَّذِي اجتمع فِيهِ خصال الخير ومنه المأدبة اسم للمجمع.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: العبد يصل بطاعته إِلَى الْجَنَّة وبأدبه فِي طاعته إِلَى اللَّه تَعَالَى وسمعته يَقُول رأيت من أراد أَن يمد يده فِي الصلاة عَلَى أنفه فقبض عَلَى يده
стр. 423
قَالَ الأستاذ: وإنما أشار إِلَى نَفْسه لأنه لا يمكن الإِنْسَان أَن يعرف من غيره أَنَّهُ قبض عَلَى يده وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لا يستند إِلَى شَيْء وَكَانَ يوما فِي مجمع فأردت أَن أضع وسادة خلف ظهره لأني رأيته غَيْر مستند فتنحى عَنِ الوسادة قليلا فتوهمت أَنَّهُ توفى الوسادة لأنه لَمْ يكن عَلَيْهَا خرقة أَوْ سجادة فَقَالَ: لا أريد الاستناد فتأملت بعده حاله فكان لا يستند إِلَى شَيْء.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد البصري يَقُول: سمعت الجلاجلي البصرى يَقُول التوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان لَهُ فلا توحيد لَهُ والإيمان موجب بوجب الشريعة فمن لا شريعة لَهُ فلا إيمان لَهُ ولا توحيد والشريعة موجب يوجب الأدب فمن لا أدب لَهُ لا شريعة لَهُ ولا إيمان ولا توحيد وَقَالَ ابْن عَطَاء: الأدب الوقوف مَعَ المستحسنات فقيل: وَمَا معناه؟ قَالَ: أَن تعامل اللَّه تَعَالَى بالأدب سرا وعلنا فَإِذَا كنت كَذَلِكَ كنت أديبا وإن كنت أعجميا ثُمَّ أنشد:
إِذَا نطقت جاءت بكل ملاحة ... وإن سكتت جاءت بكل مليح
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الجريري يَقُول منذ عشرين سنة مَا مددت رجلي وقت جلوسي فِي الخلوة فَإِن حسن الأدب مَعَ اللَّه تَعَالَى أولى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إِلَى القتل رَوَى عَنِ ابْن سيرين أَنَّهُ سئل أي الآداب أقرب إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: معرفة ربوبيته وعمل بطاعته والحمد لِلَّهِ عَلَى السراء والصبر عَلَى الضراء.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ إِذَا ترك للعارف أدبه مَعَ معروفه فَقَدْ هلك مَعَ الهالكين.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: ترك الأدب موجب يوجب الطرد فمن أساء الأدب عَلَى البساط رد إِلَى الباب ومن أساء الأدب عَلَى الباب رد إِلَى سياسة الدواب
стр. 424
وقيل: للحسن البصري قَدْ أَكْثَر النَّاس فِي علم الآداب فَمَا أنفعها عاجلا وأوصلها جلا فَقَالَ: التفقه فِي الدين والزهد فِي الدنيا والمعرفة مِمَّا لِلَّهِ عليك وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: من تأدب بأدب اللَّه تَعَالَى صار من أهل محبة اللَّه تَعَالَى وَقَالَ سهل: الْقَوْم استعانوا بالله تَعَالَى عَلَى أمر اللَّه تَعَالَى وصبروا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى آداب اللَّه تَعَالَى وَرَوَى عَنِ ابْن مبارك أَنَّهُ قَالَ: نحن إِلَى قليل من الأدب أحوج منا إِلَى كثير من العلم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد يَقُول: سمعت الْعَبَّاس بْن حمزة يَقُول: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحوارى قَالَ: قَالَ الْوَلِيد بْن عتبة قَالَ ابْن المبارك: طلبنا الأدب حِينَ فاتنا المؤدبون وقيل: ثَلاث خصال لَيْسَ معهن غربة مجانبة أهل الريب وحسن الأدب وكف الأذى وأنشدنا الشيخ أَبُو عَبْد اللَّهِ ﵁ فِي هَذَا المعنى:
يزين الغريب إِذَا مَا اغترب ... ثَلاث فمنهن حسن الأدب
وثانيه حسن أخلاقه ... وثالثه اجتناب الريب
ولما دَخَلَ أَبُو حفص بغداد قَالَ لَهُ الجنيد لَقَدْ أدبت أَصْحَابك أدب السلاطين فَقَالَ: أَبُو حفص حسن الأدب فِي الظاهر عنوان حسن الأدب فِي الباطن.
وعن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ أنه قَالَ: الأدب للمعارف التوبة للمستأنف.
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: قيل لبعضهم يا سيئ الأدب فَقَالَ: لست بسيء الأدب فقيل لَهُ: من أدبك فَقَالَ: أدبني الصوفية سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا النصر الطوسي السراج يَقُول النَّاس فِي الأدب عَلَى ثَلاث طبقات أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم فِي الفصاحة , والبلاغة , وحفظ العلوم , وأسماء الملوك , وأشعار العرب ,
стр. 425
وَأَمَّا أهل الدين فأكثر آدابهم فِي رياضة النفوس , وتأديب الجوارح , وحفظ الحدود , وترك الشهوات , وَأَمَّا أهل الخصوصية فأكثر آدابهم فِي طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إِلَى الخواطر وحسن الأدب فِي مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب.
وحكى عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: من قهر نَفْسه بالأدب فَهُوَ يعبد اللَّه تَعَالَى بالإخلاص وقيل: كمال الأدب لا يصفو إلا للأنبياء ﵈ والصديقين وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ قَدْ أَكْثَر النَّاس فِي الأدب ونحن نقول: هُوَ معرفة النفس وَقَالَ الشبلي: الانبساط بالقول مَعَ الحق سبحانه ترك الأدب وَقَالَ ذو النون المصري: أدب العارف فَوْقَ كُل أدب، لأن معرفة مؤدب قلبه وَقَالَ بَعْضهم: يَقُول الحق سبحانه: من ألزمته القيام مَعَ أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب ومن كشفت لَهُ عَن حقيقة ذاتي ألزمته العطب فاختر أيهما شئت الأدب أَوِ العطب.
وقيل: مد ابْن عَطَاء رجله يوما بَيْنَ أَصْحَابه وَقَالَ: ترك الأدب بَيْنَ أهل الأدب أدب ويشهد لهذه الحكاية الْخَبَر الَّذِي رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عنده أَبُو بَكْر وعمر فدخل عُثْمَان فغطى فخذه وَقَالَ: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة نبه ﷺ أَن حشمة عُثْمَان ﵁ وإن عظمت عنده فالحالة الَّتِي بينه وبين أَبِي بَكْر وعمر ﵄ كانت أصفى، وَفِي قريب من معناه أنشدوا:
فِي انقباض وحشمة فَإِذَا ... صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت لنفسي عَلَى سجيتها ... وقلت مَا قُلْت غَيْر محتشم
وَقَالَ الجنيد إِذَا صحت المحبة سقطت شروط الأدب وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: إِذَا صحت المحبة تأكدت عَلَى المحب ملازمة الأدب وَقَالَ النوري: من لَمْ يتأدب للوقت فوقته مقت
следующие страницы →