Полный текст (163 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فالمطلوب الحقيقى هو بيان كليات هذه المقاصد والمعاني لا خصوص الحوادث والتفصيلات الجزئية.
وهذا هو التحقيق الذي تيسر لي في تفصيل عقائد هذه الفرق الباطلة والردود عليها، وأخال أن هذا البحث المحقق. فيه غنية وكفاية لفهم آيات الجدل القرآني إن شاء الله - تعالى -.
* * *
стр. 37
الفصل الثاني
في بقية العلوم الخمسة
وضوح القرآن الكريم في بيان الصفات:
من المعلوم أن نزول القرآن الكريم إنما كان إصلاح النفوس البشرية، وتهذيب معاشر الناس سواء كانوا عرباً أو عجماً، بدواً أو حضراً، ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يخاطب الناس في "التذكير بآلاء الله". إلا ما تسعه معلوماتهم، وتحيط به مداركهم، وأن لا يخوض في البحوث الدقيقة والتحقيقات النادرة، فقد تعرض القرآن الكريم للأسماء والصفات الإلهية بطريقو واضحة سهلة، يدركها جميع أفراد البشر بفطرتهم، وبمداركهم التي أدوعت في أصل خلقهم من دون حاجة إلى ممارسة الفلسفة الإلهية، أو علم الإلهيات وعلم الكلام.
إثبات الخالق في القرآن:
فأثبت القرآن - مثلاً - وجود الخالق إجمالاً، إذ أن علمه مركوز في فطر بني آدم، ويتساوى فيه جميع أفرادهم ولا تجد طائفة من الناس في المناطق المعتدلة أو القريبة منها تنكر هذا العلم، وتستغرب وجود الخالق!
стр. 38
الصفحات الإلهية في القرآن:
ثم لما كان إثبات الصفات الإلهية بذكر كنهها وحقائقها ودقيق مسائلها مستحيلاً في حقهم، وكان تركهم من دون إطلاع على هذه الصفات الإلهية يحرمهم من معرفة الربوبية - التي هي أنفع وسيلة في تهذيب النفوس البشرية - كان حكمة الله - تعالى - وهو أحكم الحاكمين - أن يختار من الصفات البشرية التي نعهدها ونشاهدها والتي نتمادح بها ونفتخر بالتحلي بها، صفات كريمة عديدة تستعمل لأداء معان غامضة دقيقة لا تبلغ جلالها وعظمتها عقول البشر، ثم يجعل قوله الفصل:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
ترياقاً لداء الجهل العضال، وعلاجاً لقلة البصر والإدراك، ونهى عن استعمال تلك الصفات البشرية التي يخشى منها جموح الأوهام والظنون نحو العقائد الباطلة كإثبات الولد، والبكاء، والجزع وما إلى ذلك.
خطر الخوض في الصفات بدون توقيف:
وإذا أنعمت النظر وتأملت مسألة الصفات الإلهية بدقة
стр. 39
تجلى لك أن خطوات الإنسان على درب علمه الفطري غير المكتسب، وتمييزه للصفات التي يجوز أن تنسب إلى الله - تعالى - ولا يقع فيها خلل، عن الصفات التي يؤدي استعمالها إلى الأوهام الباطلة والعقائد المنحرفة، أمر دقيق خطير للغاية لا يصل غوره ولا يكتنه كنهه جمهور الناس، ولذلك قرر أن يكون علم الصفات الإلهية توفيقاً، ولا يسمح بالبحث والكلام بحرية وإطلاق.
أسلوب القرآن في بيان آلاء الله:
ولم يتعرض القرآن العظيم من آلاء الله - تعالى - وآيات قدرته العجيبة إلا لما يستوى في إدراكه الحضري والبدوي والعربي والعجمي ولا يصعب فهمه على عاقل، لأجل ذلك لم يذكر النعم الروحانية الخاصة التي ينعم بها على عباده الأنبياء والأولياء والعلماء الصالحين بصفة خاصة (من مراتب الكمالات ومدارج التقرب ومنازل التقوى) ولم يذكر الملاذ والنعم التي تحصل - أحياناً - للملوك والسلاطين (وأفراد قلائل من البشر) بل ذكر ما كان أنسب ذكره: من خلق السموات والأرض، وإنزال المطر من السحاب، وتفجير الينابيع بالماء، وإلهام الصنائع والحرف الضرورية، وخلق القدرة لممارستها ومزاولتها، ونبه إلى تغير مواقف الناس عند السراء والضراء، ولدى النعم والبأساء في مواضع كثيرة إذ إن هذا من أمراض القلب وإنحراف النفس الذي يكثر وقوعه وتكثر أمثلته.
стр. 40
أسلوب القرآن الكريم في التذكر بأيام الله:
أما "أيام الله" وهي تلك الواقائع والحوادث التي أوجدها الله - تعالى - إنعاماً على المطيعين وانتقاماً من العصاة المجرمين - فقد اختار منها أيضاً ما قرعت أسماعهم من قبل، وكانوا قد سمعوا قصصاً بصورة إجمالية، مثل قصص قوم نوح، وعاد وثمود، التي كان العرب يسمعونها ويتداولونها فيما بينهم كابراً عن كابر وقصص سيدنا إبراهيم ﵇ وقصص أنبياء بني إسرائيل التي ألفتها أسماعهم لطول اختلاط العرب مع اليهود، ولم يتعرض القرآن الكريم للقصص الغريبة ةلا لقصص عذاب الله - تعالى - أو ثوابه للفرس والهنود كما أنه لم يذكر من القصص المشهورة إلا الأجزاء الضرورية التي تنفع في التذكير والموعظة، ولم يستقص جميع التفاصيل الخاصة التي تشمل عليها القصص.
حكمة هذا الأسلوب القرآني:
والاكتفاء بالأجزاء المهمة من القصة والتحاشي عن غرائب القصص والتفاصيل الجزئية، هي أن العامة من الناس عندما يسمعون حكاية غريبة أو قصة كاملة بجميع خصوصياتها وفصولها، فإن طباعهم تميل إلى نفس القصة وتولع بها، ويفوت الغرض الأساسي - وهو التذكير - من بيان القصة الذي يهدف إليه القرآن الكريم.
стр. 41
نكتة حكيمة:
ومثال ذلك كما قال بعض الحكماء العارفين: "يوم أن بدأ الناس يحكمون قواعد التجويد ويصححون الحروف حرموا التلاوة الخاشعة للقرآن الكريم، ومن يوم أن بدأ المفسرون يشقون الشعرة في التأويل والتوجيه أصبح "علم التفسير" غريباً قليل الوجود".
ظاهرة التكرار في القصص القرآني:
والقصص التي جاءت في القرآن مرات وكرات، هي قصة خلق آدم من الطين، وسجود الملائكة له، واستكبار الشيطان عنه، ولعنه وطرده لأجله، وسعيه من ذاك في إغواء بني آدم وإضلالهم وقصص محاجة نوح، وهود، وصالح، إبراهيم ولوط وشعيب مع شعوبهم وأقوامهم في توحيد الله - تعالى - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستكبارها وطغيانها وإدلائها بشبهات ركيكة وردود الأنبياء - عليهم الصلوات التسليمات - عليها ونزول عذاب الله - تعالى - ونقمه على الأشقياء وظهور نصرة الله - تعالى - وتأييده في حق الأنبياء والأتباع، وقصص سيدنا موسى ﵇ مع فرعون وملأه، وسفهاء بني إسرائيل، ومكابرتهم له، وعقاب الله - تعالى - لأولئك التعساء وتركهم يتيهمون في الأرض، وظهور تأييدات الله - تعالى - متتالية لنجيه وكليمه ﵇.
стр. 42
وقصص سيدنا داود وسليمان ﵉ وخلافتهما ومعجزاتهما وخوارقهما، وقصة محنة سيدنا أيوب وسيدنا يونس ﵉ وظهور رحمة الله - تعالى وعطفه عليها، وقصة دعاء سيدنا زكريا ﵇ واستجابة الله - تعالى - إياه، والقصص العجيبة لسيدنا عيسى ﵇ وولادته من غير والد، وتكلمه في المهد، وظهور الخوارق والمعجزات على يده، وأمثال هذه من القصص التي اطردت في القرآن الحكيم بألوان مختلفة من الإيجاز والإطناب والتفصيل والإجنال حسب مقتضى الأساليب المرعية في السور.
القصص التي لم تتكرر في القرآن كثيراً:
أما القصص التي لم تتكرر في القرآن تكرار القصص الأولى بل وردت في موضع أو موضعين فحسب فهي:
قصة رفع سيدنا إدريس ﵇ مكاناً علياً.
- وقصة محاجة إبراهيم لنمرود، ومشاهدته إحياء الطير، وقصة ذبح ولده الوحيد.
- قصة سيدنا يوسف ﵇.
- وقصة ولادة سيدنا موسى ﵇ وإلقائه في اليم، ووكرزه للقبطي وقتله إياه، ثم توجهه إلى "مدين"
стр. 43
وتزوجه هناك، ومشاهدته النار على الشجرة وسماع الكلام منها.
- وقصة ذبح البقرة.
- وقصة لقاء موسى مع الخضر ﵉.
- وقصة طالوت وجالوت.
- وقصة بلقيس (ملكة سبأ) .
- وقصة ذي القرنين.
- وقصة أصحاب الكهف.
- وقصة الرجلين المتحاورين (أحدهما يعتز بما له من مال وبنين وجنات من أعناب، والآخر قليل المال ولكنه يذكره بالله - تعالى - ونعمته وشكره والآخرة) .
- وقصة اصحاب الجنة (الذين أرادوا أن يحرموا الفقراء المساكين من عطاياهم وصدقات أموالهم، فرجعوا محرومين والجنة خاوية على عروشها) .
- وقصة الرسل الثلاثة الذين بعثهم سيدنا عيسى ﵇ لدعوته، وأعتدى عليهم الكفار وقتلوهم.
- وقصة أصحاب الفيل، وغير ذلك.
стр. 44
غرض القصة في القرآن:
وليس الغرض من سرد هذه القصص في القرآن الكريم الاطلاع عليها والتعرف على جزئياتها فحسب بل الغرض الأساسي والحقيقي هو ان ينقل ذهن القارئ والسامع إلى شناعة الشرك والمعاصي، ومعاقبة الله - تعالى - عليها، والإيمان بنصر الله - تعالى - وتأييده، وظهور ألطافه وأفضاله في حق عباده المخلصين.
التذكير بالموت وما بعده أو التذكير بالآخرة:
والمراج بالتذكير بالموت وما بعده أو التذكير بالآخرة عرض كيفية الإنسان لدى موته، وعجزه واستكانته في تلك الساعة الحرجة العصيبة، وعرض الجنة والنار عليه بعد الموت وظهور ملائكة العذاب لعينيه، وأشراط القيامة من نزول سيدنا عيسى ونفخة القيام والنشر والحشر، والسؤال والجواب والميزان والصراط، وأخذ صحائف الأعمال بالإيمان والشمائل، ودخول المؤمنين الجنة وحشر الكفار في النار، وتخاصم أهل النار تابعيهم ومتبوعيهم، وسادتهم وكبرائهم، وعامتهم وضعفائهم فيما بينهم، وإنكار بعضهم بعضاً، ولعن أحداهم الأخرى، واختصاص المؤمنين برؤية الله - تعالى - وذكر أنواع العذاب وتعداد ألوانه وأطواره من سلاسل وأغلال وحميم وغساق وضريع وزقوم، وبيان أنواع النعم والملذات من حور وقصور
стр. 45
وحنات وأنهار ومطاعم هنيئة شهية وملابس زاهية ناعمة، وعيد حسان، مقصورات في الخيام ومجالس أهل الجنة الفكهة اللطيفة ولقاءاتهم الطيبة الحبيبة، كل هذا مما قد قصه القرآن الكريم وبثه في مختلف السور مراعياً أساليبها الخاصة المتفردة تارة بالإجمال والاختصار وأخرى بالتفصيل والإسهاب.
القاعدة الكلية في مبحث الأحكام:
والقاعدة الكلية في مبحث الأحكام والحلال والحرام أن سيدنا رسول الله ﷺ كان قد بعث في الملة الإبراهيمية الحنيفية، فكان من اللازم أن يبقى على شرائع تلك الملة، ولا يحدث أي تغيير في أمهات أحكامها وأصول مسائلها اللهم إلا تخصيصاً لعموماتها وزيادة للتوقيتات والتجديدات فيها وأمثال ذلك من الأمور.
ثم إنه أراد الله - تعالى - أن يزكي نفوس العرب بنبينا محمد ﷺ ويزكي نفوس سائر العالم بأيدي العرب الأولين (والرعيل الإيماني الأول) فلزم أن تكون مادة شريعته تدور على عادات العرب وتقاليدهم (مما توارثوها من الملة الحنيفية أو انحرفوا عن جادتها في كثير من شئون الحياة) .
الأسباب والمصالح المرعية في الأحكام:
وإذ تأملت وأنعمت النظر في مجوع شرائع الملة الحنفيفة
стр. 46
وأحكامها ولاحظت عادات العرب ورسومهم وتقاليدهم، وتشريعات الرسول الخاتم ﷺ التي هي بمنزلة المصلح والمهذب لها تدرك لكل حكم من أحكامها سبباً من الأسباب وتتوصل في كل أمر ونهي من أوامرها ونواهيها إلى مصلحة مرعية من المصالح، وتفصيل ذلك يطول.
دور التشريعات الإسلامية في إصلاح الملة الحنيفية المحرفة:
وبالجملة فإن العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والأذكار كانت قد تعرضت للإهمال والتساهل العظيم في أدائها والقيام بها، ولاختلاف الناس - لجهل أكثرهم بها وغفلتهم - في مشروعيتها، وتسرب التحريفات الجاهلية إليها فنزل القرآن العظيم وقضى على هذه الفوضى والاختلال، وأقام اعوجاجها وعدلها وسواها.
وكانت الحياة الاجتماعية والعائلية فيها كثير من التقاليد المجحفة والطقوس الجائرة وعوامل البغي والعدوان وهكذا كان شأن الحكم والسياسة من الاختلال والاضطراب والفوضى.
فضبط القرآن العظيم أصول هذه القضايا، وحدد لها حدوداً وشرع لها تشريعات خاصة.
حقيقة الصغائر والكبائر:
ولقد كانت كثير من الكبائر والصغائر راجعة إلى هذا الأصل ومتعلقة بهذا الباب.
стр. 47
القرآن أجمل والسنة فصلت:
وقد جاءت أحكام الصلاة ومسائلها في القرآن العظيم مجملة واستعمل لفظ "الإقامة"، للصلاة، الذي تناوله النبي ﷺ بالتفصيل بالأمر ببناء المساجد والجماعة وبيان المواقيت، كذلك ورددت أحكام الزكاة باختصار وإيجاز، وفصلها النبي ﷺ أيما تفصيل، وجاء ذكر الصوم أيضاً في سورة البقرة، والحج والجهاد والقتال في سورتى البقرة والأنفال ومواضع متفرقة أخرى، وذكر الحدود في سورة المائدة والنور وجاءت المواريث في سورة النساء، وأحكام النكاح والطلاق في سورة البقرة والنساء والطلاق، وغيرها من السور.
قسم آخر من الأحكام في القرآن:
وبعد أن مضى هذا القسم من الأحكام الذي تعم فائدته جميع أفراد الأمة، تذكر قسماً آخر (يتعلق بالحوادث والوقائع الخاصة وإن كان حكمها عاماً) وكانت صور تشريعه كما تلي:
* فتارة كانوا يسألون في حضرة النبي ﷺ عن شيء فيرد النبي ﷺ (فيكون ذلك طريقاً للتشريع) .
стр. 48
* أو تقع حادثة يجود فيها المؤمنون بأنفسهم وأموالهم ويجبن فيها المنافقون ويبخلون، فيمدح الله - تعالى - في كتابه المؤمنين، ويذم المنافقين ويتوعدهم وينذرهم بالعذاب الأليم.
* أو تقع حادثة من حوادث الغلبة على الأعداء وكف عدوانهم وأضرارهم، فيمن الله - تعالى - بذلك على المؤمنين ويذكرهم بنعمته وفضله في كتابه الحكيم.
* أو تحدث حالة من الحالات تقتضي تنبيهاً وزجراً أو إيماءاً وتعريضاً أو أمراً أو نهياً، فينزل الله - تعالى - ما تقتضيه الحال وتستدعيه الأوضاع الخاصة.
فلابد للمفسر من ذكر هذه القصص (التي لا تنكشف معاني الآيات إلا ببيانها) بطريق الإجمال.
بعض الأمثلة من هذه القصص:
فقد وردت التعريضات بقصة غزوة بدر في سورة الأنفال وبقصة أحد في سورة آل عمران، وقصة غزوة الخندق في سورة الأحزاب، وفصة الحديبية في سورة الفتح، وقصة بني النضير تبوك في سورة البراءة، ووردت الإشارة إلى حجة الوداع في سورة المائدة، والإشارة إلى قصة زواج زينب - رضي الله
стр. 49
عنها - في سورة الأحزاب، وقصة تحريم السرية في سورة التحريم، وقصة الإفك في سورة النور، وجاء ذكر استماع وفد الجن تلاوة النبي ﷺ في سورة الجن والأحقاف وقصة مسجد الضرار في سورة البراءة. وقصة الإسراء أول سورة بني إسرائيل.
نوع من التذكير بأيام الله:
وهذا القسم من الآيات الكريمة في حقيقة الأمر نوع من أنواع التذكير بأيام الله ولكن لما أن الكشف عن هذه التعريضات التي تتضمنها هذه الآيات يعتمد على سماع القصة والتعرف على خلفية الحادث لذلك أفرد عن سائر أنواعه وذكر بصورة مميزة.
стр. 50
الباب الثاني
في بيان وجوه الدقة والخفاء في معاني نظم القرآن الكريم وتناسقه بالنسبة لأهل هذا العصر، وإزالتهما بأوضح بيان .
نزول القرآن عربياً مبيناً:
ليعلم أن القرآن العظيم نزل في لغة العرب الأقحاح، اللغة المبينة الواضحة، وفهمه العرب بسليقتهم اللغوية الأصلية وأدركوا مغزاه ومعانيه، قال الله - تعالى -: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وقال - تعالى -: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ إلخ.
موقف الشارع من المتشابهات:
وقد كان من مرمى الشارع الحكيم عدم تاخوض في تأويل المتشابهات القرآنية وتصوير حقتئق الصفات الإلهية، وتسمية المبهمين، واستقصاء القصص والوقائع وأمثال ذلك من الأمور، ولذلك قل سؤال الصحابة ﵃ للرسول ﷺ عن مثل ذلك، ولم يرفع في هذا الباب من الأحاديث إلا شيء قليل.
стр. 51
الحاجة إلى البحث في اللغة والنحو:
ولكن ما مضت تلك الطبقة الأولى من الرعيل الأول وداخل العرب العجم، وذهبت تلك اللغة الأصلية الأولى واستعصى فهم المطالب والمعاني في بعض المواضع، ومست الحاجة إلى التفتيش والبحث في اللغة والنحو، وجرت المناقشات والأسئلة والأجوبة، وصنفت كتب التفسير. لزم أن نستحضر - بصورة إجمالية - هذه المواضع الصعبة، ونبين نماذجها وأمثلتها حتى لا يحتاج عند الخوض فيها إلى بيان مزيد ولا يضطر إلى المبالغة في الكشف عنها وشرحها (عند الترجمة والتفسير)
أسباب صعوبة فهم المراد من الكلام:
- فتارة يصعب التوصل إلى فهم المراد من الكلام لاستعمال لفظة غريبة، ويعالج ذلك بنقل معنى اللفظة عن الصحابة والتابعين وسائر أهل اللغة.
- وتارة أخرى لقلة الإطلاع على الناسخ والمنسوخ.
- وحيناً للغفلة عن أسباب النزول.
- وحيناً آخر بسبب حذف المضاف أو الموصوف أو غيرهما.
- وأحياناً بإبدال شيء، أو إبدال حرف مكان حرف،
стр. 52
أو اسم مكان اسم، أو فعل مكان فعل، أو جمع مكان مفرد أو العكس أو أسلوب الغيبة مكان أسلوب الخطاب.
- وأحياناً لتقديم ما حقه التأخير (من حيث عرف اللغة والنحو) أو العكس.
- وأحياناً بسبب انتشار الضمائر (ورجوعها إلى عدة مراجع) أو تعدد المارد عن اللفظة الواحدة.
- وأحياناً بسبب التكرار والإطناب.
- وأحياناً لأجل الاختصار والإيجاز.
والمجاز العقلي.
فينبغي للإخوة السعداء أن يطلعوا على حقيقة هذه الأمور وبعض أمثلتها في مبدأ البحث، ويكتفوا بالرموز والإشارات في مواضع التفصيل.
стр. 53
الفصل الأول
في بحث غريب القرآن
أفضل الشروح لغريب القرآن:
إن من أفضل الشروح لغريب القرآن الكريم بل أولها بالإطلاق في هذا الباب هو ما أثر وصح عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ عن طريق ابن أبي طلحة وقد اعتمده الإمام البخاري - غالباً - في جامعه الصحيح.
طرق الضحاك ونافع:
ويلي ذلك ما روي عن طريق الضحاك عن عبد الله بن عباس ﵁ وأجوبة ابن عباس ﵁ عن سؤالات نافع بن الأزرق.
وهذه هي الطرق الثلاث التي ذكرها السيوطي في كتابه (الإتقان) .
شرح أئمة التفسير:
ثم يأتي بعد ذلك شرح الغريب الذي نقله الإمام البخاري عن
стр. 54
أئمة التفسير. ويليه ذلك الشرح للغريب الذي روى عن سائر الصحابة والتابعين وأتباعهم.
وأرى من المناسب أن أجمع في الباب الخامس من هذه الرسالة جملة صالحة من شرح غريب القرآن الكريم مع بيان أسباب النزول، وأجعلها رسالة مفردة مستقلة حتى إذا شاء أحد، ضمها إلى هذه الرسالة، وإذا أحب آخر أن يأخذها كرسالة مستقلة فليفعل ذلك، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وليعلم أن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين - يفسرون - أحياناً - بلازم معناه، ويتعقب المفسرون المتأخرون هذا التفسير نظراً إلى تتبع اللغة والفحص عن موارد استعمالها فيها، والغرض المطلوب في هذه الرسالة ذكر تفسيرات السلف وشروحهم للألفاظ الغريبة بنصها وفصها، أما تتقيحها ونقدها فله موضع آخر غير هذا الموضع، "فكل مقام مقال ولكل نكتة مجال".
стр. 55
الفصل الثاني
في مبحث الناسخ والمنسوخ
من المواضع الصعبة في علم التفسير التي تكثر مباحثها، ويكثر الاختلاف فيها، معرفة الناسح والمنسوخ، ومن أقوى وجوه هذه الصعوبة اختلاف الاصطلاح بين المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب.
معنى النسخ عند المتقدمين:
والذي يتضح لنا باستقراء كلام الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين - في هذا الموضوع أنهم كانوا يستعملون "النسخ" بمعناه اللغوي المعروف الذي هو إزالة شيء لا بمعنى مصطلح الأصوليين الخاص.
- فمعنى "النسخ" عندهم إزالة بعض الأوصاف في آية بآية أخرى، سواء كان ذلك بياناً لانتهاء مدة العمل بآية من الآيات الكريمة.
- أو صرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر أو بيان
стр. 56
أن القيد اتفاق وليس احترازياً، أو تخصيصاً للعموم.
- أو بيان الفارق بين المنصوص والمقيس عليه ظاهراً.
- أو إزالة عادة من العادات الجاهلية.
- أو رفع شريعة من الشرائع السابقة.
سعة مجال النسخ عند المتقدمين:
وهكذا اتسع باب النسخ عندهم وتوسعوا في موضوعه، وكان للعقل فيه مجال فسيح، وللاختلاف فيه مكان واسع. ولذلك بلغت الآيات المنسوخة إلى خمسمائة آية، بل إذا حققت النظر تجدها غير محصورة بعدد.
معنى النسخ عن المتأخرين:
أما المنسوخ حسب اصطلاح المتأحرين الأصولين فإنه لا يتجاوز العدد القليل، لا سيما حسب وجهة النظر التي اخترناها.
موقف السيوطي في الإتقان:
وقد ذكر الشيخ جلال الديد السيوطي في كتابه "الإتقان"
- بعد إيراده لما روى عن العلماء في هذا الباب ببسط وتفصيل حسبما يليق بالموضوع - الآيات المنسوخة حسب رأي
стр. 57
المتأخرين موافقاً للشيخ ابن العربي، وعددها قرابة عشرن آية، وللمؤلف في أكثرها نظر. فلنورد كلامه مع التعقيب.
الآيات المنسوخة عند السيوطي وتعقبات المؤلف
(فالآيات التي ذكرها السيوطي وابن العربي هي كما تلي) :
١ - آية الوصية للوارث:
فمن البقرة، قوله - تعالى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية، منسوخة، قبل بآية المواريث، وقيل: بحديث لا وصة لوارث، وقيل بالإجماع، حكاه ابن العربي.
قلت: بل هي منسوخة بآية ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إلخ وحديث "لا وصية لوارث" مبين للنسخ.
٢ - آية الفدية لمن أطاق الصوم:
وقوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قيل منسوخة بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقيل: محكمة، و"لا" مقدرة (قبل "يطيقون"، أي لا يطيقون) .
قلت: عندي وجه آخر، وهو: أن المعنى: وعلى الذين يطيقون الطعام فدية، هي طعام مسكين، فاضمر قبل الذكر،
стр. 58
لأنه متقدم رتبة، وذكر الضمير لأن المراد من الفدية هو الطعام، والمراد منه، صدقة الفطر، عقب الله - تعالى - الأمر بالصيام في هذه الآية بصدقة الفطر، كمنل عقب الآية الثانية بتكبيرات العيد.
٣ - آية حل الرفث ليلة الصيام:
وقوله - تعالى -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ، ناسخة لقوله - تعالى -: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن مقتضاه الموافقة فيما كان عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم، ذكره ابن العربي، وحكى قولاً آخر أنه نسخ لما كان بالنسبة.
قلت: معنى "كما كتب" التشبيه في نفس الوجوب فلا نسخ إنما هو تغير لما كان عندهم قبل الرشع ولم نجد دليلاً على أن النبي ﷺ شرع لهم ذلك، ولو سلم فإنما كان ذلك ثابتاً بالنسة (لا أنه شرعه لهم وأمرهم به) .
٤ - آية القتال في الشهر الحرام:
وقوله - تعالى - يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية، منسوخة بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية. أخرجه ابن جرير عن عطاء بن ميسرة.
قلت: هذه الآية لا تدل على تحريم القتال، بل تدل على
стр. 59
تجويزه، وهي من قبيل تسليم العلة وإطهار المانع، فالمعنى أن القتال في الشهر الحرام كبير شديد ولكن الفتنة أشد منه، فجاز في مقابلتها، وهذا التوجيه ظاهر من سياقها كما لا يخفى.
٥ - آية المتاع إلى الحول:
وقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ منسوخة بالميراث، والسكنى باقية عند قوم. منسوخة عند آخرين بحديث: "لا سكنى إلخ".
قلت: هي كما قال: منسوخة عند جمهور المفسرين ويمكن أن يقال: يستحب أو يجوز للميت الوصية ولا يجب على المرأة أن تسكن في وصيته، وعليه ابن عباس ﵁ وهذا التوجيه ظاهر من الآية.
٦ - آية المحاسبة على الباطن والظاهر:
وقوله - تعالى - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ منسوخة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
قلت: هو من باب تخصيص العام، بينت الآية المتأخرة أن المراد ما في أنفسكم من الإخلاص والنفاق، لا من أحاديث النفس التي لا اختيار فيها، فإن التكليف لا يكون إلا فيما هو في وسع الإنسان.
стр. 60
٧ - ومن آل عمران: آية اتقاء الله حق التقوى:
قوله - تعالى -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾
قيل: إنها منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقيل: لا بل هو محكم، وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية.
قلت: "حق تقاته" في الشرك والكفر وما يرجع إلى الاعتقاد، و"ما استطعتم" في الأعمال، من لم يستطع الوضوء يتيمم، ومن لم يستطع القيام يصلي قاعداً، وهذا التوجيه ظاهر من سياق الآية، وهو قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
٨ - ومن سورة النشاء: آية الإيتاء للموالي: د
قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ .
قلت ظاهر الآية، أن الميراث للموالي والبر والصلة لمولي الموالاة، فلا نسخ.
٩ - آية إيتاء اليتامى والمساكين من الميراث:
وقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾
стр. 61
إلخ. قيل: منسوخة، وقيل: لا ولكن تهاون الناس في العمل بها.
قلت: قال ابن عباس ﵁: هي محكمة، والأمر للاستحباب، وهذا أظهر.
١٠ - آية التعزيز لمرتكبات الفواحش:
وقوله - تعالى -: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية. منسوخة بآية النور.
قلت: لا نسخ في ذلك. بل هو ممتد إلى الغاية فلما جاءت الغاية، بين النبي ﷺ أن السبيل الموعود كذا وكذا، فلا نسخ.
١١ - ومن المائدة: آية النهي عن إحلال الشهر الحرام:
قوله - تعالى -: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ إلخ منسوخة بإباحة القتال فيه.
قلت: لا نجد في القرآن ناسخاً له ولا في السنة الصحيحة ولكن المعنى: أن القتال المحرم يكون في الشهر الحرام أشد تغليطاً كما قال النبي ﷺ في الخطبة، "دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
стр. 62
١٢ - آية الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم:
وقوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخة بقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
قلت: معناه: إن اخترت الحكم فاحكم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم.
فالحاصل أنه لنا أن نترك أهل الذمة أن يرفعوا القضية إلى زعمائهم، فيحكموا بما عندهم، ولنا أن نحكم بما أنزل الله علينا.
١٣ - آية حمل الشهادة عن الميت في الغربة:
وقوله - تعالى -: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلخ. منسوخ بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .
قلت: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أو آخران من غير أقاربكم، فيكونون من سائر المسلمين.
١٤ - ومن الأنفال: آية مغالبة المسلم الواحد العشرة من الكفار:
قوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآية منسوخة بالآية بعدها.
стр. 63
قلت: كما قال: مسنوخة.
١٥ - ومن البرءاة: آية الأمر بالنفر خفافاً وثقالاً:
قوله - تعالى -: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية. منسوخة بآيات العذر، وهو قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية. وقوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآيتين.
قلت: خفافاً أي مع أقل ما يتأتى به الجهاد من مركوب وعبد للخدمة، ونفقة يقنع بها. وثقالاً: مع الخدم الكثير، والمركب الكثير فلا نسخ، أو نقول: ليس النسخ متعيناً.
١٦ - ومن سورة النور: آية استقباح نكاح الزانية:
قوله - تعالى -: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية، منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ .
قلت: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أن مرتكب ليس بكفوء إلا للزانية، أو لا يستحب اختيار الزانية، وقوله - تعالى - ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الزنا والشرك، فلا نسخ وأما قوله - تعالى - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ فعام لا ينسخ الخاص.
стр. 64
١٧ - آية الأمر للعبد والخدم بالاستيذان:
وقوله - تعالى -: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية منسوخة، وقيل: لا ولكن تهاون الناس في العمل بها.
قلت: مذهب ابن عباس ﵄ أنها ليست بمنسوخة، وهذا أوجه وأولى بالاعتماد.
١٨ - ومن الأحزاب آية عدم حل النساء للنبي ﷺ بعد أزواجه:
قوله - تعالى - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية، منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية.
قلت: يحتمل أن يكون الناسخ مقدماً في التلاوة وهو الأظهر عندي.
١٩ - ومن المجادلة: آية الأمر بإيتاء الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ :
قوله - تعالى -: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ الآية. منسوخة بالآية بعدها.
стр. 65
٢٠ - ومن الممتحنة: آية المبادلة بين مهور الأزواج:
قوله - تعالى -: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ قبل: منسوخ بآية السيف، وقيل: بآية الغنيمة. وقيل: محكم.
قلت: الأظهر أنه محكم، ولكن الحكم في الهادنة وعند قوة الكفار.
١٢ - ومن المزمل: آية الأمر بقيام الليل:
قوله - تعالى -: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ منسوخ بآخر السورة، ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس.
قلت: دعوى النسخ بالصلوات الخمس غير متجهة بل الحق أن أول السورة في تأكيد الندب إلى قيام الليل وآخرها نسخ التأكيد إلى مجرد الندب.
قال السيوطي موافقاً لابن العربي: فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف في بعضها، ولا يصح دعوى النسخ في غيرها والأصح في آية الاستيذان والقسمة، الإحكام وعدم النسخ، فصارت تسعة عشر.
قلت: ما حررته لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات.
стр. 66
الفصل الثالث في
أسباب النزول
صعوبة موضوع أسباب النزول:
ومن المواضيع الصعبة أيضاً معرفة أسباب النزول، ووجه الصعوبة في هذا الباب كذلك اختلاف المتقدمين والمتأخرين فيها.
معنى نزلت في كذا:
وما يستفاد من استقراء كلام الصحابة والتابعين ﵃ أنهم لا يقولون "نزلت في كذا" لمجرد بيان الحديث الذي وقع في عهد النبي ﷺ وكان سبباً لنزول تلك الآية:
بل إنهم يستعملون هذا التعبير أحياناً لبيان ما تنطبق عليه الآية وتصدق عليه مما حدث في عهد النبي ﷺ أو بعده (فهو بيان لصورة من الصور التي تصدق عيلها الآية) فيقولون عند ذاك "نزلت في كذا" ولا يلزم في مثل هذا الموضع أن
стр. 67
تنطبق جميع القيود الواردة في الآية على الحادث، بل يكفي أن ينطبق أصل الحكم الوارد فيها.
وتارة يكون قد أورد بعض الصحابة ﵃ في حضرته ﷺ سؤالاً. أو يقع حادث في عهد النبي ﷺ ويكون هو ﷺ قد استنبط حكمه من آية من الآيات وتلاها عليهم في ذلك الباب، فيحكون هذا الحادث ويقولون "نزلت الآية في كذا" وتارة يقولون عند ذلك "فأنزل الله - تعالى - قول كذا" أو "فنزلت كذا". وإذا عبر أحد عن ذلك بتكرار نزول الآية فله كذلك مساغ.
روايات المحدثين التي لا علاقة لها بأسباب النزول:
ويورد المحدثون في هذا الباب أشياء كثيرة ضمن الآيات القرآنية لا علاقة لها بأسباب النزول مثل: استشهاد الصحابة ﵃ بآية من الآيات القرآنية في مناظراتهم. أو تمثلهم بىية، أو تلاوة النبي ﷺ آية من الآيات للاستشهاد على كلامه، أو رواية حديث يوافق الآية في أصل غرضها وفحواها أو في تعيين موضع نزولها، أو تحديد أسماء المذكورين فيها بصورة مبهمة، أو بيان طريق التلفظ بكلمة قرآنية، أو في فضل الآيات والسور، أو بيان طريقة امتثال النبي ﷺ لأمر من أوامر القرآن الكريم.
стр. 68
وكل هذه - في الحقيقة - ليست من أسباب النزول في شيء وليس من شروط المفسر استيعابها والإحاطة بها.
شروط المفسر في باب أسباب النزول:
إنما يشترط على المفسر في هذا الباب معرفة شيئين:
١ - معرفة تلك القصص التي تتضمن الآيات الكريمة التعريض بها فإن فهم إيماء هذه الآيات وإشارتها لا يتيسر إلا بمعرفة تلك القصص.
٢ - الثاني: معرفة تلك القصة التي تفيد التخصيص للعام وأمثال ذلك مما يصرف فيه الكلام عن ظاهره المتبادر منه إذ أن فهم مقاصد الآيات ومراميها لا يتأتى بدون ذلك.
أكثر قصص الأنبياء السابقين من روايات أهل الكتاب:
وينبغي أن يعلم هنا، أن قصص الأنبياء السابقين لم تذكر في الأحاديث الصحيحة إلا قليلاً، وأن هذه القصص الطويلة العريضة التي يتجشم روايتها المفسرون، ويحكونها في تفاسيرهم كلها منقولة عن أهل الكتاب إلا ما شاء الله - تعالى -.
وقد جاء في صحيح البخاري: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم".
стр. 69
معان أخرى لقولهم "نزلت في كذا":
وليعلم أيضاً، أن الصحابة والتابعين ﵃ أجميعن - كانوا يحكون - أحياناً - قصة جزئية لبيان مذاهب المشركين واليهود وعاداتهم الجاهلية حتى تتضح عقائدهم وتتجلى عاداتهم هذه في ضوء الوقائع والقصص، ويقولون في ذلك "نزلت الآية في كذا" ويريدون بذلك أن الآية نزلت في زمن قريب من هذه الوقائع، فيريدون إبراز هذه الصورة لا تخصيصها، بل إن هذه الحادثة صورة صادقة للأمور الكلية.
سبب اختلاف أقوال الصحابة والتابعين في هذا الباب:
ولأجل ذلك كثيراً ما تختلف أقوالهم، وتتنازع تعبيراتهم رغم أن قصدهم واحد، وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء ﵁ حين قال: "لا يكون الرجل فقيهاً حتى يحمل الآية الواحدة على محامل متعددة".
أسلوب القرآن الكريم في بيان جوانب الشر والخير:
وعلى هذا يكثر في أسلوب القرآن العظيم أنه يعرض صورتين، صورة سعيدة ويذكر معها بعض خلال السعادة، وصورة شقي ويذكر معها بعض صفات الشقاوة، ولا يكون الغرض من عرضها إلا بيان أحكام هذه الخلال والصفات
стр. 70
والأعمال لا التعريض بشخص معين من الأشخاص، قال - تعالى -:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ إلخ.
ثم ذكر بعد ذلك صورتين لفريقين صورة سعيد وصورة شقي.
كذلك قوله - تعالى - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقوله - تعالى - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ .
وهكذا ينبغي أن تحمل الآيات التالية على هذا المعنى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ الآية، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيات.
ولا يلزم في هذه الصورة أن تتوفر جميع الخصوصيات ذاتها في شخص خاص كما أن في قوله - تعالى -: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ ألاية، لا يلزم أن توجد حبة بهذه الصفة بعينها، إنما الغرض هنا هو تصوير زيادة الأجر والثواب ليس غير، فإذا وجدت صورة
стр. 71
توافق هذا الوصف في أكثر خصائصه أو في كلها فهو من قبيل، "لزوم ما لا يلزم".
عرض بعض الآيات في صورة السؤال والجواب:
وفي بعض الأحيان يأتي رد على شبهة ظاهرة الورود أو جواب لسؤال قريب الفهم ويكون الغرض إيضاح الكلام السابق، لا أن أحداً وجه هذا السؤال بعينه أو أورد هذه الشبهة بعينها، وكثيراً ما يفترض الصحابة ﵃ في مثل هذه المواضع سؤالا وجواباً، ويشرحون الكلام في صورة السؤال والجواب، والحقيقة أننا إذا تأملنا ودققنا النظر نجد الكلام كله مستقيما مترابطاً لا يحتمل نزول منه بعد شيء في فترات متقطعة، بل هو كلام منتظم، لا تحل عراه ولا تفك قيوده على أي أصل من الأصول.
التقدم والتأخر الرتبي:
وأحيانا يذكر الصحابة ﵃ التقديم والتأخير في بعض الآيات، ومرادهم بذلك هو التقدم والتأخير الرتبي كما قال ابن عمر ﵁ في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلخ الآية "هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله - تعالى - طهوراً للأموال".
فمن المعلوم أن سورة البراءة آخر سورة نزلت وجاءت
стр. 72
هذه الآية في تضاعيف القصص المتأخرة وقد كانت فرضية الزكاة قبلها بأعوام، فمراد ابن عمر ﵄ هو تقدم الإجمال رتبة لا نزولا على التفصيل الذي هو متأخر رتبة وإن كان متقدما نزولا.
وبالجملة فإن شروط المفسر في هذا الباب لا تتجاوز هذين الأمرين.
أولهما قصص الغزوات وغيرها التي ترد فيها الإيماءات إلى خصوصيات القصص والأحداث بحيث لا تفهم الآيات إلا في ضوء الإطلاع عليها.
والثاني: الإطلاع على فائدة بعض القيود وأسباب التشديد والتأكيد في بعض المواضع التي تتوقف معرفة حقيقتها على معرفة أسباب النزول. وهذا المبحث الأخير هو في الأصل فن من فنون التوجيه.
فن التوجيه:
ويراد بالتوجيه بيان وجه الكلام ومعناه وحاصل هذه الكلمة أنه:
- قد تقع أحيانا في الآية شبهة ظاهرة لاستبعاد تلك الصورة التي تدل عليها الآية.
стр. 73
- أو يبدو - في ظاهر الأمر - تناقض وتعارض في مفهود الآية.
- أو يصعب فهم مدلول الآية على ذهن المبتدئ.
- أو لا تتمكن من ذهنه فائدة قيد القيود.
فإذا قام المفسر بحل هذه الإشكالات اعتبر ذلك "توجيهاً".
أمثلة للتوجيه:
مثال ذلك قوله - تعالى - على لسان بني إسرائيل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ إلخ الآية.
فقد ورد هنا سؤال، وهو أن المدة بين موسى وعيسى ﵉ مدة طويلة، فكيف أمكن أن يكون هارون أخا لمريم؟
كأن السائل كان قد أضمر في نفسه أن هارون هذا الذي ذكر هنا هو هارون أخو موسى ﵉ فأجاب النبي ﷺ بأن بني إسرائيل كانوا يسمون بأسماء الصالحين من الماضين (فهارون ليس شخصاً واحداً، بل هارون أخو مريم غير هارون أخى موسى ﵉) .
- وكذلك لما سألوا رسول الله ﷺ كيف يمشي
стр. 74
الإنسان يوم الحشر على وجهه، قال ﷺ :
"إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه لقادر أن يمشيه على وجهه".
- وهكذا لما سألوا ابن عباس ﵄ عن الآية التي يقول الله - تعالى - فيها: ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ وعن الآية التي يقول الله - تعالى - فيها: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ الآية.
كيف يمكن التطبيق بين الآيتين؟
قال: عدم التساؤل في يوم الحشر والتساؤل بعد الدخول في الجنة.
- وسألوا عائشة ﵂:
إذا كان السعي بين الصفا والمروة واجبا فلماذا قال الله - تعالى -: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ الآية.
قالت ﵂ كان الناس يتجنبون ذلك ويتحرجون منه فلذلك قيل: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ .
- وسأل عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله ﷺ ما معنى قيد ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ في قوله - تعالى -:
стр. 75
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية فقال ﷺ "صدقة تصدق الله بها عليكم" أي أن الكرماء لا يضايقون في الصدقة، كذلك الرب ﵎ لم يذكر هذا القيد للتضييق، بل إنما ورد القيد اتفاقاً. وأمثلة التوجيه كثيرة، والغرض هنا التنبيه على معناه والمقصود منه.
تنقيح أسباب النزول وتوجيه المشكل من تفسيرات البخاري والترمذي والحاكم:
ويحلو لي أن أنقل في الباب الخامس من تفسيرات البخاري والترمذي والحاكم ما يتعلق بأسباب النزول وتوجيه المشكل مما رووه بأسانيدهم إلى الصحابة ﵃ وإلى الرسول ﷺ بتنقيح وتهذيب واختصار لفائدتين مهمتين.
أولاهما: أن استخصار هذا القدر من الآثار والروايات لابد منه لكل مفسر مثل شرح غريب القرآن، لابد للمفسر من حفظ القدر الذي ذكرناه منه فيما تقدم.
الثانية: أن يعلم أنه لا دخل لأكثر ما يروى من أسباب النزول في فهم معاني الآيات الكريمة اللهم إلا شيء قليل من القصص والروايات التي وردت في هذه التفاسير الثلاثة التي هي أصح التفاسير لدى المحدثين.
следующие страницы →