وأفراد من المسلمين، فقال المشركون: "إنا لا نبعث"، وقال كل من أتباع الأديان "نحن أفضل"، فنزل قوله تعالى١: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ١٢٣-١٢٤٢] ٢، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن جرير عن مسروق، وعن قتادة والضحاك، والسدي وأبي صالح.
د- شدة الاقتناع، وبلوغه أعماق النفس:
أراد رسول الله ﷺ أن يعطي الصحابة درسا عمليا في ترك التسول، والاعتماد على النفس في كسب الرزق، فقص علينا أنس ﵁ ذلك بقوله: إن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ ، فسأله، فقال: "أما في بيتك شيء؟ " قال: "بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء" قال: "ائتني بهما" فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: "من يشتري هذين؟ " قال رجل: "أنا آخذهما بدرهمين"، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: "اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به"، فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودا بيده، ثم قال: "اذهب فاحتطب وبع، لا أرينك خمسة عشر يوما"، ففعل فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة" ٣.
فهذا الدرس لا ينساه الأنصاري، ولا جميع الصحابة الذين رأوا صنع رسول الله معه؛ لأنهم رأوا النتائج الطيبة للعمل بأعينهم بشكل واقعي.
فعلى المربي أن يقتدي بهذا الأسلوب ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
стр. 212
سادسًا: التربية بالعبرة والموعظة
التربية بالعبرة
...
سادسا: التربية بالعبرة والموعظة
كثيرا ما تسعمل هاتان الكلمتان، وكأنهما لفظان مترادفان.
وقد بحثت عنهما في معاجم اللغة وآيات القرآن، فوجدت بينهما اختلافا في المعنى، ولاحظت أن لكل منها نتائج تربوية خاصة بها، عدا النتائج المشتركة؛ لذلك أثرت أن أبحث كلا منهما على انفراد.
١- التربية بالعبرة:
آ- المعنى اللغوي والقرآني:
العبرة على وزن فِعْلة، وهو وزن مصدر من مصادر "عبر" الرؤيا؛ فسرها وعرف ما تئول إليه في حياة صاحبها أو بعد موته، وعبر الوادي أن النهر تجاوزه من طرف إلى طرف يقابله، قال الراغب١: واصل العبر: تجاوز من حال إلى حال، فأما العبور فيختص بتجاوز الماء، وفي تفسر سورة يوسف٢ "والاعتبار والعبرة: الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، والمراد منه التأمل والتفكير"، فالعبرة والاعتبار حالة نفسية توصل الإنسان إلى معرفة المغزى والمآل لأمر ما، يشاهده الإنسان ويتبصر فيه، ويقوم باستقرائه وموازنته ومقايسته، ومحاكمته محاكمة عقلية، فيصل إلى نتيجة مؤثرة يخشع لها قلبه، فيدفعه ذلك إلى سلوك فكري واجتماعي مناسب، والغاية التربوية من العبرة في القرآن العظيم الوصول بالسامع إلى قناعة فكرية بأمر من أمور العقيدة، تحرك في القلب أو تربي عواطف ربانية كما تغرس، وتثبت وتنمي عقيدة التوحيد، والخضوع لشرع الله والانقياد لأوامره.
ب- أنواع العبر في القرآن والسنة:
اختلفت أساليب الاعتبار في القرآن الكريم، والسنة المطهرة باختلاف موضوع العبرة، وها هي ذي أهم الموضوعات الباعثة على التأمل والاعتبار:
стр. 213
أ- الاعتبار بالقصص:
لكل قصة قرآنية أو نبوية، كما رأينا، هدف تربوي رباني سيقت من أجله، والعبرة بالقصة إنما يتوصل إليها صاحب الفكر الواعي، والذي لا يطغى هواه على عقله وفطرته، بل يستنبط من القصة المغزى الحق وفي ذلك يقول الله تعالى بعد ذكر قصة يوسف: ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١١١] .
"ووجه الاعتبار بهذه القصة: أن الذي قدر على إنجاء يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد وضعه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن بيع بيع العبيد بالثمن الخسيس، والتمكين له في الأرض من بعد ذلك الإسار، والحبس الطويل وإعزازه على من بغاه سوءا من إخواته، وجمع شمله بهم وبأبويه على ما أحب بعد المدة الطويلة، والمجيء بهم من الشقة النائية البعيدة.
إن الذي قدر على ذلك كله أيها الناس!! لقادر على إعزاز محمد ﷺ ، وإعلاء كلمته وإظهار دينه فيخرجه من بين أظهركم ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد ويؤيده بالجند والرجال والأتباع والأصحاب، وإن مرت به الشدائد، وأتت دونه الأيام والليالي والحوادث.
وإنما قال: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾ ، وهم أصحاب العقول الراجحة؛ لأن أهل البصيرة والروية من العقلاء، هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي تدل عليها أوائلها، ومقدماتها بعد التأمل في صفاتها وحقيقتها، وأما الأغرار الغافلون، والظالمون المعاندون فلا يمرنون عقولهم على الاستقلال في النظر الاعتبار بما جرى على الأفراد والأمم، فلا يفيدهم النصح والتذكير، ولا سوء العاقبة والمصير"١.
التعليق التربوي:
تهتم التربية الإسلامية إذن، بالعبرة من القصة، وبهذه العبرة تربي عند الناشئ الأخلاق الإسلامية والعواطف الربانية، ولما كانت العبرة إنما تواتي أصحاب
стр. 214
العقول الراجحة كان على المربي أن يوقظ في نفوس الطلاب التأمل، ويعودهم التفكير السليم:
١- فيطرح عليهم عددا من الأسئلة المهيأة لهذه الغاية، لتتوصل عقولهم الغضة إلى العبرة، م كل قصة قرآنية، بعد أن يكون هو قد استوعبها، أو درسها في كتب التفسير.
٢- ثم يطرح عليهم أسئلة أخرى يستشف بها انطباعاتهم، وعواطفهم نحو القصة أو نحو مواقف معينة من القصة، فيربي بذلك عواطفهم الربانية.
٣- ثم يطرح عليهم أسئلة تطبيقية، يقارن بها بين مواقف من القصة، ومواقف من حياة الطلاب أو المجتمع، ليربي عندهم الإرادة الخيرة، والنزوع إلى تحقيق الأخلاق القرآنية في سلوكهم وحياتهم، كالصبر على الشدائد، في سبيل الدعوة إلى الله كما يؤخذ من قصة يوسف وغيره من الرسل، ﵈ والتعفف عن الشهوات المحرمة، ونحو ذلك.
ب- العبرة بمخلوقات الله ونعمه:
التي سخرها للإنسان، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٦-٦٧] .
ولما كانت العبرة مبنية على تفكير عميق، وملاحظة دقيقة، أمكننا أن نعرف الحكمة الربانية من الإشارة إلى أمور تثير الدهشة وتدعو التأمل، من عجائب صنعه تعالى فيما أنعم علينا، كما أشار هنا إلى اللبن الأبيض الخالص من كل الشوائب، والأوساخ مع أنه مستخلص "من بين فرث ودم"، وأشار أيضا إلى ثمرات النخيل والأعناب، التي تستخلص غذاءها من الماء والتراب، وتعطي الإنسان بقدرة الله "سكرا ورزقا حسنا"، فيخزنها ويحتفظ بها على مدى أيام السنة بجميع فصولها، ويستخلص منها المادة السكرية التي تشكل نصف غذاء البشرية في بعض القارات أو الأقطار.
وإثارة انفعال الدهشة، والتعجب من لوازم العبرة، لذلك فسر صاحب القاموس
стр. 215
العبرة بما يفيد هذا المعنى حيث قال: ".. والعبرة بالكسر: العجب، واعتبر منه: تعجب".
ولكن المربي لا يقف عند هذا الانفعال بل يجب أن يحوله إلى عاطفة الخشوع لله وإجلاله، وتسبيحه وتكبيره، وهذا نتيجة طبيعية للتعجب من قدرة الله.
وقد استعان القرآن على إثارة هذه الانفعالات بأسلوب الحوار، والاستفهام وقد مر معنا في بحث "الحوار العاطفي".
التوجيه التربوي:
يجب على المربي أن يمرن عقول الطلاب على تأمل عجائب صنع الله، وخاصة ما يحيط بنا ونراه كل يوم أو نعيش في كنفه، من دلائل حكمة الله ودقة صنعه كالغلاف الجوي يحيط بالكرة الأرضية، فتهيأ به للنبات والحيوان، وللإنسان أسباب الحياة، وكالرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وأن يناقشهم ويستجوبهم حول هذه الأمور بأسئلة محكمة معدة لهذا الغرض، يتوصلون بها تلقائيا إلى الاعتراف بوحدانية الله وألوهيته، وقدرته وحكمته وسائر صفاته العليا وأسمائه الحسنى، مما هو مبثوث في القرآن والسنة، ومما نحسه ونراه في كل ما نأكل، ونشرب ونتنفس ونستخدم ونركب، وندرس في دروس الجغرافية والفيزياء والكيمياء.
فالتربية بالعبرة يجب أن تشمل جميع مواقف الحياة وحوادث الكون، ومظاهر القدرة والعناية الإلهية "في كل شيء له آية، تدل على أنه واحد"، كما تشمل معظم الدروس، والمواد الدراسية دون تفريق بين مواد دينية، أو غير دينية. فالتربية الإسلامية تربية شاملة تحيط الحياة التعليمية من جميع جوانبها، كما أحاطت العناية الإلهية هذا الكون، والإنسان من جميع جوانبه، ورافقته في كل أحواله، فلا يجوز إغفال "العبرة"، وتأمل عظمة الله في أي درس أو مادة درسية، ولا عند دراسة أي قانون من قوانين الطبيعة، وهي سنن الله في تسيير شئون الكون، وإقامة الحياة فيه.
ج- الاعتبار بالحوادث التاريخية:
أشار القرآن إلى حوادث تاريخية بارزة كان لها ما بعدها، كغزوة بدر والأحزاب، وأشار إلى العبرة من هذه الحوادث كغزوة بني النضير حيث وصف الله جلاءهم
стр. 216
بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٥٩/ ٢] .
وكغزوة بدر التي أشار القرآن إليها: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٢-١٣] .
"فالكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين مثليهم، وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة، وهم قلة فتزلزلت قلوبهم"١ ووجه العبرة أن هناك قوة فوق جميع القوى تؤيد المؤمنين، وتخذل الكافرين فهذه سنة الله ما زالت، وستبقى ماضية إلى يوم القيامة، فوعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون، وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة -ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة، وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها، كاملة، وتصبر حتى يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٢٤/ ٤٤] .
التوجه التربوي:
يوجهنا القرآن الكريم إلى أن الهدف من ذكر الحوادث التاريخية أو تعليمها، ليس التعصب لقوم أو ملة معينة، ولا مجرد التباهي والتفاخر بالآباء والأجداد، ولكن الهدف هو الاعتبار، ومعرفة المغزى:
*- كمعرفة سنة الله في إهلاك المفسدين بسبب فسادهم وظلمهم، وإبقاء الصالحين.
стр. 217
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١١/ ١٠٢] ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١/ ١١٧] .
*- ومعرفة: أن تأجيل التوبة، والندم إلى حين نزول الهلاك أو استيلاء الأعداء، لا ينفع الذين كانوا منغمسين في الشرك أو موالين لأعداء الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٤٠/ ٨٤-٨٥] .
*- ومعرفة سنة الله في نصر عباده المؤمنين حقا العاملين بشريعته: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٤٨/ ٢٢-٢٣] .
*- ومعرفة سنة الله في إهلاك المنافقين، ومرضى القلوب إذا تمادوا في إفساد المجتمع، وإنشاء الفتن والإشاعات الكاذبة بقصد الإيقاع بين المسلمين: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٦٠-٦٢] .
*- وإن الرؤساء والمترفين والأغنياء، كثيرًا ما يكونون سببا في إهلاك قومهم وأمتهم إذا فسقوا عن أمر ربهم، وشريعته ولم يردعهم العلماء.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٦] .
ج- أهم أهداف تدريس التاريخ في نظر التربية الإسلامية:
يتبين مما سبق أن أهداف تدريس التاريخ:
*- البحث عن العبرة من كل واقعة تاريخية تدرس، ويجب توجيه كتب التاريخ ومدرسيه هذه الوجهة.
*- البحث عن تحقيق سنة من سنن الله في الأمم والأجيال، وكيف يداول الله الأيام بين الناس.
стр. 218
وقد استخرجت خمسا من هذه السنن في الفقرات السالفة، ويمكن التوسع في ذلك لمن شاء أن يتوسع، وليست تلك السنن قاصرة على الأقوام البائدة بل إنها من السنن التي لن تجد لها تبديلا، فيجب أن نحاول معرفة تحقيق بعض هذه السنن في كل ما ندرس من انهيار الدول، أو انتصارها أو نشوئها، أو ارتقائها.
*- البحث عن أثر إصلاح النفس البشرية وتربيتها في مجرى الحوادث التاريخية ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٨/ ٥٣] ، وهذه سنة سادسة من سنن الله في التاريخ، وتطور المجتمعات.
*- البحث عن حكمة لله، وتدبيره في ضرب الظالمين بعضهم ببعض لإراحة المؤمنين من شرورهم: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٢٢/ ٤٠] ، وهذه من سنن الله.
*- معرفة أن الغاية من القوة والغلبة، والتمكن في الأرض إقامة شرع الله، وتحقيق الصلاح ومحو الفساد وعلى هذا يجب أن تبنى الدولة المسلمة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٤١] .
*- يكتسب الناشئ من دروس التاريخ، بتطبيقه لسنن الله على ما يدرس من تظورات التاريخ وحوادثه، يكتسب موازين ربانية يزن بها منجزات كل دولة، وكل أمة يدرس تاريخها، فيتسنى له أن يضع كل شيء من هذه المنجزات في موضعه، وأن يعرف حقيقة كل شعب وقدره بعيدا عن التهور، ودون غمط أو تفخيم.
*- وبالجملة يجب "أن يكون تدريس التاريخ وسيلة لتثبيت العقيدة، وترسيخها بحيث يحس الطالب بأن هذا الكون الذي تتابعت فيه الأمم، والأحداث على هذا النسق المدهش، لا بد له من موجد مهيمن عليه قوي قادر جبار قاهر عليم حكيم رءوف رحيم منعم حليم، بحيث يكون تدريس التاريخ توضيحا طبيعيا لهذه الصفات"١.
стр. 219
٢- التربية بالموعظة:
معنى الموعظة اللغوي والقرآني:
*- في القاموس المحيط "وعظه يعظه وعظا وموعظة: ذكره ما يلين قلبه من الثواب، والعقاب فاتعظ".
*- المعنى القرآني كما ورد في تفسير المنار١.
وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣٢] .
"الوعظ: النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب، ويبعث على العمل؛ أي ذلك الذي تقدم من الأحكام، والحدود المقرونة بالحكم والترغيب والترهيب يوعظ به أهل الإيمان بالله، والجزاء على الأعمال في الآخرة، فإن هؤلاء هم الذين يتقلبونه، ويتعظون به، فتخشع له قلوبهم ويتحرون العمل به قبولا لتأديب ربهم، وطلبا للانتفاع به في الدنيا، ورجاء في مثوبته ورضوانه في الأخرى.
وأما الذين لا يؤمنون بما ذكر حق الإيمان، كالمعطين والمقلدين الذين يقولون آمنا بأفواههم؛ لأنهم سمعوا قومهم يقولون ذلك، ولم تؤمن قلوبهم؛ لأنهم لا يتلقوا أصول الإيمان بالبرهان القرآني، أو النبوي الذي يملك من القلب مواقع التأثير ومسالك الوجدان، فإن وعظهم به عبث لا ينفع، وقول لا يسمع".
ب- تحليل لأهم معاني الوعظ، وأشكاله:
ينتج معنا من تأمل هذا التفسير وغيره من تفاسير الآيات التي ورد فيها لفظ "وعظ" في القرآن الكريم أن لأسلوب الوعظ أشكالا، ومعاني أهمها:
*- النصح وهو بيان الحق والمصلحة، بقصد أن نجنب المنصوح الضرر، وندله على ما يحقق سعادته وفائدته، ودليل النصح ألا يتوخى الناصح مصلحة شخصية دنيوية مادية لنفسه، ولذلك وجب على المربي الناصح أن يتنزه أثناء أداء واجبه التربوي، عن كل رياء وعن كل ما يوحي للآخرين بأن له في فعله مصلحة
стр. 220
خاصة، لئلا يشوب إخلاصه وسمعته، فيفقد هيبته التربوية وتأثيره في نفوس طلابه، وقد بين الله ذلك عند ذكر الحوار الذي جرى بين الرسل وأقوامهم، فقال مخاطبا رسوله محمدا ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٥٧] .
وقال على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦/ ١٠٩ و١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠] .
فتكررت هذه الآية خمس مرات في هذه السورة، لتؤكد إخلاص الرسل، وتنزههم عن المصالح المادية الشخصية في دعوتهم إلى الله.
وفي المعنى اللغوي لـ"نصح" ما يدل على الخلاص من الشوائب، والغش ففي القاموس: ورجل ناصح الجيب: لا غش فيه، والناصح: العسل الخالص، وهكذا يتفق المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي والهدف التربوي، وقد تكرر ورود ألفاظ من هذه المادة "نصح" في مواطن من القرآن الكريم على لسان الرسل في حوارهم مع أقوامهم، كقول نوح:
﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ١١/ ٣٤] ، وكقول هود لقومه "عاد": ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٧/ ٦٨] ، فدلت هذه الآية على أن من شروط النصح الأمانة، وهي هنا تبليغ الحق والشرع، وأخبار الغيب، كما وردت بدون تحريف ولا تشويه، مع نحري الصحة في الأسانيد إن كان العالم يستدل بأحاديث نبوية.
*- التذكير: وهو أن يعيد الواعظ إلى الذاكرة معاني وذكريات، وتستيقظ معها مشاعر ووجدانات وانفعالات، تدفع للمبادرة إلى العمل الصالح، والمسارعة إلى طاعة الله وتنفيذ أوامره، وهذا يقتضي أن يكون في ذكريات الموعوظ، ووجدانه ما يعتمد عليه الواعظ من إيمان بالله، وخوف من الحساب، ورغبة في الثواب وللتذكير وسائل أهمها:
١- التذكير بالموت؛ وقد كان عمر بن الخطاب يخاطب نفسه قائلا: كفى بالموت واعظا يا عمر، وكان الخوف من الله ومن الحساب بعد الموت بين يدي الله قد أسال
стр. 221
دموع هذا الخليفة الصالح حتى ترك الدمع أثرا واضحا في خديه، أصبح يعرف به بين أصحابه، ومما يتبع الموت التذكير بعذاب القبر، وسؤال الملكين في القبر، وتنشأ العظة بالموت عن أنه آت لا محالة لا ينجو منه إنسان، وأنه لا يأتي في الوقت الذي يريده الإنسان، فهو من صنع الله وتقديره، استأثر الله وحده بعلمه، وقد شرع الله لنا تغسيل الميت وتجهيزه، وتشييعه وزيارة القبور لنزداد عظة الموت.
٢- التذكير بالموض؛ فالحياة دائما مهددة بالمصائب والأمراض، وهي أمور تفاجئ الإنسان فتنغص عليه حياته، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، فالحياة الدنيا تحمل بين طياتها الدليل على نقصها وفنائها، وإن الآخرة هي الحياة الحقة الباقية: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٦٤] ، ففي هذا موعظة لمن يعقل ويفكر في هذه الحياة، ونقصها ونكدها، ليرجع إلى الله وتستيقظ عنده الخشوع لله، والخوف منه، والخضوع لأوامره، ولذلك شرع لنا زيارة المرضى لنشكر الله على الصحة من جهة، ونواسي المريض من جهة أخرى، كما شرع لنا الصبر على المرض والمصائب، ووعدنا عليه بثواب عظيم، وأدبنا رسول الله أن ندعو للمريض بمثل قولنا: "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك"٠١
٣- التذكير بيوم الحساب، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وقد يجيء مقترنا بالوعظ، وذلك ما ورد في بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: ٦٥/ ٢] .
لأن تقبل الوعظ والامتناع عن المحرمات، وعن الاستبداد بالزوجة، مثلًا، بقصد مكارهتها وظلمها وأكل صداقها، هذا الامتناع يحتاج إلى رادع، ووازع من نفس الإنسان، ولا رادع كالخوف الحقيقي من الله، ومن يوم الحساب، ووجود هذا الخوف يعتمد على تربية إسلامية تنمو معها العواطف الربانية كما أشرنا إلى ذلك في حينه من مباحث هذا الكتاب.
стр. 222
ج- النتائج التربوية:
يعتمد الوعظ من الناحية النفسية، والتربوية على أمور أهمها:
*- إيقاظ عواطف ربانية كانت قد ربيت١ في نفس الناشئين بطريق الحوار، أو العمل والعبادة والممارسة، أو غير ذلك كعاطفة الخضوع لله، والخوف من عذابه أو الرغبة في جنته، وكذلك يربي الوعظ هذه العواطف وينميها، وقد ينشئها من جديد.
*- الاعتماد على التفكير الرباني السليم الذي كان الموعوظ قد ربي عليه، وهو التصور السليم للحياة الدنيا والآخرة، ودور الإنسان أو وظيفته في هذا الكون ونعم الله، وأنه خلق الكون والموت والحياة، ونحو ذلك مما أوضحته في "أسس التربية الإسلامية" كأركان الإيمان، وتوحيد الله بالتشريع والعبادة، والجبروت والقدرة المطلقة.
*- الاعتماد على الجماعة المؤمنة، فالمجتمع الصالح يوجد جوا يكون فيه الوعظ أشد تأثيرا وأبلغ في النفوس، لذلك جاءت معظم المواعظ القرآنية، والنبوية بصيغة الجماعة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ٥٨] ، وكالحديث: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا..".
*- ومن أهم آثار أسلوب الموعظة تزكية النفس، وتطهيرها وهو من الأهداف الكبرى للتربية الإسلامية، وبتحقيقه يسمو المجتمع، ويبتعد عن المنكرات وعن الفحشاء، فلا يبغي أحد على أحد ويأتمر الجميع بأمر الله، بالمعروف والعدل والصلاح والبر، والإحسان وقد جمعت هذه المعاني في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٦/ ٩٠] .
стр. 223
سابعا: التربية بالترغيب والترهيب:
الأسس النفسية والتربوية:
بني هذا الأسلوب التربوي الإسلامي على ما فطر الله عليه الإنسان من الرغبة في اللذة والنعيم، والرفاهية وحسن البقاء، والرهبة من الألم والشقاء وسوء المصير.
ويشترك الحيوان مع الإنسان في أدنى درجاب هذه الرغبة والرهبة، فجميع الكائنات الحية تقريبا، تبتعد عما يؤذيها حال شعورها به، وتقبل على ما يلذها، ويحق استمرار الحياة لها أو لجنسها.
لكن الله ميز الإنسان -كما لاحظنا في بحثنا لأسس التربية الإسلامية- بالقدرة على التعلم والاعتبار، والتفكير لما بعد الفترة التي يعيشها، والعمل والتحضير للمستقبل والتمييز بين الضار والنافع، والاختيار بينهما، عاجلا حينا، وآجلا حينا آخر.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن الفتى تستيقظ عنده الرغبة الجامحة في الزواج منذ بلوغه الحلم، لكنه يؤجل ذلك إذ يجد نفسه عاجزا عن نفقات الحياة الزوجية، فيفضل لذة ومتعة مؤجلة، ولو كان التأجيل مديدًا، لكنها مكفولة الاستقرار بحسب ما يبدو له، على لذة عاجلة ينغصها الحرمان والنكد، أو خراب البيوت وسوء السمعة، أو نقمة المجتمع، إلخ ...
وهكذا يرغبه مجتمعه بزواج هانئ مستقر إن هو صبر، ونال الشهادات أو الخبرات أو القدرة على الكسب، وإعالة الزوجة وتأمين المسكن.
كما يرهبه المجتمع كالأبوين والأصدقاء والأقارب، من النتائج الوخيمة إن هو اقترف لذة غير مشروعة، أو تسرع في زواج غير مناسب ولا ملائم.
تعريف:
يمكننا باستقراء آيات القرآن أن نعرف الترغيب، والترهيب كما يلي:
الترغيب وعد يصحبه تحبيب وإغراء، بمصلحة أو لذة أو متعة آجلة، مؤكدة، خيرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح، أو الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيئ ابتغاء مرضاة الله، وذلك رحمة من الله لعباده.
стр. 224
والترهيب وعيد، وتهديد بعقوله تترتب على اقتراف إثم، أو ذنب مما نهى الله عنه أو على التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به، أو هو تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات الجبروت، والعظمة الإلهية، ليكونوا دائما على حذر من ارتكاب الهفوات والمعاصي، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ١٩/ ٧١-٧٢] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ٣٩/ ١٥-١٦] .
مميزات الترغيب، والترهيب القرآني والنبوي:
يمتاز الترغيب والترهيب في التربية الإسلامية عما يسمونه في التربية الغربية "الثوب والعقاب" بميزات صادرة عن الطبيعة الربانية المواتية لفطرة الإنسان التي تتسم بها التربية الإسلامية، وأهم هذه المميزات:
١- يعتمد الترغيب والترهيب القرآني، والنيوي على الإقناع والبرهان، فليس من آية فيها ترغيب أو ترهيب بأمر من أمور الآخرة إلا، ولها علاقة أو فيها توجيه خطاب إلى المؤمنين.
وهذا معناه تربويا أن نبدأ بغرس الإيمان، والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئين، ليتسنى لنا أن نرغبهم بالجنة، أو نرهبهم من عذاب الله، وليكون لهذا الترغيب والترهيب ثمرة عملية سلوكية، ولهذا بدأنا في هذا الكتاب بعرض أسس التربية الإسلامية قبل أساليبها، وقد يكون الإقناع عن طريق أخذ العبرة من القصة القرآنية، ثم يعقبها التهديد أو الترغيب.
стр. 225
٢- يكون الترغيب والترهيب القرآني، والنبوي مصحوبا بتصور فني رائع، لنعيم الجنة أو لعذاب جهنم، بأسلوب واضح يفهمه جميع الناس.
لذلك يجب على المربي أن يستخدم الصور، والمعاني القرآنية والنبوية في عرضه لعقاب الله وثوابه، وتقريبها إلى إفهام الناشئين كتصوير مواقف القيامة بالصور القرآنية مدعومة بالتفاصيل النبوية كقصة الشفاعة يطلبها الناس في موقف الحشر من جميع الأنبياء، لشدة الهول فيعتذرون، إلا رسول الله محمدا ﷺ ، وقصة آخر رجل يدخل الجنة، ونحو ذلك من القصص النبوي عن مواقف القيامة.
وعلى المربي هنا ألا يتقيد بنصوص المنهج وحدها بل يجب اقتباس تفاصيل من كتب الحديث "كرياض الصالحين" و"الترغيب والترهيب" وغيرها، من كتب الحديث عندما يدرس التلاوة، أو التفسير أو التوحيد، أو أي مادة يمكن عرضها بأسلوب الترغيب والترهيب.
٣- يعتمد الترغيب والترهيب القرآني، والنبوي على إثارة الانفعالات، وتربية العواطف الربانية، وهذه التربية الوجدانية مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية.
أ- كعاطفة الخوف من الله التي أمر الله بها: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٧٥] ومدح عباده الذين يخافونه، ووعدهم بالثواب العظيم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ٤٦] بل أمرنا أن ندعوه، خوفا من عذابه، وطمعا في ثوابه.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٥٥-٥٦] .
وعلى تربية هذه العاطفة الربانية بنيت بعض العبادات كالصوم، وتحريم الصيد في
стр. 226
الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٥/ ٩٤] .
كما بني كثير من المعاملات الإسلامية عليها كالنصح في البيع والشراء، ورعاية اليتيم وحسن معاملة الزوجة، والعدل بين الأولاد، فكل من خاف ربه كان إنسانا فاضلا عادلا في سلوكه ومعاملاته، ومن لم يستح من ربه يفعل ما يشاء بلا ضابط ولا وازع، له قلب كالحجارة، أو أشد قسوة.
ب- الخشوع ومعناه التذلل، والخضوع والشعور بالانقياد، والعبودية لله تعالى وهو ثمرة للخوف، فنحن نرى في الدنيا أن الناس إذا خافوا من بعض الطواغيت الباطشين، سارعوا إلى الانقياد لأوامرهم والخضوع لها، ولو ظاهريا، ولكن الخشوع لله يمتاز عن الخضوع الظاهري بأنه مصحوب بشعور حقيقي بالتبعية لله تعالى، وبطاعته، والإذعان لعظمته، إذعانا ناتجا عن الأعجاب بآثار إبداعه، وتدبيره في هذا الكون وفي أنفسنا.
وقد ورد الحض على الخشوع عند ذكر الله، وقراءة القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٥٧/ ١٦] .
ولهذا الخشوع عند تلاوة القرآن علامات، وتغيرات جسدية وردت في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٣] ، وذلك من شدة الخوف من الله، والشعور برقابته أثناء تلاوة كتابه.
تربية عواطف الخوف والخشوع: هذه أهم الانفعالات المصاحبة لآيات الترهيب
стр. 227
ولحالة الإنسان الخاشع الخائف من ربه، وقد عبر عنها القرآن بالخوف، والرهبة والخشية، والخشوع.
وينبغي أن يستشعرها المربي فتنتقل إلى طلابه، أو أبنائه بالعدوى الانفعالية، والاقتداء به والمحبة والتقليد.
كما ينبغي أن يتخذ في ملامح وجهه، ولهجة كلامه الهيئة التي تثير هذه الانفعالات كلما اقتضى الأمر ذلك، في نفوس الناشئين كذلك ينبغي الاعتماد على الإقناع، والبرهان والتكرار لتربية العواطف الربانية، فتكرار الانفعالات١ المتشابهة مرة بعد مرة حول موضوع معين وبمناسبات مختلفة، كالقصة والوصف والحوار، والاستفهام واستجواب الطلاب، هذا التكرار يربي في النفس الاستعداد الدائم الثورة انفعالية وجدانية كلما وجد الإنسان في موقف مشابه، وهذا الاستعداد يسمى عاطفة.
والعواطف قوى دافعة للسلوك، محرضة على الصبر، مثيرة ومغذية لطاقات الإنسان، لا تقل أهمية عن الدوافع الغريزية بل إنها تهيمن عليها، وتوجهها وتنظمها وتسمو بها، وبها يمتاز الإنسان على الحيوان، وكما أن في النفس عواطف سلبية ترافق التربية بالترهيب كالخف، والخشوع كذلك في النفس عواطف إيجابية ترافق التربية بالترغيب أهمها:
ج- المحبة:
فطر الإنسان منذ طفولته على الميل إلى أن يحب ويكون محبوبا، وقد ورد الحب في القرآن في عدد من الآيات، والحب في الأصل -كما هو معروف بين الناس- تعرق المحب بالمحبوب، وتتبع آثاره، ودوام تذكره، وحضور القلب معه، وعمل ما يرضيه ويحقق سروره.
стр. 228
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٦٥] ، قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم": "ولحبهم له وتمام معرفتهم به وتوقيرهم، وتوحيدهم له لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه ويلجئون إليه في جميع أمورهم"١.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٣١] .
فجعل الله اتباع رسوله الذي يبلغ أوامره من شروط محبته، كما وصف الله الذين يحبهم الله، ويحبونه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥/ ٥٤] .
وإذا تتبعنا حياة الرسول ﷺ ، وأصحابه نرى أن محبة الله من أهم الدوافع التي تجعل الإنسان حريصًا على تحقيق شريعة الله في سلوكه وحياته، دون أن يكون عليه رقيب من البشر، وأن من أهم العوامل التي تؤدي إلى محبة الله، والشعور بفضله والتعرف إلى نعمه، وإلى ما أعد للمتقين في جنات النعيم، وطول مناجاته وقراءة كلامه، وتأمل آثار رحمته، إلخ.
د- الرجاء وهو الطمع في رحمة الله، والأمل في ثوابه وجزيل الأجر عنده، وقد كان هذا الرجاء دافعا إلى الجهاد، وطلب الموت في سبيل الله، فكان الصحابي والمجاهد يقول: "بخ، بخ، هل بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل فأقتل في سبيل الله؟ " ويهجم على الأعداء حتى يستشهد.
стр. 229
وقد أرسل رسول الله ﷺ مرة "عبد الله بن جحش، ومعه ثمانية من المهاجرين، ومعه كتاب أمره ألا يفتحه إلا بعد مرحلة من الطريق، فلما فتحه وجد فيه الأمر بالذهب إلى نخلة بين الطائف ومكة، ليرصد قريشا ويعلم من أخبارهم، ويعود إلى رسول الله ﷺ ".
فذهب مع ثنانية من أصحابه، وقتلوا قتيلًا من المشركين وأسروا أسيرين وبعيرا، وكان ذلك في آخر يوم من رجب، وتكلم فيها الناس وزعموا أنهم انتهكوا حرمة الشهر الحرام، فأنزل الله قرآنا ودافع عنهم، وأباح قتال المشركين في الشهر الحرام، فلما سري عنهم قالوا: "يا رسول الله! أنطمع أن يكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ " فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٢١٨] .
فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون على يد تسعة من المهاجرين ساروا أياما في أراضي الأعداء، كل ذلك تحقيقا لأمر رسول الله، ورجاء رحمة الله وجنته وثوابه١.
فانظر إلى أثر هذا الرجاء ما أعظمه في نفوسهم، لقد كانوا حقا يرجون رحمة الله.
وغرس هذا الرجاء في نفوس الناشئة يبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى الإكثار من وصف الجنة، ونعيمها وربطها بضرورة التقيد بأوامر الله وترك نواهيه، وبالجهاد وإعلاء كلمة الله.
٤- تعتمد التربية بالترغيب والترهيب على ضبط الانفعالات، والعواطف والموازنة بينها.
فلا يجوز أن يطغى الخوف، على الأمل والرجاء فيقنط المذنب من عفو الله ورحمته، وقد نهى الله عن هذا اليأس، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
стр. 230
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٥٣] .
مع علم الله بأن من عادة الإنسان إن لم يتسلح بالإيمان، والأمل بثواب الله أن يتصف باليأس، والقنوط عند نزول الشدائد: ﴿لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤١/ ٤٩] ، ولكن الله يرضى لعباده اليأس والقنوط، ولذلك قرن اليأس بالكفر: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١/ ٩-١١] .
كذلك لا ينبغي أن يطغى الفرح بزوال الشدة، فينسى الإنسان عقاب الله وقدرته، ويجعله فخورا بنفسه، معتدا بحوله وقوته مما يدعوه للعودة إلى المعاصي.
بل ينبغي أن يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، الخوف من عقاب الله وعظمته ومقامه، فلا يطغى ولا يتملكه الغرور، والرجاء في رحمة الله، فلا ييأس من عفوه.
وكل من اليأس والغرور يؤدي إذا تمادى بصاحبه إلى الكفر، أو الفسوق والطغيان: كما يفهم من الآيات السابقة، ومن قوله تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٩٩] ، وقوله: ﴿وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٨٧] .
ولو استجمع الإنسان في ذهنه صفة من صفات الكمال الإلهي، مع ما يقابلها من تلك الصفات، لما وقع في شيء من التناقض، أو الإفراط والتفريط في جنب الله، فاستشعار غضب الله يجب ألا ينسينا رحمته، وإرادته المطلقة ينبغي ألا تنسينا حكمته، وهكذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٦٧] .
стр. 231
ويقول رسول الله ﷺ ، فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" ١، رواه مسلم.
وعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار كذلك" ٢، رواه البخاري.
وهكذا ينبغي أن نربي العواطف الربانية عند الناشئين باعتدال واتزان، فلا يتمادون في المعاصي مغترين برحمة الله ومغفرته، مسوفين ومؤجلين توبتهم إلى الله، ولا ييأسوا من نصر الله، ورحمته بدعوى أن المجتمع كله منغمس في المعاصي، منحرف عن الإسلام الصحيح، فيتركوا العمل بشريعة الله والدعوة إليها، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٦٩] .
تم بحث التربية بالترغيب والترهيب، وتم الفراغ من مراجعته ظهر التاسع من ذي الحجة عام ١٣٩٨هـ، وبه يتم هذا القسم من كتاب "أصول التربية الإسلامية"، وأرجو الله أن يوفقني إلى متابعة هذا البحث الجليل في مؤلفات أخرى.
"والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
стр. 232
مستخلص:
يتناول الكتاب التربية الإسلامية، وأنها هي العلاج، ويوضح مفهومها ومفهوم الدين والإسلام، والعلاقة بينه وبين التربية.
ويبين استقاء مصادر التربية الإسلامية من القرآن والسنة، ويبين أسسها الفكرية، ومميزات التصور الإسلامي عن الإنسان، والكون والحياة.
ويوضح أسسها التعبدية والتشريعية، وأثر الشريعة في تربية الفكر والخلق، والحفاظ على الضروريات الخمس: الدين والنفس والمال، والعقل والعرض والنسل والأنساب، من خلال بحث الأسس الدينية، والاجتماعية والسياسية والحضارة والإنسانية، والتعليمية والغريزية والجسمية.
ويعرض للعقيدة الإسلامية وأثرها التربوي، وأهمية الإيمان وضرورته، من خلال دراسة أركان الإيمان بالله والملائكة، والكتب المنزلة والرسل واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، متحدثا عن الآثار التربوية، والمعنوية لكل ركن إيماني إسلامي.
ويبحث في أهداف التربية الإسلامية موازنا بينها، وبين التربية الغربية، ويوضح أهميتها بمعناها الخاص في تحقيق الأهداف.
ويعرج على وسائط التربية الإسلامية من مسجد، ومدرسة ومرب مسلم، ومجتمع مدرك مسئوليته التربوية، ودور النشاط المدرسي في التربية، وأهمية المنهج التربوي الإسلامي وخصائصه.
ويدرس أساليب التربية الإسلامية بالحوار القرآني، والنبوي والخطابي والتعبدي والوصفي، والقصصي والجدلي، والعاطفي والإقناعي، وبالقصص القرآني والنبوي، وبضرب الأمثال، وبالقدوة الحسنة، والنضج، والممارسة والعمل، والرياضة، وبالعبرة والموعظة، وبالترغيب والترهيب، والنتائج التربوية لكل ذلك.
стр. 233
Abstract:
A book handling the Islamic Education. It proves its being a cure and clarifies its concept as well as the concept of the Islamic Religion and the relation between Islam and education.
It indicates the fact that the sources of the Islamic education are derived from the Qur'an and the Sunnah and states their intellectual bases and the characteristics of the Islamic concept of the human, the cosmos and life.
It clarifies the devotional and legislative bases of the Islamic Education, the effect of religion on educating the human intellectually and morally and maintaining the five necessities represented in Religion, Soul, Wealth, Reason, Honor, and Lineage through discussing the religious, social, political, civilizational, human, didactic instinctive and physical bases.
It displays the educational influence as well as the significance and importance of belief through discussing the pillars of the belief in Allah, the angels, the Scriptures that Allah sent down, the Hereafter and fate whether good or evil, and talks about the educational and moral effects of each fiducial and Islamic pillar.
It discusses the aims of the Islamic education and compares it with the Western education, and clarifies the significance of the Islamic education within its sense connected with realizing those aims.
It mentions the means of the Islamic education represented in mosques, schools, Muslim educators, a society which perceives its educational responsibility, the role of the school efficiency in education and the significance and characteristics of the Islamic educational approach.
It studies the methods of the Islamic education through the Qur'anic, Prophetic, elocutionary, devotional, descriptive, narrative, dialectical, emotional and persuasive dialogue, and through the Qur'anic and Prophetic stories, setting examples, good guidance, maturity, practice, deed, sport, lessons, preaching and rousing desire or fear as well as the educational results of them all.