Полный текст (620 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
قال العماد الأصبهاني:
(إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).
стр. 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد فإن علم معرفة الصحابة علم جليل لا يعذر أحد ينسب إلى علم الحديث بجهله، لأن الصحابة هم حملة هذا الدين الأمناء إلى العالم، وهم الصورة الصادقة لهدي الرسول ﷺ ، أخذوا على عواتقهم عبء تبليغ كل أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته، وشمائله ومعجزاته، فقاموا بهذه المهمة خير قيام.
ولما كانوا بهذه المكانة الرفيعة والمنزلة السامية، كانت معرفتهم من أشرف المعارف، بل ولزم على كل مسلم معرفة أخبارهم وفضائلهم للاقتداء بهم، وقد كان الصحابة معروفين بأشخاصهم فى العصر الأول، ثم احتاجت الأمة إلى تدوين أسمائهم، وتقصي أخبارهم، ودراسة تراجمهم دراسة فاحصة، في مصنفات جامعة بعد أن كثرت الروايات عنهم، وتميزوا في المرويات الموثقة من صحاح كتب السيرة والمغازي.
لذلك عني العلماء بتجريد أسمائهم والتأليف فيهم عصرا بعد عصر وطبقة بعد طبقة، بل إن المصنفين في علم مصطلح الحديث تعدوا التجريد إلى
стр. 3
تخصيص أبواب في كتبهم للحديث عن ما سموه: «علم معرفة الصحابة» رضوان الله عليهم أجمعين، مثل صنيع أبي عمرو ابن الصلاح-﵀ في مقدمته، وغيره.
ومع وفرة المصادر وتتابع التأليف في حياتهم، فإن المؤلفين استدركوا فوات من سبقهم، هذه العملية التي بدأت منذ القرن الثاني الهجري، واستمرت إلى عصر ابن حجر، وكان هذا العمل إما استقلالا في مصنفات ومعاجم مفردة، وإما اشتراكا في كتب الطبقات والتاريخ.
ومن الذين تصدوا للتصنيف في تراجم الصحابة عالم الأندلس وفقيهها أبو عمر ابن عبد البر القرطبي في كتابه"الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، ولا يخفى على كل مهتم بالدراسات الإسلامية ما تبوأه هذا الكتاب من المنزلة الرفيعة بين كتب الصحابة، فقد حمله الحفاظ والعلماء، وعكفوا عليه بالدراسة والتذييل والتمحيص والاختصار والاستدراك، وكان من بين هذه الاستدراكات مستدرك الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى بن سعيد المعروف بابن الأمين القرطبي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ، موضوع الدراسة والتحقيق في هذا البحث.
دوافع البحث:
لقد أخذ مني اختيار موضوع البحث وقتا ليس بالقصير، اقترحت فيه العديد من المواضيع المتعلقة في الغالب بعلوم الحديث وعلم الرجال، حتى استقر الرأي على استدراك ابن الأمين القرطبي، ووافق عليه أستاذيّ المشرفين، فوقع في نفسي موقع القبول، وانشرح صدري لهذا انشراحا كبيرا، وزاد سروري حين زودني شيخي الجليل الدكتور محمد الراوندي بنسخة منه لأطلع عليه.
كانت جملة من البواعث وراء اختياري هذا الموضوع، منها:
стр. 4
*شغفي بسنة النبي ﷺ وسيرته، والتي يعتبر الصحابة رجال عصر المبعث، وشهود أحداثه أهم مرجع فيها.
*الرغبة في الإسهام بالدراسة والتحقيق والنشر للتراث الإسلامي عامة، والأندلسي خاصة، وهذا أقل ما يفرضه علينا الواجب اتجاه هذا التراث الذي فيه بناؤنا الذاتي والفكري، والذي هو جزء من حضارتنا الإسلامية المجيدة، وفي تحقيقه وتوثيقه وإخراجه إلى الوجود ربط للحاضر بالماضي، واستحضار للأصالة والحضارة والتاريخ.
*أهمية شخصية ابن عبد البر العلمية، ومكانته بين علماء المشرق والمغرب، وما خلفه من إنتاج فكري خصب، غزير الفائدة خاصة كتابه في الصحابة الذي طبقت شهرته الآفاق، ولا يكاد يخلو معجم من معاجم الشيوخ من القرن الخامس الهجري إلى القرن الثاني عشر من النقول عنه.
*إضافة أثر من آثار الأندلسيين في علم السيرة النبوية، خاصة إذا علمنا أن كتاب ابن الأمين هو الأثر الوحيد الذي احتفظ لنا به التاريخ، والذي يبرز لنا مدى مساهمة المغاربة في علم الرجال عامة، وعلم الصحابة خاصة.
محتوى البحث:
لقد اقتضت طبيعة بحثي هذا أن أعقد له مقدمة، وبابين رئيسيين تتخللهما فصول ومباحث، فخاتمة وفهارس، مع لائحة للمصادر والمراجع المعتمدة.
فتناولت في المقدمة موضوع البحث، وأهدافه، ومنهجه، والصعوبات التي واجهتني، والشكر لكل من آزرني في هذا البحث.
وأما الباب الأول فقد قسمته إلى أربعة فصول: تحدثت في الفصل الأول عن حياة ابن الأمين: اسمه ونسبه ومولده وأسرته ونشأته وشيوخه وتلامذته ومكانته العلمية والثناء عليه ومؤلفاته ثم وفاته.
стр. 5
وخصصت الفصل الثاني للحديث عن كتاب الاستيعاب لابن عبد البر، فأبرزت أهميته في مجال التصنيف في الصحابة، ومنهج مؤلفه، ثم تطرقت للكلام عن المستدركات عليه مقتصرة على الأندلسية منها دون المشرقية، مراعية في ذلك التسلسل الزمني لأدرك ما زاده اللاحق عن السابق.
وأفردت الفصل الثالث لدراسة المخطوط فتناولت في مباحثه وصف الكتاب ودراسته، وفيه تحدثت عن توثيق نسبة الكتاب إلى صاحبه، ثم منهج المؤلف في الكتاب، وأهميته وإشعاعه في القرن السادس وما بعده، ومصادره فيه، وأوهام ابن الأمين التي نبه عليها العلماء، ووصف المخطوطة.
وفي الفصل الرابع بينت المنهج المتبع في تقديم كتاب الاستدراك، وتحقيقه، ودراسته، وتخريج أحاديثه.
وأما الباب الثاني فقد ضم النص المحقق مرتبا على حروف الهجاء.
وأداء للأمانة العلمية فقد أعقبت التحقيق بذكر الطرر الواردة في المخطوطة، وعملت ملحقا باستدراك ابن الأمين للصحابة الذين لم يأت ذكرهم في النسخة المحققة وذكرهم العلماء.
ثم ذيلت ذلك بخاتمة أو جزت فيها ما خرج به هذا العمل من نتائج.
صعوبات البحث:
ولقد واجهتني في بحثي بعض الصعوبات مردها إلى أمرين أساسيين:
*كون النسخة من الاستدراك فريدة، مما حرمني من مقومات التوثيق، ولا يخفى على كل مشتغل بتحقيق التراث مدى الصعوبة التي يعانيها الباحث في الاشتغال على نسخة وحيدة.
стр. 6
*اعتماد ابن الأمين على مصادر نادرة أو مفقودة وهي كثيرة جدا.
وأنا في كل ذلك أستلهم من الله العون والتوفيق فيمدني. بمدد منه وفيض كريم، وكلما ظننت أني قد رويت غلة النفس زاد ما بي من ظمأ إلى مزاولة هذا الجهد.
والمأمول أن يكون في هذا الجهد المتواضع ما يجلو شخصية أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى المعروف بابن الأمين القرطبي، ويقدم كتابه الاستدراك أقرب إلى ما أراده له مؤلفه.
شكر وعرفان:
وأخيرا أرى من حق العلم، وأداء لأمانة الدرس أن أعلي شكري العميم ودعائي إلى جمهرة من ذوي الفضل والنبالة وأخص بالذكر منهم أبويّ الفاضلين وإخوتي، الذين أمدوني بأكثر مما أمكنهم من وقتهم وراحتهم، ودعمهم المادي والمعنوي، متعهم الله بالصحة والعافية والرحمة والرضوان، ثم لمشرفي الجليلين فضيلة العالمين القديرين: الدكتور إبراهيم بن صديق والدكتور معمر نوري اللذين تفضلا مشكورين فرعيا هذا البحث المتواضع برحابة صدر وطلاقة وجه، ودلاني على أحسن طرق الخير في المسار العلمي، مع الإخلاص في التوجيه والنصيحة والحرص على مواكبة العمل في كل أطواره، شأنهما في ذلك شأن العلماء العاملين المخلصين لرسالتهم النبيلة رغم ظروفهما الصحية العصيبة، وإلى أسرتيهما اللتين كانتا تستقبلاني بكل حفاوة فجزاهما الله خير الجزاء، وإلى الدكتور القدير محمد الراوندي الذي كان له الفضل في إطلاعي على الكتاب، ثم في بعث همتي إلى تحقيقه ودراسته، فما أن أعارني الكتاب وتصفحته وقرأته علمت أنه من علي منة لا أنساها، بل أيقنت أنه آثرني بالخير كله وأي خير أكبر من كتاب فريد في بابه قد حوى
стр. 7
ذخيرة من ذخائر علم الشريعة، بل تجاوز فضله إلى بذل كل ما تطيقه أريحية عالم يعرف حق العلم، فكان يوجهني ويسدد آرائي كلما عن علي أمر من أمور البحث، وإلى شيخي الجليل الدكتور محمد يسف الذي لم يبخل علي يوما بأوقاته العزيزة وتوجيهاته السديدة، وشد أزري أكثر من مرة فله من الشكر أفضله ومن المنة أعظمها، وإلى الروح الطاهرة روح الفقيه الشيخ محمد المنوني أفسح الله له في رحاب الجنة وأقعده مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأحسن جزاءه بقدر ما خدم التاريخ ونفع الناس بعلمه وجهده.
كما أود أن أعرب هنا عما أدين به من فضل لكل السادة الأجلاء الكرماء الذين أسعفوني بما تعذر علي التوصل إليه من معلومات عن المخطوطات، أو بما أسعفوني من مصورات منها وهم كثيرون يضيق المجال عن ذكر أسمائهم كلها.
الأستاذ الفاضل محمد علي موسى الذي كانت له يد فضلى في إمدادي بمصورتي نسخة التيمورية وهوامش الاستيعاب من معهد المخطوطات العربية، وإلى الحاج محمد الزيدي الذي تفضل بجلبها إلي، والدكتور الفاضل خالد الريان.
إلى القائمين على شؤون المكتبات في مركز جمعة الماجد وعلى رأسهم الدكتور الفاضل عبد الرحمن فرفور، ودار الكتب المصرية-المكتبة التيمورية-ومعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية بالقاهرة، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، وعارف حكمت بالمدينة المنورة، ووزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، والمكتبة الوطنية الجزائرية، ومكتبة الأسد بدمشق، ودار الكتب الوطنية بتونس، ومكتبة الإسكوريال، ومكتبة شستر بيتي بدبلن، ودار الكتب الوطنية بباريس، ومكتبات المملكة المغربية العامة منها والخاصة.
ويشهد الله مدى عجزي عن كفاء الشكر لبعض ما أسبغوا علي من فضل، فإليهم جميعا صادق الامتنان وخالص العرفان بالجميل، فكل فضل في إخراج
стр. 8
هذا الأثر فهو بعد الله لهم خالصا فجزاهم الله جزاء المحسنين من عباده، فهو وحده الكفيل أن يكلأهم بموصول نعمه وموفور كرمه.
وختاما آمل أن يكون في هذا الجهد المتواضع ما يجلو للقارئ استدراك ابن الأمين القرطبي، وأن أقدم كتابه على الوجه الذي أراده له مؤلفه، فإن كنت حزت قدرا من سداد وتوفيق فإنه من توفيق الله وتسديده، وإن كنت وهمت أو سهوت فشفيعي صدق النية وصحة العزيمة، وسبحان الله المتصف وحده بالجلال والكمال وعلى الله قصد السبيل.
стр. 9
الرموز المستخدمة في البحث
الصفحة الأولى من الورقة المخطوطة مثلا (ق ١١/أ)
الصفحة الثانية من الورقة المخطوطة مثلا (ق ١١/ب)
ت المتوفى مثلا الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)
ج: الجزء
ص: الصفحة
خ: مخطوط
ط: ح: طبعة حجرية
ط: الطبعة
د: الدكتور
ذ: الأستاذ
ق: ورقة مخطوطة
هـ: هجرية
م: ميلادية
[] كلام أضفته أو صوبته في المتن
لحصر الآيات القرآنية
" "لحصر حديث أو اسم مؤلف
() لحصر أي كلام نقلته ولم أتصرف فيه.
стр. 10
الفصل الأول
ترجمة ابن الأمين القرطبي
* اسمه ونسبه ومولده
*أسرته
*نشأته ومحطات من حياته
*شيوخه
*تلامذته
*مكانته العلمية والثناء عليه
*مؤلفاته
*وفاته
стр. 11
توطئة
لم يسفر بحثي المستمر إلا عن كلمات يسيرة لا تشفي الغليل، هي كل ما حمل إلينا التاريخ عن شخصية أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى القرطبي المعروف بابن الأمين (١)، وتتمثل هذه الكلمات القليلة فيما سجله الضبي في «بغية الملتمس»، وما سطره ابن بشكوال في كتابه "الصلة في تاريخ علماء الأندلس"، وابن الأبار في كتابه "المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي"، فهذه الكتب شحت عن البسط في تفاصيل سيرته بما يتناسب مع مكانته العلمية.
ولعل من أسباب إهمال تفاصيل حياة ابن الأمين، ضياع كتب الرجال الكثيرة بسبب النكبات المتتالية التي جرت على تلك البلاد وأبنائها.
وعليه، فإن المترجمين بعد ابن بشكوال ظلوا يدورون في فلك ما نقله هو، أو اختصره عمن سبقه، مما جعل حياة ابن الأمين الاجتماعية يلفها الغموض.
_________
(١) مصادر ترجمته حسب الأقدمية: ابن بشكوال: الصلة في تاريخ علماء الأندلس ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧. الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس علمائها وأمرائها وشعرائها وذوي النباهة فيها ممن دخل إليها وخرج عنها ١/ ٢٧٨ ت ٥٣٥. ابن الأبار: المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي ص:٧٠ - ٧١ ت ٤٩. السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص:٩٣. عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين ١/ ٨١ ت ٦٠٦. الزركلي: الأعلام قاموس لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين ١/ ٧٤. الكتاني: الرسالة المستطرفة لمشهور كتب السنة المشرفة ص:٢٠٣. الدكتور محمد يسف: المصنفات المغربية في السيرة ومصنفوها ٢/ ٦٤.
стр. 12
اسمه ونسبه ومولده
الإمام الحافظ إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم بن سعيد يعرف بابن الأمين، يكنى أبا إسحاق، من أهل قرطبة، وأصله من طليطلة (٢).
أما عن تاريخ ولادته، فقد انفرد ابن بشكوال بذكره، قال ابن بشكوال:
(ومولده سنة تسع وثمانين وأربعمائة) (٣).
أسرته
لم تسعفنا المصادر بأي ذكر لأسرته، سوى ما انفرد ابن عبد الملك المراكشي في"التكملة لكتاب الصلة"بالترجمة لأبيه وعمه، فأفادنا أن والد أبي إسحاق ابن الأمين أخذ العلم عن أبي الوليد العتبي وغيره من مشيخة قرطبة، وكانت له عناية باللغة وشرح الحديث، وتوفي سنة ٥٢١ هـ (٤)، وأن عمه محمد بن إبراهيم ابن يحيى بن سعيد كان مقدما في علم الفرائض والعدد والمساحة، وتوفي سنة ٥٣٩ هـ (٥).
ولعل في إمامته. بمسجد عبيد الله بن أدهم-التي تأتي الإشارة إليها-دلالة على أنه كان متزوجا لأنه لم يكن مستحبا في المذهب المالكي أن يؤم القوم العزب.
نشأته ومحطات من حياته
أحجمت المصادر عن التطرق لنشأة ابن الأمين، وحالته الاجتماعية واكتفت بالإشارة إلى بعض المحطات التي مر بها في حياته منها: ما قاله ابن
_________
(٢) الضبي: بغية الملتمس ١/ ٢٧٨ ت ٥٣٥.
(٣) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
(٤) ابن عبد الملك المراكشي: التكملة لكتاب الصلة ٤/ ١٦٨ ت ٤٩٦.
(٥) ابن عبد الملك المراكشي: التكملة لكتاب الصلة ١/ ٣٦١ ت ١٢٨٥.
стр. 13
الأبار في المعجم: (وكان يؤم في صلاة الفريضة بمسجد عبيد الله بن أدهم، وامتحن في الفتنة بقرطبة، إذ دخلها المصامدة بعد ثورة أبي جعفر ابن حمدين فيها، فنجا من القتل، ويقال: إنه فر أمام طالبه، فرمى بنفسه من سطح يقدر أنه يقع في أسفل دار ينجيه، فتردى في بئر من مهواه من السطح، وعلى ذلك أمكنه الخلاص، فانتقل إلى لبلة، وسكنها برهة) (٦).
شيوخه
إن المصادر التي بين أيدينا لا تعطينا نظرة ولو وجيزة عن نشأته، وعن بيئته، ولا أي شيء عن رحلاته العلمية، ولكن ما ذكره عنه ابن بشكوال نفترض عدم رحلته لأنه صاحبه وملازمه ولم يشر إلى ذلك.
وهكذا فإن شيوخه الذين تلقى عنهم العلم من مشيخة الأندلس قد عدهم ابن الأبار في"المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي"قال: (له رواية عن أبي محمد ابن عتاب، وأبي الوليد ابن طريف، وأبي القاسم ابن صواب، وأبي الوليد ابن رشد، وأبي الحسن ابن مغيث (٧)، وغيرهم من مشيخة بلده، وسمع من أبي بكر ابن العربي هنالك، وكتب إليه أبو علي) (٨)، أما ابن بشكوال فقال:
(روى عن جماعة من شيوخنا، وأكثر عنهم) (٩).
من خلال نص ابن الأبار وذكره لأسماء شيوخه، يتبين لنا أن ابن الأمين سمع على الأعيان من شيوخ الوقت بالأندلس، وأنهم كانوا من الحفاظ الأئمة. فابن عتاب القرطبي الحافظ الفقيه من أعيان أصحاب أبي عمر ابن عبد البر، وأبو الوليد ابن طريف من الأدباء النحويين، واللغويين البلغاء، وأبو
_________
(٦) ابن الأبار: المعجم ص:٧٠ - ٧١ ت ٤٩.
(٧) تصحفت"مغيث"إلى"عفيف".
(٨) ابن الأبار: المعجم ص:٧٠ ت ٤٩.
(٩) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
стр. 14
القاسم ابن صواب عارف بالقراءات ورواياتها وطرقها، وأبو الوليد ابن رشد القرطبي قاضي الجماعة ومفتيها، ومن أوعية العلم في وقته، والقاضي أبو بكر ابن العربي الإشبيلي فقيه مالكي أصولي حافظ، والقاضي الشهيد أبو علي الصدفي مجمع على حفظه وعلمه ونبله، أما ابن بشكوال الذي ذكر العبارة بإطلاق لم يسم من شيوخه أحدا غيره، حيث تدبج معه في الرواية قال:
(أخذت عنه، وأخذ عني) (١٠)، ولعل سبب ذلك أنه كان صاحبه وملازمه فقد قال في ترجمته (صاحبنا)، وهذا يعني أنهما كانا يأخذان عن نفس الشيوخ، وناهيك بجلة شيوخ ابن بشكوال، فهم من كبار العلماء فقهاء، أدباء، محدثين. . .
إذن، تقدم لنا لائحة الشيوخ تصورا أوليا عن ابن الأمين من خلال انتقائه لشيوخه الذين درس عليهم، وبذلك نستطيع القول: إن ابن الأمين حاول التنويع في مصادر معرفته وإغنائها على يد علماء أجلاء تختلف مشارب تخصصاتهم، وهذا يبين مدى حرصه على اكتساب المعرفة من أصولها الحقيقة، وسأترجم لهؤلاء مراعية في ترتيبهم الترتيب الزمني لوفياتهم، حتى يتبين صحة ما قلناه.
أبو علي الصدفي (٤٥٠ هـ-٥١٤ هـ)
:
القاضي الشهير أبو علي الحسين بن محمد بن فيّرة المعروف بابن سكرة الصدفي السرقسطي الأندلسي (١١)، عالم بالحديث وطرقه، وعلله وأسماء
_________
(١٠) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
(١١) انظر ترجمته: ابن عطية: الفهرس ص:٧٤ - ٧٦ ت ٧، القاضي عياض: الغنية ص:١٩٢، ابن خير: فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف ٢/ ٥٦٢ و ٥٨٤ و ٥٩٠ و ٥٩١ (تح: إبراهيم الأبياري)، ابن بشكوال: الصلة ١/ ٢٣٥ ت ٣٣٤، الضبي: بغية الملتمس ص:٣٥٣، الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعيان ص:٣٦٧ سنة ٥١٤ هـ ت ٧٠ وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٧٦ - ٣٧٨ ت ٢١٨ والعبر في خبر من غبر ٤/ ٣٢ - ٣٤ سنة ٥١٤ هـ وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٥٣ - ١٢٥٥ ت ١٠٥٩ والإعلام بوفيات الأعلام ص:٢١١ سنة ٥١٤ هـ، ابن فرحون: الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب ١/ ٣٣٠ - ٣٣١، ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٢٥٠ ت ١١٣٨، ابن ناصر الدين-
стр. 15
رجاله، روى عن أبي الوليد الباجي، وأبي عمر ابن عبد البر، وسمع من أبي العباس العذري، وأبي عبد الله ابن سعدون القروي، وأبي عبد الله ابن المرابط، ورحل ولقي أبا بكر الطرطوشي، وأبا يعلى المالكي وأبا العباس الجرجاني، وأبا الفضل أحمد ابن خيرون، وطراد الزينبي، والحميدي، والشاشي، وأبا الحسن الخلعي والعديد من الشيوخ، جمعهم تلميذه القاضي عياض قال: (وقد جمعت شيوخه في كتاب"المعجم"الذي ضمنته ذكره وأخباره، وشيوخه وأخبارهم، وهو نحو مائتي شيخ). أخذ عنه ابن خصلة، وابن برطلة، وابن سعادة، وابن عطية، وأبو القاسم ابن الورد، وابن هذيل، وأبو جعفر ابن الباذش وغيرهم كثير، وأجاز ابن بشكوال، وأبا طاهر السّلفي. قال الذهبي في حقه: (وكان ذا دين وورع، وصون وإكباب على العلم، ويد طولى في الفقه) (١٢)، ولم تذكر المصادر التي ترجمت له-فيما اطلعت عليه-من مؤلفات سوى ما أورده ابن خير في فهرسته ضمن مروياته قال: (فهرسته الشيخ الإمام الحافظ أبي علي حسين بن محمد بن فيره الصدفي ويعرف بابن سكرة ﵀، روايتي لها عن الشيخين الفقيهين الإمامين أبي الحسين عبد الملك بن محمد ابن هشام القيسي، وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد العبدري، كلاهما عنه) (١٣)، قال ابن الأبار في «المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي»: (أخرج له شيخنا الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي سباعيات أبي علي الصدفي في ثلاثة أجزاء) (١٤).
_________
(١١) الدمشقي: توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم ٥/ ١١٩، ابن حجر: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ٢/ ٦٨٥، السيوطي: طبقات الحفاظ ص:٤٥٥ ت ١٠٢٤، المقري: أزهار الرياض في أخبار عياض ٣/ ١٥١، حاجي خليفة: كشف الظنون ٢/ ١٧٣٠، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٤/ ٤٣ سنة ٥١٤ هـ، القنوجي: التاج المكلل ص:٢٨٨ ت ٣١٩.
(١٢) الذهبي: السير ١٩/ ٣٧٦ ت ٢١٨.
(١٣) ابن خير: الفهرسة ص:٣٨٣ رقم ١٢٢٧ (تح: محمد فؤاد منصور).
(١٤) ابن الأبار: المعجم ص:٢٥.
стр. 16
أبو القاسم ابن صواب (ت ٥١٤ هـ):
خلف بن محمد بن عبد الله ابن صواب اللخمي، من أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم (١٥)، روى بقرطبة عن القاضي سراج بن عبد الله، وأبي عبد الله الطرفي المقرئ، وأبي محمد ابن شعيب المقرئ، وأبي مروان الطبني، وأبي محمد ابن البسكلاري وغيرهم كثير، وكان رجلا فاضلا ثقة فيما رواه، قديم الطلب للعلم. . .، وكان عارفا بالقراءات ورواياتها وطرقها، وكتب بخطه علما كثيرا ورواه، قال ابن بشكوال: (قرأت عليه وأجاز لي ما رواه، وسمع منه بعض شيوخنا وجلة أصحابنا، وكفّ بصره في آخر عمره، وعمر وأسن، ولم ألق في شيوخنا أسن منه، وتوفي ﵀ يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر لثلاث خلون من جمادى الأول سنة ٥١٤ هـ، ودفن بمقبرة أم سلمة، وصلى عليه قاضي الجماعة أبو الوليد ابن رشد ﵀، وكان مولده ضحوة يوم الخميس لثلاث بقين من محرم سنة ٤٢٤ هـ).
أبو محمد ابن عتاب (٤٣٣ هـ-٥٢٠ هـ)
الشيخ العلامة، المحدث، مسند الأندلس، عبد الرحمن بن محمد ابن عتاب ابن محسن القرطبي، يكنى أبا محمد (١٦)، آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس في علو الإسناد، وسعة الرواية كما قال ابن بشكوال (١٧)، روى عن أبيه وأكثر عنه، وسمع منه معظم ما عنده، وهو كان الممسك لكتب أبيه للقارئين عليه، فكثرت لذلك روايته عنه، وروى عنه حاتم بن محمد الطرابلسي كثيرا من
_________
(١٥) انظر ترجمته: ابن بشكوال: الصلة ١/ ٢٧٨ ت ٤٠٣.
(١٦) انظر ترجمته: ابن عطية: الفهرس ص:٨٠ - ٨١ ت ٩، ابن خير: الفهرسة ٢/ ٥٩٤ (تح: إبراهيم الأبياري)، ابن بشكوال: الصلة ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ ت ٧٥٣، الذهبي: السير ١٩/ ٥١٤ ت ٢٩٧، ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٤٧٩، الداودي: طبقات المفسرين ١/ ٢٩١ ت ٦٢٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٤/ ٦١ سنة ٥٢٠ هـ، البغدادي: إيضاح المكنون ٤/ ٥٠.
(١٧) بن بشكوال: الصلة ١/ ٢٧٨ ت ٤٠٣.
стр. 17
روايته، وأجاز له سائرها، وأجاز له أيضا أبو عمر ابن عبد البر، وأبو عمر ابن الحذاء، كانت الرحلة إليه في وقته، روى عنه الحافظ أبو بكر ابن الجد، وعبد الحق ابن بونة، وأخوه محمد، وابن عراق، وابن عميرة، وابن عبادة وخلق، قال ابن بشكوال: (كان حافظا للقرآن العظيم، كثير التلاوة له، عارفا برواياته وطرقه، واقفا على كثير من تفسيره وغريبه ومعانيه، مع حفظ وافر من اللغة العربية، وتفقه عن أبيه، وشوور في الأحكام بعده بقية عمره، وكان صدرا فيمن يستفتى لسنه وتقدمه، وكانت الرحلة في وقته إليه، ومدار أهل الحديث عليه) (١٨)، له تواليف حسنة مفيدة منها: كتاب حفيل في الزهد والرقائق سماه "شفاء الصدور"، وذكر له ابن بشكوال في كتابه"الغوامض والمبهمات"لأبي محمد ابن عتاب كتاب"موطأ ابن أبي ذئب" (١٩). توفي سنة ٥٢٠ هـ، وقال ابن بشكوال: سنة ٥٣١ هـ.
أبو الوليد ابن طريف (٤٣٢ هـ-٥٢٠ هـ):
أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن طريف بن سعد، من أهل قرطبة، يكنى أبا الوليد (٢٠)، روى بقرطبة عن القاضي سراج بن عبد الله، وأبي عمر ابن القطان، وأبي عبد الله ابن عتاب، وأبي مروان ابن مالك، وأبي القاسم حاتم بن محمد، وأبي عمر ابن الحذاء القاضي، وأبي مروان الطبني، والقاضي أبي بكر ابن منظور، وأبي القاسم ابن عبد الوهاب المقرئ، وأبي مروان ابن سراج، وأبي مروان ابن حيان، وأجاز له أبو بكر محمد بن الوليد الأندلسي نزيل مصر مع أبيه، وأبو عمر ابن عبد البر، قال ابن بشكوال: (كان ﵀ شيخا أديبا، نحويا لغويا، كاتبا بليغا، كثير السماع من الشيوخ والاختلاف إليهم، والتكرر عليهم، ولم تكن له أصول، وكان حسن الخلق جيد العقل، كامل المروءة،
_________
(١٨) ابن بشكوال: الصلة ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ ت ٧٥٣.
(١٩) ابن بشكوال: الغوامض والمبهمات ١/ ٦٨.
(٢٠) انظر ترجمته: ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٣١ - ١٣٢ ت ١٧٠.
стр. 18
جميل العشرة، بارا بإخوانه وأصحابه). وزاد أيضا: (سمع منه جماعة أصحابنا وبعض شيوخنا، واختلفت إليه كثيرا، وسمعت منه معظم ما عنده، وأجاز لي ما رواه غير مرة بخطه)، ذكر ابن بشكوال وفاته فقال: (توفي شيخنا أبو الوليد ﵀ يوم الجمعة في يوم السبت بعد صلاة العصر، بمقبرة أم سلمة آخر يوم من صفر سنة ٥٢٠ هـ، شهدت جنازته، وصلى عليه أبو القاسم ابن بقي، وقال لي غير مرة: مولدي يوم عيد الأضحى سنة ٤٣٢ هـ)، ولم يذكر له أي مؤلف، إلا ما ذكره ابن حجر في"الإصابة"في ترجمة سراج بن قرة بن ربعي قال: (ذكره أبو الوليد ابن طريف الكاتب في"أخبار عبد الملك ابن سراج") (٢١).
أبو الوليد ابن رشد (٤٥٠ هـ-٥٢٠ هـ):
الإمام العلامة شيخ المالكية، قاضي الجماعة بقرطبة، محمد بن أحمد بن أحمد ابن رشد، أبو الوليد القرطبي المالكي (٢٢)، تفقه عند أبي جعفر ابن رزوق، وروى عن أبي مروان ابن سراج، وأبي عبد الله ابن قدح، وأبي علي الغساني، ومحمد ابن فرج الطلاعي، ومحمد ابن خيرة، وأجاز له أبو العباس ابن دلهاث، قال ابن بشكوال: (كان فقيها عالما، حافظا للفقه، مقدما فيه على جميع أهل عصره، عارفا بالفتوى، بصيرا بأقوال أئمة المالكية، ناقدا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرئاسة في العلم، والبراعة والفهم مع الدين والفضل، والوقار والحلم، والسمت الحسن، والهدي الصالح)، قال الحميدي: (ألف كتبا لم يسبق إليها، منها: كتاب"البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل"، وكتاب"المقدمات لأوائل كتاب المدونة"، "واختصار كتاب المبسوطة"، و"اختصار كتابي أبي جعفر الطحاوي").
_________
(٢١) ابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة ٣/ ٣٧ ت ٣١٠٣ ق ١.
(٢٢) انظر ترجمته: الحميدي: جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥ ت ٢٥٩، ابن بشكوال: الصلة ٣/ ٨٣٩ - ٨٤٠ ت ١٢٧٨، الضبي: بغية الملتمس ١/ ٧٤ ت ٢٤، الذهبي: السير ١٩/ ٥٠١ ت ٢٩٠، القنوجي: التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول ص:٢٩٨ - ٢٩٩ ت ٣٣٠.
стр. 19
قال في شأنه الحميدي: (كان واحد وقته جلالة وفضلا، وذكاء ونبلا، ونزاهة وحلما، ومعرفة وعلما)، وقال الذهبي: (سار في القضاء بأحسن سيرة، وأقوم طريقة، ثم استعفي منه فأعفي، ونشر كتبه، وكان الناس يعولون عليه ويلجأون إليه، وكان حسن الخلق، سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته، جميل العشرة لهم، بارا بهم)، وزاد الذهبي قائلا: (روى عنه أبو الوليد ابن الدباغ فقال: كان أفقه أهل الأندلس، صنف شرح العتبية، فبلغ فيه الغاية).
أبو الحسن ابن مغيث (٤٤٧ هـ-٥٣٢ هـ):
الإمام العلامة الحافظ المفتي الكبير، أبو الحسن يونس بن محمد ابن مغيث بن الإمام المحدث يونس بن عبد الله بن محمد ابن مغيث القرطبي المالكي (٢٣)، سمع بعد الستين من حاتم بن محمد، وأبي عمر ابن الحذاء، ومحمد بن محمد ابن بشير، وأبي مروان ابن سراج، وأبي عبد الله ابن منظور، ومحمد ابن سعدون القروي، وأبي جعفر ابن رزق، وأبي علي الغساني الحافظ. حدث عنه ابن بشكوال، ومحمد بن عبد الله ابن مفرج القنطري، ومحمد بن عبد الرحمن بن عبادة الجيّاني، ومحمد ابن عبد الرحيم ابن الفرس، وأبو محمد عبيد الله، وعبد الله بن طلحة المحاربي، وأبو القاسم ابن حبيش، وعبد الرحمن بن محمد ابن الشراط وآخرون.
قال ابن بشكوال: (وافر الأدب، قديم الطلب، نبيه البيت والحسب، جامعا للكتب، راوية للأخبار، أنيس المجالسة، فصيحا، مشاورا، بصيرا بالرجال وأزمانهم وثقاتهم، عارفا بعلماء الأندلس وملوكها، وسيرهم وأخبارهم، وكان بارا لمن قصده، مشاركا لمن عرفه، أخذ الناس عنه كثيرا، قرأت عليه، وأجاز لي)، وقال الذهبي في العبر: (أحد الأئمة بالأندلس، كان رأسا في الفقه، وفي الحديث، وفي الأنساب والأخبار، وفي علوم الإسناد).
_________
(٢٣) انظر ترجمته: ابن بشكوال: الصلة ٣/ ٩٨٥ - ٩٨٦ ت ١٥٣٠، ابن الأبار: المعجم ص:٣٢٩ - ٣٣٠ ت ٣١٣، الذهبي: السير ٢٠/ ١٢٣ - ١٢٤ ت ٧٤ والعبر ٤/ ٩٠ سنة ٥٣٢ هـ والتذكرة ٤/ ١٢٧٧.
стр. 20
أبو بكر ابن العربي المعافري (٤٦٨ هـ-٥٤٣ هـ):
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو بكر ابن العربي المعافري (٢٤) ولد بإشبيلية، وكان أبوه من أعيانها وفقهائها، روى عنه ابنه أبو بكر، ورحل معه إلى المشرق، وبه اشتركا في الشيوخ. وفي شيوخه كثرة، اعتنى بهم كثير من المحققين في مقدمات تحقيق كتبه (٢٥).
أما تلامذته فقد أبلغ عددهم الدكتور العلوي المدغري ٢٥٤ تلميذ، وهو عدد ضئيل في مقابل الأربعين سنة التي قضاها في التدريس. وقد تفرغ ابن العربي للعلم والتأليف بعد عزله عن القضاء، فترك للمكتبة الأندلسية تراثا ضخما منها: "الناسخ والمنسوخ"، و"قانون التأويل"، و"القبس في شرح موطأ مالك" وغيرها، وتوفي سنة ٥٤٣ هـ.
أبو القاسم ابن بشكوال (٤٩٤ هـ-٥٧٨ هـ):
أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى ابن بشكوال بن يوسف بن داحة الأنصاري الأندلسي من أهل قرطبة (٢٦)، سمع أباه، وأبا محمد ابن عتاب فأكثر عنه، وهو أعلى شيخ له، وأبا بحر الأسدي، وأبا الوليد ابن
_________
(٢٤) انظر ترجمته القاضي عياض: الغنية ص:٦٩ - ٧٢، الضبي: البغية ص:٦٨ - ٦٩، ابن بشكوال: الصلة ٣/ ٨٥٥ - ٨٥٧ ت ١٣٠٥، ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ٤/ ٢٩٦ ت ٦٢٦، ابن فرحون: الديباج المذهب ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٢٥) انظر مقدمة تحقيق العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ ص ١٠ - ٢٤، ومقدمة الناسخ والمنسوخ ١/ ١٣ - ١٩٠.
(٢٦) انظر ترجمته: ابن الأبار: التكملة ١/ ٥٤ ت ١٧٩، ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٠ ت ٢١٧، الذهبي: السير ٢١/ ١٣٩ - ١٤١ ت ٧١ والتذكرة ٤/ ١٣٣٩ ت ١٠٩٧، ابن الزبير الغرناطي: صلة الصلة ٣/ ٢١ و ٤/ ٨٣ و ٥/ ٣٠٨، اليافعي: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان ٣/ ٤١٢ - ٤١٣ سنة ٥٧٨ هـ، ابن العماد: شذرات الذهب ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢ سنة ٥٧٨ هـ، القنوجي: التاج المكلل ص:٤٣ ت ١٩، الكتاني: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات ١/ ٢٤٤، ابن قنفذ: الوفيات ص:٢٩٠.
стр. 21
طريف، وأبا القاسم ابن بقي، وأبا بكر ابن العربي، وأبا علي الغساني، وأبا الحسن ابن مغيث، وأبا محمد ابن يربوع، وأبا القاسم ابن صواب، وأبا الوليد ابن رشد، وأجاز له كتابة أبو علي الصدفي، وأبو القاسم ابن منظور، قال في حقه ابن الأبار:
(كان متسع الرواية، شديد العناية بها، عارفا بوجوهها، حجة مقدما على أهل وقته، حافظا، أخباريا، تاريخيا، ذاكرا لأخبار الأندلس، سمع العالي والنازل، وأسند عن مشايخه أزيد من أربع مائة كتاب، من بين كبير وصغير، رحل الناس إليه، وأخذوا عنه، وحدثنا عنه جماعة، ووصفوه بصلاح الدّخلة، وسلامة الباطن، وصحة التواضع، وصدق الصبر للطلبة، وطول الاحتمال).
ألف خمسين تأليفا في أنواع مختلفة منها: "صلة تاريخ ابن الفرضي" و"الغوامض والمبهمات"و"الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة"و"معجم في مشيخته"و"أخبار ابن عيينة"و"أخبار ابن وهب"و"أخبار ابن المبارك" و"المستغيثين بالله"و"أخبار الأعمش"و"معرفة العلماء الأفاضل"و"التعاليق أو المعلقات" (٢٧) و"المحاسن والفضائل في معرفة الأفاضل"و"التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين" (٢٨). وقد علق محقق كتاب الصلة بعد ما سرد مؤلفاته: (هذا ما صرحت باسمه المراجع من تآليف ابن بشكوال، وما أظنه بقي لنا مما صرحت به المراجع غير هذين الكتابين"الغوامض والمبهمات" و"الصلة") وفاته أن كتابيه"المستغيثين بالله" (٢٩) و"القربى إلى رب
_________
(٢٧) لم يذكر مترجموه هذا المؤلف، وإنما ذكر عرضا في صلة الصلة لابن الزبير الغرناطي، ذكره باسم المعلقات ٣/ ٩٠، وباسم التعاليق ٣/ ١٥٤ و ١٥٥ و ١٧٠ و ١٧٦ و ٤/ ٨٣ و ٥/ ٢٣٩، قال في ترجمة ظونة بنت عبد العزيز بن موسى بن طاهر ابن متاع: (ذكرها ابن بشكوال خارج كتاب الصلة في تعاليقه على بعض أجزائها) ٥/ ٣٠٨.
(٢٨) لم يذكره مترجموه، وذكره المقري عرضا في نفح الطيب ٣/ ١٠ و ٦٠ و ٦٤.
(٢٩) توجد نسخة مخطوطة من الكتاب بجاريت تحمل رقم ١٨٩٣ بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ٦/ ١١٠، ووقفت على نسخة منه بالمكتبة العامة بالرباط ضمن مجموع تحت رقم ١٤٢ ق، والكتاب مطبوع طبعتين، واحدة ضمن سلسلة المصادر الأندلسية بتحقيق إبراهيم الأبياري، والأخرى طبعتها دار الكتب العلمية ببيروت طبعتها الأولى سنة ١٤٢٠ هـ/١٩٩٩ م، ووضع حواشيه: أحمد حسن بسج.
стр. 22
العالمين" (٣٠) قد طبعا، كما أن كتاب"الحكايات المنتخبة والحكايات المستغربة" توجد نسخة منه بالفاتيكان ثالث بورج ١٢٨.
وتجدر الإشارة إلى أنه ورد في فهرسة ابن خير ما يوهم أن أبا مروان عبد الملك ابن زيادة الله التميمي الطبني شيخه، قال ابن خير حين ذكر كتاب "الأمثال الكامنة في القرآن للقضاعي"استخراج الحسن ابن الفضل ﵀:
(حدثني به الشيخ الإمام الرواية أبو القاسم خلف بن عبد الملك الأنصاري، قراءة مني عليه، قال: أخبرني به أبو القاسم خلف بن محمد بن عبد الله ابن صواب اللخمي إجازة، قال: وسمعتها من لفظ صاحبنا أبي إسحاق إبراهيم ابن يحيى عنه، قال: نا أبو مروان عبد الملك ابن زيادة الله التميمي الطبني، ﵀، قراءة عليه، ومرة سماعا منه، ونسخته من كتابه، قال. . .).
فإن من خلال هذه العبارة يتبين بوضوح أن أبا مروان عبد الملك ابن زيادة الطبني من شيوخ ابن الأمين، وأبو مروان توفي سنة ٤٥٦ هـ وقيل: سنة ٤٥٧ هـ كما في الصلة (٣١)، فوفاته كانت قبل ولادة ابن الأمين باثنتين أو ثلاث وثلاثين سنة.
تلامذته
إن الجرد الدقيق لكتب التراجم الأندلسية المطبوعة منها والمخطوطة المعروفة لدي، بينت لي أنها بخلت في تحديد أسماء تلامذته، فلم أجد عبارة دالة، اللهم عبارة ابن بشكوال في صلته قال: (صاحبنا، يكنى أبا إسحاق) (٣٢)، وقال مرة أخرى: (أخذت عنه، وأخذ عني) (٣٣).
_________
(٣٠) توجد نسخة منه بالإسكوريال ثان ١٧٤٥/ ٥، وبرلين ٢٩١٠. انظر: بروكلمان في تاريخ الأدب العربي ٦/ ١١٠، ووقفت على نسختين مخطوطتين منه بالمكتبة العامة بالرباط ضمن مجموع يحملان رقم ٢٤٢ ق و ٤٠١ ك، وطبع ضمن سلسلة المصادر الأندلسية بدراسة وتحقيق وترجمة كريستينا دي لابويني.
(٣١) ابن بشكوال: الصلة ٢/ ٣٦٩ ت ٧٧٦ (طبعة مصر).
(٣٢) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
(٣٣) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
стр. 23
وذكر ابن عبد الملك المراكشي في التكملة تلميذا آخر هو:
محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن خلف بن أحمد ابن رضى من أهل قرطبة، يكنى أبا الوليد، سمع أباه أبا القاسم، وأبا الحسن ابن مغيث، وأبا القاسم ابن بقي، وأبا عبد الله ابن الحاج، وأبا بكر ابن العربي وأكثر عنه، وأبا بكر عبد العزيز ابن مدير، وأجاز له أبو عبد الله ابن مكي، وأبو الحسن ابن شريح، وابن الورد، وعبد الجليل المقرئ وغيرهم. وقد أخذ عن ابن الدباغ، وأبي إسحاق ابن الأمين، وابن بشكوال، وأخذ هو أيضا عنه فتدبجا (٣٤).
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
قال ابن بشكوال: (كان من جلة المحدثين، وكبار المسندين، والأدباء المتقنين، من أهل الدراية والرواية، والثقة والضبط والإتقان) وقال أيضا: (كان من الدين بمكان) (٣٥).
وقال ابن الأبار في المعجم: (وكان من أهل الضبط والإتقان، والتقدم في صناعة الحديث، وحفظ اللغة) (٣٦).
وجاء في هامش الصلة لابن بشكوال في ترجمة عيسى بن إبراهيم بن عبد ربه ابن جهور القيسي أبو القاسم، أخذ عن أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري صاحب المقامات فأخذها عنه، وجماعة غيرهم)، قال المحقق إبراهيم الأبياري في هامش"خ"ما نصه: (قال الإمام الناقد أبو إسحاق ابن الأمين:
(وفهرسته، وهي عندي بخطه في تسمية من لقي ابن عبد ربه) (٣٧).
_________
(٣٤) ابن عبد الملك المراكشي: التكملة ٢/ ٣٠ ت ٨٦.
(٣٥) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
(٣٦) ابن الأبار: المعجم ٧٠ - ٧١ ت ٤٩.
(٣٧) ابن بشكوال: الصلة ٢/ ٦٣٨ ت ٩٥٣.
стр. 24
فوصف في هذه النسخة من الصلة بالإمام الناقد.
ويظهر من خلال ما تقدم أن علم الحديث كان الغالب على ثقافة ابن الأمين أكثر من اشتغاله بالفقه، وهذا ما يؤكده أيضا الكلام عن مؤلفاته.
مؤلفاته
ذكرت المصادر التي ترجمت لابن الأمين القرطبي مؤلفين اثنين: واحد منها قدر له أن يصلنا، وفقدت معالم الثاني، وربما كانت له مصنفات أخرى لم يذكرها مترجموه، ولم تحفظ لنا المكتبات منها شيئا، وكتاباه هما.
الأول: "الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي ﷺ "أفادنا ابن الأبار في معجمه في ذكر أصحاب أبي علي الصدفي أنه استدراك على صحابة ابن عبد البر قال: (له استدراك على ابن عبد البر في الصحابة سماه"الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي ﷺ ")، وهو نفس العنوان الذي ذكره به عمر رضا كحالة نقلا عن"معجم المصنفين"للتونكي، قال: (له استدراك على ابن عبد البر في الصحابة سماه"الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي ﷺ ") (٣٨).
والحقيقة أن ذكر تسمية الكتاب بالشكل الذي سمي به، لا يجعلنا نطمئن لإدراجه ضمن الاستدراكات على الاستيعاب، وهو ما تنبه إليه أستاذي وشيخي الجليل الدكتور محمد يسف في كتابه القيم"المصنفات المغربية في السيرة ومصنفوها"لدى حديثه عن الكتاب قال: (وهذا العنوان لا يفيد أنه مستدرك على الاستيعاب الذي صرح به غير واحد من مؤرخيه، ومنهم أبو عبد الله ابن الأبار، ونقله الزركلي بهذا العنوان حين الترجمة لابن الأمين) (٣٩).
_________
(٣٨) عمر رضا كمالة: معجم المؤلفين ١/ ٨١. ت ٦٠٦.
(٣٩) د/محمد يسف: المصنفات المغربية في السيرة ومصنفوها ٢/ ٦٤.
стр. 25
وسماه بالذيل، الشيخ الزرقاني في"شرحه على المواهب اللدنية" (٤٠)، والسخاوي في"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ"حين سرده للكتب المصنفة في الصحابة قال: (وكأبي عمر ابن عبد البر في الاستيعاب، والذيل عليه لجماعة كأبي إسحاق ابن الأمين، وأبي بكر ابن فتحون) (٤١)، والكتاني في"الرسالة المستطرفة"قال: (ومن ذيول الاستيعاب ذيل أبي إسحاق ابن الأمين) (٤٢)، واستحسن ذيل ابن فتحون عليه قال: (ذيل ابن فتحون أحسن من ذيل ابن الأمين) (٤٣).
وجاء اسم الكتاب في الورقة الأولى من المخطوط كالتالي: "استدراك على أبي عمر ابن عبد البر الحافظ في كتابه الاستيعاب" (٤٤)، واقتصر الناقلون عنه بالقول: (ذكره ابن الأمين، واستدركه ابن الأمين).
المؤلف الثاني: هو تأليف على الموطأ ذكره ابن بشكوال في الصلة قال: (لابن الأمين تأليف على الموطأ في ستة أجزاء، وقد نوه به فقال: عظيم الفائدة، هو موجود بخطه بسبتة من هامش الأصل) (٤٥).
هذا ما أمكن معرفته من مؤلفات ابن الأمين، وقد تكون له مؤلفات أخرى تعرضت للضياع، ففقدت ضمن ما فقد من تراثنا الضخم، ويحتمل أن تكون في بعض خزائن الكتب تنتظر من يمد إليها يده فيزيل عنها الغبار حتى ترى طريقها إلى النور، وحبذا لو وصلتنا كتبه لعرفنا مدى مقدرته ومكانته في الحديث وعلومه.
_________
(٤٠) الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/ ٢٨٧.
(٤١) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ص:٩٣.
(٤٢) الكتاني: الرسالة المستطرفة ص:٢٠٣.
(٤٣) الكتاني: الرسالة المستطرفة ص:٢٠٣.
(٤٤) ابن الأمين القرطبي: الاستدراك (نسخة الخزانة التيمورية ق ١/ب).
(٤٥) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
стр. 26
وفاته:
ذكر وفاته كل من ابن بشكوال في"الصلة"، وابن الأبار في"المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي"، وهي سنة ٥٤٤ هـ. قال ابن بشكوال: (توفي ﵀ بلبلة (٤٦) في شهر جمادى الآخرة من سنة أربع وأربعين وخمسمائة) (٤٧).
قال ابن الأبار: (وتوفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وهو ابن خمس وخمسين أو نحوها، في السن التي قتل فيها أبو الوليد ابن الفرضي، وتوفي أبو محمد القني) (٤٨).
_________
(٤٦) لبلة: قصبة كورة بالأندلس كبيرة يتصل عملها بعمل أكشونية، وهي شرق من أكشونية وغرب من قرطبة، وهي برية بحرية. انظر: الحموي: معجم البلدان ٥/ ١٠ (لبلة).
(٤٧) ابن بشكوال: الصلة ٢/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
(٤٨) ابن الأبار: المعجم ص:٧٠ - ٧١ ت ٤٩.
стр. 27
الفصل الثاني
الاستيعاب لابن عبد البر
والمستدركات الأندلسية عليه
стр. 28
حظي التأليف في صحابة رسول الله ﷺ بعناية خاصة سواء في المشرق أو الأندلس، ونظرا لأهمية أعمال من ألفوا في هذا الفن، خاصة الذين استدركوا على استيعاب ابن عبد البر، رأيت جمع ما يتعلق بالاستدراكات على كتاب الاستيعاب خاصة، تمهيدا لدراسة في استدراك ابن الأمين، وأرى أن أقدم لذلك بالتعريف الموجز لكتاب الاستيعاب الذي استقطب جهود الدراسين من بعده.
كتاب الاستيعاب وأهميته في مجال التصنيف:
بلغ ابن عبد البر في التصنيف حد البراعة حتى (سارت بتصانيفه الركبان) (١)، ووصفت بأنها (تيجان رؤوس العظماء، وأسوة العلم والعلماء) (٢)، وكتبه المتنوعة كلها تشهد بعبقريته، أهمها في التراجم كتابه الاستيعاب الذي يعد أصلا من أصول التاريخ الإسلامي.
فهو أولا معول العلماء في معرفة تاريخ الإسلام وسير أهله، وهو ثانيا قبلة المؤلفين في الصحابة بعده، بل إن المنقب في كتب السيرة إلا ليجد النقول عنه مرة بعد مرة.
ومعلوم أن الإمام الحافظ ابن حجر جمع في كتابه الموسوم ب «الإصابة في تمييز الصحابة» بين الاستيعاب وذيولاته.
وتكفينا هنا شهادة ابن حزم الأندلسي حيث قال: (ومنها كتابه في الصحابة سماه كتاب"الاستيعاب في أسماء المذكورين في الروايات والسير
_________
(١) الذهبي: السير ١٨/ ١٥٤.
(٢) ابن خاقان: مطمح الأنفس ص:٧٠.
стр. 29
والمصنفات من الصحابة ﵃، والتعريف بهم، وتلخيص أحوالهم ومنازلهم، وعيون أخبارهم على حروف المعجم اثنا عشر جزءا، ليس لأحد من المتقدمين على كثرة ما صنفوا في كتب الصحابة) (٣).
وفي القرن السادس قال الحافظ أبو بكر ابن خير (ت ٥٧٥ هـ) في فهرسة مروياته: (وهو كتاب جليل مفيد، طابق اسمه معناه) (٤).
وكانت عناية ابن عبد البر في جمع تأليفه أقوى، وحرصه على استكمال جوانب الموضوع فيه أشد، وذلك حتى بعد إتمامه والفراغ منه، يدل على ذلك وصيته لتلميذه أبي علي الغساني حيث قال له: (أمانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة لم أذكره إلا ألحقته في كتابي الذي في الصحابة) (٥)، وقد وفى التلميذ بأمانة أستاذه، فذيل على الاستيعاب ما توصل إليه عن طريق الرواية، يدل على ذلك ما رواه الإمام أبو القاسم السهيلي بسنده المعروف إلى الحافظ أبي عمر ابن عبد البر، قال في رفيدة الأسلمية وتمريض سعد بن معاذ في خيمتها: (لم يذكرها أبو عمر، وزادها أبو علي الغساني في كتاب أبي عمر، حدثني بتلك الزوائد أبو بكر ابن طاهر عنه) (٦). وتردد صدى هذه الوصية بالمغرب والمشرق، فكان ممن نقلها مؤرخ الإسلام الحافظ أبو عبد الله الذهبي في "التذكرة"حين ترجم للحافظ أبي عمر ابن عبد البر عن"الروض الأنف" (٧).
ومما يزيد من أهمية هذا الكتاب أن الحفاظ والعلماء حملوه من عصر مؤلفه وتداولوه طبقة بعد طبقة بأسانيد متصلة موثقة، فقد حمله القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في"الغنية"مناولة من الفقيه الرواية أبي عمران موسى بن عبد الرحمن ابن أبي تليد الشاطبي (ت ٥١٧ هـ) (٨). وأبو بكر ابن خير (ت ٥٧٥ هـ)
_________
(٣) ابن حزم: رسالة في فضل الأندلس ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٤) ابن خير: الفهرسة ص:٢١٤.
(٥) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(٦) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(٧) الذهبي: التذكرة ٤/ ١٢٣٤.
(٨) القاضي عياض: الغنية ص:٢٥٦ - ٢٥٧.
стр. 30
حمله مع كتابه"الإنباه"وهو المدخل إلى الاستيعاب، قال: (حدثني بهما الشيخ المحدث الفقيه أبو بكر محمد ابن طاهر (ت ٥٢٧ هـ) قراءة مني عليه بلفظي في منزله، قال: حدثني بهما الحافظ أبو عمر ابن عبد البر قراءة عليه في منزلة بشاطبة سنة ٤٥٣ هـ، وحدثني بهما أبو محمد ابن عتاب، وأبو الحسن علي بن عبيد الله ابن موهب رحمهما الله إجازة فيما كتبا به إلي قالا: نا بهما أبو عمر ابن عبد البر مؤلفهما ﵀ (٩).
والإمام أبو القاسم السهيلي (ت ٥٨١ هـ) في «الروض الأنف» عن ابن عبد البر، من طريق أبي بكر ابن طاهر أيضا عن أبي علي الغساني عنه (١٠).
وأبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر التميمي (ت ٥٣٠ هـ) من أصحاب القاضي الشهيد أبي علي الصدفي قراءة على أبي علي الغساني عند ما ورد المرية للاستشفاء سنة ٤٩٦ هـ (١١).
وأبو الحسن الرعيني الإشبيلي (ت ٦٦٦ هـ) عن شيخه أبي العباس أحمد ابن أبي عزفة (ت ٦٣٣ هـ) إجازة من مؤلفه أبي عمر (١٢).
من خلال هذه النصوص التي بين أيدينا، نلمس أوجه تحمل هذا الكتاب عند العلماء، فمنهم من رواه سماعا ومنهم تحملا ومناولة. . . وهذا يبين لنا شدة حرص العلماء على التعامل مع هذا الكتاب وتداوله عصرا بعد عصر.
منهج ابن عبد البر في الاستيعاب:
إن تأليف ابن عبد البر للاستيعاب كان قائما على أسس علمية، فقد توخى من تصنيفه أن يكون مختصرا ومستوعبا في نفس الوقت، لذلك عمد إلى جمع المعطيات المعرفية من مصادرها-أي المؤلفات السابقة في هذا الشأن-فوجد
_________
(٩) ابن خير: الفهرسة ص:٢١٤ - ٢١٥.
(١٠) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(١١) ابن الأبار: المعجم ص:٢٣.
(١٢) الرعيني: برنامج شيوخ الرعيني ص:٤٤.
стр. 31
أصحابها طولوا في ذكر الأنساب، وأكثروا من إيراد الروايات الحديثية، وفاتهم أن يتقصوا أخبارهم وأحوالهم، فارتأى أن يجمع بين هذه المعارف ويخرجها لطالبيها شرابا خالصا، وهو في هذا يكون قد انتهج منهجا علميا قائما على الملاحظة والجمع والتقصي والتنقيح خلافا لمنهج سابقيه في الكتب التي كانت متداولة خصوصا في ميادين الحديث.
ويزيد دعامة لمنهجه العلمي استعماله لألفاظ الجرح والتعديل لنقد الرواة ونقد الأسانيد والترجيح بين الروايات.
وقد أفصح أبو عمر في خطبة استيعابه عن منهجه، وأشار إلى أهم المصادر التي استقى منها مادته الأصلية، والشيوخ الذين حدث عنهم أو قرأه عليهم، يقول أبو عمر: (وقد جمع قوم من العلماء في ذلك وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات، وهذا وإن كان له وجه، فهو تطويل على من أحب علم ما يعتمد عليه من أسمائهم ومعرفتهم، وهو مع ذلك شيء ليس عند صاحبه، فرأيت أن أجمع ذلك وأختصره وأقربه على من أراده. واعتمدت في هذا الكتاب على الأقوال المشهورة عند أهل العلم بالسير، وأهل العلم بالأثر والأنساب، وعلى التواريخ المعروفة التي عليها عول العلماء في معرفة أيام الإسلام وسير أهله) (١٣).
وقال في موضع آخر: (وقد ذكرنا أنساب القبائل من الرواة من قريش والأنصار وسائر العرب في كتاب"الإنباه على القبائل الرواة"، وجعلناه مدخل هذا الكتاب ليغنينا عن الرفع في الأنساب، ويعيننا على ما شرطناه من الاختصار والتقريب) (١٤).
فبين الاستيعاب والإنباه إذن علاقة وطيدة، كل منهما يكمل الآخر، وذلك بالنسبة للمتخصصين في هذا الميدان.
_________
(١٣) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ١٩ - ٢٠.
(١٤) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٢٤ - ٢٥.
стр. 32
وقد ابتدأ ابن عبد البر كتابه الاستيعاب بذكر رسول الله ﷺ ، واقتصر من خبره على النكت التي يجب الوقوف عليها، ولا يليق بذي علم الصحابة، بابا بابا على حروف المعجم على ما اشترطه من التقصي والاستيعاب (١٥).
ثم شرع بعد ذلك بالترجمة للصحابة الرجال منهم، ثم أتبعه بقسم خاص بالنساء وكناهن.
وقد طبع كتاب الاستيعاب في حيدرآباد مرتين: الأولى بدائرة المعارف سنة ١٣١٨ هـ، والثانية سنة ١٣٣٦ هـ، وطبع بالقاهرة سنة ١٣٢٣ هـ على هامش الإصابة لابن حجر في مجلدات، وكذلك الطبعة بتحقيق طه الزيني، ثم طبع بتحقيق علي البجاوي في أربعة مجلدات. بمطبعة نهضة مصر بالفجالة.
وقد اشتمل جميع الكتاب على ٣٥٠٠ ترجمة بمن ذكر فيه باسم أو كنية (١٦)، وعند الذهبي في التذكرة ٤٢٢٥ ترجمة بما فيهم تراجم النساء ومن اشتهر بكنيته (١٧).
_________
(١٥) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٢٥.
(١٦) ابن حجر: الإصابة ١/ ٤.
(١٧) الذهبي: التذكرة ٣/ ١١٢٩، حاجي خليفة: كشف الظنون ١/ ٨١.
стр. 33
ذيل الاستيعاب لأبي علي الغساني (١٨) (٤٢٧ هـ-٤٩٨ هـ)
الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني القرطبي المعروف بالجياني نسبة إلى جيان، شيخ الأندلس في وقته، وصاحب رحلتهم، وأضبط الناس لكتاب، وأتقنهم لرواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب، والمعرفة بأسماء الرجال وسعة السماع كما صرح بذلك تلميذه القاضي عياض في الغنية (١٩).
أخذ عن جماعة من الشيوخ الأجلاء منهم:
حاتم بن محمد الطرابلسي (٢٠)، والحكم بن محمد الجذامي (٢١)، وسراج بن عبد الله ابن سراج لزمه وأتقن كتب اللغة والغريب والشروح عليه (٢٢)، عبد الواحد بن محمد ابن موهب القبري (٢٣)، وأبو الوليد الباجي (٢٤)، وأبو عمر ابن عبد البر (٢٥)، وأبو عمر ابن الحذاء (٢٦)، وأبو العباس العذري (٢٧)، وأبو عبد الله ابن عتاب (٢٨). رحل الناس إليه من الأقطار، وسمعوا منه، وحملوا عنه، وتصدر
_________
(١٨) انظر ترجمته: القاضي عياض: الغنية ص:٢٠١، ابن خير: الفهرسة ص:٢٢٠، ابن بشكوال: الصلة ١/ ٢٣٣ - ٣٣٥ ت ٣٣٣، ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢/ ١٨٠ ت ١٩٥، الذهبي: التذكرة ٤/ ١٢٣٣ - ١٢٣٥ ت ١٠٤٩ والعبر ٣/ ٣٥١ سنة ٤٩٨ هـ، اليافعي: مرآة الجنان ٣/ ١٦١ سنة ٤٩٨ هـ و ٩/ ٤٦ سنة ٤٢٧ هـ، ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣، السيوطي: طبقات الحفاظ ص:٤٥٠ ت ١٠١٥، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩ - ١٥٠، ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ٤٠٨ سنة ٤٩٨ هـ.
(١٩) القاضي عياض: الغنية ص:٢٠١.
(٢٠) القاضي عياض: الغنية ص:١٠٢، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩، ابن فرحون: الديباج ١/ ٣٣٢.
(٢١) القاضي عياض: الغنية ص:٢٤٩، ابن نقطة: تكملة الإكمال ٢/ ١٩٦، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩.
(٢٢) الضبي: البغية ص:٢٤٩، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩، ابن مخلوف: شجرة النور الزكية ص:١٢٣.
(٢٣) الضبي: البغية ص:٢٤٩، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩.
(٢٤) ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٣٣٣، السيوطي: طبقات الحفاظ ص:٤٥٠، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩.
(٢٥) اليافعي: مرآة الجنان ٣/ ١٦١ سنة ٤٩٨ هـ، ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٣٣٣، السيوطي: طبقات الحفاظ ص:٤٥٠.
(٢٦) ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٣٣٣، المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩.
(٢٧) المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩.
(٢٨) القاضي عياض: الغنية ص:٢٤٩، ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٣٣٣، السيوطي: طبقات الحفاظ ص:٤٥٠.
стр. 34
جامع قرطبة منهم: القاضي عياض (٢٩)، وأبو إسحاق ابن فرحون (٣٠)، والقاضي ابن سعادة (٣١)، وغيرهم كثير، وهو أحد أركان الحديث بالأندلس وقال ابن خلكان: (كان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء المسندين، وكان حسن الخط جيد الضبط، وكان له معرفة بالغريب والشعر والأنساب) (٣٢).
وقال اليافعي في مرآة الجنان: (كان كامل الأدوات في الحديث، علامة في اللغة والشعر، والنسب وحسن التصنيف) (٣٣).
وقال المقري في"أزهار الرياض": (رئيس المحدثين بقرطبة، وليس منها، وإنما نزلها أبوه في الفتنة، وأصلهم من الزهراء) (٣٤).
من مصنفاته:
"تقييد المهمل وتمييز المشكل"في رجال الصحيحين، مرجع العلماء في ضبط المهمل في أسماء رواة الحديث الذين أخرج لهم الشيخان، وتمييز المشكل من أسمائهم وكناهم وأنسابهم وألقابهم، أشاد به غير واحد، فقال القاضي عياض في الغنية: (وهو كبير الفائدة) (٣٥)، وهو من مرويات ابن خير، أخذه عن الشيخ القاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب ابن عطية المحاربي ﵀ قراءة منه عليه بمنزله بالمرية سنة ٥٤٣ هـ، ورواه أيضا عن الشيخ أبي بكر محمد بن أحمد ابن طاهر القيسي ﵀ سماعا عليه لبعضه في منزله بإشبيلية، ومناولة منه له لجميعه قالا: نا أبو علي حسين بن محمد الغساني مؤلفه ﵀ قراءة منهما عليه).
_________
(٢٩) القاضي عياض: الغنية ص:١٠٢، ابن فرحون: الديباج المذهب ١/ ٣٣٣.
(٣٠) ابن مخلوف: شجرة النور الزكية ص:١٢٣.
(٣١) ابن مخلوف: شجرة النور الزكية ص:١٢٣.
(٣٢) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢/ ١٨٠ ت ١٩٥.
(٣٣) اليافعي: مرآة الجنان ٣/ ١٦١ سنة ٤٩٨ هـ.
(٣٤) المقري: أزهار الرياض ٣/ ١٤٩.
(٣٥) القاضي عياض: الغنية ص:٢٤٩.
стр. 35
وقال الضبي: (وهو كتاب مفيد)، وكذلك ابن خلكان في وفياته قال:
(وما أقصر فيه، وهو في جز أين) (٣٦).
أما مستدركه على كتاب الاستيعاب لابن عبد البر فهو أمانة ناطه بها شيخه -ابن عبد البر-بإلحاق ما عثر عليه من الصحابة التي لم يذكرها في كتابه، ونصها: (أمانة الله في عنقك، متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة لم أذكره إلا ألحقته في كتابي الذي في الصحابة) (٣٧)، آثره دون سائر تلامذته وليسوا بالقليل، وكان أهلا لها، لعلمه وفضله وجلالته.
وعنوان كتابه كما ذكره الذهبي في التذكرة نقلا عن السهيلي: "زوائد أبي علي الغساني على أبي عمر ابن عبد البر في كتابه الصحابة" (٣٨). وذكره محقّقا كتابه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» الباحثان: علي بن محمد العمران ومحمد عزير شمس باسم"ذيل الاستيعاب" (٣٩)، ويبدو من نقول العلماء عن الغساني أن مستدركه لم يكن نسخة مستقلة، وإنما جاءت استدراكاته على نسخة من نسخ الاستيعاب، فقد قال صاحب"تخريج الدلالات السمعية" (. . . معد في نسخة أبي علي الغساني التي بخطه من الاستيعاب مضبوط. . .) (٤٠)، وقال أيضا:
(ضبطها أبو علي الغساني بخطه في الاستيعاب) (٤١).
وقد خص الحافظ ابن الأثير المستدرك لأبي علي الغساني دون غيره من المستدركات قال في خطبة كتابه: (. . . فرأيت أن أجمع من هذه الكتب-أي كتاب ابن منده، وذيله لأبي موسى المديني، وكتاب أبي نعيم (٤٢) -، وأضيف إليها ما شذ عنها مما استدركه أبو علي الجياني على أبي عمر ابن عبد البر) (٤٣).
_________
(٣٦) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢/ ١٨٠ ت ١٩٥.
(٣٧) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(٣٨) الذهبي: التذكرة ٤/ ١٢٣٤.
(٣٩) أبو علي الغساني: تقييد المهمل وتمييز المشكل (مقدمة التحقيق) ١/ ٨٥.
(٤٠) الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ص:١٠٦.
(٤١) الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ص:١٢١.
(٤٢) ما بين العارضتين ليس من كلام ابن الأثير.
(٤٣) ابن الأثير: أسد الغابة ١/ ١٠.
стр. 36
وعودة إلى كتب تراجم الصحابة المشرقية، نجدها حافلة بالنقول عن أبي علي الغساني، منها ما انفرد أبو علي الجياني باستدراكهم، ومنهم ما اشترك معه غيره.
ويعد ابن الأثير أكثر الناقلين عنه، فقد أورد نقوله في أسد الغابة في إحدي وثمانين موضعا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
الحارث بن سليم بن ثعلبة بن كعب بن حارثة، شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، قاله العدوي ذكره أبو علي الغساني (٤٤).
حبيب بن ربيعة بن عمرو بن عمير الثقفي استشهد يوم الجسر مع أبي عبيد ذكره الغساني (٤٥).
رافع بن معبد الأنصاري: يكنى أبا الحسن، نزل حمص، روى عنه محمد بن زياد الألهاني، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، قاله الغساني عن أحمد بن محمد ابن عيسى البغدادي (٤٦).
رافع بن النعمان بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدا، ولا عقب له، قاله الغساني عن العدوي (٤٧).
وغيرها من التراجم (٤٨).
أما ابن حجر فقد نقل عن أبي علي الغساني في «الإصابة في تمييز الصحابة» في أربعة وستين موضعا نذكر منها:
_________
(٤٤) ابن الأثير: أسد الغابة ١/ ٣٩٥ ت ٨٩٥.
(٤٥) ابن الأثير: أسد الغابة ١/ ٤٤٣ ت ١٠٤٧.
(٤٦) ابن الأثير: أسد الغابة ٢/ ٤٧ ت ١٦٠٠.
(٤٧) ابن الأثير: أسد الغابة ٢/ ٤٩ ت ١٦٠٤.
(٤٨) وانظر أيضا التراجم الآتية:٩٧١ - ١٠٢٧ - ١٠٥٦ - ١٠٧٢ - ١٠٨٩ - ١٠٩١ - ١١٣٧ - ١٣٤٩ - ١٦٥٣ - ١٦٧٠. . .
стр. 37
أوس المزني: ذكر ابن حجر حديثه عن ابنته أم جميل، ثم قال: وذكر أبو علي في ذيل الاستيعاب أن اسمها جميلة (٤٩).
خالد بن ثابت بن النعمان بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر الأنصاري الظفري، ذكر العدوي أنه استشهد يوم بئر معونة، واستدركه أبو علي الجياني (٥٠).
رئاب بن مهشم بن سعيد-بالتصغير-ابن القرشي السهمي، قال أبو علي الجياني: هو مذكور في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٥١).
وغيرها من النقول (٥٢).
أما نقول شمس الدين الذهبي عن أبي علي الغساني في «تجريد أسماء الصحابة» فقد بلغت اثنين وثلاثين نقلا نذكر منها:
بجير بن عمران بن الخزاعي له شعر في فتح مكة، ذكره أبو علي الغساني (٥٣).
ذكوان بن يامين من بني النضير ولا يذكره إلا أبو علي الغساني (٥٤).
ربيع بن ربيعة المخبل السعدي ذكر الغساني أنه هاجر وأسلم، ولم يذكره الأربعة (٥٥).
وغيرها من التراجم (٥٦).
ونقل عنه أبو الحسن الخزاعي في «تخريج الدلالات السمعية» في عشرة مواضع نذكر منها:
_________
(٤٩) ابن حجر: الإصابة ١/ ١٦٢ ت ٣٦٥ ق ١.
(٥٠) ابن حجر: الإصابة ٢/ ٢٢٨ ت ٢١٥٢ ق ١.
(٥١) ابن حجر: الإصابة ٢/ ٥٠٢ ت ٢٧٠٥ ق ١.
(٥٢) وانظر أيضا التراجم الآتية:١٥٥٨ - ١٦٠٥ - ١٦٠٨ - ١٦٢٨ - ١٨٠٨ - ٣٥٢٤ - ٤٥٦٤. . .
(٥٣) الذهبي: التجريد ١/ ٤٤ ت ٣٩٥.
(٥٤) الذهبي: التجريد ١/ ١٦٨ ت ١٧٣٧.
(٥٥) الذهبي: التجريد ١/ ١٧٧ ت ١٨٣٢.
(٥٦) وانظر أيضا التراجم الآتية:٥٦٩ - ٧١٥ - ٧٧٤ - ٩٤٧ - ١٢٤٠ - ١٨٣٨ - ١٩٨٦ - ٣٢١٩ - ٣٤٨٩. . .
стр. 38
أبو مسرح: كتب أبو علي الغساني في نسخته التي بخطه من الاستيعاب على أبي مسرح طرة نصها: أبو مسرح-بالسين غير معجمة-وقع في تاريخ ابن أبي خيثمة، وكذلك رويناه عن أبي علي ابن السكن (٥٧).
وأبو حثمة (٥٨) -وأبو موسى (٥٩) -وأسماء بنت عميس (٦٠) -أم عبد بنت سود بن فريم بن صاهلة الهذلية (٦١).
وغيرها من النقول.
ونقل عنه المقدسي في ذيله على استيعاب ابن عبد البر في أربعة مواضع:
رفيدة بنت سهل بن ثعلبة بن أسلم كان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ يمرّض في خيمتها في مسجده ليعوده من قريب، وكانت امرأة تداوي الجرحى وتحتسب على خدمته بنفسها، ذكر هذا كله ابن إسحاق، ورأيته في رسالة الجياني (٦٢).
وأبو يزيد الجذامي (٦٣).
وأبو السائب مولى غيلان بن سلمة الثقفي (٦٤).
ونقل ابن ناصر الدين الدمشقي في توضيح المشتبه عن أبي علي الغساني في موضع واحد قال:
_________
(٥٧) أبو الحسن الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ١/ ٦٥.
(٥٨) أبو الحسن الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ١/ ٨٦ - ٨٧.
(٥٩) أبو الحسن الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ١/ ١٠٠.
(٦٠) أبو الحسن الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ١/ ١٠٦.
(٦١) أبو الحسن الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ١/ ١٤٤.
(٦٢) المقدسي: الذيل على الاستيعاب (ق ٢١٦/أ).
(٦٣) المقدسي: الذيل على الاستيعاب (ق ٢٠٦/ب).
(٦٤) المقدسي: الذيل على الاستيعاب (ق ١٩٤/ب).
стр. 39
مخيس بن حكيم العذري ذكره أبو علي الغساني في الصحابة، روى عنه مبين ابن قطبة (٦٥).
وأثبت برهان الدين الحلبي في هوامش الاستيعاب التي جردها عن أبي علي الغساني نقلا واحدا في ترجمة عمرو بن جبلة (٦٦):
وأثبت السمعاني في كتابه «الأنساب» نقلا واحدا عن أبي علي الغساني في ترجمة أبي سعيد المقبري (٦٧).
ونقل شمس الدين السخاوي في"التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة" عن أبي علي الغساني نقلا واحدا، في ترجمة سهل بن حارثة بن سهل الأنصاري المدني (٦٨).
ونقل شرف الدين النووي في"تهذيب الأسماء واللغات"عن أبي علي الغساني نقلين في كل من ترجمتي مجزز المدلجي (٦٩)، وجميلة (٧٠).
ونقل ابن حجر في «تهذيب التهذيب» عن أبي علي الغساني نقلا واحدا في ترجمة نجيد بن عمران بن حصين الخزاعي (٧١).
ونقل أيضا عنه السهيلي في «الروض الأنف» نقلا واحدا حين حديثه عن الأسلمية (٧٢).
_________
(٦٥) ابن ناصر الدين الدمشقي: توضيح المشتبه ٨/ ٧٣.
(٦٦) برهان الدين الحلبي: هوامش الاستيعاب (ق ٨١/ب).
(٦٧) السمعاني: الأنساب ٥/ ٣٦١.
(٦٨) السخاوي: التحفة اللطيفة ١/ ٤٣١.
(٦٩) النووي: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٩٠.
(٧٠) النووي: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٦٠٣.
(٧١) ابن حجر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٢٢ ت ٧٥٩.
(٧٢) السهيلي: الروض الأنف ٦/ ٣٣٤.
стр. 40
مستدرك أبي بكر ابن مفوز على الاستيعاب (؟. . .٥٠٥ هـ)
الحافظ أبو بكر محمد بن حيدرة بن مفوز بن أحمد بن مفوز المعافري (٧٣) من أهل شاطبة، من شيوخه بشرق الأندلس عمه أبو الحسن طاهر ابن مفوز (٧٤)، وأبو علي ابن سراج (٧٥)، وأبو علي الصدفي (٧٦) وكتب عنه من فوائده كثيرا، وروى بقرطبة عن أبي مروان ابن سراج (٧٧)، وأبي عبد الله ابن فرج (٧٨)، واختص بأبي علي الغساني (٧٩)، وأجاز له في صغره أبو عمر ابن الحذاء (٨٠)، وأبو الوليد الباجي (٨١)، وتردد في التحديث عن ابن الحذاء تحريا، وتوقف عن ذلك تورعا من أجل الصغر، حتى أمره بذلك أبو علي الغساني وحضه عليه، فانقاد له، وأخذ برأيه، فعلت روايته، واتصلت بهذا الشأن عنايته. وقعد بعد شيخه أبي علي الغساني للإسماع بالمسجد الجامع، فأخذ الناس عنه، وانتفعوا به منهم أبو مروان ابن مسرة (٨٢)، وأبو القاسم ابن الأبرش (٨٣). قال في شأنه ابن الأبار:
(خاتمة الحفاظ بالأندلس للحديث وعلله، والمبرزين في صناعته ومعرفة بمعانيه، وحفظا لأسماء رجاله، مع الضبط والتحرز والإتقان، حسن الخط والتحري في النقل، يجمع إلى ذلك التفنن في الآداب واللغة العربية والشعر) (٨٤)، توفي بقرطبة سنة ٥٠٥ هـ.
_________
(٧٣) انظر ترجمته: ابن بشكوال: الصلة ٣/ ٨٢٨ ت ١٢٥٧، ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤ - ١٠٥ ت ٨١، الذهبي: التذكرة ٤/ ١٢٥٥ ت ١٠٦٠ والسير ١٩/ ٤٢١ ت ٢٤٣، السيوطي: الطبقات ص:٤٥٦ ت ١٠٢٥.
(٧٤) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤، السيوطي: الطبقات ص:٤٥٦.
(٧٥) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٧٦) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٧٧) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٧٨) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٧٩) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤، السيوطي: الطبقات ص:٤٥٦.
(٨٠) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٨١) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٨٢) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٨٣) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤.
(٨٤) ابن الأبار: المعجم ص:١٠٤ - ١٠٥ ت ٨١.
следующие страницы →