← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9964

الفوز الكبير في أصول التفسير

ولي الله الدهلوي

Полный текст (163 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الأول في ترتيب القرآن الكريم وأسلوب السور فيه ليس القرآن مرتباً على الأبواب والفصول: لم ينزل القرآن الكريم على منهج المتون المبوبة والمفصلة حتى يكون كل موضوع فيه يختص بباب من الأبواب أو فصل من الفصول. أسلوب سور القرآن الكريم كأسلوب فرامين الملوك ورسائلهم: بل افترض القرآن الكريم كمجموعة الرسائل والفرامين التي يوجهها الملوك والسلاطين إلى رعاياهم حسب مقتضيات الأحوال ومتطلبات الظروف، ويوجهون واحدة ثم آخرى فثالثة فرابعة، وهلم جرا، حتى تجتمع نماذج كثيرة من هذه الفرامين، فيقوم شخص بتدوينها وترتيب مجموعة لها. القرآن في عهد الرسول ﷺ : وهكذا المالك على الإطلاق - جل ثناؤه - أنزل على نبيه المصطفى ﷺ لهداية عباده وإرشادهم حسب مقتضيات

стр. 107

الأحوال والظروف سورة بعد سورة، وقد كانت كل سورة من هذه السور في عهد النبي ﷺ محفوظة مضبوطة مكتوبة ولكن هذه السورة لم تكن مدونة مجموعة. القرآن في عهد أبي بكر وعمر ﵄: ثم دونت وجمعت هذه السور كلها في مجلد واحد بترتيب خاص في عهد أبي بكر وعمر ﵄ وسمي هذا المجموع بالمصحف. تقسيم السور: وقد كانت هذه السور مقسومة عند الصحابة ﵃ إلى أربعة أقسام: ١ - الأول السبع الطوال. ٢ - الثاني المئين، وهي السور التي تشتمل كل واحدة منها على مائة آية أو أكثر بقليل. ٣ - الثالث: المثاني: وهي ما تقل آياتها عن المائة. ٤ - الرابع: المفصل. وقد أدخلت سورتان أو ثلاثة هي من عداد المثاني في المئين نظراً إلى المناسبة في سياقها بسياق المئين، وهكذا جرى بعض التصرف في بعض الأقسام الأخرى.

стр. 108

القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁: وقد انتسخ عثمان بن عفان ﵁ عدة نسخ من ذلك المصحف المدون وأرسلها إلى الآفاق حتى يستفاد من هذه المصاحف بعينها ويرجع إليها ولا يرجع إلى أي ترتيب غير ترتيبها. استهلال السور واختتامها على طريقة فرامين الملوك: ولما أن أسلوب السور يناسب - تماماً - أسلوب فرامين الملوك والسلاطين، فقد روعي فيه بداية السور ونهايتها طريقة الرسائل والفرامين السلطانية. تنوع استهلال السور ومحتوياتها: فكما أن بعض الرسائل تبدأ بحمد الله - تعالى - والثناء عليه، وبعضها ببيان الغرض المقصود، وبعضها ببيان اسم المرسل، والمرسل إليه، وبعضها تكون رسائل وخطابات صغيرة تغير عنوان وتمهيد، وبعض الرسائل تكون مطولة وأخرى مختصرة كذلك الرب ﵎ استهل بعض السور بحمده وتسبيحه وبعضها ببيان الغرض من التنزيل، كما قال - تعالى -: - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ الآية.

стр. 109

وهذا القسم من السور يشبه استهلالها اسهلال الوثائق والمعاهدات حيث يقولون: "هذا ما صالح عليه فلان وفلان" "هذا ما أوصى به فلان". وقد كتب النبي ﷺ في صلح الحديبية "هذا ما قاضى عليه محمد" ﷺ . واستهل بعضها بذكر المرسل والمرسل إليه، كما قال - تعالى -: - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ . - ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ وهذا القسم يشبه الفرامين التي يكتب فيها "هذا ما صدر من الباب العالي" أو "إعلام صادر من حضرة الخلافة إلى سكان البلد الفلاني". وكتب النبي ﷺ : "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم". وابتدأ بعض السور على طريقة الرسائل والخطابات المختصرة من دون عنوان وتمهيد، كقوله - تعالى -: - ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ .

стр. 110

- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ . - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ . اختيار طريق القصائد في مبتدأ بعض السور: ولما أن أبرز فصاحة العرب وقدرتهم البيانية كانت تتجلى في القصائد، وكان بدؤ القصائد بالتشبيب بذكر المواضع العجيبة والوقائع الهائلة هو من عاداتهم القديمة وأسلوبهم المعروف فقد اختار القرآن الكريم هذا الأسلوب في بعض السور كما في قوله - تعالى -: - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ . - ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ . - ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ . أسلوب خواتم السور: وكما أن السلاطين يختمون رسائلهم وفرامينهم بجوامع الكلم ونوادر الوصايا على التمسك بالأوامر المذكورة، والتهديد لكل من يخالفها يخرج عنها، كذلك الله ﵎ ختم أواخر السور بجوامع الكلم ومنابع الحكم، والتأكيد البليغ والتهديد العظيم.

стр. 111

تخلل الحمد والتسبيح في أثناء مواضيع السور: وتارة يبدأ في أثناء السورة بكلام بليغ عظيم الفائدة. بديع الأسلوب بنوع من أنواع الحمد لله - تعالى - والتسبيح له، أو بيان النعم والمنن على عباده مثل ما بدأ بيان تباين المراتب والدرجات بين الخالق - جل وعلا - والمخلوق العاجز الفقير بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ثم بين هذا الموضوع في الآيات الخمس التالية بأبلغ الطرق وأبدع الأساليب البيانية. كذلك بدأ المحاجة مع بني إسرائيل في أثناء سورة البقرة بقوله - تعالى - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ثم ختم هذه المحاجة بهذا الكلام نفسه عند آخر الجزء: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ إلخ الآية. وإن ابتداء هذه المحاجة بهذا الكلام وانتهاءها به أيضا يحتل مكانا عظيما في البلاغة. وهكذا بدأ الجدل مع أهل الكتاب في سورة آل عمران بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ حتى يتضح محل النزاع ويتعين المبحث الأساسي في الجدل ليكون الحوار بعد ذلك فيه ويدور الكلام حوله وينتهي عليه والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 112

الفصل الثاني في تقسيم السور إلى الآيات وأسلوبها الفريد بين الآيات والأبيات: لقد جرت سنة الله - تعالى - في السور القرآنية بتقسيمها إلى الآيات كما أن القصائد تقسم إلى الأبيات، ومعلوم أن هناك فرقا بين الآيات والأبيات، ثم إن الآيات والأبيات كل واحدة منهما من قبيل النشيد، الذي يقال وينشد لالتذاذ نفس المتكلم والسامع ومتعتهما الفنية، إلا أن الأبيات الشعرية تكون مقيدة بالعروض والقوافي التي دونها الخليل بن أحمد، وتلقاها منه الشعراء وجروا عليها. بناء الآيات على الوزن والقافية الطبيعية: أما الآيات فإن بناءها على الوزن والقافية الإجمالية التي تشبه الحقيقة الطبيعية لا على أفاعيل العروضيين وتفاعيلهم، والقوافي المحدودة التي هي شيء صناعي واصطلاحي ليس غير. القدر المشترك بين الآيات والأبيات: أما تنقيح القدر الإجمالي المشترك الذي ينفق في الآيات

стр. 113

والأبيات والذي استعملنا للإلماح إليه كلمة "النشيد" كقدر مشترك مطلق، ثم ضبط تلك الأمور والخصائص التي التزم بها في الآيات والتي تميزها عن غيرها، فكل ذلك يحتاج إلى تفصيل، والله ولي التوفيق. تذوق الفطرة السليمة: وتفصيل هذا الإجمال هو أن الفطرة السليمة تدرك في القصائد الموزونة المقفاة والأراجيز الجميلة الرائقة وأمثال ذلك من الكلمات الموزونة متعة خاصة، وتتذوق حلاوة وعذوبة. السر في توافق أجزاء الكلام: وإذا تأملت في سبب هذا الإدراك وبحثت عن السر وراء هذا التذوق تجد أن الكلام إذا كانت أجزاؤه يوافق بعضها بعضا فإنه ينشئ في نفس المخاطب لذة خاصة ويدعوه إلى انتظار مثله والشوق إليه، فإذا ورد بعد ذلك البيت الثاني - مثلا - مع ذلك التوافق والانسجام بين أجزائه وقع موقعه على نفس المخاطب وتحقق الأمر المطلوب المنتظر فإن هذه اللذة تتضاعف، ثم إذا كان البيتان كلاهما يشتملان على قافية واحدة زادت اللذة ثلاثة أضعافها. فالتمتع والالتذاذ بالأبيات الشعرية بسبب هذا السر الدقيق فطرة قديمة فطر عليها البشر، ولا اختلاف فيها بين الأمزجة والطبائع السليمة لأهل المناطق المعتدلة وكلهم متفقون على ذلك.

стр. 114

الاختلاف في نوع التوافق وشروط القافية: ثم اختلفت المنازع والمذاهب والأعراف والعادات في توافق الأجزاء في كل بيت من الأبيات وشروط القوافي المشتركة، الواردة في أواخر الأبيات، فالعرب - مثلا - عندهم ضوابط وأصول بينها الخليل الفراهيدي، والهنود يجرون على تقاليد وعادات تحكم بها سليقتهم اللغوية الفطرية. وهكذا اختار أهل كل عصر ومصر وضعاً من الأوضاع ومسلكا من المسالك. الأمر الجامع المشترك: وإذا أردنا أن ننتزع من بين هذه العادات والأوضاع والمذاهب والمشارب أمراً جامعاً مشتركاً، وسراً شاملا دقيقاً فإنه هو التوافق التقديري أو التخميني ليس غير. عروض العرب: فالعرب - مثلا - يستعملون "مفاعلن" و"مفتعلن" مكان "مستفعلن" ويعتبرون: فعلاتن" و"فاعلتن" وفق القاعدة الصحيحة بدل "فاعلاتن" ويهتمون بموافقة ضرب بيت بضرب بيت آخر وعروض بيت بعروض بيت آخر، ويسمحون في الحشو بكثرة الزحافات، على العكس من شعراء فارس الذين يستهجنون الزحافات ويكرهونها. قوافي العرب: كذلك الشعراء العرب يستحسنون إذا كانت القافية مثلا

стр. 115

في بيت "قبوراً" وفي البيت الآخر "كبيراً" على العكس من الشعراء العجم. وهكذا يرى الشعراء العرب أن "حاصل" "داخل" و"نازل" من قسم واحد بخلاف الشعراء العجم. توزيع الكلمة الواحدة في شطري البيت: كذلك وقوع كلمة واحدة بين شطري البيت بحيث يكون نصفها في الشطر الاول والنصف الآخر في الشطر الثاني صحيح عند العرب خطأ عند العجم. وبالجملة فإن الأمر الجامع المشترك هو التوافق التقريبي التقديري لا التوافق الحقيقي. أوزان الهنود: وقد وضع الهنود أوزان شعرهم على عدد الحروف من دون ملاحظة واعتبار للحركات والسكنات، وهي كذلك تمنح لذة ومتعة فنية. ألحان القرويين: وقد سمعنا ألحان بعض القرويين الريفيين التي يلحنون بها للحصول على المتعة والذوق، وهي - في الواقع - تشتمل على توافق تقريبي بين أجزاء الكلام، أو تشتمل على رديف.

стр. 116

يكون عبارة عن كلمة واحدة أو عن تركيب كلمتين، أو أكثر. وهم يتغنون بها كالقصائد، ويتمتعون بها. فالحاصل - إذن - أن لكل قوم قونوناً وضوابط خاصة لكلامهم المنظوم مع القدر المشترك الذي ألمحنا إليه. متعة الناس بالأصوات المطربة والأنغام الحلوة: وعلى هذا تجد جميع أصناف الناس وشعوبهم يجدون متعة ولذة غريبة في الأصوات والألحان، المطربة الجميلة، والنغمات الموسيقية الفاتنة، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا أن طرق تنغيمهم وأساليب تلحينهم، وقواعد الغناء عندهم تختلف فيما بينهم. أوزان اليونانيين للألحان: وقد وضع اليونانيون عدداً من الأوزان لهذه الألحان ويسمونها "المقامات" وقد استنبطوا من المقامات أصواتاً، وأقساماً واستخرجوا أنغاماً وألحاناً جعلوها فناً مبسوطاً مفصلا مستقلا، مع ضبط القواعد والأصول. أوزان الهنود وألحانهم: كذلك وضع الهنود ستة ألحان، ثم استخرجوا منها نغمات وتلحينات متعددة، وقد رأينا أهل الريف منهم الذين لا يعرفون هذين المصطلحين، اخترعوا لهم تركيباً خاصاً ولحنا خاصا حسب سليقتهم الفطرية وذوقهم الفني، ووضعوا لأنفسهم أوزاناً من دون أن يضبطوا لها القواعد والكليات، ويستقضوا

стр. 117

لها الجزئيات، فينشدونه في نواديهم ومحافلهم ويشيعون فيها العذوبة، والمتعة، ويشعلون فيها الحرارة. العقل ينظر إلى القدر المشترك، والذوق ينظر إلى الحلاوة الخالصة: ونحن - عندما - ننظر هذه الخلافات ونتأمل فيها لا نخرج بنتيجة إلا أن القدر المشترك بينها هو التوافق التقريبي، لا غير، والعقل ينظر إلى هذه الحقيقة الإجمالية، والقدر المشترك، ولا هم له في التفاصيل، والذوق السليم يحب العذوبة الخالصة ولا علاقة له بالبحر الطويل أو المديد. مراعاة القرآن الكريم لهذا الذوق الإجمالي المشترك: وحينما شاء الله - جلت قدرته - أن يخاطب هذا الإنسان المصنوع من قبضة من طين (شاءت قدرته ورحمته) أن يراعي هذا الحسن الإجمالي والجمال المشترك، لا تلك القواعد المصطلحة التي يأخذها شعب، وتميل إليها جماعة دون أخرى. وحين شاءت حكمة الملك القدوس - عز شأنه - أن يخاطب الناس على قدر كلامهم، كان منه أن ضبط هذه الأصل البسيط والسر المشترك في كلامه. لا تلك القوانين والضوابط التي تتغير حسب تغير الذوق والعصر، والتي لا تستقر على حال واحد. مراعاة القوانين الاصطلاحية دليل على العجز والجهل والقرآن منهما بريئ: والحقيقة - التي ينبغي أن يتفطن لها - أن مراعاة

стр. 118

القوانين الاصطلاحية والتقيد بها دليل على العجز والجهل، وأما مراعاة الحسن الإجمالي والقدر المشترك الذي لا يفوت في أي حال من أحوال الكلام، ولا أي صفة من صفاته، ويرافق الكلام في لينه وشدته، ووهادة ونجاده، من دون إلمام بالقواعد الاصطلاحية، واستعمال للضوابط العرفية إنما هو الإعجاز برأسه، الخارج عن حد الطوق البشري. ولا شك أن الله - جلت قدرته - اختار هذه الطريقة المعجزة. (التي تكل عن إدراكه - حقه - والصعود إلى مرتقاه قوى البشر أجمعين) . مراعاة القرآن الكريم للجاذبية الصوتية دون البحور الشعرية: ومن هنا نستنبط قاعدة مهمة، وهي أن الله ﵎ قد راعى في أكثر سور كتابه الحميد الجاذبية الصوتية وامتدادها، وجمالها وتأثيرها، لا البحر الطويل والبحر المديد أو غيرهما من البحور الشعرية. فواصل الآيات القرآنية: واعتبر في الفواصل انقطاع النفس بالمدة، أو ما تستقر المدة عليه، لا قواعد فن القافية، وهذا المبحث يحتاج إلى بسط وتفصيل، واجتزىء هنا بالقدر اليسير فلنتأمل فيما يأتي: اعتبار الامتداد الصوتي هو الوزن في القرآن الكريم: إن دخول النفس في الحلقوم وخروجه منه أمر طبيعي في الإنسان (كما هو أمر طبيعي في كل حيوان) وإن تمديد النفس

стр. 119

وتقصيره مما هو في قدرة الإنسان، ولكنه إذا تركه على سجيته وفطرته من دون تمديد وتمطيط أو تقصير، فإن له امتداداً خاصاً. والإنسان عندما يبدأ يتنفس، يجد الخفة والسرور والنشاط ثم ينقطع النفس شيئاً فشيئاً حتى ينقطع كلياً، ويضطر الإنسان إلى أخذ النفس الطازج الجديد. إن هذا الامتداد الخاص للنفس الإنساني لا يمكن أن يحد بحد معين معلوم، بل هو محدد بحد مبهم، ومقدر بمقدار مضطرب بين أفراد البشر قد يختلف بزيادة كلمتين أو ثلاثة أو قدر الربع للكلمة والثلث عند شخص، وبنقصان كلمتين أو ثلاث أو قدر الربع للكلمة والثلث عند آخر، ولا يخرجه ذلك عن الحد المشترك. كما يسمح فيه باختلاف عدد الأوتار والأسباب، وتقديم بعض الأركان على بعض كذلك. وعلى كل فإن الله قد اعتبر هذا الامتداد للنفس (في حده المشترك الوسط) هو الوزن في كتابه الكريم، وقسمه ثلاثة أقسام. ١ - الطويل. ٢ - المتوسط. ٣ - القصير.

стр. 120

من أمثلة الطويل: سورة النساء. ومن أمثلة المتوسط: سورة الأعراف والأنعام. ومن أمثلة القصير: سورة الشعراء والدخان. خاتمة النفس هي القافية: وجعلت خاتمة النفس المعتمدة على حرف من حروف المدة التي تعتمد على حرف آخر، هي القافية الواسعة النطاق، تدركها الطبيعة البشرية وتتذوقها وتجد في تكرارها اللذة والجمال سواء كانت هذه المدة ألفاً أو واواً أو ياءاً، سواء كان الحرف التي تعتمد عليها باءاً أو ميماً أو قافاً. (يعلمون) (مؤمنين) (مستقيم) من القافية الواحدة: وعلى هذا فإن هذه الفواصل كـ (يعلمون) (مؤمنين) و (مستقيم) كلها متوافقة متلائمة. كذلك (خروج) (مريج) (تحيد) (نار) (فواق) و (عجاب) كلها على قاعدة واحدة. مدة الألف قافية متسعة: كذلك لحوق الألف في آخر الكلمة، قافية متسعة، ينشئ تكرارها وإعادتها لذة في النفس، مهما كان حرف الروي مختلفاً ومثل (كريماً) في موضع و (حديثاً) في موضع آخر

стр. 121

و (بصيرا) في موضع ثالث، (كلها على الانسجام الفطري الجميل) . التزام الروي الواحد التزام ما لا يلتزم: وإذا التزم - في مثل هذه الصور - موافقة الروي في كل بيت فإنه من قبيل التزام ما لا يلزم، مثل ما ورد في سورة مريم وسورة الفرقان. في توافق الآيات على حرف واحد لذة ومتعة: كذلك توافق الآيات الكريمة على حرف واحد كحرف الميم - مثلا - في سورة القتال، وحرف النون، في سورة الرحمن، يحدث لذة ومتعة عجيبة. اختلاف فواصل آخر السور من أوائلها: وأحيانا تختلف فواصل آخر السور - نظراً إلى ذهن السامع وتنشيطا له وإشعاراً له بلطف الكلام وروعته - عن فواصل أولها، مثل: - ﴿إِدًّا﴾ و ﴿هَدًّا﴾ في آخر سورة مريم. - ومثل: ﴿سَلَامًا﴾ و ﴿كِرَامًا﴾ في آخر سورة الفرقان. - ومثل: ﴿طِينٍ﴾ و ﴿سَاجِدِينَ﴾ و ﴿تَنْظُرُونَ﴾ في آخر

стр. 122

سورة (ص) . مع أن الفواصل في أوائل هذه السور جاءت مختلفة عنها، كما هو واضح. وخلاصة الأمر أن مراعاة هذا (الوزن) و (القافية) التي مضى التعبير عنها (بالقدر المشترك، والمدة المشتركة) كانت ذات أهمية معتبرة. مراعاة الإطناب والتقديم والتأخير والقلب والزيادة: وإذا وردت في آخر الآية لفظة تصلح لأن تكون قافية، فيها ونعوت، وإلا فيأتي الكلام متصلا بجملة تشتمل على بيان آلاء الله تعالى، أو على تنبيه للمخاطب مثل: - ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ويراعى الإطناب - أحيانا - في مثل هذه المواضع (حيث يحتاج إلى هذا الوزن) مثل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ . ويؤتي - أحيانا - بالتقديم والتأخير، وأخرى بالقلب والزيادة، مثل: "إلياسين" ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ .

стр. 123

السر في انسجام الآيات القصيرة مع الطويلة: وينبغي أن يعلم أن انسجام الكلام وملاءمته وسهولته على لسان القارئ لكونه يحل محل الأمثال السائرة، أو لتكرره في الآية الكريمة يوائم بين الكلام الطويل والكلام القصير، ويحدث بينهما اتزانا وانسجاما، فيؤتي تارة بالفقر الأولى من الكلام أقصر وأخصر من الفقر الثانية، وهو يفيد عذوبة في الكلام ولذة جديدة كقوله - تعالى -: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ . فكأن المتكلم في مثل هذا الكلام يضمر في نفسه أن الجملة الأولى باجتماعها مع الجملة الثانية في كفة، والجملة الثالثة وحدها في كفة أخرى. الآيات ذات القوائم الثلاث: كذلك تكون الآية أحيانا ذات قوائم ثلاث، مثل قوله - تعالى -: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلخ الآية، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلخ الآية وعامة القراء يجمعون الأولى مع الثانية، ويعدونها آية طويلة. الآية ذات الفاصلتين: وأحيانا ترد في الآية الواحدة فاصلتان مثل ما يرد ذلك في البيت أيضاً.

стр. 124

كالزهر في شرف والبدر في شرف. . . والبحر في كرم والدهر في همم السر في قصر آية مع طول أخرى: وتأتي - أحيانا - آية طويلة مع آية قصيرة، والسر في مثل هذه المواضع أنه لو وضع حسن الكلام وجمال التعبير الذي نشأ من تقارب الوزن ووجدان الأمر المنتظر المطلوب الذي هو القافية (حسبما عرفت بها) في كفة، ووضع حسن الكلام وعذوبة العبارة الناشئة من سهولة الأداء وسلاسته وموافقة طبع الكلام، وعدم لحوق أي تغير فيه في كفة أخرى، فإن الفطرة السليمة سوف تميل إلى جانب المعنى وترجحة فيهمل، لذلك انتظار شيء (وهو القافية) ويؤدي حق الانتظار والطلب الآخر كاملا موفوراً (وهو الجانب المعنوي) . أساليب متنوعة أخرى في السور: وما قلنا في مفتتح هذا البحث أن سنة الله - تعالى - جرت على ذلك في أكثر السور القرآنية، إنما هو لأجل أن بعض السور القرآنية لم يراع فيها هذا النوع من الوزن والقافية. فجاءت طائفة من هذه السور على طريق خطب الخطباء وأمثال البلغاء والحكماء، ولعلك قد سمعت رواية سمر النساء التي روتها عائشة ﵂ ونظرت في قوافيها

стр. 125

وجاءت بعض السور الأخرى على طريق رسائل العرب من دون مراعاة شيء آخر، كأنها محاورة الناس بعضهم ببعض اللهم إلا الخواتم للكلام التي جاءت على النمط الذي ترى. والسر في ذلك أن أصل لغة العرب يراعى فيها الوقف في الموضع الذي ينتهي عليه النفس من الكلام ويتلاشى النشاط في الامتداد الصوتي، ومن هنا جاءت الآيات على هذه الصورة. هذا ما فتح الله - تعالى - علي في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.

стр. 126

الفصل الثالث في ظاهرة التكرار في القرآن الكريم إفادة السامع على قسمين: لو سألنا: لماذا تكررت مطالب العلوم الخمسة ومباحثها في القرآن العظيم؟ ولم لم يكتف ببيانها في موضع واحد؟ قلنا. إن ما نريد أن نعرضه على السامع ونفهمه ينقسم عادة إلى قسمين: ١ - الأول، هو ما لا يكون القصد منه إلا تعليم ما لا يعلم السامع وتلقينه فيكون المخاطب - مثلا - لا يدري حكما من الأحكام، ولم يدركه عقله وفكره، فأنت تفيده ذلك الحكم، فيصبح المجهول عنده باستماع كلامك معلوما، ويعرف ما تريد. ٢ - الثاني: أن يكون الغرض هو استحضار صورة العلم في قوته المدركة حتى يجد لها لذة موفورة، وتفني جميع قواه القلبية والعقلية في ذلك المعلوم، وتنصبغ به جميع قواه الفكرية والعملية، كما نكرر بيتاً من الشعر علمنا معناه ومحتواه سلفاً، ولكننا رغم ذلك نكرره ونجد كل مرة في إنشاده لذة جديدة، ونحب ترداده وتكراره لأجل هذه اللذة الذوقية.

стр. 127

وإن القرآن العظيم بالنسبة إلى كل واحد من مباحث العلوم الخمسة، أراد إفادة القسمين المذكورين، فأراد تعليم ما لا يعلم بالنسبة إلى الجاهل، وأراد انصباغ النفوس بصبغة هذه العلومات بتكرارها وتردادها بالنسبة إلى العالم، اللهم إلا أكثر مباحث الأحكام التي لم يقع فيها هذا التكرار إذ أن إفادة القسم الثاني لم تكن مطلوبة فيها. سر تكرار التلاوة: ولأجل ذلك أمرنا بتكرار التلاوة والإكثار منها، ولم يكتف بمجرد الفهم والإدراك. تنوع الأساليب مع التكرار في المطالب: وقد روعي - مع ذلك - هذا القدر من الفرق أن المطالب التي تكررت جاءت كل مرة بعبارة طرية جديدة وأسلوب جديد حتى يكون له وقع أكثر في النفوس وأمتع للأذهان والعقول، فلو كان التكرار مع اتحاد الألفاظ والعبارات لكان شيئاً من حقه أن يكرر ويردد فحسب ولكنه مع اختلاف التعابير وتنوع الأساليب مدعاة للتفكير وخوض العقل واستجماع الخاطر.

стр. 128

الفصل الرابع في ترتيب مباحث القرآن الكريم حكمة الدعوة والعرض: لو أثار أحد السؤال: لماذا لم يراع الترتيب في بيان مباحث القرآن العظيم؟ ولماذا نثرت هكذا نثراً؟ فلماذا لم يبدأ - مثلا - ببيان آلاء الله - تعالى - حتى إذا استوفاها حقها، شرع في بيان أيام الله - تعالى - فإذا أتمها وأكملها بدأ بالجدل مع الكفار وغيرهم؟ ... فنقول: إن قدرة الله ﵎ وإن كانت محيطة بجميع الممكنات، ولكن القول الفصل في هذا الباب إنما هو للحكمة (إذ أنه كتاب حكيم من لدن حكيم خبير) والحكمة هي موافقة المبعوث إليهم في اللسان وأسلوب البيان، وإلى هذا المعنى جاءت الإشارة في قوله - تعالى -: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ إلخ الآية. ولم يكن لدى العرب إلى حين نزول القرآن الحكيم، كتاب، لا كتاب إلهي ولا كتاب بشري. أسلوب الأولين لا اختراع المصنفين المتأخرين: وإن الترتيب الذي اخترعه المؤلفون والمصنفون المتأخرون لم يكن يعرفه العرب الأولون، وإذا كنت في شك من هذا،

стр. 129

فارجع إلى قصائد الشعراء المخضرمين، واقرأ رسائل النبي الكريم ﷺ ورسائل سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ حتى تنكشف لك هذه الحقيقة جلية واضحة، فلو جاء الكلام على غير ما كانوا يعهدونه من طرائق البيان، لوقعوا في الحيرة، وواجههم شيء لا يألفونه ولا يأنسون به، وشوش عقولهم وأقلق خاطرهم. ثم إن الغرض ليس مجرد إفادة ما لا يعلمونه، بل إفادته مع التكرار والاستحضار مرة بعد مرة، ويتوفر هذا المعنى في غير المرتب ما لا يتوفر في المرتب من الكلام (على طريقة المتون الكتابية) . وجه اختيار الأوزان والقوافي الجديدة: ولو سألنا: لماذا لم يختر القرآن الكريم تلك الأوزان والقوافي التي تعرف لدى الشعراء وهي أحلى وألذ، قلنا: إن اللذة والحلاوة أمر نسبي، يختلف باختلاف الشعوب والبلدان والعقول والأذواق، ولو سلمنا - جدلا - أن تلك أحلى وألذ، فإن إبداع أسلوب جديد ونموذج جديد من الأوزان والقوافي على لسان الرسول الكريم ﷺ الذي كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب، آية ظاهرة من الآيات الدالة على نبوته ورسالته ولو كان القرآن قد نزل على أوزان الشعر وقوافيه المعروفة لذهبت بالكفار الظنون إلى أنه شعر من شعرهم المتداول المعروف، ولم يعيروه كبير اهتمام ولم يبالوا به. ومعلوم أن البلغاء من الشعراء المفلقين والكتاب المجيدين

стр. 130

حين يحاولون إبراز مزيتهم وفضلهم ورجحانهم على أقرانهم ومعاصريهم على رؤوس الأشهاد، يأتون بصناعة جديدة، ويستنبطون بحورا جديدة ويقولون عند ذلك: هل هناك من يقرض القصيد مثلي، وينشئ الكلام على حذوي؟ فلو جرى هؤلاء على الطريقة المطروقة في الشعر والنثر لم تظهر براعتهم إلا للمحققين البارعين.

стр. 131

الفصل الرابع في وجوه الإعجاز في القرآن الكريم كثرة وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: لو سألنا: ما هو وجه الإعجاز في القرآن الكريم؟ نقول الذي تحقق عندنا أن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة. إعجاز الأسلوب: منها الأسلوب المعجز البديع، ولقد كانت للعرب عدة ميادين يركضون فيها جواد بلاغتهم وبيانهم، ويتسابقون فيها مع أقرانهم وهي القصائد، والخطب، والرسائل والمحاورات، ولم يكونوا يعرفون غير أساليب هذه الأصناف الأربعة، ولا كانت عندهم قدرة على إبداع غيرها من الأساليب، فكان إبداع أسلوب جديد يختلف عن أساليبهم على لسان نبي أمي - عليه أفضل الصلاة والسلام - إعجازا قائما برأسه. إعجاز الإخبار عن الكتب السابقة: وكان من هذه الوجوه إخبار القرآن الكريم عن القصص الماضية وأحكام الشرائع السابقة على وجه يصدق الكتب السابقة ويهيمن عليها من دون أخذ عنها وتعلم منها.

стр. 132

إعجاز الإخبار عن الأحداث الآتية: ومنها إخبار عن الأوضاع والأحداث الآتية، التي كلما ظهر منها شيء وفق ما جاء القرآن كان دليلا جديداً على إعجازه. إعجاز البلاغة العالية: ومن هذه الوجوه تلك الذروة السامقة من البلاغة القرآنية التي تعلو على قدرة البشر وتخرج عن طوقه، ونحن إذ نشأنا بعد العرب الأولين لا نستطيع أن نصل إلى كنه هذه البلاغة وحقيقتها، إلا أن القدر الذي نعلمه هو أن استعمال الكلمات والتراكيب العذبة الجزلة التي وردت في القرآن الكريم بما تمتاز به من لطف وجمال وعدم كلفة وصنعة لا نجد شيئاً منها في أي قصيدة من قصائد المتقدمين والمتأخرين، وهذا أمر ذوقي لا يدركه كما ينبغي إلا المهرة المفلقون من الشعراء، وليس في وسع العامة أن يتذوقوه. ومن العلوم كذلك أن القرآن الكريم في موضوع التذكير بآلاء الله وأيامه، والجدل، يكسو المعاني المتقاربة في كل موضع لباساً جديداً حسب أسلوب السورة التي تعرض فيها في جمال وطرافة لا تستطيع أن تتطاول إليها أعناق البشر. تنوع الأساليب البيانية: وإذا تعسر على أحد إدراك ذلك، فعليه أن يتأمل في

стр. 133

أساليب قصص الأنبياء والمرسلين في سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء، ثم ليرجع إلى هذه القصص في سورة الصافات ثم ليقرأ هذه القصص نفسها في سورة الذاريات يتجلى له الفرق كوضح النهار. كذلك ورد ذكر ما يتعلق بتعذيب العصاة الظالمين، والإنعام على المطيعين الصالحين بلون جديد في كل موضع من مواضع ذكره في القرآن الكريم، وهكذا جاء تخاصم أهل النار بعضهم مع بعض في صور جديدة وأساليب متنوعة في كل مكان، والكلام في هذا يطول. نعلم كذلك أن مراعاة مقتضى الحال الذي يتكفل فن المعاني بتفصيله والحديث عنه، واستعمال الاستعارات والكنايات التي يحتوي عليها فن البيان، مع مراعاة حال المخاطبين الأميين الذين يجهلون هذه الصناعات، قد توفرت في القرآن الكريم وتحققت بوجه لا يتصور أحسن منها وأروع، وذلك أن المطلوب في القرآن الكريم هو أن تودع بعض اللطائف البيانية التي لا تستعصي على العامة ويتذوقها الخاصة في تضاعيف المخاطبات المعروفة والحوار العام وهذا هو نوع من الجمع بين النقيضين (الذي لا يتيسر مثله لأي واحد من البشر) . إعجاز التشريع القرآني: ومن وجوه الإعجاز القرآني ما لا يتيسر فهمه إلا للمتدبرين المتأملين في أسرار الشرائع، ودقائقها، وذلك أن هذه العلوم

стр. 134

الخمسة - من جهة أنها لهداية النوع البشري وإرشاده - حجة قائمة بذاتها على أن هذا الكلام منزل من عند الله الحكيم العليم، كما أن طبيباً حاذقا لو نظر مثلا في القانون (لابن سينا) وتأمل في بيانه لأسباب الأمراض وعلاماتها ووصفه لأدويتها وعلاجها لما اعتراه أدنى شك في أن مؤلف هذا الكتاب من كبار الأطباء الحاذقين في صناعة الطب، كذلك العالم بأسرار الشرائع الذي يعرف ما هي الأشياء التي يمكن تعليمها وتلقينها للناس لتهذيب نفوسهم وإصلاح قلوبهم، ثم يتأمل في هذه العلوم الخمسة التي اشتمل عليها القرآن الحكيم لعلم العلم اليقين أن هذه العلوم قد وردت بمعانيها ومطالبها في القرآن على وجه لا يتصور أفضل منه ولا أدنى ولا أجمل وعلى كل فإن الشمس الساطعة دليل من نفسها على نفسها، فإذا كنت في حاجة إلى الدليل فلا تشح بوجهك عنها.

стр. 135

الباب الرابع في بيان فنون التفسير وحل الخلافات الواقعة في تفاسير الصحابة والتابعين

стр. 136

الفصل الأول في أصناف المفسرين ومناهج تفسيرهم ليعلم أن المفسرين ينقسمون إلى عدة أصناف: تفسير المحدثين: فمنهم طائفة قصدوا إلى رواية الآثار المتعلقة بالآيات الكريمة سواء كان ذلك حديثاً مرفوعاً، أو مقطوعاً أو خبراً إسرائيلياً، وهذا طريق المحدثين. تفسير المتكلمين: طائفة تناولوا آيات الصفات وأسماء الله - تعالى - بالتأويل، فما لم يوافق منها - في ظاهرها - مذهب التنزيه. صرفوها عن ظاهرها، وردوا على تعلق المخالفين ببعض الآيات ونقضوا تمسكهم بها، وهذا هو منهج المتكلمين. تفسير الفقهاء الأصولين: وطائفة صرفت عنايتها إلى استنباط الأحكام الفقهية وترجيح بعض المجتهدات على بعض، والجواب على تمسك المخالفين بالأدلة الأخرى، وهذا طريق الفقهاء الأصوليين.

стр. 137

تفسير النحاة اللغويين: وطائفة اشتغلت ببيان لغة القرآن وإعرابه (وجمله ومفرداته) وأوردوا الشواهد الكثيرة من كلام العرب في كل باب من الأبواب، وهذا مذهب النحاة اللغويين. تفسير الأدباء البارعين: وتوجهت جماعة إلى إشباع الكلام في اللطائف والنكات من المعاني والبيان، وأوفوا الكلام حقه وجاؤوا بآيات البلاغة وروائع البيان، وهذا هو مسلك الأدباء البارعين. تفسير القراء الماهرين: واهتم بعضهم برواية القراءات المأثورة عن شيوخهم في القرآن الكريم، ولم يدعوا دقيقاً ولا جليلا في هذا الباب إلا جاؤوا به، وهذه هي صفة القراء الماهرين. تفسير الصوفية المتنسكين: واعتنى رجال ببيان لطائف علم السلوك وعلم الحقائق بأدنى مناسبة لغوية بالآيات الكريمة، وهذا هو مشرب الصوفية المتنسكين. وبالجملة فإنه مجال واسع، وقصد كل مسلم يتعلق بتفهيم معاني القرآن الكريم ومطالبه، وقد خاض كل منهم في فن من

стр. 138

الفنون أو علم من العلوم، وتكلم على قدر قوته البيانية وفصاحته اللغوية، وراعى مذهب أصحابه واتخذه نصب عينه. ومن هنا اتسع مجال التفسير اتساعا لا يحد قدره بحد صحيح. واشتمل على كتاب لا يحصر عددها ولا يحصى. وقد توجهت طائفة من المفسرين إلى هذه المقاصد كلها في تفاسيرهم فمنهم من اختار اللغة العربية ومنهم من اختار اللغة الفارسية ونحا بعضهم نحو الاختصار، وأحب بعضهم التطويل والإطناب، ووسعوا أذيال العلم وفرعوا حواشيه. وقد أعطى هذا الفقير حظه من هذه العلوم والفنون كلها، وأحاط بمعظم أصولها وجملة صالحة من فروعها، وحاز على نوع من التحقيق والاستقلال في كل باب من أبوابها بوجه يشبه "الاجتهاد في المذهب" (على اصطلاح الأصوليين) وفنان آخران أو ثلاثة من فنون التفسير ألقيت في خاطري من بحر الجود الإلهي، فلو سألتني فأنا تلميذ القرآن العظيم بلا واسطة، كما أني أويسي الروح النبوية - على صاحبها ألف سلام وتحية - ومستفيد بلا واسطة من الكعبة الحسناء ومتأثر بدونها بالصلاة العظمى.

стр. 139

ولو أن لي في كل منبت شعرة. . . لسالنا لما استوفيت واجب حمده ورأيت من اللازم أن أورد في هذه الرسالة كلمتين أو ثلاث عن كل فن من هذه الفنون.

стр. 140

الفصل الثاني في بيان الآثار المروية في تفاسير أصحاب الحديث من المفسرين وما يتعلق بها من مهمات قسمان من أسباب النزول: إن من الروايات والآثار المروية في كتب التفسير التي ألفها أصحاب الحديث من المفسرين، ما يشتمل على بيان أسباب النزول، وأسباب النزول تنقسم إلى قسمين: ١ - الأول أن يقع حادث يمحص به إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين كما وقع ذلك في غزوتي أحد والأحزاب، وينزل الله - تعالى - ما يمدح المؤمنين ويذم المنافقين ليكون خطاً فاصلا وفارقا مميزاً بين الفريقين، وتقع في أثناء ذكر القرآن الكريم هذا الحادث ووصف الفريقين، تعريضات كثيرة بخصوصيات الحادث ومتعلقاته، فلابد إذن أن تشرح قصة هذا الحادث بصورة مختصرة حتى يتضح للقارئ سياق الحادث وخلفياته. ٢ - الثاني أن يكون معنى الآية مستقلا تماماً بعموم صيغتها من دون حاجة إلى معرفة تلك القصة، أو الإلمام بالحادث

стр. 141

الذي كان سبباً للنزول، "والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". وقد ينقل المتقدمون من المفسرين في مثل هذه المواضع أمثال هذه القصص والحوادث بغية استيعاب الآثار المناسبة الواردة حول تلك الآية، أو لبيان ما يصدق عليه العموم اللفظي من المعاني وليس من الضروري ذكر هذه القصص والحوادث كأسباب النزول (لأن فهم معنى الآية لا يتوقف عليها) . المراد بقولهم "نزلت الآية في كذا": وقد تحقق لدى الفقير أن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين - كثيرا ما يقولون: "نزلت الآية في كذا" ولا يكون غرضهم إلا تصوير ما تصدق عليه الآية من الأحداث والمعاني، وذكر بعض القصص والوقائع التي تشملها الآية الكريمة لعموم لفظها، سواء كانت القصة متقدمة على نزول الآية أو متأخرة عنها، إسرائيلية كانت أو جاهلية، أو إسلامية تنطبق على جميع قيود الآية أو بعضها. والله أعلم. القسم الثاني من أسباب النزول أمر اجتهادي: وقد تبين من هنا أن للاجتهاد مدخلا في هذا القسم الثاني من أسباب النزول، وأنه يتسع لإيراد القصص المتعددة. فكل من يستحضر هذه النكتة، يستطيع أن يعالج اختلافات أسباب النزول بأدنى نظرة وتأمل.

стр. 142

تفصيل الإجمال في القصة: ومن هذه الآثار المروية في كتب التفسير ما يحتوي على تفصيل لإجمال القصة التي ورد التعريض بأصلها في النظم القرآني، فيتناول المفسرون تفصيلها من الروايات الإسرائيلية، أو كتب السير والتاريخ، ويتعرضون لجميع أجزائها وتفاصيلها. قسمان من هذا التفصيل: وهنا مبحث آخر وهو أنه إذا كانت الآية تشتمل على تعريض ظاهر بالقصة أو الحادث بحيث إن العارف باللغة يتوقف في ذلك الموضع ويلجأ إلى البحث عنه والإلمام به، فلابد للمفسر من بيانه، وهو من مسئولياته. ولكن الذي لا يدخل في هذا القسم - مثلا - هو ذكر "بقرة بني إسرائيل" فالتعرض لبيان أنها ذكرا كانت أو أنثى، أو بيان كلب أصحاب الكهف هل كان أبقع أو أحمر، كل ذلك من تكلف ما لا يعني، وقد كره الصحابة ﵃ ذلك وعدوه إضاعة الوقت واشتغالا بما لا يعني المسلم. أصلان لابد من مراعاتهما: وهنا ينبغي أن يحفظ أصلان ويهتم بمراعاتهما: ١ - الأول، هو أن الأصل المرعي في هذا الباب أن تورد

стр. 143

القصص والأحداث المسموعة المأثورة، كما حكيت من غير تصرف عقلي فيها. موقف بعض قدماء المفسرين من التعريضات في الآيات: وقد كانت طائفة من قدماء المفسرين يضعون التعريضات الواردة في الآية نصب أعينهم، ويفترضون بعض المحامل المناسبة لها، ويصرحون بها في صورة الاحتمالات الممكنة، ويشتبه ذلك على المتأخرين فيقعون في شبهات واشكالات. ولما أن أساليب التوضيح لم تكن منقحة في ذلك العصر، لذلك كثيراً ما يشتبه التقرير بالاحتمال، بالتقرير بالجزم والقطع فيعتقدون أحدهما مكان الآخر، وهذا أمر اجتهادي فيه مجال لإعمال العقل، وركض لجياد القيل والقال. ومن حفظ هذه النكتة فإنه يستطيع أن يقول بالقول الفصل في كثير من مواضع الاختلاف بين المفسرين، وأن يعلم في كثير من مناظرات الصحابة ﵃ ومناقشاتهم، أنها ليست آراءهم القطعية المختمرة، بل إنما هي آراء علمية يتداولها المجتهدون فيما بينهم للبحث والنظر. معنى قول ابن عباس ﵁ في مسح الأرجل: وعلى هذا المحمل يحمل المؤلف الفقير قول ابن عباس ﵄ في الآية الكريمة:

стр. 144

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ "لا أجد في كتاب الله إلا المسح، لكنهم أبو إلا الغسل". فالذي يفهمه الفقير من قوله هذا، أنه ليس ذهابا منه إلى رأي صحة المسح على الأرجل والحزم بحمل الآية على ركنية ﵄ هو الغسل، ولكنه يقرر هنا إشكالا، ويبدي احتمالا، حتى يرى كيف يطبق فقهاء عصره بين هذين الأمرين المتعارضين، وما هو المنهج للدليل الذي يسلكونه. أما الذي لا يعرفون محاورات السلف ومناهج مناقشاتهم ومناظراتهم يظنون ذلك قولا لابن عباس ﵄ ومذهباً. حاشاه ثم حاشاه! ٢ - والأصل الثاني أن النقل عن بني إسرائيل والروايات المحكية عنهم دست في ديننا، وقد تقررت لذلك قاعدة مهمة، ألا وهي قوله ﷺ "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم". مراعاة أمرين في الروايات الإسرائيلية: فلزم لأجل ذلك أمران: ١ - الأول أنه ما دام بيان التعريضات القرآنية وإشارته إلى

стр. 145

القصص والحوادث موجوداً في السنة المشرفة - على صاحبها الصلاة والسلام - فلا ينبغي عندئذ معالجة النقل والرواية عن أهل الكتاب، كمثل ما ثبت في السنة الصحيحة عن قوله تعالى. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ أن ذلك محمول على ترك سليمان ﵇ لقول "إن شاء الله" وأن المؤاخذة كانت على ذلك، فكيف يصح أن نذكر قصة صخر المارد من الروايات الإسرائيلية. ٢ - والأمر الثاني هو أن "الضروري يتقدر بقدر الضرورة" فلابد من ملاحظته، وإلقاء القول حسب مقتضى التعريض وضرورته حتى يمكن تصديقه بشهادة القرآن الكريم له، والكف عن الزيادة عليه. تفسير القرآن بالقرآن: وهنا نكتة دقيقة لابد من معرفتها، وهي أن القرآن الكريم أحيانا يذكر القصة في موضع بالإجمال، وفي موضع آخر بالتفصيل كقوله - تعالى -: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فهذا القول الثاني هو القول الأول نفسه بنوع نم التفصيل، فيتيسر بذلك تفسير هذا الإجمال، والتقدم من
следующие страницы →