← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9969

أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع

عبد الرحمن النحلاوي

Полный текст (233 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤٤] . الأثر التربوي: إذا كانت كل الكائنات والجمادات تخضع لبارئها، وتشهد بعظمته وتنزيهه عن كل نقض، فأجدر بالإنسان العاقل المفكر أن يعترف لربه بالنعمة، والفضل ويستشعر عظمته، ويسبح بحمده ويقدس له، وهذا من أهم النتائج التربوية الناجمة عن عرض الإسلام للكون ولخصائصه، بهذا الأسلوب التربوي. ٦- كثير ما في الكون مسخر للإنسان زاخر بالنعم: يمتاز الدين الإسلامي، بأن جعل الإنسان يستخدم ما حوله من الكائنات، وقوى الكون، ولفت نظره إلى أنه مسلط عليها بإذن الله، وأن الله قد سخرها له، من أكبر الأجرام التي تؤثر في حياته كالشمس، إلى أصغر الكائنات التي يستطيع الاستفادة منها كالنحل، والذرة. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ١٤/ ٣٢-٣٤] ، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٩] . ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٦/ ١٢-١٨] .

стр. 37

الأثر التربوي: هذه الآيات وكثير أمثالها، ترقق قلب الإنسان، وتربي عواطفه، وانفعالاته كل الخشوع لله، والشعور بفضله، وعنايته، ورحمته، وحلمه، وتدفع الإنسان إلى حمد الله وشكره، وتسبيحه، وتوحيده. وهي تربي العقل على مبدأ علمي عملي، كان آخر ما اهتدى إليه الفكر الغربي، هو مبدأ التقنية، واستخدام القوانين العلمية وقوى الكون لرفاهية الإنسان. ذلك أن كل آية من هذه الآيات التي نزلت منذ أربعة عشر قونا، تقول للإنسان: استخدم حرارة الشمس التي سخر الله لك، واستخدم ضوء القمر، والرياح والنجوم، والأنهار، والجبال، والبحر، وكل شيء سخره الله لك، وجعل مفتاحه بيدك. وهذه قاعدة تشمل كل ما في الأرض، ألم يقل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢/ ٢٩] . هذا من الناحية العلمية والاجتماعية والحضارية، أما من الناحية التربوية، فقد ربانا القرآن التربية التي لا يطغى فيها الإنسان، ولا يتجاوز حده في استخدام هذه الأمور، فلا يفسد ماء الأنهار، ولا يقتل كائنات البحار، ولا يستعمل نعم الله في سفك الدماء، وتعميم الدمار، ولا يظلم أخاه الإنسان، فيغتصب خيراته بغيا وعدوانا، أو زورا وبهتانا. والتربية الإسلامية هي التي ضمنت هذا الجانب، فالإنسان، تحت رايتها، إنما يستخدم ما سخر الله له باسم الله، وبأمره، وفي حدود شريعته، والله لا يحب الفساد ولا يسمع بالظلم والعدوان، بل يدعو إلى العدالة بين الناس، والتراحم والتكافل والتعاون، فإذا ذكر الإنسان اسم الله على كل سلوكه، وتصرفاته وعلى كل ما يستخدمه أصبح سلوكه مثاليا، وامتنع عن كل بغي، وعدوان وإفساد وبهتان.

стр. 38

ثالثا: نظرة الإسلام إلى الحياة تختلف التربية باختلاف نظرة المربين إلى الحياة، من تفاؤل إلى تشاؤم إلى الشعور بالمسئولية، لذلك لا بد من توضيح أهمية الحياة، ودورها في الإسلام. مبدأ الحياة وكيف جعلها الله دار اختيار وامتحان: إن الإسلام قد نظر إلى الحياة نظرة جدية ملؤها الشعور بالمسئولية، وتوجيه الدوافع، وعندما عرضنا نظرة الإسلام إلى الإنسان رأينا أن للحياة مبدأين، أولهما عندما خلق الله آدم من طين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ١٥/ ٣٠-٣١] . ومنذ مبدأ الحياة البشرية الأول ميز الله هذا الجنس عن الملائكة، وسائر المخلوقات بميزتين: الميزة الأولى: العلم والعقل، والإرادة والاختيار، والتمييز بين الخير والشر. والميزة الثانية: أنه مخلوق من طين ثم من دم ولحم، وأنه تبعا لذلك مجبول على الشهوات والدوافع الغريزية، وما يتفرع عنها من الجهل وسفك الدماء، والإفساد والخسران، والهلع، والجزع، والطمع. ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٧٢] . ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١٠٣/ ١-٣] . ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٢/ ٣٠] . ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٧٠/ ١٩-٢٠] . ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ١٠٠/ ٨] . ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٨٩/ ٢٠] ، وفيه معنى غريزة الطمع وحب التملك. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٤/ ٢٨] وفيه معنى غريزة الانقياد. ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١١] وفيه إشارة إلى السرع وعدم الصبر.

стр. 39

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٧ /١٠٠] . ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ٨٧/ ١٦] وفيه إشارة إلى غريزة حب البقاء. وقد جمع الله للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات، والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الإنسان قادرًا على اختيار طريق الخير أو الشر، وجعل ذلك أساسا لحياته النفسية، وجعل عنده مقابل كل صفة من هذه النقائض قدرة عقلية على الضبط والاعتدال، وبالرجوع إلى الشرع والخوف من الله وعبادته، وفي مقابل ذلك كله، ولكي ندرك كمال التصور القرآني للنفس، والكون والحياة، وترابط هذه التصورات، وتقابلها وتكاملها، نتأمل وصف القرآن للحياة، فنجد أن الإسلام قد جعل هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، يمر بها الإنسان، ليصل إلى الآخرة، وهي حياة دائمة لام موت بعدها، فهنالك الحساب، فإما نعمي أبدي، وإما عقاب وعذاب. ولكن فيم يمتحننا الله، وما الهدف الذي يجب علينا أن نحققه؟؟ ١- بدء الامتحان، والاختبار الإلهي لأول البشر: منذ البداية الأول لحياة الإنسان ابتلى الله عبده آدم، وهو أول من خلق الله من البشر، وكلفه بالامتناع عن الأكل من شجرة عينها له في الجنة، وسلط عليه إبليس، فوسوس له وزين له معصية ربه، حتى عصى ربه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ٢٠ /١٢١] . وعاقبة ربه فأهبطه من الجنة، ونشأت العداوة بين إبليس ونسله، وبين آدم وذريته، وتاب الله على آدم: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ٢٠/ ١٢٢] ، وهداه وأنزل عليه وحيا، وشريعة له ولذريته. وبدأ الامتحان منذ ذلك الوقت، وما يزال كل من أبناء آدم يمر بهذا الامتحان، واستمر الصراع في نفس ابن آدم، وفي جموع البشر، بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر، بين أتباع الهوى والضلال، وبين أتباع الشريعة والإيمان، بين إبليس وجموعه وأتباعه، وبين الرسل والأنبياء وأتباعهم. حتى ختم الله الشرائع والأديان، بهذه الشريعة الإسلامية، وتعين على جميع البشر أن يتبعوها.

стр. 40

فأصبحت ورقة الامتحان التي تم نشرها بين جميع البشر، ليتأملوا موضوعها ويستجيوا لمطلوبها، هي المصدران الرئيسيان للشريعة الإسلامية: كتاب الله وسنة رسوله، وقد لخص الله لنا هذا الصراع الطويل منذ آدم، بنداءات وجهها إلى بني آدم، منها قوله تعالى: بعد أن وصف قصة آدم التي لخصناها: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٢٧] . ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ [الأعراف: ٧/ ٣١] . ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٣٥-٣٦] . نتائج الامتحان: ثم يصف الله لنا في بضع عشر آية نتيجة الخاسرين في هذا الامتحان، ونتيجة الرابحين المؤمنين الذين استجابوا لنداء ربهم، فأدخلهم جنات النعيم، والحوار الذي دار بينهما، وسنورد بعض هذا الوصف عند عرض الحياة الآخرة، بعد أن نستوفي وصف الحياة الدنيا. ٢- وصف القرآن للحياة الدنيا: الدنيا متاع مؤقت يستمتع به الإنسان، فليس له أن يجعلها هدفا وغاية له، فيغتر بها، وينسى الهدف الذي خلق من أجله، والامتحان الذي أعده الله له، وأن الآخرة هي دار البقاء، وأن الدنيا هي دار الفناء. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٦] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٧-٨] .

стр. 41

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١١/ ١٥-١٦] . ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٤] . ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٩/ ٣٨] . ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٢٨/ ٧٧] . ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٣٢] . ومن هذه الآيات نأخذ أهم صفات الحياة الدنيا، وعلاقة الإنسان بها فهي: أ- متاع مؤقت ومكان عبور، ووسيلة إلى الآخرة، ولا يجوز اتخاذها غاية. ب- الدنيا مملوءة بالزينة والزخرف، والشهوات والملذات، وهذا من تمام الابتلاء والاختيار. ج- يجوز للمسلم، بل يحق له أن يستمتع بالحياة الدنيا، وزينتها في حدود الشرع، ويشترك بها مع غيره من الكفار والملحدين، ولكن بشرط إلا تلهيه عن طاعة الله، أي يجب عليه أن يبتغي بها الدار الآخرة، وأن يسخرها في طاعة الله، فيستمتع بالمال ليؤدي زكاته، ويستمتع بالولد، ليربيه على طاعة الله وشريعته، وهكذا يستمتع بما أباح الشرع، بهدف تحقيق الشرع. د- الدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية، والبشرية التي سنها الله بين الشعوب والأمم، فمن سعى في الدنيا استوفى نتيجة سعيه في الدنيا، ومن سخر الدينا لإرضاء الله ربح في الدنيا والآخرة.

стр. 42

هـ- الحياة الدنيا قصيرة الأمد، لا تعدو أن تكون ساعة، أو يوما من أيام الآخرة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا، يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ٢٠/ ١٠٢-١٠٤] . و الحياة الدنيا دار تعب، وكدح وجد. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيه﴾ [الانشقاق: ٨٤/ ٦] . ز- المؤمنون ينصرهم الله في الدنيا والآخرة، فليست الدنيا لظهور الكفر، والفساد فقط. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٤٠/ ٥١] . ح- الحياة الدنيا دار لعب، ولهو، وتفاخر، وتكاثر: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد: ٥٧/ ٢٠] . ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر﴾ [التكاثر: ١٠٢/ ١-٢] . الآثار العملية والتربوية: وهكذا نجد أن هذه الصفات، التي وصف الله بها الحياة، بمجموعها، تدعو المسلم إلى أمور، وتربيه على عادات أهمها: أ- ألا يغتر بالحياة الدنيا، ويغفل عن الهدف الذي أوجدت من أجله بل يحاسب نفسه، ويعمل فيها على أنها دار امتحان مؤقت، فيبقى جادا يقظا، صبورا على الشظف، مغامرا تقدميا لا يقف طموحه عند حد، بل يتجاوز الأهداف الدنيوية القريبة، فيقوم بمشاريع تشبه المعجزات. ب- ألا يحرم نفسه مع ذلك من خيراتها، بل يتمتع بهذه الخيرات على أن يحقق، بهذا التمتع عبوديته لله، ويستهدف من وراء كل متعة إرضاء الله. ج- أن يصبر على بلواء الحياة وبأسائها؛ لأنه عرف مسبقا أنها دار كدح وابتلاء، فلا ييأس ولا يتذمر بل يصبر، ويستعد للجهاد. د- أن يجند الفرد والمجتمع كل عدته لمنازلة أعداء الفضيلة والخير، من الجنة والناس، وأن يعلم أن الله ينصر المؤمنين، إن هم حققوا إيمانهم في سلوكهم واتبعوا كتابه ورسوله، وأخذوا بأسباب القوة والعزة، والمتعة كما أمرهم الله. أما وصف الحياة الآخرة فهو واحد من أركان الإيمان، وسنعرضه مع العقائد إن شاء الله.

стр. 43

الأسس التعبدية: تمهيد في معنى العبادة: لكل نظام فكري يراد له البقاء، رياضات وأساليب سلوكية، تغلب عليها في هذا العصر الصفة الجماعية، وتكون عادة مصحوبة بهتافات، وجهود وحركات جسمية منظمة، ويؤدونها جماعات جماعات، كل جماعة بحسب عمرها وثقافتها، ومكانتها، وذلك ليواكبوا بين انطباعات الإنسان النفسية والفكرية، وبين طاقاته الجسمية، اعترافا منهم بأن الكائن البشري وحده لا تتجزأ، بجسمه وعقله وروحه. بيد أن الإسلام قد سبق إلى هذا الاعتبار، وأوجد تكاملًا تربويا لم يتوصل إليه أن نظام من هذه الأنظمة. فبينما تبدو رياضات اليوم، وتجمعات الناس نوعا من العبث وإضاعة الوقت، ليس بينها وبين الفكر السليم، والمنطق، والفطرة النفسية رابط حقيقي متين كـ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ﴾ [الأعراف: ٧/ ٥١] . تظهر لنا العبادات والنسك الإسلامية، أعمالا تعبدية، ورياضيات روحية، عميقة الجذور، ترتبط بمعان سامية، تنبع من فطرة النفس، وبذكريات عظيمة هزت التاريخ، وتقوم بتنظيم حياة المسلم اليومية "بالصلاة"، وحياته الغذائية السنوية "بالصوم"، وحياة المجتمع المسلم الاقتصادية المتكافلة "بالزكاة"، كما تقوم بتنظيم وإحياء وحده المجتمع الإسلامي الكبير، والروابط والمشاعر الاجتماعية للأمة الإسلامية كله في شتى أصقاع الأرض "بالحج". ولكن السر في هذه العبادات، يكمن في أنها كلها ترتبط بمعنى واحد، هو الذي وحد نوازع الإنسان كلها، وهو الذي ألف بين جميع أفراد المجتمع المسلم، إنه

стр. 44

العبودية لله وحده، وتلقي التعليم والأوامر من الله وحده في أمر الدنيا، والآخرة كله. ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٨/ ٦٣] . ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٦٢-١٦٣] . وما هذه اللحظات والدقائق، وبعض الساعات أو الأيام، التي تشغلها العبادات في حياة المسلم، إلا تذكيرًا بهذه الصلة الدائمة بالله، وترويضًا للنفس على الخضوع الدائم لأوامر الله، فالمسلم يستيقظ لذكر الله، عند الفجر، وينام بأمر الله، بعد صلاة العشاء، ويأكل ما أباحه الله، ويمسك عن الطعام عندما يمنعه الله عن الطعام، ويعطي من المال ما توجبه عليه شريعة الله، ويتمتع بالمال كما يسمح له الله، ويأتي شهوته من حيث أمره الله، ويمتنع عن الشهوات الدنيئة الضارة التي حمانا منها الله، فإذا خرج من بيته ذكر الله بدعاء خاص، وإذا دخله ذكر الله بدعاء آخر، وإذا نام ذكر الله، وغذا رزق مولودًا ذكر الله، وإذا دخل السوق للكسب ذكر الله، إلخ.. الأثر التربوي للعبادة: ١- العبادات في الإسلام تعلمنا الوعي الفكري الدائم، فما من عبادة يقبلها الله إلا إذا اتصفت بشرطين: أ- إخلاص النية والطاعة لله. ب- والإتيان بالطاعة على الشكل والأسلوب الذي سنه رسول الله، ثم الاستمرار على هذين الشرطين حتى تنتهي العبادة أي: ١- الاستمرار في الخضوع لله والتفكير بعظمته، والشعور بالانقياد له. ٢- والاستمرار في وعي الإنسان لعبادته، وتمشيها مع الشريعة والتعاليم الشرعية بشكها وموضوعها، وما دامت كل أعمال المسلم عبادات

стр. 45

يقصد بها وجه الله، فإن هذه الوعي الفكري يجعل الإنسان المسلم إنسانا منطقيا واعيا في كل أمور حياته، إنسانا منهجيا، لا يقوم بعمل إلا ضمن خطة، ووعي وتفكير. لا يخدع المسلم؛ لأنه في يقظة دائمة يراقب الله في كل أعماله، وهذا هو لب العبادة؛ ولأنه يعبد الله على ضوء خطة مرسومة، ويقيم حياته على ضوء هذه الخطة، إنها الشريعة الإسلامية. ٢- كما أن العبادات تربي المسلم على الارتباط بالمسلمين، حيثما كان، ارتباطا واعيا منظما متينا مبنيا على عاطفة صادقة، وثقة بالنفس عظمية، فهو ارتباط واع؛ لأنه ليس طاعة عمياء للمجتمع، ولا هياجا جماهيريا عابرا، يخبط خبط عشواء! إن الأعمال التعبدية التي يأتيها المسلم مع المسلمين تكسبه لذة الشعور بقوة الجماعة، وعواطفها المشتركة، إلى جانب لذة المناجاة الفردية، والشعور بقوة الذات المسلمة التي تستمد قوتها من خالقها بالدرجة الأولى، فإذا انفرط عقد المسلمين أو منعوا من الاجتماع لسبب طارئ، لم يفقد أفرادهم مقوماتهم الذاتية، من جهة، ولكنهم مع ذلك يعودون إلى التجمع من جديد على أساس عقيدتهم من جهة ثانية، لعلمهم بأن عباداتهم منفردين لا تكون كاملة، ما داموا قادرين على التجمع، بل إن بعض العبادات قائمة على التجمع كالحج والزكاة، فمهما منعوا من إقامة المجتمع المسلم فلا بد لهم من العودة إليه، وتوحيد القلوب والنفوس المؤمنة، حتى تصبح كالجسد الواحد. ٣- والعبادة في الإسلام تربي النفس المسلمة على العزة والكرامة، وإباء الضيم، والاعتزاز بالله؛ لأنه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، بيده رقاب الجبابرة يقصمهم متى شاء، وبيده الموت والحياة، والرزق، والملك والجاه والسلطان، هذه المعاني وأمثالها يرددها المسلم دائما في عباداته اليومية١، والسنوية ويرددها الخطباء في الاجتماعات التعبدية الأسبوعية، فإذا استيقظت وعاشت في نفوس المجتمع المسلم

стр. 46

وفي حياة أفراده وتعاملهم وعلاقتهم، استقام كل إنسان ولم حدوده، فلا ظلم ولا استعلاء، ولا غمط ولا استغلال، ولا ذل ولا استعباد، ولا تفريق بين الطبقات، الكل تحت لواء الله، والله أكبر من أن يرضى لعباده الظلم. ٤- والعبادات المستمرة في جماعة واحدة، تحت لواء عقيدة واحدة، حيث الجميع يناجون ربا واحدا، ثم إذا فرغوا تعارفوا وتناصحوا وتشاوروا، قبل أن ينفضوا من اجتماعهم. كل ذلك يعلم المسلمين الحياة الشورية، القائمة على التعاون، والمساواة، والعدل؛ المساواة أمام القانون؛ لأنهم متساوون من حيث المبدأ أمام الله الذي أنزل القانون والتشريع، كما أن العبادة تربيهم على العدالة في المعاملة بإعطاء كل ذي حق حقه، وحقه في المجتمع هو العمل اللائق به وبمهاراته وقدراته، وتقواه وصلاحه، سواء كان ينتسب لهذه الاسرة أو تلك. ٥- العبادة في الإسلام تربي عند المسلم قدرا من الفضائل الثابتة المطلقة١، لا تقف عند حدود الأرض، أو القوم والمصلحة القومية، أو الحزب الحاكم، ولكنها تعم التعامل مع البشرية جمعاء، فالمسلم هو المسلم بأخلاقه وإنسانيته، أتى سار, وحيثما حل؛ لأن ربه واحد يراقبه حيثما كان. أما البريطاني مثلا، فإنه قد لا يسرق، ولا يكذب، ولا يغش، ولا يقتل، ولا يغتصب، ولكن ذلك كله، يكون منه في حدود بريطانيا، وفي مصلحة القومية البريطانية، أما إذا انتقل خارج الحدود البريطانية، خارج الوثن الذي ربي على عبادته، وقامت تربيته على أساسه، فهما هنا تفجؤك منه أخلاق لم تعهدها منه: الأنانية اليغيضة والجشع، والغش والخداع، وربما قتل الناس ونهب أموالهم وخيراتهم بالمليارات: قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر ... وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر..! وفي هذا خير مثل على الفارق الحاسم بين منهج التربية الإسلامية، ومناهج التربية غير الإسلامية.

стр. 47

وفيه أوضح دليل على عظمة منهج الإسلام التربوي حين يقيمه الإسلام على أساس عبادة الله بمعناها الواسع الشامل، وعلى أساس الصلة الدائمة بالله، لا على أساس الأمور الوضعية البشرية، والاعتبارات الأرضية الدنيوية. ٦- والتربية على أساس العبادة تزود الإنسان دائما بشحنات متتالية من القوة المستمدة من قوة الله، والثقة بالنفس المستمدة من الثقة بالله، والأمل بالمستقبل، المستمد من الأمل بنصر الله وثواب الجنة، والوعي والنور المستمد من نور الله. هذه الشحنات التي تدفع المسلم دائما إلى الإمام، وتهبه القدرة المستمرة على الدأب والجهد، وتقديم كل طاقاته حية منتجة، واعية مستمرة. والإسلام يحرص حرصا شديدا على استمرار هذه الشحنة الحية التي تعبئ القلب، وتنير له الطريق في أصعب الظروف وأحلكها، فينهض من كونه كلما تعثر، ويستنير بنور العبادة والصلة بالله كلما أظلم ما حوله، حتى يقصد عبادة الله في كل أعماله، ومعاملاته وقضاء مآربه. والإسلام صريح في اعتبار العمل هو العبادة، ما دام القلب يتجه فيه إلى الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ [البقرة: ٢/ ١٧٧] . هذا هو منهج العبادة الذي يرسمه الإسلام، ويقيم عليه أسلوبه ومنهجه التربوي مشترطا فيه الصدق مع الله، والتقوى لله، أي الصلة الدائمة بالله١. ٧- ثم إن تربية المسلم بالعبادة تجدد نفسه باستمرار، لا بما تمنحه العبادة من شحنات من النور، والقوة والعاطفة، والأمل فحسب. بل بالتوبة التي تزيل عن قلبه، وتصوراته ما قد يعلق بهما من أدناس، وتمحو من جوارجه أثر ما قد يكسب من آثام أو أخطاء.

стр. 48

واكتساب الإثم يعني انحراف الإنسان عن جادة الصواب، أي عن طاعة الله وعبادته التي أخذ بها نفسه، منذ أن آمن بالله حق الإيمان، وأسلم وجهه لله، أي استسلم لأوامره ومناجاته، والخضوع له، والتوبة من الذنب أو الإثم هي الرجوع عن ارتكابه، والعزم على تركه وأن يستبدل به الإنسان عملًا صالحًا. وهي جزء من العبادة؛ لأنها تقوم على تذكرة رقابة الله، ونعمه وجبروته وعقابه، وهذا التذكير يدعو إلى الندم على ما فرط الإنسان في جنب الله، والإقلاع عن الذنب، والقيام بالعمل الصالح. بل هي عبادة راتبة يومية ندب إليها رسول الله ﷺ ، فقد كان يستغفر بعد كل فريضة، وكان يستغفر كل يوم سبعين مرة. وقد أمر بها القرآن قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٢٤/ ٣١] . كما أخذ الله العهد على نفسه أن يمحوا أخطاء التائبين، ويغفر لهم: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٦/ ٥٤] . فالتوبة تطهير مستمر للنفس، ورجوع مستمر إلى الله، وقد علمنا رسول الله ﷺ أفضل صيغة للتوبة، والاستغفار فقال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، ومن قالها حين يصبح موقنا بها، فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقنا بها، فمات من ليلته دخل الجنة" ١. وقد ثبت لدى علماء النفس، والطب النفسي أو الصحة النفسية، أن التوبة تشفي من كثير من الأزمات، والأمراض النفسية؛ لأنها تعين على إعادة تكيف الإنسان مع نفسه، ومع مبادئه ومثله الأعلى، ومع مجتمعه القائم على المثل الأعلى، الذي هو عباة الله في النظام الإسلامي، ومراقبته، كما أنها تربي المجتمع على التسامح بين أفراده. وفي هذا المعنى "التسامح" يقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٤/ ٢٢] . وكان أبو بكر قد أقسم ألا يعود إلى إعطاء "مسطح" الذي روج الإفك، وهو اتهام عائشة ﵂، وألا يتصدق عليه بعد ذلك، وكان قبل ذلك يتعهده بالصدقة، فلما نزلت هذه الآية في حق أبي بكر وأمثاله قالوا: "بلى نحب أن يغفر الله لنا"، وعفى وصفح عمن تكلم في عرض ابنته. لأن التوبة وطلب المغفرة من قد علمته أن يصفح عن الناس كما يحب أن يغفر الله، ويصفح عنه.

стр. 49

الأسس التشريعية مدخل ... الأسس التشريعية: الشرع في القرآن الكريم هو سن التعاليم الدينية، وبيان العقيدة التي يجب الإيمان بها، وعبادة الله على أساسها، وإصدار الأوامر والنواهي التي تحقق ذلك كله، وهو من خصائص الله تعالى، وكل من سمح لنفسه بالتشريع، أو أطاع غيره في غير ما شرع الله من أمور الدين، وما يرتبط به ومما وضع الله له تشريعا، فقد أشرك مع الله إلها آخر، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في حق من اتخذ مشرعا له من دون الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١] ، وروى الإمام أحمد١ عن عدي بن حاتم أنه دخل على رسول الله، وهو يقرأ هذه الآية قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال ﷺ : "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم". وقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٤٢/ ٢١] . وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ٤٢/ ١٣] .

стр. 50

أولا: أثر الشريعة في تربية الفكر الشريعة الإسلامية أساس عظيم من أسس التربية الإسامية، فهي بمعناها القرآني الواسع بيان للعقيدة، وللعبادة، ولتنظيم الحياة، ولتحديد تنظيم جميع العلاقات الإنسانية. ١- فهي أساس فكري يشمل كل ما رأينا من التصورات الفكرية عن الكون والحياة والإنسان، إنها تشمل موقف الإسلام من الإنسان أو نظرته إليه، ونظرة الإسلام إلى الكون والوجود، وعلاقة المسلم بذلك كله. وهي بهذا ترسم للمسلم صورة منطقية متكاملة ليتصور علاقته بالكون، وليعرف مبدأه، ومصيره وقيمته ومكانته، ووظيفته، وهدفه، وهي بهذا تصوغ عقل المسلم صياغة خاصة، تجعل قدرته على العطاء أعظم من طاقاته، وأمله أوسع من إمكانياته، مدى تفكيره أوسع من إحساساته. ٢- كما أنها تقدم للمسلم قواعد ونظما سلوكية تجعل حياته مثالا للدقة، والنظام والأمانة والخلق الرفيع، والمنهجية والوعي السليم، والتفكير في كل ما يعمل أو يريد عمله قبل الإقدام عليه، أي التصميم قبل التنفيذ، وهذا يربي عند المسلم عادة عظيمة ومفيدة، هي أن يفكر دائما قبل أن يعمل، وأن يكون هادفا ومتقنا، ومنتجا في كل ما يعمل. ٣- الشريعة تربي الإنسان على التفكير المنطقي عن طريق استنباط الأحكام غير أن أحكام الشريعة، كما جاءت في القرآن والسنة، بعمومها وشمولها، لم توضع لعلاج مواقف فردية، أو حالات جزئية بخصوصها، بل وضعت ليستفاد منها في كل العصور والأزمان، ولدى كل موقف يصادفه فرد، أو جماعة من بني الإنسان.

стр. 51

ولذلك قال الفقهاء، وعلماء الأصول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ومن ذلك كانت مرونة الشريعة الإسلامية، وحيويتها، وقدرتها الدائمة على العطاء، وإصدار الأحكام في أحلك الظروف وأصعبها، وتقديم العلاج لكل داء اجتماعي، أو نفسي. ومن هذه المرونة نشأت مرونة عقل المسلم، وقدرته النادرة على حسن المحاكمة والاستدلال؛ لأنه يتعلم ذلك منذ أن يحفظ في طفولته آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ ويفهمها، فيفكر في تطبيقها على واقعة، فإذا كانت الآية أو الحديث قاعدة عامة، حصل القياس، أو ما يسميه المناطقة بـ"الاستنتاج"، وقام به العقل دون تصنع أو عناء. لو قرأ الطفل مثلا قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨٥] ، وفهم معناها، ثم سئل عن نفسه "ما مصيرها على ضوء هذه الآية؟ " لربط نفسه بمصير كل النفوس، ولطبق حكم هذه الآية العام على حالته الخاصة، أو حالة قريب له كان قد توفي من قريب أو بعيد. ٤- الشريعة تخرج شعبًا متحضرًا حضارة راقية. وفهم الشريعة الإسلامية يحتاج إلى تعلم القراءة والكتاة، وإلى تلاوة القرآن، وتدبر أحكامه ومعانيه، وإلى تعلم الحساب "لعلم الفرائض"، والتاريخ "لفهم السيرة وآيات الجهاد"، وإلى معرفة جغرافية الجزيرة العربية، وغيرها، لمعرفة مواطن الأقوام البادئة الذين عذبهم الله كقوم شعيب أهل "مدين"، وقوم عاد وغيرهم ممن تجبروا في الأرض، وعتوا عن أمر ربهم، وكقوم فرعون في مصر. وقد حض القرآن على التفقه في الدين وتعلم الشريعة، فقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٩/ ١٢٢] . وقد جمعت هذه الآية مطلبين: التعلم والتعليم، فكان من خصائص هذه الشريعة، توسيع الآفاق الفكرية، وتثقيف العقل البشري، والحض على طلب

стр. 52

العلم، بل جعلته فريضة، فبلغت الأمة الإسلامية درجة من الحضارة العلمية لم تبلغها آنذاك أمة غيرها. وكانت أستاذة الغرب، في اكتشاف وحدة قوانين الكون، وأهمية التجريب للتأكد من حصة الحقائق العلمية، وفي إيجاد علم التاريخ، وضوابطه وأسانيده، وعلوم اللغة وأوزان الشعر، وفي الطب، والفلك، والجبر، وعلم الضوء، وكانت الشريعة الإسلامية، والرغبة في فهمها وتطبيقها، هي المبنع الثري الذي انبجست منه كل هذه العلوم، وغيرها كثير مما لا يتسع له البحث هنا؟ هذه بعض الخصائص الفكرية للشريعة الإسلامية، وهذه أهم نتائجها في تربية عقل المسلم: ١- على الشمول فهو ينظر إلى نفسه، وحياته نظرة كلية متعلقة بتصوره الشامل لهذا الكون، ولجميع جوانب الدنيا والآخرة، كما علمه القرآن. ٢- وعلى الوعي الفكري لكل ما يعمل، أو يقول أو يريد، أو يكتب. ٣- وعلى التفكير المنطقي، والقدرة على المحاكمة والاستنتاج، والاستقراء كما علمه القرآن. ٤- وعلى الرغبة في التعلم والوصول إلى الحقائق العلمية، مما يؤدي إلى مجتمع ذي حضارة فكرية، ونظم تعليمية وتربوية لم توجد عند غيره. غير أن هذه الأمور قد جاءت خلال تعلم الشريعة، عفوا من غير قصد، ودون أن تنص الأحكام الشرعية على كثير منها، وإن كانت الشريعة بمعناها الواسع الذي يضم تصور الإنسان للكون ويضم العقيدة، والإيمان بالغيب، وقد أمرتنا بطلب العلمِ، كما أمرتنا بالنظر في الكون وفي أنفسنا، وبالسير في الأرض، ويأخذ العبرة من التاريخ. ولما كنا قد استوفينا هذه المعاني في البحث الأول من هذا الفصل، فقد بقي علينا الآن أن نبحث في الأثر المباشر للأحكام الشرعية، وإحاطتها بحياة الفرد، وحياة المجتمع، وما تركت فيهما من توجيه سليم، وما رسمته من أطر وخطوط كبرى لحياة آمنة مستقرة، قائمة على العدالة ينشأ في ظلها الفرد، ويتعايش بل يتراحم، على أساسها المجتمع.

стр. 53

ثانيا: أثر الشريعة في تربية الخلق والشريعة الإسلامية لها جانب تربوي، يتضح في أسلوبها حين تعرض على طريق الترغيب والترهيب، أو أخذ العبرة من التاريخ، أو الحض على التقوى، ومخافة الله، ولذلك نجد كثيرا من الأحكام يعللها القرآن تارة بـ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ٢/ ٢١] ومواضع كثيرة في القرآن، وتارة بالتطهير والتزكية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ٩/ ١٠٣] وتارة.. وتارة.. وللشريعة جانب تطبيقي يتجلى في الأمر والنهي، والتحريم، والتحليل، والإباحة والحظر، والحدود، والعقوبات، والقصاص، والإرشاد إلى كيفيات وأساليب عملية، أو تعاملية معينة، في البيع والزواج وسائر العقود، وكثيرا من أمور الحياة. ١- الشريعة ضابط خلقي للفرد: عندما تتمكن تعاليم الشريعة من نفس الفرد، ومشاعره تصبح بمثابة ضابط خلقي، يحاكم المرء نفسه إليه، عندما يقف أمام أمور مشتبهات، كبعض أساليب البيع والشراء، وكذم الإنسان يجاهر بالمعصية، ونحو ذلك، والضابط الخلقي هنا غير الوازع التربوي الديني، فالوازع يبعدك عن موضوع المحرمات بالكلية، ولكن الضابط هو الذي يقول لك بدقة: هذه حدود المحرمات في البيوع، فلا تقترب منها، والنظرة سهم مسموم فصن نفسك عن النظر إلى الأجنبيات، فإذا اضطررت من أجل معرفة الشخص، فلك النظرة الأولى. وكان المجتمع الإسلامي يشترط حدا أدى من معرفة أحكام الشرع، فلا يدخل السوق، مثلا، من لم يعرف الحلال والحرام من البيوع. لذلك كانت تربية هذا الضابط تتم في حلقات العلم، وكان جميع الناس يقضون أمسياتهم في حلقات العلم، فلا عمل بعد الغروب إلا طلب العلم، والمساجد التي تتسع لصلاة جميع الناس، هي التي تتسع لتعليم كل الناس، والدافع الحقيقي لهذا الضابط هو الخوف من الله، فلا يحاول المسلم التهرب من الشرع أو الاحتيال عليه، وهذه هي الميزة الأساسية التي تميز الشرع عن القانون.

стр. 54

٢- الشريعة ضابط اجتماعي: وعندما يكثر تداول أحكام الشريعة، على المستوى الاجتماعي، في حلقات الوعظ وخطب المنابر، تصبح بعض هذه الأحكام أعرافا، ومصطلحات اجتماعية فعندما كنت طفلا كان يعير بعض الناس في دمشق بأنه "فوايزي" أي ربوي يأكل الربا، وكانت هذه اللفظة بغيضة مقيته، إذا أطلقت على شخص تحاشاه الناس، وهذا يدل على أن المجتمع يدافع عن كيانه الديني حين يمنع المجاهرة باقتراف المحرمات، فيحتقر السكير والفاسق، والمجاهر بالمعاصي، والمرأة المومس. وقد ربى الإسلام هذه الفطرة الاجتماعية، فنظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحض على ذلك، وجعل تركه من علاات انهيار المجتمع، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٥/ ٧٨-٧٩] ، وعن أبي بكر عن رسول الله ﷺ : "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه"، أخرجه الإمام أحمد في المسند "١/ ١". ٣- الشريعة ضابط سياسي: عندما تتولى السلطة تنفيذ أوامر الشريعة، تصبح تعاليم الشريعة، سلوكا سياسيا تسلكه الدولة مع جميع رعاياها، فتقطع يد السارق، وترجم الزاني وتمنع الخمر، والتبرج، والخلاعة، والظلم، والبغي بغير الحق، وتراقب الباعة فتمنع الغش والاحتكار، وتنشر العلم، وتحيط المدارس بعناية وتوجيهات دينية خاصة، وترسل الدعاة إلى الله، وترفع راية الإسلام، وتوجه وسائل الإعلام توجيها إسلاميا. ويتربى الناشئ في هذا الجو على المعاني الإسلامية يستقيها من منزلة، ومدرسته، ومن النداءات التي تتعالى في المآذن ومن منابر المساجد، ومن الإذاعة، والرائي، ومن كل شيء يحيط به، فلا يقع بصره إلا على معروف، ولا يطوق سمعه شيء ينكره الإسلام، أو يغضب الله، ولا تحدثه نفسه بمعصية، ما دامت هيبة الدولة المسلمة، وهيبة المجتمع المسلم يردعانه عن ذلك.

стр. 55

فإذا وقع في معصية، سترها وندم وتاب، وعاد إلى جادة الصواب، فيتوب الله عليه إن كان لا يجهر بها، ثم أقلع عنها. وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية تربي الناس بثلاثة أساليب: ١- أسلوب تربوي نفسي ينبع من داخل النفس، ضابطه الخوف من الله ومحبته، وتطبيق شريعته اتقاء لغضبه، وعذابه ورغبة في ثوابه، وهذا الأسلوب قد تخبو جذوته أحيانًا عند بعض الناس، أو يفقده من لم يتمكن الإيمان من قلبه، فتسول نفسه له العبث بحرمات الناس، ويطمع بالمال المحرم أو الشهوات المحرمة من كان في قلبه مرض، فتعالجه الشريعة بالأسلوب الثاني. ٢- التناصح الاجتماعي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فالمجتمع الغيور على شريعة الله، وحرماته لا يدع منكرًا، ولا يقر على ترك أصل من أصول الإسلام كالصلاة والزكاة والصوم، والجهاد، بل يأمر المقصر، ويأخذ بيده، ليعينه على نفسه، أو على تربية أولاده. ٣- وازع السلطة التنفيذية أي الدولة المسلمة التي تنفذ أحكام الشريعة، فيستتب الأمن، ويسود سلطان الشرع، وينعم الناس بعدل الشريعة. وهذه الأساليب الثلاثة تتعاون على تحقيق المعاني الإسلامية، وتطبيقها في حياة الفرد والجماعة والدولة، فتصبح هذه الحياة أقرب ما تكون إلى الكمال، والسعادة والحضارة والرخاء، والتكافل والطمأنينة والاستقامة. وتتبع أصالة الشريعة الإسلامية من اعتمادها على الإيمان بالله، وعبادته، والخوف منه، وعن هذه الأصالة يصدر المجتمع في تقاليده وأعرافه الإسلامية، كما يصدر الفرد في سلوكه، وأمانته، وانضباطه الذاتي، وإقباله على تعلم الشريعة، وتطبيق أحكامها على نفسه، دون حاجة إلى رقيب، أو جلاد رهيب، يدعه إلى تنفيذ الأوامر دعا، كما يحدث لدى الأمم ذات القوانين الوضعية. وهذه هي أعظم ميزة تميز الشرع الإسلامي عن القوانين البشرية الوضعية.

стр. 56

ثالثا: الضروريات الخمس، وأثرها التربوي يرى جمهور الفقهاء أن الشريعة الإسلامية تدور أحكامها حول حماية خمسة أمور هي أمهات لكل الأحكام الفرعية، ويسمونها الضروريات الخمس وهي: حفظ الدين-حفظ النفس-حفظ المال-حفظ العرض-حفظ العقل. ١- حفظ الدين: فالله تعالى أراد أن يسود الإسلام، ولا يحق لمسلم أن يعيش ذليلا تحت إمرة دين آخر، ولا لدولة مسلمة أن تتخلى عن الحكم بالشرع، أو تسمح بحرية الإلحاد والردة والكفر، أو تحمي الزندقة، ولا أن تقرها وتسمح بوجودها، ولو سموا ذلك، زورا وبهتانا، حرية اعتقاد، أو تسمحا؛ لأن في ١ذلك تجرؤا على حرمات الله، وتلاعبا بعقائد الناس. وحلول هذه المعاني وردت آيات عديدة نذكر منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٩/ ٣٣] وقوله سحبانه: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُون﴾ [التوبة: ٩/ ١٢] . وأحكام هذه الضرورة مثبوتة في أبواب الجهاد، وحد الردة، الفسق، والابتداع، ونحو ذلك، فلأهل الكتاب معاملة في الجهاد تختلف عن معاملة المشركين الوثنيين، قال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٩/ ٢٩] . والنتيجة التربوية لتدريس هذه الأبواب الفقهية إعداد الجيل لمحاربة أعداء الله دفاعا عن دينه وعقيدته، وشعوره بالعزة والكرامة، والاعتزاز بالشريعة الإسلامية، وبرفع رايتها، ويتميز الأمة الإسلامية، وبأخوة الجهاد والسلاح في سبيل الله مع جميع الشعوب الإسلامية، فلا يجوز التساهل في تدريس هذه الأبواب في الفقه الإسلامي، ولا يجوز إهمالها أو إغفالها عند وضع مناهج التعليم؛ لأن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، كما أخبر الرسول ﷺ ؛ ولأن الصلح مع الدولة المعادية لا يجوز إذا كانت تلك الدول تحتل أرض الإسلام، أو تعين على احتلالها.

стр. 57

٢- المحافظة على النفس: حرم الله قتل النفس بغير حق، وأنزل أشد العقوبة بمرتكب ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٣٣] . وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٤/ ٩٣] . وذكر الله قصة قتل أحد أبناء آدم لآخيه، وكانت أول حادثة قتل على الأرض، ثم عقب عليها بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٥/ ٣٢] . وحرم الله الانتحار: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٤/ ٢٩] . وفي بعض أبواب الحدود من الفقه الإسلامي أحكام القتل، والديات والقصاص، ودراستها تزرع في نفوس الناشئة احترام الأرواح، والنفوس، والبعد عن التفكير بالثأر أو الاعتداء، أو أي جريمة من هذا النوع، كما تزرع العدالة، وحب القصاص، وما ينتج عن ذلك. ٣- المحافظة على المال: المال وديعة في أيدي العباد، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٢٤/ ٣٣] استودعهم الله إياها، ليؤدوا زكاتها، وليثمروها بالطرق المشروعة دون ظلم، ولئلا يسرفوا فيها، ولا ينفقوها في المفاسد الخلقية، كالمعارف والخمور والزنا، ولا يجوز تبديد المال بوضعه بين أيدي السفهاء الذين لا يعرفون قيمته، ولا يحفظونه، قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٤/ ٥] . فاعتبر أموال اليتامى السفهاء ملكا للأمة، وفيها قوام شئون الأمة، وحياتها الاقتصادية، فلا يجوز السماح لهم بتبذيرها وتبديدها، فكيف بوضعها في أيدي الذي يحاربون بها الله ورسوله، والأمة الإسلامية؟

стр. 58

وقال سبحانه محرما أكل الأموال بالتزوير والاحتيال كالرشوة، ونحوها: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٨٨] . وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٤/ ٢٩] . والفقه الإسلامي اعتنى بأحكام المال عناية فائقة، في أبواب البيوع والإجارة والزكاة، وسائر المعاملات، وحرم الربا، وذكر أنواعه وشبهاته. فترك بذلك أثرا تربويا طيبا، جعل الناشئ اقتصاديًّا، يخشى الله في المال، فلا يسرف ولا يبذر ولا يبدد، ويحترم أموال الآخرين فلا يقربها، ولا يفكر في اغتصابها أو الاحتيال في أخذها. كما ربى الإنسان على احترام العمل، الكسب الحلال، وشرع الميراث للولد صغيرًا كان أم كبيرًا، خلافا للأنظمة المنحرفة التي تجعل الميراث للولد الأكبر. ٤- المحافظة على العقل: أشاد العقل بذوي العقل المفكر، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٢٠/ ١٢٨] ، وقد كرر ذلك، أو ما يشبهه في العديد من الآيات، كلما ذكر آية من آيات قدرته، وتدبيره وإبداعه: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [البقرة: ٢/ ١٦٤] ، ومواضع أخرى من القرآن: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [يونس: ١٠/ ٢٤] ومواضع أخرى من القرآن. وقد نهى الإسلام عن الخمر لما فيها من أضرار، وأشار إشارة صحيحة إلى ضررها العقلي، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤/ ٣٤] ، وفي هذا إشارة إلى أن الخمر يؤدي إلى اختلاط عند الإنسان حتى إنه لا يدري ما يقول، وأنه بدئ تحريمها لهذا السبب. وقال سبحانه منددا بالذين لا يفكرون لا يستعملون عقولهم في الخير والمعرفة: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٨/ ٢٢] . وقد عرض القرآن آيات الله في الكون، كما رأينا، عرضا ربى العقل على حسن المعرفة، والمنطق العلمي، والفكر الاستدلالي، والنهج التجريبي.

стр. 59

٥- المحافظة على العرض، والنسل، والأنساب: من عظمة الإسلام التربوية أنه حمى الطفولة، وأحاطها بحصن اجتماعي متين، حين جعل علاقة الأبوين على درجة من المتانة لا يتطرق إليها أي خلل أو شك، أو ريبة تنغص على الأسرة حياتها، وجعل ميثاق الزوجية ميثاقا متينا عظيما، فقال عز من قائل: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٤/ ٢١] . فقد حمى العلاقة الزوجية من أية خيانة، أو إهانة تصدر عن أي من الزوجين وجعل عقوبة الموت رجما بالحجارة لكل زوج تثبت عليه١ خيانة صريحة، أي اتصال جنسي غير مشروع، بشهادة أربعة شهداء. فكما أن الأمة: "المجتمع الكبير" تدافع عن كيانها بإعدام من يخونها، وينقل أسرارها أو يهين رئيسها أو حكمها، كذلك الأسرة، ذلك "المجتمع الصغير" الذي هو نواة لمجتمع الأمة، وأساس له، قد دافع الله عنها بهذا التشريع العادل العظيم، فتبناه المجتمع وأحاطه بهالة من الاحترام والتقديس، والرهبة، والاهتمام. فتوفر بذلك للطفل الانتماء إلى نسب شريف، وآل بيت نظيف، وانعدام وجود الأبناء غير الشرعيين في المجتمع المسلم؛ على حين نجد المجتمع الأوروبي يعاني منهم بنسبة كبيرة، تهدد بخطر اجتماعي جسيم. وقد تهيأ للطفل كل ذلك بما شرع الله من أحكام تحفظ الأسرة من التشتت والضياع، وتحفظ المرأة من الابتذال، وترفع مكانتها من أن يجعلها الفساق أو مرضى القلوب مضغة في أفواههم، فيحطمون مكانتها في قلب زوجها وأولادها باتهامات باطلة، ووضع الإسلام حدودا وعقوبات لذلك كله، حتى لا يقترب أحد من ذلك السياج الزوجي بسوء. وكان من نتيجة ذلك أن حفظت الأنساب، وعرف الناس بآبائهم وقبائلهم، وتعارفوا بالنسب أو المصاهرة. وحفظ النسل من الضياع، فوجد الأولاد العش الأمن، يترعرعون فيه من غير خوف يهدد كيانهم النفسي، ومن غير أن يفقدوا حنان الأم والاعتزاز بالأب، ورعاية كل منهما. من أجل ذلك وجدنا كتب الفقه، والتشريع الإسلامي تخصص جانبا كبيرا لأحكام الرضاع، والزواج، القذف واللعان، والطلاق والحدود، والحضانة، وما إلى ذلك من فروع وأحكام. ولنا عودة إلى هذا البحث، عندما سنطرق موضوع الإسلام والطفولة، إن شاء الله.

стр. 60

رابعا: العقيدة الإسلامية، وأثرها التربوي: تمهيد: العقائد هي الأفكار التي يؤمن بها الإنسان، ويصدر عنها في تصرفاته وسلوكه، وتطلق العقائد الإسلامية على أركان الإيمان، وما يتفرع عنها من توحيد الألوهية، والبعد عن كل شبهات الشرك، وعلى الإيمان بما ثبت من المغيبات أي الإيمان بالغيب، وبالرسل والكتب، والملائكة واليوم الآخر. فالإيمان إذن هو أساس العقائد، ولكي نفهم أهمية العقيدة، ولماذا اعتبرت أساسا، بل لماذا كانت الركن الأول الذي بنيت عليه التربية الإسلامية، لا بد لنا من وفقة عند كلمة الإيمان، لنحلل معناها ولنوضح أهميتها. أهمية الإيمان وضرورته كأساس من أسس التربية ١: ١- المراد بإيمان الإنسان بشيء: أنه قد استقر في ذهنه تصديقا ويقينا، ولم يعد بعده يخاف أن يتسرب إلى ذهنه شيء يخالفه، وهو لغة التصديق، وشرعا "ما وقر في القلب، وصدقه العمل". ٢- فإذا قوي إيمان امرء فقد قامت سيرته على ما صدقه، واطمأن قلبه إليه من

стр. 61

الأفكار أي على تأسس قوية رصينة، يجوز الاعتماد عليها، والاطمئنان إلى أن الأعمال لن تصدر عنه إلا متفقة معها بكل معنى الكلمة، فالإيمان الصحيح أساس متين لتربية ثابتة مضمونة النتائج، وبهذا يكون للإنسان المؤمن سيرة معلومة، ويكون في حياته النظام، والأحكام والترتيب والانسجام، ونستطيع أن نقول بكل جزم أنه سيعمل العمل الفلاني في الوقت الفلاني، ولذلك كانت التربية المبنية على الإيمان أفضل من التربية المبنية على عدم الإيمان، ذلك؛ لأن غير المؤمن لا سيرة له في حياته، إذ أن له أن يظهر بمظهر الشيطان متى شاء، أو بمظهر الملك متى أحب، ولا يستبعد عنه في أي وقت من أوقاته أي لون من ألوان الأعمال والأفعال، ما دام لا يلتزم فكرة معينة، ولم تستقر في قلبه عقيدة من العقائد. ٣- غير أن الإيمان لا يكون لدى جميع الناس مصدر خير، فربما بني الإيمان في بعض الأديان كالوثنية على الخرافات والأساطير، لذلك لا بد من ضابط لكل عناصر الإيمان، وتصورات المؤمن وأفكاره، أي لا بد أن يكون كل ما يؤمن به حقا وصحيحا. والقرآن عندما يدعو إلى الإيمان يمعتقدات معينة، يلجأ إلى العقل، فيرشده إلى ما يجب أن يؤمن به، أي أنه يبرهن بأسلوب عقلي حسي، على صحة هذا المعتقد، فيبدأ أولا بالبرهان على عظمة الله، ثم يتفرع عن ذلك باقي العقائد. فالعناصر الإيمانية الصحيحة هي التي تعتمد على برهان عقلي صحيح، وتقبلها الفطرة السليمة، وينتج عنها توحيد وتناسق بين جميع جوانب الشخصية الإنسانية، وبين جميع عناصر المجتمع الإنساني، وبين جميع ظروف الحياة، ومتطلباتها الاقتصادية والحضارية، والعلمية والسياسية والحيوية. ٤- وكما أن سيرة الفرد وحياته تنتظم وتستقيم، إذا كانت صادرة عن إيمان صحيح، كذلك فإن مجموعة الأفراد، عندما يخضعون علاقاتهم فيما بينهم وسلوكهم، وسيرتهم إلى الإيمان بفكرة مشتركة بينهم، مشتملة على أمور روحية، ربانية، صحيحة، فإنهم يؤلفون أمة ذات حضارة متجانسة متجاوبة مع عقيدتها ودينها، وتكون العقيدة المشتركة في الوقت ذاته في الموجه لحياة الأفراد الشخصية، فيحصل تناسق بين حضارة الأمة ونظمها الاجتماعية، وبين سيرة أفرادها وفي هذا كمال الحياة النفسية الصحيحة، والتجاوب الاجتماعي السليم، فيصبح المجتمع المؤمن كالبنان يشد بعضه بعضا، ويصبح المؤمنون كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهكذا تكون التربية الاجتماعية المرتكزة على الإيمان هي التي تنتج مجتمعا قويا حضاريا مستقيما سليما من كل الأمراض والانحرافات.

стр. 62

أركان الإيمان: إن أركان الإيمان في نظر الإسلام كل لا يتجزأ، وكل من كفر بواحد منها، أو بجزئية من لوازمها مما ثبت في القرآن صراحة أو في السنة، فقد حبط عمله ولا يقبل منه إيمانه بباقي الأركان. ذلك؛ لأنها سلسلة مترابطة الحلقات؛ ولأن الإسلام كله بناء فكري متشابك الأجزاء، يتهدم أو يختل إذا انهدم أحد أركانه، في ذهن إنسان ما أو عند مجتمع منحرف عن حقيقة الإسلام، كبعض الفرق الضالة. ولذلك يرى المتتبع لآيات القرآن التي تتحدث عن الإيمان، أن الحجر الأساسي لنظام الإسلام كله هو الإيمان، وبالتالي فإن التربية الإسلامية التي تعني بتنشئة الإنسان المسلم المنطبع بطابع الإسلام العامل بكل تعالميه، يجب أن تبنى على أساس الإيمان بكل أركان الدين إيمانا واضحا متميزا. وكل تربية تهمل ركنا من أركان الإيمان تصبح تربية ناقصة شوهاء، لا فائدة منها، فالله تعالى إنما جعل القرآن كله هدى للذين يؤمنون بالغيب، كما أخبر في أول سورة البقرة، والغيب في القرآن يطلق على كل ما يجب الإيمان به مما غاب عن الحس، ومعنى ذلك أن من لا يؤمن بالغيب، لا يستطيع أن يهتدي بالقرآن، ولا يقبل الله منه إسلامه، وهذا من البداهة، إذ كيف يعمل بتعاليم القرآن من لا يؤمن بمن أنزل القرآن، وكيف يؤمن بالقرآن من لا يؤمن بالملائكة، وعلى رأسهم جبريل الذي تنزل بالقرآن على قلب محمد ﷺ . ثم كيف يتبع تعاليم القرآن من لا يؤمن بأن محمدا مكلف بتبليغها من الله، أمين على شرع الله، أي أنه رسول الله؟

стр. 63

من ذلك تعرف أن أركان الإيمان سلسلة لا ينفك بعضها عن بعض، ولا تصلح حلقة منها دون سائر الحلقات، وأنها كل لا يتجزأ ولا يجوز إنكار أي جزء منها. فتعال نستوضح كل ركن من أركان الإيمان، فنتبين أهميته التربوية بالنسبة إلى بحثنا، بعد أن تبينا ضرورة الإيمان، من أجل تربية جيل سليم صحيح، ومجتمع قوي متين. ١- الإيمان بالله: يخطي من يعتقد أن مجرد التسليم أو الاعتقاد بوجود الله، وبكونه خالقا لهذا الكون، عقيدة كافية تنجي صاحبها من عذاب الله، فقد كان كفار قريش يسلمون بهذا، ومع ذلك اعتبرهم الله ﷻ منصرفين عن إجابة الدعوة الإسلامية فقال منكرا انصرافهم بعد أن ذكر اعترافهم بأن الله خلق السموات والأرض: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُون﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٦١] ، ومواضع أخرى من القرآن، أي كيف يصرفون عن الإيمان بتوحيد الله؟ فالإيمان الصحيح بالله تعالى يجب أن يشتمل على ثلاثة معان، أو عناصر أساسية: أولها: معرفة معنى الإله، ذلك المعنى الذي أبى المشركون أن ينسبوه الله وحده، وينفوه عن معبوداتهم الأخرى. العنصر الثاني: إثبات معنى الألوهية لله . العنصر الثالث: نفي معنى الألوهية عن كل كائن سوى الله. معنى الألوهية ١: جميع الأديان التي وصلت إلينا، عدا الإسلام، كان تصورها عن الألوهية إما خاطئا، وإما ناقصا، وإما ملوثا بالتشبيه والتجسيد، والتناسل. والكتاب الوحيد الذي صحح هذه التصورات الخاطئة وكملها، عن الألوهية، إنما هو "القرآن"، وخلاصة ما جاء في القرآن عن معنى الألوهية "أنه لا يجوز أن يكون الإله إلا من يكون صمدا، حيا، قيوما، لم يلد ولم يولد، ويكون من الأزل، فليس

стр. 64

قبله شيء، ويبقى إلى الأبد فليس بعده شيء، ويكون علمه محيطا بكل شيء، ورحمته وسعت كل شيء، وقوته غالبة على كل شيء، ويكون منزها عن أي نقص في حكمته، أو عيب في عدالته، ويكون قادرا ويكون مشرعا، حاكما على الإطلاق، واهبا للحياة ومهيئا لأسبابها ووسائلها، ويكون مالكا لكل قوة من قوى النفع أو الضرر، ويكون كل من سواه محتاجا لعطائه، فقيرا إلى حفظه ورعايته، ويكون إليه مرجع كل مخلوق، ويكون هو محاسبا ومجازيا لكل من سواه". ثم إن القرآن بعد بيانه هذا التصور الصحيح الكامل الواضح للألوهية، يدل بأقوى ما يكون من الكلمات، وأوقع ما يكون من الأدلة العقلية المنطقية، وأساليب البيان، على "أن هذا العالم ليس فيه شيء، أو قوة يصدق عليها هذا التصور للألوهية، إذ ليست كل موجودات العالم إلا مسخرة محتاجة لغيرها، باقية حينا وفانية حينا آخر، غير قادرة على دفع الضرر عن نفسها، فضلا عن أن تجلب النفع، أو الضرر إلى غيرها، وليس المصدر لأفعالها، وتأثيراتها موجودا في داخل ذاتها، وإنما هي تستمد قوتها للبقاء والفعل، والتأثير من غيرها". "وبعد هذا النفي، فإن القرآن لا يثبت الألوهية إلا لذات واحدة هي ذات الله، ويطالب الإنسان بألا يؤمن إلا بالله وحده، ولا يسجد إلا لله، ولا يعظم إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ويعلم علم اليقين أنه راجع إليه، ومحاسب بين يديه لا محالة، وأنه لا يتوقف حسن العاقبة، أو سوءها إلا على قضاء الله". ولقد آمن العرب ومن يليهم بهذه المعاني، وغيروا سلوكهم، وربوا أنفسهم على مقتضاها، فبدل الله بهم الأرض غير الأرض التي كانت، والعالم الذي فتحوه غير العالم الذي كان من قبلهم، فأخرجوا البشرية من ظلم الملوك، والطواغيت إلى عدالة الله وشريعته، ومن جور الأديان وخرافاتها، إلى سماحة الإسلام وسمو تعاليمه، وجديته، وإليك سر المعجزة التي أجراها الله على يد هؤلاء الموحدين: معجزة الفتح الإسلامي، وتثبيت حضارته في أكبر رقعة عرفتها حضارة في التاريخ، ولأطول مدة سجلتها أقلام المؤرخين، هذا السر يتجلى في:

стр. 65

الآثار التربوية والمعنوية لعقيدة التوحيد، والإيمان بالله: تنظيم عقيدة التوحيد حياة الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه، وتفكيره وأهدافه، وتجعل كل عواطفه، وسلوكه، وعاداته، قوى متضافرة، متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده، والشعور بألوهيته، وحاكميته ورحمته، وعلمه لما في النفوس، وقدرته، وسائر صفاته. وكل صفة أساسية من صفات الألوهية، يقابلها في النفس الإنسانية جانب من جوانب الحياة النفسية، فلا سعادة للنفس ولا استقامة، ولا انضباط إلا إذا ارتبط كل جانب من جوانبها بما بناسبه من معاني الألوهية. أ- لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر: ميل الإنسان الفطري إلى الرفاهية وحب البقاء، والعمل للحياة الدنيا، يقابله من ناحية الترغيب، الأمل في رحمة الله وجنته، ومن ناحية الضبط ومنع الشطط يقابلها الشعور بأبدية الله وتفرده بالبقاء، وفناء هذه الحياة الدنيا. فترى المؤمن يعمل من جهة، بجد وأمل وتفاؤل، في هذه الحياة؛ لأنها مزرعة الآخرة، ومن جهة أخرى يبقى حذرًا من الموت لا يغتر، ولا يغفل عن ترقب المفاجآت والمصائب، فإذا وقعت لم تفت في عضده، فهو ينتظر لقاء ربه، فهو جريء لا يهاب أحدًا إلا الله. ب- وخذ مثالًا آخر: طمع الإنسان وحبه للمال: فترى المؤمن يستخدم المال وهو يعلم أنه مال الله، وأن كل ما في ملكوت الكون ملك لله، هو مالك كل شيء، وهو راهب الرزق لمن يشاء، فالمؤمن يثمر المال، ولكن المال لا يستعبد قلبه، فإذا احتاجت الأمة ماله لمصلحة عامة بذله بسخاء، وهو يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقس على ذلك حب الإنسان للزعامة وشهوته للنساء، وميله وحنوه على الأولاد، وغيره وغيره من جوانب الحياة النفسية. فالمؤمن الموحد يمتاز بعزة النفس، لا يستعبده جاه ولا مال، ولا بذل لأحد من الطواغيت. ج- وقد ضرب الله لنا مثلًا في القرآن يبين فضل عقيدة التوحيد في تحقيق وحدة النفس الإنسانية.

стр. 66

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٩] . فشبه الله النفس الموحدة لربها، بالعبد الذي يملكه رجل واحد، فجيمع تصرفات هذا العبد تأتي حسب رغبة سيده، وبهذا تهدأ نفسه، وتستقيم حياته، وتنسجم تصرفاته وفق نظام معين، وعلى نسق واحد. أما العبد الذي يمكله عدة شركاء متشاكسين، لا يؤمن أن يتصرف اليوم على نمط يعاكس تصرفاته بالأمس، وتبقى نفسه نهبأ للمخاوف والهواجس. كذل المشرك الذي يعلم بفطرته عظمة الله، ويشرك مع الله آلهة آخرى، فتراه تارة ينافق للناس، وتارة يتخذ إلهه هواه، وتارة يستعبده المال، وتارة يتعلق بالحياة، فينخلع قلبه من الموت أو المرض، وهو في كل ذلك قلق، لا يطمئن على نفسه ولا على ماله، ولا على شيء من ملذاته؛ لأنه لا يؤمن بمصير معين، ولا يخضع لإله واحد، بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ولتحقيق هذا الأثر التربوي العظيم، يجب على المربي أن يربط كل جوانب التربية بتوحيد الله، وبصفات الألوهية التي أشرنا إليها. فدراسة الكون، أو ما يسمونه بالطبيعة، يجب أن يكون هدفها استحضار عظمة الله الخالق المالك للكون، الحي القيوم الذي يقوم بكل شئون الكون، وأفلاكه ونظامه وسيره، ودورانه. وعند دراسة اللغة يستحضر عظمة الله في جعل الإنسان خصيما مبينا، ويبين أن العبد محاسب على هذه المقدرة اللغوية، وفيم يجب أن يستخدمها. وهكذا يفعل المربي، لدى دراسة التاريخ والجغرافيا وسائر المواد الاجتماعية، وقد أوضح واضعو منهج الدراسة الثانوية في المملكة العربية السعودية أهداف هذه المواد على ضوء هذا المعنى الذي يوحد الأمة الإسلامية تحت لواء الألوهية والتوحيد. د- وتربي عقيدة التوحيد والإيمان بالله، عقل الإنسان على سعة النظر، وحب الاطلاع على أسرار الكون، والطموح إلى معرفة ما وراء الحس، فكل ما في الكون

стр. 67

مما نرى وما لا نرى من السموات، والكرسي والعرش والملائكة، كل ذلك من ملك الله، وكل كائن صغير أو كبير يسبح بحمد الله ويشهد بعظمته، وقد أمرنا القرآن أن نتأمل ذلك كله، نتأمل خلق السموات، والأرض، والبحار، والأنهار، والإبل والدواب، والنحل، ويبين لنا أنه ما من شيء إلا يعلمه الله، من أصغر ذرة إلى أكبر جرم، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٥٩] . هـ- كما تربى عند الإنسان التواضع وعدم التطرف، أو الغرور بأي صفة من صفاته الإنسانية، فإذا اغتر بقوته وأراد البطش، أو الظلم ذكر قدرته الله عليه، وأنه هو الذي يحيى ويميت، وإذا اغتر بماله وأسرف واستهتر، وبطر وتكبر ذكر أن الله هو الغني، وهو الذي وهبه المال، فعاد إلى السخاء، والبذل والتضحية، والتودد إلى عباد الله. وإذا اغتر بعلمه فظن أنه بلغ الكمال، نظر إلى الكون الكبير الذي هو جزء صغير من علم الله، فانقلب بصره خاسئا وهو حسير، وعاد إلى نفسه صاغرًا متواضعا يطلب المزيد من المعرفة، بروية وصبر وأناة، وتدبر وتفكر، ودأب واستمرار، وقس على هذا كل ما وهب الله الإنسان. و وبالتوحيد وإفراد الله بكل صفات الألوهية يبتعد الإنسان عن التعلل بالآمال الكاذبة، فلا تنفع عند الله شفاعة الشافعين، إلا لمن يأذن الله ويرضى، وما من أحد يفيده قربه من الله، إلا عن طريق العمل الصالح، فليس لله قرابة رحم، ولا صلة أبوة، ولا صحة سابقة لأحد من العالمين، الكل عباد الله، والكل محاسبون، مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شر فشر. ز- ويتسلح الإنسان، إذا آمن بالله حق الإيمان، بالطمأنينة، والرجاء مع السعي وعد التواكل. فهو مطمئن بعد أن عرف أن الله قريب، يجيب دعوة الداعين، ويتوب على التائبين، وينصف المظلومين، وقد وسعت رحمته كل شيء. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٨٦] .

стр. 68

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨٢] . ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٦] . وفي هذا توازن بين إبعاد الغرور عن النفس، والتسلح بالأمل والرجاء، فالمؤمن يخاف عذاب الله إن قصر، ويرجو رحمته إن أخطأ. وبهذا يصبح الإنسان أبعد ما يكون عن اليأس أو الانتحار، أو الهروب من الحياة، والانحراف بتعاطي المخدرات والمسكرات. فقد صرح القرآن أن اليأس من صفات غير المؤمنين قال تعالى: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون﴾ [يوسف: ١٢/ ٨٧] . فإذا زل، جدد عزمه بالتوبة والاستغفار، واللجوء إلى رحمة الله، قال ﷻ : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٣٩/ ٥٣] . ح- الانتماء إلى الله والاعتزاز به، وموالاته والانضواء تحت لوائه، فالمؤمنون هم حزب الله وهو وليهم، والكافرون لا مولى لهم، وأي شيء أعظم من الانتماء والانتساب إلى خالق الكون ومذل الجبابرة، ومالك الموت والحياة، والبعث والنشور والجزاء، قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥/ ٥٦] . وقال في وصف حزب الشيطان: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ٥٨/ ١٩] . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٤٧/ ١١] . وهذا الولاء يربى النفس دائما على أن تكون في حرب مع الشر والشيطان، وأتباع الشيطان، أولئك الذين يزينون للناس معصية الله، ونسيانه واتباع الشهوات كما يربي الانتماء إلى الأمة الإسلامية والاعتزاز بها، وتفقد شئونها والتراحم، والتعاون بين شعوبها، أي تربي وحده كلمة الإنسانية على أساس الخير والانتماء، من غير تعصب عنصري، أو تحيز مصلحي مادي استعماري، غايته استغلال الشعوب، وامتصاص خيراتها.

стр. 69

فكل من آمن بالله على أساس القرآن، فهو من حزب الله أيا كان جنسه أو عرقه أو لونه، وكل من كفر الله وحارب حزبه، وقاوم دعوته فهو من حزب الشيطان أيا كان لونه أو عرقه. قال تعالى في وصف الموالين لله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٦٢-٦٣] . ولكي يتم الاعتزاز بالله والانتماء إلى الله وحزبه، وهم المؤمنون، لا بد من محاربة حزب الشيطان، والابتعاد عن الكفار وعدم الركون إليهم، لئلا يقع الشقاق والخلاف في صفوف الأمة، قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ٤/ ١٣٨-١٣٩] . وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٤/ ١٤٤] . وقد جعل الله هذا الولاء لله ورسوله، وحزب المؤمنين فوق ولاء الأبوة، والقرابة والرحم. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٩/ ٢٣] . وهذا المعنى من أهم أركان التربية الإسلامية، لذلك يجب أن تبنى عليه أهداف التربية الاجتماعية، في جميع مراحل التدريس والحياة، وأن يعاد النظر في جميع كتب التاريخ، والجغرافيا على هذا الأساس؛ لأن الولاء لله ولحزبه من تمام توحيده وعبادته، والولاء للكفار مما ينفافي عقيدة التوحيد. وقد أقيمت العلوم الاجتماعية التي ترجمت عنها معظم المناهج التعليمية في البلاد العربية والإسلامية، على أساس من الكفر والإلحاد، واعتبار البلاد الغربية هي المدار الذي تدور حوله، وتصدر عنه جميع حوادث التاريخ في العالم، وقسمت عصور التاريخ على هذا الأساس، وهذا مخالف للواقع التاريخي، حيث كانت الأمة الإسلامية هي منبع النهضة العلمية، والحضارية في العالم.

стр. 70

لذلك فإن من واجب علماء الأمة الإسلامية اليوم إعادة النظر في تدوين هذه العلوم على ضوء الواقع بدون تحيز إلا للحق، ولما فيه خير الإنسانية، وجعل تاريخ الأنبياء، ومدى امتداد، أو انحسار عقيدة التوحيد، هو المدار الذي يدور حوله تدوين هذا العلم، كما أشار إليه القرآن الكريم عندما عرض أخبار الأمم الماضية، فالتاريخ في عرف القرآن وصف لمعارك دارت بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، بين الكفر والإيمان على مدى العصور، يساق للعبرة والاتعاظ، والابتعاد عن المصير السيئ الذي آلت إليه نتيجة الكفر، والانحلال والبعد عن الله؛ والأخذ بسير الصالحين الذين عمروا الأرض بالإيمان، والعدالة والسيرة الطيبة، وبتوحيد الله وعبادته، وبهذا تحقق التربية الولاء لله تعالى، وهو من لوازم عقيدة التوحيد، كما أشرنا. ٢- الإيمان بالملائكة: إذا تتبعنا الآيات التي ذكرت فيها الملائكة استطعنا أن نعرفها بأنها: كائنات خلقها الله وسخرها لأعمال ومهمات معينة، عين كل فئة منها لمهمة أو وظيفة، لا يحيدون عنها، وهم عباد الله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ [التحريم: ٦٦/ ٦] . ومن أشرف هذه الوظائف النزول بالوحي على الأنبياء، قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٦/ ١٠٢] . ومن الملائكة من كلفه الله بحمل العرش: قال تعالى في الإخبار عنهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٤٠/ ٧] . وبعض الملائكة تكلف بحفظ الإنسان، حتى إذا جاء أجله أرسل له وملائكة مختصة باستيفاء روحه: قال تعالى في الإخبار عن ذلك. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٦١] .

стр. 71

وقال في وصف الملائكة الحفظة للإنسان: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٣/ ١٠-١١] . ويحرص القرآن، بأسلوبه الرائع، أن يفهمنا، كما ذكر لنا الملائكة، أنهم عباد الله وحسب، وليس لهم بالله أي صلة قربى أو نسب، كما زعم المشركون، بل لقد أوضح القرآن، أن الله أمر جميع الملائكة أن يسجدوا لآدم عند خلقه، اعترافا بفضل الله وإبداعه فيما خلق، ويميزه الإنسان على الملائكة، وأن الله علم آدم ما لم يعلمه للملائكة، ففضل الله آدم بهذا العلم، فكيف يجوز لهذا الإنسان، الذي كرمه الله وميزه، أن يسجد لغير الله، أو يعبد الملائكة أو غيرها؟ أهمية الإيمان بالملائكة، وآثاره التربوية: يظهر لنا مما أوردنا أن الإيمان بالملائكة متمم للإيمان بالله، أو هو من لوازمه، ويدلنا على جانب من جوانب الألوهية، فمن تام عظمة الله أن له جندا وموظفين يعملون بأمره. وهذا يربي في النفس النظام والطاعة، وترتيب الأمور، فالله القادر على كل شيء، قد نظم شئون الكون، ووكل ببعضها بعض ملائكته، فأطاعوه، وعملوا بأمره. كما أن الملائكة في تسبيحهم لله، وتعظيمهم له يمكن اعتبارهم قدوة للبشر، وهم يؤنسوننا، ويحافظون علينا حتى أن من أعظم الملائكة منزلة، وأقواهم عند الله، من يستغفر للمؤمنين، وهم حملة العرش. وهذا يزيد من عزة الإنسان وكرامته، ومعرفته منزلته عند الله، حتى سخر له الملائكة يحفظونه ويستغفرون له، ويطلبون له من ربه أن يحفظه من العذاب. ٣- الإيمان بكتب الله المنزلة: الكتاب هنا هو ما يحتوي على شريعة الله وأوامره وكلامه، وهديه الذي ينير للبشر سبل الحياة، ويحدد لهم ما كلفهم الله به من حرام وحلال، وأوامر ونواه وعبادات ونسك، وغير ذلك مما أراد الله أن يعلمه عباده.

стр. 72

وقد اختلفت الصور التي أنزل الله بها هديه على رسله، حسبما وصف لنا في القرآن، فقد وصف ما أنزله على إبراهيم وموسى بـ"الصحف". وكذلك أطلق لفظ الصحف على القرآن: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٩٨/ ٢] . والذي يهمنا أن نعرفه هنا هو أن الإيمان بالكتب السماوية التي ورد ذكرها في القرآن ركن من أركان الإيمان، ومطلب من مطالب الإسلام، إلا أن الله لم يكلفنا أن نؤمن بما فيها تفصيلًا، بل ذكر الإيمان بها جملة، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٨٥] . ميزات القرآن: أما القرآن فالبشرية مكلفة أن تعمل بكل ما ورد فيه تفصيلا مع الإيمان بأنه منزل من عند الله، ويمتاز القرآن بميزات أهمها: ١- أنه إنساني عالمي خوطبت به البشرية عمومًا، وكانت الكتب السماوية من قبله تخاطب أقوامًا معينين. ٢- وصل إلينا القرآن سالما من التحريف، قرآنا واحدا أجمعت الأمة على صحته، وثبت نقله بالسند الصحيح، ولم يصل أي كتاب سماوي آخر كاملا صحيحا. ٣- كل كتاب كان يتناول بعض جوانب الحياة، على حين نجد القرآن يتناول كل جوانب الحياة، فقد جاء كاملا أتم الله به ما جاء في الكتب السابقة. ٤- كل كتاب كان يأمر أتباعه باتباع القرآن إذا أدركوه، ولكن القرآن لم يأمر باتباع الكتب السماوية السابقة تفصيلًا، بل ضرب منها أمثلة، وأمر الإيمان بها جملة. الآثار التربوية للإيمان بالقرآن، وتلاوته والعمل به: لو تتبعنا الآيات التي وصفت القرآن لوجدنا فيها بعض الأوصاف التي تدل على أهميته التربوية كقوله تعالى: ١- ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٩] .

стр. 73

فالقرآن يربي الإنسان على الحياة المستقيمة، والأخلاق القويمة، لما فيه من العبر والحكم والتشريع العظيم، وكفى به أنه من لدن حكيم عليم: حكيم يضع التشاريع والعبر في مواضعها، عليم بطباع الناس وما يصلحهم، والإيمان بأن القرآن من عند الله هو الذي يجعله مقوما لحياة الفرد والمجتمع، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٨] . ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ٨٢] . ٢- ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٤٧/ ٢٤] . ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣/ ٣] . وهذا المعنى تكرر عشرات المرات، وهو المطالبة بالعقل والتدبر والتفكير، وفي هذا تربية الإنسان على إعمال عقله، وتربية ذهنه على التأمل، والاستنتاج والقياس والاستقراء، كما أنه يربي الفكر على عدم قبول شيء بغير حجة، أو برهان أو علم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٨-٩] . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١١١] [النمل: ٢٧/ ٦٤] . وقال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٢٤] . ٣- التروي والتأني وعدم التسرع في الفهم أو الحكم والتعليم، وتثبيت القلب بالتدرج في الفهم، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٠٦] . وقال سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه﴾ [القيامة: ٧٥/ ١٦] . وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٣٢] . د- تعويد اللسان على الفصاحة والبيان: وهذا معروف لدى كل مشتغل بالقرآن، فهو بإعجازه وفصاحته يطبع قلب الإنسان على حسن البيان، والأسلوب اللغوي

стр. 74

المبين، فيصبح واضح القصد موضحًا لمراده ومع ذلك، فهناك إشارات إلى فصاحة القرآن، وبيانه مثل قوله تعالى: ﴿حم?، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ٤٣/ ١-٢] وقوله جل من قائل: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٤٩] ، وقال سبحانه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٦/ ١٠٣] . هـ- تربية العواطف الربانية: من خوف وخشوع، ورغبة ورهبة، وترقيق للقلب والمشاعر، فالقرآن ما يزال دائما يوقظ هذه العواطف، وقد يصف آثارها عند من يتلون القرآن حق تلاوته، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٣] . ومن حسن تلاوة القرآن أنه إذا قرأ القارئ فيه دعاء دعا به، وإن قرأ تهديدًا أو عذابا، استعاذ بالله منه، وإن قرأ آيات تدل على عظمة الله خشع قلبه، واغرورقت عيناه بالدموع، وهؤلاء الذين يعملون بتعاليم القرآن بعد أن يرقق قلوبهم قد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٢١] . وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ٤٦] . ولا يكتفي القرآن بتربية العواطف المنظمة، بل يربي أيضا العواطف المرغبة التي تربي الأمل، والإقبال على العمل الصالح، ومحبة الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٦٥] ، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥/ ٥٤] . وقد بين الله في هذه الآية بعض الآثار العظيمة لمحبة الله، من تذلل للمؤمنين، وإظهار العزة في وجه الكافرين، والجهاد في سبيل الله. وهكذا نجد في حسن تلاوة القرآن بقصد التربية بالقرآن، أنه يمكن تربية العقل على حسن التفكير، وتأمل آثار عظمة الله، وتربية المشاعر والعواطف بالخوف من الله

стр. 75

والخشوع له وتعظيمه وتقديسه، أما تربية السلوك بالقرآن، فقد علمنا ذلك رسول الله ﷺ ، فكان له أذكار وأدعيه من القرآن، يتلو بعضها ويدعو ببعضها في مناسبات معينة، فإذا استيقظ من نومه نظر في السماء، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٠-١٩١] . وإذا أوى إلى فراشه تذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر: ٣٩/ ٤٢] ، فدعا بهذا الدعاء: "اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما حفظت عبادك الصالحين". وفي القرآن آداب سلوكية عظيمة تعلمنا غض البصر، والغض من الصوت، والقصد في المشي، وبر الوالدين، والتواضع للمسلمين، وعدم انتهار الأيتام، وإخفاء الصدقات، وعدم إبطالها بالمن والأذى، وكثيرًا كثيرًا مما لا يحصى في هذا المقام. واجبات المربي: فعلى المربي بواسطة القرآن: أ- أن يربي لسان الناشيء ويقومه بحسن التجويد، وعدم اللحن. ب- وأن يربي لسان الناشئ بالخشوع عندما يمر بآية تستوجب الخشوع، أو الغضب في الله، أو الحنين إلى الجنة، أو الشعور بمحبة الله. ج- وأن يربي سلوك الناشئ فيأخذ العهد عليه، ويتعهده ليعمل بتعاليم القرآن في أثناء الرحلة مع الطلاب وعند التغذية، وتناول الطعام وفي كل المجالات. د- وأن يربي عقل الناشئ بالاستدلال على ما استند عليه القرآن، وبتأمل ما يدل على عظمة الله، وأن يضع أسئلة كثيرة بعد كل درس لتمرين العقل على ذلك.
следующие страницы →