← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9953

الرسالة القشيرية

عبد الكريم القشيري

Полный текст (562 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فِي وجوده أَوْ لاستغراقه فِي شهوده إِن لَمْ يبلغ الوجود مختطف عَن إحساسه بكل وصف هُوَ لَهُ، ولهذا قَالَ الواسطي أَيْضًا: من عرف اللَّه تَعَالَى انقطع بَل خرس وانقمع. قَالَ ﷺ لا أحصى ثناء عليك. هذه صفات الَّذِينَ بَعْد مرماهم، فأما من نزلوا عَن هَذَا الحد فَقَدْ تكلموا فِي المعرفة وأكثروا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن حمزة قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي يَقُول: من كَانَ بالله أعرف كَانَ لَهُ أخوف وَقَالَ بَعْضهم من عرف اللَّه تَعَالَى تبرم بالبقاء وضاقت عَلَيْهِ الدنيا بسعتها. وقيل: من عرف اللَّه تَعَالَى صفا لَهُ العيش وطابت لَهُ الحياة وهابه كُل شَيْء وذهب عَنْهُ خوف المخلوقين وأنس بالله تَعَالَى. وقيل: من عرف اللَّه تَعَالَى ذهب عَنْهُ رغبة الأشياء وَكَانَ بلا فصل ولا وصل وقيل: المعرفة توجب الحياء والتعظيم كَمَا أَن التوحيد يوجب الرضا والتسليم وَقَالَ رويم: المعرفة للعارف مرآة إِذَا نظر فِيهَا تجلى لَهُ مولاه وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: ركضت أرواح الأنبياء فِي ميدان المعرفة فسبقت روح نبينا ﷺ أرواح الأنبياء ﵈ إِلَى روضة الوصال وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: معاشرة العارف كمعاشرة اللَّه تَعَالَى يحتملك ويحلم عَنْك تخلقا بأخلاق اللَّه وسئل بْن يزدانيار مَتَى يشهد العارف الحق سبحانه فَقَالَ: إِذَا بدا الشاهد وفني الشواهد وذهب الحواس واضمحل الإخلاص وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: إِذَا بلغ العبد إِلَى مقام المعرفة أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ بخواطره وحرس سره أَن يسنح فِيهِ غَيْر خاطر الحق

стр. 457

وَقَالَ: علامة العارف أَن يَكُون فارغا من الدنيا والآخرة. وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: المعرفة غايتها شيئان: الدهشة والحيرة. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: أعرف النَّاس بالله تَعَالَى أشدهم تحيرا فِيهِ. وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنطاكي يَقُول: قَالَ رجل للجنيد من أهل المعرفة أقوام يقولون: إِن ترك الحركات من بَاب البر والتقوى فَقَالَ الجنيد: إِن هَذَا قَوْل قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وَهُوَ عندي عظيم والذي يسرق ويزني أَحْسَن حالا من الَّذِي قَوْل هَذَا فَإِن العارفين بالله أخذوا الأعمال عَنِ اللَّه تَعَالَى وإلى اللَّه تَعَالَى رجعوا فِيهَا ولو بقيت ألف عام لَمْ أنقص من أعمال البر ذرة وقيل لأبي يَزِيد بماذا وجدت هذه المعرفة فَقَالَ: ببطن جائع وبدن عار، وَقَالَ أَبُو يعقوب النهرجوري قُلْت لأبي يعقوب السوسي: هل يتأسف العارف عَلَى شَيْء غَيْر اللَّه فَقَالَ: وهل يرى غيره فيتأسف عَلَيْهِ قُلْت: فبأي عين ينظر إِلَى الأشياء فَقَالَ: بعين الفناء والزوال وَقَالَ أَبُو يَزِيد: العارف طيار والزاهد سيار، وقيل: العارف تبكى عينه ويضحك قلبه وَقَالَ الجنيد لا يَكُون العارف عارفا حَتَّى يَكُون كالأرض يطؤه البر والفاجر وكالسحاب يظل كُل شَيْء وكالمطر يسقى مَا يحب وَمَا لا يحب وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولا يقضى وطره من شيئين بكاؤه عَلَى نَفْسه وثناؤه عَلَى ربه وَقَالَ أَبُو زَيْد: إِنَّمَا نالوا المعرفة بتضييع مَا لَهُمْ والوقوف مَعَ ماله. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن عَلِي يَقُول لا يَكُون العارف عارفا حقا حَتَّى لو أعطى مثل ملك سُلَيْمَان ﵇ لَمْ يشغله عَنِ اللَّه طرفة عين. وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت

стр. 458

ابْن عَطَاء يَقُول: المعرفة عَلَى ثلاثة أركان الهيبة والحياء والأنس. وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول قيل لذي النون الْمِصْرِي بم عرفت ربك قَالَ: عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي، وقيل: العالم يقتدي بِهِ والعارف يهتدى بِهِ وَقَالَ الشبلي العارف لا يَكُون لغيره لاحظا ولا بكلام غيره لافظا ولا يرى لنفسه غَيْر اللَّه تَعَالَى حافظا وقيل: العارف أَنَس بذكر اللَّه تَعَالَى فأوحشه من خلقه وافتقر إِلَى اللَّه تَعَالَى فأغناه عَن خلقه وذل لِلَّهِ تَعَالَى فأعزه فِي خلقه، وَقَالَ أَبُو الطيب السامري: المعرفة طلوع الحق عَلَى الأسرار بمواصلة الأنوار وقيل: العارف فَوْقَ مَا يَقُول والعالم دُونَ مَا يَقُول وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: إِن اللَّه تَعَالَى يفتح للعارف وَهُوَ عَلَى فراشه مَا لا يفتح لغيره وَهُوَ قائم يصلي وَقَالَ الجنيد: العارف من نطق الحق عَن سره وَهُوَ ساكت وَقَالَ ذو النون: لكل شَيْء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عَن ذكر اللَّه تَعَالَى. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت الوجيهي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: سمعت رويما يَقُول رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين. وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق: سكوت العارف أنفع وكلامه أشهى وأطيب وَقَالَ ذو النون: الزهاد ملوك الآخرة وَهُمْ فقراء العارفين. وسئل الجنيد عَنِ العارف فَقَالَ: لون الماء لو إنائه يَعْنِي: أَنَّهُ بحكم وقته. وسئل أَبُو يَزِيد عَنِ العارف فَقَالَ: لا يرى فِي نومه غَيْر اللَّه تَعَالَى ولا فِي يقظته غَيْر اللَّه تَعَالَى ولا يوافق غَيْر اللَّه تَعَالَى ولا يطالع غَيْر اللَّه تَعَالَى.

стр. 459

سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الدمشقي يَقُول: سئل بَعْض المشايخ: بم عرفت اللَّه تَعَالَى؟ فَقَالَ: بلمعة لمعت بلسان مأخوذ عَنِ التمييز المعهود ولفظة جرت عَلَى لسان هالك مفقود يشير إِلَى وجد ظاهر ويخبر عَن سر ساتر هُوَ هُوَ أظهره وغيره بِمَا أشكله ثُمَّ أنشد: نطقت بلا نطق هُوَ النطق إنه ... لَك النطق لفظا أَوْ يبين عَنِ النطق تراءيت كي أخفى وَقَدْ كنت خافيا ... وألمعت لي برقا فأنطقت بالبرق وسمعته يَقُول: سمعت عَلِي بْن بندار الصيرفي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سئل أَبُو تراب عَن صفة العارف فَقَالَ: الَّذِي لا يكدره شَيْء ويصفو بِهِ كُل شَيْء. وسمعته يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: العارف تضيء لَهُ أنوار العلم فيبصر بِهِ عجائب الغيب. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: العارف مستهلك فِي بحار التحقيق كَمَا قَالَ قائلهم: المعرفة أمواج تغط ترفع وتحط. وسئل يَحْيَي بْن معاذ عَنِ العارف فَقَالَ: رجل كَانَ بائن ومرة قَالَ: كائن فبان. وَقَالَ ذو النون: علامة العارف ثلاثة لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عَلَيْهِ ظاهرا من الحكم ولا تحمله كثرة نعم اللَّه عَلَيْهِ عَلَى هتك أستار محارم اللَّه تَعَالَى وقيل: لَيْسَ بعارف من وصف المعرفة عِنْدَ أبناء الآخرة فكيف عِنْدَ أبناء الدنيا؟ وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: المعرفة تأتي من عين الجود وبذل المجهود.

стр. 460

سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سئل الجنيد عَن قَوْل لذي النون الْمِصْرِي فِي صفة العارف كَانَ ههنا فَذَهَبَ فَقَالَ: الجنيد العارف لا يحصره حال عَن حال ولا يحجبه منزل عَنِ التنقل فِي المنازل، فَهُوَ مَعَ أهل كُل مكان بمثل الَّذِي هُوَ فِيهِ يجد مثل الَّذِي يجدون , وينطق فِيهَا بمعالمها لينتفعوا بِهَا. وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: المعرفة حياة القلب مَعَ اللَّه تَعَالَى. وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: سئل أَبُو سَعِيد الخراز هل يصير العارف إِلَى حال يجفو عَلَيْهِ البكاء؟ فَقَالَ: نعم، إِنَّمَا البكاء فِي أوقات سيرهم إِلَى اللَّه تَعَالَى فَإِذَا نزلوا إِلَى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عَنْهُم ذَلِكَ قَالَ: وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: المعرفة حياة القلب مَعَ اللَّه ﵎.

стр. 461

بَاب المحبة قَالَ اللَّه : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ لِقَاءَ اللَّهِ لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ تَعَالَى لِقَاءَهُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَي , عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ , عَنْ هِشَامَ الْكِتَّانِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , عَن جِبْرِيلَ ﵇ , عَنْ رَبِّهِ ، قَالَ: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ , وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ كَتَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ , وَأَكْرَهُ مُنَسَأَتِهِ , وَلا بَدَلُهُ مِنْهُ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ , وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ , وَمَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمَعًا , وَبَصَرًا , وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى , قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ:

стр. 462

إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبَّهُ جِبْرِيلُ ﵇ , ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ. قَالَ مَالِك: لا أحسبه إلا قَالَ فِي البغض مثل ذَلِكَ قَالَ الأستاذ: المحبة حالة شريفة , شهد الحق سبحانه بِهَا للعبد , وأخبر عَن محبته لعبد فالحق سبحانه يوصف بأنه يحب العبد , والعبد يوصف بأنه يحب الحق سبحانه , والمحبة عَلَى لسان الْعُلَمَاء هِيَ الإرادة , وليس مراد الْقَوْم بالمحبة الإرادة , فَإِن الإرادة لا تتعلق بالقديم , اللَّهُمَّ إلا أَن تحمل عَلَى إرادة التقرب إِلَيْهِ , والتعظيم لَهُ. نحن نذكر من تحقيق هذه المسألة طرفا إِن شاء اللَّه تَعَالَى: فمحبة الحق سبحانه للعبد إرادته لإنعام مخصوص عَلَيْهِ , كَمَا أَن رحمته لَهُ إرادة الإنعام , فالرحمة خاص من الإرادة , والمحبة أخص من الرحمة , فإرادة اللَّه تَعَالَى لأن يوصل إِلَى العبد الثواب والإنعام تسمى رحمة وإرادته , لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة، فإرادته سبحانه صفة واحدة , فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها، فَإِذَا تعلقت بالعقوبة تسمى غضبا، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة. وقوم قَالُوا: محبة الحق سبحانه للعبد مدحه لَهُ , وثناؤه عَلَيْهِ بالجميل , فيعود معنى محبته لَهُ عَلَى هَذَا القول إِلَى كلامه , وكلامه قديم. وَقَالَ قوم: محبته للعبد من صفات فعله , فَهُوَ إحسان مخصوص يلقى اللَّه العبد بِهِ , وحالة مخصوصة يرقيه إِلَيْهَا , كَمَا قَالَ بَعْضهم: إِن رحمته بالعبد نعمته مَعَهُ. وقوم من السلف قَالُوا: محبته من الصفات الخبرية , فأطلقوا اللفظ , وتوقفوا عَنِ التفسير , فأما مَا عدا هذه الجملة مِمَّا هُوَ فِي المعقول من صفات محبة الخلق , كالميل إِلَى الشيء , والاستئناس بالشيء , وكحالة يجدها المحب مَعَ محبوبه من المخلوقين , فالقديم سبحانه يتعالى عَن ذَلِكَ. وَأَمَّا محبة العبد لِلَّهِ تَعَالَى , فحالة يجدها من قلبه تلطف عَنِ العبارة ,

стр. 463

وَقَدْ تحمله تلك الحالة عَلَى التعظيم لَهُ , وإيثار رضاه , وقلة الصبر عَنْهُ , والاهتياج إِلَيْهِ , وعدم القرار من دونه , ووجود الاستئناس بدوام ذكره لَهُ بقلبه، وليست محبة العبد لَهُ سبحانه متضمنة ميلا , ولا اختطاطا , كَيْفَ وحقيقة الصمدية مقدسة عَنِ اللحوق , والدرك والإحاطة. والمحب بوصف الاستهلاك فِي المحبوب أولى منه بأن يوصف بالاختطاط، ولا توصف المحبة بوصف , ولا تحد بحد أوضح , ولا أقرب إِلَى الفهم من المحبة والاستقصاء فِي المقال عِنْدَ حصول الإشكال , فَإِذَا زال الاستعجام والاستبهام سقطت الحاجة إِلَى الاستغراق فِي شرح الْكَلام وعبارات النَّاس عَنِ المحبة كثيرة , وتكلموا فِي أصلها فِي اللغة , فبعضهم قَالَ: الحب اسم لصفاء المودة، لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان وقيل: الحباب: مَا يعلو الماء عِنْدَ المطر الشديد فعلى هَذَا المحبة غليان القلب وتوارنه عِنْدَ العطش والاهتياج إِلَى لقاء المحبوب وقيل: إنه مشتق من حباب الماء بفتح الحاء وَهُوَ معظمه فسمى بِذَلِكَ، لأن المحبة غاية معظم مَا فِي القلب من المهمات وقيل: اشتقاقه من اللزوم والثبات يقال: أحب البعير وَهُوَ أَن يبرك فلا يقوم فكأن المحب لا يبرح بقلبه عَن ذكر محبوبه وقيل: الحب مأخوذ من الحب وَهُوَ القرط قَالَ الشاعر: تبينت الحية النضناض منه ... مكان الحب تستمع السرارا وسمى القرط حبا , إِمَّا للزومه للأذن , أَوْ لقلقه , وكلا المعنيين صحيح فِي الحب، وقيل: هُوَ مأخوذ من الحب , والحب جمع حبة , وحبة القلب: مَا بِهِ قوامه، فسمى الحب حبا باسم محله،

стр. 464

وقيل: الحب والحب: كالعمر والعمر , وقيل: هُوَ مأخوذ من الحبة بكسر الحاء , وَهِيَ بزور الصحراء , فسمى الحب حبا , لأنه لباب الحياة , كَمَا أَن الحب لباب النبات , وقيل: الحب هِيَ الخشبات الأربع الَّتِي توضع عَلَيْهَا الجرة فسميت المحبة حبا لأنه يتحمل عَن محبوبه كُل عز وذل وقيل: هُوَ من الحب الَّذِي فِيهِ الماء لأنه يمسك مَا فِيهِ فلا يسع فِيهِ غَيْر مَا امتلأ بِهِ كَذَلِكَ إِذَا امتلأ القلب بالحب فلا مساغ فِيهِ لغير محبوبه، وَأَمَّا أقاويل الشيوخ فِيهِ فَقَالَ بَعْضهم: المحبة الميل الدائم بالقلب الهائم. وقيل: المحبة إيثار المحبوب عَلَى جَمِيع المصحوب. وقيل: موافقة الحبيب فِي المشهد والمغيب. وقيل: محو المحب بصفاته وإثبات المحبوب بذاته وقيل: مواطأة القلب لمرادات الرب وقيل: خوف ترك الحرمة مَعَ إقام الخدمة. وَقَالَ أَبُو يَزِيد البسطامي: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. وَقَالَ سهل: الحب معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وسئل الجنيد عَنِ المحبة فَقَالَ: دخول صفات المحبوب عَلَى البدل من صفات المحب أشار بِهَذَا إِلَى استيلاء ذكر المحبوب حَتَّى لا يَكُون الغالب عَلَى قلب المحب إلا ذكر صفات المحبوب والتغافل بالكلية عَن صفات نَفْسه والإحساس بِهَا. وَقَالَ أَبُو عَلِي الروذباري: المحبة: الموافقة، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ القرشي: حقيقة المحبة أَن تهب كَذَلِكَ لمن أحببت فلا يبقى لَك منك شَيْء، وَقَالَ الشبلي: سميت المحبة محبة لأنها تمحو من القلب مَا سِوَى المحبوب، وَقَالَ ابْن عَطَاء: المحبة إقامة العتاب عَلَى الدوام

стр. 465

سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: المحبة لذة ومواضع الحقيقة دهش، وسمعته يَقُول: العشق مجاوزة الحد فِي المحبة , والحق سبحانه لا يوصف بأنه يجاوز الحد , فلا يوصف بالعشق , ولو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لَمْ يبلغ ذَلِكَ استحقاق قدر الحق سبحانه فلا يقال: إِن عبدا جاوز الحد فِي محبة اللَّه تَعَالَى فلا يوصف الحق سبحانه بأنه يعشق ولا العبد فِي صفته سبحانه بأنه يعشق فنفى العشق ولا سبيل لَهُ إِلَى وصف الحق سبحانه لا من الحق للعبد ولا من العبد للحق سبحانه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: المحبة أَن تغار عَلَى المحبوب أَن يحبه مثلك، وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول وَقَدْ سئل عَنِ المحبة فَقَالَ: أغصان تغرس فِي القلب فتثمر عَلَى قدر العقول، وسمعته يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: محبة توجب حقن الدماء، ومحبة توجب سفك الدماء، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي العلوي يَقُول: سمعت جَعْفَر يَقُول: سمعت سمنونا يَقُول: ذهب المحبون لِلَّهِ تعالي بشرف الدنيا والآخرة، لأن النَّبِي ﷺ قَالَ: المرء مَعَ من أحب فَهُمْ مَعَ اللَّه تَعَالَى. وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: حقيقة المحبة مالا ينقص بالجفاء، وَقَالَ يَزِيد بالبر، وَقَالَ لَيْسَ بصادق من ادعى محبته وَلَمْ يحفظ حدوده. وَقَالَ الجنيد: إِذَا صحت المحبة سقطت شروط الأدب، وَفِي معناه سمعت الأستاذ أبا عَلِي ينشد: إِذَا صفت المودة بَيْنَ قوم ... ودام وداهم سمج الثناء وَكَانَ يَقُول: لا ترى أبا شفيقا يبجل ابنه فِي الْخَطَّاب والناس يتكلمون فِي مخاطبته والأب يَقُول: يا فُلان، وَقَالَ الكتاني: المحبة الإيثار للمحبوب. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الأرجاني يَقُول: سمعت بندار بْن الْحُسَيْن

стр. 466

يَقُول: رؤي مجنون بَنِي عامر فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك؟ فَقَالَ: غفر لي وجعلني حجة عَلَى المحبين، وَقَالَ أَبُو يعقوب السوسي: حقيقة المحبة أَن ينسى العبد حظه من اللَّه وينسى حوائجه إِلَيْهِ، وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور حقيقة المحبة قيامك مَعَ محبوبك بخلع أوصافك. سمع الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: قيل للنصرأباذي: لَيْسَ لَك من الحبة شَيْء؟ . فَقَالَ: صدقوا ولكن لي حسراتهم فَهُوَ ذا أحترق فِيهِ، وسمعته يَقُول: قَالَ النصرأباذي المحبة مجانية السلو عَلَى كُل حال، ثُمَّ أنشد: ومن كَانَ فِي طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلى لَهَا غَيْر ذائق وأكثر شَيْء نلته من وصالها ... أماني لَمْ تصدق كلمحة بارق وَقَالَ مُحَمَّد بْن الفضل المحبة سقوط كُل محبة من القلب إلا محبة الحبيب، وَقَالَ الجنيد: المحبة إفراط الميل بلا نيل، ويقال: المحبة تشويش فِي القلوب يقع من المحبوب، ويقال: المحبة فتنة تقع فِي الفؤاد من المراد، وأنشد ابْن عَطَاء: غرست لأهل الحب غصنا من الهوى ... وَلَمْ يك يدري مَا الهوى أحد قبلي فأورق أغصانا وأينع صبوة ... وأعقب لي مرا من الثمر المحلي وكل جَمِيع العاشقين هواهم ... إذ نسبوه كَانَ من ذَلِكَ الأصل وقيل الحب أوله ختل وآخره قتل سمعت الأستاذ أبا عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول فِي معنى قَوْله ﷺ حبك للشيء يعمى ويصم.

стр. 467

فَقَالَ: يعمى عَنِ الغير غيرة وعن المحبوب هيبة ثُمَّ أنشد: إِذَا مَا بدا لي تعاظمته ... فأصدر فِي حال من لَمْ يرد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت الْحَارِث المحاسبي يَقُول المحبة ميلك إِلَى الشيء بكليتك ثُمَّ إيثارك لَهُ عَلَى نفسك وروحك وَمَالِك ثُمَّ موافقتك لَهُ سرا وجهرا ثُمَّ علمك بتقصيرك فِي حبه. وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت عَبَّاس بْن عصام يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السرى يَقُول لا تصلح المحبة بَيْنَ اثنين حَتَّى يَقُول الْوَاحِد للآخر: يا أنا. وَقَالَ الشبلي: المحب إِذَا سكت هلك والعارف إِن لَمْ يسكت هلك وقيل: المحبة نار فِي القلب تحرق مَا سِوَى مراد المحبوب وقيل: المحبة بذل المجهود والحبيب يفعل مَا يشاء. وَقَالَ النوري: المحبة هتك الأستار وكشف الأسرار. وَقَالَ أَبُو يعقوب السوسي: لا تصح المحبة إلا بالخروج عَن رؤية المحبة إِلَى رؤية المحبوب بفناء علم المحبة. وَقَالَ جَعْفَر. قَالَ الجنيد: دفع السرى إِلَى رقعة. وَقَالَ هذه لَك خير من سبع مائة قصة أَوْ حَدِيث يعلو فَإِذَا فِيهَا: ولما ادعيت الحب قَالَتْ كذبتني فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا فَمَا الحب حَتَّى يلصق القلب بالحشا وتذبل حَتَّى لا تجيب المناديا وتنحل حَتَّى لا يبقي لَك الهوى سِوَى مقلة تبكى بِهَا وتناجيا

стр. 468

وَقَالَ ابْن مسروق: رأيت سمنونا يتكلم فِي المحبة , فتكسرت قناديل الْمَسْجِد كلها. سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت سمنونا وَهُوَ جالس فِي الْمَسْجِد يتكلم فِي المحبة إذ جاء طير صَغِير فقرب منه , ثُمَّ قرب فلم يزل يدنو حَتَّى جلس عَلَى يده , ثُمَّ ضرب بمنقاره الأَرْض حَتَّى سال منه الدم , ثُمَّ مَات. وَقَالَ الجنيد: كُل محبة كانت لغرض إِذَا زال الغرض زالت تلك المحبة وقيل: حبس الشبلي فِي المارستان , فدخل عَلَيْهِ جَمَاعَة. فَقَالَ: من أنتم؟ قَالُوا: إنا محبوك يا أبا بَكْر فأقبل يرميهم بالحجارة ففروا. فَقَالَ: إِن ادعيتم محبتي فاصبروا عَلَى بلائي وأنشد الشبلي: يا أيها السيد الكريم ... حبك بَيْنَ الحشا مقيم يا رافع النوم عَن جفوني ... أَنْتَ بِمَا مر بي عليم سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُبَيْد يَقُول: كتب يَحْيَي بْن معاذ إِلَى أَبِي يَزِيد سكرت من كثرة مَا شربت من كأس محبته فكتب إِلَيْهِ أَبُو يَزِيد غيرك شرب بحور السموات وَالأَرْض وَمَا رَوَى بَعْد ولسانه خارج وَيَقُول: هل من مزيد؟ وأنشدوا: عجبت لمن يَقُول ذكرت إلفي ... وهل أنسى فأذكر مَا نسيت أموت إِذَا ذكرتك ثُمَّ أحيا ... ولولا حسن ظني مَا حييت فأحيا بالمنى وأموت شوقا ... فكم أحيا عليك وكم أموت شربت الحب كأسا بَعْد كأس ... فَمَا نفذ الشراب وَمَا رويت وقيل أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى عيسى ﵇: إني إِذَا اطلعت عَلَى قلب عَبْد فلم أجد فِيهِ حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي ورأيت بخط الأستاذ أَبِي عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْض الكتب المنزلة: عبدي أنا وحقك لَك محب فبحقي كن لي محبا. وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: من أعطى شَيْئًا من المحبة وَلَمْ يعط مثله من الخشية فَهُوَ مخدوع.

стр. 469

وقيل: المحبة مَا يمحو أثرك. وقيل: المحبة سكر لا يصحو كصاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثُمَّ السكر الَّذِي يحصل عِنْدَ الشهود لا يوصف، وأنشدوا: فأسكر الْقَوْم دور كأس ... وَكَانَ سكري من المدير وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ينشد كثيرا: لي سكرتان وللندمان واحدة ... شَيْء خصصت بِهِ من بينهم وحدي وَقَالَ ابْن عَطَاء: المحبة إقامة العتاب عَلَى الدوام. وَكَانَ للأستاذ أَبِي عَلِي جارية تسمى فيروز وَكَانَ يحبها إذ كانت قَدْ خدمته كثيرا , فسمعته يَقُول كانت فيروز تؤذيني يوما وتستطيل عَلِي بلسانها. فَقَالَ: لَهَا أَبُو الْحَسَنِ القارئ لَمْ تؤذين هَذَا الشيخ؟ فَقَالَتْ: لأني أحبه. وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ مثقال خردلة من الحب أحب إِلَى من عُبَادَة سبعين سنة بلا حب: وقيل: إِن شابا أشرف عَلَى النَّاس فِي يَوْم عيد. وَقَالَ: من مَات عشقا فليمت هكذا لا خير فِي عشق بلا موت وألقى نَفْسه من سطح عال فوقع ميتا. وحكي أَن بَعْض أهل الهند عشق جارية فرحلت الجارية فخرج الرجل فِي وداعها فدمعت إحدى عينيه دُونَ الأخرى فغمض الَّتِي لَمْ تدمع أربعا وثمانين سنة وَلَمْ يفتحها عقوبة لَهَا لأنها لَمْ تبك عَلَى فراق حبيبته، وَفِي معناه أنشدوا: بكت عيني غداة البين دمعا ... وَأُخْرَى بالبكا بخلت عَلَيْنَا فعاقبت الَّتِي بخلت بدمع ... بأن غمضتها يَوْم التقينا وَقَالَ بَعْضهم: كُنَّا عِنْدَ ذي النون الْمِصْرِي فتذاكرنا المحبة. فَقَالَ ذو النون: كفوا عَن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها ثُمَّ أنشأ يَقُول: الخوف أولى بالمسيء إِذَا تأله والحزن والحب يجمل بالتقى وبالنقي من الدرن

стр. 470

وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: من نشر المحبة عِنْدَ غَيْر أهلها فَهُوَ فِي دعواه دعى. وقيل ادعى رجل الاستهلاك فِي محبة شخص. فَقَالَ لَهُ الشاب: كَيْفَ هَذَا وَهَذَا أَخِي أَحْسَن مني وجها وأتم جمالا؟ فرفع الرجل رأسه يلتفت وكانا عَلَى سطح فألقاه من السطح. وَقَالَ هَذَا أجر من يدعي هوانا وينظر إِلَى سوانا. وَكَانَ سمنون يقدم المحبة عَلَى المعرفة والأكثرون يقدمون المعرفة عَلَى المحبة وعند المحققين المحبة استهلاك فِي لذة والمعرفة شهود فِي حيرة وفناء فِي هيبة. وَقَالَ أَبُو بَكْر الكتاني: جرت مسألة فِي المحبة بمكة أَيَّام الموسم فتكلم الشيوخ فِيهَا وَكَانَ الجنيد أصغرهم سنا فَقَالُوا لَهُ: هات مَا عندك يا عرقي , فأطرق رأسه ودمعت عيناه , ثُمَّ قَالَ: عَبْد ذاهب عَن نَفْسه , متصل بذكر ربه , قائم بأداء حقوقه , ناظر إِلَيْهِ بقلبه , أحرق قلبه أنوار هويته , وصفا شربه من كأس وده , وانكشف لَهُ الجبار من أستار غيبه , فَإِن تكلم فبالله , وإن نطق فعن اللَّه , وإن تحرك فبأمر اللَّه , وإن سكن فمع اللَّه فَهُوَ بالله وَلِلَّهِ ومع لِلَّهِ , فبكى الشيوخ وَقَالُوا: مَا عَلَى هَذَا مزيد جبرك اللَّه تَعَالَى يا تاج العارفين. وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: يا دَاوُد , إني حرمت عَلَى القلوب أَن يدخلها حبي وحب غيري فِيهَا. أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيّ. قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن القاسم قَالَ: حَدَّثَنَا هميم بْن همام قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَفَّان قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس خادم الفضيل بْن عياض قَالَ: احتبس بول الفضيل فرفع يديه وَقَالَ: اللَّهُمَّ بحبي لَك إلا أطلقته عني. قَالَ: فَمَا برحنا حَتَّى شفى. وقيل: المحبة الإيثار كامرأة الْعَزِيز لما تناهت فِي أمرها قَالَتْ: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] وَفِي الابتداء ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فوركت الذنب فِي الابتداء عَلَيْهِ وَفِي الانتهاء نادت عَلَى نفسها بالخيانة. سمعت الأستاذ أبا عَلِي , يَقُول ذَلِكَ.

стр. 471

وحكى عَنْ أَبِي سَعِيد الخراز أَنَّهُ قَالَ: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعذرني فَإِن محبة اللَّه تَعَالَى شغلتني عَن محبتك. فَقَالَ: يا مبارك من أحب اللَّه تَعَالَى فَقَدْ أحبني، وقيل: قَالَتْ رابعة فِي مناجاتها: إلهي أتحرق بالنار قلبا يحبك فهتف بِهَا هاتف مَا كُنَّا نفعل هكذا فلا تظني بنا ظن السوء. وقيل: الحب حرفان حاء وباء فالإشارة فِيهِ أَن من أحب فليخرج عَن روحه وبدونه وكالإجماع من إطلاقات الْقَوْم أَن المحبة هِيَ الموافقة وأشد الموافقات الموافقة بالقلب والمحبة توجب انتفاء المباينة، فَإِن المحب أبدا مَعَ محبوبه وبذلك ورد الْخَبَر: حَدَّثَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ حرزَاذَ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنِ الأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبَّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ. فَقَالُ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي، يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الحيري يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: أَكْثَر فساد الأحوال من ثلاثة فسق العارفين وخيانة المحبين وكذب المريدين. قَالَ أَبُو عُثْمَان: فسق العارفين إطلاق الطرف واللسان والسمع إِلَى أسباب الدنيا ومنَافِعها وخيانة المحبين اختيار هواهم عَلَى رضا اللَّه فيما يستقبلهم وكذب المريدين أَن يَكُون ذكر الخلق ورؤيتهم تغلب عَلَيْهِم عَلَى ذكر اللَّه ، ورؤيته، وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا القاسم الجوهري يَقُول: سمعت أبا عَلِي ممشاد بْن سَعِيد العكبري , يَقُول:

стр. 472

راود خطاف خطافة فِي قبة سُلَيْمَان ﵇ فامتنعت عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهَا: لَمْ تمتنعين عَلِي وإن شئت قلبت القبة عَلَى سُلَيْمَان فدعاه سُلَيْمَان ﵇. وَقَالَ لَهُ: مَا حملك عَلَى مَا قُلْت. فَقَالَ يا نبي اللَّه إِن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم. فَقَالَ: صدقت.

стр. 473

بَاب الشوق قَالَ اللَّه : ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي قماشٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زُرَارَةَ , عَنْ حَمَّادِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا فَقُلْتُ: خَفَّفْتَ أَبَا الْيَقْظَانِ. فَقَالَ: وَمَا عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَقَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَسَأَلَهُ عَنِ الدَّعَوَاتِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبُ , وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي , وَتَوَفَّنِي مَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي , اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ , وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ , وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ , وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَبِيدُ , وَقَرَّةَ عَيْنٌ لا تَنْقَطِعُ , وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ , وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ , وَأَسْأَلُكَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ , وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ , وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ , اللَّهُمَّ زَيْنًا بِزِينَةِ الإِيمَانِ , اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ. قَالَ الأستاذ: الشوق اهتياج القلوب إِلَى لقاء المحبوب وعلى قدر المحبة يَكُون الشوق سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يفرق بَيْنَ الشوق والاشتياق وَيَقُول الشوق يسكن باللقاء والرؤية والاشتياق لا يزول باللقاء وَفِي معناه أنشدوا:

стр. 474

مَا يرجع الطرف عَنْهُ رؤيته ... حَتَّى يعود إِلَيْهِ الطرف مشتاقا سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: للخلق كلهم مقام الشوق وليس لَهُمْ مقام الاشتياق ومن دَخَلَ فِي حال الاشتياق هام فِيهِ حَتَّى لا يرى لَهُ أثر ولا قرار وقيل: جاء أَحْمَد بْن حامد الأسود إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ. فَقَالَ: رأيت فِي المنام أنك تموت إِلَى سنة فلو استعددت للخروج. فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: لَقَدْ أجلتنا إِلَى أمد بعيد أعيش أنا إِلَى سنة لَقَدْ كَانَ لي أَنَس بِهَذَا الْبَيْت الَّذِي سمعته من هَذَا الثقفي يَعْنِي: أبا عَلِي: يا من شكا شوقه من طول فرقته اصبر لعلك تلقى من تحب غدا وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: علامة الشوق حب الْمَوْت مَعَ الراحة. وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: علامة الشوق فطام الجوارح عَنِ الشهوات سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقق يَقُول: خرج دَاوُد ﵇ يوما إِلَى بَعْض الصحارى منفردا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: مالي أراك يا دَاوُد وحدانيا؟ . فَقَالَ: يا إلهي استأثر الشوق إِلَى لقائك عَلَى قلبي فحال بيني وبين صحبة الخلق , فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: ارجع إليهم فإنك إِن أتيتني بعبد آبق أثبتك فِي اللوح المحفوظ جهبذا. وقيل: كانت عجوز قدم بَعْض أقاربها من السفر فأظهر قومها السرور والعجوز تبكي , فقيل لَهَا: مَا يبكيك؟ فَقَالَتْ: ذكرني قدوم هَذَا الفتى يَوْم القدوم عَلَى اللَّه تَعَالَى , وسئل ابْن عَطَاء عَنِ الشوق. فَقَالَ: احتراق الأحشاء وتلهب القلوب وتقطع الأكباد. وسئل أَيْضًا عَنِ الشوق فقيل لَهُ: الشوق أعلى أم المحبة؟ . فَقَالَ: المحبة، لأن الشوق منها يتولد. وَقَالَ بَعْضهم: الشوق لهيب ينشأ بَيْنَ أثناء الحشا يسنح عَنِ الفرقة فَإِذَا وقع اللقاء طفئ وإذا كَانَ الغالب عَلَى الأسرار مشاهد المحبوب لَمْ يطرقها الشوق وقيل لبعضهم: هل تشتاق؟ . فَقَالَ: لا إِنَّمَا الشوق إِلَى غائب وَهُوَ حاضر.

стр. 475

سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي قَوْله : ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] قَالَ: معناه: شوقا إليك فستره بلفظ الرضا وسمعته رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من علامات الشوق تمنى الْمَوْت عَلَى بساط العوافي كيوسف ﵇ لما ألقى فِي الجب لَمْ يقل: توفني ولما أدخل السجن لَمْ يقل توفني ولما دَخَلَ عَلَيْهِ أبواه وخر الأخوة لَهُ سجدا , وتم لَهُ الْمَلِك والنعم قَالَ توفني مسلما وَفِي معناه أنشدوا: نحن فِي أكمل السرور ولكن ... لَيْسَ إلا بكم يتم السرور عيب مَا نحن فِيهِ يا أهل ودي ... أنكم غيب ونحن حضور وَفِي معناه أنشدوا: من سره العيد الجديد ... فَقَدْ عدمت بِهِ السرور كَانَ السرور يتم لي ... لو كَانَ أحبابي حضورا وَقَالَ ابْن خفيف: الشوق ارتياح القلوب بالوجد ومحبة اللقاء والقرب. وَقَالَ أَبُو يَزِيد: إِن لِلَّهِ عبادا لو حجبهم فِي الْجَنَّة عَن رؤية لاستغاثوا من الْجَنَّة كَمَا يستغيث أهل النار من النار. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ الصوفي , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس الهاشمي بالبيضاء , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الخزاعي , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الأَنْصَارِي , قَالَ: سمعت الْحُسَيْن الأَنْصَارِي يَقُول: رأيت فِي النوم كأن الْقِيَامَة قَدْ قامت وشخص قام تَحْتَ العرش فَيَقُول الحق سبحانه: يا ملائكتي من هَذَا فَقَالُوا: اللَّه أعلم. فَقَالَ: هَذَا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي، وَفِي بَعْض الحكايات فِي مثل هَذَا المنام أَنَّهُ قيل: هَذَا معروف الكرخي خرج من الدنيا مشتاقا إِلَى اللَّه فأباح اللَّه لَهُ النظر إِلَيْهِ. وَقَالَ فارس: قلوب المشتاقين منورة بنور اللَّه تَعَالَى فَإِذَا تحرك اشتياقهم أضاء النور مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض فيعرضهم اللَّه تَعَالَى عَلَى الملائكة فَيَقُول: هَؤُلاءِ المشتاقون إِلَى أشهدكم أنى إليهم أشوق

стр. 476

سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي قَوْله ﷺ أسألك الشوق إِلَى لقائك. قَالَ كَانَ الشوق مائة جزء تسعة وتسعون لَهُ وجزء متفرق فِي النَّاس فأراد أَن يَكُون ذَلِكَ الجزء لَهُ أَيْضًا فغار أَن يَكُون شظية من الشوق لغيره، وقيل: شوق أهل القرب أتم من شوق المحجوبين ولهذا قيل: وأبرح مَا يَكُون الشوق يوما إِذَا دنت الخيام من الخيام وقيل إِن المشتاقين يتحسسون حلاوة الْمَوْت عِنْدَ وروده لما قَدْ كشف لَهُمْ من روح الوصول أحلى من الشهد سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السرى يَقُول: الشوق أجل مقام للعارف إِذَا تحقق فِيهِ وإذا تحقق فِي الشوق لَهَا عَن كُل شَيْء يشغله عمن يشتاق إلهي. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري فِي قَوْله : ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] هَذَا تعزية للمشتاقين معناه: أني أعلم أَن اشتياقكم إِلَى غالب وأنا أجلت للقائكم أجلا وعن قريب يَكُون صولكم إِلَى من تشتاقون إِلَيْهِ. وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: قل لشبان بَنِي إسرائيل لَمْ تشغلون أنفسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم مَا هَذَا الجفاء. وقيل: أوحى اللَّه إِلَى دَاوُد ﵇ لو يعلم المدبرون عني كَيْفَ انتظاري لَهُمْ ورفقي بِهِمْ وشوقي إِلَى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إِلَى , وانقطعت أوصالهم من محبتي , يا دَاوُد هذه إرادتي فِي المدبرين عني فكيف إرادتي فِي المقبلين إِلَى وقيل: مكتوب فِي التوراة: شوقناكم فلم تشتاقوا وخوفناكم فلم تخافوا ونحنا لكم فلم تنوحوا. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول بكى شُعَيْب حَتَّى عمي فرد اللَّه بصره عَلَيْهِ، ثُمَّ بكى حتى عمي، فرد اللَّه بصره عَلَيْهِ، ثُمَّ بكى حَتَّى عمى، فأوحى اللَّه

стр. 477

تَعَالَى إِلَيْهِ: إِن كَانَ هَذَا البكاء لأجل الْجَنَّة فَقَدْ أبحتها لَك وإن كَانَ لأجل النار فَقَدْ أجرتك منها. فَقَالَ: لا بَل شوقا إليك فأوحى اللَّه إِلَيْهِ لأجل ذَلِكَ أخدمتك نبيي وكليمي عشر سنين، وقيل: من اشتاق إِلَى اللَّه اشتاق إِلَيْهِ كُل شَيْء وَفِي الْخَبَر اشتاقت الْجَنَّة إِلَى ثلاثة عَلِي وعمار وسلمان. سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: قَالَ بَعْض المشايخ أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إلي وأنا عَن جميعها حر، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عُمَر الرملي، يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر الإِمَام. قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا مرحوم. قَالَ: سمعت مَالِك بْن دِينَار يَقُول: قرأت فِي التوراة: شوقنا كم فلم تشتاقوا وزمرنا لكم فلم ترقصوا. سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فرحان يَقُول: سمعت الجنيد وَقَدْ سئل من أي شَيْء يَكُون بكاء المحب إِذَا لقى المحبوب؟ . فَقَالَ: إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ سرورا بِهِ ووجدا من شدة الشوق إِلَيْهِ ولقد أَن أخوين تعانقا. فَقَالَ: أحدهما واشوقاه. وَقَالَ الآخرة واوجداه.

стр. 478

بَاب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عَلَيْهِم قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي قصة مُوسَى مَعَ الخضر ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] . قَالَ الإِمَام: لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب فاستأذن أولا فِي الصحبة ثُمَّ شرط عيه الخضر أَن لا يعارضه فِي شَيْء ولا يعترض عَلَيْهِ فِي حكم ثُمَّ لما خالفه مُوسَى ﵇ تجاوز عَنْهُ المرة الأولى وَالثَّانِيَة , فلما صار إِلَى الثالثة والثلاث آخر حد القلة وأول حد الكثرة سامه الفرقة. فَقَالَ: هَذَا فراق بيني وبينك. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن الأَهْوَازِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَالِمٍ الْقَزَّازُ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ بَيَانٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرِّجَالِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلا قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: بدء كُل فرقة المخالفة يَعْنِي بِهِ: أَن من خالف شيخه لَمْ يبق عَلَى طريقته وانقطعت العلقة بينهما وإن جمعتهما البقعة فمن صحب شيخا من الشيوخ ثُمَّ اعترض عَلَيْهِ بقلبه فَقَدْ نقض عهد الصحبة ووجبت عَلَيْهِ التوبة عَلَى أَن الشيوخ قَالُوا: حقوق الأستاذين لا توبة عَنْهَا. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: خرجت إِلَى مرو فِي حياة شيخي الأستاذ أَبِي سهل الصعلوكي وَكَانَ لَهُ قبل خروجي أَيَّام الجمعة بالغدوات مجلس دور الْقُرْآن والختم فوجدته عِنْدَ رجوعي قَدْ رفع ذَلِكَ المجلس وعقد لأبي الغفاني فِي ذَلِكَ الوقت مجلس

стр. 479

القول فداخلني من ذَلِكَ شَيْء فكنت أقول فِي نفسي قَد استبدل مجلس الختم بمجلس القول. فَقَالَ لي يوما: يا أبا عَبْد الرَّحْمَنِ مَا يَقُول النَّاس فِي فَقُلْتُ: يقولون: رفع مجلس الْقُرْآن ووضع مجلس القول. فَقَالَ: من قَالَ لأستاذه لَمْ لا يفلح أبدا ومن المعروف أَن الجنيد. قَالَ دخلت عَلَى السرى يوما فأمرني شَيْئًا فقضيت حاجته سريعا فلما رجعت إِلَيْهِ ناولني رقعة. وَقَالَ هَذَا لمكان قضائك لحاجتي سريعا فقرأت الرقعة فَإِذَا فِيهَا مكتوب سمعت حاديا يحدو فِي البادية: أبكي وهل يدريك مَا يبكيني ابكي حذارا أَن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني ويحكى عَن أَبِي الْحَسَن الهمداني العلوي. قَالَ كنت ليلة عِنْدَ جَعْفَر الخلدي وكنت أمرت فِي بَيْتِي أَن يعلق طير فِي التنور وَكَانَ قلبي مَعَهُ. فَقَالَ لي جَعْفَر: أقم عندنا الليلة فتعللت بشيء ورجعت إِلَى منزلي فأخرج الطير من التنور ووضع بَيْنَ يدي فدخل كلب من الباب وحمل الطير عِنْدَ تغافل الحاضرين فأتى بالجوزاب الَّذِي تحته فتعلق بِهِ ذيل الخادمة فانصب فلما أصبحت دَخَلَ عَلَى جَعْفَر فحين وقع بصره عَلِي. قَالَ: من لَمْ يحفظ قلوب المشايخ سلط عَلَيْهِ كلب يؤذيه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الدينوري يَقُول: سمعت الْحَسَن الدامغاني يَقُول: سمعت عمي البسطامي يحكي عَن أَبِيهِ: أَن شقيقا البلخي , وأبا تراب النخشبي قدما عَلَى أَبِي يَزِيد فقدمت السفرة وشاب يخدم أبا يَزِيد فقالا لَهُ: كُل معنا يا فتى. فَقَالَ: أنا صائم. فَقَالَ أَبُو تراب: كُل ولك أجر صوم شَهْر فأبى. فَقَالَ: شقيق كُل ولك أجر صوم سنة فأبي. فَقَالَ أَبُو يَزِيد دعوا من سقط من عين اللَّه تَعَالَى فأخذ ذَلِكَ الشاب فِي السرقة بَعْد سنة فقطعت يده. سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: وصف سهل بْن عَبْد اللَّهِ رجلا بالولاية خبازا

стр. 480

بالبصرة فسمع رجل من أَصْحَاب سهل بْن عَبْد اللَّهِ ذَلِكَ فاشتاق إِلَيْهِ فخرج إِلَى البصرة فأتى حانوت الخباز فرآه يخبز وَقَدْ تنقب لمحاسنه عَلَى عادة الخبازين. فَقَالَ فِي نَفْسه: لو كَانَ هَذَا وليا لَمْ يحترق شعره بغير نقاب ثُمَّ إنه سلم عَلَيْهِ وسأله شَيْئًا. فَقَالَ الرجل: إنك استصغرتني فلا تنتفع بكلامي وأبي أَن يكلمه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمع عَبْد الرَّحْمَنِ الرازي أبا عُثْمَان الحيرى يصف مُحَمَّد بْن الفضل البلخي ويمدحه فاشتاق إِلَيْهِ فخرج إِلَى زيارته فلم يقع بقلبه من مُحَمَّد بْن الفضل مَا اعتقد فرجع إِلَى أَبِي عُثْمَان وسأله. فَقَالَ: كَيْفَ وجدته. فَقَالَ: لَمْ أجده كَمَا ظننت. فَقَالَ: لأنك استصغرته وَمَا استصغر أحد أحدا إلا حرم فائدته ارجع إِلَيْهِ بالحرمة فرجع إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ فانتفع بزياراته. ومن المشهور أَن عُمَر بْن عُثْمَان الْمَكِّي رأى الْحُسَيْن بْن مَنْصُور يكتب شَيْئًا. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هُوَ ذا أعارض الْقُرْآن فدعا عَلَيْهِ وهجره. قَالَ الشيوخ: إِن مَا حل بِهِ بَعْد طول المدة كَانَ لدعاء ذَلِكَ الشيخ عَلَيْهِ. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول لما نفى أهل بلخ مُحَمَّد بْن الفضل من البلد دعا عَلَيْهِم. وَقَالَ اللَّهُمَّ امنعهم الصدق فلم يخرج من بلخ بعده صديق. سمعت أَحْمَد بْن يَحْيَي الأبيوردي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من رضى عَنْهُ شيخه لا يكافأ فِي حال حياته لئلا يزول عَن قلبه تعظيم ذَلِكَ الشيخ فَإِذَا مَات الشيخ أظهر اللَّه عَلَيْهِ مَا هُوَ جزاء رضاه ومن تغير عَلَيْهِ قلب شيخه لا يكافأ فِي حال حياة ذَلِكَ الشيخ لئلا يرق لَهُ فإنهم مجبولون عَلَى الكرم فَإِذَا مَات ذَلِكَ الشيخ فحينئذ يجد المكافأة بعده.

стр. 481

بَاب فِي السماع قَالَ اللَّه : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] اللام للام فِي قَوْله: ﴿الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨] تقتضي التعميم والاستغراق والدليل عَلَيْهِ أَنَّهُ مدحهم باتباع الأحسن. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] جاء فِي التفسير أَنَّهُ السماع. واعلم أَن سماع الأشعار بالألحان الطيبة , والنغم المستلذة , إِذَا لَمْ يعتقد المستمع محظورا وَلَمْ يسمع عَلَى مذموم فِي الشرع وَلَمْ ينجر فِي زمام هواه وَلَمْ ينخرط فِي سلك لهوه مباح فِي الجملة ولا خلاف أَن الأشعار أنشدت بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ وأنه سمعها وَلَمْ ينكر عَلَيْهِم فِي إنشادها فَإِذَا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان هَذَا ظاهر من الأمر ثُمَّ مَا يوجب للمستمع توفر الرغبة عَلَى الطاعات وتذكر مَا أعد اللَّه تَعَالَى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله عَلَى التحرز من الزلات ويؤدي إِلَى قلبه فِي الحال صفاء الواردات مستحب فِي الدين ومختار فِي الشرع وَقَدْ جرى عَلَى لفظ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا هُوَ قريب من الشعر وإن لَمْ يقصد أَن يَكُون شعرا. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ حُمَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَحْفُرُونَ الْخَنْدَقَ فَجَعَلُوا، يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا

стр. 482

فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشَ الآخِرَةِ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ. لَيْسَ هَذَا اللفظ منه ﷺ عَلَى وزن شعر لكنه قريب منه وَقَدْ سمع السف والأكابر الأبيات بالألحان فممن قَالَ بإباحته من السلف مَالِك بْن أَنَس وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء وَأَمَّا الحداء فإجماع مِنْهُم على إجازته وَقَدْ وردت الأخبار واستفاضت الآثار فِي ذَلِكَ وَرَوَى عَنِ ابْن جريج أَنَّهُ كَانَ يرخص فِي السماع فقيل لَهُ: إِذَا أتى بك يَوْم الْقِيَامَة ويؤتى بحسناتك وسيئاتك ففي أي الجانبين سماعك. فَقَالَ: لا فِي الحسنات ولا فِي السيئات يَعْنِي أَنَّهُ من المباحات. وَأَمَّا الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لا يحرمه ويجعله فِي العوام مكروها حَتَّى لو احترف بالغناء أَوِ اتصف عَلَى الدوام بسماعه عَلَى وجه التلهي ترد بِهِ الشهادة ويجعله مِمَّا يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات وليس كلامنا فِي هَذَا النوع من السماع فَإِن هذه الطائفة جلت رتبتهم عَن أَن يستمعوا بلهو أَوْ يقعدوا للسماع بسهو أَوْ يكونوا بقلوبهم مفكرين فِي مضمون لغو , أَوْ يستمعون عَلَى صفة غَيْر كفء , وَقَدْ رَوَى عَنِ ابْن عُمَر آثار فِي إباحة السماع , وَكَذَلِكَ عَن عَبْد اللَّهِ ابْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَكَذَلِكَ عَن عُمَر ﵃ أجمعين وَكَذَلِكَ فِي الحداء وغيره وأنشد بَيْنَ يدي النَّبِي ﷺ الأشعار فلم ينه عَنْهَا وَرَوَى أَنَّهُ ﷺ استنشد الأشعار ومن المشهور الظاهر أَنَّهُ دَخَلَ بَيْت عَائِشَة ﵂ وفيه جاريتان حَدَّثَنَا تغنيان , فلم ينههما. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُبَابُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّسْتُرِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْمُرْسَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاذَفَتْ بِهِ

стр. 483

الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَعِيدُنَا هَذَا الْيَوْمَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ , عَنِ الأَجْلَحِ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَنْكَحَتْ ذَاتَ قَرَابَتِهَا مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ: أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ. قَالَ: فَأَرْسَلْتِ مَنْ يُغَنِّي؟ قَالَتْ: لا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ فِيهِمْ غَزَلٌ فَلَوْ أَرْسَلْتُمْ مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا وَحَيَّاكُمْ أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ فَوْرَكٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ خَرْزَاذَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ صَدَقَةَ بِنْتِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَتْ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ , عَنْ زَاذَانَ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُؤَيِّدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا. دل هَذَا الْخَبَر عَلَى فضيلة الصوت الْحَسَن وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَبِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِكُلِّ شَيْءٍ حِيلَةٌ وَحِيلَةُ الْقُرْآنِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكَرِيمِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمٍ. قَالَ حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 484

صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ: صَوْتُ وَيْلٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَصَوْتُ مِزْمَارٍ عِنْدَ نَغَمَةٍ مفهوم الْخَطَّاب يقتضي إباحة غَيْر هَذَا فِي غَيْر هذه الأحوال وإلا بطل التخصيص والأخبار فِي هَذَا الباب تكثر والزيادة عَلَى هَذَا القدر من ذكر الروايات تخرجنا عَنِ المقصود من الاختصار، وَقَدْ رَوَى أَن رجلا أنشد بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ . أقبلت فلاح لَهَا ... عارضان كالسيج أدبرت فَقُلْتُ لَهَا ... والفؤاد فِي وهج هل عَلَى ويحكما ... إِن عشقت من حرج فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : لا وإن حسن الصوت مِمَّا أنعم اللَّه تَعَالَى بِهِ عَلَى صاحبه من النَّاس، قَالَ اللَّه : ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] قيل فِي التفسير: من ذَلِكَ الصوت الْحَسَن وذم اللَّه سبحانه الصوت الفظيع. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] واستلذاذ القلوب واشتياقها إِلَى الأصوات الطيبة واسترواحها إِلَيْهَا مِمَّا لا يمكن جحوده , فَإِن الطَّفْل يسكن إِلَى الصوت الطيب , والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عَلَيْهِ بالحداء. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وحكى إِسْمَاعِيل بْن علية. قَالَ: كنت أمشي مَعَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وقت الهاجرة فجزنا بموضع يَقُول فِيهِ أحد شَيْئًا، فَقَالَ: مل بنا إِلَيْهِ، ثُمَّ. قَالَ: أيطربك هَذَا؟ فَقُلْتُ: لا، فَقَالَ: مَالِك حسن، وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا أذن اللَّه تَعَالَى لشيء كإذنه لبني يتغنى بالقرآن

стр. 485

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن مَلْحَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ , عَنْ عَقِيلٍ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعَالَى لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . وقيل: إِن دَاوُد ﵇ كَانَ يستمع لقراءته الجن والإنس والطير والوحش إِذَا قرأ الزبور، وَكَانَ يحمل من مجلسه أربع مائة جنازة مِمَّن قَدْ مَات مِمَّن سمعوا قراءته. وَقَالَ: ﷺ لأبي مُوسَى الأشعري: لَقَدْ أعطي مزمارا من مزامير آل دَاوُد. وَقَالَ معاذ لرسول اللَّه ﷺ : لو علمت أنك تسمع لحبرته لَك تحبيرا أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم السجستاني. قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن عَلِي البراج. قَالَ: حكى أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن دَاوُد الدينوري الرقى. قَالَ: كنت فِي البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب وأضافني رجل مِنْهُم فرأيت غلاما أسود مقيدا هناك ورأيت جمالا قَدْ ماتت بفناء الْبَيْت. فَقَالَ لي الغلام: أَنْتَ الليلة ضيف وأنت عَلَى مولاي كريم فتشفع لي فَإِنَّهُ لا يردك، فَقُلْتُ: لصاحب الْبَيْت: لا آكل طعامك حَتَّى تحل هَذَا العبد. فَقَالَ هَذَا الغلام: قَدْ أفقرني وأتلف مالي، فَقُلْتُ: فَمَا فعل؟ فَقَالَ لَهُ صوت طيب وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال فحملها أحمالا ثقيلة وحدا لَهَا حَتَّى قطعت مسيرة ثلاثة أَيَّام فِي يَوْم واحد، فلما حط عَنْهَا ماتت كلها ولكن قَدْ وهبته لَك وحل عَنْهُ القيد، فلما أصبحنا أحببت أَن أسمع صوته فسألته ذَلِكَ فأمر الغلام أَن يحدو

стр. 486

عَلَى جمل كَانَ عَلَى بئر هناك يستقى عَلَيْهِ، فحد الغلام فهام الجمل عَلَى وجه وقطع حباله وَلَمْ أظن أني سمعت صوتا أطيب منه، فوقعت لوجهي حَتَّى أشار إِلَيْهِ بالسكوت. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول وَقَدْ سئل: مَا بال الإِنْسَان يَكُون هادئا فَإِذَا سمع السماع اضطرب؟ فَقَالَ: إِن اللَّه تَعَالَى لما خاطب الذر فِي الميثاق الأَوَّل بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] استفرغت عذوبة سماع الْكَلام الأرواح، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذَلِكَ. سمعت الأستاذ ابا الدقاق , يَقُول: السماع حرام عَلَى العوام لبقاء نفوسهم مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم مستحب لأَصْحَابنا لحياة قلوبهم. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر الصوفي يَقُول: سمعت الوجيهي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: كَانَ الْحَارِث بْن أسد المحاسبي يَقُول: ثَلاث إِذَا وجدن متع بهن وَقَدْ فقدناها: حسن الوجه مَعَ الصيانة، وحسن الصوت مَعَ الديانة، وحسن الإخاء مَعَ الوفاء. وسئل ذو النون الْمِصْرِي عَنِ الصوت الْحَسَن. فَقَالَ: مخاطبات وإشارات أودعها اللَّه تَعَالَى كُل طيب وطيبة. وسئل مرة أُخْرَى عَنِ السماع. فَقَالَ: وارد حَتَّى يزعج القلوب إِلَى الحق، فمن أصغى إِلَيْهِ بحق تحقق، ومن أصغى إِلَيْهِ بنفس تزندق. وحكى جَعْفَر بْن نصير عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: تنزل الرحمة عَلَى الفقراء فِي ثلاثة مواطن: عِنْدَ السماع، فإنهم لا يَسْمَعُونَ إلا عَن حق ولا يقولون إلا عَن وجد، وعند أكل الطعام، فإنهم لا يأكلون إلا عَن فاقة , وعند مجاراة العلم , فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن ممشاد الدينوري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه.

стр. 487

وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: السماع يحتاج إِلَى ثلاثة أشياء: الزَّمَان والمكان والإخوان. وسئل الشبلي عَنِ السماع. فَقَالَ: ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فن عرف الإشارة حل لَهُ استماع العبرة، وإلا فَقَد استدعى الْفِتْنَة وتعرض للبلية. وقيل: لا يصلح السماع إلا لمن كانت لَهُ نفس ميتة وقلب حي فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور الموافقة. وسئل أَبُو يعقوب النهرجوري عَنِ السماع فَقَالَ: حال يبدي الرجوع إِلَى الأسرار من حيث الاختراق. وقيل: السماع لطف عِنْدَ الأرواح لأهل المعرفة سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: السماع طبع إلا عَن شرع وخرق إلا عَن حق وفتنة إلا عَن عبرة، ويقال: السماع عَلَى قسمين: سماع بشرط العلم والصحو فمن شرط صاحبه معرفة الأسامي والصفات وإلا وقع فِي الكفر المحض، وسماع بشرط الحال فمن شرط صاحبه الفناء عَن أحوال البشرية والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة، وحكى عَن أَحْمَد بْن أَبِي الحوري أَنَّهُ قَالَ: سألت أبا سُلَيْمَان عَنِ السماع. فَقَالَ: من اثنين أحب إلي من الْوَاحِد، وسئل أَبُو الْحَسَنِ النوري عَنِ الصوفي فَقَالَ: من سمع السماع وآثر الأسباب. وسئل أَبُو عَلِي الروذباري عَنِ السماع يوما. فَقَالَ: ليتنا تخلصنا منه رأسا برأس. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: سمعت من ادعى السماع وَلَمْ يسمع صوت الطيور وصرير الباب وتصفيق الرياح فَهُوَ فَقِير مدع. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول: سمعت أبا الطيب أَحْمَد بْن مقاتل العكي يَقُول: قَالَ جَعْفَر: كَانَ ابْن زيري من أَصْحَاب الجنيد شيخا فاضلا فربما كَانَ يحضر موضع سماع فَإِن استطابه فرش إزاره وجلس، وَقَالَ الصوفي: مَعَ قلبه وإن لَمْ يستطبه، قَالَ، السماع لأرباب القلوب ومر وأخذ نعله.

стр. 488

سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد المجيد الصوفي يَقُول: سئل رويم عَن وجود الصوفية عِنْدَ السماع. فَقَالَ: يشهدون المعاني الَّتِي تعزب عَن غيرهم فتشير إليهم إِلَى إلي فيتنعمون بِذَلِكَ من الفرح ثُمَّ يقطع الحجاب فيعود ذَلِكَ الفرح بكاء فمنهم من يخرق ثيابه وَمِنْهُم من يصيح وَمِنْهُم من يبكي كُل إِنْسَان عَلَى قدره سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت الحصري يَقُول فِي بَعْض كلامه: إيش أعمل بسماع ينقطع إِذَا انقطع من يسمع منه ينبغي أَن يَكُون سماعك متصلا غَيْر منقطع قَالَ: وَقَالَ الحصري: ينبغي أَن يَكُون ظمأ دائم وشرب دائم فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه. وجاء عَن مجاهد فِي تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أَنَّهُ السماع من الحور العين بأصوات شهية نحن الخالدات فلا نموت أبدا، نحن الناعمات فلا نبؤس أبدا. وقيل: السماع نداء والوجد قصد سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: قلوب أهل الحق قلوب حاضرة وأسماعهم أسماع مفتوحة. وسمعته يَقُول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يَقُول: المستمع بَيْنَ استتار وتجل، فالاستتار يوجب التلهيب والتجلي يورث الترويح , والاستتار يتولد منه حركات المريدين , وَهُوَ محل الضعف والعجز والتجلي يتولد منه سكون الواصلين وَهُوَ محل الاستقامة والتمكين , وَذَلِكَ صفة الحضرة وليس فِيهَا إلا الذبول تَحْتَ موارد الهيبة. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩] .

стр. 489

وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري: السماع عَلَى ثلاثة أوجه: فوجه منها للمريدين، والمبتدئين يستدعون بِذَلِكَ الأحوال الشريفة وتخشى عَلَيْهِم فِي ذَلِكَ الْفِتْنَة والمرآت، وَالثَّانِي للصادقين يطلبون الزيادة فِي أحوالهم ويستمعون من ذَلِكَ مَا يوافق أوقاتهم، والثالث لأهل الاستقامة من العارفين فهؤلاء لا يختارون عَلَى اللَّه تَعَالَى فيما يرد عَلَى قلوبهم من الحركة والسكون. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت أبا الفرج الشيرازي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: قَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: من ادعى أَنَّهُ مغلوب عِنْدَ الفهم يعنى فِي السماع وأن الحركات مالكة فعلامته تحسين المجلس الَّذِي هُوَ فِيهِ بوجده، قَالَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: فذكرت هذه الحكاية لأبي عُثْمَان المغربي فَقَالَ: أدناه وعلامته الصحيحة أَن لا يبقى فِي المجلس محقق إلا أَنَس بِهِ ولا يبقى فِيهِ مبطل إلا استوحش منه، وَقَالَ بندار بْن الْحُسَيْن: السماع عَلَى ثلاثة أوجه: مِنْهُم من يسمع بالطبع، وَمِنْهُم من يسمع بالحال، وَمِنْهُم من يسمع بالحق، فالذي يسمع بالطبع يشترك فِيهِ الخاص والعام، فَإِن جبلة البشرية استلذاذ الصوت الطيب، والذي يسمع بالحال فَهُوَ يتأمل مَا يرد عَلَيْهِ من ذكر عتاب أَوْ خطاب , أَوْ وصل , أَوْ هجر , أَوْ قرب , أَوْ بَعْد , أَوْ تأسف عَلَى فائت , أَن تعطش إِلَى آت , أَوْ وفاء بعهد , أَوْ تصديق لوعد , أَوْ نقض لعهد , أَوْ ذكر قلق , أَوِ اشتياق , أَوْ خوف فراق , أَوْ فرح وصال , أَوْ حذر انفصال , أَوْ مَا جرى مجراه. وَأَمَّا من يسمع بحق فيسمع بالله تَعَالَى , وَلِلَّهِ ولا يتصف بِهَذِهِ الأحوال الَّتِي هِيَ ممزوجة بالحظوظ البشرية فإنها مبقاة مَعَ العلل، فيسمعون من حيث صفاء التوحيد بحق لا بحظ. وقيل: أهل السماع عَلَى ثَلاث طبقات: أبناء الحقائق يَرْجِعُونَ فِي سماعهم إِلَى مخاطبة الحق سبحانه لَهُمْ، وضرب يخاطبون اللَّه تَعَالَى بقلوبهم بمعاني مَا يَسْمَعُونَ، فَهُمْ مطالبون بالصدق

стр. 490

فيما يشيرون بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى، وثالث هُوَ فَقِير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات يَسْمَعُونَ بطيبة قلوبهم وَهَؤُلاءِ أقربهم إِلَى السلامة. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: وَقَدْ سئل عَنِ السماع. فَقَالَ: مكاشفة الأسرار إِلَى مشاهدة المحبوب، وَقَالَ الخواص: وَقَدْ سئل مَا بال الإِنْسَان يتحرك عِنْدَ سماع غَيْر الْقُرْآن ولا يجد ذَلِكَ فِي سماع الْقُرْآن؟ . فَقَالَ: لأن سماع الْقُرْآن صدمة لا يمكن لأحد أَن يتحرك فِيهِ لشدة غلبته وسماع القول ترويح فيتحرك فِيهِ. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الرازي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: إذ رأيت المريد يحب السماع فاعلم أَن فِيهِ بقية من البطالة. وسمعته يَقُول: سمعت عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ البغدادي يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الرملي يَقُول: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: السماع علم استأثر اللَّه تَعَالَى بِهِ لا يعلمه إلا هُوَ. وحكى أَحْمَد بْن مقاتل العكي. قَالَ: لما دَخَلَ ذو النون الْمِصْرِي بغداد اجتمع إِلَيْهِ الصوفية ومعهم قوال فاستأذنوه أَن يَقُول بَيْنَ يديه شَيْئًا فأذن فابتداء يَقُول: صغير هواك عذبني فكيف بِهِ إِذَا احتنكا وأنت جمعت من قلبي هوى قَدْ كَانَ مشتركا أما ترثي لمكتئب إِذَا ضحك الخلى بكى قَالَ: فقام ذو النون وسقط عَلَى وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط عَلَى الأَرْض، ثُمَّ قام رجل من الْقَوْم يتواجد. فَقَالَ لَهُ ذو النون: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] فجلس الرجل. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي هذه الحكاية: كَانَ ذو النون صاحب إشراف عَلَى ذَلِكَ الرجل حيث نهبه أَن ذَلِكَ لَيْسَ مقامه وَكَانَ ذَلِكَ الرجل صاحب إنصاف حيث قبل ذَلِكَ منه فرجع وقعد. سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الصوفي يَقُول: سعت الرقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول: كَانَ بالمغرب شيخان لهما أصحاب وتلامذة يقال لأحدهما: جبلة وللثاني: رزيق فزار رزيق يوما جبلة فِي أَصْحَابه فقرأ رجل من أَصْحَاب رزيق شَيْئًا , فصاح واحد من أَصْحَاب جبلة وَمَاتَ , فلما أصبحوا. قَالَ جبلة لرزيق:

стр. 491

أين الَّذِي قرأ بالأمس؟ فليقرأ , فقرأ آية فصاح جبلة صيحة فمات القارئ. فَقَالَ جبلة: واحد بواحد والبادي أظلم. وسئل إِبْرَاهِيم المارستاني عَنِ الحركة عِنْدَ السماع؟ فَقَالَ: بلغني أَن مُوسَى ﵇ قص فِي بَنِي إسرائيل فمزق واحد مِنْهُم قميصه فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ قل لَهُ: مزق لي قلبك ولا تمزق ثيابك. وسأل أَبُو عَلِي المغازلي الشبلي. فَقَالَ: رُبَّمَا يطرق سمعي آية من كتاب اللَّه فتجدوني عَلَى ترك الأشياء والإعراض عَنِ الدنيا، ثُمَّ أرجع إِلَى أحوالي وإلى النَّاس، فَقَالَ الشبلي: مَا اجتذبك إِلَيْهِ فَهُوَ عطف منه عليك ولطف، وَمَا رددت إِلَى نفسك فَهُوَ شفقة منه عليك، لأنه لَمْ يصح لَك التبري من الحول والقوة فِي التوجه إِلَيْهِ. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مقاتل العكي يَقُول: كنت مَعَ الشبلي فِي مَسْجِد ليلة من شَهْر رمضان وَهُوَ يصلي خلف إمام لَهُ وأنا بجنبه فقرأ الإِمَام: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] فزعق زعقة قُلْت: طارت روحه وَهُوَ يرتعد وَيَقُول: بمثل هَذَا يخاطب الأحباب يردد ذَلِكَ كثيرا. وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: دخلت عَلَى السرى يوما فرأيته عنده رجلا مغشيا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ فَقَالَ: سمع آية من كتاب اللَّه تَعَالَى، فَقُلْتُ: تقرأ عَلَيْهِ ثانيا فقرأ فأفاق، فَقَالَ لي: من أين علمت هَذَا؟ فَقُلْتُ: إِن قميص يُوسُف ذهب بسببه عين يعقوب ﵉ ثُمَّ بِهِ عاد بصره فاستحسن مني ذَلِكَ. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن علوان يَقُول: كَانَ شاب يصحب الجنيد فكان إِذَا سمع شَيْئًا من الذكر يزعق، فَقَالَ: لَهُ الجنيد يوما: إِن فعلت ذاك مرة أُخْرَى لَمْ تصحبني فكان إِذَا سمع شَيْئًا يتغير ويضبط نَفْسه حَتَّى كَانَ يقطر كُل شعرة من بدنه بقطرة، فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت نَفْسه. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: حكى لي بَعْض إخواني عَن أَبِي الْحُسَيْن الدراج. قَالَ: قصدت يُوسُف بْن الْحُسَيْن الرازي من بغداد فلما دخلت

стр. 492

الري سألت عَن منزله فَكُل من أسأل منه يَقُول لي: إيش تفعل بِذَلِكَ الزنديق؟ فضيقوا صدري حَتَّى عزمت عَلَى الانصراف فبت تلك الليلة فِي مسجد ثُمَّ قُلْت جئت هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عَنْهُ حَتَّى دفعت إِلَى مسجده وَهُوَ قاعد فِي المحراب وبين يديه رجل وعليه مصحف فِيهِ يقرأ وإذا هُوَ شيخ بهي حسن الوجه واللحية، فدنوت منه وسلمت عَلَيْهِ فرد السَّلام، وَقَالَ: من أين؟ فَقُلْتُ: من بغداد قصدت زيارة الشيخ. فَقَالَ: لو أَن فِي بَعْض البلدان. قَالَ: لَك إِنْسَان أقم عندي حَتَّى أشتري لَك دارا أَوْ جارية أكان يمنعك عَن زيارتي؟ فَقُلْتُ: يا سيدي مَا امتحنني اللَّه تَعَالَى بشيء من ذَلِكَ ولو كَانَ لا أدري كَيْفَ كنت أكون، فَقَالَ: تحسن أَن تقول شَيْئًا فَقُلْتُ: نعم وقلت: رأيتك تبني دائبا فِي قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت مَا تبني فأطبق المصحف وَلَمْ يزل يبكي حَتَّى ابتلت لحيته وثوبه حَتَّى رحمته من كثرة بكائه ثُمَّ قَالَ لي: يا بَنِي لا تلم أهل الري عَلَى قولهم يُوسُف بْن الْحُسَيْن زنديق ومن وقت الصلاة هُوَ ذا أقرأ الْقُرْآن فلم تقطر من عيني قطرة وَقَدْ قامت عَلَى الْقِيَامَة بِهَذَا الْبَيْت. سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الطوسي يَقُول: سمعت الرقي يَقُول: سمعت الدراج يَقُول: كنت أنا وابن القوطي مارين عَلَى الدجلة بَيْنَ البصرة والأبلة وإذا نحن بقصر حسن لَهُ منظر وعليه رجل وبين يديه جارية تغني وتقول: فِي سبيل اللَّه ود كَانَ مني لَك يبذل كُل يَوْم تتلون غَيْر هَذَا بك أجمل وإذا شاب تَحْتَ المنظرة بيده ركوة وعليه مرقعة بسمع. فَقَالَ: يا جارية بحياة مولاك أعيدي: كُل يَوْم تتلون غَيْر هَذَا بك أجمل فَقَالَ الشاب: قولي فأعادت، فَقَالَ: الفقير هَذَا والله تلوني مَعَ الحق وشهق شهقة خرجت روحه. فَقَالَ صاحب القصر للجارية: أَنْتَ حرة لوجه اللَّه تَعَالَى، وخرج أهل البصرة وفرغوا من دفنه والصلاة عَلَيْهِ فقام صاحب القصر. وَقَالَ: أليس تعرفوني؟ أشهدكم أَن كُل شَيْء لي فِي سبيل اللَّه وكل مماليكي أحرار ثُمَّ أتزر بإزار وارتدى برداء وتصدق بالقصر ومر فلم يرد لَهُ بَعْد ذَلِكَ وجه ولا سمع لَهُ أثر.

стр. 493

سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن الرضا العلوي. قَالَ: سمع أَبُو سلمان الدمشقي طوافا ينادي: يا سعتر برى فسقط مغشيا عَلَيْهِ فلما أفاق سئل. فَقَالَ: حسبته يَقُول: اسع تر برى: وسمع عتبة الغلام رجلا يَقُول: سبحان رب السماء إِن المحب لفي عناء، فَقَالَ عتبة: صدقت. وسمع رجل آخر ذَلِكَ القول. فَقَالَ: كذبت فَكُل واحد سمع من حيث هُوَ. سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن عَلِي بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت رويما وَقَدْ سئل عَنِ المشايخ الَّذِينَ لقيهم فِي السماع. فَقَالَ: كالقطيع إِذَا وقع فِيهِ الذئب. وحكى عَن أَبِي سَعِيد الخراز قَالَ: رأيت عَلِي بْن الموفق فِي السماع يَقُول: أقيموني فأقاموه فقام وتواجد ثُمَّ قَالَ: أنا الشيخ الزفان، وقيل: قام الرقي ليلة إِلَى الصباح يقوم ويسقط عَلَى هَذَا الْبَيْت والناس قيام يبكون والبيت: بالله فاردد فؤاد مكتئب ... لَيْسَ لَهُ من حبيبه خلف سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الصوفي يَقُول: سمعت عَلِي بْن الْحُسَيْن بْن حمد بْن أَحْمَد بالبصرة يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: خدمت سهل بْن عَبْد اللَّهِ سنين كثيرة فَمَا رأيته تغير عِنْدَ سماع شَيْء كَانَ يسمعه من الذكر وَالْقُرْآن وغيره، فلما كَانَ فِي آخر عمره قرئ ببين يديه ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] رأيته تغير وارتعد وكاد يسقط، فلما رجع إِلَى حال صحوه سألته عَن ذَلِكَ. فَقَالَ: يا حبيبي ضعفنا. وحكى ابْن سالم. قَالَ: رأيته مرة أُخْرَى قرئ بَيْنَ يدينه ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]

стр. 494

فتغير وكاد يسقط , فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ. : ضعفت وَهَذَهِ صفة الأكابر لا يرد عَلَيْهِ وارد وإن كَانَ قويا إلا وَهُوَ أقوى منه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: دخلت عَلَى أَبِي عُثْمَان المغربي وواحد يستقى الماء من البئر عَلَى بكرة، فَقَالَ: يا أبا عَبْد الرَّحْمَنِ أتدري إيش تقول البكرة؟ فَقُلْتُ: لا، فَقَالَ: تقول: اللَّه اللَّه. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ طَاهِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رُوَيْمًا يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ نَاقُوسٍ. فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذَا؟» قَالُوا: لا، قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ حَقًّا حَقًّا إِنَّ الْمَوْلَى حَمْدٌ يَبْقَى سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي الكرخي الوجيهي يَقُول: كَانَ جَمَاعَة من الصوفية مستجمعين فِي بَيْت الْحَسَن القزاز ومعهم قوالون يقولون ويتواجدون فأشرف عَلَيْهِم ممشاد الدينوري فسكتوا. فَقَالَ: ارجعوا إِلَى مَا كنتم فِيهِ فلو جمع ملاهي الدنيا فِي أذني مَا شغل همي ولا شفي بَعْض مَا بي، وبهذا الإسناد عَنِ الوجيهي. قَالَ: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: بلغنا فِي هَذَا الأمر إِلَى مكان مثل حد السَيْف إِن ملنا كَذَا ففي النار. وَقَالَ خير النساج: قص مُوسَى بْن عمران صلوات اللَّه عَلَيْهِ عَلَى قوم قصة فزعق واحد مِنْهُم فانتهره مُوسَى فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: يا مُوسَى بطيبي فاحوا وبحبي باحوا وبوجدي صاحوا فلم تنكر عَلَى عبادي؟ وقيل: سمع الشبلي قائلا يَقُول: الخيار عشرة بدانق، فصاح. وَقَالَ: إِذَا كَانَ الخيار عشرة بدانق فكيف الشرار وقيل: إِذَا تغنت الحوار العين فِي الْجَنَّة ترددت الأشجار. وقيل: كَانَ عون بْن عَبْد اللَّهِ يأمر جارية لَهُ حسنة الصوت فتغني بصوت حزين حَتَّى تبكي الْقَوْم. وسئل أَبُو سُلَيْمَان الداراني عَنِ السماع. فَقَالَ: كُل قلب يريد الصوت الْحَسَن فَهُوَ ضعيف

стр. 495

يداوى كَمَا يداوى الصَّبِي إِذَا أريد أَن ينام، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: إِن الصوت الْحَسَن لا يدخل فِي القلب شَيْئًا إِنَّمَا يحرك من القلب مَا فِيهِ. قَالَ ابْن أَبِي الحواري: صدق اللَّه وأبوه سُلَيْمَان: وَقَالَ الجريري: كونوا ربانيين أي سماعين من اللَّه قائلين بالله تَعَالَى. وسئل بَعْضهم عَنِ السماع. فَقَالَ: بروق تلمع ثُمَّ تخفى، وأنوار تبدو ثُمَّ تخفي مَا أحلاها لو بقيت مَعَ صاحبها طرفة عين ثُمَّ أنشأ يَقُول: خطرة فِي السر منه خطرت خطرة البرق ابتدي ثُمَّ اضمحل أي زور لَك لو قصدا سرى ومسلم بك لو حقا فعل وقيل السماع فِيهِ نصيب لكل عضو فَمَا يقع إِلَى العين تبكي وَمَا يقع إِلَى اللسان يصيح، وَمَا يقع عَلَى اليد تمزق الثياب وتلطم، وَمَا يقع إِلَى الرجل ترقص. وقيل: مَات بَعْض ملوك العجم وخلف ابنا صغيرا فأردوا أَن يبايعوه فَقَالُوا: كَيْفَ نصل إِلَى عقله وذكائه ثُمَّ توافقوا عَلَى أَن يأتوا بقوال يَقُول شَيْئًا فَإِن أَحْسَن الإصغاء علموا كياسته فأتوا بقوال , فلما قَالَ القوال شَيْئًا ضحك الرضيع فقبلوا الأَرْض بَيْنَ يديه وبايعوه. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: اجتمع أَبُو عَمْرو بْن نجيد والنصراباذي والطبقة فِي موضع، فَقَالَ النصراباذي: أنا أقول: إِذَا اجتمع الْقَوْم فواحد يَقُول شَيْئًا ويسكت الباقون خير من أَن يغتابوا أحدا. فَقَالَ أَبُو عَمْرو: لأن تغتاب ثلاثين سنة أنجى لَك من أَن تظهر فِي السماع مَا لست بِهِ. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: النَّاس فِي السماع ثلاثة: متسمع ومستمع وسامع، فالمتسمع يسمع بوقت، والمستمع يسمع بحال، والسامع يسمع بالحق. وسألت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى غَيْر مرة شبه طلب رخصة فِي السماع وَكَانَ يحيلني عَلَى مَا يوجب الإمساك عَنْهُ ثُمَّ بَعْد طول المعاودة. قَالَ: إِن المشايخ قَالُوا مَا جمع قلبك إِلَى اللَّه فلا بأس بِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ:
следующие страницы →