Полный текст (562 стр.). Показаны 526–562 · переход к 531.
стр. 526
صحبني شاب حسن الإرادة فمات فاشتغل قلبي بِهِ جدا وتوليت غسله فلما أردت غسل يديه بدأت بشماله من الدهشة فأخذها مني وناولني يمينه فَقُلْتُ: صدقت يابني أنا غلطت.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا النجم الْمُقْرِي البردعي بشيراز يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مَنْصُور يَقُول: سمعت أبا يعقوب السوسي يَقُول: جاءني مريد بمكة.
فَقَالَ: يا أستاذ أنا غدا أموت وقت الظهر فخذ هَذَا الدينار فاحفر لي بنصفه وكفني بنصفه الآخر ثُمَّ لما كَانَ الغد جاء وطاف بالبيت ثُمَّ تباعد وَمَاتَ فغسلته وكفنته ووضعته فِي اللحد ففتح عينيه فَقُلْتُ: أحياة بَعْد موت؟ .
أنا حي وكل محب لِلَّهِ حي.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: سمعت أبا عَلِي بْن وصيف المؤدب يَقُول تكلم سهل بْن عَبْد اللَّهِ يوما فِي الذكر.
فَقَالَ: إِن الذكر لِلَّهِ عَلَى الحقيقة لو هُمْ أَن يَحْيَي الموتى لفعل ومسح يده عَلَى عليل بَيْنَ يديه فبرئ وقام.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: أخبرني عَلِي بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد.
قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَحْمَد.
قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عُمَر.
قَالَ: سمعت بشر بْن الْحَارِث يَقُول: كَانَ عَمْرو بْن عتبة يصلي والغمام فَوْقَ رأسه والسباع حوله تحرك أذنابها.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن مفلج يَقُول: سمعت المغازلي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول كانت معي أربعة دراهم فدخلت عَلَى السرى وقلت هذه أربعة دراهم حملتها إليك.
فَقَالَ: أبشر يا غلام بأنك تفلح كنت أحتاج إِلَى أربعة دراهم فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ ابعثها عَلَى يد من يفلح عندك وسمعته يَقُول: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد الطبري.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَي.
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي.
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيم اليماني.
قَالَ خرجنا نسير عَلَى ساحل البحر مَعَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم فانتهينا إِلَى غيضة فِيهَا حطب
стр. 527
يابس كثير وبالقرب منه حصن فقلنا لإبراهيم بْن أدهم لو أقمنا الليلة هنا وأوقدنا من هَذَا الحطب.
فَقَالَ: افعلوا فطلبنا النار من الحصن فأوقدنا وَكَانَ معنا الخبز فأخبجنا نأكل.
فَقَالَ واحد منا: مَا أَحْسَن هَذَا الجمر لو كَانَ لنا لحم نشويه عَلَيْهِ.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم: إِن اللَّه تَعَالَى لقادر عَلَى أَن يطعمكموه.
قَالَ فبينا نحن كَذَلِكَ إِذَا بأسد يطرد أيلا فلما قرب منا وقع فاندقت عنقه فقام إِبْرَاهِيم بْن أدهم وَقَالَ: اذبحوه فَقَدْ أطعمكم اللَّه فذبحناه وشوينا من لحمه وأسد واقف ينظر إلينا.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا القاسم عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الشجري يَقُول: سمعت حامدا الأسود يَقُول: كنت مَعَ إِبْرَاهِيم الحواص فِي البادية سبعة أَيَّام عَلَى حالة واحدة، فلما كَانَ السابع ضعفت فجلست فالتفت إلي وَقَالَ: مَالِك؟ فَقُلْتُ: ضعفت.
فَقَالَ: أيما أغلب عليك الماء أَوِ الطعام؟ فَقُلْتُ: الماء.
فَقَالَ: الماء وراءك فالتفت فَإِذَا عين ماء كاللبن الحليب فشربت وتطهرت وإبراهيم ينظر وَلَمْ يقربه.
فلما أردت القيام هممت أَن أحمل منه.
فَقَالَ: أمسك فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يتزود منه.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الدباس البغدادي يَقُول: سمعت فاطمة أخت أَبِي عَلِي الروذباري تقول سمعت زيتونة خادمة أَبِي الْحُسَيْن النوري وكانت تخدمه، وخدمت أبا حمزة والجنيد قَالَتْ: كَانَ يَوْم بارد فَقُلْتُ للنوري: أحمل إليك شَيْئًا؟ فَقَالَ: نعم، فَقُلْتُ: إيش تريد؟ .
قَالَ خبز ولبن فحملت وَكَانَ بَيْنَ يديه فحم وَكَانَ يقلبها بيده وَقَد اشتعلت فأخذ يأكل الخبز واللبن يسيل عَلَى يده وعليها سواد الفحم فَقُلْتُ: فِي نفسي: مَا أقذر أولياءك يا رب مَا فيهم أحد قَالَ فخرجت من عنده فتعلقت بي امْرَأَة وَقَالَتْ: سرقت لي رزمة ثياب وجروني إِلَى الشرطي فأخبر النوري بِذَلِكَ فخرج وَقَالَ للشرطي لا تتعرضوا لَهَا فإنها ولية من أولياء اللَّه تَعَالَى.
فَقَالَ الشرطي: كَيْفَ أصنع والمرأة تدعي.
стр. 528
قَالَ: فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة فاسترد النوري المرأة.
وَقَالَ لَهَا لا تقولين بعدها: مَا أقذر أولياءك، قَالَتْ فَقُلْتُ: تبت إِلَى اللَّه تَعَالَى.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فارس الفارسي يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن خيرا النساج يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: عطشت فِي بَعْض أسفاري وسقطت من العطش فَإِذَا أنا بماء رش عَلَى وجهي ففتحت عيني فَإِذَا برجل حسن الوجه راكب دابة شهباء فسقاني الماء.
وَقَالَ كن رديفي وكنت بالحجارة فَمَا لبث إلا يسيرا.
فَقَالَ لي: ترى فَقُلْتُ: أرى الْمَدِينَة.
فَقَالَ: انزل وأقرئ رَسُول اللَّهِ ﷺ مني السَّلام وقل: أخوك الخضر يقرئك السَّلام.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: قَالَ أَبُو الحديد سمعت المظفر الجصاص يَقُول: كنت أنا ونصر الخراط ليلة فِي موضع فتذكرنا شَيْئًا من العلم.
فَقَالَ الخراط: إِن الذاكر لِلَّهِ تَعَالَى فائدته فِي أول ذكره أَن يعلم أَن اللَّه تَعَالَى ذكره فبذكر اللَّه تَعَالَى ذكره.
قَالَ فخالفته.
فَقَالَ: لو كَانَ الخضر ﵇ ههنا لشهد بصحته.
قَالَ فَإِذَا نحن بشيخ يجئ بَيْنَ السماء وَالأَرْض حَتَّى بلغ إلينا وسلم.
وَقَالَ صدق الذاكر لِلَّهِ تَعَالَى بفضل ذكر اللَّه تَعَالَى لَهُ ذكره فعلمنا أَنَّهُ الخضر ﵇.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: جاء رجل إِلَى سهل بْن عَبْد اللَّهِ.
وَقَالَ: إِن النَّاس يقولون إنك تمشي عَلَى الماء.
فَقَالَ: سل المؤذن المحلة فَإِنَّهُ رجل صَالِح لا يكذب قَالَ.
فسألته: فَقَالَ المؤذن لا أدري هَذَا ولكنه كَانَ فِي بَعْض هذه الأيام نزل الحوض ليتطهر فوقع فِي الماء فلو لَمْ أكن أنا لبقي فِيهِ.
قَالَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق: إِن سهلا كَانَ بتلك الحالة الَّتِي وصف، ولكن اللَّه تَعَالَى يريد أَن يستر أولياءه فأجرى مَا وقع من حَدِيث المؤذن والحوض سترا لحال سهل وسهل كَانَ صاحب الكرامات، وَفِي قريب من هَذَا المعنى مَا حكى عَن أَبِي عُثْمَان المغربي.
قَالَ رأيته بخط أَبِي الْحُسَيْن الْجُرْجَانِيّ.
قَالَ أردت مرة أَن أمضي إِلَى مصر فخطر لي أَن أركب
стр. 529
السفينة ثُمَّ خطر ببالي أني أعرف هناك فخفت الشهرة فمر مركب فبدا لي فمشيت عَلَى الماء ولحقت بالمركب ودخلت السفنية والناس ينظرون وَلَمْ يقل أحدا إِن هَذَا ناقض للعادة أَوْ غَيْر ناقض فعرفت أَن الولي مستور وإن كَانَ مشهورا.
ومما شاهدنا من أحواله الأستاذ أَبِي عَلِيّ الدقاق ﵁ معاينة أَنَّهُ كَانَ بِهِ علة حرقة البول وَكَانَ يقوم فِي ساعة غَيْر مرة حَتَّى كَانَ يجدد الوضوء غَيْر مرة لركعتي فرض وَكَانَ يحمل مَعَهُ قارورة فِي طريق المجلس وربما كَانَ يحتاج إِلَيْهَا فِي الطريق مرات ذاهبا وجائيا وَكَانَ إِذَا قعد عَلَى رأس الكرسي يتكلم لا يحتاج إِلَى الطهارة ولو وَلَم امتد بِهِ المجلس زمانا طويلا وكنا نعاين ذَلِكَ منه سنين وَلَمْ يقع لنا فِي حياته أَن هَذَا شَيْء نقاض لعادته وإنما وقع لي هَذَا وفتح عَلِي علمه بَعْد وفاته.
فِي قريب من هَذَا مَا يحكي عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أصابته زمانه فِي آخر عمره وَكَانَ ترد عَلَيْهِ القوة فِي أوقات الفرض فيصلي قائما ومن المشهور أَن عَبْد اللَّهِ الوزان كَانَ مقعدا وَكَانَ فِي السماع إِذَا ظهر بِهِ وجد يقوم ويستمع.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد المالكي.
قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُف بْن أَحْمَد البغدادي.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري.
قَالَ حججت أنا وأبو سُلَيْمَان الداراني فبينا نحن نسير إِذَا سقطت السطحية مني فَقُلْتُ: لأبي سُلَيْمَان فقدت السطحية وبقينا بلا ماء وَكَانَ برد شديد.
فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يا راد الضالة ويا هاديا من الضلالة اردد عَلَيْنَا الضالة فَإِذَا واحد ينادى من ذهبت لَهُ سطيحة.
قَالَ: فَقُلْتُ أنا فأخذتها فبينا نحن نسير وَقَدْ تدرعنا بالفراء لشدة البرد فَإِذَا نحن بإِنْسَان عَلَيْهِ طمران وَهُوَ يترشح عرقا.
فَقَالَ: أَبُو سُلَيْمَان تعال ندفع إليك شَيْئًا مِمَّا عَلَيْنَا من الثياب.
فَقَالَ: يا أبا سُلَيْمَان أتشير إلي بالزهد وأنت تجد البرد أنا أسيح فِي هذه البرية منذ ثلاثين سنة وَمَا انتفضت ولا ارتعدت يلبسني اللَّه فِي البرد فيحا من محبته ويلبسني فِي الصيف مذاق برد محبته ومر.
стр. 530
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَلِي التكريتي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي الكتاني بمكة يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: كنت فِي البادية مرة فسرت فِي وسط النهار فوصلت إِلَى شجرة وبالقرب منها ماء فنزلت فَإِذَا أنا بسبع عظيم أقبل فاستسلمت فلما قرب مني إِذَا هُوَ يعرج فحمحم وبرك بَيْنَ يدي ووضع يده فِي حجري فنظرت فَإِذَا يده منتفخة فِيهَا قيح ودم فأخذت خشبة وشققت الموضع الَّذِي فِيهِ القيح وشددت عَلَى يده خرقة ومضى فَإِذَا أنا به بَعْد ساعة ومعه شبلان يبصان لي وحملا إلي رغيفا.
وسمعته يَقُول حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِي السائح.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ بْن مطرف.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن العسقلاني.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري.
قَالَ: اشتكى مُحَمَّد بْن السماك فأخذنا ماءه وانطلقنا بِهِ إِلَى الطبيب وَكَانَ نصرانيا فبينا نحن بَيْنَ الحيرة والكوفة استقبلنا رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب.
فَقَالَ لنا: إِلَى أين تريدون فقلنا: نريد فلانا الطبيب نريه ماء ابْن السماك.
فَقَالَ: سبحان اللَّه تستعينون عَلَى ولي اللَّه بعدو اللَّه اضربوا بِهِ الأَرْض وارجعوا إِلَى ابْن السماك وقولوا لَهُ ضع يدك عَلَى موضع الوجع وقل: ﴿وبالحق أنزلنه وبالحق نزل﴾ ثُمَّ غاب عنا فلم نره فرجعنا إِلَى أبن السماك فأخبرناه بِذَلِكَ فوضع يده عَلَى موضع الوجع.
وَقَالَ مَا قَالَ الرجل فعوفي فِي الوقت.
فَقَالَ ذَلِكَ: كَانَ الخضر ﵇.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عمي البسطامي يَقُول كُنَّا قعودا فِي مجلس أَبِي يَزِيد البسطامي.
فَقَالَ: قوما بنا نستقبل وليا من أولياء اللَّه تَعَالَى فقمنا مَعَهُ فلما بلغنا الدرب فَإِذَا إِبْرَاهِيم بْن شيبة الهروي.
فَقَالَ لَهُ أَبُو يَزِيد: وقع فِي خاطري أَن أستقبلك وأشفع لَك إِلَى ربي.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن شيبة لو شفعك فِي جَمِيع الخلق لَمْ يكن بكثير إِنَّمَا هُمْ قطعة طين فتحير أَبُو يَزِيد من جوابه.
قَالَ الأستاذ وكرامة إِبْرَاهِيم فِي استصغار ذَلِكَ أتم من كرامة أَبِي يَزِيد فيما حصل لَهُ من الفراسة وصدق لَهُ من الحالة فِي بَاب الشفاعة.
стр. 531
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول وَقَدْ سَأَلَهُ سالم المغربي عَن أصل توبته.
فَقَالَ: خرجت من مصر إِلَى بَعْض القرى فنمت فِي الطريق ثُمَّ انتبهت وفتحت عيني فَإِذَا أنا بقنبرة عمياء سقطت من شجرة عَلَى الأَرْض فانشقت الأَرْض فخرج منها سكرجتان إحداهما من ذهب والأخرى من فضة وَفِي إحداهما سمسم وَفِي الأخرى ماء ورد فأكلت من هذه وشربت من هذه فَقُلْتُ: حسبي تبت ولزمت الباب إِلَى أَن قبلني وقيل: أصاب عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد فالج فدخل وقت الصلاة واحتاج إِلَى الوضوء.
فَقَالَ: من ههنا فلم يحبه أحد فخاف فوت الوقت.
فَقَالَ: يا رب أحللني من وثاقي حَتَّى أقصي طهارتي ثُمَّ قَالَ: فصح حَتَّى أكمل طارته ثُمَّ عاد إِلَى فراشه وصار كَمَا كَانَ.
وَقَالَ أيوب الجمال: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الديلمي إِذَا نزل منزلا فِي سفر عمد إِلَى حماره.
وَقَالَ فِي أذنه: كنت أريد أَن أشدك فالآن لا أشدك وأرسلك فِي هذه الصحراء لتأكل الكلأ فَإِذَا أردنا الرحيل فتعال فَإِذَا كَانَ وقت الرحيل يأتيه الحمار.
وقيل: زوج أَبُو عَبْد اللَّهِ الديلمي ابنته واحتاج إِلَى مَا يجهزها بِهِ وَكَانَ لَهُ ثوب يخرج بِهِ كُل وقت فيشتري بدينار فخرج لَهُ ثوب.
فَقَالَ لَهُ البياع: إنه يساوي أَكْثَر من دِينَار فلم يزالوا يزيدون فِي ثمنه حَتَّى بلغ مائة دِينَار وَقَالَ النضر بْن شميل: ابتعت إزارا فوجدته قصيرا فسألت ربي تَعَالَى أَن يمغط لي ذراعا ففعل.
قَالَ الأستاذ: أي يمد من مغط القوس وَهُوَ مده.
قَالَ النضر: ولو استزدته لزادني وقيل: كَانَ عامر بْن عَبْد قَيْس سأل أَن يهون عَلَيْهِ طهوره فِي الشتاء فكان يؤتى بِهِ وَلَهُ بخار وسأل ربه أَن ينزع شهوة النِّسَاء من قلبه فكان لا يبالي بهن وسأله أَن يمنع الشَّيْطَان من قلبه وَهُوَ فِي صلاته فلم يجب إِلَيْهِ.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث: دخلت الدار فَإِذَا أنا برجل فَقُلْتُ: من أَنْتَ دخلت داري بغير إذني.
فَقَالَ: أخوك الخضر فَقُلْتُ: ادع اللَّه لي.
فَقَالَ: هون اللَّه عليك طاعته فَقُلْتُ: زدني.
فَقَالَ: وسترها عليك.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص دخلت خربة فِي بَعْض الأسفار فِي طريق مَكَّة بالليل فَإِذَا فِيهَا
стр. 532
سبع عظيم فخفت فهتف بي هاتف أثبت فإنك حولك سبعين ألف ملك يحفظونك , أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الفرج الورثاني.
قَالَ: سمعت أبا الْحَسَن عَلِي بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت جَعْفَر الدبيلي يَقُول: دَخَلَ النوري الماء فجاء لص فأخذ ثيابه ثُمَّ إنه جاء ومعه الثياب وَقَدْ جفت يده.
فَقَالَ النوري: قَدْ رد عَلَيْنَا الثياب فرد عَلَيْهِ يده فعوفي.
وَقَالَ الشبلي: اعتقدت وقتا أَن لا آكل إلا من الحلال فكنت أدور فِي الباري فرأيت شجرة تين فمددت يدي إِلَيْهَا لآكل فنادتني الشجرة: احفظ عليك عقدك لا تأكل مني فإني ليهودي.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف دخلت بغداد قاصدا إِلَى الحج وَفِي رأسي نخوة الصوفية وَلَمْ آكل الخبز أربعين يوما وَلَمْ أدخل عَلَى الجنيد وخرجت وَلَمْ أشرب الماء إِلَى زبالة وكنت عَلَى طهارتي فرأيت ظبيا عَلَى رأس البئر وَهُوَ يشرب وكنت عطشانا فلما دنوت من البئر ولي الظبي وإذا الماء فِي أسفله فمشيت وقلت: يا سيدي مالي محل هَذَا الظبي فسمعت من خلفي جربناك فلم تصبر ارجع وخذ الماء فرجعت فَإِذَا البئر ملأى ماء فملأت ركوتي وكنت أشرب منه وأتطهر إِلَى الْمَدِينَة وَلَمْ ينفد ولما استقيت سمعت هاتفا يَقُول: إِن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل وأنت جئت مَعَ الركوة والحبل فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد عَلِي.
قَالَ: لو صبرت لنبع الماء من تَحْتَ رجلك لو صبرت صبر ساعة.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ السَّهْمِيّ الْجُرْجَانِيّ يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد بْن عدي الحافظ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن حمزة بمصر يَقُول: حَدَّثَنِي عَبْد الْوَهَّاب وَكَانَ من الصالحين.
قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن سَعِيد البصري: بينا أنا أمشي فِي بَعْض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا فالتفت فَإِذَا الجمل قَدْ وقع ميتا ووقع الرجل والقتب فمشيت ثُمَّ التفت فَإِذَا الأعرابي
стр. 533
يَقُول: يا مسبب كُل سبب ويا مولي من طلب رد عَلِي مَا ذهب من جمل يحمل الرحل والقتب وإذ الجمل قائم والرحل والقتب فوقه.
وقيل: إِن شبلا المروزي اشتهي لحما فأخذ بنصف درهم فاستقبلته منه حدأة فِي الطريق فدخل شبل مسجدا ليصلي فلما رجع إِلَى منزله قدمت امرأته إِلَيْهِ لحما.
فَقَالَ: من أين هَذَا؟ فَقَالَتْ: تنازعت حدأتان فسقط هَذَا منهما.
فَقَالَ شبل: الحمد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ ينس شبلا وإن كَانَ شبل كثيرا ينساه أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر الورثاني.
قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن دَاوُد يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن مَعْمَر يَقُول: سمعت ابْن أَبِي عُبَيْد البسري يحدث عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ غزا سنة من السنين فخرج فِي السرية فمات المهر الَّذِي كَانَ تحته وَهُوَ فِي السرية.
فَقَالَ: يا رب أعرناه حَتَّى نرجع إِلَى بسرى يَعْنِي قريته فَإِذَا المهر قائم فلما غزا ورجع إِلَى بسرى.
قَالَ: يا بَنِي خذ السرج عَنِ المهر فَقُلْتُ: إنه عرق فَإِن أخذت السرج داخله الريح.
فَقَالَ: يا بَنِي إنه عارية.
قَالَ: فلما أخذت السرج وقع المهر ميتا وقيل: كَانَ بَعْضهم نباشا فتوفيت امْرَأَة فصلى النَّاس عَلَيْهَا وصلى هَذَا النباش ليعرف القبر فلما جن عَلَيْهِ الليل نبش قبرها فَقَالَتْ: سبحان اللَّه رجل مغفور لَهُ يأخذ كفن امْرَأَة مغفورة.
قَالَ: هبي أنك مغفور لَك فأنا من أين؟ فَقَالَتْ: إِن اللَّه تَعَالَى غفر لي ولجميع من صلى عَلِي وأنت قَدْ صليت عَلَيّ فتركتها ورددت التراب عَلَيْهَا ثُمَّ تاب الرجل وحسنت توبته.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو بْن كامل بمصر يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد نعمان بْن مُوسَى الحيري بالحيرة يَقُول: رأيت ذا النون الْمِصْرِي وَقَدْ تقاتل اثنان أحدهما من أولياء السلطان والآخر من الرعية فعدا الَّذِي من الرعية عَلَيْهِ فكسر ثنيته فتعلق الجندي بالرجل.
وَقَالَ: بيني وبينك الأمير فجاوزوا بذي النون.
فَقَالَ لَهُم النَّاس: اصعدوا إِلَى الشيخ فصعدوا إِلَيْهِ فعرفوه مَا جرى فأخذ السن ثُمَّ بلها بريقه وردها إِلَى فم الرجل فِي الموضع الَّذِي كانت فِيهِ وحرك شفتيه فتعلقت بإذن اللَّه تَعَالَى فبقي الرجل يفتش فاه فلم يجد الأسنان إلا سواء.
стр. 534
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الْقَطَّان بِبَغْدَادَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِي إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الصفار.
قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عرفة بْن يَزِيد.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن إدريس الأودي , عَن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي سبرة النخعي.
قَالَ: أقبل رجل من اليمن فلما كَانَ فِي بَعْض الطريق نفق حماره فقام فتوضأ ثُمَّ صلى ركعتين ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إني جئت مجاهدا فِي سبيلك ابتغاء مرضاتك وأنا أشهد أنك تحيي الموتي وتبعث من فِي القبور ولا تجعل لأحد عَلِي منة اليوم أطلب منك أَن تبعث حماري فقام الحمار ينفض أذنيه.
سمعت حمزة ابْن يُوسُف يَقُول: سمعت أبا بَكْر النابلسي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الهمذاني يَقُول بقيت فِي برية الحجاز أياما لَمْ آكل شَيْئًا فاشتهيت باقلا حارا وخبزا من بَاب الطاق فَقُلْتُ أنا فِي البرية وبيني وبين العراق مسافة بعيدة فلم أتم خاطري إلا وأعرابي من بعيد ينادي باقلا حار وخبز فتقدمت إِلَيْهِ فَقُلْتُ عندك باقلا حارا وخبز.
فَقَالَ نعم وبسط مئزرا كَانَ عَلَيْهِ وأخرج خبزا وباقلا.
وَقَالَ لي: كُل فأكلت ثُمَّ قَالَ لي: كُل فأكلت ثُمَّ قَالَ لي: كُل فأكلت فلما.
قَالَ فِي الرابعة قُلْت: بحق الَّذِي بعثك إِلَى إلا مَا قُلْت لي من أَنْتَ.
فَقَالَ: الخضر وغاب عني فلم أره.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن الخشاب البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول جئت الثعلبية وَهِيَ خراب ولي سبعة أَيَّام لَمْ آكل شَيْئًا فدخلت القبة وجاء قوم خراسانيون أصابهم جهد فطرحوا أنفسهم عَلَى بَاب القبة فجاء أعرابي عَلَى راحلة وصب تمرا بَيْنَ أيديهم فاشتغلوا بالأكل وَلَمْ يقولوا لي شَيْئًا وَلَمْ يرني الأعرابي فلما كَانَ بَعْد ساعة فَإِذَا بالأعرابي جاء.
وَقَالَ لَهُمْ معكم غيركم فَقَالُوا نعم هَذَا الرجل داخل القبة.
قَالَ: فدخل الأعرابي.
وَقَالَ لي: إيش أَنْتَ لِمَ لَمْ تتكلم مضيت فعارضني إِنْسَان.
فَقَالَ لي: قَدْ خلفت إِنْسَانا لَمْ تطعمه وَلَمْ يمكني أَن أمضي وتطولت عَلِي الطريق لأني رجعت عَن أميال وصب بَيْنَ يدي التمر الكثير ومضى فدعوتهم فأكلوا وأكلت.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا طاهر الرقى يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: كلمني جمل فِي طريق مَكَّة رأيت جمالا والمحامل عَلَيْهَا وَقَدْ مدت أعناقها فِي الليل فَقُلْتُ: سبحان من يحمل عَنْهَا مَا هِيَ فِيهِ فالتفت إلي جمل.
وَقَالَ لي قل: جل اللَّه فَقُلْتُ: جل اللَّه.
стр. 535
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن أَحْمَد الفارسي يَقُول: سمعت الرقى يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن معر يَقُول: سمعت أبا زرعة الجنبي يَقُول: مكرت بي امْرَأَة فَقَالَتْ: ألا تدخل الدار فتعود مريضا فدخلت فأغلقت الباب وَلَمْ أر أحدا فعلمت مَا فعلت فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ سودها فاسودت فتحيرت وفتحت الباب فخرجت فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ ردها إِلَى حالها فردها عَلَى مَا كانت.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الغطريفي يَقُول: سمعت السراج يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الرومي يَقُول: سمعت خليلا الصياد يَقُول: غاب عني ابني مُحَمَّد فوجدنا عَلَيْهِ وجدا شديدا فأتيت معروفا الكرخي , فَقُلْتُ: يا أبا محفوظ غاب ابني وأمة واجدة.
فَقَالَ: مَا تشاء؟ فَقُلْتُ: ارع اللَّه أَن يرده.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن السماء سماؤك وَالأَرْض أرضك وَمَا بينهما لَك، ائت بمحمد.
قَالَ خليل فأتيت بَاب الشام فَإِذَا هُوَ واقف فَقُلْتُ: يا مُحَمَّد فَقَالَ: يا أبت كنت الساعة بالأنبار.
قَالَ الأستاذ واعلم أَن الحكايات فِي هَذَا الباب تربو عَلَى الحصر والزيادة عَلَى مَا ذكرناه تخرجنا عَنِ المقصود من الإيجار وَفَيْمَا ذكرناه مقنع فِي هَذَا الباب.
стр. 536
بَاب رؤيا الْقَوْم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قيل: هِيَ الرؤيا الحسنة يراها المرء أَوْ ترى لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِنْقَرِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] .
قَالَ ﷺ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمَرْءُ أَوْ تُرَى لَهُ
أَخْبَرَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ زَيْدٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَتْفِلُ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْمُزَكِّيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّارُ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى.
قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي.
ومعنى الْخَبَر أَن تلك الرؤيا رؤيا صدق وتأويلها حق وأن الرؤيا نوع من أنواع الكرامات وتحقيق الرؤيا خواطر ترد عَلَى القلب وأحوال تتصور فِي الوهم إِذَا لَمْ يستغرق النوم جَمِيع الاستشعار فيتوهم الإِنْسَان عِنْدَ اليقظة أَنَّهُ كَانَ رؤية فِي الحقيقة وإنما كَانَ ذَلِكَ تصورا وأوهاما تقررت فِي قلوبهم وحين زال عَنْهُم الإحساس الظاهر تجردت تلك الأوهام عَنِ المعلومات بالحس والضرورة فقوبت تلك الحالة عِنْدَ صاحبها فَإِذَا استيقظ
стр. 537
ضعف تلك الأحوال الَّتِي تصورها بالإضافة إِلَى حال إحساسه بالمشاهدات وحصول العلوم الضرورية ومثاله كالذي يَكُون فِي ضوء السراج عِنْدَ اشتداد الظلمة فَإِذَا طلعت الشَّمْس عَلَيْهِ غلبت ضوء السراج , فيتقاصر نور السراج بالإضافة إِلَى ضياء الشَّمْس
فمثال حال النوم كمن هُوَ فِي ضوء السراج ومثال المستيقظ كمن تَعَالَى عَلَيْهِ النهار فَإِن المستيقظ يتذكر مَا كَانَ متصورا لَهُ فِي حال نومه ثُمَّ إِن تكل الأحاديث والخواطر الَّتِي كانت ترد عَلَى قلبه فِي حال نومه مرة تكون من قبل الشَّيْطَان ومرة من هواجس النفس ومرة بخواطر الْمَلِك ومرة تكون تعريفا من اللَّه بخلق تلك الأحوال فِي قلبه ابتداء وَفِي الْخَبَر أصدقكم رؤيا أصدقكم حَدِيثا واعلم أَن النوم عَلَى أقسام نوم غفلة ونوم عادة وَذَلِكَ غَيْر محمود بَل هُوَ معلول لأنه أَخُو الْمَوْت.
وَفِي بَعْض الأخبار المروية: النوم أَخُو الْمَوْت.
وَقَالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وقيل: لو كَانَ فِي النوم خير لكان فِي الْجَنَّة نوم.
وقيل: لما ألقى اللَّه عَلَى آدم النوم فِي الْجَنَّة أخرج منه حواء وكل بلاء بِهِ إِنَّمَا حصل حِينَ حصلت حواء.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لما قَالَ إِبْرَاهِيم لإسماعيل ﵉: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] .
قَالَ: يا أبت هَذَا جزاء من نام عَن حبيبه ولو لَمْ تنم لما أمرت بذبح الولد.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇ كذب من ادعى محبتي فَإِذَا جنه الليل نام عني والنوم ضد العلم ولهذا قَالَ الشبلي: نعسة فِي ألف سنة فضيحة.
وَقَالَ الشبلي: اطلع الحق عَلِي.
فَقَالَ: من نام غفل ومن غفل حجب.
وَكَانَ
стр. 538
الشبلي يكتحل بالملح بعده حَتَّى كَانَ لا يأخذه النوم، وَفِي معناه أنشدوا:
عجبا للمحب كَيْفَ ينام ... كُل نوم عَلَى المحب حرام
وقيل: المريد أكله فاقة ونومه غلبة وكلامه ضرورة.
وقيل: لما نام آدم ﵇ بالحضرة قيل لَهُ هذه حواء لتسكن إِلَيْهَا هَذَا جزاء من نام بالحضرة.
وقيل: إِن كنت حاضرا فلا تنم فَإِن النوم بالحضرة سوء أدب وإن كنت غائبا فأنت من أهل الحسرة والمصيبة والمصاب لا يأخذه النوم، وَأَمَّا أهل المجاهدات فنومهم صدقة من اللَّه عَلَيْهِم وأن لِلَّهِ يباهي بالعبد إذ نام فِي سجوده يَقُول: انظروا إِلَى عبدي روحه عندي وجسده بَيْنَ يدي.
قَالَ الأستاذ يَعْنِي: روحه فِي محل النجوى وبدنه عَلَى بساط العبادة.
وقيل: كُل من نام عَلَى الطهارة يؤذن لروحه أَن تطوف بالعرش وتسجد لِلَّهِ .
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: شكا رجل إِلَى بَعْض المشايخ من كثرة النوم.
فَقَالَ: اذهب واشكر اللَّه تَعَالَى عَلَى العافية فكم من مريض فِي شهوة غمضة من النوم الَّذِي تشكو منه.
وقيل: لا شَيْء أشد عَلَى إبليس من نوم العاصي يَقُول: مَتَى ينتبه ويقوم حَتَّى يعصى اللَّه.
وقيل: أَحْسَن أحوال العاصي أَن ينام إِن لَمْ يكن الوقت لَهُ لَمْ يكن عَلَيْهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: تعود شاه الكرماني السهر فغلبه النوم مرة فرأى الحق سبحانه فِي النوم فكان يتكلف النوم بَعْد ذَلِكَ فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: رأيت سرور قلبي فِي منامي فأحببت التنعس والمناما وقيل: كَانَ رجل لَهُ تلميذان فاختلفا فيما بينهما.
فَقَالَ أحدهما: النوم خير، لأن الإِنْسَان لا يعصى فِي تلك الحالة.
وَقَالَ الآخر: اليقظة خير لأنه يعرف اللَّه تَعَالَى فِي تلك الحالة
стр. 539
فتحاكما إِلَى ذَلِكَ الشيخ.
فَقَالَ: أما أَنْتَ الَّذِي قُلْت بتفضيل النوم فالموت خير لَك من الحياة، وَأَمَّا أَنْتَ الَّذِي قُلْت بتفضيل اليقظة فالحياة خير لَك من الْمَوْت.
وقيل: اشترى رجل مملوكة فلما دَخَلَ الليل.
قَالَ: افرشي الفراش فَقَالَتْ: المملوكة يا مولاي ألك مولى؟ .
قَالَ: نعم فَقَالَتْ: ينام؟ قَالَ: لا , قَالَتْ: ألا تستحي أَن تنام ومولاك لَمْ ينم.
وقيل: قَالَتْ بنية لسعيد بْن جُبَيْر: لَمْ لا تنام.
فَقَالَ: إِن جهنم لا تدعني أَن أنام.
وقيل: قَالَتْ بت لمالك بْن دِينَار: لَمْ لا تنام؟ فَقَالَ: إِن أباك يخاف البيات.
وقيل: لما مَات الرَّبِيع بْن خيثم قَالَتْ بنية لأبيها من جيرانه: يا أبت الأسطوانة الَّتِي كانت فِي دار جارنا أين ذهبت؟ فَقَالَ: إنه كَانَ جارنا الصالح يقوم من أول الليل إِلَى آخره فتوهمت البنية أَنَّهُ كَانَ سارية لأنها كانت لا تصعد السطح إلا بالليل فتجده قائما.
وَقَالَ بَعْضهم: فِي النوم معان ليست فِي اليقظة منها: أَنَّهُ يرى المصطفى ﷺ والصحابة والسلف الماضين فِي النوم ولا يراهم فِي اليقظة وَكَذَلِكَ يرى الحق فِي النوم وَهَذَهِ مزية عظيمة وقيل: رأى أَبُو بَكْر الآجري الحق سبحانه فِي النوم.
فَقَالَ لَهُ: سل حاجتك.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغفر لجميع عصاة أمة مُحَمَّد ﷺ .
فَقَالَ: أنا أولى بِهَذَا منك سل حاجتك.
وَقَالَ الكتاني رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام.
فَقَالَ لي: من تزين لِلنَّاسِ بشيء يعلم اللَّه تَعَالَى منه خلافه شأنه اللَّه.
وَقَالَ الكتاني: أَيْضًا رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: ادع اللَّه أَن لا يميت قلبي.
فَقَالَ: قل كُل يَوْم أربعين مرة يا حي يا قيوم لا اللَّه إلا أَنْتَ فَإِن اللَّه يَحْيَي قلبك ورأى الْحَسَن بْن عَلِي ﵄ عيسى بْن مريم ﵉ فِي المنام.
فَقَالَ: إني أريد أَن أتخذ خاتما فَمَا الَّذِي أكتب عَلَيْهِ.
فَقَالَ: اكتب عَلَيْهِ لا اللَّه إلا اللَّه الْمَلِك الحق المبين فَإِنَّهُ فِي آخر الإنجيل وَرَوَى عَن أَبِي يَزِيد أَنَّهُ: قَالَ رأيت ربي فِي المنام فَقُلْتُ: كَيْفَ الطريق إليك.
فَقَالَ: اترك نفسك وتعال
стр. 540
وقيل: رأى أَحْمَد بْن خضرويه ربه فِي المنام.
فَقَالَ: يا أَحْمَد كُل النَّاس يطلبون مني إلا أبا يَزِيد فَإِنَّهُ يطلبني.
وَقَالَ يَحْيَي بْن سَعِيد الْقَطَّان: رأيت ربي فِي المنام فَقُلْتُ: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي.
فَقَالَ تَعَالَى: يا يَحْيَي إني أحب أَن أسمع صوتك.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث: رأيت أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ فِي المنام فَقُلْتُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عظني.
فَقَالَ: مَا أَحْسَن عطف الأغنياء عَلَى الفقراء طلبا لثواب اللَّه تَعَالَى وأحسن من ذَلِكَ نية الفقراء عَلَى الأغنياء ثقة بالله تَعَالَى فَقُلْتُ لَهُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ زدني.
فَقَالَ: قَدْ كنت ميتا فصرت حيا وعن قريب نصير ميتا عز بدار الفناء بَيْت فابن بدار البقاء بيتا وقيل: رؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: رحمني فقيل مَا حال عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ.
فَقَالَ: هُوَ مِمَّن يلج عَلَى ربه كُل يَوْم مرتين.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول رأى الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي فِي المنام وَكَانَ الزجاجي يَقُول بوعيد الأبد.
فَقَالَ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ الزجاجي: الأمر ههنا أسهل مِمَّا كَانَ نظنه.
ورؤي الْحَسَن بْن عَاصِم الشيباني فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: وإيش يَكُون من الكريم إلا الكرم ورؤي بَعْضهم فِي المنام فسئل عَن حاله.
فَقَالَ.
حاسبونا فدققوا ثُمَّ منوا فاعتقوا ورؤي حبيب العجمي فِي المنام فقيل لَهُ: مت يا حبيب العجمي.
فَقَالَ: هيهات ذهبت العجمة وبقيت النعمة وقيل: دَخَلَ الْحَسَن البصري مسجدا ليصلي فِيهِ المغرب فوجد إمامهم حبيبا العجمي فلم يصل خلفه لأنه خاف أَن يلحن لعجمه فِي لسانه فرأى فِي المنام تلك الليلة قائلا يَقُول لَهُ لِمَ لَمْ تصل خلفه لو صليت خلفه لغفر لَك مَا تقدم من ذنبك.
стр. 541
ورؤي مَالِك بْن أَنَس فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي بكلمة كَانَ يقولها عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ عِنْدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رؤية الجنازة: سبحان الحي الَّذِي لا يموت.
ورؤي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا الْحَسَن البصري كأن أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا أَن الْحَسَن البصري قدم عَلَى اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُ راض سمعت أبا بَكْر بْن أشكيب يَقُول: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي فِي المنام عَلَى حالة حسنة فَقُلْتُ: يا أستاذ بم وجدت هَذَا.
فَقَالَ: بحسن ظني بربي.
وقيل: رؤي الجاحظ فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: فلا تكتب بخطك غَيْر شَيْء يسرك فِي الْقِيَامَة أَن تراه وقيل: رأى الجنيد إبليس فِي منامه عريانا.
فَقَالَ لَهُ: ألا تستحي من النَّاس.
فَقَالَ: هَؤُلاءِ لا ناس إِنَّمَا النَّاس أقوام فِي مَسْجِد الشونيزية أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي.
قَالَ الجنيد: فلما انتبهت غدوت إِلَى الْمَسْجِد فرأيت جَمَاعَة وضعوا رءوسهم عَلَى ركبهم متفكرين فلما رأوني قَالُوا: لا يغرنك حَدِيث الخبيث ورؤي النصرأباذي بمكة بَعْد وفاته فِي النوم فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: عوتبت عتاب الأشراف ثُمَّ نوديت يا أبا القاسم أبعد الاتصال انفصال فَقُلْتُ لا يا ذا الجلال فَمَا وضعت فِي اللحد حَتَّى لحقت بالأحد ورؤي ذو النون الْمِصْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ: كنت أسأله ثَلاث حوائج فِي الدنيا فأعطاني البعض وأرجو أَن يعطيني الباقي كنت أسأله أَن يعطيني من العشرة الَّتِي عَلَى يد رضوان واحدا ويعطيني بنفسه وأن يعذبني عَنِ الْوَاحِد الَّذِي بيد مَالِك بعشرة ويتولى هُوَ وأن يرزقني أَن أذكره بلسان الأبدية.
وقيل: رؤى الشبلي فِي المنام بَعْد موته فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: لَمْ يطالبني بالبراهين عَلَى الدعاوي إلا عَلَى شَيْء واحد قُلْت: يوما لا خسارة أَعْظَم من خسران لاجنة ودخول النار.
فَقَالَ لي: وأي خسارة أَعْظَم من خسارة لقائي.
стр. 542
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: رأى الجريري الجنيد فِي المنام.
فَقَالَ: كَيْفَ حالك يا أبا القاسم؟ .
فَقَالَ: طاحت تلك الإشارات وبادت تلك العبارات وَمَا نفعنا إلا تسبيحات كُنَّا نقولها بالغدوات.
وَقَالَ النباجي: تشهيت يومان شَيْئًا فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول: أيجمل بالحر المريد أَن يتذلل للعبيد وَهُوَ يجد من مولاه مَا يريد.
وَقَالَ ابْن الجلاء: دخلت الْمَدِينَة وبي فاقة فتقدمت إِلَى القبر وقلت: أنا ضيفك فغفوت فرأيت النَّبِي ﷺ وَقَدْ أعطاني رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام يَقُول: زوروا ابْن عون فَإِنَّهُ يحب اللَّه ورسوله وقيل: رأى عتبة الغلام حوراء فِي المنام عَلَى صورة حسنة فَقَالَتْ لَهُ: يا عتبة أنا لَك عاشقة فانظر أَن لا تعمل من الأعمال شَيْئًا يحال بيني وبينك.
فَقَالَ عتبة: طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عَلَيْهَا حَتَّى ألقاك.
سمعت منصورا المغربي يَقُول: رأيت شيخا فِي بلاد الشام كبير الشأن وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الانقباض فقيل لي: إِن أردت أَن ينبسط هَذَا الشيخ معك فسلم عَلَيْهِ وقل: رزقك اللَّه الحور العين فَإِنَّهُ يرضى منك بِهَذَا الدعاء فسألت عَن سببه فقيل: إنه رأى شَيْئًا من الحور فِي منامه فبقى فِي قلبه شيء من ذَلِكَ , فمضيت وسلمت عَلَيْهِ , وقلت: رزقك اللَّه الحور العين فانبسط الشيخ معي وقيل: رأى أيوب السختياني جنازة عاص فدخل دهليز لئلا يحتاج إِلَى الصلاة عَلَيْهَا فرأى بَعْضهم الميت فِي المنام.
فَقَالَ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي.
وَقَالَ لي: قل لأيوب السختياني ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] وقيل: رؤي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا مَالِك بْن دِينَار كأن أبواب السماء قَدْ فتحت وقائلا يَقُول: ألا إِن مَالِك بْن دِينَار أصبح من سكان الْجَنَّة.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت الليلة الَّتِي مَات فِيهَا دَاوُد الطائي نورا وملائكة صعودا وملائكة نزولا فَقُلْتُ: أي ليلة هذه فَقَالُوا: ليلة مَات فِيهَا دَاوُد الطائي وَقَدْ زخرفت الْجَنَّة لقدوم روحه.
стр. 543
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: رأيت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق فِي المنام فَقُلْتُ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: لَيْسَ للمغفرة هنا كبير خطر أقل من حضر ههنا خطرا فلأن أعطى كَذَا وكذا وقع لي فِي المنام أَن ذَلِكَ الإِنْسَان الَّذِي عناه قتل نفسا بغير حق.
وقيل: لما مَات كرز بنوبرة رأى فِي المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض فقيل: مَا هَذَا؟ قيل: إِن أهل القبور كسوا ثيابا جدد لقدوم كرز عَلَيْهِم ورؤي يُوسُف بْن الْحُسَيْن فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي فقيل بماذا.
فَقَالَ: لأني مَا خلطت جدا بهزل قط ورؤي عَبْد اللَّهِ الزراد فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: أوقفني وغفر لي كُل ذنب أقررت بِهِ فِي الدنيا إلا واحدا استحييت أَن أقربه فوقفني فِي العرق حَتَّى سقط لحم وجهي فقيل لَهُ: وَمَا ذاك.
فَقَالَ: نظرت يوما إِلَى شخص جميل فاستحيت أَن أذكره.
سمعت أبا سَعِيد الشحام يَقُول: رأيت الشيخ الإِمَام أبا الطيب سهلا الصعلوكي فِي المنام فَقُلْتُ أيها الشيخ.
فَقَالَ: دع الشيخ فَقُلْتُ: وتلك الأحوال الَّتِي شاهدتها.
فَقَالَ: لَمْ تغن عنا شَيْئًا فَقُلْتُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي بمسائل كانت يسأل عَنْهَا العجز.
سمعت أبا بَكْر الرشيدي الفقيه يَقُول: رأيت محمدا الطوسي المعلم فِي المنام.
فَقَالَ: قل لأبي سَعِيد الصفار المؤدب: وكنا عَلَى أَن لا نحول عَنِ الهوى فَقَدْ وحياة الحب حلتم وَمَا حلنا تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا وأظهرتم الهجران مَا هكذا كُنَّا لعل الَّذِي يقضى الأمور بعلمه سيجمعنا بَعْد الممات كَمَا كُنَّا
стр. 544
قَالَ: فانتبهت وقلت ذَلِكَ لأبي سَعِيد الصفار.
فَقَالَ: كنت أزور قبره كُل يَوْم جمعة فلم أزره هذه الجمعة وحكى عَن بَعْضهم أَنَّهُ قَالَ: رأيت فِي المنام رَسُول اللَّهِ ﷺ وحوله جَمَاعَة من الفقراء فبينما هُوَ كَذَلِكَ إذ نزل من السماء ملكا وبيد أحدهما طست وبيد الآخر إبريق فوضع الطست بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ فغسل يده ثُمَّ أمر حَتَّى غسلوا أيديهم ثُمَّ وضع الطست بَيْنَ يدي.
فَقَالَ أحدهما للآخر: لا تصب عَلَى يده فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أليس قَدْ رَوَى عَنْك أنك قُلْت: المرء مَعَ من أحب.
فَقَالَ: بلى فَقُلْتُ: وأنا أحبك وأحب هَؤُلاءِ الفقراء.
فَقَالَ ﷺ : صب عَلَى يده فَإِنَّهُ مِنْهُم وحكي عَن بَعْضهم أَنَّهُ كَانَ يَقُول أبدا: العافية العافية فقيل لَهُ: مَا معنى هَذَا الدعاء.
قَالَ: كنت حمالا فِي ابتداء أمري وكنت حملت يوما صدرا من الدقيق فوضعته لأستريح فكنت أقول يا رب لو أعطيتني كُل يَوْم رغيفين من غَيْر تعب لكنت أكتفي بهما فَإِذَا رجلان يختصمان فتقدمت أصلح بينهما فضرب أحدهما رأسي بشيء أراد أَن يضرب بِهِ خصمه فدمى وجهي فجاء صاحب الربع فأخذهما فلما رآني ملوثا بالدم أخذني وظن أنني مِمَّن تشاجر فأدخلني السجن وبقيت فِي السجن مدة أوتى كُل يَوْم برغيفين فرأيت ليلة فِي المنام قائلا يَقُول لي: إنك سألت الرغيفين كُل يَوْم من غير نصب وَلَمْ تسأل العافية فانتبهت وقلت: العافية العافية فرأيت بَاب السجن يقرع وقيل: أين عُمَر الحمال وخلوا سبيلي، وحكي عَنِ الكتاني أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عندنا رجل من أَصْحَابنا هاجت عينه فقيل لَهُ: ألا تعالجها.
فَقَالَ: عزمت أَن لا أعالجها حَتَّى تبرأ.
قَالَ: رأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول: لو كَانَ هَذَا العزم عَلَى أهل النار كلهم لأخرجناهم من النار.
وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ.
قَالَ: رأيت فِي المنام كأني أتكلم عَلَى النَّاس فوقف عَلَى ملك.
فَقَالَ: أقرب مَا تقرب بِهِ المتقربون إِلَى اللَّه تَعَالَى ماذا فَقُلْتُ: عمل خفى بميزان وَفِي.
قَالَ: فولى الْمَلِك عنى وَهُوَ يَقُول: كَلام موفق والله.
стр. 545
وَقَالَ رجل للعلاء بْن زِيَاد: رأيت فِي النوم كأنك من أهل الْجَنَّة.
فَقَالَ: لعل الشَّيْطَان أراد أمرا فعصمت منه فأشخص إِلَى رجلا يعينه وقيل: رؤى عَطَاء السلمي فِي النوم فقيل لَهُ: لَقَدْ كنت طويل الحزن فَمَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: أما والله لَقَدْ أعقبني ذَلِكَ راحة طويلة وفرحا دائما فقيل لَهُ: ففي أي الدرجات أَنْتَ.
فَقَالَ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية وقيل: رؤى الأوزاعي فِي المنام.
فَقَالَ: مَا رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة الْعُلَمَاء ثُمَّ درجة المحزونين.
وَقَالَ النباجي: قيل لي فِي المنام: من وثق بالله فِي رزقه زَيْد فِي حسن خلقه وسمحت نَفْسه فِي نفقته وقلت وساوسه فِي صلاته وقيل: رؤيت زبيدة فِي المنام فقيل لَهَا: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَتْ: غفر لي فقيل بكثرة نفقتك فِي طريق مَكَّة فَقَالَتْ: لا أما إِن أجرها عاد إِلَى أربابها ولكن غفر لي بنيتي ورؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
قَالَ: وضعت أول قدمي عَلَى الصراط وَالثَّانِي فِي الْجَنَّة.
وَقَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الحواري رأيت فِي النوم جارية مَا رأيت أَحْسَن منها يتلألأ وجهها نورا فَقُلْتُ مَا أنور وجهك فَقَالَتْ: تذكر الليلة الَّتِي بكيت فِيهَا فَقُلْتُ: نعم فَقَالَتْ: حملت إِلَى دمعتك فمسحت بِهَا وجهي فصار وجهي هكذا وقيل: رأي يَزِيد الرقاشي النَّبِي ﷺ فِي المنام فقرأ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: هذه القراءة فأين البكاء.
وَقَالَ الجنيد: رأيت فِي المنام كأن ملكين نزلا من السماء.
فَقَالَ أحدهما لي: مَا الصدق فَقُلْتُ: الوفاء بالعهد.
فَقَالَ الآخر: صدق ثُمَّ صعدا
стр. 546
ورؤي بشر الحافي فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي.
وَقَالَ أما استحييت يا بشر منى كنت تخافني ذَلِكَ الخوف وقيل: رؤي أَبُو سُلَيْمَان الداراني فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي وَمَا كَانَ شَيْء أضر عَلَى من إشارات الْقَوْم.
وَقَالَ عَلِي بْن الموفق كنت أفكر يوما فِي سبب عيالي والفقر الَّذِي بِهِمْ فرأيت فِي المنام رقعة فِيهَا مكتوب بسم اللَّه الرحمن الرحيم يا ابْن الموفق أتخشى الفقر وأنا ربك فلما كَانَ وقت الفلس أتاني رجل بكيس فِيهِ خمسة آلاف دِينَار.
وَقَالَ: خذها إليك يا ضعيف اليقين.
وَقَالَ الجنيد رأيت فِي المنام كأني واقف بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى.
فَقَالَ لي: يا أبا القاسم من أين لَك هَذَا الْكَلام الَّذِي تقول فَقُلْتُ: لا أقول إلا حقا.
فَقَالَ: صدقت.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الكتاني: رأيت فِي المنام شابا لَمْ أر أَحْسَن منه فَقُلْتُ: من أَنْتَ.
فَقَالَ: التقوى قُلْت: فأين تسكن.
قَالَ: فِي كُل قلب حزين ثُمَّ التفت فَإِذَا امْرَأَة سوداء كأوحش مَا يَكُون فَقُلْتُ: من أَنْتَ فَقَالَتْ: الضحك فَقُلْتُ: وأين تسكنين فَقَالَتْ: فِي كُل قلب فرح مرح.
قَالَ: فانتبهت واعتقدت أَن لا أضحك إلا غلبة وحكى عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ بْن خفيف أَنَّهُ قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي المنام كَأَنَّهُ قَالَ لي: من عرف طريقا إِلَى اللَّه تَعَالَى سلكه ثُمَّ رجع عَنْهُ عذبه اللَّه تَعَالَى عذابا لَمْ يعذبه أحدا من العالمين.
ورؤي الشبلي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: ناقشني حَتَّى أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: رأيت فِي النوم كأن قائلا يَقُول لي: يا أبا عُثْمَان اتق اللَّه فِي الفقر ولو فِي قدر سمسمة.
وقيل: كَانَ لأبي سَعِيد الخراز ابْن مَات قبله فرآه فِي المنام.
فَقَالَ لَهُ: بَنِي أوصني.
فَقَالَ: يا أبت لا تعامل اللَّه عَلَى الجبن.
فَقَالَ: يا بَنِي زدني.
فَقَالَ: لا تخالف اللَّه تَعَالَى فيما يطالبك بِهِ.
فَقَالَ: زدني.
فَقَالَ: لا تجعل بينك وبين اللَّه قميصا.
قَالَ: فَمَا لبس القميص ثلاثين سنة
стр. 547
وقيل: كَانَ بَعْضهم يَقُول فِي دعائه: اللَّهُمَّ الشيء الَّذِي لا يضرك وينفعنا لا تمنعه عنا فرأى فِي المنام كَأَنَّهُ قيل لَهُ: وأنت فالشيء الَّذِي يضرك ولا ينفعك فدعه.
وحكى عَن أَبِي الفضل الأصبهاني أَنَّهُ قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , سل اللَّه أَن لا يسلبني الإيمان.
فَقَالَ ﷺ : ذاك شَيْء قَدْ فرغ اللَّه تَعَالَى منه وحكى عَن أَبِي سَعِيد الخراز , قَالَ: رأيت إبليس فِي المنام فأخذت عصاي لأضربه فقيل لي: إنه لا يفزع منها إِنَّمَا يفزع هَذَا من نور يَكُون فِي القلب.
وَقَالَ بَعْضهم كنت أدعو لرابعة العدوية فرأيتها فِي النوم تقول هداياك تأتينا عَلَى أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور ويروى عَن سماك بْن حرب أَنَّهُ قَالَ: كف بصري فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول لي: ائت الفرات فانغمس فِيهِ وافتح عينيك.
قَالَ: ففعلت فأبصرت وقيل: رؤي بشر الحافي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: لما رأيت ربي .
قَالَ لي: مرحبا يا بشر لَقَدْ توفيتك يَوْم توفيتك وَمَا عَلَى الأَرْض أحب إلي منك.
стр. 548
بَاب الوصية للمريدين قَالَ الأستاذ: لما أثبتنا طرفا من سير الْقَوْم وضممنا إِلَى ذَلِكَ أبوابا من المقامات أردنا أَن نختم هذه الرسالة بوصية للمريدين نرجو من اللَّه تَعَالَى حسن توفيقهم لاستعمالها وأن لا يحرمنا القيام بِهَا ولا يجعلها حجة عَلَيْنَا فأول قدم للمريد فِي هذه الطريقة ينبغي أَن يَكُون عَلَى الصدق ليصح لَهُ البناء عَلَى أصل صحيح فَإِن الشيوخ قَالُوا إِنَّمَا حرموا الوصول لتضييعهم الأصول كَذَلِكَ سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فتجب البداءة وبتصحيح اعتقاد بينه وبين اللَّه تَعَالَى صاف عَنِ الظنون والشبه خال من الضلال والبدع صادر عَنِ البراهين والحجج ويقبح بالمريد أَن ينتسب إِلَى مذهب من مذاهب من لَيْسَ من هذه الطريقة وليس انتساب الصوفي إِلَى مذهب من مذاهب المختلفين سِوَى طريقة الصوفية إلا نتيجة جهلهم بمذاهب أهل هذه الطريقة فَإِن هَؤُلاءِ حججهم فِي مسائلهم أظهر من حجج كُل أحد وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كُل مذهب والناس إِمَّا أَصْحَاب النقل والأثر وإما أرباب العقل والفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عَن هذه الجملة فالذي لِلنَّاسِ غيب فَهُوَ لَهُمْ ظهور والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه موجود فَهُمْ من أهل الوصول والناس أهل الاستدلال وَهُمْ كَمَا قَالَ القائل: ليلي بوجهك مشرق وظلامه من النَّاس ساري فالناس فِي سدف الظلام ونحن فِي ضوء النهار
стр. 549
وَلَمْ يكن عصر من الأعصار فِي مدة الإِسْلام إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة مِمَّن لَهُ علوم التوحيد وإمامة الْقَوْم ألا وأئمة ذَلِكَ الوقت من الْعُلَمَاء استسلموا لِذَلِكَ الشيخ وتواضعوا لَهُ وتبركوا بِهِ ولولا مزية وخصوصية لَهُمْ وإلا كَانَ الأمر بالعكس هَذَا أَحْمَد بْن حنبل كَانَ عِنْدَ الشَّافِعِي ﵄ فجاء شيبان الراعي.
فَقَالَ أَحْمَد: أريد يا أبا عَبْد اللَّهِ أَن أنبه هَذَا عَلَى نقصان علمه ليشتغل بتحصيل بَعْض العلوم.
فَقَالَ: الشَّافِعِي لا تفعل فلم يقنع.
فَقَالَ لشيبان: مَا تقول فيمن نسى صلاة من خمس صلوات فِي اليوم والليلة ولا يدري أي صلاة نسبها مَا الواجب عَلَيْهِ يا شيبان.
فَقَالَ شيبان: يا أَحْمَد هَذَا قلب غفل عَنِ اللَّه تَعَالَى فالواجب أَن يؤدب حَتَّى لا يغفل عَن مولاه بَعْد فغشى عَلَى أَحْمَد فلما أفاق قَالَ لَهُ الشَّافِعِي ﵀ ألم أقل لَك لا تحرك هَذَا وشيبان الراعي كَانَ أميا مِنْهُم فَإِذَا كَانَ الأمي مِنْهُم هكذا فَمَا الظن بأئمتهم وَقَدْ حكى أَن فقيها من أكابر الْفُقَهَاء كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي فِي جامع الْمَنْصُور وَكَانَ يقال لِذَلِكَ الفقيه: أَبُو عمران وَكَانَ تتعطل عَلَيْهِم حلقتهم لكلام الشبلي فسأل أَصْحَاب أَبِي عمران يوما الشبلي عَن مسألة فِي الحيض وقصدوا إخجاله فذكر مقالات النَّاس فِي تلك المسألة والخلاف فِيهَا فقام أَبُو عمران وقبل رأس الشبلي.
وَقَالَ: يا أبا بَكْر استفدت فِي هذه المسألة عشر مقالات لَمْ أسمعها وَكَانَ عندي من جملة مَا قُلْت ثلاثة أقاويل وقيل: أجتاز أَبُو الْعَبَّاس بْن سريج الفقيه بمجلس الجنيد رحمها اللَّه تَعَالَى فسمع كلامه فقيل لَهُ: مَا تقول فِي هَذَا الْكَلام.
فَقَالَ: لا أدري مَا يَقُول ولكني أرى لِهَذَا الْكَلام صولة ليست بصولة مبطل وقيل لعبد اللَّه بْن سَعِيد بْن كلاب: أَنْتَ تتكلم عَلَى كَلام كُل أحد وههنا رجل يقال لَهُ: الجنيد فانظر هل تعترض عَلَيْهِ أم لا فحضر حلقته
стр. 550
فسأله الجنيد عَنِ التوحيد فأجابه فتحير عَبْد اللَّهِ.
وَقَالَ: أعد عَلِي مَا قُلْت، فأعاد لا بتلك العبارة فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: هَذَا شَيْء آخر لَمْ أحفظه تعيده عَلِي مرة أُخْرَى فأعاد بعبارة أُخْرَى.
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: لَيْسَ يمكنني حفظ مَا تقول أمله عَلَيْنَا.
فَقَالَ: إِن كنت أجزته فأنا أميله.
فقام عَبْد اللَّهِ وَقَالَ بفضله واعتراف بعلو شأنه فَإِذَا كَانَ أصول هذه الطائفة أصح الأصول ومشايخهم أكبر النَّاس وعلماؤهم أعلم النَّاس فالمريد الَّذِي لَهُ إيمان بِهِمْ إِن كَانَ من أهل السلوك والتدرج إِلَى مقاصدهم فَهُوَ يساهم فِيهَا خصوا بِهِ من مكاشفات الغيب فلا يحتاج إِلَى التطفل عَلَى من هُوَ خارج عَن هذه الطائفة وإن كَانَ يريد طريقة الاتباع وليس بمستقل بحاله ويريد أَن يعرج فِي أوطان التقليد إِلَى أَن يصل إِلَى التحقيق فليقلد سلفه وليجر عَلَى طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى بِهِ من غيرهم ولقد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: مَا ظنك بعلم علم الْعُلَمَاء فِيهِ تهمة وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِي بْن مُحَمَّد المخرمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول لو علمت أَن لِلَّهِ علما تَحْتَ أديم السماء أشرف من هَذَا العلم الَّذِي نتكلم فِيهِ مَعَ أَصْحَابنا وإخواننا لسعيت إِلَيْهِ ولقصدته وإذا أحكم المريد بينه وبين اللَّه تَعَالَى عقده فيجب أَن يحصل من علم الشريعة إِمَّا بالتحقيق وإما بالسؤال عَنِ الأئمة مَا يؤدي بِهِ فرضه وإن اختلف عَلَيْهِ فتاوى الْفُقَهَاء يأخذ بالأحوط ويقصد أبدا لخروج من الخلاف فَإِن الرخص فِي الشريعة للمستضعفين وأَصْحَاب الحوائج والأشغال وَهَؤُلاءِ الطائفة لَيْسَ لَهُمْ شغل سِوَى القيام بحقه سبحانه ولهذا قيل: إِذَا انحط الفقير عَن درجة الحقيقة إِلَى رخصة الشريعة فَقَدْ فسخ عقده مَعَ اللَّه تَعَالَى ونقض عهده فيما بينه وبين اللَّه تَعَالَى ثُمَّ يجب عَلَى المريد أَن يتأدب بشيخ فَإِن لَمْ يكن لَهُ أستاذ لا يفلح أبدا.
стр. 551
هَذَا أَبُو يَزِيد يَقُول: من لَمْ يكن لَهُ أستاذ فإمامه الشَّيْطَان وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: الشجرة إِذَا نبتت بنفسها من غَيْر غارس فإنها تورق لكن لا تثمر كَذَلِكَ المريد إِذَا لَمْ يكن لَهُ أستاذ يأخذ منه طريقته نفسا فنفسا فَهُوَ عابد هواه لا يجد نفاذا ثُمَّ إِذَا أراد السلوك فبعد هذه الجملة يجب أَن يتوب إِلَى اللَّه سبحانه من كُل زلة فيدع جَمِيع الزلات سرها وجهرها وصغيرها وكبرها ويجتهد فِي إرضاء الخصوم أولا ومن لَمْ يرض خصومه لا يفلح لَهُ من هذه الطريقة بشيء وعلى هَذَا النحو جروا ثُمَّ بَعْد هَذَا يعمل فِي حذف العلائق والشواغل فَإِن بناء هَذَا الطريق عَلَى فراغ القلب وَكَانَ الشبلي يَقُول للحصري فِي ابتداء أمره إِن خطر ببالك من الجمعة إِلَى الجمعة الثَّانِيَة الَّتِي تأتيني فِيهَا غَيْر اللَّه تَعَالَى فحرام عليك أَن تحضرني وإذا أراد الخروج عَنِ العلائق فأولها الخروج عَنِ المال فَإِن ذَلِكَ الَّذِي يميل بِهِ عَنِ الحق وَلَمْ يوجد مريد دَخَلَ فِي هَذَا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة عَن قريب إِلَى مَا منه خرج فَإِذَا خرج عَنِ المال فالواجب عَلَيْهِ الخروج عَنِ الجاه فَإِن ملاحظة الجاه مقطعة عظيمة وَمَا لَمْ يستو عِنْدَ المريد قبول الخلق وردهم لا يجيء منه شَيْء بَل أضر الأشياء لَهُ ملاحظة النَّاس إياه بعين الإثبات والتبرك بِهِ لإفلاس النَّاس عَن هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ بَعْد لَمْ يصحح الإرادة فكيف يصح أَن يتبرك بِهِ فخرجهم من الجاه واجب عَلَيْهِم، لأن ذَلِكَ سم قاتل لَهُمْ فَإِذَا خرج عَن ماله وجاهه فيجب أَن يصحح عقيدته بينه وبين اللَّه تَعَالَى وأن لا يخالف شيخه فِي كُل مَا يشير عَلَيْهِ , لأن الخلاف للمريد فِي ابتداء أمره عظيم الضرر , لأن ابتداء حاله دليل عَلَى جَمِيع عمره ومن شرطه أَن لا يَكُون لَهُ بقلبه اعتراض عَلَى شيخه فَإِذَا خطر ببال المريد أَن لَهُ فِي الدنيا والآخرة قدرا أَوْ قيمة أَوْ عَلَى بسيط الأَرْض أحدا دونه لَمْ يصح لَهُ فِي الإرادة قدم لأنه يجب أَن يجتهد ليعرف ربه لا ليحصل لنفسه قدرا وفرق بَيْنَ من يريد اللَّه تَعَالَى
وبين من يريد جاه نَفْسه إِمَّا فِي عاجله وإما فِي آجله ثُمَّ
стр. 552
يجب عَلَيْهِ حفظ سره حَتَّى عَن زره إلا عَن شيخه , ولو كتم نفسا من أنفاسه عَن شيخه فَقَدْ خانه فِي حق صحبته , ولو وقع لَهُ مخالفة فيما أشار عَلَيْهِ شيخه فيجب أَن يقر بِذَلِكَ بَيْنَ يديه فِي الوقت ثُمَّ يستسلم لما يحكم بِهِ عَلَيْهِ شيخه عقوبة لَهُ عَلَى جنايته ومخالفته إِمَّا بسفر يكلفه أَوْ أمر مَا يراه ولا يصح للشيوخ التجاوز عَن زلات المريدين، لأن ذَلِكَ تضييع لحقوق اللَّه تَعَالَى وَمَا لَمْ يتجرد عَن كُل علاقة لا يَجُوز لشيخه أَن يلقنه شَيْئًا من الأذكار بَل يجب أَن يقدم التجربة لَهُ فَإِذَا شهد قلبه للمريد بصحة العزم فحينئذ يشترط عَلَيْهِ أَن يرضى بِمَا يستقبله فِي هذه الطريقة من فنون تصاريف الْقَضَاء فيأخذ عَلَيْهِ العهد بأن لا ينصرف عَن هذه الطريقة بِمَا يستقبله من الضر والذل والفقر والأسقام والآلام وأن لا يجنح بقلبه إِلَى السهولة ولا يترخص عِنْدَ هجوم الفاقات وحصول الضرورات ولا يؤثر الدعة ولا يستشعر الكسل فَإِن وقفة المريد شر من فترته والفرق بَيْنَ الفترة والوقفة أَن الفترة رجوع عَنِ الإرادة وخروج منها فَإِذَا جربه شيخه فيجب عَلَيْهِ أَن يلقنه ذكر من الأذكار عَلَى مَا يراه شيخه فيأمر أَن يذكر ذَلِكَ الاسم بلسانه ثُمَّ يأمره أَن يسوى قلبه مَعَ لسانه ثُمَّ يَقُول لَهُ اثبت عَلَى استدامة هَذَا الذكر كأنك مَعَ ربك أبدا بقلبك ولا يجري عَلَى لسانك غَيْر هَذَا الاسم مَا أمكنك ثُمَّ يأمره أَن يَكُون أبدا فِي الظاهر عَلَى الطهارة وأن لا يَكُون نومه إلا غلبة وأن يقلل من غذائه عَلَى التدريج شَيْئًا بَعْد شَيْء حَتَّى يقوي عَلَى ذَلِكَ ولا يأمره أَن يترك عادته بمرة فَإِن فِي الْخَبَر إِن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ثُمَّ يأمره بإيثاره الخلوة والعزلة ويجعل اجتهاده فِي هذه الحالة لا محالة فِي نفي الخواطر الدنية والهواجس الشاغلة للقلب.
واعلم أَن فِي هذه الحالة قلما يخلو المريد فِي أوان خلوته فِي ابتداء إرادته من الوساوس فِي الاعتقاد لا سيما إِذَا كَانَ فِي المريد كياسة قلب وكل مريد لا تستقبله هذه الحالة فِي ابتداء إرادته
стр. 553
وَهَذَا من الامتحانات الَّتِي تستقبل المريدين فالواجب عَلَى شيخه إِن رأى فِيهِ كياسة أَن يحيله عَلَى الحجج العقلية فَإِن بالعلم يتخلص لا محالة المتعرف مَا يعتريه من الوساوس وإن تفرس شيخه فِيهِ القوة والثبات فِي الطريقة أمره بالصبر واستدامة الذكر حَتَّى تسطع فِي قلبه أنوار القبول وتطلع فِي سره شموس الوصول وعن قريب يَكُون ذَلِكَ ولكن لا يَكُون هَذَا إلا لأفراد المريدين فأما الغالب فأن تكون معالجتهم بالرد إِلَى النظر وتأمل الآيات بشرط تحصيل علم الأصول عَلَى قدر الحاجة الداعية للمريد.
واعلم أَنَّهُ يَكُون للمريدين عَلَى الخصوص بلايا من هَذَا الباب وَذَلِكَ أنهم إِذَا خلوا فِي مواضع ذكرهم أَوْ كَانُوا فِي مجالس سماع أَوْ غَيْر ذَلِكَ يهجس فِي نفوسهم ويخطر ببالهم أشياء منكرة يتحققون أَن اللَّه سبحانه منزه عَن ذَلِكَ وليس تعتريهم شبهة فِي أَن ذَلِكَ باطل ولكن يدوم ذَلِكَ فيشتد تأذيهم بِهِ حَتَّى يبلغ ذَلِكَ حدا يَكُون أصعب شتم وأقبح قَوْل وأشنع خاطر بحيث لا يمكن المريد إجراء ذَلِكَ عَلَى اللسان وإبداؤه لأحد وَهَذَا أشد شَيْء يقع لَهُمْ، فالواجب عِنْدَ هَذَا ترك مبالاتهم بتلك الخواطر واستدامة الذكر والابتهال إِلَى اللَّه باستدفاع ذَلِكَ وتلك الخواطر ليست من وساوس الشَّيْطَان وإنما هِيَ من هواجس النفس فَإِذَا قابلها العبد بترك المبالاة بِهَا ينقطع ذَلِكَ عَنْهُ ومن آداب المريد بَل من فرائض حاله أَن يلازم موضع إرادته وأن لا يسافر قبل أَن تقبله الطريق وقبل الوصول بالقلب إِلَى الرب فَإِن السفر للمريد فِي غَيْر وقته سم قاتل ولا يصل أحد مِنْهُم إِلَى مَا كَانَ يرجى لَهُ إِذَا سافر فِي غَيْر وقته وإذا أراد اللَّه بمريد خيرا ثبته فِي أول إرادته وإذا أراد اللَّه بمريد شرا رده إِلَى مَا خرج عَنْهُ من حرفته أَوْ حالته وإذا أراد اللَّه بمريد محنة شرده فِي مطارح غربته هَذَا إِذَا كَانَ المريد يصلح للوصول.
فأما إِذَا كَانَ شابا طريقته الخدمة فِي الظاهر بالنفس للفقراء وَهُمْ دونهم فِي هذه الطريقة رتبة فَهُوَ وأمثاله يكتفون بالترسم فِي الظاهر فينقطعون فِي الأسفار وغاية نصيبهم من هذه الطريقة حاجات يحصلونها وزيارات لمواضع يرتحل إِلَيْهَا
стр. 554
ولقاء شيوخ بظاهر سلام فيشاهدون الظواهر ويكتفون بِمَا فِي هَذَا الباب من السير فهؤلاء الواجب لَهُمْ دوام السفر حَتَّى لا تؤديهم الدعة إِلَى ارتكاب محظور فَإِن الشاب إِذَا وجد الراحة والدعة كَانَ فِي معرض الْفِتْنَة وإذا توسط المريد جمع الفقراء والأَصْحَاب فِي بدايته فَهُوَ مضر لَهُ جدا وإن امتحن واحد بِذَلِكَ فليكن سبيله احترام الشيوخ والخدمة للأَصْحَاب وترك الخلاف عَلَيْهِم والقيام بِمَا فِيهِ راحة فَقِير والجهد أَن لا يستوحش منه قلب شيخ ويجب أَن يَكُون فِي صحبته مَعَ الفقراء أبدا خصمهم عَلَى نَفْسه ولا يَكُون خصم نَفْسه عَلَيْهِم ويرى لكل واحد مِنْهُم عَلَيْهِ حقا واجبا، ولا يرى لنفسه واجبا عَلَى أحد، ويجب أَن لا يخالف المريد أحدا وإن علم أَن الحق مَعَهُ يسكت ويظهر الوفاق لكل أحد، وكل مريد يَكُون فِيهِ ضحك ولجاج ومماراة فَإِنَّهُ لا يجيء منه شَيْء، وإذا كَانَ المريد فِي جمع من الفقراء إِمَّا فِي سفر أَوْ حضر فينبغي أَن لا يخالفهم فِي الظاهر فِي أكل ولا صوم ولا سكون ولا حركة بَل يخالفهم بسره وقلبه فيحفظ قلبه مَعَ اللَّه وإذا أشار عَلَيْهِ بالأكل مثلا يأكل لقمة أَوْ لقمتين ولا يعطى النفس شهوتها وليس من آداب المريدين كثرة الأوراد بالظاهر فَإِن الْقَوْم فِي مكابدة إخلاء خواطرهم ومعالجة أخلاقهم ونفي الغفلة عَن قلوبهم لا فِي تكثير أعمال البر الَّذِي لا بد لَهُمْ منه إقامة الفرائض والسنن الراتبة فأما الزيادات من الصلوات النافلة فاستدامة الذكر بالقلب أتم لَهُمْ ورأس مال المريد الاحتمال عَن كُل أحد بطيبة النفس وتلقى مَا يستقبله بالرضا والصبر عَلَى الضر والفقر وترك السؤال والمعارضة فِي القليل والكثير فيما هُوَ حظ لَهُ ومن لَمْ يصبر عَلَى ذَلِكَ فليدخل السوق فَإِن من اشتهى مَا يشتهيه النَّاس فالواجب أَن يحصل شهوته من حيث يحصلها النَّاس
من كد اليمين وعرق الجبين، وإذا التزم المريد استدامة الذكر وآثر الخلوة فَإِن وجد فِي خلوته مَا لا يجده قبله إِمَّا فِي النوم
стр. 555
وإما فِي اليقظة أَوْ بَيْنَ اليقظة والنوم من خطاب يسمع أَوْ معنى يشاهد مِمَّا يَكُون نقضا للعادة فينبغي أَن لا يشتغل بِذَلِكَ ألبته ولا يسكن إِلَيْهِ ولا ينبغي أَن ينتظر حصول أمثال ذَلِكَ فَإِن ذَلِكَ كُلهُ شواغل عَنِ الحق سبحانه ولا بد لَهُ فِي هذه الأحوال من وصف ذَلِكَ لشيخه حَتَّى يصير قلبه فارغا عَن ذَلِكَ ويجب عَلَى شيخه أَن يحفظ عَلَيْهِ سره فيكتم عَن غيره أمره ويصغر ذَلِكَ فِي عينه فَإِن ذَلِكَ كُلهُ اختبارات والمساكنة إِلَيْهَا مكر فليحذر المريد عَن ذَلِكَ وعن ملاحظتها وليجعل همته فَوْقَ ذَلِكَ، واعلم أَن أضر الأشياء بالمريد استئناسه بِمَا يلقي إِلَيْهِ فِي سره من تقريبات الحق سبحانه لَهُ ومنته عَلَيْهِ بأني خصصتك بِهَذَا وأفردتك عَن أشكالك فَإِنَّهُ لو قَالَ بترك هَذَا فعن قريب سيختطف عَن ذَلِكَ مِمَّا يبدو لَهُ من مكاشفات الحقيقة وشرح هذه الجملة بإثباته فِي الكتب معتذر ومن أحكام المريد إِذَا لَمْ يجد من يتأدب بِهِ فِي موضعه أَن يهاجر إِلَى من هُوَ منصوب فِي وقته لإرشاد المريدين ثُمَّ يقيم عَلَيْهِ ولا يبرح عَن سدته إِلَى وقت الإذن.
واعلم أَن تقديم معرفة رب الْبَيْت عَلَى زيارة الْبَيْت واجب فلولا معرفة رب الْبَيْت مَا وجبت زيارة الْبَيْت والشبان الَّذِينَ يخرجون إِلَى الحج من هَؤُلاءِ الْقَوْم من غَيْر إشارة الشيوخ فَهِيَ بدلالات نشاط النفوس فَهُمْ متوسمون بِهَذِهِ الطريقة وليس سفرهم عَلَى أصل والذي يدل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لا يزداد سفرهم إلا وتزداد تفرقة قلوبهم فلو أنهم ارتحلوا من عِنْدَ أنفسهم بخطوة لكان أحظى لَهُمْ من ألف سفرة
стр. 556
ومن شرط المريد إِذَا أراد شيخا أَن يدخل عَلَيْهِ بالحرمة وينظر إِلَيْهِ بالحشمة فَإِن أهله الشيخ لشيء من الخدمة عد ذَلِكَ من جزيل النعمة.
فصل ولا ينبغي للمريد أَن يعتقد فِي المشايخ العصمة بَل الواجب أَن يذرهم وأحوالهم فيحسن بِهِم الظن ويراعي مَعَ اللَّه تَعَالَى حده فيما يتوجه عَلَيْهِ من الأمر والعلم كافيه فِي التفرقة بَيْنَ مَا هُوَ محمود وَمَا هُوَ معلول.
فصل وكل مريد بقى فِي قلبه لشيء من عروض الدنيا مقدار وخطر قاسم الإرادة لَهُ مجاز وإذا بقى فِي قلبه اختيار فيما يخرج عَنْهُ من معلومه فيريد أَن يخص بِهِ نوعا من أنواع البر أَوْ شخصا دُونَ شخص فَهُوَ متكلف فِي حاله وبالخطر أَن يعود سريعا إِلَى الدنيا، لأن قصد المريد فِي حذف العلائق الخروج منها لا السعي فِي أعمال البر وقبيح بالمريد أَن يخرج من معلومه من رأس ماله وقنيته ثُمَّ يَكُون أسير حرفة وينبغي أَن يستوي عنده وجود ذَلِكَ وعدمه حَتَّى لا ينافر لأجله فقيرا ولا يضايق بِهِ أحد ولو مجوسيا.
فصل وقبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته ومن رده قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غب ذَلِكَ ولو بَعْد حِينَ ومن خذل بترك حرمة الشيوخ فَقَدْ أظهر رقم شقاوته وَذَلِكَ لا يخطى.
стр. 557
فصل ومن أصعب الآفات فِي هذه الطريقة صحبة الأحداث ومن ابتلاه اللَّه تَعَالَى بشيء من ذَلِكَ فبإجماع الشيوخ ذَلِكَ عَبْد إهانة اللَّه وخذله بَل عَن نَفْسه شغله ولو بألف ألف كرامة أهله وهب أَنَّهُ بلغ رتبة الشهداء لما فِي الْخَبَر تلويح بِذَلِكَ أليس قَدْ شغل ذَلِكَ القلب بمخلوق وأصعب من ذَلِكَ تهوين ذَلِكَ عَلَى القلب حَتَّى يعود ذَلِكَ يسيرا وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وَهَذَا الواسطي ﵀ يَقُول: إِذَا أراد اللَّه هوان عَبْد ألقاه إِلَى هَؤُلاءِ الأنتان والجيف سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد النجار يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الحصري يَقُول: سمعت فتحا الموصلي يَقُول: صحبت ثلاثين شيخا كَانُوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عِنْدَ فراقي إياهم وَقَالُوا: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم ومن ارتقى فِي هَذَا الباب عَن حالة الفسق وأشار إِلَى أَن ذَلِكَ من بلاء الأرواح وأنه لا يضر وَمَا قالوه من وساوس القائلين بالشاهد وإيراد حكايات عَن بَعْض الشيوخ لما كَانَ الأولى بِهِمْ إسبال الستر عَلَى هناتهم وآفاتهم فذلك نظير الشرك وقرين الكفر فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم فَإِن اليسير منه فتح بَاب الخذلان وبدء حال الهجران ونعوذ بالله من قضاء السوء.
فصل ومن آفات المريد مَا يتداخل النفس من خفي الحسد للإخوان والتأثر بِمَا يفرد اللَّه بِهِ أشكاله من هذه الطريقة وحرمانه إياه ذَلِكَ
стр. 558
وليعلم أَن الأمور قسم وإنما يتخلص العبد عَن هَذَا باكتفائه بوجود الحق وقدمه عَن مقتضى جوده ونعمه فَكُل من رأيت أيها المريد قدم الحق سبحانه رتبته فاحمل أَنْتَ غاشيته فَإِن الظرفاء من القاصدين عَلَى ذَلِكَ استمرت سنتهم.
فصل واعلم أَن من حق المريد إِذَا اتفق وقوعه فِي جَمِيع إيثار الكل بالكل فيقدم الجائع والشبعان عَلَى نَفْسه ويتلمذ لكل من أظهر عَلَيْهِ التشيخ وإن كَانَ هُوَ أعلم منه ولا يصل إِلَى ذَلِكَ إلا بتبريه عَن حوله وقوته وتوصله إِلَى ذَلِكَ بطول الحق ومنته.
فصل وَأَمَّا آداب المريد فِي السماع فالمريد لا تسلم لَهُ الحركة فِي السماع بالاختيار البتة فَإِن ورد عَلَيْهِ وارد حركة وَلَمْ يكن فِيهِ فضل قوة فبمقدار الغلبة يعذر فَإِذَا زالت الغلبة يجب عَلَيْهِ القعود والسكون فَإِن استدام الحركة مستجلبا للوجد من غَيْر غلبة وضرورة لَمْ يصح فَإِن تعود ذَلِكَ يبقى متخلفا لا يكاشف بشيء من الحقائق فغاية أحواله حينئذ أَن يطيب قلبه وَفِي الجملة أَن الحركة تأخذ من كُل متحرك وتنقص من حاله مريدا كَانَ أَوْ شيخا إلا أَن يَكُون بإشارة من الوقت أَوْ غلبة تأخذ عَنِ التمييز فَإِن كَانَ مريدا أشار عَلَيْهِ الشيخ بالحركة فتحرك عَلَى إشارته فلا بأس إِذَا كَأَنَّهُ الشيخ مِمَّن لَهُ حكم عَلَى أمثاله وَأَمَّا إِذَا أشار عَلَيْهِ الفقراء بالمساعدة فِي الحركة فيساعدهم فِي القيام وَفِي أداء مالا يجد منه بدا مِمَّا يراعى عَنِ الاستيحاش لقلوبهم ثُمَّ إِن صدقه فِي حاله يمنع قلوب الفقراء من سؤالهم عِنْدَ المساعدة معهم
стр. 559
وَأَمَّا طرح الخرقة فحق المريد أَن لا يرجع فِي شَيْء خرج منه ألبته، اللَّهُمَّ إلا أَن يشير إِلَيْهِ شيخ بالرجوع فِيهِ فيأخذه عَلَى نية العارية بقلبه ثُمَّ يخرج عَنْهُ بعده من غَيْر أَن يستوحش قلب ذَلِكَ الشيخ وإذا وقع بَيْنَ قوم عادتهم طرح الخرق وعلم أنهم يَرْجِعُونَ فِيهَا فَإِن لَمْ يكن فيهم شيخ تجب حشمته وحرمته وَكَانَ طريق هَذَا المريد أَن لا يعود فِي الحرقة فالأحسن أَن يساعدهم فِي الطرح ثُمَّ يؤثر بِهِ القوال إِذَا رجعوا هُمْ فِيهَا ولو لَمْ يطرح فَإِنَّهُ يَجُوز إِذَا علم من عادة الْقَوْم أنهم يعودون فيما طرحوا فَإِن القبيح إِنَّمَا هُوَ سنتهم فِي العودة إِلَى الخرق لا فِي مخالفته لَهُمْ عَلَى أَن الأولى الطرح عَلَى الموافقة ثُمَّ ترك الرجوع فِيهِ ولا يسلم للمريد البتة عَنِ التقاضي عَنِ القول، لأن صدق حاله يحمل القول عَلَى التكرار ويحمل غيره عَلَى الاقتضاء ومن تبرك بمريد فَقَدْ جار عَلَيْهِ لأنه يضره لقلة قوته فالواجب عَلَى المريد ترك تربية الجاه عِنْدَ من قَالَ بتركه وإثباته.
فصل وإن ابتلى مريد بجاه أَوْ معلوم أَوْ صحبة حدث أَوْ ميل إِلَى امْرَأَة أَوِ استنامة إِلَى معلوم وليس هناك شيخ يدله عَلَى حاله يتخلص من ذَلِكَ فعند ذَلِكَ حل لَهُ السفر والتحول عَن ذَلِكَ الموضع ليشوش عَلَى نَفْسه تلك الحالة ولا شَيْء أضر لقلوب المريدين من حصول الجاه لَهُمْ قبل خمود بشريتهم ومن آداب المريد أَن لا يسبق علمه هذه الطريقة منازلته فَإِنَّهُ إِذَا تعلم سير هذه الطائفة وتكلف الوقوف عَلَى معرفة مسائلهم وأحوالهم قبل تحققه بِهَا بالمنازلة والمعاملة بَعْد وصوله إِلَى هذه المعاني ولهذا قَالَ المشايخ: إِذَا حدث العارف عَنِ المعارف فجهلوه فَإِن الأخبار عَنِ التنازل دُونَ المعارف، ومن غلب علمه منازلته فَهُوَ صاحب علم لا صاحب سلوك.
стр. 560
فصل ومن آداب المريدين أَن لا يتعرضوا للتصدر، وأن يَكُون لَهُمْ تلميذا ومريدا فَإِن المريد إِذَا صار مرادا قبل خمود بشريته وسقوط آفته فَهُوَ محجوب عَنِ الحقيقة لا تنفع أحدا إشارته وتعليمه.
فصل وإذا خدم المريد الفقراء فخواطر الفقراء رسلهم إِلَيْهِ فلا ينبغي أَن يخالف المريد مَا حكم باطنه عَلَيْهِ من الخلوص فِي الخدمة وبذلك الوسع والطاقة.
فصل ومن شأن المريد إِذَا كَانَ طريقته خدمة الفقراء الصبر عَلَى جفاء الْقَوْم مَعَهُ وأن يعتقد أَنَّهُ يبذل روحه فِي خدمتهم ثُمَّ لا يحمدون أثرا فيعتذر من تقصيره ويقر بالجناية عَلَى نَفْسه تطييبا لقلوبهم وإن علم أَنَّهُ بريء الساحة إِذَا زادوه فِي الجفاء فيجب أَن يزيدهم فِي الخدمة والبر.
سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك يَقُول: إِن فِي المثل إِذَا لَمْ تصبر عَلَى المطرقة فلماذا كنت سندانا، وَفِي معناه أنشدوا:
رُبَّمَا جئته لأسلفه العذر ... لبعض الذنوب قبل التجني
فصل وبناء هَذَا الأمر وملاكه عَلَى حفظ آداب الشريعة وصون اليد عَنِ المد إِلَى الحرام والشبهة وحفظ الحواس عَنِ المحظورات وعد الأنفاس مَعَ اللَّه تَعَالَى عَنِ الغفلات وأن لا يستحل مثلا سمسمه فِيهَا شبهة فِي أوان الضرورات فكيف عِنْدَ الاختيار ووقت الراحات.
стр. 561
ومن شأن المريد دوام المجاهدة فِي ترك الشهوات فَإِن من وافق شهوته عدم صفوته، وأقبح الخصال بالمريد رجوعه إِلَى شهوة تركها لِلَّهِ تَعَالَى.
فصل ومن شأن المريد حفظ عهوده مَعَ اللَّه تَعَالَى فَإِن نقض العهد فِي طريق الإرادة كالردة عَنِ الدين لأهل الظاهر، ولا ينبغي للمريد أَن يعاهد اللَّه تَعَالَى عَلَى شَيْء باختيار مَا أمكنه فَإِن فِي لوازم الشرع مَا يستوفى منه كُل وسع.
قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صفة قوم: ﴿ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] .
فصل ومن شأن المريد قصر الأمل فَإِن الفقير ابْن وقته فَإِذَا كَانَ لَهُ تدبير فِي المستقبل وتطلع لغير مَا هُوَ فِيهِ من الوقت، وأمل فيما يستأنفه لا يجيء منه شَيْء.
فصل ومن شأن المريد أَن لا يَكُون لَهُ معلوم وإن قل لا سيما بَيْنَ الفقراء فَإِن ظلمة المعلوم تطفئ نور الوقت.
فصل ومن شأن المريد بَل من طريقة سالكي هَذَا المذهب ترك قبول رفق النسوان فكيف التعرض لاستجلاب ذَلِكَ، وعلى هَذَا درج شيوخهم وبذلك نفذت وصاياهم، ومن استصغر هَذَا فعن قريب يلقي مَا يفتضح فِيهِ.
стр. 562
فصل ومن شأن المريد التباعد عَن أبناء الدنيا فَإِن صحبتهم سم مجرب، لأنهم ينتفعون بِهِ وَهُوَ ينتقص بِهِمْ.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] وأن الزهاد يخرجون المال عَنِ الكيس تقربا إِلَى اللَّه تَعَالَى وأهل الصفاء يخرجون الخلق والمعارف من القلب تحققا بالله تَعَالَى.
قَالَ الأستاذ الإِمَام أَبُو القاسم عَبْد الكريم بْن هواز القشيري: فَهَذِهِ وصيتنا إِلَى المريدين، نسأل اللَّه الكريم لَهُم التوفيق وأن لا يجعلها وبالا عَلَيْنَا، وَقَدْ نجز لنا إملاء هذه الرسالة فِي أوائل سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة نسأل اللَّه الكريم أَن لا يجعلها حجة عَلَيْنَا ووبالا بَل تكون لنا وسيلة ونوالا، إِن الفضل منه مألوف، وَهُوَ بالعفو موصوف.