← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9953

الرسالة القشيرية

عبد الكريم القشيري

Полный текст (562 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت أبا الفضل العطار , يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ الدمشقي , يَقُول: قَالَ لي أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء: رأيت ذا النون وكانت لَهُ العبارة، ورأيت سهلا وكانت لَهُ الإشارة، ورأيت بشر بْن الْحَارِث وَكَانَ لَهُ الورع، فقيل لَهُ فإلى من كنت تميل؟ فَقَالَ: لبشر بْن الْحَارِث أستاذنا. وقيل: إنه اشتهي الباقلا سنين فلم يأكله فرؤي فِي المنام بَعْد وفاته , فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي، وَقَالَ: كُل يا من لَمْ يأكل , واشرب يا من لَمْ يشرب. أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن يَحْيَي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو بْن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن بنت مُعَاوِيَة قَالَ: سمعت أبا بَكْر بْن عَفَّان يَقُول: سمعت بشر بْن الحوت يَقُول: إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة مَا صفا لي ثمنه. وقيل لبشر: بأي شَيْء تأكل الْخَبَر؟ فَقَالَ: أذكر العافية وأجعلها إداما أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو بْن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الدنيا قَالَ: قَالَ رجل لبشر الحكاية المذكورة. وَقَالَ بشر: لا يحتمل الحلال السرف. ورؤي بشر فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي وأباح لي نصف الْجَنَّة، وَقَالَ لي: يا بشر , لو سجدت لي عَلَى الجمر مَا أديت شكر مَا جعلته لَك فِي قلوب عبادي. وَقَالَ بشر: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أَن يعرفه النَّاس.

стр. 37

وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحَارِث بْن أسد المحاسبي عديم النظير فِي زمانه علما وورعا ومعاملة وحالا، بصري الأصل , مَات ببغداد سنة ثَلاث وأربعين ومائتين , قيل: إنه ورث من أَبِيهِ سبعين ألف درهم , فلم يأخذ منها شَيْئًا , قيل: لأن أباه كَانَ يَقُول بالقدر، فرأى من الورع أَن لا يأخذ من ميراثه شَيْئًا وَقَالَ: صحت الرواية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لا يتوارث أهل ملتين شَيْئًا. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مسروق , يَقُول مَات الْحَارِث بْن أسد المحاسبي وَهُوَ محتاج إِلَى درهم وخلف أبوه ضياعا وعقارا فلم يأخذ منه شَيْئًا. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى , يَقُول كَانَ الْحَارِث المحاسبي إِذَا مد يده إِلَى طَعَام فِيهِ شبهة تحرك عَلَى إصبعه عرق فكان يمتنع منه. وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لَهُمْ حالهم الْحَارِث بْن أسد المحاسبي والجنيد بْن مُحَمَّد وأبو مُحَمَّد رويم وأبو الْعَبَّاسِي بْن عَطَاء وعمرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي، لأنهم جمعوا بَيْنَ العلم والحقائق. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الطوسي , يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي , يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان البلدي , يَقُول: قَالَ الْحَارِث المحاسبي: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين اللَّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة

стр. 38

ويحكي عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: مر بي يوما الْحَارِث المحاسبي فرأيت فِيهِ أثر الجوع فَقُلْتُ: يا عم تدخل الدار وتتناول شَيْئًا؟ فَقَالَ: نعم فدخلت الدار وطلبت شَيْئًا أقدمه إِلَيْهِ فكان فِي الْبَيْت شَيْء من طَعَام حمل إِلَى من عرس قوم فقدمته إِلَيْهِ فأخذ لقمة وأدارها فِي فِيهِ مرات , ثُمَّ إنه قام وألقاها فِي الدهليز ومر فلما رأيته بَعْد ذَلِكَ بأيام , قُلْت لَهُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ: إني كنت جائعا وأردت أَن أسرك بأكلي وأحفظ قلبك ولكني بيني وبين اللَّه سبحانه علامة أَن لا يسوغني طعاما فِيهِ شبهة فلم يمكني ابتلاعه، فمن أين كَانَ لَك ذَلِكَ الطعام؟ فَقُلْتُ: إنه حمل إلي من دار قريب لي من العرس، ثُمَّ قُلْت: تدخل اليوم؟ فَقَالَ: نعم , فقدمت إِلَيْهِ كسرا يابسة كانت لنا فأكل , وَقَالَ: إِذَا قدمت إِلَى فَقِير شَيْئًا فقدم إِلَيْهِ مثل هَذَا.

стр. 39

وَمِنْهُم أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بْن نصير الطائي وَكَانَ كبير الشأن. أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَر بْن مطر , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب , قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن خبيق , قَالَ: قَالَ يُوسُف بْن سباط: ورث دَاوُد الطائي عشرين دِينَارًا فأكلها فِي عشرين سنة. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول كَانَ سبب زهد دَاوُد الطائي أَنَّهُ كَانَ يمر ببغداد فمر يوما فنحاه المطرقون بَيْنَ يدي حميد الطوسي فالتفت دَاوُد فرأى حميدا , فَقَالَ: دَاوُد أف لدنيا سبقك بِهَا حميد ولزم الْبَيْت وأخذ فِي الجهد والعبادة , وسمعت ببغداد بَعْض الفقراء , يَقُول: إِن سبب زهده أَنَّهُ سمع نائحة تنوح , وتقول: بأي خديك تبدى البلى ... وأي عينيك إذن سالا وقيل: كَانَ سبب زهده أَنَّهُ كَانَ يجالس أبا حَنِيفَة ﵁ , فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَة يوما: يا أبا سُلَيْمَان , أما الأداة فَقَدْ أحكمناها , فَقَالَ لَهُ دَاوُد: فأي شَيْء بقى؟ قَالَ: العمل بِهِ. قَالَ دَاوُد: فنازعتني نفسي إِلَى العزلة فَقُلْتُ لنفسي حَتَّى تجالسهم ولا تتكلم فِي مسألة قَالَ: فجالستهم سنة لا أتكلم فِي مسألة وكانت المسألة تمر بي , وأنا إِلَى الْكَلام فِيهَا أشد نزاعا من العطشان عَلَى الماء البارد ولا أتكلم بِهِ،

стр. 40

ثُمَّ صار أمره إِلَى مَا صار , وقيل: حجم جنيد الحجام دَاوُد الطائي , فأعطاه دِينَارًا , فقيل لَهُ: هَذَا إسراف , فَقَالَ: لا عُبَادَة لمن لا مروءة لَهُ. وَكَانَ يَقُول بالليل: إلهي , همك عطل عَلَى الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد. سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي , يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُفَ , قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَمْرو , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زِيَاد الطائي , قَالَ: قَالَتْ دابة دَاوُد الطائي لَهُ: أما تشتهى الخبز؟ فَقَالَ: بَيْنَ مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. ولما توفي دَاوُد رآه بَعْض الصالحين فِي المنام وَهُوَ يعدو فَقَالَ لَهُ: مَالِك؟ فَقَالَ: الساعة تخلصت من السجن فاستيقظ الرجل من منامه , فارتفع الصياح بقول النَّاس مَات دَاوُد الطائي. وَقَالَ لَهُ رجل: أوصني , فَقَالَ: عسكر الْمَوْت ينتظرونك ودخل بَعْضهم عَلَيْهِ , فرأى جرة ماء انبسطت عَلَيْهَا الشَّمْس , فَقَالَ لَهُ: ألا تحولها إِلَى الظل , فَقَالَ: حِينَ وضعتها لَمْ يكن شمس , وأنا أستحي أَن يراني اللَّه أمشى لما فِيهِ حظ نفسي. ودخل عَلَيْهِ بَعْضهم فجعل ينظر إِلَيْهِ , فَقَالَ: أما علمت أنهم كَانُوا يكرهون فضول النظر كَمَا يكرهون فضول الْكَلام. أَخْبَرَنَا عَن عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَي المزكي , قَالَ: حَدَّثَنَا قاسم بْن أَحْمَد , قَالَ: سمعت ميمونا الغزال , قَالَ: قَالَ أَبُو الرَّبِيع الواسطي: قُلْت لداود الطائي: أوصني. قَالَ: صم عَنِ الدنيا , واجعل فطرك الْمَوْت , وفر من النَّاس كفرارك من السبع.

стр. 41

وَمِنْهُم أَبُو عَلَى شقيق بْن إِبْرَاهِيم البلخي من مشايخ خراسان لَهُ لسان فِي التوكل، وَكَانَ أستاذ حاتم الأصم، قيل كَانَ سبب توبته أَنَّهُ كَانَ من أبناء الأغنياء خرج للتجارة إِلَى أرض الترك وَهُوَ حدث فدخل بيتا للأصنام فرأى خادما للأصنام فِيهِ قَدْ حلق رأسه ولحيته ولبس ثيابا أرجوانية , فَقَالَ شقيق للخادم: إِن لَك صانعا حيا عالما قادرا فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام الَّتِي لا تضر ولا تنفع , فَقَالَ: إِن كَانَ كَمَا تقول فَهُوَ قادر عَلَى أَن يرزقك ببلدك فلم تعنيت إِلَى هاهنا للتجارة فانتبه شقيق وأخذ فِي طريق الزهد. وقيل: كَانَ سبب زهده أَنَّهُ رأى مملوكا يلعب ويمرح فِي زمان قحط , وَكَانَ النَّاس مهتمين بِهِ فَقَالَ شقيق: مَا هَذَا النشاط الَّذِي فيك؟ أما ترى مَا فِيهِ النَّاس من الجدب والقحط؟ فَقَالَ ذَلِكَ المملوك: وَمَا عَلِي من ذَلِكَ ولمولاي قرية خالصة يدخل لَهُ منها مَا نحتاج نحن إِلَيْهِ، فانتبه شقيق , وَقَالَ: إِن كَانَ لمولاه قرية ومولاه مخلوق فَقِير , ثُمَّ إنه لَيْسَ يهتم لرزقه، فكيف ينبغي أَن يهتم المسلم لرزقه ومولاه غني؟ سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ , يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن بْن أَحْمَد العطار البلخي , يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْبُخَارِي , يَقُول: قَالَ حاتم الأصم:

стр. 42

كَانَ شقيق بْن إِبْرَاهِيم موسرا وَكَانَ يتفتى ويعاشر الفتيان وَكَانَ عَلِي بْن عيسى بْن ماهان أمِير بلخ وَكَانَ يحب كلاب الصيد ففقد كلبا من كلابه فسمى برجل أَنَّهُ عنده وَكَانَ الرجل فِي جوار شقيق فطلب الرجل فهرب فدخل دار شقيق مستجيرا فمضى شقيق إِلَى الأمير وَقَالَ: خلوا سبيله فَإِن الكلب عندي أرده إليكم إِلَى ثلاثة أَيَّام، فخلوا سبيله وانصرف شقيق مهتما لما صنع فلما كَانَ اليوم الثالث كَانَ رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ رجع إِلَيْهَا فوجد فِي الطريق كلبا عَلَيْهِ قلادة فأخذه وَقَالَ: أهديه إِلَى شقيق فَإِنَّهُ يشتغل بالتفتي فحمله إِلَيْهِ فنظر شقيق فَإِذَا هُوَ كلب الأمير فسر بِهِ وحمله إِلَى الأمير وتخلص من الضمان فرزقه اللَّه الانتباه وتاب مِمَّا كَانَ فِيهِ وسلك طريق الزهد. وحكى أَن حاتما الأصم قَالَ كُنَّا مَعَ شقيق فِي مصاف نحارب الترك فِي يَوْم لا ترى فِيهِ إلا رءوس تندر ورماح تنقصف وَسِيُوف تنقطع فَقَالَ لي شقيق: كَيْفَ ترى نفسك يا حاتم فِي هَذَا اليوم؟ تراه مثل مَا كنت فِي الليلة الَّتِي زفت إليك امرأتك؟ فَقُلْتُ: لا والله قَالَ لكنى والله أرى نفسي فِي هَذَا اليوم مثل مَا كنت تلك الليلة، ثُمَّ نام بَيْنَ الصفين ودرقته تَحْتَ رأسه حَتَّى سمعت غطيطه. وَقَالَ شقيق: إِذَا أردت أَن تعرف الرجل فانظر إِلَى مَا وعده اللَّه ووعده النَّاس فبأيهما يَكُون قلبه أوثق. وَقَالَ شقيق: تعرف تقوى الرجل فِي ثلاثة أشياء: فِي أخذه ومنعه وكلامه.

стр. 43

وَمِنْهُم أَبُو يَزِيد طيفور بْن عيسى البسطامي وَكَانَ جده مجوسيا أسلم وكانوا ثلاثة إخوة آدم وطيفور وعلى وكلهم كَانُوا زهادا عبادا وأبو يَزِيد كَانَ أجلهم حالا. قيل: مَات سنة إحدى وستين ومائتين وقيل: أربع وثلاثين ومائتين. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمع أبا الْحَسَن الفارسي يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول: سئل أَبُو يَزِيد بأي شَيْء وجدت هذه المعرفة فَقَالَ: ببطن جائع وبدن عار. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت عمى البسطامي يَقُول: سمعت أبى يَقُول: سمعت أبا يَزِيد يَقُول: عملت فِي المجاهدة ثلاثين سنة فَمَا وجدت شَيْئًا أشد عَلَى من العلم ومتابعته ولولا اخْتِلاف الْعُلَمَاء لبقيت واخْتِلاف الْعُلَمَاء رحمة إلا فِي تجريد التوحيد. وقيل: لَمْ يخرج أَبُو يَزِيد من الدنيا حَتَّى استظهر الْقُرْآن كُلهُ. حَدَّثَنَا أَبُو حاتم السجستاني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نصر السراج قَالَ: سمعت طيفور البسطامي يَقُول: سمعت المعروف بعمي البسطامي يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: قَالَ لي أَبُو يَزِيد: قم بنا حَتَّى ننظر إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي قَدْ شَهْر نَفْسه بالولاية وَكَانَ رجلا مقصودا مشهورا بالزهد فمضينا غليه فلما خرج من بيته ودخل الْمَسْجِد رمى ببصاقه تجاه القبلة فانصرف أَبُو يَزِيد وَلَمْ يسلم عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا غَيْر مأمون عَلَى أدب من آداب رَسُول اللَّهِ ﷺ فكيف يَكُون مأمونا عَلَى مَا يدعيه. وبهذا الإسناد قَالَ أَبُو يَزِيد: لَقَدْ هممت أَن أسأل اللَّه تَعَالَى أَن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النِّسَاء ثُمَّ قُلْت: كَيْفَ يَجُوز لي أَن أسأل اللَّه هَذَا وَلَمْ يسأله رَسُول اللَّهِ ﷺ إياه فلم اسأله ثُمَّ

стр. 44

إِن اللَّه كفاني مؤنة النِّسَاء حَتَّى لا أبالي استقبلتني امْرَأَة أَوْ حائط. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن علي يقول: سمعت عمى البسطامي يَقُول: سمعت أبى يَقُول: سألت أبا يَزِيد عَنِ ابتدائه وزهده فَقَالَ: لَيْسَ للزهد منزلة. فَقُلْتُ: لماذا؟ فَقَالَتْ: لأني كنت ثلاثة أَيَّام فِي الزهد فلما كَانَ اليوم الرابع خرجت منه، اليوم الأَوَّل زهدت فِي الدنيا وَمَا فِيهَا واليوم الثَّانِي زهدت فِي الآخرة وَمَا فِيهَا واليوم الثالث زهدت فيما سِوَى اللَّه، فلما كَانَ اليوم الرابع لَمْ يبق لي سِوَى اللَّه فهمت فسمعت هاتفا يَقُول: يا أبا يَزِيد لا تقوى معنا فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي أريد فسمعت قائلا يَقُول: وجدت وجدت. وقيل لأبى يَزِيد: مَا أشد مَا لقيت فِي سبيل اللَّه؟ فَقَالَ: لا يمكن وصفه، فقيل لَهُ مَا أهون مَا لقيت نفسك منك؟ فَقَالَ: أما هَذَا فنعم دعوتها إِلَى شَيْء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة. وَقَالَ أَبُو يَزِيد منذ ثلاثين سنة أصلى واعتقادي فِي نفسي عِنْدَ كُل صلاة أصليها كأني مجوسي أريد أَن أقطع زناري. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت مُوسَى بْن عيسى يَقُول: قَالَ لي أَبِي قَالَ أَبُو يَزِيد لو نظرتهم إِلَى رجل أعطي من الكرامات حَتَّى يرتقى فِي الهواء فلا تغتروا بِهِ حتي تنظروا كَيْفَ تجدونه عِنْدَ الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة. وحكى عمى البسطامي عَن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: ذهب أَبُو يَزِيد ليلة عَلَى الرباط ليذكر اللَّه سبحانه عَلَى سور الرباط فبقي إِلَى الصباح لَمْ يذكر فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: تذكرت كلمة جرت عَلَى لساني فِي حال صباي فاحتشمت أَن أذكره سبحانه وتعالي.

стр. 45

وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد سهل بْن عَبْد اللَّهِ التستري أحد أئمة الْقَوْم لَمْ يكن لَهُ فِي وقته نظير فِي المعاملات والورع وَكَانَ صاحب كرامات لقى ذا النون المصري بمكة سنة خروجه إِلَى الحج، توفي كَمَا قيل سنة ثَلاث وثمانين ومائتين، وقيل: ثَلاث وسبعين ومائتين. وَقَالَ سهل: كنت ابْن ثَلاث سنين وكنت أقوم بالليل أنظر إِلَى صلاة خالي مُحَمَّد بْن سوار وَكَانَ يقوم بالليل فربما كَانَ يَقُول لي: يا سهل اذهب فنم فَقَدْ شغلت قلبي. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا الفتح يُوسُف بْن عُمَر الزاهد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الحميد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن لؤلؤ يَقُول: سمعت عُمَر بْن واصل البصري يحكي عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ قَالَ: قَالَ لي خالي يوما ألا تذكر اللَّه الَّذِي خلقك؟ فَقُلْتُ: كَيْفَ أذكره؟ . فَقَالَ: قل بقلبك عِنْدَ تقلبك فِي ثيابك ثَلاث مرات من غَيْر أَن تحرك بِهِ لسانك اللَّه معي اللَّه ناظر إلي اللَّه شاهدي فَقُلْتُ ذَلِكَ ثَلاث ليال ثُمَّ أعلمته. فَقَالَ لي: قل فِي كُل ليلة إحدى عشرة مرة فَقُلْتُ ذَلِكَ فوقع فِي قلبي لَهُ حلاوة فلما كَانَ بَعْد سنة. قَالَ لي خالي: احفظ مَا علمتك ودم عَلَيْهِ إِلَى أَن تدخل القبر، فَإِنَّهُ ينفعك فِي الدنيا والآخرة، فلم أزل عَلَى ذَلِكَ سنين فوجدت لَهَا حلاوة فِي سرى ثُمَّ قَالَ لي خالي يوما: يا سهل من كَانَ اللَّه مَعَهُ وَهُوَ ناظر إِلَيْهِ وشاهد أيعصيه؟ إياك والمعصية،

стр. 46

فكنت أخلو فبعثوني إِلَى الكتاب فَقُلْتُ: إني لأخشى أَن يتفرق عَلَي رهمي ولكن شارطوا المعلم أنى أذهب إِلَيْهِ ساعة فأتعلم ثُمَّ أرجع، فمضيت إِلَى الكتاب وحفظت الْقُرْآن وأنا ابْن ست سنين أَوْ سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي خبز الشعير إِلَى أَن بلغت اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابْن ثَلاث عشرة، فسالت أهلي أَن يبعثوني إِلَى البصرة أسأل عَنْهَا، فجئت البصرة وسألت علماءها فلم يشف أحدهم مِنْهُم عنى شَيْئًا فخرجت إِلَى عبادان عَلَى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بْن عَبْد اللَّهِ العباداتي فسألته عَنْهَا فأجابني وأقمت عنده مدة انتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ثُمَّ رجعت إِلَى تستر فجعلت قوتي اقتصارا عَلَى أَن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عِنْدَ السحر كُل ليلة عَلَى أوقية واحدة بحتا بغير ملح ولا إدام فكان يكفيني ذَلِكَ الدرهم سنة، ثُمَّ عزمت عَلَى أَن أطوى ثَلاث ليال ثُمَّ أفطر ليلة ثُمَّ خمسا ثُمَّ سبعا ثُمَّ خمسا وعشرين ليلة وكنت عَلَيْهِ عشرين سنة، ثُمَّ خرجت أسيح فِي الأَرْض سنين ثُمَّ رجعت إِلَى تستر وكنت أقوم الليل كُلهُ. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فراس يَقُول: سمعت نصر بْن أَحْمَد يَقُول: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: كُل فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كَانَ أَوْ معصية فَهُوَ عيش النفس، وكل فعل يفعله بالاقتداء فَهُوَ عذاب عَلَى النفس.

стр. 47

وَمِنْهُم أَبُو سُلَيْمَان عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عطية الدراني وداران قرية من قرى دمشق، مَات سنة خمس عشرة ومائتين. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي حسان يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان يَقُول: من أَحْسَن فِي نهاره كوفئ فِي ليله، ومن أَحْسَن فِي ليله كوفئ فِي نهاره، ومن صدق فِي ترك شهوة ذهب اللَّه بِهَا من قلبه، والله تَعَالَى أكرم من أَن يعذب قلبا بشهوة تركت لَهُ، وبهذا الإسناد قَالَ: إِذَا سكنت الدنيا القلب ترحلت منه الآخرة. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: رُبَّمَا يقع فِي قلبي النكتة من نكت الْقَوْم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وَقَالَ: لكل شَيْء علم وعلم الخذلان ترك البكاء. وَقَالَ: لكل شَيْء صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن. وَقَالَ: كُل مَا شغلك عَنِ اللَّه تَعَالَى من أهل أَوْ مال أَوْ ولد فَهُوَ عليك مشئوم. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: كنت ليلة باردة فِي المحراب فأقلقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة فغلبتني عيناي فهتف بي هاتف يا أبا سُلَيْمَان قَدْ وضعنا فِي هذه مَا أصابها ولو كانت الأخرى لوضعنا فِيهَا، فآليت عَلَى نفس أَن لا أدعو إلا ويداي خارجتان حرا كَانَ الزمن أَوْ بردا.

стр. 48

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: نمت عَن وردى فاذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربي لَك فِي الخدور منذ خمس مائة عام. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو الجولستي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد ابْن أَبِي الحواري قَالَ: دخلت عَلَى أَبِي سُلَيْمَان يوما وَهُوَ يبكي فَقُلْتُ لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: يا أَحْمَد وَلَمْ لا أبكي وإذا جن الليل ونامت العيون وخلا كُل حبيب بحبيبه وافترش أهل المحبة أقدامهم وجرت دموعهم عَلَى خدودهم وتقطرت فِي محاربيهم أشرف الجليل سبحانه وتعالي، فنادى يا جبريل بعني من تلذذ بكلامي واستراح عَلَى ذكرى وإني لمطلع عَلَيْهِم فِي خلواتهم أسمع أنينهم وأرى بكاءهم، فلم لا تنادى فيهم يا جبريل مَا هَذَا البكاء؟ هل رأيت حبيبا يعذب أحباءه؟ أم كَيْفَ يجمل بي أَن آخذ قوما إِذَا جنهم الليل تملقوا لي، فبي حلفت إنهم إِذَا وردوا عَلَى يَوْم الْقِيَامَة لأكشفن لَهُمْ عَن وجهي الكريم حَتَّى ينظروا إلي وأنظر إليهم

стр. 49

وَمِنْهُم أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ حاتم بْن علوان ويقال حاتم بْن يُوسُفَ الأصم من أكابر مشايخ خراسان وَكَانَ تلميذ شقيق وأستاذ أَحْمَد بْن خضرويه قيل لَمْ يكن أصم وإنما تصامم مرة فسمي بِهِ. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: جاءت امْرَأَة فسألت حاتما عَن مسألة فاتفق أَنَّهُ خرج منها فِي تلك الحالة صوت فخجلت فَقَالَ حاتم: ارفعي صوتك فأرى من نَفْسه أَنَّهُ أصم فسرت المرأة بِذَلِكَ وَقَالَتْ: إنه لَمْ يسمع الصوت فغلبت عَلَيْهِ اسم أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ قَالَ: سمعت أبا عَلِي سَعِيد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت خالي مُحَمَّد بْن اللَّيْث يَقُول: سمعت حامدا اللفاف يَقُول: سمعت حاتم الأصم , يَقُول: مَا من صباح إلا والشيطان يَقُول لي: ماذا تأكل وماذا تلبس وأين تسكن؟ فأقول لَهُ: آكل الْمَوْت وألبس الكفن وأسكن القبر، وبإسناده قيل لَهُ: ألا تشتهى؟ فَقَالَ: أشتهي عافية يَوْم إِلَى الليل، فقيل لَهُ أليست الأيام كلها عافية؟ فَقَالَ: إِن عافية يومي أَن لا أعصى اللَّه فِيهِ. وحكى عَن حاتم الأصم أَنَّهُ قَالَ: كنت فِي بَعْض الغزوات فأخذني تركي فأضجعني للذبح فلم يشتغل بِهِ قلبي، بَل كنت أنظر ماذا يحكم اللَّه تَعَالَى فِي، فبينما هُوَ يطلب السكين من خفه أصابه سهم غرب فقتله وطرحه عنى فقمت.

стр. 50

سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا نصر مَنْصُور بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الفقيه يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: رَوَى عَن حاتم أَنَّهُ قَالَ: من دَخَلَ فِي مذهبنا هَذَا فليجعل فِي نَفْسه أربع خصال من الْمَوْت: موتا أبيض وَهُوَ الجوع، وموتا أسود وَهُوَ احتمال الأذى من الخلق، وموتا أحمر وَهُوَ العمل الخالص من الشوب فِي مخالفة الهوى، وموتا أخضر وَهُوَ طرح الرقاع بَعْضهَا عَلَى بَعْض.

стр. 51

وَمِنْهُم أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَي بْن معاذ الرازي الواعظ نسيج وحده فِي وقته، لَهُ لسان فِي الرجاء خصوصا وكلام فِي المعرفة، خرج إِلَى بلخ وأقام بِهَا مدة ورجع إِلَى نيسابور، وَمَاتَ بِهَا سنة ثمان وخمسين ومائتين. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حمدان العكبري يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن السرى يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عيسى يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: كَيْفَ يَكُون زاهدا من لا ورع لَهُ تورع عما لَيْسَ لَك ثُمَّ ازهد فيما لَك، وبهذا الإسناد قَالَ جوع التوابين تجربة وجوع الزاهدين سياسة وجوع الصديقين تكرمة. وَقَالَ يَحْيَي: الفوت أشد من الْمَوْت، لأن الفوت انقطاع عَنِ الحق والموت انقطاع عَنِ الخلق. وَقَالَ يَحْيَي: الزهد ثلاثة أشياء القلة والخلوة والجوع وَقَالَ يَحْيَي: لا تربح عَلَى نفسك بشيء أجل من أَن تشغلها فِي كُل وقت بِمَا هُوَ أولى بِهَا. وقيل: إِن يَحْيَي بْن معاذ تكلم ببلخ فِي تفضيل الغنى عَلَى الفقر فأعطي ثلاثين ألف درهم فَقَالَ بَعْض المشايخ: لا بارك اللَّه لَهُ فِي هَذَا المال، فخرج إِلَى نيسابور فوقع عَلَيْهِ اللص وأخذ ذَلِكَ المال منه. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي قَالَ: أنبأنا أَبُو القاسم عَبْد اللَّهِ بْن الْحُسَيْن بْن بالويه الصوفي قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن علويه يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ الرازي يَقُول: من خان اللَّه فِي السر هتك اللَّه ستره فِي العلانية.

стр. 52

سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز المؤذن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الْجُرْجَانِيّ يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ الرازي يَقُول: تزكية الأشرار لَك هجنة بك وحبهم لَك عيب عليك وهان عليك من احتاج إليك.

стр. 53

وَمِنْهُم أَبُو حامد أَحْمَد بْن خضرويه البلخي من كبار مشايخ خراسان صحب أبا تراب النخشبي قدم نيسابور وزرا أبا حفص وخرج إِلَى بسطام فِي زيارة أبى يَزِيد البسطامي وَكَانَ كبيرا فِي الفتوة، وَقَالَ أَبُو حفص: مَا رأيت أحدا أكبر همة ولا أصدق حالا من أَحْمَد بْن خضرويه، وَكَانَ أَبُو يَزِيد يَقُول أستاذنا أَحْمَد. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: كنت جالسا عِنْدَ أَحْمَد بْن خضرويه هُوَ فِي النزع وَكَانَ قَدْ أتى عَلَيْهِ خمس وتسعون سنة فسأله بَعْض أَصْحَابه عَن مسألة فدمعت عيناه وَقَالَ: يا بنى بَاب كنت أدقه منذ خمس وتسعين سنة وَهُوَ ذا يفتح لي الساعة لا أدرى بالسعادة يفتح أم بالشقاوة، أنى لي أوان الجواب؟ قَالَ: وَكَانَ عَلَيْهِ سبع مائة دِينَار وغرماؤه عنده فنظر إليهم وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأَمْوَال وأنت تأخذ عَنْهُم وثيقتهم فأد عنى قَالَ: فدق داق الباب وَقَالَ: أين غرماء أَحْمَد فقضي عَنْهُ ثُمَّ خرجت روحه وَمَاتَ ﵀ سنة أربعين ومائتين. وَقَالَ أَحْمَد بْن خضرويه: لا نوم أثقل من الغفلة ولا رق أملك من الشهوة ولولا ثقل الغفلة عليك لما ظفرت بك الشهوة.

стр. 54

وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن أبى الحوارى من أهل دمشق صحب أبا سُلَيْمَان الداراني وغيره، مَات سنة ثلاثين ومائتين وَكَانَ الجنيد يَقُول أَحْمَد بْن أَبِي الحواري ريحانة الشام. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الحافظ يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز الحلبي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: من نظر إِلَى الدنيا نظر إرادة وحب لَهَا أخرج اللَّه نور اليقين والزهد من قلبه، وبهذا الإسناد يَقُول: من عمل عملا بلا اتباع سنة رَسُول اللَّهِ ﷺ فباطل عمله، وبهذا الإسناد قَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الحواري: أفضل البكاء بكاء العبد عَلَى مَا فاته من أوقاته عَلَى غَيْر الموافقة. وَقَالَ أَحْمَد: مَا ابتلى اللَّه عبدا بشيء أشد من الغفلة والقسوة.

стр. 55

وَمِنْهُم أَبُو حفص عُمَر بْن مسلمة الحداد من قرية يقال لَهَا كورداباذ عَلَى بَاب مدينة نيسابور عَلَى طريق بخارى كَانَ أحد الأئمة والسادة، مَات سنة نيف وستين ومائتين. قَالَ أَبُو حفص: المعاصي بريد الكفر كَمَا أَن الحمي بريد الْمَوْت، وَقَالَ أَبُو حفص: إِذَا رأيت المريد يحسب السماع فأعلم أَن فِيهِ بقية من البطالة. وَقَالَ: حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن. وَقَالَ: الفتوة أداء الإنصاف وترك مطالبة الإنصاف. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن مُحَمَّد بْن مُوسَى يَقُول: سمعت أبا عَلي الثقفي يَقُول: كَانَ أَبُو حفص يَقُول: من لَمْ يزن أفعاله وأحواله فِي كُل وقت بالكتاب والسنة وَلَمْ يتهم خواطره فلا نعده فِي ديوان الرجال.

стр. 56

وَمِنْهُم أَبُو تراب عسكر بْن حصين النخشبي صحب حاتم الأصم وأبا حاتم العطار الْمِصْرِي، مَات سنة خمس وأربعين ومائتين قيل مَات بالبادية نهسته السباع. وَقَالَ ابْن الجلاء: صحبت ست مائة شيخ مَا لقيت فيهم مثل أربعة أولهم أَبُو تراب النخشبي قَالَ أَبُو تراب الفقير قوته مَا وجده ولباسه مَا ستره ومسكنه حيث نزل. وَقَالَ أَبُو تراب: إِذَا صدق العبد فِي العمل وجد حلاوته قبل أَن يعمله فاذا أخلص فِيهِ وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة الفعل. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت جدى إِسْمَاعِيل بْن نجيد يَقُول: كَانَ أَبُو تراب النخشبي إِذَا رأى من أَصْحَابه مَا يكره زاد فِي اجتهاد وجدد توبته وَيَقُول: بشؤمي دفعوا إِلَى مَا دفعوا إِلَيْهِ، لأن اللَّه يَقُول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] قَالَ: وسمعته يَقُول أيضا لأَصْحَابه: من لبس منكم مرقعة فَقَدْ سأل، ومن قعد فِي خانقاه أَوْ مَسْجِد فَقَدْ سأل، ومن قرأ الْقُرْآن من مصحف أَوْ كيما يسمع النَّاس فَقَدْ سأل، قَالَ: وسمعته يَقُول: كَانَ أَبُو تراب يَقُول: بيني وبين اللَّه عهد أَن لا أمد يدي إِلَى حرام إلا قصرت يدي عَنْهُ. ونظر أَبُو تراب يوما إِلَى صوفي من تلامذته قَدْ مد يده عَلَى قشر بطيخ وَقَدْ طوى ثلاثة أَيَّام فَقَالَ لَهُ أَبُو تراب: تمد يدك عَلَى قشر البطيخ أَنْتَ لا يصلح لَك التصوف الزم السوق.

стр. 57

سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الفارسي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الرازي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا تراب النخشبي يَقُول: مَا تمنت نفسي عَلَى شَيْئًا قط إلا مرة واحدة تمنت عَلَى خبزا وبيضا وأنا فِي سفرى فعدلت عَنِ الطريق إِلَى قرية فوثب رجل وتعلق بي وَقَالَ: كَانَ هَذَا مَعَ اللصوص فبطحوني وضربوني سبعين خشبة قَالَ: فوفق عَلَيْنَا رجل صوفي فصرخ وَقَالَ: ويحكم هَذَا أَبُو تراب النخشبي فخلوني واعتذروا إِلَي وأدخلني الرجل منزله وقدم إِلَى خبزا وبيضا فَقُلْتُ: كلها بَعْد سبعين جلدة. وحكى ابْن الجلاء قَالَ دَخَلَ أَبُو تراب مَكَّة طيب النفس فَقُلْتُ: أين أكلت أيها الأستاذ؟ فَقَالَ: أكلة بالبصرة وأكلة بالنباج وأكلة ههنا.

стр. 58

وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن خبيق من زهاد المتصوفة صحب يُوسُف بْن أسباط كَانَ كوفي الأصل ولكنه سكن أنطاكية. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت أبا الأزهر الميافارقيني يَقُول: سمعت فتح بْن شخرف يَقُول: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْن خبيق أول مَا لقيته فَقَالَ لي: يا خراساني إِنَّمَا هِيَ أربع لا غَيْر عينك ولسانك وقلبك وهواك فانظر عينك لا تنظر بِهَا إِلَى مَا لا يحل، وانظر لسانك لا تقل بِهِ شَيْئًا يعلم اللَّه تَعَالَى خلافه من قلبك، وانظر قلبك لا يكن فِيهِ غل ولا حقد عَلَى أحد من الْمُسْلِمِينَ، وانظر هواك لا تهوى بِهِ شَيْئًا من الشر فَإِذَا لَمْ يكن فيك هذه الأربع من الخصال فأجعل الرماد عَلَى رأسك فَقَدْ شقيت. وَقَالَ ابْن خبيق: لا تغتم إلا من شَيْء يضرك غدا، ولا تفرح إلا بشيء يسرك غدا. وَقَالَ ابْن خبيق: وحشة الْعِبَاد عَنِ الحق أَوْ حشت مِنْهُم القلوب ولو أنهم أنسوا بربهم لأنس بِهِمْ كُل أحد. وَقَالَ أنفع الخوف مَا حجزك عَنِ المعاصي وأطال منك الحزن عَلَى مَا فاتك , وألزمك الفكرة فِي بقية عمرك، وأنفع الرجاء مَا سهل عليك العمل. وَقَالَ: طول الاستماع إِلَى الباطل يطفئ حلاوة الطاعة من القلب.

стр. 59

وَمِنْهُم أَبُو عَلَى أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي من أقران بشر بْن الْحَارِث والسري السقطي والحارث المحاسبي، وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان الدراني يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته. وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم إِذَا طلبت صلاح قلبك فاستعن عَلَيْهِ بحفظ لسانك. وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ونحن نستزيد من الْفِتْنَة.

стр. 60

وَمِنْهُم أَبُو السري مَنْصُور بْن عمار من أهل مرو من قرية يقال لَهَا دندانقان وقيل: إنه من بوشنج أقام بالبصرة وَكَانَ من الواعظين الأكابر. وَقَالَ مَنْصُور بْن عمار من جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته فِي دينه. وَقَالَ مَنْصُور بْن عمار أَحْسَن لباس العبد التواضع والانكسار وأحسن لباس العارفين التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقيل إِن سبب توبته أَنَّهُ وجد فِي الطريق رقعة مكتوبا عَلَيْهَا بسم اللَّه الرحمن الرحيم فرفعها فلم يجد لَهَا موضعا فأكلها فرأى فِي المنام كأن قائلا قَالَ لَهُ: فتح اللَّه عليك بَاب الحكمة باحترامك لتلك الرقعة. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمة اللَّه يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس القاص يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الشعراني يَقُول: رأيت مَنْصُور بْن عمار فِي المنام فَقُلْتُ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: قَالَ لي: أَنْتَ مَنْصُور بْن عمار؟ فَقُلْتُ: بلى يا رب قَالَ أَنْتَ الَّذِي كنت تزهد النَّاس فِي الدنيا وترغب فِيهَا؟ قُلْت: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يا رب ولكني مَا أتخذت مجلسا إلا بدأت بالثناء عليك وثنيت بالصلاة عَلَى نبيك ﷺ وثلثت بالنصيحة لعبادك

стр. 61

فَقَالَ: صدق ضعوا لَهُ كرسيا يمجدني فِي سمائي بَيْنَ ملائكتي كَمَا كَانَ يمجدني فِي أرضى بَيْنَ عبادي.

стр. 62

وَمِنْهُم أَبُو صَالِح حمدون بْن أَحْمَد بْن عمار القصار نيسابوري منه أنتشر مذهب الملامتية بنيسابور صحب سلمان الباروسي وأبا تراب النخشبي، مَات سنة إحدى وسبعين ومائتين. سئل حمدون مَتَى يَجُوز للرجل أَن يتكلم عَلَى النَّاس فَقَالَ: إِذَا تعين عَلَيْهِ أداء فرض من فرائض اللَّه تَعَالَى فِي علمه أَوْ خاف هلاك إِنْسَان فِي بدعة وَهُوَ يرجو أَن ينجيه اللَّه تَعَالَى منها. وَقَالَ من ظن أَن نَفْسه خير من نفس فرعون فَقَدْ أظهر الكبر. وَقَالَ مذ علمت أَن للسلطان فراسة فِي الأشرار مَا خرج خوف السلطان من قلبي. وَقَالَ: إِذَا رأيت سكرانا فتمايل لئلا تبغي عَلَيْهِ فتبتلى بمثل ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن منازل: قُلْت لأبي صَالِح أوصني فَقَالَ: إِن استطعت أَن لا تغضب لشيء من الدنيا فافعل. وَمَاتَ صديق لَهُ وَهُوَ عِنْدَ رأسه فلما مَات أطفأ حمدون السراج فَقَالُوا لَهُ

стр. 63

فِي مثل هَذَا الوقت يزاد فِي السراج الدهن فَقَالَ لَهُمْ: إِلَى هَذَا الوقت كَانَ الدهن لَهُ ومن هَذَا الوقت صار الدهن للورثة. وَقَالَ حمدون: من نظر فِي سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عَن درك درجات الرجال. وَقَالَ: لا تفش عَلَى أحد مَا تحب أَن يَكُون مستورا منك.

стр. 64

وَمِنْهُم أَبُو القاسم الجنيد بْن مُحَمَّد: سيد هذه الطائفة وإمامهم اصله من نهاوند ومنشؤه ومولده بالعراق وأبوه كَانَ يبيع الزجاج فلذلك يقال لَهُ القواريري، وَكَانَ فقيها عَلَى مذهب أَبِي ثور وَكَانَ يفتي فِي حلقته بحضرته وَهُوَ ابْن عشرين سنة، صحب خاله السرى والحارث المحاسبي ومحمد بْن عَلِيّ القصاب، مَات سنة سبع وتسعين ومائتين. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن البغدادي يَقُول: سمعت الفراغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول وَقَدْ سئل من العارف قَالَ من نطق عَن سرك وأنت ساكت. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول مَا أخذنا التصوف عَنِ القيل والقال لكن عَنِ الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول لرجل ذكر المعرفة، وَقَالَ: أهل المعرفة بالله يصلون عَلَى ترك الحركات من بَاب البر والتقرب إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ

стр. 65

فَقَالَ الجنيد: إِن هَذَا قَوْل قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وَهُوَ عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أَحْسَن حالا من الَّذِي يَقُول هَذَا فَإِن العارفين بالله تَعَالَى أخذوا الأعمال عَنِ اللَّه تَعَالَى وإليه رجعوا فِيهَا ولو بقيت ألف عام لَمْ أنقص من أعمال البر ذرة إلا أَن يحال بي دونها. وَقَالَ الجنيد: إِن أمكنك أَن لا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل وَقَالَ الجنيد: الطرق كلها مسدودة عَلَى الخلق إلا عَلَى من اقتفى أثر الرسول ﵊. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: لو أقبل صادق عَلَى اللَّه ألف ألف سنة ثُمَّ أعرض عَنْهُ لحظة كَانَ مَا فاته أَكْثَر مِمَّا ناله. وَقَالَ الجنيد: من لَمْ يحفظ الْقُرْآن وَلَمْ يكتب الْحَدِيث لا يقتدى بِهِ فِي هَذَا الأمر، لأن علمنا هَذَا مقيد بالكتاب والسنة. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول عَنِ الجنيد: مذهبنا هَذَا مقيد بأصول الكتاب والسنة وَقَالَ الجنيد: علمنا هَذَا مشيد بحَدِيث رَسُول اللَّهِ ﷺ . أنبأنا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ قَالَ: سمعت أبا الْحُسَيْن بْن فارس يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن عَلِي بْن إِبْرَاهِيم الحداد يَقُول حضرت مجلس الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس بْن شريح فتكلم فِي الفروع والأصول بكلام حسن عجبت منه فلما رأى إعجابي قَالَ: أتدري من أين هَذَا؟ قُلْت يَقُول بِهِ الْقَاضِي فَقَالَ هَذَا ببركة مجالسة أَبِي القاسم الجنيد. وقيل للجنيد: من أين استفدت هَذَا العلم فَقَالَ: من جلوسي بَيْنَ يدي اللَّه ثلاثين سنة تَحْتَ تلك الدرجة، وأمأ إِلَى درجة فِي داره.

стр. 66

سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يحكي ذَلِكَ وسمعته يَقُول: رؤى فِي يده سبحة فقيل لَهُ أَنْتَ مَعَ شرفك تأخذ بيدك سبحة فَقَالَ: طريق بِهِ وصلت إِلَى ربي لا أفارقه. وسمعت الأستاذ أبا عَلِيّ ﵀ يَقُول كَانَ الجنيد يدخل كُل يَوْم حانوته ويسبل الستر ويصلى أربع مائة ركعة ثُمَّ يعود إِلَى بيته. وَقَالَ أَبُو بَكْر العطوي كنت عِنْدَ الجنيد حِينَ مَات ختم الْقُرْآن ثُمَّ ابتدأ من البقرة وقرأ سبعين آية ثُمَّ مَات ﵀.

стр. 67

وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن إِسْمَاعِيل الجبري: المقيم بنيسابور وَكَانَ من الري صحب شاه الكرماني ويحي بْن معاذ الرازي ثُمَّ ورد نيسابور مَعَ شاه الكرماني عَلِي أَبِي حفص الحداد وأقام عنده وتخرج بِهِ وزوجه أَبُو حفص ابنته، مَات سنة ثمان وتسعين ومائتين وعاش بَعْد أَبِي حفص نيفا وثلاثين سنة. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن حمدان يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: لا يكمل إيمان الرجل حَتَّى يستوي فِي قلبه أربعة أشياء المنع والإعطاء والعز والذل. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت بَعْض أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: صحبت أبا حفص مدة وأنا شاب فطردني مرة وَقَالَ: لا تجلس عندي فقمت وَلَمْ أوله ظهري وانصرفت إِلَى ورائي ووجهي إِلَى وجهه حَتَّى غبت عَن عينيه وجعلت عَلَى نفسي أَن أحفر عَلَى بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره، فلما رأى ذَلِكَ أدناني وجعلني من خواص أَصْحَابه. وَقَالَ: وَكَانَ يقال: فِي الدنيا ثلاثة لا رابع لَهُمْ: أَبُو عُثْمَان بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء بالشام. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: منذ أربعين سنة مَا أقامني اللَّه تَعَالَى فِي حال فكرهته ولا نقلني إِلَى غيره فسخطته. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الشعراني يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول ذَلِكَ. ولما تغير عَلَى أبى عُثْمَان الحال مزق ابنه أَبُو بَكْر قميصا عَلَى نَفْسه ففتح أَبُو عُثْمَان

стр. 68

عينيه وَقَالَ: خلاف السنة يا بنى فِي الظاهر علامة رياء فِي الباطن. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الملامتي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الوراق يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول الصحبة مَعَ اللَّه بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مَعَ الرسول ﷺ وعلى آله وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مَعَ أولياء اللَّه تَعَالَى بالاحترام والخدمة، والصحبة مَعَ الأهل بحسن الخلق , والصحبة مَعَ الإخوان بدوام البشر مَا لَمْ يكن إثما والصحبة مَعَ الجهال بالدعاء لَهُمْ والرحمة عَلَيْهِم. سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي ﵀ يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: من أمر السنة عَلَى نَفْسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى عَلَى نَفْسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] .

стр. 69

وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد النوري: بغدادي المولد والمنشأ بغوي الأصل صحب السري السقطي وابن أَبِي الحواري وَكَانَ من أقران الجنيد ﵀ مَات خمس وتسعين ومائتين وَكَانَ كبير الشأن حسن المعاملة واللسان. قَالَ النوري ﵀ التصوف ترك كُل حظ للنفس. وَقَالَ النوري أعز الأشياء فِي زمننا شيئان عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عَن حقيقة. سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد البردعي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: سمعت النوري يَقُول: من رأيته يدعى مَعَ اللَّه حالة تخرجه عَن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول منذ مَات النوري لَمْ يخبر عَن حقيقة الصدق أحد. وَقَالَ أَبُو أَحْمَد المغازلي: مَا رأيت أعبد من النوري قيل: ولا الجنيد قَالَ: ولا الجنيد. وَقَالَ النوري: كانت المراقع غطاء عَلَى الدر فصارت اليوم مزابل عَلَى جيف. وقيل: كَانَ يخرج كُل يَوْم من داره ويحمل الْخَبَر مَعَهُ ثُمَّ يتصدق بِهِ فِي الطريق ويدخل مسجدا يصلى فِيهِ إِلَى قريب من الظهر ثُمَّ يخرج ويفتح بَاب حانوته ويصوم فكان أهله يتوهمون أَنَّهُ يأكل فِي السوق وأهل السوق يتوهمون أَنَّهُ يأكل فِي بيته، بقى عَلَى هَذَا فِي ابتدائه عشرين سنة.

стр. 70

وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن يَحْيَي الجلاء بغدادي الأصل أقام بالرملة ودمشق من أكابر مشايخ الشام صحب أبا تراب وذا النون وأبا عُبَيْد اليسري وأباه يَحْيَى الجلاء. سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز الطبري يَقُول: سمعت أبا عُمَر الدمشقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول قُلْت لأبي وأمي: أحب أَن تهباني لِلَّهِ فقالا: قَدْ وهبناك لِلَّهِ ، فغبت عَنْهُمَا مدة فلما رجعت كانت ليلة مطيرة فدققت الباب فَقَالَ لي أَبِي: من ذا؟ قُلْت: ولدك أَحْمَد فَقَالَ: كَانَ لنا ولد فوهبناه لِلَّهِ تَعَالَى ونحن من العرب لا نسترجع مَا وهبناه وَلَمْ يفتح لي الباب. وَقَالَ ابْن الجلاء من استوى عنده المدح والذم فَهُوَ زاهد، ومن حافظ عَلَى الفرائض فِي أول مواقيتها فَهُوَ عابد، ومن رأى الأفعال كلها من اللَّه فَهُوَ موحد لا يرى إلا واحدا. ولما مَات ابْن الجلاء نظروا إِلَيْهِ وَهُوَ يضحك فَقَالَ الطبيب: إنه حي ثُمَّ نظر إِلَى مجسته فَقَالَ: إنه ميت ثُمَّ كشف عَن وجهه فَقَالَ: لا أدرى أهو ميت أم حي، وَكَانَ فِي داخل جلده عرق عَلَى شكل لِلَّهِ. وَقَالَ ابْن الجلاء ﵀: كنت أمشى مَعَ أستاذي فرأيت حدثا جميلا فَقُلْتُ: يا أستاذ ترى يعذب اللَّه هذه الصورة فَقَالَ: أَوْ نظرت إِلَيْهِ؟ سترى غبه قَالَ: فنسيت الْقُرْآن بعده بعشرين سنة.

стр. 71

وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد رويم بْن أَحْمَد بغدادي من أجلة المشايخ، مَات سنة ثَلاث وثلاث مائة وَكَانَ مقرئا فقيها عَلَى مذهب دَاوُد قَالَ رويم: من حكم الحكيم أَن يوسع عَلَى إخوانه فِي الأَحْكَام ويضيق عَلَى نَفْسه فِيهَا فَإِن التوسعة عَلَيْهِم اتباع العلم والتضييق عَلَى نَفْسه من حكم الورع. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: سألت رويما فَقُلْتُ: أوصني فَقَالَ: مَا هَذَا الأمر إلا ببذل الروح فَإِن أمكنك الدخول فِيهِ مَعَ هذه وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية. وَقَالَ رويم: قعودك مَعَ كُل طبقة من النَّاس أسلم من قعودك مَعَ الصوفية فَإِن كُل الخلق قعدوا عَلَى الرسوم وقعدت هذه الطائفة عَلَى الحقائق وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وطالب هَؤُلاءِ أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق فمن قعد معهم وخالفهم فِي شَيْء مِمَّا يتحققون بِهِ نزع اللَّه نور الإيمان من قلبه. وَقَالَ رويم: اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك وأنا عطشان فاستقيت من دار ففتحت صبية بابها ومعها كوز فلما رأتني قَالَتْ: صوفي يشرب بالنهار فَمَا أفطرت بَعْد ذَلِكَ اليوم قط،

стр. 72

وَقَالَ رويم: إِذَا رزقك اللَّه المقال والفعال فأخذ منك المقال وأبقى عليك الفعال فإنها نعمة، وإذا أخذ منك الفعال وأبقى عليك المقال فإنها مصيبة، وإذا أخذ منك كليهما فَهِيَ نقمة.

стр. 73

وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن الفضل البلخي ساكن سمرقند بلخي الأصل أخرج منها فدخل سمرقند وَمَاتَ بِهَا وصحب أَحْمَد بْن خضريه وغيره وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الحيري يميل إِلَيْهِ جدا، مَات سنة تسع عشرة وثلاث مائة. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد الفراء يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن عُثْمَان يَقُول: كتب أَبُو عُثْمَان الحيري إِلَى مُحَمَّد بْن الفضل يسأله مَا علامة الشقاوة؟ فَقَالَ: ثلاثة أشياء يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق صحبة الصالحين ولا يحترم لَهُمْ، وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الحيري يَقُول: مُحَمَّد بْن الفضل سمسار الرجال سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: الراحة فِي السجن من أماني النفوس، سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: ذهاب الإِسْلام من أربعة لا يعملون بِمَا يَعْلَمُونَ ويعملون بِمَا لا يَعْلَمُونَ ولا يتعلمون مَا لا يَعْلَمُونَ ويمنعون النَّاس من التعلم، وبهذا الإسناد قَالَ العجب مِمَّن يقطع المفاوز ليصل إِلَى بيته فيرى آثار النبوة كَيْفَ لا يقطع نَفْسه وهواه ليصل إِلَى قلبه فيرى آثار ربه وَقَالَ: إِذَا رأيت المريد يستزيد من الدنيا فذلك من علامات إدباره،

стр. 74

وسئل عَنِ الزهد فَقَالَ: النظر إلى الدنيا بعين النقص والإعراض عَنْهَا تعززا وتظرفا وتشرفا.

стр. 75

وَمِنْهُم أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن نصر الزقاق الكبير كَانَ من أقران الجنيد من أكابر مصر سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: لما مَات الزقاق انقطعت حجة الفقراء فِي دخولهم مصر، وَقَالَ الزقاق من لَمْ يصحبه التقي فِي فقره أكل الحرام المحض. سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول: سمعت الزقاق يَقُول: تهت فِي تيه بَنِي إسرائيل مقدار خمسة عشر يوما فلما وقعت عَلَى الطريق استقبلني إِنْسَان جندي فسقاني شربة من ماء فعادت قسوتها عَلَى قلبي ثلاثين سنة.
следующие страницы →