← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9969

أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع

عبد الرحمن النحلاوي

Полный текст (233 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... تقديم: الكتابإلى الطفولة الضائعة في هذا العصر قد يتساءل القارئ لماذا اختار المؤلف هذا العنوان لتقديم كتابه، مع أن المشهور عن القرن العشرين أنه عصر النور والعلم، وأن العلوم الإنسانية ومن بينها التربية، قد نالت حظا وافرا من اهتمام العلماء، وفلاسفة التربية!! بيد أن الضياع كثيرا ما ينشأ عن المبالغة في الحرص، وهذا ما حصل بالفعل، فلقد أدت مبالغة معظم فلاسفة التربية الحديثة ومؤسسيها، في العناية بالطفولة، إلى استطالتها، كمرحلة من مراحل تطور الإنسان، فمكث الناشئ وراء حدودها ردحا من الزمن لا يتجاوزها، وقد فقد الدوافع التي كانت تحفزه للتشوق إلى المستقبل، وتجعله يعتز بمعاني الرجولة والقوة، تلك المعاني الكامنة في نفس كل طفل، والتي أقام عليها العالم النفسي آدلر مدرسة نفسية، أو فرعا من فروع علم النفس سمي "علم النفس الفردي"، أرجع فيه كل النشاط النفسي إلى هذه النزعة: "نزعة القوة والتغلب على الصعوبات ... ". ولكن يبدو أن "ظاهر الإباحة والتدليل" هي من أهم النتائج التي أسفرت عنها مبالغة "التربية الحديثة" في رعاية الطفولة، وقد برزت هذه الظاهرة في أمريكا بشكل واضح حيث وصفها الباحث النفسي الأمريكي "بنجامين سبوك"١، حين قال: "أعرف سيدة تدير محلا لبيع ملابس الأطفال، أخبرتني عن موقف يحدث مرارا وتكرارا في عملها، ثمة أم تحضر إلى المتجر تصحب طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات أو أربعا، فإذا أعجبها طراز السراويل الموجودة توجهت إلى ابنها بالسؤال: شارلي: أفلا تظن أنك تحتاج إلى سراويل جديدة؟ فإذا آثر الصبي أن يقول: "كلا"، فإنها تبدأ خطوة في العمل على إقناعه بأنه

стр. 2

يحتاج حقا إلى سراويل جديدة، فإذا وافق فإنها تسأله: أتحب هذه؟ وهي لا بد أن تحول إقناعه بأنه يفضلها؛ لأنه هذا هو النوع الوحيد الموجود". ويعلق الطبيب النفسي بنجامين سيوك على هذا بقوله: "إنه مما يحير الطفل الصغير أن نعرض عليه حشدا من الاختبارات التي لا تخدم أي غرض نافع، ويقينا فإنه مما يأتي بعكس المقصود، أن نشجعه على الاختيار من أبدال إذا كنا نجحده نصفها". ويتساءل د. سبوك عن السبب: أهو قناعة تربوية؟ ثم يقرر بأنه: "عادة من عادات الذهول "اللاشعور"، وقعت الأم في أسرها"، ويقول: "ولكن وراء العادة في كثير من الحالات، يمكن في قرارة نفس الأم خوف غامض يساورها بأنها تخشى أن تفرض إرادتها عليه "أي على طفلها" فرضا قويا، ولعلها، إذا سئلت فإنها ربما تقول: إنها لا تريد أن تكتم شخصيته وتخمد ذاتيته، وأنها لا تريد أن تجعله ينفر من سلطتها، ويستاء منها". ونحن نلمح في ثنايا هذا الكلام خوف الأم الأمريكية من مخالفة الآراء التربوية التي أصبحت عواطف لا شعورية تكمن في قرارة نفسها، ولكن نتائج هذا الوازع التربوي، "الذي أصبح خوفا لا شعوريا"، كانت وخيمة على الجيل الأمريكي، يدلنا على ذل قول بنجامين سبوك: "وعندي أن هذا التردد والتذبذب في تربية الأطفال، وهذه المراعاة الوجلة القلقة لرغباتهم ونزواتهم، تعتبر إحدى النواحي لما يشار إليه عادة بـ"ظاهرة التدليل أو الإباحة"، وهي غالبا ما تواكب النزعة إلى السماح للأطفال بأن يكونوا غير مهذبين، وعصاة لآبائهم وأمهاتهم، أو نائحين شارقين بالدمع لأقل إثارة، أو مهملين فيما يخصم من أشياء، أو فيما يمتلكه الغير أو شديدي الهياج والعدوان، والإثارة في لعبهم ولهوهم". ولنقف عند هذا الحد مما نقله لنا عالم متزن من علماء النفس الأمريكيين، ولنربط بين هذه الظواهر التربوية، وبين ما نتج عنها بما نسمعه من جرائم الأحداث

стр. 3

وتعاطيهم المخدرات، ومن تدخين جماعي في معسكرات الأطفال، في بعض دول أوروبا، ومقاطعات أمريكا، ومن جرائم جنسية يندى لها الجبين. ولنسأل أنفسنا أي ضياع للأطفال، والطفولة يفوق هذا الضياع؟.. اللهم إلا أن يكون ضياع الأطفال غير الشرعيين، وهو بلاء آخر من ثمرات هذا العصر، فقد بلغ عدد هؤلاء في أوائل الخمسينات نصف مليون في إنكلترا وحدها، نصف مليون من الناقمين على الحياة، وعلى المجتمع الذي تركهم قلقين تائهين، لا يعرفون لهم أصلا، ولا انتماء ولا أهلًا. فأين يجد هؤلاء العطف والتقدير، وكيف نطلب منهم الجود بعطف حرموه في طفولتهم، أو إبداء خلق لم تقدمه لهم تربية الملاجئ ودور الأيتام، أو صدقات المحسنين، ومن ضياع الطفولة عامة يبدو لضياع الإناث من الأطفال أهمية خاصة: فهنا تفقد الطفلة أنوثتها المستقبلية، فيضيع انضباط العلاقات الجنسية، فضلا عن تكليفها فوق طاقتها، ووضعها في مواضع منافية لفطرتها، وبالنتيجة بنهار بناء الأسرة بانهيار ربتها، وحرمان الأبناء من حسن تربية الأمهات. ذلك أن التربية الحديثة لم تحترم أنوثة المرأة، وما هيأتها إلا كما هيأت الرجل تماما، للمعامل والوظائف، والخدمات العامة، مع إغرائها بمنافسة الرجل في كل الميادين، وجميع ظروف الحياة. وكانت النتيجة لهذه التربيسة المنحرفة، ولقيام المرأة بأعمال الرجل، ومخالطته في كل عمل، من غير ضابط لمشاعر الجنس، ولا وازع يمنع من ابتذالها، أن ابتذلت المرأة واختفت أنوثتها، وخشن جسدها وغلظ صوتها، وفقدت رقتها المعنوية، فلم يعد الرجل يجد في المرأة ما يشده إليها مع ما يعاني من دوافع غريزي يدعوه إلى إرضائه بأي شكل، وهكذا أراد مخططو انهيار البشرية، وهكذا أطاعت المرأة، واندفعت متعامية وراء الهوى، وهكذا اشترك الجميع في مؤامرة تخريب الجنس البشري، والعلاقات الاجتماعية.

стр. 4

"ولك الآن يا أخي القاريء أن تعلل سر ظهور اللواط في بعض المجتمعات الأوروبية كالمجتمع الإنجليزي الذي أضاعت في المرأة أنوثتها، ففقدت بذلك قيمتها كمطلب سام، فاستغنى الرجال عنها بالرجال، وظهر الانحراف الجنسي وتفشى، وضاع المجتمع البريطاني، المجتمع الذي سيطر على بحار الدنيا في يوم من الأيام، لتصبح بريطانيا من الدرجة الثانية، ومن يدري فقد تصبح من الدرجة الثالثة، ثم الرابعة١. كذلك من شأن هذه التربية المنحرفة، أعني إعداد الطفلة للاشتغال بأعمال الرجال، وإغراءها بذلك حتى يصبح مثلها الأعلى، أن يقلل عدد النساء المتصفات بالأنوثة الحقة، ويبرز دور الغانيات والمومسات في ملء الفراغ الحادث، ويزيد الطلب عليهم من الرجال حتى يرفعهن المجتمع لمرتبة القديسات، في الوقت الذي تضيع فيه القيمة الحقيقية للمرأة عموما، وهو ما أكد التاريخ حدوثه عند بداية انحدار اليونانيين من قمة حضارتهم، وذلك بعد تحرير المرأة بشكل يشبه دعوة هذا العصر، فانحلت الأسرة، وانطلق الشيطان سعيدا إذا عبد الناس شهواتهم، وانتصرت الغريزة، والدعارة على حسابها. ولو حاولنا أن نستمر في تعداد مظاهر "الطفولة الضائعة"، وتوقع ما سيترتب عليها في هذا العصر لاحتجنا إلى مجلدات.. ولكن يكفي هذه الأمثلة أن ندرك أن هذه النظم التربوية لم تكن لتؤدي إلى خير الإنسانية وفلاحها، ما دامت قد بنيت على أسس فكرية، وعقائدية زائفة لا تنسجم مع الفطرة السليمة، ولا مع التفكير المنطقي الصحيح، ولما كانت تلك النظم قد انتشرت في عالمنا الإسلامي، وتمكنت من نفوس الشباب والمربين، وعقولهم وأخذت ثمراتها المرة تظهر لنا في الجيل الناشئ الذي فقد القوة والثقة بنفسه، ومال للانحدار والضياع الكاملين، فقد شعر الغيورون على مصلحة هذه الأمة بضرورة وضع منهج موضوعي حي، وفعال للتربية الإسلامية الحقة، عسى أن يرأب الصدع، ويسد الفراغ الذي يحسه الشباب المسلم في دوامة

стр. 5

المدارس التربوية المختلفة، إذ لا يجد نفسه ولا عقيدته فيها، ويضعف تماسك شخصيته الإسلامية، وهو يدور في فلكها، وليعلم شبابنا الذين ذاقوا وبال التربية الحديثة، وما زالوا متعلقين ببهرجها، ومنهم من يتعبد في محرابها "كحالهم في كل ما هو مستورد أجنبي الوجه، واليد واللسان" ليعلم كل هؤلاء أن دونهم والنبع ضربة معول، وأن في ديننا الإسلامي، "لو يعلمون"، أسسا وأصولا لخير مدرسة تربوية عرفتها البشرية أو ستعرفها. وبعد، فإنني أشكر الله أولًا: أن أتاح لي تدريس هذه المادة: "أصول التربية الإسلامية" في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض كما أشكر العاملين بإخلاص في هذه الجامعة، والذين كان لتقديرهم لأهمية هذه المادة، وإقرارهم بضرورة تدريسها أثر طيب. وأخص بالشكر أخي في الله الأستاذ "عبد الرحمن الباني" الذي ساهم بهذا المجهود المتواضع بما قدمه لي من معلومات قيمة، ومراجع مفيدة ساعدت على إخراج هذا الكتاب بإذن الله، محققا روح المنهج المذكور وأهدافه. وقد ضمنته موضوعات ضافية وشروحا وافية، فلم أتقيد حرفيا بمنهج معين، بل جعلته كتابا علميا يحقق هدفه الذي يوحي به اسمه وعنوانه، ويؤدي إلى الأخذ بيد المربين للنهوض بهذا الجيل، وليستعد مجد أمته، وذلك بتحقيق منهج التربية الإسلامية في أنفسهم ومجتمعهم. ولقد عقدت مقارانات مفيدة بين بعض خصائص التربية الإسلامية، أو أهدافها أو أساليبه، ا وبين ما اتخذته التربية الغربية من أهداف، أو اتسمت به من خصائص، وأساليب ليكون شبابنا الجامعي، ومربو أجيالنا على بينة من حقيقة التربية الإسلامية وميزاتها، واطلاع مبدئي على ما يحيط بهم في العالم من نظر وأساليب تربوية، قد أخذت بتلابيب معظم الطلاب، والأساتذة والباحثين في التربية، فاستولت مفاهيمها

стр. 6

على مداركهم، حتى ظنهوا أن أي أسلوب، أو نظام تربوي يجب أن يصدر من قريب، أو بعيد عن تلك النظم، والأساليب الغربية. ولعله ليس بعيدا عنا ذلك اليوم الذي ستغدو فيه التربية الإسلامية منقذة للطفولة الضائعة، والبشرية المتردية إن شاء الله، وهذا الكتاب إن هو إلا غرسة قد لا نجد الآن ثمارها عاجلا، وإن كنا متأكدين من أنها سوف: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ١٤/ ٢٥] ، فهي فرع من الشجرة الطيبة التي وصفها الله تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾ [إبراهيم: ١٤/ ٢٤] . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المؤلف.

стр. 7

المحتوى: الصفحة الموضوع ٥٥ أولا: أثر الشريعة في تربية الفكر ٥٨ ثانيا: أثر الشريعة في تربية الخلق ٦٠ ثالثا: الضروريات الخمس ٦٥ رابعا: العقيدة الإسلامية وأثرها التربوي ٦٧ أركان الإيمان ٨٨ الفصل الرابع: غاية التربية الإسلامية وأهدافها ٨٨ أولا: معنى الهدف ٨٩ ثانيا: أهمية تعيين الهدف وتحديده ٨٩ ثالثا: هدف التربية الإسلامية ١٠١ رابعا: التربية الإسلامية والمواطنة الصالحة ١٠٢ خامسا: التربية الإسلامية، وهدف كسب الرزق ١٠٣ سادسا: مميزات هدف التربية الإسلامية ١٠٥ سابعا: أهمية التربية الدينية في تحقيق هدف التربية الإسلامية ١٠٨ الفصل الخامس: وسائط التربية الإسلامية ١٠٨ أولا: المسجد وأثره التربوي ١٠٨ ١- تمهيد في وظائف المسجد ١٠٩ ٢- الوظيفة التربوية للمسجد ١٠٩ ٣- الوظيفة الاجتماعية للمسجد ١٠٩ ٤- أثر المسجد التربوي، والاجتماعي في حياة الأمة ١١١ ثانيا: الأسرة المسلمة ومهمتها التربوية ١١١ ١- إقامة حدود الله ١١١ - الأثر التربوي لتحقيق هذا الهدف

стр. 8

الصفحة الموضوع ٥٥ أولا: أثر الشريعة في تربية الفكر ٥٨ ثانيا: أثر الشريعة في تربية الخلق ٦٠ ثالثا: الضروريات الخمس ٦٥ رابعا: العقيدة الإسلامية وأثرها التربوي ٦٧ أركان الإيمان ٨٨ الفصل الرابع: غاية التربية الإسلامية وأهدافها ٨٨ أولا: معنى الهدف ٨٩ ثانيا: أهمية تعيين الهدف وتحديده ٨٩ ثالثا: هدف التربية الإسلامية ١٠١ رابعا: التربية الإسلامية والمواطنة الصالحة ١٠٢ خامسا: التربية الإسلامية، وهدف كسب الرزق ١٠٣ سادسا: مميزات هدف التربية الإسلامية ١٠٥ سابعا: أهمية التربية الدينية في تحقيق هدف التربية الإسلامية ١٠٨ الفصل الخامس: وسائط التربية الإسلامية ١٠٨ أولا: المسجد وأثره التربوي ١٠٨ ١- تمهيد في وظائف المسجد ١٠٩ ٢- الوظيفة التربوية للمسجد ١٠٩ ٣- الوظيفة الاجتماعية للمسجد ١٠٩ ٤- أثر المسجد التربوي، والاجتماعي في حياة الأمة ١١١ ثانيا: الأسرة المسلمة ومهمتها التربوية ١١١ ١- إقامة حدود الله ١١١ ٢- الأثر التربوي لتحقيق هذا الهدف

стр. 9

الصفحة الموضوع ١١٢ ٣- تحقيق السكون النفسي والطمأنينة ١١٢ ٤- تحقيق أمر رسول الله ﷺ بإنجاب النسل المؤمن الصالح ١١٢ ٥- إرواء الحاجة إلى المحبة عند الأطفال ١١٤ ٦- صون فطرة الطفل عن الزلل والانحراف ١١٦ ثالثا: المدرسة في التربية الإسلامية ١١٦ ١- تمهيد في أهمية المدرسة ونشأتها ١١٨ ٢- المدرسة في عصر الرسول ﷺ ١١٩ ٣- المدارس في العصر العباسي المتأخر ١٢٠ ٤- المدرسة المعاصرة ١٢٢ ٥- وظائف المدرسة الحديثة: ١٢٢ أ- وظيفة التبسيط والتلخيص ١٢٤ ب- وظيفة التصفية والتطهير ١٢٥ ج- توسيع آفاق الناشئ، وزيادة خبراته بنقل التراث ١٢٩ د- وظيفة الصهر والتوحيد، وإيجاد التجانس، والتأليف بين الناشئين ١٣١ هـ- وظيفة تنسيق الجهود التربوية المختلفة وتصحيحها ١٣١ و التكميل لمهمة المنزل التربوية ١٣٩ رابعا: المربي المسلم ١٣٩ ١- حول أهمية المربي ١٤٠ ٢- صفات المربي المسلم وشروطه ١٤٤ خامسا: المجتمع ومسئوليته التربوية ١٥٠ سادسا: النشاط المدرسي والتربية الإسلامية ١٥٦ سابعا: المنهج التربوي الإسلامي وخصائصه

стр. 10

الصفحة الموضوع ١٦٦ الفصل السادس: أساليب التربية الإسلامية ١٦٧ أولا: التربية بالحوار القرآني والنبوي ١٦٨ ١- الحوار الخطابي أو التعبدي ١٧٧ ٢- الحوار الوصفي وآثاره التربوية ١٧٩ ٣- الحوار القصصي: تعريفه وأمثلته ١٨١ ٤- الحوار الجدلي لإثبات الحجة ١٨٤ ٥- الحوار النبوي ١٨٨ ثانيا: التربية بالقصص القرآني والنبوي ١٨٩ ١- الميزات التربوية للقصص القرآني والنبوي ١٩٠ ٢- القصص النبوي مميزاته، وأغراضه وأنواعه ١٩٨ ثالثا: التربية بضرب الأمثال ٢٠٥ رابعا: التربية بالقدوة ٢١١ خامسا: التربية بالممارسة والعمل ٢١٩ سادسا: التربية بالعبرة والموعظة ٢١٩ ١- التربية بالعبرة ٢٢٦ ٢- التربية بالموعظة ٢٣٠ سابعا: التربية بالترغيب والترهيب

стр. 11

الفصل الأول: الإسلام والتربية أولا- التربية الإسلامية هي العلاج: تعاني الإنسانية اليوم من ضياع الطفولة: إما بسبب المبالغة في الإباحة والتدليل، وانعدام الضوابط في معاملة الأطفال، وأما بسبب الإفراط في الشهوات وانعدام ضوابط الغرائز، انعداما أضاع ملايين الأطفال غير الشرعيين، وإما بسبب الإفراط في ابتذال المرأة إفراطا جعلها تخالط الرجال في كل شيء، فتفقد أنوثتها ومكانتها الأولى في تربية الأطفال، ومن كل ذلك نشأ تفكك بنيان الأسرة، وضاعت الطفولة، كما ضاعت الأنوثة والرجولة جميعا، وأصبحت الإنسانية تعيش في بؤس وتيه وشقاء. وكان للتربية الغربية الحديثة نصيب لا يستهان به من المسئولية عن هذا الضياع والبؤس والشقاء، لذلك لا يجد العاقل بدا من البحث عن بديل لها. والإسلام يقدم لنا منهجا تربويا متكاملا، سنستقرئه من منابعه إلى أسسه، إلى أساليبه ووسائله، وقضاياه التي يطرحها على الإنسانية، إلى تاريخه وأراء أعلام المربين في إطاره؛ وسنعرض ذلك إن شاء الله عرضا علميا موضوعيا، مؤيدا بالبراهين والوقائع، راجين أن تجد الإنسانية في ذلك علاجا شافيا لمشكلاتها، وأن تكون الحكومات، والشعوب العربية والإسلامية هي السباقة للأخذ بهذا العلاج، لتقدم لنفسها أسباب النصر، والعزة والسعادة، وللإنسانية برهانا تربويا ناصعا، يدلها على طريق الخلاص، والله نسأل أن ينفع بهذه الدراسة. ولكي يكون بحثنا علميا منهجيا، لا بد من إيضاح معاني الألفاظ، والمصطلحات الأساسية التي نستعملها؛ لأن التباس هذه المعاني يؤدي إلى الخطأ في فهم جميع ما يبنى عليها، والناس اليوم يختلفون في فهم أوسع الألفاظ شمولا كالدين، والتربية، والإسلام، والرب، والإله. وسنعتمد في ذلك على اللغة العربية، والقرآن الكريم؛ لأنه هو المصدر الأول الذي استقيت منه، وتستقي أسس التربية الإسلامية؛ ولأنه نزل بلسان عربي مبين، وسنبدأ بتعريف التربية في اللغة، ثم في عرف بعض علماء الإسلام.

стр. 12

ثانيا: مفهوم التربية إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية، وجدنا لكلمة التربية أصولا لغوية ثلاثة: الأصل الأول: ربا يربو بمعنى زاد ونما، وفي هذا المعنى نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠/ ٣٩] . الأصل الثاني: ربى يربى على وزن خفي يخفى، ومعناها: نشأ وترعرع. وعليه قول ابن الأعرابي: فمن يك سائلا عني فإني ... بمكة منزلي وبها ربيت الأصل الثالث: رب يرب بوزن مد يمد بمعنى أصلحه، وتولى أمره، وساسه وقام عليه ورعاه، ومن هذا المعنى قول حسان بن ثابت كما أورده ابن منظور في لسان العرب: ولأنت أحسن إذ برزت لنا ... يوم الخروج بساحة القصر من درة بيضاء صافية ... مما تربب حائر البحر وقال: يعني الدرة التي يربيها في الصدف، وبين: بأن معنى: تربب حائر البحر: أي مما ترببه، أي رباه مجتمع الماء في البحر. قال: ورببت الأمر أربه ربا، وربابا: أصلحته ومتنته. وقد اشتق بعض الباحثين من هذه الأصول اللغوية تعريفًا للتربية، قال الإمام الببيضاوي "المتوفى٦٨٥هـ" في تفسيره "أنوار التنزيل وأسرار التأويل": "الرب في الأصل بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به تعالى للمبالغة". وفي كتاب مفردات الراغب الأصفهاني "المتوفى٥٠٢هـ": "الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام".

стр. 13

وقد استنبط الأستاذ عبد الرحمن الباني١ من هذه الأصول اللغوية أن التربية تتكون من عناصر: أولها: المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها. ثانيها: تنمية مواهبه واستعداداته كلها، وهي كثيرة متنوعة. ثالثها: توجيه هذه الفطرة، وهذه المواهب كلها نحو صلاحها، وكمالها اللائق بها. رابعها: التدرج في هذه العملية، وهو ما يشير إليه البيضاوي بقوله: " ... شيئًا فشيئا"، والراغب بقوله: "حالًا فحالًا..". ثم يستخلص من هذا نتائج أساسية في فهم التربية. أولاها: أن التربية عملية هادفة، لها أغراضها وأهدافها وغايتها. النتيجة الثانية: أن المربي الحق على الإطلاق هو الله الخالق: خالق الفطرة وواهب المواهب، وهو الذي سنن سننا لنموها وتدرجها وتفاعلها، كما أنه شرع شرعا لتحقيق كمالها، وصلاحها وسعادتها. النتيجة الثالثة: أن التربية تقتضي خططا متدرجة تسير فيها الأعمال التربوية، والتعليمية وفق ترتيب منظم صاعد، ينتقل مع الناشيء من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى مرحلة إلى مرحلة. النتيجة الرابعة: أن عمل المربى تال، وتابع لخلق الله وإيجاده، كما أنه تابع لشرع الله ودينه. وهذا التحليل لمعنى التربية، ونتائجها يؤدي بنا إلى معنى الشرع والدين؛ لأن التربية تستمد جذورها منه، فطبيعة النفس الإنسانية طبيعة متدينة، والإنسان في الحقيقة حيوان متدين كما سنوضح ذلك عند بحث "خصائص التربية الإسلامية".

стр. 14

ثالثا: مفهوم الدين ١: المعنى اللغوي: تستعمل كلمة "الدين" في كلام العرب بمعان شتى أهمها: ١- القهر والسلطة والحكم والأمر: فيقولون: "دان الناس" أي قهرهم على الطاعة، و"دنته" أي سسته وملكته، وفي هذا المعنى جاء في الحديث النبوي "الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت" أي قهر نفسه، وذللها لطاعة الله، بهذا الاعتبار يصبح معنى اسم المفعول "مدين" أي مقهور ومحكوم، وخاضع قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الواقعة: ٥٦/ ٨٦-٨٧] ، أي إن كنتم غير خاضعين لمشيئة الله في الحياة والموت، فهلا أرجعتم الروح إلى الجسد بعد فراقها بالموت. ٢- الطاعة والعبودية، والخدمة، والخضوع تحت غلبته وقهره: تقول العرب: دنتهم، فدانوا أي قدرتهم فأطاعوا. ٣- الشرع والقانون والطريقة، والمذهب والملة، والعادة والتقليد: فيقولون: "ما زال ذلك ديني وديدني" أي دأبي وعادتي. ٤- الجزاء والمكافأة والقضاء والحساب: فمن أمثال العرب: "كما تدين تدان" أي كما تصنع بغيرك يصنع بك وتجازى، ومن هنا تأتي كلمة "الديان" بمعنى القاضي، وحاكم المحكمة. استعمال كلمة "الدين" في القرآن الكريم: كانت العرب تستعمل هذه الكلمة كما رأينا، بهذا المعنى مرة، وبذاك تارة أخرى حسب لغاتهم المختلفة، ومواقفهم المتعددة، فكان استعمال كلمة "الدين" مشوبًا بشوائب اللبس والغموض، حتى نزل القرآن، فاستعملها لمعانيه الواضحة المتميزة، وإنما ميز القرآن كلمة الدين وأوضح معناها حين جعلها بمعانيها اللغوية الأربعة تقوم مقام نظام بأكمله، يتألف من أجزاء أربعة هي: ١- الحاكمية والسلطة العليا "الإلهية". ٢- الطاعة والإذعان لتلك الحاكمية والسلطة "من قبل أتباع الدين، أو المخلوقات". ٣- النظام الفكري، والعلمي الذي أوجدته تلك السلطة والحاكمية. ٤- المكافأة التي تكافئ بها السلطة، أو الجزاء الذي تجزي به على أتباع ذلك النظام، والخضوع والإخلاص له، أو على التمرد عليه، والعصيان له. ثم يورد أبو الأعلى المودودي الآيات التي تدل على هذه المعاني٢، ويحاول أن يجمع ويؤلف من هذه المعاني تعريفا للدين فيقول: المراد بـ"الدين" في جميع هذه الآيات هو "نظام الحياة الكامل الشامل لنواحيها الاعتقادية، والفكرية والخلقية، والعملية"، فقد بين الله تعالى أن نظام الحياة الصحيح المرضي عند الله هو النظام المبني على إطاعة الله، وإخلاص العبودية له وحده. قلت: ويمكن تعريف الدين تعريفًا يشمل جميع معانيه اللغوية، والقرآنية كما يلي: "الدين علاقة خضوع وانقياد، وعبودية من قبل البشر، يشعرون بها نحو خالق حاكم مسير لأمور الكون، حاكم قهار يحيى ويميت، وإليه النشور، قد وضع لهم نظاما كاملا للحياة بجميع جوانبها، وأمرنا أن نسير عليه، وأخبرنا بالجزاء الذي أعده لجميع المكلفين يوم الحساب"، والله أعلم.

стр. 15

رابعا: مفهوم الإسلام الإسلام في اللغة والقرآن هو الاستسلام والخضوع، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٨٣] . ثم استعمل اللفظ في القرآن علما على الدين والنظام، الذي أرسل الله به رسوله

стр. 16

خامسا: العلاقة بين الإسلام والتربية ١- التربية الإسلامية: فريضة إسلامية الإسلام شريعة الله للبشر، أنزلها لهم ليحققوا عبادته في الأرض، وإن العمل بهذه الشريعة ليقتضي تطوير الإنسان وتهذيبه، حتى يصلح لحمل هذه الأمانة، وتحقيق هذه الخلافة، وهذا التطوير والتهذيب هو التربية الإسلامية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٢٣/ ٧٢] . فلا تحقيق لشريعة الإسلام إلا بتربية النفس، والجيل والمجتمع، على الإيمان بالله ومراقبته والخضوع له وحده، ومن هنا كانت التربية الإسلامية فريضة في أعناق جميع الآباء والمعلمين، وأمانة يحملها الجيل للجيل الذي بعده، ويؤديها المربون للناشئين، وكان الويل لمن يخون هذه الأمانة، أو ينحرف بها عن هدفها أو يسيء تفسيرها، أو يغير محتواها. إنها تربية الإنسان على أن يحكم شريعة الله في جميع أعماله، وتصرفاته ثم لا يجد حرجا فيما حكم الله ورسوله، بل ينقاد مطيعا لأمر الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٤/ ٦٥] . والإنسان معرض للشر، والخسران لا ينقذه منهما إلا الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح، والتعاون، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر على إحقاق الحق ومحاربة الباطل، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١٠٣/ ١-٣] . وفي هذه السورة إشارة إلى أن خلاص الإنسان من الخسران، والعذاب لا يتم إلا بثلاثة ضروب من التربية: أ- تربية الفرد على الإيمان بالله والاستسلام لشريعته، والإيمان بالغيب. ب- تربية النفس على الأعمال الصالحة، وعلى منهج الحياة الإسلامية، في الحياة اليومية، والمواسم السنوية والتصرفات المالية، وجميع شئون الدنيا. ج- تربية المجتمع على التواصي بالحق للعمل به، والتواصي على الشدائد، وعلى عبادة الله، وعلى التزام الحق.

стр. 17

٢- التربية الإسلامية قضية إنسانية، وضرورة مصيرية: إن المصائب التي تنزل بالمجتمع الإنساني عامة، والكوارث التي تصيب المجتمعات الإسلامية، وظلم الإنسان للإنسان، واحتكار الدول القوية لخيرات الأمم الضعيفة، كل ذلك نتيجة لسوء تربية الإنسان، والانحراف به عن ابتغاء كماله، وعن فطرته، وطبيعته الإنسانية. ولما كان الإسلام هو المنهج الرباني المتكامل، المواتي لفطرة الإنسان، والذي أنزل الله لصياغة الشخصية الإنسانية صياغة متزنة متكاملة، ليجعل منها خير نموذج على الأرض، يحقق العدالة الإلهية في المجتمع الإنساني، ويستخدم ما سخر الله له من قوى الطبيعة، استخداما نيرا متزنا، لا شطط فيه ولا غرور، ولا أثرة ولا استئثار، ولا ذل ولا خضوع، ولما كنا قد رأينا كيف أخفقت الجهود التربوية، والمدارس التربوية الحديثة، والفلسفات التربوية الغربية، في إنقاذ الطفولة، والإنسانية من ظلم القرون الأوروبية الوسطى، وظلامها في أوروبا، بل نقلتها من الظلم، والظلام إلى الدمار والضياع، وإلى الميوعة والاضمحلال، فكانت البشرية في ذلك "كالمستجير من الرمضاء بالنار". لما كان ذلك كله وجدنا، بعد الاستقصاء، والبحث والتمحيص، أن التربية الإسلامية أصبحت ضرورة حتمية، وقضية إنسانية. أ- لتخليص الطفولة في البشرية عموما من التهديد، والضياع بين شهوات الآباء والأمهات، وتهافتهم على المادة، وبين النظم المادية غير الإنسانية، وبين الإباحة والتدليل والميوعة١. ب- لإنقاذ الطفولة في الشعوب النامية، والضعيفة من الخنوع والذل، وويلات الجوع، والاستسلام لطغيان الظلم والاستبداد. وذلك بما تغرسه التربية الإسلامية في الإنسان من العزة، والشعور بالكرامة، بل الاستماتة في سبيلها، مهما أحاطت به الشدائد، أو أذهلته عنها المغريات. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٦٣/ ٨] .

стр. 18

الفصل الثاني: مصادر التربية الإسلامية أولًا: القرآن: أثره التربوي في نفس الرسول ﷺ والصحابة ... الفصل الثاني: مصادر التربية الإسلامية التربية الإسلامية هي التنظيم النفسي، والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام، وتطبيقه كليا في حياة الفرد والجماعة. فالتربية الإسلامية ضرورة حتمية لتحقيق الإسلام كما أراده الله أن يتحقق، وهي بهذا المعنى تهيئة النفس الإنسانية لتحمل هذه الأمانة، وهذا يعني بالضرورة أن تكون مصادر الإسلام هي نفسها مصادر التربية الإسلامية، وأهمها القرآن والسنة. أولا: القرآن: أثره التربوي في نفس الرسول ﷺ والصحابة: فالقرآن قد ترك أثرًا لا شك فيه في تربية نفس رسول الله ﷺ ، وصحابته وقد شهدت بذلك السيدة عائشة زوج رسول الله ﷺ ، فقالت في وصفه: "كان خلقه القرآن"، بل إن شهادة الحق ﷻ قد سبقت كل شهادة قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٣٢] . فهما هنا إشارتان تربويتان: الأولى تثبيت الفؤاد وترسيخ الإيمان، والثانية تعليم الترتيل، في قراءة القرآن، وفيها نزلت توصيات تربوية صريحة من الحق ﷻ إلى رسوله محمد ﷺ ، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ٧٥/ ١٦-١٩] ١.

стр. 19

وحياة الرسول ﷺ في سلمة وحربه، في حله وترحاله، في داره وبين رجاله، كلها تشهد بما شهدت به السيدة عائشة، والمسلمون جميعا من أنه "كان خلقه القرآن"، فأدعيته مستقاة من القرآن تارة باللفظ، وتارة بالمعنى. أما أصحابه رضوان الله عليهم، فقد أخذوا أنفسهم بتطبيق القرآن مع تعلمه حتى قال قائلهم: "كنا في عهد رسول الله ﷺ لا نجاوز السورة من القرآن حتى نحفظها ونعمل بها، فتعلمنا العلم والعمل جميعا". وكان القرآن وقع عظيم، وأثر تربوي بالغ في نفوس المسلمين، حتى شغلهم عن الشعر، وكانوا من أشد الناس تعلقا به، وعن الحكم والكهانة، وأخبار الفروسية، وأخبار العرب في جاهليتهم. أسلوب القرآن التربوي: والسر في ذلك أن للقرآن أسلوبًا رائعًا، ومزايا فريدة في تربية المرء على الإيمان بوحدانية الله وباليوم الآخر، نذكر منها بعض ما ورد في كتابنا "التربية وطرق التدريس ص٩٦-٩٧"١. إنه يفرض الإقناع العقلي مقترنا بإثارة العواطب، والانفعالات الإنسانية، فهو بذلك يربي العقل والعاطفة جميعا، متمشا مع فطرة الإنسان في البساطة، وعدم التكلف، وطرق باب العقل مع القلب مباشرة. يبدأ القرآن من المحسوس المشهو المسلم به: كالمطر، والرياح، والنبات، والرعد، والبرق، ثم ينتقل إلى استلزام وجود الله, وعظمته وقدرته، وسائر صفات الكمال، مع اتخاذ أسلوب الاستفهام أحيانا، إما للتقريع، وإما للتنبيه، وإما للتحبيب والتذكير بالجميل، أو نحو ذلك، مما يثير في النفس الانفعالات الربانية: كالخضوع، والشكر، ومحبة الله، الخشوع له، ثم تأتي العبادات والسلوك المثالي تطبيقا عمليا للأخلاق الربانية. وهذه لعمري، أفضل طريقة اهتدى إليها علم النفس لتربية العاطفة، إنها تكرار إثارة الانفعالات، مع تجارب سلوكية مشحونة بهذه الانفعالات، مصحوبة

стр. 20

بموضوع معين، حتى يصبح عند المرء استعداد لاستيقاظ هذه الانفعالات كلما أثير هذه الموضوع، وهل العاطفة إلا ذلك الاستعداد الوجداني الانفعالي؟ فإذا ربي مع العاطفة سلوك مثالي تتطلبه تلك العاطفة، فقد بلغت التربية ذروتها في توحيد النفس، واستنفاد طاقتها لخير الإنسانية، ولعل أوضح مثال على هذا الأسلوب التربوي القرآني يتضح في "سورة الرحمن"، حيث يذكرنا الله ﷻ بنعمة ودلائل قدرته، بادئا من الإنسان، وقدرته على التعليم، إلى ما سخر الله له من الشمس، والقمر والنجم والشجر، والفاكهة والثمر، وما خلق من السماء والأرض، وعند كل آية أو عدة آيات استفهام يضع الإنسان أمام الحس، والوجدان وصوت القلب والضمير، فلا يستطيع أن ينكر ما يحس به، ويستجيب له عقله وقلبه، وقد تكرر ذلك هذا الاستفهام: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ١٣] وما بعدها، إحدى وثلاثين مرة في هذه السورة، وفي كل مرة يثير انفعالا بحسب الآية التي تسبقه. هذه نبذة عن أسلوب القرآن التربوي، أو منهجه التربوي المتكامل، فهذا ما سنراه في طيات البحث عن منهج الإسلام التربوي، وأسلوب الإسلام في رعاية الطفولة في جميع العصور، ومعالجة أمورها. وحسبنا هنا أن نبين أن القرآن قد بدأ نزوله بآيات تربوية، فيها إشارة إلى أن أهم أهدافه تربية الإنسان بأسلوب حضاري فكري، عن طريق الإطلاع والقراءة والتعليم، والملاحظة العلمية لخلق الإنسان منذ كان علقة في رحم الأم. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٩٦/ ١-٥] . وأن الله تعالى أقسم أحد عشر قسما ليقرر أن النفس الإنسانية قابلة للتربية١، والتزكية والتسامي.

стр. 21

ثانيا: السنة المصدر الثاني الذي تستقي منه التربية الإسلامية، ومنهجها التربوي هو السنة المطهرة، والمعنى اللغوي لهذه الكلمة "السنة" هو الطريقة والأسلوب والنهج، والمعنى العلمي: مجموعة ما نقل بالسند الصحيح من أقوال الرسول ﷺ وأعماله، وتركه ووصفه، وإقراره ونهيه، وما أحب، وما كره، وغزواته وأحواله وحياته. والسنة جاءت في الأصل لتحقيق هدفين: أ- إيضاح ما جاء في القرآن، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٦/ ٤٤] . ب- بيان تشريعات وآداب أخرى كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٦٢/ ٢] أي السنة كما فسرها الإمام الشافعي، والطريقة العلمية التي بها تتحقق تعاليم القرآن، وكما ورد في قول الرسول ﷺ : "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه". هذا وللسنة في المجال التربوي فائدتان عظيمتان: أ- إيضاح المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الوارد في القرآن الكريم، وبيان التفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم. ب- استنباط أسلوب تربوي من حياة الرسول ﷺ مع أصحابه، ومعاملته الأولاد، وغرسه الإيمان في النفوس١. شخصية الرسول ﷺ نموذج تربوي كامل للإنسان: وهكذا يجد الباحث في شخصية الرسول ﷺ مربيا عظيما ذا أسلوب تربوي فذ، يراعي حاجات الطفولة، وطبيعتها، ويأمر بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، أي يراعي الفروق المادية بينهم، كما يراعي مواهبهم، واستعداداتهم وطبائعهم، يراعي في المرأة أنوثتها، وفي الرجل رجولته، وفي الكهل كهولته، وفي الطفل طفولته ويلتمس دوافعهم الغريزية، فيجود بالمال لمن يحب المال حتى يتألف قلبه، ويقرب

стр. 22

إليه من يحب المكانة؛ لأنه في قومه ذو مكانة، وهو في خلال ذلك كله يدعوهم إلى الله وإلى تطبيق شريعته، لتكميل فطرتهم، وتهذيب نفوسهم شيئا فشيئا، وتوحيد نوازعهم وقلوبهم، وتوجيه طاقاتهم، وحسن استغلالها للخير والسمو: طاقات العقل وطاقات الجسم، وطاقات الروح، لتعمل معا وتتجاوب للهدف الأسمى، وبذلك يسمو الفرد، وينهض المجتمع. وقد أدرك بعض علماء الإسلام هذه الأهداف التربوية النبوية، فصنفوا بعض أحاديثه ﷺ تصنيفا ذا غاية تربوية مثل كتاب "الترغيب والترهيب"، وهو مجموعة أحاديث تربي في النفس دوافع تحبب لعمل الخير، وروادع تبعد عن عمل الشر، جمعها المحدث "عبد العظيم المنذري ٥٨١-٦٥٦" في أجزاء، فشملت كل أمور الحياة المادية، والروحية، والمالية، والجسدية، والفردية، والاجتماعية، والتعبدية، والفكرية. واشتق بعضهم من حياة الرسول ﷺ ، وأحاديث موضوعات تربوية ألف فيها مثل "تحفة المودود في أحكام المولود" للإمام "ابن القيم الجوزية"، ومثل "الأدب المفرد" للإمام "محمد بن إسماعيل البخاري"، وهو كتاب نبوي تربوي فيه توجيهات تربوية حول معاملة الأبناء، ومعاملة الأيتام وتربيتهم، وآداب اجتماعية، وأحاديث عن رحمة الأطفال وتقبيلهم، والمزاج مع الصبي. ولكن "الأدب المفرد" فيه عدد من "الآثار" أي أقوال الصحابة وبعض التابعين، ولم يلتزم فيه البخاري ما التزمه في كتابه "الجامع الصحيح"، وهذا هو الفرق بينه، وبين صحيح البخاري. وكتب الحديث والسنة، التربوية أو ذات الاتجاه التربوي، كثيرة لا يتسع لها المقام هنا، ولعلنا نشير إليها في طيات البحث إن شاء الله.

стр. 23

الفصل الثالث: أسس التربية الإسلامية مدخل ... الفصل الثالث: أسس التربية الإسلامية تمهيد: التربية الإسلامية هي تنمية فكر الإنسان، وتنظيم سلوكه، وعواطفه، على أساس الدين الإسلامي، وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة، أي في كل مجالات الحياة. فالتربية الإسلامية على هذا عملية تتعلق قبل كل شيء بتهيئة عقل الإنسان، وفكره وتصوراته عن الكون والحياة، وعن دوره وعلاقته بهذه الدنيا، وعلى أي وجه ينتفع بهذا الكون وبهذه الدنيا، وعن غاية هذه الحياة المؤقتة التي يحياها الإنسان، والهدف الذي يجب أن يوجه مساعيه إلى تحقيقه. وقد قدم الإسلام هذه الأفكار كلها في منظومة من التصورات مترابطة، متينة البنيان. كما قدم لنا العقائد التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها، لكي تحرك في نفسه الأحاسيس والمشاعر، وتغرس العواطف الجديرة بأن تدفعه إلى السلوك الذي نظمت الشريعة له قواعده وضوابطه، السلوك التعبدي الذي يحقق الهدف الذي خلق من أجله الإنسان، سواء أكان هذا السلوك فرديا، أو جماعيا. فالجانب الإيماني الاعتقادي من الدين يقدم لنا أساسا راسخا من العقيدة الثابتة، والتصورات الواضحة والمترابطة، والأهداف النيرة، والحوافز الدافعة إلى السعي، الباعثة على بعد الأمل، والتفاؤل والجد والوعي. والجانب التشريعي يقدم لنا قواعد، وضوابط نقيم عليها سلوكنا، وننظم بها علاقاتنا بل هو الذي يرسم لنا خطة حياتنا وسلوكنا. والجانب التعبدي هو سلوك المسلم الذي يحقق به كل تلك التصورات، والأهداف والضوابط، والأوامر التشريعية. وعملية التربية، هي تنمية شخصية الإنسان على أن تتمثل كل هذه الجوانب، في انسجام وتكامل، تتوحد معه طاقات الإنسان، وتتضافر جهوده لتحقيق هدف واحد تتفرع عنه، وتعود إليه جميع الجهود والتصورات، وضروب السلوك، ونبضات الوجدان.

стр. 24

الاسس الفكرية مدخل ... الأسس الفكرية: مميزات التصور الإسلامي عن الإنسان، والكون والحياة: يمتاز التصور الإسلامي عن الكون والحياة، والعقيدة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان بميزات أهمها: أ- وضوح الأفكار التي بني عليها نظام حياة المسلم، فاعتنقها ودعا إليها على بصيرة، وآمن بها وتابع تذكرها؛ لأنها هي الضابط لجميع سلوكه، وتصرفاته والرقيب على أعماله وحياته. ب- كما يمتاز بمنطقية هذه المعتقدات، ومعقوليتها وملاءمتها للفطرة العقلية، والوجدانية والنفسية. ج- وتمتاز المعتقدات الإسلامية بعرضها عرضا مقنعا إذ يستنبطها القرآن من لفت الأنظار إلى الواقع المحسوس، للتأمل فيما حولنا، وفي أنفسنا تأملا يوصلنا إلى معرفة الله، وقدرته ووحدانيته، وفقا لطبيعتنا النفسية، وفطرتنا الدينية فالباحث المنصف إذا تأمل كلام الله يلاحظ كيف يلفت القرآن نظر الإنسان إلى نفسه ليرى كيف أن الله خلقه من علق، وعلمه الكتابة والقراءة، واستخدام الكائنات، وجعله قابلا للتعلم، وكيف خلقه وكونه في رحم أمه أطوارا، ومراحل حتى تكامل خلقه، ثم ولد لا يعلم شيئا، فشب حتى أصبح خصيما مبينا. د- ولو تساءل الإنسان لماذا اتخذ القرآن هذا الأسلوب الاستجوابي الحسي العاطفي الذي يخاطب العقل والوجدان؟ ويحرك دمع العين، مع نبضات القلب، وتصورات الفكر والجنان؟ عندما كرر آيات الله في الآفاق، وفي أنفسنا؟!

стр. 25

لأجابنا القرآن بأنه لم يقصد بهذه الصور التي رسمها لنا عن الكون والإنسان، وكررها، ونوع أساليب عرضها في مواطن عديدة، لم يقصد مجرد المعرفة الثقافية، ولا مباراة الثقافات ولا مباراة الثقافات، والفلسفات الأخرى، ليثبت تفوقه المنطقي، وقدرته البلاغية عليها فحسب، ولا قصد تدريب عقولنا على الحفظ والفهم، بل أراد أن تتحول هذه المعرفة إلى حركة فكرية وعاطفية، ثم إلى قوة دافعة لتحقيق مدلولها في عالم الواقع أي لكي نحقق عبوديتنا لله الذي ما جعل هذه الصور الكونية الرائعة إلا تذكرة لمن يخشى، حتى نتجه إلى العبادة، والعمل الإسلامي المثمر في إعمار الكون، وتحقيق عدل الله، وشريعته في الحياة الإنسانية. وأراد من عرض آياته في الآفاق "أن ترجع البشرية إلى ربها، وإلى منهجه الذي أراد لها، وإلى الحياة الرفيعة الكريمة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان، والتي تحققت في فترة من فترات التاريخ، على ضوء هذا التصور، عندما استحال واقعا في الأرض يتمثل في أمه تقود البشرية إلى الخير، والصلاح والنماء"١. ويرجو صاحب هذا الكتاب أن يكون بحثه التربوي هذا صدى من أصداء هذا النداء الرباني، وأن يترك بدوره أثر علميا لدى الذين يقودون الحركة التربوية، أو يعملون فيها، ليعملوا على الأخذ بهذا المنهج الإسلامي التربوي في تربية الأجيال. ولذلك آثرت أن أعرض، بأسلوب القرآن، وبذكر آياته، أهم ما يمكن عرضه من الصور التي لنا فيها آيات عظمة الله، ووحدانيته ليحضنا على عبادته، ثم أعقب على ذلك بذكر الآثار، والنتائج التربوية التي تترتب على هذه الصور، والتصورات حول الكون والإنسان دون أن أقيد نفسي بسوابق أفكار من رواسب الثقافات التي لم تؤخذ من القرآن ذاته، ودون أن أقيد نفسي بعلاج انحراف معين من انحرافات الواقع الإنساني، وذلك ليقيني بأن منهج الإسلام بكليته، وكماله يصلح للنهوض بحياة الإنسان والمجتمع الإنساني بكليته، ولعلاج جميع مشكلاته بلا استثناء.

стр. 26

أولا: نظرة الإسلام إلى الإنسان من الثابت في علم النفس أن نظرة الإنسان إلى نفسه من أقوى المؤثرات في تربيته، لذلك قدمت هذه النظرة القرآنية إلى الإنسان. تمهيد: ما زال الإنسان منذ وجد على وجه الكرة الأرضية، مأخوذًا بسوء الفهم لنفسه يميل إلى جانب الإفراط حينا، فيرى أنه أكبر وأعظم كائن في العالم، وينادي بذلك وقد امتلأ أنانية، وغطرسة وكبرياء، كما نادى قوم عاد: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ٤١/ ١٥] ، وكما نادى فرعون في قومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٢٨/ ٣٨] . ويربأ بنفسه أن يعتقد أنه مسئول أمام أحد، ويتحول إلى متأله يستهدف القهر، والجبروت والبطش، والظلم والشر والطغيان١. ويميل إلى جانب التفريط حينا آخر، فيظن أنه أدنى وأرذل كائن في العالم، فيطاطئ رأسه أمام كل شجر أو حجر، أو نهر أو جبل أو حيوان، ولا يرى السلامة إلا في أن يسجد للشمس، والقمر والنجوم والنار، وما إليها من الموجودات التي يرى فيها شيئا من القوة، أو القدرة على ضرره أو نفعه. وقد عرض الإسلام الإنسان على حقيقته وبين أصله، ومميزاته وما فضل به، ومهمته في الحياة وعلاقته بالكون، وقابلتيه للخير والشر. ١- حقيقة الإنسان وأصل خلقه: ترجع حقيقة الإنسان إلى أصلين: الأصل البعيد، وهو الخلقة الأولى، من طين، حين سواه الله ونفخ فيه من روحه، والأصل الثاني: القريب، وهو خلقه من نطفة، ولإيضاح هذين الأصلين معا قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٣٢/ ٧-٩] .

стр. 27

وأوضح الله لنا خلق آدم بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ١٥/ ٢٨-٢٩] . وهكذا لفت القرآن نظر الإنسان إلى حقارة ذلك الماء الذي خلقه منه في رحم أمه، ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٣٢/ ٨] ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٨٦/ ٦-٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٣٦/ ٧٧] ليندد بغطرسة الإنسان، ويهذب كبرياءه، فيجعله متواضعا واقعيا في حياته، ثم بين له عناية الله به في ظلمات الرحم، حينما أنشأه جنينا، ورباه حتى أتم خلقه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٦] . ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٣/ ١٢-١٤] . وذلك ليثير عنده عاطفة العرفان بالجميل، والشكر للخالق، والخشوع لله، فكان من نتيجة هذه التربية القرآنية، دعاء الرسول ﷺ في السجود: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين" أخرجه مسلم١. وفي رواية: "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين". ٢- الإنسان مخلوق مكرم: وفي مقابل ذلك كله، بين الإسلام للنوع البشري، أنه ليس من الذلة والمهانة والابتذال، في درجة يتساوى فيها مع الحيوان والجماد، وسائر المخلوقات، فقال تعالى:

стр. 28

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٧٠] . ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٦٥] . فقد رزق الله الإنسان قدرة جعله بها يسيطر على ما حوله من الكائنات، وسخرها الله له، فمنعه من أن يدل نفسه لشيء منها، وجعله آمنا من كل المخاوف إزاء هذه الكائنات، بل أشعره بأنها طوع يده، سخرها لمصلحته، وهذه خطوة تربوية ربانية ينشيء بها القرآن الإنسان على الشعور بالكرامة وعزة النفس، ويشعره في الوقت ذاته بفضل الله، فإذا ركب شيئا مما سخر الله له كالطائرة والسيارة، وذكر قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣/١٣-١٤] . ٣- الإنسان مميز مختار: ومما كرم الله به الإنسان، أن جعله قادرا على التمييز بين الخير والشر، فألهم الله النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جبلتها الاستعداد للخير والشر، وجعل عند الإنسان إرادة، يستطيع به أن يختار بين الطرق المؤدية للخير والسعادة، أو الطرق الموصلة إلى الشقاء، وبين له أن هدفه في هذه الحياة أن يترفع بنفسه عن سبل الشر، وأن يزكي نفسه، أي ينميها ويطهرها ويسمو بها، في وقت معا، نحو الفضيلة والاتصال بالله . قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩١/ ٧-١٠] . ولعن الله قوما دعاهم غرورهم إلى أن يكذبوا بهذه الحقيقة، فزعموا أن النفس الإنسانية لا تطغى، قال تعالى في تمام الآيات السابقة: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا، فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٩١/ ١١-١٤] .

стр. 29

فكان جزاء طغيانهم أن سوى الله بهم وبمدينتهم الأرض؛ لأنهم اختاروا طريق الشر، ومعصية الله ورسوله. ٤- ومما كرم الله به الإنسان وفضله: أن وهبه القدرة على التعلم والمعرفة، وزوده بكل أدوات هذه القدرة، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٩٦/ ٣-٥] . وقال ﷻ : ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٢/ ٣١-٣٢] . أما أدوات القدرة على التعلم، فمنها السمع والبصر والفؤاد: ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٦/ ٧٨] . "فالسمع معناه إحراز المعرفة التي اكتسبها الآخرون، والبصر معناه تنميتها بما يضاف إليها من ثمرات الملاحظة والبحث، والفؤاد معناه تنقيتها من أدرانها وأوشابها، ثم استخلاص النتائج منها، وهذه القوى الثلاث إذا تضافرت بعضها على بعض، نجمت عنها "المعرفة" التي من الله بها على بني آدم، والتي بها وحدها استطاع الإنسان أن يهزم سائر المخلوقات، ويسخرها لإرادته"١. وندد الله بالذين لا يستفيدون من سمعهم، وأبصارهم وأفئدتهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٧٩] . ومن هذه الأدوات اللسان والقدرة على البيان، والقلم والقدرة على الكتابة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩٠/ ٨-٩] .

стр. 30

وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآَنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ١-٤] . وقال ﷻ : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ٦٨/ ١] . ومن أهم أهداف التفكير، والتعلم عند الإنسان أن يتعلم الناس شريعة الله، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٢/ ١٢٩] . ومن هذه الأهداف أن يتفكروا في خلق السموات والأرض، وفي أنفسهم. قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٥١/ ٢١] . وقال ﷻ : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٨٦/ ٥] . وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ٨٨/ ١٧] . وقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٥٠] . وفي كل هذه الآيات دليل على أن الله خلق لنا السمع، والبصر والفؤاد لنتفكر ونتأمل وننظر نظرة تمحيص، ونلاحظ ما حولنا ثم نمحص ذلك بعقلنا، وفؤادنا لنستخدم ما سخر الله لنا، أي لنتربى تربية علمية على الملاحظة والمناقشة، والاستنتاج والتفكير، فنجمع أكبر قسط من المعرفة والمخترعات، وحينئذ نظفر بميزة الزعامة على الإنسانية كما ظفر بها أسلافنا، ثم أضعناها؛ لأننا تركنا الاستفادة الحقة من سمعنا، وأبصارنا وأفئدتنا كما يريد الله منا. ٥- مسئولية الإنسان وجزاؤه ١: لم يكتف الإسلام بتكريم الإنسان، وتفضيله وتمييزه على الكائنات، بل حمله مقابل ذلك مسئولية عظيمة، وكلفه بتكاليف كثيرة، ورتب عليها الجزاء الوفاق. حمله مسئولية تطبيق شريعة الله وتحقيق عبادته، تلك المسئولية التي أبت سائر المخلوقات أن تحملها، وأشفقت من حملها، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا﴾

стр. 31

الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٧٢-٧٣] . وكما جعل الله الإنسان حرية، وإرادة وقدرة على التمييز بين الخير والشر، كذلك جعله مجزيا يوم القيامة بما اختار من خير أو شر. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٩٩/ ٧-٨] . وكذلك جعل الله الإنسان مسئولا عن سمعه، وبصره وفؤاده وجميع جوارجه، فلا يجوز له أن يستعملها إلا في الخير، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٣٦] . وهذا الشعور بالمسئولية يربي في نفس الإنسان الوعي، واليقظة الدائمة والبعد عن المزالق، وعدم الاستسلام للأهواء، والعدالة والبعد عن الظلم، والبغي والاستقامة في كل سلوك الإنسان وشئونه. وكذلك قرر رسول الله ﷺ مسئولية الإنسان عن ماله، وعن عمره وعن شبابه قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " ١. ٦- المهمة العليا للإنسان، عبادة الله: وجماع كل هذه المسئوليات، مسئولية الإنسان عن عبادة الله وتوحيده أي إخلاص العبادة له وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥١/ ٥٦] . وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧٢/ ١٨] .

стр. 32

ثانيا: نظرة الإسلام إلى الكون: تمتاظ نظرة الإسلام إلى الكون بأنها ليست نظرة عقلية محضة، ولكنها تعمل على تحريك عواطف الإنسان، وشعوره بعظمة الخالق، ويصغر الإنسان أمامه، وبضرورة الخضوع له، كل ذلك إلى جانب البراهين العقلية القاطعة على وحدانية الله، وألوهيته في هذا الكون وسائر الأكوان التي لا نراها. ١- فالكون كله مخلوق لله خلقه لهدف وغاية، وما كان اللعب والعبث باعثا على الخلق. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٤٤/ ٣٨-٣٩] . وقال سبحانه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الأحقاف: ٤٦/ ٣] . وأما تحريك عواطف الإنسان فبالاستفهام، والحض على العبادة، وتوحيد الله بعد تأمل مخلوقاته، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٦٢-٦٤] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٦٢-٦٧] . الآثار التربوية: ولهذه النظرة الإسلامية إلى الكون آثار تربوية منها: - ارتباط المسلم بخالق الكون، وبالهدف الأسمى من الحياة، وهو عبادة الله. - تربية الإنسان على الجدية، فالكون كله أقيم على أساس الحق، ووجد لهدف معين وإلى أجل مسمى عند الله، وليس العبث واللهو من شأنه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ١٦-١٧] .

стр. 33

وهذا يعلم الإنسان أن يبحث عن غاية كل ظاهرة من ظواهر الكون، وأن يبعد تفكيره عن اللهو والعبث والضياع، وأن يكون تأمله لهذا الكون تأملا منطقيا علميا، ولتحقيق هذا واستكماله، لفت القرآن نظر المتأمل إلى أمرين آخرين غير الجدية، والغاية، سنراهما في الفقرتين التاليتين: ٢- خضوع الكون لسنن سنها الله وفق أقدار قدرها الله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [٣٦/ ٣٧-٤٠] ، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ١٥/ ١٩-٢١] . فدورة الشمس والقمر في فلك لا يحيدان عنه، وفي مواسم لا تتخلف، كل ذلك يجري حسب سنن كونية سنها الله، ومقادير قدرها الله. وكذلك جميع الأحياء التي على الأرض جعل الله لها معايش، مقدرة مقننة ما ينزلها إلا بقدر معلوم. وقد علم الله الإنسان الحساب بتكرار الليل والنهار، وتقدير الفصول الأربعة، والأشهر القمرية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٢] . وقال : ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٦/ ٩٦] . والحق أن علم الحساب كله قائم على تكرار الوحدات المتساوية، وعدها وإضافتها بعضها إلى بعض، إما على مجموعات مختلفة العدد "الجمع"، وإما على تكرار مجموعات متساوية العدد "الضرب"، وكذلك "قسمة" الأعداد المؤلفة من وحدات

стр. 34

متجانسة متساوية، أو إنقاصها أي "طرح وحدات" منها، ثم تفنن الإنسان في الكسور، والجبر، والتفاضل والتكامل. وكل ذلك يرجع في أصله إلى ما تعلمه الإنسان الأول من عد الأيام، والأشهر وعد السنين، وحسابها، وما يزال الإنسان يضبط أوقاته على هذا "الميقات الرباني" الذي هو دورة الأرض، والقمر، والفصول الأربعة. الأثر التربوي: ومما تقدم نجد أن القرآن ربى عقل المسلم على مبدأين آخرين علميين، غير مبدأي السلبية، والغائية والتفكير الجدي المنطقي، هما: ١- تكرار حوادث الكون حسب سنن سنها الله له، وهو ﷻ وحده يملك أن يغيرها إذا شاء، وهذا هو المبدأ الذي بنيت عليه اليوم جميع القوانين العلمية، وهو أساس التفكير العلمي، الذي به اكتشف الإنسان، واخترع كل مظاهر الحضارة. ٢- أن سنن هذا الكون وجميع حوادثه، وظواهره وكائناته: من أصغر ذرة إلى أكبر جرم قد خلقها الله وسيرها، أو أنزلها بقدر معلوم، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى شئء فيه فيختل توازنه، أو يخل بنظام غيره، مما جاوره أو قابله، أو تأثر به أو أثر فيه، ومن هذه المبادئ التي استوحاها علماء المسلمين من القرآن، وارتقوا بها في العلوم الطبيعية، استقت أوروبا مبادئ التفكير العلمي، ووحدة قوانين العلم الحديث، ومناهج التفكير العلمي المنطقي، وهذا هو المبدأ الثاني من مبادئ المنطق العلمي "إقامة الملاحظة العلمية على أساس القياس الكمي لا على أساس الوصف الكيفي، إنه المبدأ الذي يربي العقل على الدقة ليأخذ كل شيء بمقياس. ٣- الكون مسير، ومدبر دائما بقدرة الله: فالله الذي رتب سنن الكون بقي -وما زال- قائمًا على تسييره وتدبيره أمره، يمده بقوته: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٦٥] . ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٣٥/ ٤١] .

стр. 35

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٣٠/ ٢٥] . ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٣٢/ ٥] . والإنسان جزء صغير من هذا الكون، فلا جرم أنه خاضع في كل شئونه وحياته وموته، لتقدير العزيز العليم، ولسنن سنها لله. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٦١] . ٤- وكذلك الإنسان: قد رتب الله سننا اجتماعية لحياته: فأرسل على أساسها الرسل، وعذب الأمم، وأهلك بعضها، ورتب آجالها، وغير أحوالها. قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١٣/ ١٠-١١] . وقال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٣٧] . وقد تأثر، بل توجه، ابن خلدون بهذه السنن الاجتماعية، المذكورة في القرآن، عند وضع معظم نظرياته الاجتماعية، بل وضع أساس علم الاجتماع في مقدمته المشهورة. ٥- الكون كله قانت لله: ومن الفقرتين السابقتين ينتج معنا أن كل ما في الكون خاضع لله، ولتدبيره ولأمره، ولإرادته ومشيئته، وقد بين الله في مواضع من كتابه العزيز: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ [البقرة: ٢/ ١١٦-١١٧] .

стр. 36

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤٤] . الأثر التربوي: إذا كانت كل الكائنات والجمادات تخضع لبارئها، وتشهد بعظمته وتنزيهه عن كل نقض، فأجدر بالإنسان العاقل المفكر أن يعترف لربه بالنعمة، والفضل ويستشعر عظمته، ويسبح بحمده ويقدس له، وهذا من أهم النتائج التربوية الناجمة عن عرض الإسلام للكون ولخصائصه، بهذا الأسلوب التربوي. ٦- كثير ما في الكون مسخر للإنسان زاخر بالنعم: يمتاز الدين الإسلامي، بأن جعل الإنسان يستخدم ما حوله من الكائنات، وقوى الكون، ولفت نظره إلى أنه مسلط عليها بإذن الله، وأن الله قد سخرها له، من أكبر الأجرام التي تؤثر في حياته كالشمس، إلى أصغر الكائنات التي يستطيع الاستفادة منها كالنحل، والذرة. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ١٤/ ٣٢-٣٤] ، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٩] . ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٦/ ١٢-١٨] .

стр. 37

الأثر التربوي: هذه الآيات وكثير أمثالها، ترقق قلب الإنسان، وتربي عواطفه، وانفعالاته كل الخشوع لله، والشعور بفضله، وعنايته، ورحمته، وحلمه، وتدفع الإنسان إلى حمد الله وشكره، وتسبيحه، وتوحيده. وهي تربي العقل على مبدأ علمي عملي، كان آخر ما اهتدى إليه الفكر الغربي، هو مبدأ التقنية، واستخدام القوانين العلمية وقوى الكون لرفاهية الإنسان. ذلك أن كل آية من هذه الآيات التي نزلت منذ أربعة عشر قونا، تقول للإنسان: استخدم حرارة الشمس التي سخر الله لك، واستخدم ضوء القمر، والرياح والنجوم، والأنهار، والجبال، والبحر، وكل شيء سخره الله لك، وجعل مفتاحه بيدك. وهذه قاعدة تشمل كل ما في الأرض، ألم يقل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢/ ٢٩] . هذا من الناحية العلمية والاجتماعية والحضارية، أما من الناحية التربوية، فقد ربانا القرآن التربية التي لا يطغى فيها الإنسان، ولا يتجاوز حده في استخدام هذه الأمور، فلا يفسد ماء الأنهار، ولا يقتل كائنات البحار، ولا يستعمل نعم الله في سفك الدماء، وتعميم الدمار، ولا يظلم أخاه الإنسان، فيغتصب خيراته بغيا وعدوانا، أو زورا وبهتانا. والتربية الإسلامية هي التي ضمنت هذا الجانب، فالإنسان، تحت رايتها، إنما يستخدم ما سخر الله له باسم الله، وبأمره، وفي حدود شريعته، والله لا يحب الفساد ولا يسمع بالظلم والعدوان، بل يدعو إلى العدالة بين الناس، والتراحم والتكافل والتعاون، فإذا ذكر الإنسان اسم الله على كل سلوكه، وتصرفاته وعلى كل ما يستخدمه أصبح سلوكه مثاليا، وامتنع عن كل بغي، وعدوان وإفساد وبهتان.

стр. 38

ثالثا: نظرة الإسلام إلى الحياة تختلف التربية باختلاف نظرة المربين إلى الحياة، من تفاؤل إلى تشاؤم إلى الشعور بالمسئولية، لذلك لا بد من توضيح أهمية الحياة، ودورها في الإسلام. مبدأ الحياة وكيف جعلها الله دار اختيار وامتحان: إن الإسلام قد نظر إلى الحياة نظرة جدية ملؤها الشعور بالمسئولية، وتوجيه الدوافع، وعندما عرضنا نظرة الإسلام إلى الإنسان رأينا أن للحياة مبدأين، أولهما عندما خلق الله آدم من طين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ١٥/ ٣٠-٣١] . ومنذ مبدأ الحياة البشرية الأول ميز الله هذا الجنس عن الملائكة، وسائر المخلوقات بميزتين: الميزة الأولى: العلم والعقل، والإرادة والاختيار، والتمييز بين الخير والشر. والميزة الثانية: أنه مخلوق من طين ثم من دم ولحم، وأنه تبعا لذلك مجبول على الشهوات والدوافع الغريزية، وما يتفرع عنها من الجهل وسفك الدماء، والإفساد والخسران، والهلع، والجزع، والطمع. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٧٢] . ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١٠٣/ ١-٣] . ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٢/ ٣٠] . ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٧٠/ ١٩-٢٠] . ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ١٠٠/ ٨] . ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٨٩/ ٢٠] ، وفيه معنى غريزة الطمع وحب التملك. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٤/ ٢٨] وفيه معنى غريزة الانقياد. ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١١] وفيه إشارة إلى السرع وعدم الصبر.

стр. 39

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٧ /١٠٠] . ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ٨٧/ ١٦] وفيه إشارة إلى غريزة حب البقاء. وقد جمع الله للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات، والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الإنسان قادرًا على اختيار طريق الخير أو الشر، وجعل ذلك أساسا لحياته النفسية، وجعل عنده مقابل كل صفة من هذه النقائض قدرة عقلية على الضبط والاعتدال، وبالرجوع إلى الشرع والخوف من الله وعبادته، وفي مقابل ذلك كله، ولكي ندرك كمال التصور القرآني للنفس، والكون والحياة، وترابط هذه التصورات، وتقابلها وتكاملها، نتأمل وصف القرآن للحياة، فنجد أن الإسلام قد جعل هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، يمر بها الإنسان، ليصل إلى الآخرة، وهي حياة دائمة لام موت بعدها، فهنالك الحساب، فإما نعمي أبدي، وإما عقاب وعذاب. ولكن فيم يمتحننا الله، وما الهدف الذي يجب علينا أن نحققه؟؟ ١- بدء الامتحان، والاختبار الإلهي لأول البشر: منذ البداية الأول لحياة الإنسان ابتلى الله عبده آدم، وهو أول من خلق الله من البشر، وكلفه بالامتناع عن الأكل من شجرة عينها له في الجنة، وسلط عليه إبليس، فوسوس له وزين له معصية ربه، حتى عصى ربه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ٢٠ /١٢١] . وعاقبة ربه فأهبطه من الجنة، ونشأت العداوة بين إبليس ونسله، وبين آدم وذريته، وتاب الله على آدم: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ٢٠/ ١٢٢] ، وهداه وأنزل عليه وحيا، وشريعة له ولذريته. وبدأ الامتحان منذ ذلك الوقت، وما يزال كل من أبناء آدم يمر بهذا الامتحان، واستمر الصراع في نفس ابن آدم، وفي جموع البشر، بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر، بين أتباع الهوى والضلال، وبين أتباع الشريعة والإيمان، بين إبليس وجموعه وأتباعه، وبين الرسل والأنبياء وأتباعهم. حتى ختم الله الشرائع والأديان، بهذه الشريعة الإسلامية، وتعين على جميع البشر أن يتبعوها.

стр. 40

فأصبحت ورقة الامتحان التي تم نشرها بين جميع البشر، ليتأملوا موضوعها ويستجيوا لمطلوبها، هي المصدران الرئيسيان للشريعة الإسلامية: كتاب الله وسنة رسوله، وقد لخص الله لنا هذا الصراع الطويل منذ آدم، بنداءات وجهها إلى بني آدم، منها قوله تعالى: بعد أن وصف قصة آدم التي لخصناها: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٢٧] . ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ [الأعراف: ٧/ ٣١] . ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٣٥-٣٦] . نتائج الامتحان: ثم يصف الله لنا في بضع عشر آية نتيجة الخاسرين في هذا الامتحان، ونتيجة الرابحين المؤمنين الذين استجابوا لنداء ربهم، فأدخلهم جنات النعيم، والحوار الذي دار بينهما، وسنورد بعض هذا الوصف عند عرض الحياة الآخرة، بعد أن نستوفي وصف الحياة الدنيا. ٢- وصف القرآن للحياة الدنيا: الدنيا متاع مؤقت يستمتع به الإنسان، فليس له أن يجعلها هدفا وغاية له، فيغتر بها، وينسى الهدف الذي خلق من أجله، والامتحان الذي أعده الله له، وأن الآخرة هي دار البقاء، وأن الدنيا هي دار الفناء. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٦] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٧-٨] .
следующие страницы →