← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9953

الرسالة القشيرية

عبد الكريم القشيري

Полный текст (562 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي تفرد بجلال ملكوته، وتوحد بجمال جبروته وتعزز بعلو أحديته، وتقدس بسمو صمديته، وتكبر في ذاته عن مضارعة كل نظير، وتنزه في صفائه عن كل تناه وقصور، له الصفات المختصة بحقه، واليات الناطقة بأنه غير مشبه بخلقه. فسبحانه من عزيز، لا حد يناله، ولا عد يحتاله، ولا أمد يحصره، ولا أحد ينصره، ولا ولد يشفعه، ولا عدد يجمع، ولا مكان يمسكه، ولا زمان يدركه، ولا فهم يقدره، ولا وهم يصوره. تعالى عن أن يقال: كيف هو؟ أو أين هو؟ أو اكتسب بصنعه الزين، أو دفع بفعله النقص والشين؛ إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يغلبه حي، وهو الخبير القدير. أحمده على ما يولى ويصنع، وأشكره على ما يزوى ويدفع، وأتوكل عليه وأقنع، وأرضى بما يعطي ويمنع. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة موقن بتوحيده، مستجير بحسن تأييده. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده المصطفى، وأمينه المجتبي ورسوله المبعوث إلى كافة

стр. 2

الورى صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الدجى، وعلى أصحابه مفاتيح الهدى، وسمل تسليماً كثيراً. هذه رسالة كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوازن القشيري، إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. أما بعد: رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده، بعد رسله وأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره. فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. صفاهم من كدورات البشرية، ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية. ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهد مجارى أحكام الربوبية. فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تكليف، وتحققوا بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف. ثم رجعوا إلى الله، ، بصدق الافتقار، ونعت الانكسار، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال. علماً منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد. لا يحكم عليه خلق. ولا يتوجه عليه مخلوق حق، ثوابه: إبتداء فضل. وعذابه: حكم بعدل. وأمره قضاء فصل.

стр. 3

ثم اعلموا، رحمكم الله، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل: أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها حصلت الفترة في هذه الطريقة..، لا، بل إندرست الطريقة بالحقيقة: مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوى رباطه. وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام. ودانوا بترك الإحترام. وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى انباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة، والنسوان، وأصحاب السلطان. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحروا من رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق، تجري عليهم أحكامه، وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكامه للبشرية. وبقوا

стр. 4

بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا، بل صرفوا. ولما طال الابتلاء فيما نحن ف يه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار، غبرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء، أو بجد مخالف لثلبهم مساغاً، إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين لعيها شديدة. ولما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم، ولعل الله سبحانه يجود بلطفه في التنيه لمن حاد عن السنة المثلى في تضييع آداب هذه الطريقة. ولما أبى الوقت إلا استصعاباً. وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تمادياً فيما اعتادوه واغتراراً بما ارتادوه. أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده. وعلى هذا النحو سار سلفه. فعلقت هذه الرسالة إليكم، أكرمكم الله. وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في آدابهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، وعقائدهم بقلوبهم، وما أشاروا إليه من مواجيدهم، وكيفية ترقيهم من بدايتهم إلى نهايتهم؛ لتكون لمريدي هذه الطريقة قوة، ومنكم لي بتصحيح شهادة، ولي في نشر هذه الشكوى سلوة، ومن الكريم فضلاً ومثوبة وأستعين بالله سبحانه فيما أذكره؛ وأستكفيه؛ وأستعصمه من الخط فيه، وأستغفره وأستعينه. وهو بالفضل جدير، وعلى ما يشاء قدير.

стр. 5

فصل: فِي بيان اعتقاد هذه الطائفة فِي مسائل الأصول اعلموا رحمكم اللَّه أَن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم عَلَى أصول صحيحة فِي التوحيد صانوا بِهَا عقائدهم عَنِ البدع , ودانوا بِمَا وجدوا عَلَيْهِ السلف وأهل السنة من توحيد لَيْسَ فِيهِ تمثيل ولا تعطيل وعرفوا مَا هُوَ حق القدم، وتحققوا بِمَا هُوَ نعت الموجود عَنِ العدم، ولذلك قَالَ سيد هذه الطريقة الجنيد ﵀: التوحيد إفراد القدم من الحدث،

стр. 6

وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل , ولائح الشواهد , كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد الحريري ﵀: من لَمْ يقف عَلَى علم التوحيد بشاهد من شواهده , زلت بِهِ قدم الغرور فِي مهواة من التلف. يريد بِذَلِكَ أَن من ركن إِلَى التقليد , وَلَمْ يتأمل دلائل التوحيد سقط عَن سنن النجاة، ووقع فِي أسر الهلاك، ومن تأمل ألفاظهم , وتصفح كلامهم وجد فِي مجموع أقاويلهم ومتفرقاتها مَا يثق بتأمله بأن الْقَوْم لَمْ يقصروا فِي التحقيق عَن شأو , وَلَمْ يعرجوا فِي الطلب عَلَى تقصير. ونحن نذكر فِي هَذَا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل الأصول، ثُمَّ نحرر عَلَى الترتيب بعدها مَا يشتمل عَلَى مَا يحتاج إِلَيْهِ فِي الاعتقاد عَلَى وجه الإيجاز والاختصار إِن شاء اللَّه تَعَالَى. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن السلمي ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُوسَى السلامي , يَقُول: سمعت أبا بَكْر الشبلي يَقُول: الْوَاحِد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف، وَهَذَا صريح من الشبلي أَن القديم سبحانه لا حد لذاته , ولا حروف لكلامه. سمعت أبا حاتم الصوفي , يَقُول: سمعت أبا نصر الطوسي , يَقُول: سئل رويم عَن أول فرض افترضه اللَّه عَلَى خلقه مَا هُوَ؟ فَقَالَ المعرفة لقوله جل ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قَالَ ابْن عَبَّاس: إلا ليعرفون.

стр. 7

وَقَالَ الجنيد: إِن أول مَا يحتاج إِلَيْهِ العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه والمحدث كَيْفَ كَانَ إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، ويذل لدعوته , ويعترف بوجوب طاعته، فَإِن لَمْ يعرف مالكه لَمْ يعترف بالملك لمن استوجبه. أخبرني مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت أبا الطيب المراغي , يَقُول: للعقل دلالة، وللحكمة إشارة وللمعرفة شهادة، فالعقل يدل، والحكمة تشير، والمعرفة تشهد أَن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد. وسئل الجنيد عَنِ التوحيد فَقَالَ: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أَنَّهُ الْوَاحِد الَّذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه , ولا تكييف , ولا تصوير , ولا تمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَي الصوفي , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن عَلِيّ التميمي الصوفي , يحكي عَنِ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الدامغاني , قَالَ: سئل أَبُو بَكْر الزاهر أبادي عَنِ المعرفة فَقَالَ: المعرفة: اسم , ومعناه وجود تعظيم فِي القلب يمنعك عَنِ التعطيل والتشبيه. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي ﵀: التوحيد أَن تعلم أَنَّهُ غَيْر مشبه للذوات ولا منفي الصفات. أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ تعالي , قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن غالب , قَالَ: سمعت أبا نصر أَحْمَد بْن سَعِيد الإسفنجاني , يَقُول: قَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: ألزم الكل الحدث، لأن القدم لَهُ فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه والذي بالأداة

стр. 8

اجتماعه فقواها تمسكه، والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه، والذي الوهم يظفر بِهِ فالتصوير يرتقي إِلَيْهِ، ومن آواه محل أدركه أين , ومن كَانَ لَهُ جنس طالبه مكيف , أَنَّهُ سبحانه لا يظله فَوْقَ , ولا يقله تَحْتَ , ولا يقابله حد , ولا يزاحمه عِنْدَ، ولا يأخذه خلف , ولا يحده أمام , وَلَمْ يظهره قبل , وَلَمْ ينفه بَعْد، وَلَمْ يجمعه كُل، وَلَمْ يوجده كَانَ , وَلَمْ يفقده لَيْسَ، وصفه لا صفة لَهُ , وفعله لا علة لَهُ، وكونه لا أمد لَهُ، تنزه عَن أحوال خلقه , لَيْسَ لَهُ من خلقه مزاج , ولا فِي فعله علاج، باينهم بقدمه كَمَا باينوه بحدوثهم , إِن قُلْت: مَتَى فَقَدْ سبق الوقت كونه , وإن قُلْت: هُوَ فالهاء والواو خلقه، وإن قُلْت: أين فَقَدْ تقدم المكان وجوده , فالحروف آياته , ووجوده إثباته , ومعرفته توحيده , وتوحيده تمييزه من خلقه

стр. 9

, مَا تصور فِي الأوهام فَهُوَ بخلافه , كَيْفَ يحل بِهِ مَا منه بدأ، أَوْ يعود إِلَيْهِ مَا هُوَ أنشاه , لا تماقله العيون , ولا تقابله الظنون، قربه كرامته , وبعده إهانته، علوه من غَيْر توقل , ومجيئه من غَيْر تنقل، هُوَ الأَوَّل والآخر والظاهر والباطن , القريب البعيد الَّذِي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر الطوسي السراج , يحكي عَن يُوسُف بْن الْحُسَيْن , قَالَ: قام رجل بَيْنَ يدي ذي النون الْمِصْرِي , فَقَالَ: أخبرني عَنِ التوحيد مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ أَن تعلم أَن قدرة اللَّه تعالي فِي الأشياء بلا مزاج , وصنعه للأشياء بلا علاج , وعلة كُل شَيْء صنعه , ولا علة لصنعه، وليس فِي السموات العلا ولا فِي الأرضين السفلي مدير غَيْر اللَّه، وكل مَا تصور فِي وهمك فالله بخلاف ذَلِكَ. وَقَالَ الجنيد: التوحيد علمك وإقرارك بأن اللَّه فرد فِي أزليته لا ثاني مَعَهُ , ولا شيء يفعل فعله. وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: الإيمان تصديق القلوب بِمَا علمه الحق من الغيوب وَقَالَ أَبُو عَبَّاس السياري: عطاؤه عَلَى نوعين: كرامة , واستدراج , فَمَا أبقاه عليك فَهُوَ كرامة، وَمَا أزاله عَنْك فَهُوَ استدراج , فقل: أنا مؤمن إِن شاء اللَّه تعالي وأبو الْعَبَّاس السياري كَانَ شيخ وقته.

стр. 10

سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: غمز رَجُل رِجْل أَبِي الْعَبَّاس السياري فَقَالَ: تغمز رِجْلا مَا نقلتها قط فِي معصية اللَّه . وَقَالَ أَبُو بَكْر الواسطي من قَالَ: أنا مؤمن بالله حقا قيل لَهُ: الحقيقة تشير عَلَى إشراف واطلاع وإحاطة , فمن فقده بطل دعواه فِيهَا يريد بِذَلِكَ مَا قاله أهل السنة إِن المؤمن الحقيقي من كَانَ محكوما بالجنة فمن لَمْ يعلم ذَلِكَ من سر حكمة اللَّه تعالي فدعواه بأنه مؤمن حقا غَيْر صحيح. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن العنبري يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ التستري يَقُول: ينظر إِلَيْهِ تعالى المؤمنون بالأبصار من غَيْر إحاطة ولا إدراك نهاية. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ النوري: شاهد الحق القلوب فلم ير قلبا أشوق إِلَيْهِ من قلب مُحَمَّد ﷺ فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة. سمعت الإِمَام أبا بَكْر مُحَمَّد ابْن الْحَسَن بْن فورك ﵀ تعالي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن المحبوب خادم أَبِي عُثْمَان المغربي يَقُول: قَالَ لي أَبُو عُثْمَان المغربي يوما: يا مُحَمَّد لو قَالَ لَك أحد أين معبودك إيش تقول؟ قَالَ: قُلْت: أقول حيث لَمْ يزل قَالَ: فَإِن قَالَ أين كَانَ فِي الأزل إيش تقول؟

стр. 11

قَالَ: قُلْت: أقول حيث هُوَ الآن يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا كَانَ ولا مكان فَهُوَ الآن كَمَا كَانَ قَالَ: فارتضى مني ذَلِكَ ونزع قميصه وأعطانيه. وسمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك ﵀ تعالي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: كنت أعتقد شَيْئًا من حَدِيث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذَلِكَ عَن قلبي فكتبت إِلَى أَصْحَابنا بمكة إني أسلمت الآن إسلاما جديدا. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول وَقَدْ سئل عَنِ الخلق فَقَالَ: قوالب وأشباح تجري عَلَيْهِم أحكام القدرة. وَقَالَ الواسطي: لما كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله وظهرتا بِهِ لا بذواتها كَذَلِكَ قامت الخطوات والحركات بالله لا بذواتها، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح صرح بِهَذَا الْكَلام أَن أكساب الْعِبَاد مخلوقة لِلَّهِ تعالي، وكما أَنَّهُ لا خالق للجواهر إلا اللَّه تعالي فَكَذَلِكَ لا خالق للأعراض إلا اللَّه تعالي. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الصيدلاني يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الخراز يَقُول: من ظن أَنَّهُ يبذل الجهد يصل إِلَى مطلوبه فمتعن، ومن ظن أَنَّهُ بغير الجهد يصل فمتمن.

стр. 12

وَقَالَ الواسطي: المقامات أقسام قسمت , ونعوت أجريت , كَيْفَ تستجلب بحركات أَوْ تنال بسعايات. وسئل الواسطي عَنِ الكفر بالله أَوْ لِلَّهِ فَقَالَ: الكفر والإيمان والدنيا والآخرة من اللَّه , وإلى اللَّه , وبالله , وَلِلَّهِ , من اللَّه ابتداء وإنشاء , وإلى اللَّه مرجعا وانتهاء , وبالله بقاء وفناء وَلِلَّهِ ملكا وخلقا. وَقَالَ الجنيد: سئل بَعْض الْعُلَمَاء عَنِ التوحيد فَقَالَ: هُوَ اليقين، فَقَالَ السائل: بَيْنَ لي مَا هُوَ فَقَالَ: هُوَ معرفتك أَن حركات الخلق وسكونهم فعل اللَّه وحده لا شريك لَهُ فَإِذَا فعلت ذَلِكَ فَقَدْ وحدته. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت القاسم بْن القاسم يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن موسي الواسطي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الجوهري يَقُول: سمعت ذا النون المصري يَقُول: وَقَدْ جاءه رجل فَقَالَ: ادع اللَّه لي فَقَالَ: إِن كنت قَدْ أيدت فِي علم الغيب بصدق التوحيد فكم من دعوة مجابة قَدْ سبقت لَك وإلا فَإِن النداء لا ينقذ الغرقي. وَقَالَ الواسطي: ادعى فرعون الربوبية عَلَى الكشف وادعت المعتزلة عَلَى الستر تقول: مَا شئت فعلت. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن النوري: التوحيد كُل خاطر بشير إِلَى اللَّه تعالي بَعْد أَن لا تزاحمه خواطر التشبيه. وَأَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ تعالي قَالَ: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن

стр. 13

بَكْر يَقُول: سمعت هلال بْن أَحْمَد يَقُول: سئل أَبُو عَلِي الروذباري عَنِ التوحيد فَقَالَ: التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل وإنكار التشبيه والتوحيد فِي كلمة واحدة كُل مَا صوره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه لقوله تعالي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَقَالَ أَبُو القاسم النصرأباذي: الْجَنَّة باقية بإبقائه، وذكره لَك ورحمته ومحبته لَك باق ببقائه فشتان بَيْنَ مَا هُوَ باق ببقائه وبين مَا هُوَ باق بإبقائه، وَهَذَا الَّذِي قاله الشيخ أَبُو القاسم النصرأباذي هُوَ غاية التحقيق فَإِن أهل الحق قَالُوا: صفات ذَات القديم سبحانه باقيات ببقائه تعالي، فنبه عَلَى هذه المسالة وبين أَن الباقي باق ببقائه بخلاف مَا قاله مخالفوا أهل الحق فخالفوا الحق. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ: سمعت النصرأباذي يَقُول: أَنْتَ متردد بَيْنَ صفات الفعل وصفات الذات وكلاهما صفته تعالي عَلَى الحقيقة فَإِذَا هيمك فِي مقام التفرقة قرنك بصفات فعله، وإذا بلغت إِلَى مقام الجمع قرنك بصفات ذاته. وأبو القاسم النصرأباذي كَانَ شيخ وقته. سمعت الأستاذ الإِمَام أبا إِسْحَاق الإِسْفِرَايِنِيّ ﵀ يَقُول: لما قدمت من بغداد كنت أدرس فِي جامع نيسابور مسألة الروح وأشرح القول فِي أَنَّهَا مخلوقة وَكَانَ أَبُو القاسم النصرأباذي قاعدا متباعدا عنا يصغي إِلَى كلامي فاجتاز بنا بَعْد ذَلِكَ يوما بأيام قلائل، فَقَالَ: لمحمد الفراء: أشهد أني أسلمت جديدا عَلَى يد هَذَا الرجل وأشار إلي. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن السلمي يَقُول: سمعت أبا حسين الفارسي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: مَتَى يتصل من لا شبيه لَهُ ولا نظير لَهُ بمن لَهُ

стр. 14

شبيه ونظير هيهات هَذَا ظن عجب إلا بِمَا لطف اللطيف من حيث لا دراك ولا وَهُمْ ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ تعالي قَالَ: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَلِي البردعي قَالَ: حَدَّثَنَا طاهر بْن إِسْمَاعِيل الرازي قَالَ: قيل ليحيى بْن معاذ: أخبرني عَنِ اللَّه فَقَالَ: اللَّه واحد. فقيل لَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: ملك قادر. فقيل: أين هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ بالمرصاد. فَقَالَ السائل: لَمْ أسألك عَن هَذَا. فَقَالَ: مَا كَانَ غَيْر هَذَا كَانَ صفة المخلوق فأما صفته فَمَا أخبرتك عَنْهُ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: كُل مَا توهمه متوهم بالجهل أَنَّهُ كَذَلِكَ فالعقل يدل عَلَى أَنَّهُ بخلافه. وسأل ابْن شاهين الجنيد عَن معني مَعَ فَقَالَ: مَعَ عَلَى معنيين: مَعَ الأنبياء بالنصرة والكلاءة قَالَ اللَّه تعالي: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ومع العامة بالعلم والإحاطة قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَقَالَ: ابْن شاهين: مثلك يصلح أَن يَكُون دالا للأمة عَلَى اللَّه. وسئل ذو النون الْمِصْرِي عَن قَوْله تعالي: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]

стр. 15

فَقَالَ: أثبت ذاته ونفي مكانه فَهُوَ موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمة كَمَا شاء سبحانه. وسئل الشبلي عَن قَوْله تعالي: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ: الرحمن لَمْ يزل والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى. وسئل جَعْفَر بْن نصير عَن قَوْله تعالي: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ: استوى علمه بكل شيء فليس شَيْء أقرب إِلَيْهِ من شَيْء. وَقَالَ جَعْفَر الصادق: من زعم أَن اللَّه فِي شَيْء أَوْ من شَيْء أَوْ عَلَى شَيْء فَقَدْ أشرك إذ لو كَانَ عَلَى شَيْء لكان محمولا ولو كَانَ فِي شَيْء لكان محصورا ولو كَانَ من شَيْء لكان محدثا. وَقَالَ جَعْفَر الصادق أيضًا فِي قَوْله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] من توهم أَنَّهُ بنفسه دنا جعل ثُمَّ مسافة، إِنَّمَا التداني أَنَّهُ كلما قرب منه بعده عَن أنواع المعارف إذ لا دنو ولا بَعْد. ورأيت بخط الأستاذ أَبِي عَلِيّ أَنَّهُ قيل لصوفي أين اللَّه؟ فَقَالَ: أسحقك اللَّه تطلب مَعَ العين أين؟ أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن الخشاب البغدادي يَقُول: سمعت أبا القاسم بْن موسي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت الأَنْصَارِي يَقُول: سمعت الحراز يَقُول: حقيقة القرب فَقَدْ حس الأشياء من القلب وهدو الضمير إِلَى اللَّه تعالي. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ الحافظ يَقُول: سمعت أبا معاذ

стр. 16

القزويني يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الدلال يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن فهرمان يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول: انتهيت إِلَى رجل وَقَدْ صرعه الشَّيْطَان فجعلت أؤذن فِي أذنه فناداني الشَّيْطَان من جوفه دعني أقتله فَإِنَّهُ يَقُول: الْقُرْآن مخلوق. وَقَالَ ابْن عَطَاء: إِن اللَّه تعالي لما خلق الأحرف جعلها سرا لَهُ فلما خلق آدم ﵇ بث فِيهِ ذَلِكَ السر وَلَمْ يبث ذَلِكَ السر فِي أحد من ملائكته، فجرت الأحرف عَلَى لسان آدم ﵇ بفنون الجريان وفنون اللغات فجعلها اللَّه صورا لَهَا صرح ابْن عَطَاء القول بأن الحروف مخلوقة. وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: إِن الحرف لسان فعل لا لسان ذَات، لأنها فعل فِي مفعول. قَالَ: وَهَذَا أَيْضًا تصريح بأن الحروف مخلوقة. وَقَالَ الجنيد: فِي جوابات مسائل الشاميين: التوكل عمل القلب والتوحيد قَوْل القلب قَالَ: هَذَا قَوْل أهل الأصول إِن الْكَلام هُوَ المعني الَّذِي قام بالقلب من معني الأمر والنهي والخبر والاستخبار. وَقَالَ الجنيد: فِي جوابات مسائل الشاميين أَيْضًا: تفرد الحق بعلم الغيوب فعلم مَا كَانَ وَمَا يَكُون وَمَا لا يَكُون أَن لو كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُون. وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: من عرف الحقيقة فِي التوحيد سقط عَنْهُ لَمْ وكيف. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: قَالَ الجنيد: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مَعَ الفكرة فِي ميدان التوحيد. وَقَالَ الواسطي: مَا أحدث اللَّه شَيْئًا أكرم من الروح صرح بأن الروح مخلوقة.

стр. 17

قَالَ الأستاذ الإِمَام زين الإِسْلام أَبُو القاسم ﵀: دلت هذه الحكايات عَلَى أَن عقائد مشايخ الصوفية توافق أقاويل أهل الحق مسائل الأصول، وَقَد اقتصرنا عَلَى هَذَا المقدار خشية خروجنا عما أثرناه من الإيجاز والاختصار.

стр. 18

فصل: قَالَ الأستاذ زين الإِسْلام أَبُو القاسم أدام اللَّه عزه: وَهَذَهِ فصول تشتمل عَلَى بيان عقائدهم فِي مسائل التوحيد ذكرناها عَلَى وجه الترتيب قَالَ شيوخ هذه الطريقة عَلَى مَا يدل عَلَيْهِ متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهم فِي التوحيد: أَن الحق سبحانه وتعالي موجود قديم واحد حَكِيم قادر عليم قاهر رحيم مريد سميع مجيد رفيع متكلم بصير متكبر قدير حي أحد باق صمد، وأنه عالم بعلم , قادر بقدرة , مريد بإرادة , سميع بسمع , بصير ببصر , متكلم بكلام , حي بحياة , باق ببقاء , وَلَهُ يدان هما صفتان يخلق بهما مَا يشاء سبحانه عَلَى التخصيص، وَلَهُ الوجه الجميل وصفات ذاته مختصة بذاته، لا يقال هِيَ وَهُوَ ولا هِيَ أغيار لَهُ بَل هِيَ صفات لَهُ أزلية ونعوت سرمدية، وأنه أحدي الذات لَيْسَ يشبهه شَيْئًا من المصنوعات ولا

стр. 19

يشبهه شَيْء من المخلوقات، لَيْسَ بجسم , ولا جوهر , ولا عرض , ولا صفاته أعراض، ولا يتصور فِي الأوهام ولا يتقدر فِي العقول، ولا لَهُ جهة ولا مكان ولا يجري عَلَيْهِ وقت وزمان، ولا يَجُوز فِي وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصه هيئة وَقَدْ، ولا يقطعه نهاية وحد، ولا يحله حادث ولا يحمله عَلَى الفعل باعث، ولا يَجُوز عَلَيْهِ لون ولا كون ولا ينصره مدد ولا عون، ولا يخرج عَن قدرته مقدور ولا ينفك عَن حكمه مفطور، ولا يعذب عَن علمه معلوم ولا هُوَ عَلَى فعله كَيْفَ يصنع وَمَا يصنع ملوم، لا يقال لَهُ أين ولا حيث ولا كَيْفَ ولا يستفتح لَهُ وجود فيقال: مَتَى كَانَ ولا ينتهي لَهُ بقاء فيقال: استوفي الأجل والزمان، ولا يقال: لَمْ فعل مَا فعل إذ لا علة لأفعاله، ولا يقال: مَا هُوَ إذ لا جنس لَهُ فيتميز بأمارة عَن أشكاله، يرى لا عَن مقابلة ويرى غيره لا عَن مماقلة، ويصنع لا عَن مباشرة ومزاولة، لَهُ الأسماء الحسني والصفات العلا يفعل مَا يريد ويذل لحكمه العبيد، لا يجري فِي سلطانه إلا مَا يشاء , ولا يحصل فِي ملكه غَيْر مَا سبق بِهِ الْقَضَاء، مَا علم أَنَّهُ يَكُون من الحادثات أراد أَن يَكُون وَمَا علم أَنَّهُ لا يَكُون مِمَّا جاز أَن يَكُون أراد أَن لا يَكُون، خالق أكساب الْعِبَاد خيرها وشرها , مبدع مَا فِي العالم من الأعيان والآثار قلها وكثرها ومرسل الرسل إِلَى الأمم من غَيْر وجوب عَلَيْهِ، ومتعبد الأنام عَلَى لسان الأنبياء عَلَيْهِم الصلاة والسلام بِمَا لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عَلَيْهِ، ومؤيد نبينا مُحَمَّد ﷺ بالمعجزات الظاهرة والآيات الزاهرة بِمَا أزاح بِهِ العذر وأوضح بِهِ اليقين والنكر وحافظ بيضة الإِسْلام بَعْد وفاته ﷺ بخلفائه الراشدين ثُمَّ حارس الحق وناصره بِمَا يوضحه من حجج الدين عَلَى ألسنة أوليائه عصم الأمة الحنيفية عَنِ الاجتماع عَلَى الضلالة وحسم مادة الباطل بِمَا نصب من الدلالة وأنجز مَا وعد من نصرة الدين بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] فَهَذِهِ فصول تشير إِلَى أصول المشايخ عَلَى وجه الإيجاز وبالله التوفيق.

стр. 20

بَاب فِي ذكر مشايخ هذه الطريقة وَمَا يدل من سيرهم وأقوالهم عَلَى تعظيم الشريعة اعلموا رحمكم اللَّه تَعَالَى أَن الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يتسم أفاضلهم فِي عصرهم بتسمية علم سِوَى صحبة رَسُول اللَّهِ ﷺ إذ لا فضيلة فوقها , فقيل لَهُمْ: الصَّحَابَة , ولما أدركهم أهل العصر الثَّانِي سمى من صحب الصَّحَابَة التابعين , ورأوا ذَلِكَ أشرف سمة ثُمَّ قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ثُمَّ أختلف النَّاس وتباينت المراتب , فقيل لخواص النَّاس مِمَّن لَهُمْ شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ثُمَّ ظهرت البدع وحصل التداعي بَيْنَ الفرق فَكُل فريق أدعوا أَن فيهم زهدا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مَعَ اللَّه تعالي الحافظون قلوبهم عَن طوارق الغفلة باسم التصوف واشتهر هَذَا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة. ونحن نذكر فِي هَذَا الباب أسامي جَمَاعَة من شيوخ هذه الطريقة من الطبقة الأولى إِلَى وقت المتأخرين مِنْهُم , وتذكر جملا من سيرهم وأقاويلهم بِمَا يَكُون فِيهِ تنبيه عَلَى أصولهم وآدابهم إِن شاء اللَّه تَعَالَى.

стр. 21

فمنهم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن أدهم بْن مَنْصُور من كورة بلخ رَضِيَ اللَّهُ تعالي عَنْهُ كَانَ من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أَوْ أرنبا وَهُوَ فِي طلبه فهتف بِهِ هاتف: يا إِبْرَاهِيم , ألهذا خلقت أم بِهَذَا أمرت؟ ثُمَّ هتف بِهِ أَيْضًا من قربوس سرجه والله مَا لِهَذَا خلقت ولا بِهَذَا أمرت، فنزل عَن دابته وصادف راعيا لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وَمَا مَعَهُ، ثُمَّ إنه دَخَلَ البادية ثُمَّ دَخَلَ مَكَّة وصحب بِهَا سُفْيَان الثَّوْرِي والفضيل بْن عياض، ودخل الشام وَمَاتَ بِهَا وَكَانَ يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين وغير ذَلِكَ، وأنه رأى فِي البادية رجلا علمه اسم اللَّه الأعظم , فدعا بِهِ بعده فرأى الخضر ﵇ , وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا علمك أَخِي دَاوُد اسم اللَّه الأعظم.

стр. 22

أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الخشاب , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن عَلِي بْن مُحَمَّد الْمِصْرِي , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الخراز , قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بشار , قَالَ: صحبت إِبْرَاهِيم بْن أدهم , فَقُلْتُ: خبرني عَن بدء أمرك فذكر هَذَا. وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم كبير الشأن فِي بَاب الورع. يحكي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أطب مطعمك ولا حرج عليك أَن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار، وقيل: كَانَ عامة دعائه اللَّهُمَّ انقلني من ذل معصيتك إِلَى عز طاعتك. وقيل: لإبراهيم بْن أدهم: إِن اللحم قَدْ غلا , فَقَالَ: أرخصوه أي لا تشتروه، وأنشد فِي ذَلِكَ: وإذا غلا شَيْء عَلَي تركته ... فيكون أرخص مَا يَكُون إذ غلا أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ تعالي , قَالَ: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد , يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن خضرويه , يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم لرجل فِي الطواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حَتَّى تجوز ست عقبات: أولاها: تغلق بَاب النعمة وتفتح بَاب الشدة، وَالثَّانِيَة: تغلق بَاب العز وتفتح بَاب الذل، والثالثة: تغلق بَاب الراحة وتفتح بَاب الجهد، والرابعة: تغلق بَاب النوم وتفتح بَاب السهر، والخامسة: تغلق بَاب الغنى وتفتح بَاب الفقر، والسادسة: تغلق بَاب الأمل وتفتح بَاب الاستعداد للموت. وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم يحفظ كرما فمر بِهِ جندي , فَقَالَ: أعطنا من هَذَا العنب , فَقَالَ: أمرني بِهِ صاحبه،

стр. 23

فأخذ يضربه بسوطه فطأطأ رأسه , وَقَالَ: اضرب رأسا طالما عصى اللَّه فأعجز الرجل ومضي. وَقَالَ سهل بْن إِبْرَاهِيم صحبت إِبْرَاهِيم بْن أدهم: فمرضت فأنفق عَلِي نفقته , فاشتهيت شهوة , فباع حماره , وأنفق عَلِي ثمنه , فلما تماثلت , قُلْت: يا إِبْرَاهِيم , أين الحمار؟ فَقَالَ: بعناه , فَقُلْتُ: فعلى ماذا أركب؟ فَقَالَ: يا أَخِي عَلَى عنقي , فحملني ثَلاث منازل.

стр. 24

وَمِنْهُم أَبُو الفيض ذو النون الْمِصْرِي واسمه ثوبان بْن إِبْرَاهِيم , وقيل: الفيض بْن إِبْرَاهِيم وأبوه كَانَ نوبيا توفى سنة خمس وأربعين ومائتين فائق هَذَا الشأن وأوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا سعوا بِهِ إِلَى المتوكل فاستحضره من مصر فلما دَخَلَ عَلَيْهِ وعظه فبكي المتوكل ورده إِلَى مصر مكرما، وَكَانَ المتوكل إِذَا ذكر بَيْنَ يديه أهل الورع يبكي وَيَقُول: إِذَا ذكر أهل الورع فحيهلا بذي النون، وَكَانَ رجلا نحيفا تعلوه حمرة لَيْسَ بأبيض اللحية. سمعت أَحْمَد بْن محمود , يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان , يَقُول: سمعت ذا النون , يَقُول: مدار الْكَلام عَلَى أربع: حب الجليل وبغض القليل واتباع التنزيل وخوف التحويل. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ , يَقُول: سمعت سَعِيد بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سهل , يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان , يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي , يَقُول: من علامات المحب لِلَّهِ متابعة حبيب اللَّه ﷺ فِي أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه.

стр. 25

وسئل ذو النون عَنِ السفلة , فَقَالَ: من لا يعرف الطريق إِلَى اللَّه ولا يتعرفه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان , يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن , يَقُول: حضرت مجلس ذي النون يوما وجاءه سالم المغربي , فَقَالَ لَهُ: يا أبا الفيض , مَا كَانَ سبب توبتك؟ قَالَ: عجب لا تطيقه , قَالَ: بمعبودك إلا أخبرتني، فَقَالَ ذو النون: أردت الخروج من مصر إِلَى بَعْض القرى فنمت فِي الطريق فِي بَعْض الصحارى ففتحت عيني فَإِذَا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها عَلَى الأَرْض فانشقت الأَرْض فخرج منها سكرجتان , إحداهما ذهب , والأخرى فضة , وَفِي إحداهما سمسم , وَفِي الأخرى ماء , فجعلت تأكل من هَذَا وتشرب من هَذَا فَقُلْتُ: حسبي قَدْ تبت ولزمت الباب إِلَى أَن قبلني اللَّه سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُمَر الحافظ يَقُول: سمعت ابْن رشيق يَقُول: سمعت أبا دجانة يَقُول: سمعت ذا النون يَقُول: لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما. وسئل ذو النون عَنِ التوبة فَقَالَ: توبة العوام تكون من الذنوب وتوبة الخواص تكون من الغفلة.

стр. 26

وَمِنْهُم أَبُو عَلَى الفضيل بْن عياض خراساني من ناحية مرو وقيل: إنه ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد مَات بمكة فِي المحرم سنة سبع وثمانين ومائة. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّهِ العسكري قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أخي أَبِي ذرعة قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن راهويه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عمار عَنِ الفضيل بْن موسي , قَالَ: كَانَ الفضيل شاطرا يقطع الطريق بَيْنَ أبيورد وسرخس وَكَانَ سبب توبته أَنَّهُ عشق جارية , فبينما هُوَ يرتقى الجدران إِلَيْهَا سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] , فَقَالَ: يا رب , قَدْ آن , فرجع فآواه الليل إِلَى خربة , فَإِذَا فِيهَا رفقة , فَقَالَ بَعْضهم: نرتحل، وَقَالَ قوم: حَتَّى نصبح , فَإِن فضيلا عَلَى الطريق يقطع عَلَيْنَا , فتاب الفضيل وأمنهم وجاور الحرم حَتَّى مَات. وَقَالَ الفضيل بْن عياض: إِذَا أحب اللَّه عبدا أَكْثَر غمه، وإذا أبغض عبدا وسع عَلَيْهِ دنياه. وَقَالَ ابْن المبارك: إِذَا مَات الفضيل ارتفع الحزن.

стр. 27

وَقَالَ الفضيل: لو أَن الدنيا بحذافيرها عرضت عَلَى ولا أحاسب بِهَا لكنت أتقذرها كَمَا يتقذر أحدكم الجيفة إِذَا مر بِهَا أَن تصيب ثوبه. وَقَالَ الفضيل: لو حلفت أنى مراء أحب إلي من أَن أحلف أنى لست بمراء. وَقَالَ الفضيل: ترك العمل لأجل النَّاس هُوَ الرياء , والعمل لأجل النَّاس هُوَ الشرك. وَقَالَ أَبُو عَلَى الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة مَا رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يَوْم مَات ابنه عَلَى، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِن اللَّه أحب أمرا فأحببت ذَلِكَ. وَقَالَ الفضيل: إني لأعصي اللَّه , فأعرف ذَلِكَ فِي خلق حماري وخادمي.

стр. 28

وَمِنْهُم أَبُو محفوظ معروف بْن فيروز الكرخي كَانَ من المشايخ الكبار مجاب الدعوة يستشفي بقبره , يَقُول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرب وَهُوَ من موالي عَلِي بْن موسي الرضا ﵁، مَات سنة مائتين، وقيل: سنة إحدى ومائتين، وَكَانَ أستاذ السري السقطي , وَقَدْ قَالَ لَهُ يوما: إِذَا كانت لَك حاجة إِلَى اللَّه فأقسم عَلَيْهِ بي. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى , يَقُول: كَانَ معروف الكرخي أبواه نصرانيان فسلموا معروفا إِلَى مؤديهم وَهُوَ صبي فكان المؤدب يَقُول لَهُ: قل: ثالث ثلاثة، فَيَقُول: بَل هُوَ واحد فضربه المعلم يوما ضربا مبرحا , فهرب معروف فكان أبواه , يقولان: ليته يرجع إلينا عَلَى أي دين يشاء فنوافقه عَلَيْهِ، ثُمَّ إنه أسلم عَلَى يدي عَلِي بْن موسي الرضا ورجع إِلَى منزله ودق الباب , فقيل: من بالباب؟ فَقَالَ: معروف، فَقَالُوا: عَلَى أي دين جئت؟ فَقَالَ: عَلَى الدين الحنيفي , فأسلم أبواه. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحربي يقول: سمعت سريا السقطي , يَقُول: رأيت معروفا الكرخي فِي النوم كَأَنَّهُ تَحْتَ العرش فَيَقُول اللَّه لملائكته: من هَذَا؟ فيقولون: أَنْتَ أعلم يا رب،

стр. 29

فَيَقُول: هَذَا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي. وَقَالَ معروف: قَالَ لي بَعْض أَصْحَاب دَاوُد الطائي: إياك أَن تترك العمل , فَإِن ذَلِكَ الَّذِي يقربك إِلَى رضا مولاك، فَقُلْتُ: وَمَا ذَلِكَ العمل؟ فَقَالَ: دوام طاعة ربك وخدمة الْمُسْلِمِينَ والنصيحة لَهُمْ. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد الدلال يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَبِي , يَقُول: رأيت معروفا الكرخي فِي النوم بَعْد موته , فَقُلْتُ لَهُ: ماذا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي , فَقُلْتُ: بزهدك وورعك؟ فَقَالَ: لا بقبولي موعظة ابْن السماك ولزوم الفقر ومحبتي للفقراء، وموعظة ابْن السماك مَا قاله معروف كنت مارا بالكوفة , فوفقت عَلَى رجل , يقال لَهُ: ابْن السماك وَهُوَ يعظ النَّاس , فَقَالَ فِي خلال كلامه: من أعرض عَنِ اللَّه بكليته أعرض اللَّه عَنْهُ جملة، ومن أقبل عَلَى اللَّه بقلبه أقبل اللَّه برحمته إِلَيْهِ، , وأقبل بجميع وجوه الخلق إِلَيْهِ، ومن كَانَ مرة ومرة فالله يرحمه وقتا مَا , فوقع كلامه فِي قلبي , فأقبلت عَلَى اللَّه تعالي , وتركت جَمِيع مَا كنت عَلَيْهِ إلا خدمة مولاي عَلِي بْن موسي الرضا , وذكرت هَذَا الْكَلام لمولاي، فَقَالَ: يكفيك بِهَذَا موعظة إِن اتعظت، أخبرني بِهَذِهِ الحكاية مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ: سمعت عَبْد الرحيم بْن عَلِيّ الحافظ ببغداد , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عُمَر بْن الفضل , يَقُول: سمعت عَلِي بْن عيسى , يَقُول: سمعت سريا السقطي , يَقُول: سمعت معروفا , يَقُول ذَلِكَ، وقيل لمعروف فِي مرض موته: أوص ,

стр. 30

فَقَالَ: إِذَا مت فتصدقوا بقميصي , فأنى أريد أَن أخرج من الدنيا عريانا كَمَا دخلتها عريانا، ومر معروف بسقاء , يَقُول: رحم اللَّه من يشرب وَكَانَ صائما فتقدم , فشرب , فقيل لَهُ: ألم تكن صائما؟ ، فَقَالَ: بلى , ولكني رجوت دعاءه.

стр. 31

وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ سري بْن المغلس السقطي خال الجنيد وأستاذه , وَكَانَ تلميذ معروف الكرخي , كَانَ أوحد زمانه فِي الورع وأحوال السنة وعلوم التوحيد. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي , يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن علوان , يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن مسروق , يَقُول: بلغني أَن السري السقطي كَانَ يتجر فِي السوق وَهُوَ من أَصْحَاب معروف الكرخي , فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم , فَقَالَ: اكس هَذَا اليتيم , قَالَ سرى: فكسوته ففرح بِهِ معروف , وَقَالَ: بغض اللَّه إليك الدنيا وأراحك مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، فقمت من الحانوت وليس شَيْء أبغض إِلَى من الدنيا وكل مَا أنا فِيهِ من بركات معروف. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: مَا رأيت أعبد من السري أتت عَلَيْهِ ثمان وتسعون سنة مَا رؤي مضطجعا إلا فِي علة الْمَوْت. ويحكي عَنِ السري , أَنَّهُ قَالَ: التصوف اسم لثلاث معان , وَهُوَ الَّذِي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه،

стр. 32

ولا يتكلم بباطن فِي علم ينقضه عَلَيْهِ ظاهر الكتاب أَوِ السنة، ولا تحمله الكرامات عَلَى هتك أستار محارم اللَّه. مَات السري سنة سبع وخمسين ومائتين. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يحكي عَنِ الجنيد ﵀ أَنَّهُ قَالَ: سألني السري يوما عَنِ المحبة فَقُلْتُ: قَالَ قوم: هِيَ الموافقة وَقَالَ قوم: الإيثار. وَقَالَ قوم: كَذَا وكذا، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد، ثُمَّ قَالَ: وعزته تَعَالَى لو قُلْت: إِن هذه الجلدة يبست عَلَى هَذَا العظم من محبته لصدقت، ثُمَّ غشي عَلَيْهِ فدار وجهه كَأَنَّهُ قمر مشرق وَكَانَ السري بِهِ أدمة. ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: منذ ثلاثين سنة أنا فِي الاستغفار من قولي الحمد لِلَّهِ مرة قيل: وكيف ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فَقَالَ لي: نجا حانوتك، فَقُلْتُ: الحمد لِلَّهِ فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم عَلَى مَا قُلْت: حيث أردت لنفسي خيرا مِمَّا حصل للمسلمين. أخبرني بِهِ عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ , قَالَ: سمعت أبا بَكْر الرازي , يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحريري , يَقُول: سمعت السري يَقُول ذَلِكَ. ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: أنا أنظر فِي أنفى فِي اليوم كَذَا وكذا مرة مخافة أَن يَكُون قَدْ أسود خوفا من اللَّه أَن يسود صورتي لما أتعاطاه. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الخشاب , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: سمعت الجنيد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول: أعرف طريقا مختصرا قصدا إِلَى الْجَنَّة , فَقُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ؟ . فَقَالَ: لا تسأل من أحد شَيْئًا ولا تأخذ من أحد شَيْئًا ولا يكن معك شَيْء تعطي منه أحدا.

стр. 33

سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي , يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: سمعت الجنيد بْن مُحَمَّد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول: أشتهي أَن أموت ببلد غَيْر بغداد، فقيل لَهُ: وَلَمْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أخاف أَن لا يقبلني قبري فافتضح. سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي , يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن بْن عَبْد اللَّهِ الغوطي الطرسوسي , يَقُول: سمعت الجنيد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول: اللَّهُمَّ مهما عذبتني بشيء , فلا تعذبني بذل الحجاب. سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: دخلت يوما عَلَى السري السقطي وَهُوَ يبكي فَقُلْتُ لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: جاءتني البارحة الصبية , فَقَالَتْ: يا أبتي هذه الليلة حارة وَهَذَا الكوز أعلقه هاهنا , ثُمَّ إني حملتني عيناي فنمت , فرأيت جارية من أَحْسَن الخلق قَدْ نزلت من السماء , فَقُلْتُ: لمن أَنْتَ؟ فَقَالَتْ: لمن لا يشرب الماء المبرد فِي الكيزان، فتناولت الكوز فضربت بِهِ الأَرْض فكسرته , قَالَ الجنيد: فرأيت الخزف لَمْ يرفعه وَلَمْ يمسه حَتَّى عفا عَلَيْهِ التراب.

стр. 34

وَمِنْهُم أَبُو نصر بشر بْن الْحَارِث الحافي أصله من مرو وسكن بغداد وَمَاتَ بِهَا وَهُوَ ابْن أخت عَلِي بْن خشرم، مَات سنة سبع وعشرين ومائتين وَكَانَ كبير الشأن، وَكَانَ سبب توبته أَنَّهُ أصاب فِي الطريق كاغدة مكتوبا فِيهَا اسم اللَّه قَدْ وطئتها الأقدام فأخذها واشترى بدرهم كَانَ مَعَهُ غالية فطيب بِهَا الكاغدة وجعلها فِي شق حائط، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلا , يَقُول لَهُ: يا بشر , طيبت اسمي لأطيبن اسمك فِي الدنيا والآخرة. سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ , يَقُول: مر بشر ببعض النَّاس فَقَالُوا: هَذَا الرجل لا ينام الليل كُلهُ ولا يفطر إلا فِي كُل ثلاثة أَيَّام مرة فبكى بشر فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ إني لا أذكر أنى سهرت ليلة كاملة ولا أنى صمت يوما لَمْ أفطر من ليلته ولكن اللَّه يلقى فِي القلوب أَكْثَر مِمَّا يفعله العبد لطفا منه سبحانه وكرما، ثُمَّ ذكر ابتداء أمره كَيْفَ كَانَ عَلَى مَا ذكرناه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي حاتم , يَقُول: بلغني أَن بشر بْن الْحَارِث الحافي , قَالَ: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام , فَقَالَ لي: يا بشر , أتدري لَمْ رفعك اللَّه من بَيْنَ أقرانك؟ قُلْت: لا يا رَسُول اللَّهِ، قَالَ: باتباعك لسنتي , وخدمتك للصالحين , ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأَصْحَابي , وأهل بَيْتِي، وَهُوَ الَّذِي بلغك منازل الأبرار.

стр. 35

سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت بلالا الخواص , يَقُول: كنت فِي تية بنى إسرائيل فَإِذَا رجل يماشيني فتعجبت منه ثُمَّ ألهمت أَنَّهُ الخضر ﵇ فَقُلْتُ لَهُ: بحق الحق من أَنْتَ. فَقَالَ: أخوك الخضر. فَقُلْتُ لَهُ: أريد أَن أسألك فَقَالَ: سل. فَقُلْتُ: مَا تقول فِي الشَّافِعِي رحمة اللَّه؟ فَقَالَ: هُوَ من الأوتاد , فَقُلْتُ: مَا تقول أَحْمَد بْن حنبل ﵁؟ قَالَ: رجل صديق. قُلْت: فَمَا تقول فِي بشر بْن الْحَارِث الحافي؟ فَقَالَ: لَمْ يخلق بعده مثله. فَقُلْتُ: بأي وسيلة رأيتك. فَقَالَ: ببرك لأمك. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى , يَقُول: أتى بشر الحافي بَاب المعافى بْن عمران فدق عَلَيْهِ الباب فقيل: من فَقَالَ: بشر الحافي. فَقَالَتْ لَهُ: بنية من داخل الدار لو اشتريت لَك نعلا بدانقين لذهب عَنْك اسم الحافي. أخبرني بِهَذِهِ الحكاية مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الشيرازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الفضل قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ المغازلي يَقُول: سمعت بشرا الحافي يذكر هذه الحكاية. وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الحجاجي , يَقُول: سمعت الحاملي , يَقُول: سمعت الْحَسَن المسوحي , يَقُول: سمعت بشر بْن الْحَارِث يحكي هذه الحكاية.

стр. 36

وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت أبا الفضل العطار , يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ الدمشقي , يَقُول: قَالَ لي أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء: رأيت ذا النون وكانت لَهُ العبارة، ورأيت سهلا وكانت لَهُ الإشارة، ورأيت بشر بْن الْحَارِث وَكَانَ لَهُ الورع، فقيل لَهُ فإلى من كنت تميل؟ فَقَالَ: لبشر بْن الْحَارِث أستاذنا. وقيل: إنه اشتهي الباقلا سنين فلم يأكله فرؤي فِي المنام بَعْد وفاته , فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي، وَقَالَ: كُل يا من لَمْ يأكل , واشرب يا من لَمْ يشرب. أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن يَحْيَي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو بْن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن بنت مُعَاوِيَة قَالَ: سمعت أبا بَكْر بْن عَفَّان يَقُول: سمعت بشر بْن الحوت يَقُول: إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة مَا صفا لي ثمنه. وقيل لبشر: بأي شَيْء تأكل الْخَبَر؟ فَقَالَ: أذكر العافية وأجعلها إداما أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو بْن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الدنيا قَالَ: قَالَ رجل لبشر الحكاية المذكورة. وَقَالَ بشر: لا يحتمل الحلال السرف. ورؤي بشر فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي وأباح لي نصف الْجَنَّة، وَقَالَ لي: يا بشر , لو سجدت لي عَلَى الجمر مَا أديت شكر مَا جعلته لَك فِي قلوب عبادي. وَقَالَ بشر: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أَن يعرفه النَّاس.

стр. 37

وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحَارِث بْن أسد المحاسبي عديم النظير فِي زمانه علما وورعا ومعاملة وحالا، بصري الأصل , مَات ببغداد سنة ثَلاث وأربعين ومائتين , قيل: إنه ورث من أَبِيهِ سبعين ألف درهم , فلم يأخذ منها شَيْئًا , قيل: لأن أباه كَانَ يَقُول بالقدر، فرأى من الورع أَن لا يأخذ من ميراثه شَيْئًا وَقَالَ: صحت الرواية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لا يتوارث أهل ملتين شَيْئًا. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مسروق , يَقُول مَات الْحَارِث بْن أسد المحاسبي وَهُوَ محتاج إِلَى درهم وخلف أبوه ضياعا وعقارا فلم يأخذ منه شَيْئًا. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى , يَقُول كَانَ الْحَارِث المحاسبي إِذَا مد يده إِلَى طَعَام فِيهِ شبهة تحرك عَلَى إصبعه عرق فكان يمتنع منه. وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لَهُمْ حالهم الْحَارِث بْن أسد المحاسبي والجنيد بْن مُحَمَّد وأبو مُحَمَّد رويم وأبو الْعَبَّاسِي بْن عَطَاء وعمرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي، لأنهم جمعوا بَيْنَ العلم والحقائق. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الطوسي , يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي , يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان البلدي , يَقُول: قَالَ الْحَارِث المحاسبي: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين اللَّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة

стр. 38

ويحكي عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: مر بي يوما الْحَارِث المحاسبي فرأيت فِيهِ أثر الجوع فَقُلْتُ: يا عم تدخل الدار وتتناول شَيْئًا؟ فَقَالَ: نعم فدخلت الدار وطلبت شَيْئًا أقدمه إِلَيْهِ فكان فِي الْبَيْت شَيْء من طَعَام حمل إِلَى من عرس قوم فقدمته إِلَيْهِ فأخذ لقمة وأدارها فِي فِيهِ مرات , ثُمَّ إنه قام وألقاها فِي الدهليز ومر فلما رأيته بَعْد ذَلِكَ بأيام , قُلْت لَهُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ: إني كنت جائعا وأردت أَن أسرك بأكلي وأحفظ قلبك ولكني بيني وبين اللَّه سبحانه علامة أَن لا يسوغني طعاما فِيهِ شبهة فلم يمكني ابتلاعه، فمن أين كَانَ لَك ذَلِكَ الطعام؟ فَقُلْتُ: إنه حمل إلي من دار قريب لي من العرس، ثُمَّ قُلْت: تدخل اليوم؟ فَقَالَ: نعم , فقدمت إِلَيْهِ كسرا يابسة كانت لنا فأكل , وَقَالَ: إِذَا قدمت إِلَى فَقِير شَيْئًا فقدم إِلَيْهِ مثل هَذَا.

стр. 39

وَمِنْهُم أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بْن نصير الطائي وَكَانَ كبير الشأن. أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَر بْن مطر , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب , قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن خبيق , قَالَ: قَالَ يُوسُف بْن سباط: ورث دَاوُد الطائي عشرين دِينَارًا فأكلها فِي عشرين سنة. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول كَانَ سبب زهد دَاوُد الطائي أَنَّهُ كَانَ يمر ببغداد فمر يوما فنحاه المطرقون بَيْنَ يدي حميد الطوسي فالتفت دَاوُد فرأى حميدا , فَقَالَ: دَاوُد أف لدنيا سبقك بِهَا حميد ولزم الْبَيْت وأخذ فِي الجهد والعبادة , وسمعت ببغداد بَعْض الفقراء , يَقُول: إِن سبب زهده أَنَّهُ سمع نائحة تنوح , وتقول: بأي خديك تبدى البلى ... وأي عينيك إذن سالا وقيل: كَانَ سبب زهده أَنَّهُ كَانَ يجالس أبا حَنِيفَة ﵁ , فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَة يوما: يا أبا سُلَيْمَان , أما الأداة فَقَدْ أحكمناها , فَقَالَ لَهُ دَاوُد: فأي شَيْء بقى؟ قَالَ: العمل بِهِ. قَالَ دَاوُد: فنازعتني نفسي إِلَى العزلة فَقُلْتُ لنفسي حَتَّى تجالسهم ولا تتكلم فِي مسألة قَالَ: فجالستهم سنة لا أتكلم فِي مسألة وكانت المسألة تمر بي , وأنا إِلَى الْكَلام فِيهَا أشد نزاعا من العطشان عَلَى الماء البارد ولا أتكلم بِهِ،

стр. 40

ثُمَّ صار أمره إِلَى مَا صار , وقيل: حجم جنيد الحجام دَاوُد الطائي , فأعطاه دِينَارًا , فقيل لَهُ: هَذَا إسراف , فَقَالَ: لا عُبَادَة لمن لا مروءة لَهُ. وَكَانَ يَقُول بالليل: إلهي , همك عطل عَلَى الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد. سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي , يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُفَ , قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَمْرو , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زِيَاد الطائي , قَالَ: قَالَتْ دابة دَاوُد الطائي لَهُ: أما تشتهى الخبز؟ فَقَالَ: بَيْنَ مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. ولما توفي دَاوُد رآه بَعْض الصالحين فِي المنام وَهُوَ يعدو فَقَالَ لَهُ: مَالِك؟ فَقَالَ: الساعة تخلصت من السجن فاستيقظ الرجل من منامه , فارتفع الصياح بقول النَّاس مَات دَاوُد الطائي. وَقَالَ لَهُ رجل: أوصني , فَقَالَ: عسكر الْمَوْت ينتظرونك ودخل بَعْضهم عَلَيْهِ , فرأى جرة ماء انبسطت عَلَيْهَا الشَّمْس , فَقَالَ لَهُ: ألا تحولها إِلَى الظل , فَقَالَ: حِينَ وضعتها لَمْ يكن شمس , وأنا أستحي أَن يراني اللَّه أمشى لما فِيهِ حظ نفسي. ودخل عَلَيْهِ بَعْضهم فجعل ينظر إِلَيْهِ , فَقَالَ: أما علمت أنهم كَانُوا يكرهون فضول النظر كَمَا يكرهون فضول الْكَلام. أَخْبَرَنَا عَن عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَي المزكي , قَالَ: حَدَّثَنَا قاسم بْن أَحْمَد , قَالَ: سمعت ميمونا الغزال , قَالَ: قَالَ أَبُو الرَّبِيع الواسطي: قُلْت لداود الطائي: أوصني. قَالَ: صم عَنِ الدنيا , واجعل فطرك الْمَوْت , وفر من النَّاس كفرارك من السبع.
следующие страницы →