← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9964

الفوز الكبير في أصول التفسير

ولي الله الدهلوي

Полный текст (163 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: الفوز الكبير في أصول التفسير المؤلف: الإمام أحمد بن عبد الرحيم (المعروف بـ «ولي الله الدهلوي» (المتوفى: ١١٧٦هـ) عَرَّبَه من الفارسية: سلمان الحسيني النَّدوي الناشر: دار الصحوة - القاهرة الطبعة: الثانية - ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

مقدمة الكتاب إن آلاء الله - تعالى - ونعمة على عبده الضعيف كثيرة لا تحصى، وأجل هذه النعم توفيقه إياي لفهم كتابه الحكيم، وإن ممن سيدنا رسول الله ﷺ على أصغر أفراد أمته, منزلة، عظيمة وفيرة، وأعظمها تبليغه ﷺ لكتاب ربه . لقد تلقى الجيل الأول منه ﷺ القرآن الكريم، وتلقى الجيل الثاني من الجيل الأول وهكذا دواليك حتى وصل إلى العبد الضعيف فنال حظه من تلاوته وفهمه وتدبره. اللهم صل على هذا النبي الكريم، سيدنا ومولانا شفيعنا أفضل صواتك وأيمن بركاتك وعلى آله وأصحابه، وعلماء أمته أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد! يقول الفقير إلى الله، ولي الله بن عبد الرحيم - عاملهما الله - تعالى - بلطفه العظيم -: إنه لما فتح الله - تعالى - على بابا من كتابه الحكيم، خطر لي أن أقيد الفوائد النافعة التي تنفع إخواني في تدبر كلام الله وأرجو أن مجرد فهم هذه القواعد يفتح للطلاب طريقاً واسعاً إلى فهم

стр. 3

معاني كتاب الله - تعالى -، وأنهم لو قضوا أعمارهم في مطالعة كتب التفسير، أو قراءتها على المفسرين، لا يظفرون بهذه القواعد والأصول بهذا الضبط والتناسق. وسميتها "بالفوز الكبير في أصول التفسير" وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل. وقد جمعت مقاصد هذه الرسالة في خمسة أبواب، وهي كما يلي: ١ - الباب الأول: في العلوم الخمسة التي يدل عليها القرآن الكريم نصاً، حتى وكأن القرآن نزل بالأصالة لهذه العلوم الخمسة. ٢ - الباب الثاني: في وجوه خفاء نظم القرآن بالنسبة إلى أفهام أهل هذا العصر، وتجليتها بأوضح بيان. ٣ - الباب الثالث: في بيان لطائف نظم القرآن، والأسلوب القرآني البديع. ٤ - الباب الرابع: في مناهج التفسير، وبيان أسباب الاختلاف ووجوهه في تفسير الصحابة والتابعين. ٥ - الباب الخامس: في بيان غريب القرآن، وأسباب النزول التي لابد من حفظها للمفسر، ويحظر بدونها الخوض في التفسير.

стр. 4

الباب الأول العلوم الخمسة الأساسية التي يشتمل عليها القرآن ليعلم أن المعاني التي يشتمل عليها القرآن لا تخرج عن خمسة علوم: ١ - علم الأحكام: كالواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، سواء كانت من قسم العبادات أو المعاملات، أو الاجتماع أو السياسة المدنية. ويرجع تفصيل هذا العلم وشرحه إلى الفقيه. ٢ - علم الجدل: وهي المحاجة مع الفرق الأربع الباطلة، اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين. ويرجع في شرح هذا العلم وتعريفه إلى المتكلم. ٣ - علم التذكير بآلاء الله: كبيان خلق السموات والأرض وإلهام العباد ما يحتاجون إليه، وبيان الصفات الإلهية. ٤ - علم التذكير بأيام الله: وهو بيان تلك الوقائع والحوادث التي أحدثها الله - تعالى - إنعاماً على المطيعين ونكالا للمجرمين (كقصص الأنبياء - عليهم الصلوات

стр. 5

والتسليمات - ومواقف شعوبهم وأقوامهم معهم) . ٥ - علم التذكير بالموت وما بعد الموت: كالحشر والنشر والحساب والميزان، والجنة والنار. ويرجع تفصيل هذه العلوم وبيانها وذكر الأحاديث والآثار المتعلقة بها إلى الواعظ والمذكر. اسلوب القرآن الكريم في عرض العلوم القرآنية: وقد جاءت هذه العلوم في القرآن الكريم على طريقة العرب الأولين، لا على منهج العلماء المتأخرين، فلم يلتزم في آيات الأحكام، منه، طريق الإيجاز والاختصار كمؤلفي المتون الفقهية، ولا طريق تنقيح الحدود والقيود، كما يفعله الأصوليون. وقد التزم في آيات الجدل والمخاصمة إيراد الأدلة المشهورة المسلمة، والبراهين الخطابية، لا تنقيح البراهين، وتقسيمها على طريقة المنطقيين. ولم يراع في الانتقال من مقصد إلى آخر، ومن موضوع إلى موضوع آخر، تلك المناسبة، التي يراعيها الأدباء المتأخرون، بل ألقى على عباده ما رآه مهماً، سواء كان مقدماً أو مؤخراً.

стр. 6

حقيقة أسباب النزول: وقد ربط عامة المفسرين كل آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى في سبب نزولها، وظنوا أنها هي سبب النزول، والحق أن نزول القرآن الكريم إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية، وإزالة العقائد الباطلة، والأعمال الفاسدة. فالسبب الحقيقي - إذن - في نزول آيات المخاصمة هو وجود العقائد الباطلة في نفوس المخاطبين. وسبب نزول آيات الأحكام إنما هو شيوع المظالم ووجود الأعمال الفاسدة فيهم. وسبب نزول آيات التذكير (بآلاء الله وأيامه وبالموت) إنما هو عدم تيقظهم وتنبههم بما يرون ويمرون عليه من آلاء الله وأيامه، وحوادث الموت، وما سيكون بعده من وقائع هائلة. أما الأسباب الخاصة والقصص الجزئية التي تجشم بيانها المفسرون فليس لها دخل في ذلك إلا في بعض الآيات الكريمة، التي تشتمل على تعريض بحادث من الحوادث في عهد النبي ﷺ أو قبله، بحيث يقع القارئ بعد هذا التعريض في ترقب وانتظار لما كان وراءه من قصة أو حادث أو سبب، ولا يزال ترقبه إلا بسيط القصة وبيان سبب النزول. لأجل ذلك يلزمنا أن نشرح هذه العلوم بطريقة لا نحتاج معها إلى إيراد قصص جزئية.

стр. 7

الفصل الأول في علم الجدل لقد وقع الجدل في القرآن الكريم مع الفرق الأربعة الباطلة: المشركين، واليهود والنصارى والمنافقين. طريقان للجدل في القرآن الكريم: وكان هذا الجدل والاحتجاج على طريقين: ١ - الأول أن تذكر العقيدة الباطلة وينص على شناعتها وفسادها واستنكارها، فحسب. ٢ - الثاني أن تحدد الشبهات التي وقع فيها هؤلاء الفرق، ثم تعرض حلولها وأجوبتها بالأدلة البرهانية أو الخطابية. مفهوم الحنيف: وقد كان المشركون يسمون أنفسهم "حنفاء" ويدعون التدين بملة سيدنا إبراهيم ﵇. والحنيف هو من ينتمي إلى إبراهيم ﵇ ويتدين بملته، ويلتزم شعائره.

стр. 8

شعائر الملة الإبراهيمية: وإن شعائر الملة الإبراهيمية هي: حج بيت الله الحرام، واستقباله في الصلوات، والغسل من الجنابة والاختتان، وسائر خصال الفطرة، وتحريم الأشهر الحرم، وتعظيم المسجد الحرام، وتحريم المحرمات النسبية والرضاعية، والذبح في الحلق، والنحر في اللبة، والتقرب بالذبح والنحر إلى الله - تعالى - لاسيما في أيام الحج. بعض شرائع الملة الإبراهيمية: وقد كان الوضوء، والصلاة، والصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والصدقة على اليتامى والمساكين، والإعانة على نوائب الحق، وصلة الأرحام، أموراً مشروعة في أصل ملة إبراهيم ﵇ وكانوا يتمادحون بهذه الأعمال ويرونها فضيلة ومفخرة، إلا أن جمهور المشركين تركوها وانصرفوا عنها، وأصبحت عندهم هذه الأمور والشعائر كأن لم تكن شيئاً. وكان تحريم القتل والسرقة والزنا والربا والغصب ثابتاً معلوماً في أصل الملة الحنيفية، ويجري استنكارها عندهم في الجملة، ولكن جمهور المشركين كانوا يرتكبونها، وينساقون وراءها بحكم النفس الأمارة بالسوء.

стр. 9

العقائد الثابتة لدى المشركين وانحرافهم عنها: وكانت عقيدة إثبات وجود الله - تعالى - وأنه خالق الأرض والسموات العلى، وأنه مدبر الحوادث العظام، وأنه قادر على إرسال الرسل، ومجاز للعباد على أعمالهم، وأنه قادر مقدر للحوادث العظيمة، قبل وقوعها، وأن الملائكة عباد الله المقربون، وأنهم يستحقون الإكرام، كل ذلك كان ثابتاً عندهم، ويدل على ذلك شعرهم، ولكن جمهور المشركين، وقعوا في شبهات كثيرة تجاه هذه المعتقدات، لاستبعاد بعض الأمور، وعدم ألفتهم لإدراكها والإحاطة بمفاهيمها. وقد كان ضلال هؤلاء وانحرافهم في الشرك والتشبيه والتحريف، وجحود الآخرة، واستبعاد رسالة سيد المرسلين ﷺ وشيوع الأعمال القبيحة والمظالم فيما بينهم، وابتداع الطقوس والتقاليد الباطلة، واندراس العبادات والشعائر الحقة الصحيحة. حقيقة الشرك ومظاهره وأنواعه: والشرك هو: إثبات الصفات الخاصة بالله - تعالى - لغيره، مثل إثبات التصرف المطلق في الكون بالإدارة المطلقة التي يعبر عنها "بكن فيكون" أو إثبات العلم الذاتي الذي

стр. 10

لا يحصل بالاكتساب عن طريق الحواس والدليل العقلي، والمنام والإلهام وأمثال هذه الوسائل المادية أو الروحية، أو إثبات إيجاد شفاء المريض، أو إثبات اللعنة على شخص أو السخط عليه بحيث ينقلب نتيجة هذا اللعن والسخط معدما، أو مريضاً أو شقياً، أو الرحمة لشخص والرضا عنه بحيث ينقلب هو بسبب هذه الرحمة والرضا غنياً صحيحاً، معافى، سعيداً. وهؤلاء المشركون لا يعرفون مع الله - تعالى - شريكاً، في خلق الجواهر (أي أصول المادة) وتدبير الأمور العظام، ويعترفون بأنه لا قدرة لأحد إذا أبرم الله - تعالى - شيئاً وقضى به أن يمانعه ويقف دونه، إنما إشراكهم في أمور خاصة ببعض العباد، إذ أنهم يظنون أن سلطاناً عظيماً من السلاطين العظام، كما يرسل عبيده وأصحابه الزلفى لديه إلى بعض نواحي مملكته للقيام ببعض الأمور الجزئية، ويجعلهم متصرفين فيها - إلى أن يصدر عنه قرار آخر - باختيارهم وسلطتهم، وأنه لا يقوم بشئون الرعية وأمورهم الجزئية بنفسه، بل يكل ذلك إلى الولاة والحكام، ويقبل منهم شفاعتهم وتزكيتهم للموظفين الذين يعملون تحت إشرافهم، والمتصلين بهم، والمتزلفين لديهم، كذلك قد خلع ملك الملوك على الإطلاق - تعالى شأنه - على بعض عباده المقربين خلعة الألوهية، وجعل سخطهم ورضاهم مؤثراً في عباده الأخرين.

стр. 11

فكانوا - لأجل ذلك - يرون من الضرورة التزلف إلى أولئك العباد المقربين حتى يكون هذا وسيلة لصلاحية القبول في حضرة الملك الحقيقي، وتنال شفاعتهم - في حقهم - عند الجزاء على الأعمال الحساب - الخطوة والقبول لديه - سبحانه -. ونظراً لهذه الملاحظة والتصور الذي رسخ في نفوسهم حدثتهم أنفسهم بالسجود أمامهم والذبح لهم والحلف بأسمائهم والاستعانة بقدرتهم المطلقة، ونحت صورهم وتماثيلهم من الحجر والصفر والنحاس وغير ذلك. وجعلها قبلة للتوجه إلى أرواحهم، وتدرج الجهلة من هذا الطريق إلى أن بدأوا يعبدون هذه الصور والتماثيل ويعتقدون أنها آلهة بذاتها، ووقع في المعتقدات خلط والتباس وفساد عظيم. معنى التشبيه وصوره: والتشبيه عبارة عن إثبات الصفات البشرية (أو أي صفة من صفات المخلوقين) لله - تعالى - فكانوا يقولون مثلا: إن الملائكة بنات الله، وأن يقبل شفاعة عباده ولو لم يرض بها كما يفعل الملوك - أحيانا - مع الامراء الكبار وحكام الولايات، وإنهم - لما لم يستطيعوا إدراك السمع والبصر حسبما يليق بشأن الألوهية - قاسوهما على أسماعهم

стр. 12

وأبصارهم، ووقعوا في التجسيم ونسبة التحيز إلى الله - سبحانه -. منشأ التحريف ومظاهره: أما التحريف فإن قصته هي أن أولاد سيدنا إسماعيل ﵇ كانوا على شريعة جدهم - إبراهيم ﵇ حتى وجد فيهم "عمرو بن لحى" - لعنه الله - ووضع لهم الأصنام وشرع لهم عبادتها، واختراع طقوس البحيرة والسائبة والحام، والاستقسام بالأزلام وأمثال هذه من الطقوس والبدع، وقد كان ذلك قبل بعثة النبي ﷺ بقرابة ثلاثمائة سنة. وكان هؤلاء الجهلة يستدلون بآثار آبائهم، ويرونها عندهم حجة قاطعة. وأما أحوال البعث والحشر والنشر فإن الأنبياء السابقين وإن تعرضوا لبيانها فإنهم لم يبينوها أو لم تتضمن صحفهم بيانها بذلك التفصيل والإسهاب الذي نجده في القرآن الكريم، ولذلك كان المشركون قليلي الإطلاع على تفاصيلهما، ويستبعدون وقوعهما. وكانوا بالرغم من اعترافهم بنبوة جدهم سيدنا إبراهيم ﵇ ونبوة سيدنا إسماعيل ﵇ -

стр. 13

حتى بنبوة سيدنا موسى ﵇ أيضا، تحول الصفات البشرية (التي يتسم بها الأنبياء) بينهم وبين رؤية جمالهم الحقيقي، وتحجبهم - لجهلهم وقلة إدراكهم - عن الإطلاع على مكانتهم الحقيقية، وكانوا لعدم تفطنهم وإدراكهم لحقيقة التدبير الإلهي والحكمة الإلهية التي تقتضي بعثة الأنبياء والمرسلين، يستبعدون رسالة الرسل لاعتقادهم أن الرسول ينبغي أن يكون مثل المرسل (وأن يكون بينهما اشتراك في الصفات) ويوردون لأجل ذلك شبهات واهية ركيكة، فيقولون مثلا: * كيف يكون النبي محتاجاً إلى الطعام والشراب؟ * ولماذا لم يرسل الله ملكاً رسولا؟ * وما هو الغرض في أنه لا يوحى إلى كل شخص على حدته، وهلم جراً؟ وإذا كنت - أيها القاري - تتوقف في التسليم بصحة ما يقال عن عقائد المشركين وأعمالهم، فانظر إلى المخرفين في هذا العصر، لاسيما من يقطنون منهم بأطراف دار الإسلام، ما هي تصوراتهم عن "الولاية"، فرغم أنهم يعترفون بولاية الأولياء المتقدمين، يرون وجود الأولياء في عصرنا هذا من المستحيلات، ويؤمون القبور والعتبات، وقد ابتلوا بأنواع

стр. 14

من الشرك والبدع والخرافات، وتمكن منهم التحريف والتشبيه، وتغلغل في نفوسهم حتى لم تبق بحكم ما جاء في الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من كان قبلكم، إلخ" بلية من البلايا ولا فتنة من الفتن إلا وطائفة من طوائف المسلمين - اسماً - تخوض فيها وتعلق بها، عافانا الله سبحانه عن ذلك. وبالجملة فإن رحمة الله تعالى - اقتضت بعثة سيد الأنبياء محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - في الجزيرة العربية، وأمره بإقامة الملة الحنيفية، ومجادلة هؤلاء الفرق الباطلة عن طريق القرآن العظيم، وقد كان الاستدلال في مجادلتهم بالمسلمات التي هي بقايا الملة الإبراهيمية، ليتحقق إلزام ويقع الإفحام. الجدل القرآني مع المشتركين: لقد رد الله - تعالى - على المشركين ومعتقداتهم الباطلة بشتى الطرق، وبيانها كما يلي. ١ - أولا: مطالبتهم بالدليل على ما يزعمون، ونقض تمسكهم بتقليد آبائهم. ٢ - ثانياً: إثبات أن لا تساوي بين الرب والعباد وأن الرب - تعالى - مختص باستحقاق أقصى غاية التعظيم بخلاف جميع عباده وجمع مخلوقاته.

стр. 15

٣ - ثالثاًَ: بيان إجماع الأنبياء والمرسلين على هذه الحقيقة الكبرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . ٤ - رابعاً: بيان شناعة عبادة الأصنام، وأن الاحجار ساقطة عن مرتبة الكمال الإنساني فكيف تظل بمرتبة الألوهية، يسجد لها ويتوجه إليها! ومثل هذا الرد والتفنيد لأولئك المشركين الذين كانوا يعتقدون هذه الأصنام آلهة معبودة لذاتها. الرد على التشبيه: وكان الرد على التشبيه بعدة طرق: ١ - أولاً: بمطالبتهم بالدليل على دعواهم، ونقض تمسكهم بتقليد آبائهم. ٢ - ثانياً: ببيان ضرورة التجانس بين الوالد والولد، (للرد على عقيدة الابنية) وظاهرة انه مفقود، باد ذلك للعيان. ٣ - ثالثاً: بيان شناعة نسبة ما هو مكروه ومذموم لديهم - كما تدل على ذلك مواقفهم - إلى الله - تعالى - قال تعالى ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾

стр. 16

وقد سبق هنا الرد لقوم اعتادوا المقدمات المشهورة والمتوهمات الشعرية وكان أكثرهم من هذا القبيل. الرد على التحريف: وكان الرد على التحريف بإثبات أمرين: ١ - أنه لم يؤثر عن أئمة الملة الحنيفية (إبراهيم وإسماعيل وغيرهما من الأنبياء الماضين) ما يقولون من تحريفات. ٢ - أنه من اختراعات من ليسوا بمعصومين وابتداعاتهم. الرد على استبعاد القيامة: وكان الرد على استبعاد البعث والحشر والنشر بوجوه عديدة. ١ - بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها، وأمثال ذلك. ٢ - بتنقيح المناط وهو عبارة - هنا - عن بيان شمول القدرة الإلهية، وإمكان الإعادة بعد البدء بل يسرها وسهولتها. ٣ - ببيان موافقة أهل الكتب السماوية كلهم في الإخبار بالقيامة، واعتقادها.

стр. 17

الرد على منكري الرسالة: وكان الرد على المنكرين للرسالة والمستبعدين لها بالوجوه التالية: ١ - وقوع الرسالة وتحققها للأنبياء الماضين. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ . ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ . ٢ - الرد على استبعاد الرسالة واستغرابها بأنها - هنا - عبارة عن الوحي الإلهي (الذي يتلقاه رجل من البشر باصطفاء الله إياه) . ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ . وتفسير الوحي بما لا يكون من المستحيلات. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .

стр. 18

٣ - بيان أن عدم ظهور المعجزات التي يقترحونها على الرسول، وعدم موافقة الله - تعالى إياهم في تعيين شخص يتوخون رسالته، وعدم إرساله - تعالى شأنه - الملائكة رسلا بين الناس، وعدم إيحائه إلى كل شخص من الأشخاص، كل ذلك ينبني على المصالح الكلية التي يقصر علمهم عن إدراكها وتعجز عقولهم عن الإحاطة بمراميها. ولما أن أكثر الناس الذين بعث إليهم الرسول ﷺ كانوا مشركين، لذلك فإن هذه المعاني قد تكررت في القرآن الكريم بأساليب متعددة وفي سور كثيرة، وبتأكيدات بالغة، ولم يتحاش القرآن العظيم تردادها وتكرارها، فإنه حقيق أن يكون خطاب الحكيم المطلق لهؤلاء الجهلة، والضعيفي العقول كذلك بتأكيد بليغ وتكرار مزي. - الجدل القرآني مع اليهود - أنواع ضلال اليهود: لقد كان اليهود يؤمنون بالتوراة، وكان ضلالهم التحريف في أحكام التوراة، سواء كان تحريفا لفظياً أو تحريفاً معنوياً، وكتمان آيات التوراة، وإلحاق ما ليس منها بها، والتقصير في تنفيذ أحكامها، والعصبية الشديدة لديانتهم، واستنكار رسالة سيدنا محمد ﷺ وسوء الأدب مع رسول الله -

стр. 19

صلى الله عليه وسلم ﵎، والبخل والحرص، وأمثالها من الرذائل الخلقية. التحريف اللفظي: وقد تحقق لدى الفقير أن تحريفهم اللفظي إنما كان في ترجمة التوراة وما يجري مجراها، لا في أصل التوراة وهذا هو قول ابن عباس ﵄. التحريف المعنوي وبعض أمثلته: أما التحريف المعنوي فإنه عبارة عن التأويلات الفاسدة وحمل الآيات على غير معانيها المرادة بتعسف وانحراف عن قصد السبيل. ونذكر فيما يلي عدداً من وجوه التحريف المعنوية: المثال الأول: ١ - منها: أن الفرق بين المتدين الفاسق والكافر الجاحد معتبر في كل ملة من الملل، وتوعد الكافر بالخلود في النار والعذاب الأليم وأثبت للفاسق خروجه من النار بشفاعة الأنبياء والمرسلين وجاء التصريح في كل ديانة بذلك باسم التدين بتلك الديانة، فأثبت ذلك في التوراة لليهود

стр. 20

والعبريين، وفي الإنجيل للنصرانيين، وفي القرآن العظيم للمسلمين. والحقيقة أن مناط الحكم هو الإيمان بالله - تعالى - وباليوم الآخر، والإيمان بالنبي الذي بعث لهم، والنقياد له والعمل بشريعته، والاجتناب عن نواهيه، لا خصوص الديانة وخصوص الطائفة المسماة باليهود والنصرانيين وغيرهم، ولكن اليهود بدأوا يظنون أن كل من كان يهودياً أو عبريا، فهو من أهل الجنة، ولابد أن تناله شفاعة الأنبياء وتخلصه من العذاب، وأنه لا يمكث في النار إلا أياماً معدودات، ولو لم يكن مناط الحكم - الذي قد سبق بيانه - متحققاً ولم يكن إيمانه بالله - تعالى - على الوجه الصحيح ولا يملك شيئاً من الإدراك الصحيح لمعنى الرسالة والآخرة، وهذا هو الخطأ الصريح والجهل الصرف. ولما أن القرآن العظيم مهيمن على الكتب السابقة ومبين لما فيها من إبهام وغموض، فقد كشف شبهاتهم هذه ورد عليها ردوداً واضحة مقنعة. ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

стр. 21

المثال الثاني: ٢ - ومنها أن الأحكام ذكرت في كل ملة من الملل السابقة حسب مصالح عصرها ودورها، وروعيت في التشريع عادات الناس الصالحة، وأكد الحكم بالأخذ بها والمداومة عليها، واعتقادها، وانحصار الحق فيها، والمراد أن الحق منحصر فيها في ذلك العصر، وأن المداومة عليها إضافية وليست مداومة حقيقة، اي أنها صالحة للعمل إلى أن يأتي نبي جديد ويكشف الستار عن رسالة جديدة، ولكن اليهود حملوا ذلك على استحالة النسخ. وكانت الوصاة بالتمسك بتلك الملة والعض عليها تعني التمسك بالإيمان والأعمال الصالحة، ولا اعتبار لخصوص ملة من الملل ولا دخل لها فيها، ولكن هؤلاء اعتقدوا أن الخصوص معتبر، وأن يعقوب ﵇ إنما وصى بنيه بالتمسك "باليهودية". المثال الثالث: ٣ - ومنها أن الله ﵎ شرف الأنبياء والتابعين لهم بإحسان في كل ملة بوصفهم مقربين، محبوبين مؤضين، ووصف أعدائهم والجاحدين لملتهم بالمغضوب عليهم، الملعونين والممقوتين، وجاءت هذه الصفات في

стр. 22

كل ملة في قوالب الألفاظ والكلمات المعروفة السائدة فيهم لهذه المعاني، فما الغرابة إذن، لو ذكرت كلمة "الأبناء" بدل المحبوبين! ؟ ولكن اليهود ظنوا أن هذا التشريف يدور على اسم اليهودي والعبري والإسلرائيلي، ولم يعرفوا أن هذا التشريف ليس لاسم دون اسم، إنما هو لأجل الانقياد والطاعة، والخضوع، والسير على طريق الأنبياء والمرسلين، ليس غير. وهنا كثير من أمثال هذه التأويلات الفاسدة التي ركزت في نفوسهم، وتلقوها وتوارثوها عن آبائهم، وقد تكفل القرآن الكريم بردها ورفع هذه الشبهات ودحضها وإبطالها أتم إبطال. كتمان الآيات أما كتمان الايات فإن اليهود كانوا لأجل المحافظة على جاه شريف أو كبير، أو لطلب منصب أو رئاسة يخفون بعض الأحكام والآيات من التوراة، حى لا يذهب اعتقاد الناس فيهم بتركهم للعمل بها، وانصرافهم عنها، ولنذكر بعض الأمثلة منه. ١ - كان من تلك الأحكام، حكم رجم الزاني، الذي كان مصرحاً به في التوراة ولكنهم لإجماع أحبارهم على ترك

стр. 23

الرجم واستبداله بالجلد وتسحيم الوجه تركوا العمل برجم الزاني، وكان الأحبار - خشية الفضيجة والعار - يخفون تلك الآيات التي فيها نص هذا الحكم الصريح. ٢ - كذلك تلك آيات التي ذكرت فيها بشارة هاجر وإسماعيل ﵉ بأنه سوف يولد في أعقابهم من يبعثه الله - تعالى - نبياً ورسولاً، والآيات التي تحمل إشارات واضحة إلى دين يظهر ويبلغ كماله في أرض الحجاز، وتضج به جبال عرفات بالتلبية، ويؤم الناس لزيارتها من الأقطار والأمصار. وبالرغم من أن هذه الآيات لا تزال توجد في التوراة حتى اليوم كان اليهود يتأولونها بأن هذه الآيات إنما تخبر بظهرو ذلك الدين ولكنها لا تأمر باتباعه الخوضع له. وكانت هذه الكلمة على طرف لسانهم "ملحمة كتبت علينا". ولكن لما كان عامة اليهود أنفسهم لا تقبل نفوسهم هذه التأويلات الركيكة الباطلة، ولا يعترفون بصحتها وسلامتها، كانوا يتواصون فيما بينهم أن لا يفشوا هذا السر ولا يتعالنوه فيما بينهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾

стр. 24

فيا أسفى على جهل اليهود بل على كذبهم وافترائهم، أفهل كان امتتان الله - تعالى - على هاجر وإسماعيل ﵉ بهذه المبالغة والتأكيد، وذكر هذه الأمة الخيرة بهذا التشريف والتكريم يعني غير ذلك من معنى؟ يمكن به اليهود أن يزعموا أن هذه الآيات لا تدل على الحث والتحريض على إتباع هذا الدين والتسليم له! سبحانك هذا إفك عظيم. الإلحاق والافتراء وأما الإلحاق والافتراء على الله - تعالى - ونسبة ما يكتبونه إلى الله - تعالى - وإلى التوراة، فيرجع سببه إلى أن أحبارهم ورهبانهم تعقموا وتشددوا في الدين، وسلكوا طريق الاستحسان أي استنباط بعض الأحكام بناءًأ على إدراك المصالح فيها بدون أي نص من الشارع، (بل بالعقل المصلحي والهوى البشري) ورجحوا استنباطات واهية، واستسحانات دخلية، فوضعها أتباعهم موضع الأصل وألحقوها به، واعتقدوا اتفاق سلفهم على شيء حجة قاطعة، ولم يكن لديهم مستند في إنكار نبوة عيسى ﵇ إلا أقوال سلفهم، وكذلك حالهم في كثير من الأحكام. وأما التقصير والتساهل في تنفيذ أحكام الشريعة وارتكاب المناهي، والبخل والحرص، وما إلى ذلك فظاهر أنه من

стр. 25

مقتضيات النفي الإمارة بالسوء ولا ينجو منها إلا من شاء ربك ورحمه. ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ولكن هذه الرزيلة في أهل الكتاب تحمل لوناً آخر، إذ أنهم يتكلفون تأويلات فاسدة لتبيرها، وإبرازها في صورة التدين وصبغها بصبغة الأحكام الشرعية. أسباب استبعاد رسالة سيدنا محمد ﷺ : وأما استبعاد رسالة سيدنا محمد ﷺ فيرجع سببه إلى اختلاف عادات الأنبياء وأحوالهم وسيرهم في الإكثار من التزوج مثلاً والتقليل منه، وأمثال ذلك، واختلاف شرائعهم ومناهجهم، واختلاف سنن الله - تعالى - في معاملة انبيائه ورسله، وبعثة نبي إسماعيل، وقد كان جمهور الأنبياء قبل ذلك يبعثون في بني إسرائيل، وأمثال هذه الأسباب. الغرض من النبوة: والأصل في هذه المسالة أن النبوة يقصد منه إصلاح النفوس، وإصلاح العادات الجارية في القوم الذي يبعث إليه النبي لا إنشاء أصول البر والإثم، والخير والشر.

стр. 26

مجال عمل النبوة في إصلاح الناس: وكل قوم يملك عادات ومناهج خاصة في عباداته، ونظام اسرته، واجتماعه وسياسته ومدنيته، فإذا ظهرت فيه النبوة، فإنها لا تستأصل هذه العادات ولا تضع له عادات جديدة، بل إنما تقييم الميزان القسط، وتمييز بينها، فما كان منها موافقاً للأصل، مطابقاً لرضا الله - تعالى - أبقته وحفظته، وما كان منها مخالفاً لرضا الله - تعالى - أبقته وحفظته، وما كان منها مخالفاً للأصل، منافياً لرضا الله - تعالى - عدلته حسب الضرورة وسوته. كذلك يكون التذكير بآلاء الله، والتذكير بايام الله - على هذا الأسلوب - بمكا يكون معروفاً عندهم، شائعاً لديهم، فهذا هو السبب في اختلاف شرائع الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه -. اختلاف شرائع الأنبياء كاختلاف وصفات الطبيب: وهذا الاختلاف في شرائع الأنبياء كالاختلاف في أحكام الطبيب، فإنه عند معالجته لشخصين مختلفى المزاج، يصف لأحدهما أدوية وأغذية باردة، وللآخر أدوية وأغذية حارة، وغرض الطبيب من معالجتهما واحد، وهو إصلاح مزاجه، وإزالة الفساد الطارئ عليه، ليس غير، ويمكن أن يصف الطبيب لكل منطقة أدوية وأغذية مختلقة تلائم أهلها، كما

стр. 27

يمكن أن يختار في كل فصل من فصول وطقس من الطقوس علاجاً مختلفاً يناسب الفصل والطقس. كذلك لما أراد الحكيم المطلق والطبيب الحقيقي معالجة مرض النفوس والقلوب، واقتضت مشيئته - جل مجده - إصلاح مزاجهم، وتقوية ملكاتهم وإزالة الفساد الطارئ عليهم، اختلف عرجه - تقدست أسماؤه - لاختلاف عادات الشعوب والأمم واختلاف ملكاتهم واستعداداتهم ومراعاة للمشهورات والمسلمات عندهم. وعل كل، فإنك إذا أردت أن ترى نماذج اليهود في هذه الأمة فانظر إلى علماء السوء، طلاب الدنيا، المولعين بتقليد آبائهم، المعرضين عن كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ الذين يستندون إلى تعمقات العلماء وتشديداتهم، واستنباطاتهم التي لا اصل لها في الكتاب والسنة، تاركين كلام الشارع المعصوم ﷺ يتتبعون الأحاديث الموضوعة. ويجرون وراء التأويلات الفاسدة. الجدل القرآني مع النصارى ضلال النصارى في بحث حقيقة المسيح ﵇: - لقد كان النصارى يؤمنون بسيدنا عيسى ﵇ ولكن كان ضلالهم في تقسيمهم الرب ﵎ إلى

стр. 28

ثلاثة أجزاء تتتغاير من بعض الوجوه، وتتحد من بعض آخر، وكانوا يسمونها "الأقانيم الثلاثة" أحدها: الأب الذي يحتل مكانة "مبدأ العالم"، والثاني: الإبن، وهو بمعنى "الصادر الأول" الذي يعني الكلي العام الشامل لجميع الموجودات، والثالث: أقنوم روح القدس، وهو يعني "العقول المجردة". أقنوم "الإبن" تقمص المسيح ﵇: وكانوا يعتقدون أن أقنوم الإبن تقمص روح المسيح - عليه الصلام - أي أن الملك جبريل كما كان يأتي - أحياناً - في صورة رجل، كذلك ظهر "الإبن" في صورة عيسى، ولذلك فهو "الإله" أيضاً، وهو "ابن الله" كذلك، وهو البشر أيضاًَ، وتجري بالنسبة إليه الأحكام البشرية والأحكام الإلهية على السواء. دليل هذه العقيدة الباطلة: وقد استندوا في استنباط هذه العقيدة الغريبة إلى بعض الآيات في الإنجيل التذ ذكر فيها لفظ "الإبن" والآيات التي نسب فيها المسيح ﵇ بعض أفعال الله - تعالى - إلى نفسه. جواب الإشكال الأول: وجواب الإشكال الأول - وهو ورود لفظ "الإبن"

стр. 29

في آيات الإنجيل بالنسبة لعيسى ﵇ إذا سلمنا أن ما نقل في الإنجيل من مثل هذه الآيات هي من كلام عيسى ﵇ لا من الإضافات والإلحاقات - أن لفظ "الإبن" في العهد القديم كان يستعمل بمعنى المقرب والمحبوب والمختار، وتشهد على هذه الدعوى دلائل وقرائن كثيرة في الإنجيل. جواب الإشكال الثاني: وجواب الإشكال الثاني - وهو نسبة سيدنا عيسى ﵇ بعض أفعال الله - تعالى إلى نفسه - إذا سلمنا صحتها وثبوت نقلها عنه - أنها على طريق الحكاية، مثل أن يحكي رسول الملك عنه فيقول: فتحنا البلد الفلاني، وحكمنا القلعة الفلانية، فظاهر أن هذا الرسول ليس إلا ترجماناً للملك ومبلغاً عنه، وحقيقة الفعل راجعة إلى نفسه. نوع خاص من الوحي: ويمكن أن الوحي إلى عيسى ﵇ عن طريق إنطباع المعاني في لوح قلبه من قبل الملأ الأعلى، لا تمثل جبريل ﵇ بصورة البشر وإلقاء الوحي إليه، فبسبب هذا الإنطباع المباشر جري منه من الكلام ما أشعر بنسبة الأفعال إليه، مع أن الحقيقة غير ذلك، والأمر واضح. وبالجملة فإن الله - تعالى - رد على هذه المسالك الباطلة،

стр. 30

وبين أن عيسى عبد الله، وروحه الطاهرة التي نفخ بها في مريم الصديقة ﵍ وأنه أيده بروح القدس، وحاطه بعناية وكلاءة خاصة. الخطأ في استعمال الألفاظ: وعل كل، فلو سلمنا - جدلاً - أن الله - تعالى - ظهر في كسوة روحية من جنس سائر الأرواح، وتدرع بالبشرية، ثم أردنا أن نكشف هذه النسبة والعلاقة كشفاً لم يجز لنا أن نستعمل لذلك لفظ "الاتحاد" إلا بتجوز كبير، وأقرب ما يمكن التعبير به عنه هو لفظ "التقويم" أو شبهه من الألفاظ. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. موازنة بين النصارى وبين المبتدعة من المسلمين: وإذا أردت أن ترى نموذجاً لهؤلاء الضالين في قومك فانظر إلى كثير من أولاد الأولياء و"المقدسين" ما هي تصوراتهم عنهم واعتقاداتهم فيهم وإلى أي حد وصلوا بهم! "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون". اعتقادهم بصلب المسيح ﵇: ومن ضلالات النصارى في معتقداتهم أنهم يؤمنون بقتل

стр. 31

عيسى صلباً، مع أن الواقع خلاف ذلك، وقد شبه لهم والتبس عليهم الأمر، فظنوا رفع عيسى ﵇ إلى السماء قتلاً له وصلباً، وتوارثوا ذلك فيما بينهم جيلاً بعد جيل حتى كشف القرآن الكريم عن شبهتهم وأزاح الستار عن الحقيقة قائلاً: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ . وما حكى في الإنجيل على لسان عيسى ﵇ مما يشير إلى قتاه، فإنه ليس إلا إخباراً منه بجراءة اليهود وإجرامهم وإقدامهم على قتله، لكن الله عصمه منهم وخلصه من أيديهم، وما جاء فيه من كلام الحواريين بهذا الصدد فإنه ناشئ عن الاشتباه والتباس الأمر، ولم يكن لهم إطلاع على الرفع الذي لم تكن تألفه عقولهم ولم تسمعه من آذانهم. ضلالهم في حمل "فارقليط" على عيسى ﵇ " ومن ضلالاتهم أيضاً أنهم يزعمون أن الفار قليط الموعود بمجيئه والمبشر بقدومه في الإنجيل، هو عيسى ﵇ نفسه الذي جاء بعد قتله - حسب زعمهم - إلى الحواريين، وأوصاهم بالتمسك بالإنجيل، ويزعمون أن عيسى ﵇ أوصاهم أيضاً بأن المدعين للنبوة سيكثرون، فمن ذكرني وسماني فاقبلوا كلامه، وإلا فرده. وقد بين القرآن العظيم أن بشارة عيسى ﵇ -

стр. 32

تصدق على سيدنا محمد ﷺ لا على الصورة الروحية لعيسى ﵇ كما يدعون، إذ أنه قد صرح في الإنجيل بأن "فار قليط يمكث فيكم مدة طويلة، ويعلمكم ويزكي النفوس" ولم يظهر ذلك بعد عيسى ﵇ إلا من نبينا محمد ﷺ وأما ذكر عيسى وتسميته، فالغرض منه التصديق بنبوته، لا أن يتخذ رباً، أو يعتقد بأنه ابن الله ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . الجدل القرآني مع المنافقين المنافقون صنفان: كان المنافقون صنفين، فكانت طائفة منهم تشهد بلسانها بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولكن قلوبها كانت مطمئنة إلى الكفر والجحود، وكانت تتظاهر بإسلامها للمصالح، وهؤلاء هم الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ . مظاهر النفاق العملي: وكانت الطائفة الأخرى ممن دخلوا في الإسلام مع ضعف فيه وقلة إيمان به، فهم - مثلاً - يجرون على عادات قومهم ويدورون مع مصلحتهم، فإن أسلم قومهم أسلموا، وإن كفر.

стр. 33

كفروا، أو كان الانسياق وراء اللذات الدنيوية قد ملك قلوبهم بحيث لم يذر مكاناً لحب الله - تعالى - ورسوله ﷺ أو استولى عليهم الحرص وحب المال، والحسد والضغينة وما إلى ذلك من رذائل الأخلاق والعادات بحيث لم تعد في قلوبهم بشاشة الإيمان وحلاوة الدعاء والابتهال وبركات العبادات، أو انغمسوا في شئون دنياهم إلى حد أن لم تكن لديهم فرصة العبادات، أو انغمسوا في شئون دنياهم إلى حد أن لم تكن لديهم فرصة ترقب الآخرة والتفكير فيها، أو كانت تمر لديهم فرصة ترقب الآخرة والتفكير فيها، أو كانت تمر بخواطرهم وقلوبهم ظنون سيئة وشبهات سطحية ركيكة في رسالة نبينا ﷺ رغم أنهم لم يبلغ بهم الحال إني أن يخلعوا عن عنقهم ربقة الإسلام، وينفضوا منه أيديهم بتاتاً. وقد كانت تنشأ عندهم هذه الشكوك والشبهات بسبب ما يجري من أحكام البشرية على ذات الرسول ﷺ وبسبب ظهور الملة الإسلامية في صورة سيطرة الملوك واستيلائهم على نواحي البلاد، وأمثال ذلك (من الأساباب المادية التي قد تشوش بعض ضعاف الإيمان وتنشئ فيهم الشبهات) أو لحبهم لقبائلهم وعشائرهم - مثلاً - الذي دفعهم إلى أن يساعدوها ويقووها ويؤيدوها - جهدهم - ولو على حساب الإسلام، ومناوءة أهله، وبذلك يضعفون الإسلام ويلحقون به الضرر. وهذا القسم من النفاق، هو نفاق الأعمال والأخلاق.

стр. 34

النفاق الاعتقادي لا يطلع عليه بعد الرسول ﷺ : أما النفاق الأول - وهو النفاق الاعتقادي - فإنه لا يطلع عليه بعد سيدنا رسول الله ﷺ إذ إنه من الأمور المغيبة، ولا اطلاع لأحد على مكنونات القلب ومغيباته. النفاق العملي كثير الوقوع: وأما النفاق الثاني - وهو النفاق العملي - فإنه كثير الوقوع لا سيما في عصرنا هذا، وإلى هذا النفاق وقعت الإشارة في الحديث الشريف، الذي جاء فيه: "ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر". و"هم المنافق بطنه وهم المؤمن فرسه" إلى غير ذلك من الأحاديث. كشف القرآن عن أحوال المنافقين: وقد كشف الله - تعالى - في القرآن الحكيم عن أعمال هؤلاء المنافقين وأخلاقهم، وبينها أتم بيان، وأكثر من ذكر أحوال الطائفتين من المنافقين حتى تكون الأمة على حذر منها وتجتنبها كل الإجتناب.

стр. 35

نماذج المنافقين في هذا العصر: وإن كنت تحب أن تشاهد نموذجاً لهؤلاء المنافقين فاشهد في مجالس الأمراء، أصحابهم وندماءهم الذين يؤثرون رضا أمرائهم على رضا الله - تعالى - ولا فرق إطلاقاً بين المنافقين الذين سمعوا أحاديث الرسول ﷺ مباشرة ثم نافقوا وبين هؤلاء المنافقين الآن الذين يطلعون على أحكام الشريعة الإسلامية بالوسائط اليقينية القاطعة ثم يخالفونها وينحرفون عنها. نفاق المناطقة والفلاسفة: كذلك طائفة المناطقة والفلاسفة الذين بذرت في قلوبهم بذور الشكوك وتمكنت منهم كثير من الشبهات، ونسوا الدار الآخرة، هم أيضاً من المنافقين من دون شك. القرآن كتاب كل عصر: وعل كل، فإنه لا ينبغي أن يظن عند تلاوة القرآن الكريم، أن جداله ومحاجته كانا مع أناس قد انتهوا وانقضوا، كلا، بل إنه بحكم ما جاء في الحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم إلخ". ليست هنا من فتنة كانت في عهد الرسالة - صلى الله على صاحبها وسلم - إلا ولها نماذج وأمثلة في عصرنا هذا، ولذلك

стр. 36

فالمطلوب الحقيقى هو بيان كليات هذه المقاصد والمعاني لا خصوص الحوادث والتفصيلات الجزئية. وهذا هو التحقيق الذي تيسر لي في تفصيل عقائد هذه الفرق الباطلة والردود عليها، وأخال أن هذا البحث المحقق. فيه غنية وكفاية لفهم آيات الجدل القرآني إن شاء الله - تعالى -. * * *

стр. 37

الفصل الثاني في بقية العلوم الخمسة وضوح القرآن الكريم في بيان الصفات: من المعلوم أن نزول القرآن الكريم إنما كان إصلاح النفوس البشرية، وتهذيب معاشر الناس سواء كانوا عرباً أو عجماً، بدواً أو حضراً، ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يخاطب الناس في "التذكير بآلاء الله". إلا ما تسعه معلوماتهم، وتحيط به مداركهم، وأن لا يخوض في البحوث الدقيقة والتحقيقات النادرة، فقد تعرض القرآن الكريم للأسماء والصفات الإلهية بطريقو واضحة سهلة، يدركها جميع أفراد البشر بفطرتهم، وبمداركهم التي أدوعت في أصل خلقهم من دون حاجة إلى ممارسة الفلسفة الإلهية، أو علم الإلهيات وعلم الكلام. إثبات الخالق في القرآن: فأثبت القرآن - مثلاً - وجود الخالق إجمالاً، إذ أن علمه مركوز في فطر بني آدم، ويتساوى فيه جميع أفرادهم ولا تجد طائفة من الناس في المناطق المعتدلة أو القريبة منها تنكر هذا العلم، وتستغرب وجود الخالق!

стр. 38

الصفحات الإلهية في القرآن: ثم لما كان إثبات الصفات الإلهية بذكر كنهها وحقائقها ودقيق مسائلها مستحيلاً في حقهم، وكان تركهم من دون إطلاع على هذه الصفات الإلهية يحرمهم من معرفة الربوبية - التي هي أنفع وسيلة في تهذيب النفوس البشرية - كان حكمة الله - تعالى - وهو أحكم الحاكمين - أن يختار من الصفات البشرية التي نعهدها ونشاهدها والتي نتمادح بها ونفتخر بالتحلي بها، صفات كريمة عديدة تستعمل لأداء معان غامضة دقيقة لا تبلغ جلالها وعظمتها عقول البشر، ثم يجعل قوله الفصل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ترياقاً لداء الجهل العضال، وعلاجاً لقلة البصر والإدراك، ونهى عن استعمال تلك الصفات البشرية التي يخشى منها جموح الأوهام والظنون نحو العقائد الباطلة كإثبات الولد، والبكاء، والجزع وما إلى ذلك. خطر الخوض في الصفات بدون توقيف: وإذا أنعمت النظر وتأملت مسألة الصفات الإلهية بدقة

стр. 39

تجلى لك أن خطوات الإنسان على درب علمه الفطري غير المكتسب، وتمييزه للصفات التي يجوز أن تنسب إلى الله - تعالى - ولا يقع فيها خلل، عن الصفات التي يؤدي استعمالها إلى الأوهام الباطلة والعقائد المنحرفة، أمر دقيق خطير للغاية لا يصل غوره ولا يكتنه كنهه جمهور الناس، ولذلك قرر أن يكون علم الصفات الإلهية توفيقاً، ولا يسمح بالبحث والكلام بحرية وإطلاق. أسلوب القرآن في بيان آلاء الله: ولم يتعرض القرآن العظيم من آلاء الله - تعالى - وآيات قدرته العجيبة إلا لما يستوى في إدراكه الحضري والبدوي والعربي والعجمي ولا يصعب فهمه على عاقل، لأجل ذلك لم يذكر النعم الروحانية الخاصة التي ينعم بها على عباده الأنبياء والأولياء والعلماء الصالحين بصفة خاصة (من مراتب الكمالات ومدارج التقرب ومنازل التقوى) ولم يذكر الملاذ والنعم التي تحصل - أحياناً - للملوك والسلاطين (وأفراد قلائل من البشر) بل ذكر ما كان أنسب ذكره: من خلق السموات والأرض، وإنزال المطر من السحاب، وتفجير الينابيع بالماء، وإلهام الصنائع والحرف الضرورية، وخلق القدرة لممارستها ومزاولتها، ونبه إلى تغير مواقف الناس عند السراء والضراء، ولدى النعم والبأساء في مواضع كثيرة إذ إن هذا من أمراض القلب وإنحراف النفس الذي يكثر وقوعه وتكثر أمثلته.

стр. 40

أسلوب القرآن الكريم في التذكر بأيام الله: أما "أيام الله" وهي تلك الواقائع والحوادث التي أوجدها الله - تعالى - إنعاماً على المطيعين وانتقاماً من العصاة المجرمين - فقد اختار منها أيضاً ما قرعت أسماعهم من قبل، وكانوا قد سمعوا قصصاً بصورة إجمالية، مثل قصص قوم نوح، وعاد وثمود، التي كان العرب يسمعونها ويتداولونها فيما بينهم كابراً عن كابر وقصص سيدنا إبراهيم ﵇ وقصص أنبياء بني إسرائيل التي ألفتها أسماعهم لطول اختلاط العرب مع اليهود، ولم يتعرض القرآن الكريم للقصص الغريبة ةلا لقصص عذاب الله - تعالى - أو ثوابه للفرس والهنود كما أنه لم يذكر من القصص المشهورة إلا الأجزاء الضرورية التي تنفع في التذكير والموعظة، ولم يستقص جميع التفاصيل الخاصة التي تشمل عليها القصص. حكمة هذا الأسلوب القرآني: والاكتفاء بالأجزاء المهمة من القصة والتحاشي عن غرائب القصص والتفاصيل الجزئية، هي أن العامة من الناس عندما يسمعون حكاية غريبة أو قصة كاملة بجميع خصوصياتها وفصولها، فإن طباعهم تميل إلى نفس القصة وتولع بها، ويفوت الغرض الأساسي - وهو التذكير - من بيان القصة الذي يهدف إليه القرآن الكريم.
следующие страницы →