← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9969

أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع

عبد الرحمن النحلاوي

Полный текст (233 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على السماوات والأرض، وخزائن رزق الله: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٥٢/ ٣٦-٣٧] ، وهذه الأمور العظام، والمخلوقات الجسام لا يمكن أن توجد وحدها، ولا يستطيع البشر أن يدعي أنه خلقها، فلا بد من الاعتراف بأن الله خلقها. ب- وكالقياس الصحيح كقوله تعالى باسطًا رأي المنكرين للبعث: ﴿كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤٩] ، فيأمر الله رسول الله ﷺ بجوارهم، وإقناعهم بالحجة والمنطق: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٥٠-٥١] . وفي هذا قياس للبعث على الخلق الأول، فالله كما فطرهم أول مرة، قادر على أن يعيد خلقهم مرة أخرى، ولو كانوا من حجارة أو حديد، أو أي مادة أخرى، إنه مبدأ عقلي منطقي لا شك فيه ولا مراء، ولا يستطيع إنكاره عاقل. ج- وأهم مزاياه أنه يربي العقل على التفكير الموضوعي الواقعي، والارتقاء بالحجج من المشهود المحسوس إلى المطلوب المغيب، فقصة إبراهيم مع النمرود جاء فيها الحوار الآتي: بدأت القصة بلفت نظر القارئ، على طريقة الحوار الخطابي، إلى أهميتها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] . وبهذا الإيجاز بين الله لنا بطلي القصة: إبراهيم المؤمن بربه، ورجل غره أن أتاه الله ملكا، فأراد أن يزعم لنفسه بعض صفات الألوهية، لكن إبراهيم ضرب له أمثلة محسوسة يراها كل إنسان ولا ينكرها عاقل: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] ، فكابر الملك الظالم، وزعم أنه يقتل من يشاء ويذر لمن يشاء حياته، ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] وشعر إبراهيم أن خصمه يزيغ ويحيد عن موضوع النقاش الحقيقي، إلى مواقف متشابهة، فحاصره في أمر لا يستطيع أن يحيد عنه، إلا لا شبيه له عالم الإنسان: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] . ومن أروع الأمثلة على هذه المزية: حوار إبراهيم مع قومه حين حطم الأصنام إلا صنمًا كبيرًا نسب إليه تحطيم الأصنام، وطالب قومه بأن يسألوا الأصنام، ليثبت لهم بشكل حسي، أن ما يعبدون من دون الله لا يستطيعون شيئا، ولا يستحقون التقديس والعبادة.

стр. 177

٥- الحوار النبوي: لقد اقتبس رسول الله ﷺ ، من كل ما مر من أنواع الحوار القرآني وأشكاله، وكل ما هو مثبت في القرآن العظيم من أساليب التربية والتعليم، ولا غرو فقد كان خلقه القرآن، وكانت حياته التربوية والتعليمية ترجمة حية بشرية، لآيات الله ومراده ووحيه. *- الحوار طريقة تربوية نبوية: كان رسول الله ﷺ حريصا على تعليم الصحابة بطريق الحوار، وكانت رغبته أشد في أن يكون الصحابة هم البادئون بالسؤال، فقد روى البخاري ومسلم "واللفظ له" عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوما بارزًا للناس، وفي رواية، قال رسول الله ﷺ : "سلوني"، فهابوه أن يسألوه فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان"، قال: صدقت، ثم سأله عن الإيمان والإحسان وموعد قيام الساعة، قال أبو هريرة: ثم قال الرجل فقال رسول الله ﷺ : "ردوه علي" فالتمس فلم يجدوه، فقال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا" ١ وفي لفظ للبخاري: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم" ٢. ويؤخذ من هذه الأحاديث أمور تربوية أهمها: أ- مشروعية ترغيب المعلمين في أن يكونوا هم السائلين، ليكون التعليم مبنيا على رغبتهم، وليكون أشد وقعا في نفوسهم.

стр. 178

ب- إجراء حوار أمام المتعلمين، ليتابعوا الحوار ويتعلموا منه أمر دينهم، وهذه الطريقة كانت مقصودة من قبل الشارع، بدليل لفظ البخاري: $"هذا جبريل جاء يعلم الناس أمر دينهم"، وكانت هذه الطريقة تروق بعض الصحابة ﵃، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: "كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد: أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق"، الحديث"١. وحديث جبريل جاء مخصصًا لعموم الآية: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٠١] ، ولعموم حديث: "نهينا عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال"، ولعل الصحابة كانوا يتهيبون السؤال بعموم الآية والحديث، فجاء حديث جبريل مبيحا السؤال بقصد الاستفادة، والتعليم وخاصة لأمور الدين وأسسه وعقائده. فثبت من هذا كله أن أسلوب الحوار من أساليب التربية الإسلامية، لذلك أرسل الله جبريل يسأل الرسول ويصدقه، والصحابة يسمعون بكل لهفة وشوق، ليقتدي المعلمون والمربون بهذا الأسلوب في حياتهم التعليمية والتربوية. *- الحوار النبوي العاطفي: كان رسول الله ﷺ أقدر الناس على تربية العواطف الربانية، والاعتماد عليها عند الضرورة. آمن من الأنصار وفيه الرجل والمرأة، والشاب والكهل، والطاعن في السن، فربى نفوسهم على الحب في الله والحماية لدين الله، والبغض لأعداء الله، وكراهية العودة إلى الكفر والجاهلية، فلما وزع الرسول ﷺ بعض الغنائم في قريش وجدوا وعتبوا, كما ورد عن أبي سعيد الخدري قال٢: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا "أي من غنائم هوازن وسباياها" في قريش، ولم يكن في الأنصار

стр. 179

منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فأمر سعد بن عباة فجمعهم، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: $"يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأعطاكم الله؟ وأعداء فألف بين قلوبكم؟ ". قالوا: بلى والله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ " قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال رسول الله ﷺ : "أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم، في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، وركلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة، والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحابكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: "رضينا برسول الله قسما وحظا". هذه التربية النبوية العظيمة، وهذا الحوار النبوي العاطفي يدلنا من الناحية التربوية على أمور أهمها: أ- أن الاعتماد على العواطف الربانية في المواقف الخطيرة، يجب أن يسبقه تربية صحيحة وعميقة لهذه العواطف، وكان رسول الله كما قلنا قد ربى هذه العواطف في نفوس الأنصار، حتى أصبح الله ورسوله أحب إليهم من المال، والولد والناس أجمعين. ب- استخدام رسول الله ﷺ أسلوب القرآن الاستفهامي، لإثارة العواطف: وكأنه اقتبس من سورة الضحى ذلك القبس الإلهي حين قال لهم: "ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأعطاكم الله، وأعداء فألف بين قوبكم؟ ".

стр. 180

ج- وراعى رسول الله ﷺ أنهم بشر وليسوا ملائكة، وأرادهم أن يدافعوا عن أنفسهم بشيء من القول، فلما استحيوا منه، دافع عنهم بالنيابة عن أنفسهم، لئلا يترك في نفوسهم شيئا من الواجد، فقال: $"أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك.."، وهكذا نجد أن على المربي في المواقف الحرجة، ألا يصدر حكمه قبل أن يسمع من الذين يربيهم، أو يريد أن يحاكمهم، في هفوة ارتكبوها. *- الحوار النبوي الإقناعي: كان رسول الله ﷺ يحاور في سبيل الإقناع وإقامة الحجة، فقد أراد شخص أن يدخل في الإسلام، فاستأذن رسول الله أن يبيح له الزنا، فقال له الرسول ﷺ ما معناه١: "ألك أم؟ " قال: نعم، "ألك أخت؟ " قال: نعم، ثم قال: "أتريد أن يزنى بأمك؟ " قال: لا"، وهنا أقلع الرجل وتاب عن هذا الخلق الدنيء، وتم إقناعه بترك الزنى عن طريق هذا الحوار النبوي، الذي يتضمن قياس معاملة الغير على معاملة النفس، وأن يترك الإنسان أذى الآخرين، ما دام لا يريد أن يؤذيه الآخرون. وكذلك محاورته مع عدي بن حاتم: قال الإمام الرازي في تفسيره٢: نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانيا، فانتهى إلى رسول الله ﷺ ، وهو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١] ، قال، فقلت: لسنا نعبدهم، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ " قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". وروى الإمام أحمد والترمذي، وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم.. فذكر خبر فراره إلى الشام، وأسر أخته وإسلامها وترغيبها إياه بالإسلام، وقدومه إلى المدينة، وسماعه سورة "براءة" من رسول الله ﷺ ، واعتراضه على آية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ

стр. 181

وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ ، وجواب الرسول ثم قال١: قال رسول الله ﷺ : "يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرك؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلها غير الله؟ " ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق، قال٢: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون". هذا الحوار الإقناعي يقوم على سؤال المتعلم، أو المخاطب عما يعرفه بالحس أو البداهة، ثم يبني السائل على الجواب ما يريد بناءه من استجواب آخر، حتى يصل إلى الإقناع بكل ما يريد تعليمه إياه أو إقناعه به، فقد كان حوار رسول الله ﷺ حوارًا تدريجيا بدأ المناقشة حول معنى الآية، وحول اتخاذ النصارى لأحبارهم أربابا، أي مشرعين من دون الله، ثم تبين خطؤهم لعدي بن حاتم، فلما أنس منه الرسول ﷺ تعقلا، ورغبة في الحق تابع سؤاله عن رأيه في شعار المسلمين "الله أكبر" و"لا إله إلا الله" حتى أقر بشهادة الحق. وهكذا كان الحوار الاستجوابي في التربية الإسلامية بعد قراءة القرآن، من الوسائل الناجحة لإقناع من يرجي إسلامه من المفكرين والعقلاء، وهو وسيلة ناجحة في التدريس، وما زال من أفضل الوسائل المتبعة إلى يومنا، إنه وسيلة للتعليم والإقناع، وإلزام الخصم بالحجة.

стр. 182

ثانيًا: التربية بالقصص القرآني والنبوي الميزات التربوية للقصص القرآني والنبوي ... ثانيا: التربية بالقصص القرآني والنبوي ١- تمهيد في أهيمة القصة التربوية: للقصة في التربية الإسلامية وظيفة تربوية لا يحققها لون آخر من ألوان الأداء اللغوي. ذلك أنها أعني "القصة القرآنية النبوية" تمتاز بميزات جعلت لها آثارا نفسية وتربوية بليغة، محكمة، بعيدة المدى على مر الزمن، مع ما تثيره من حرارة العاطفة، ومن حيوية وحركية في النفس، تدفع الإنسان إلى تغيير سلوكه، وتجديد عزيمته بحسب مقتضى القصة وتوجيهها وخاتمتها، والعبرة منها، وتتخلى أهم هذه الميزات فيما يلي١: ١- الميزات التربوية للقصص القرآني والنبوي: أ- تشد القصة القارئ، وتوقظ انتباهه، دون توان أو تراخ، فتجعله دائم التأمل في معانيها والتتبع لمواقفها، والتأثر بشخصياتها وموضوعاتها حتى آخر كلمة فيها. ذلك أن القصة تبدأ غالبا، وفي شكلها الأكمل، بالتنويه بمطلب أو وعد أو الإنذار بخطر، أو نحو ذلك مما يسمى عقدة القصة، وقد تتراكم، قبل الوصول إلى حل هذه العقدة، مطالب أو مصاعب أخرى، تزيد القصة حبكا، كما تزيد القارئ، أو السامع شوقا وانتباها، وتلهفا على الحل أو النتيجة. ففي مطلع قصة يوسف، مثلا، تعرض على القارئ "رؤيا يوسف ﵇" يصحبها وعد من الله، على لسان أبيه، بمستقبل زاهر، ونعم من الله يسبعها على هذه الأسرة الفقيرة المتعثرة، الداعية إلى الله. وتتتابع المصائب والمشكلات على بطل القصة "يوسف ﵇"، ويتابع القارئ اهتمامه ينتظر تحقيق وعد الله، ويترقب انتهاء هذه المصائب، والمشكلات بتلهف. ب- تتعامل القصة القرآنية، والنبوية مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في أهم النماذج التي يريد القرآن إبرازها للكائن البشري، ويوجه الاهتمام إلى كل نموذج بحسب أهميته، فيعرض عرضًا صادقًا يليق بالمقام، ويحقق الهدف التربوي من عرضه، ففي قصة يوسف يعرض نموذج الإنسان الصابر على المصائب في سبيل الدعوة إلى الله "في شخص يوسف"، ونموذج المرأة المترفة تعرض لها حبائل الهوى، فيملأ قلبها الحب والشهوة، ويدفعها إلى محاولة ارتكاب الجريمة، ثم إلى سجن إنسان بريء مخلص، لا ذنب له إلا الترفع عن الدنايا والإخلاص لسيده، ومراعاة أوامر ربه.

стр. 183

ونموذج إخوة يوسف: تدفعهم هواتف الغيرة والحسد، والحقد والمؤامرة والمناورة ومواجهة آثار الجريمة والضعف، والحيرة أمام هذه المواجهة. ونموذج يعقوب: الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول، يعرض القرآن كل هذه النماذج البشرية عرضا واقعيا نظيفا من غير إفحاش، ولا إغراء بفاحشة أو جريمة، كما يفعل مؤلفو القصص التي يسمونها واقعية أو طبيعية، من رواد جاهلية القرن العشرين، ذلك أن من أهم غايات القصة القرآنية: التربية الخلقية عن طريق علاج النفس البشرية علاجا واقعيا. فالقصة القرآنية ليست غريبة عن الطبيعة البشرية، ولا محلقة في جو ملائكي محض؛ لأنها إنما جاءت علاجا لواقع البشر، وعلاج الواقع البشري لا يتم بذكر جانب الضعف والخطأ على طبيعته، ثم بوصف الجانب الآخر الواقعي المتسامي الذي يمثله الرسل والمؤمنون، والذي تؤول إليه بقصة بعد الصبر والمكابدة والجهاد والمرابطة، أو الذي ينتهي عند المطاف لعلاج ذلك الضعف والنقص، والتردي البشري في مهاوي الشرك، أو حمأة الرذيلة، علاجا ينهض بالهمم، ويدفع بالنفس للسمو، ما استطاعت، إلى أعلى القمم، حيث تنتهي القصة بانتصار الدعوة الإلهية، ووصف النهاية الخاسرة للمشركين الذين استسلموا إلى الضعف والنقص، ولم يستجيبوا لنداء ربهم فيزكوا أنفسهم.

стр. 184

٢- تربي القصة القرآنية العواطف الربانية وذلك: *- عن طريق إثارة الانفعالات كالخوف والترقب، وكالرضا والارتياح والحب، وكالتقزز والكره، كل ذلك يثار في طيات القصة بما فيها من وصف رائع ووقائع مصطفاة، فقصة يوسف مثلا تربي الصبر والثقة بالله، والأمل في نصره، بعد إثارة انفعال الخوف على يوسف، ثم الارتياح إلى استلامه منصب الوزارة. *- وعن طريق توجيه جميع هذه الانفعالات حتى تلتقي عند نتيجة واحدة هي النتيجة التي تنتهي إليها القصة، فتوجه مثلا حماسة قارئ القصة نحو يوسف وأبيه، حتى يلتقيا في شكر الله في آخر القصة، ويوجه بغض الشر الذي صدر عن إخوة يوسف حتى يعترفوا بخطئهم، ويستغفر لهم أبوهم في آخر القصة، وهكذا.. *- وعن طريق المشاركة الوجدانية حيث يندمج القارئ مع جو القصة العاطفي حتى يعيش بانفعالاته مع شخصياتها، ففي قصة يوسف يعتري القارئ خوف أو قلق عندما يراد قتل يوسف، وإلقاؤه في الجب، ثم تنسرح العوطف قليلا مع انفراج الكربة عنه، ثم يعود القارئ إلى الترقب عندما يدخل يوسف دار "العزيز"، وهكذا يعيش القارئ مع يوسف في سجنه، وهو يدعو إلى الله، حتى يفرح بإنقاذه، ثم بتوليه وزارة مصر، وبنجاة أبيه من الحزن، وهو في كل ذلك رسول الله والداعية إلى دينه. د- تمتاز القصة القرآنية بالإقناع الفكري بموضوع القصة: *- عن طريق الإيحاء، والاستهواء والتقمص، فلولا صدق إيمان يوسف لما صبر في الجب على الوحشة، ولما ثبت في دار امرأة العزيز على محاربة الفاحشة، والبعد عن الزلل، هذه المواقف الرائعة توحي للإنسان بأهمية مبادئ بطل القصة وصحتها، وتستهويه صفات هذا البطل، وانتصاره بعد صبر ومصابرة طويلة، فيتقمص هذه الصفات حتى إنه ليقلدها، ولو لم يقصد إلى ذلك، وحتى إنه ليردد بعض هذه المواقف ويتصورها، ويسترجعها من شدة تأثره بها. *- عن طريق التفكير والتأمل: فالقصص القرآني لا يخلو من محاورات فكرية ينتصر فيه الحق، ويصبح مرموقا محفوظا بالحوادث، والنتائج التي تثبت صحته، وعظمته في النفس وأثره في المجتمع، وتأييد الله له، ففي قصة يوسف تجد حوارا يدور بينه وبين فتيين عاشا معه في السجن فدعاهما إلى توحيد الله، وقصة نوح كلها حوار بين الحق والباطل، وكذلك قصة شعيب، وصالح وسائل الرسل، حوار منطقي مدعوم بالحجة، والبرهان١ يتخلل القصة، ثم تدور الدوائر على أهل الباطل، ويظهر الله الحق منتصرا في نتيجة القصة، أو يهلك الباطل وأهله، فيتظاهر الإقناع العقلي المنطقي والإثارة الوجدانية، والإيحاء وحب البطولة "الاستهواء"، والدافع الفطري إلى حب القوة وتقليد الأقوياء، تتظاهر كل هذه العوامل وتتضافر، يؤيدها التكرار مرة بعد مرة، فما أكثر تكرار بعض قصص القرآن، حتى تؤدي بمجموعها إلى تربية التصور الرباني للحياة، وللعقيدة واليوم الآخر، وإلى معرفة كل جوانب الشريعة الإلهية

стр. 185

معرفة إجمالية، وإلى تربية العواطف الربانية من حب في الله، وكراهية للكفر وحماسة لدين الله ولحماته، ولرسل الله، وولاء الله وانضواء تحت لوائه، وإلى السلوك المستقيم وفق شريعة الله، والتعامل حسب أوامره، وبهذا تحيط القصة القرآنية نفس الناشئ بالتربية الربانية من جميع جوانبها العقلية، والوجدانية والسلوكية. ٢- أغراض القصة القرآنية ١: ليست القصة القرآنية عملا فنيا مطلقا مجردا عن الأغراض التوجيهية، إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى تحقيق أغراضه الدينية الربانية، فهي إحدى الوسائل بإبلاغ الدعوة الإسلامية وتثبيتها. والتعبير القرآني مع ذلك يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني، وبهذا امتازت القصة القرآنية بميزات تربوية وفنية، ذكرنا بعضها في الصفحات الماضية حيث لاحظنا أن القصص القرآني يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، وإثارة الانفعالات، وتربية العواطف الربانية. وسنعرض للقارئ بعض أغراض القصة القرآنية٢ لكي يكون المربي على بينة من هذه الأغراض، فيوجه الطلاب بالاستجواب عن كل غرض إلى معرفة هذا الغرض، وتحقيقه في نفوسهم أو في سلوكهم، أو في تربية عقولهم ووجدانهم وعواطفهم، وهاك أهم هذه الأغراض: أ- كان من أغراض القصة القرآنية إثبات الوحي والرسالة، وتحقيق القناعة بأن محمد ﷺ ، وهو الأمي الذي لا يقرأ، ولا عرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى، يتلو على قومه القصص من كلام ربه، وقد جاء بعضها في دقة وإسهاب، فلا يشك عاقل في أنها وحي من الله، وأن محمدا رسول الله يبلغ رسالة ربه، والقرآن ينص على هذ الغرض نصا في مقدمات بعض القصص، أو في أواخرها فقد جاء في أول سورة يوسف:

стр. 186

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٢-٣] ، وجاء في سورة هود بعد قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ١١/ ٤٩] . ب- ومن أغراض القصة القرآنية: بيان أن الدين كله من عند الله. ج- وأن الله ينصر رسله والذين آمنوا، ويرحمهم وينجيهم من المآزق والكروب، من عهد آدم ونوح إلى عهد محمد ﷺ ، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع. وكثيرا ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعه في سورة واحدة، معروضة عرضا سريعا بطريقة خاصة لتؤيد هذه الحقيقة، كما في سورة الأنبياء، حيث ورد ذكر: موسى وهارون، ثم لمحة موجزة عن قصة إبراهيم ولوط، وكيف نجاهما الله وأهلك قومهما، وقصة نوح، وجانب من أخبار داود وسليمان، وما أنعم الله وكلهم من الصابرين الصالحين، وذكر الله لنا: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٨٧] ، والتقمه الحوت: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٨٧] ، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٨٨] ثم قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٩٠] ، ويختم الله هذه السلسلة من الأنبياء بخبر مريم، وابنها عيسى ﵉: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٩١] ، ثم يخاطب الله مباشرة جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٩٢] . فتبين بهذه الآية الكريمة تقرير الغرض الأصيل من هذا الاستعراض الطويل، وهو

стр. 187

أن جميع الأنبياء يدينون دينًا واحدًا يخضعون لرب واحد يعبدونه وحده لا يشركون به شيئا. وعندما نستعرض خير كل نبي نجد أن الله قد شد أزره، ونصره ونجاه من الكرب الذي نزل به، أو المأزق الذي أوشك أن يقع فيه، كما نجى ذا النون "يونس" واستجاب لزكريا، وكما نجى إبراهيم، وقد أوشك أن يخترق بالنار، وأنه سبحانه دائما ينعم على رسله، والذين آمنوا إذا صبروا وصدقوا، كما أنعم على داود بالنصر، وسليمان بالملك، فشكروا نعمة ربهم. د- وفي هذا شد الأزر المؤمنين، وتسلية لهم عما يلاقون من الهموم والمصائب، وتثبيت لرسول الله ومن تبعه من أمته، وتأثير في نفوس من يدعوهم القرآن إلى الإيمان وأنهم إن لم يؤمنوا لا محالة هالكون، وموعظة وذكرى للمؤمنين، وقد صرح القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١١/ ١٢٠] . وجاء في سورة العنكبوت لمحة خاطفة عن قصة كل نبي، مختومة بالعذاب الذي عذب به المذنبون من قومه حتى ختمت جميع القصص المجملة بقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٤٠] فعلى المربي أن يستحضر مكان الموعظة، والذكرى من كل قصة، ليحاور الطلاب حوارا يوجههم إلى معرفتها، والتأثر بها والعمل بمقتضاها. هـ- ومن أغراض القصة في التربية الإسلامية: تنبيه أبناء آدم إلى خطر غواية الشيطان١، وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم إلى أن تقوم الساعة، وإبراز هذه العداوة عن طريق القصة أروع وأقوى، وأدعى إلى الحذر الشديد من كل هاجسة في النفس تدعو إلى الشر، ولما كان هذه موضوعا خالدا، فقد تكررت قصة

стр. 188

آدم في مواضع شتى، مما يدعو المربي إلى الإلحاح على هذا الموضوع، وتوجيه الطلاب إلى الحذر من غواية الشيطان في كل مناسبة ملائمة. و ومن أغراض القصص التربوية: بيان قدرة الله تعالى، بيانا يثير انفعال الدهشة، والخوف من الله لتربية عاطفة الخشوع، والخضوع والانقياد ونحوها من العواطف الربانية. كقصة الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه١ وقصة خلق آدم٢، وقصة إبراهيم والطير الذي آب إليه بعد أن جعل على كل جبل جزءا منه قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦٠] . القصص النبوي: لا يختلف القصص النبوي من حيث أهميته، وميزاته التربوية عن القصص القرآني، ولكننا قد نجد فيه تفصيلا، وتخصيصا من حيث الأهداف، فللقصص النبوي، بالإضافة إلى الأهداف الأصلية التي رأينا للقصص القرآني، أهداف فرعية وأخلاقية نذكر منها على سبيل المثال: الهدف الأول: بيان أهمية إخلاص العمل الصالح لله، والتوسل به إلى الله لتفريج الأزمات، وفيه جاءت قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة من الجيل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا لله بصالح أعمالكم، قال رسول الله ﷺ : $"قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق٣ قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بن طلب شجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت فلهما غبوقهما٤، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق٥

стр. 189

قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة.."، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ : "قال الآخر: "اللهم كانت لي ابنة عم كان أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت لها الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه"، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي ﷺ : "وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرة أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال لي: يا عبد الله أد لي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والغنم والبقر، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كلهه فاستاقه، فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الضخرة، فخرجوا يمشون" ١. بعض مميزات القصص النبوي: ومن هذه القصة نجد أن القصص النبوي يمتاز: أ- ببساطة الأسلوب وتفصيله ووضوحه، مما يجعله مناسبا للأطفال والكبار، سهل الفهم قريب المنال مبسطًا. ب- بتكرار بعض الألفاظ والعبارات للإلحاح على الغرض من الحديث، أو القصة كتكرار قول كل واحد: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه". ج بطرافة الموضوع وجاذبيته للنفوس، وأخذه بمجامع القلوب، وهكذا سنرى

стр. 190

أن لكل قصة من القصص النبوي موضوعًا جديدًا وأسلوبًا طريفًا، واتجاهًا مغايرًا للقصص الأخرى. الهدف الثاني: الحث على الصدقة، وشكر نعمة الله. وفي هذا المعنى عدد من القصص النبوي: منها قصة الأقرع والأبرص، والأعمى وقد أرسل الله ملكا إلى كل منهم وقف بطريقة فمسحه فعافاه الله، وأعطاه مالا ثم أرسل الله الملك ذاته يطلب من كل صدقة، فرفض الأقرع والأبرض وأنكرا نعمة الله إذ ذكرهما بها الملك فأذهبها الله، ورضي الأعمى واعترف بنعمة الله، فقال للملك السائل: خذ ما شئت، فأبقى الله عليه النعمة١. ومنها قصة السحابة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل في فلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابه: "اسق حديقة فلان" فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج ٢ قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت في السحاب الذي هذا ماءه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها، قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيه ثلثه" ٣. القصص النبوي التاريخي: يستطيع الباحث أن يميز بين ثلاثة أشكال لقصص الرسول التاريخية: أ- كان بعض القصص النبوي التاريخي تكميلا وتوضيحا، وتوسيعا لما ورد في القرآن من إشارات إلى قصص مختصرة اقتصر القرآن منها على ما يحقق غرضه من إيرادها، كقصة إسماعيل وإبراهيم ﵉ إذ يرفعان القواعد من البيت، وإذ

стр. 191

ترك إبراهيم زوجه وطفله، ثم أنعم الله عليهما ببئر زمزم، وقد أورد البخاري القصة عن رسول الله ﷺ بما يقارب ثلاث صفحات، وكذلك قصة الخضر وموسى ﵉، ومثل هذه القصص النبوية منثورة في كتب الحديث والسنة، وخاصة في أبواب التفسير. ب- والبعض الآخر ليس كله من كلام الرسول ﷺ ، ولكنها قصص فيها عبرة، وفي عرضها فائدة عظيمة، فهي وقائع بارزة من حياة بعض الصحابة في عهد الرسول ﷺ ، كان لها وقع عظيم، وربما نزل فيها قرآن. كقصة الثلاثة الذين خلفوا عن الجهاد، ثم قاطعهم الرسول والصحابة، حتى أنزل الله توبتهم في القرآن، "في سورة التوبة: ١١٨". وقصة الإفك حيث اتهم المنافقون عائشة ﵂ حتى أنزل الله براءتها في القرآن: "سورة النور: من ١١ إلى ٢٥". وقصة المرأة التي ظاهر منها زوجها، وراحت تشتكي إلى الله حتى نزل فيها قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ٥٨/ ١] ، وهذه القصص نجدها أيضا في كتب التفسير وأسباب النزول. ج- أما الوقائع التاريخية وغزوات الرسول ﷺ ، فهي قصص متتابعة آخذ بعضها بأطراف بعض، يجدها المربي في كتب السيرة، ولا يستغني أي منهاج عن حصة، أو أكثر في الأسبع تخصص لدراسة السيرة النبوية لما فيها من عبرة وقدرة وفقه نبوي، وبيان لأسباب النزول، وتاريخ التشريع الإسلامي، ولحياة الرسول القدوة ﷺ يقتدي الجيل بسجاياه الحميدة.

стр. 192

ثالثا: التربية بضرب الأمثال: أ- معنى الأمثال: قال السيد رشيد رضا في "تفسير القرآن الحكيم، الذي اشتهر بتفسير المنار"١ في معنى قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ٢/ ١٧] . "المثل بفتحتين، والمثل بالكسر، والمثل كالشبه والشبه والشبيه وزنا، ومعنى في الجملة، وهو من "مثل الشيء مثولا" إذا انتصب بارزا فهو مائل، ومثل الشيء بالتحريك، صفته التي توضحه وتكشف عن حقيقته، أو ما يراد بيانه من نعته وأحواله، وقد يكون تمثيل الشيء، أو وصفه والكشف عن حقيقته عن طريق المجاز، أو الحقيقة، بتشبيهه، وأبلغه تمثيل المعاني المعقولة بالصورة الحسية، وعكسه ومنه الأمثال المضروبة"٢. ثم قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦] ما مؤداه٣: "وضرب المثل عبارة عن إيقاعه وبيانه، وهو في الكلام أن يذكر "لإيضاح حال من الأحوال" ما يناسبها، ويشابهما ويظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيا، واختبر له لفظ "الضرب"؛ لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينقذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه، ولكن في الكلام قلبا حيث جعل المثل هو المضروب، وإنما هو مضروب به"، ثم قال السيد رشيد رضا: هذا ما قاله الأستاذ "يعني الشيخ محمد عبده"، ثم عقب عليه بقوله: "وإذا كان الغرض التأثير، فالبلاغة تقتضي أن تضرب الأمثال لما يراد تحقيره والتنفير عنه، بحال الأشياء التي جرى العرف بتحقيرها، واعتادت النفوس النفور منها". فيشبه ما يراد تحقيره بالأشياء التي عرفت حقارتها كتشبيه معبودات المشركين، وأوليائهم ببيت العنكبوت في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٤١] ، ومثل هذا لا يخفى على بليغ، ولا على عاقل أيضا ولكن بعض اليهود، والمنافقين والمشركين لم يروا في القرآن شيئا يعاب، فتمحلوا بنحو قوله: إنه لا يليق بالله ضرب هذه الأمثال "كالذباب والعنكبوت"، وقول بعضهم: ما هذا

стр. 193

من الأمثال فيضرب، ولذلك رد الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦] . ينتج معنا مما تقدم أن للأمثال في القرآن، واللغة معان أهمها: أ- تشبيه شيء يراد بيان حسنه، أو قبحه بشيء مألوف حسنه أو معروف حقارته، كتشبيه اتخاذ المشركين أولياء من دون الله بالعنكبوت تصنع بيتا. ب- ذكر حال من الأحوال، ومقارنتها بحال أخرى مع وجود جامع بينهما لبيان الفارق كقوله تعالى في أول سورة محمد: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤٧/ ١-٣] أي يبين أحوالهم، فالكافر يحبط عمله والمؤمن يغفر زلَلُه١. والجامع بين الفريقين أن كلاهما بشر، قد وهبه الله عقلا وأرسل إليه رسولا، فهذا معنى المثلية هنا ومع هذا التماثل كان الفارق كبيرا من حيث النتائج؛ لأن كلا منهما سلك طريقا مغايرا، واتخذ أسباب مباينة لما سلكه واتخذه الآخر. ج- بيان استحالة التماثل بين شيئين يزعم المشركون أن بينهما جانبا من التماثل، فآلهة المشركين لا يعقل بحال أن ترقى إلى المماثلة مع الخالق فتعبد معه، لذلك ضرب الله المثل الآتي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٢٢/ ٧٣] ، فكيف يعبدون هذه الآلهة التي بلغ بها الضعف هذا المبلغ، مع الله خالق كل شيء؟!

стр. 194

ب- بعض الأهداف التربوية التي حققتها الأمثال القرآنية النبوية: لم تكن الأمثال القرآنية، والنبوية مجرد عمل فني يقصد من ورائه الرونق البلاغي فحسب، بل إن لها غايات نفسية تربوية، حققتها نتيجة لنبل المعنى، وسمو الغرض، بالإضافة إلى الإعجاز البلاغي وتأثير الأداء، ومن أهم هذه الأهداف التربوية: أ- تقريب المعنى إلى الأفهام فقد ألف الناس تشبيه الأمور المجردة بالأشياء الحسية، ليستطيعوا فهم تلك الأمور المعنوية أو الغيبية، وقد بلغت الحكمة النبوية غاية في روعة الوضوح، كما حصل حين مر رسول الله ﷺ بالسوق، ورأى تهافت الناس على مغانم الدنيا، ومصالحها ومرابحها، فأراد أن يبين لهم هوانها كما ثبت ذلك في حديث عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس كنفتيه: أي على جانبيه، فمر بجدي أسك؛ صغير الأذن ميت فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: "أيكم يجب أن يكون له هذا بدرهم؟ " فقالوا: "ما نحب أنه لنا بشيء وما تصنع به؟ " ثم قال: "أتحبون أنه لكم؟ "؛ أي بدون عوض: قالوا: "والله لو كان حيا كان عيبه أنه أسك فكيف وهو ميت؟ " فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" ١، وهكذا شبه رسول الله ﷺ قيمة الدنيا عند الله بقيمة هذا الجدي الميت عند الصحابة الذين كانوا معه. وقد استخدم رسول الله ﷺ من الأساليب التربوية: *- استخدام ذوات الأشياء لتكون هي الوسائل الحسية المعينة على الفهم والوضوح. *- ضرب المثل حيث مثل لهم الرسول ﷺ هوان الدنيا على الله بهوان هذا الجدي عندهم. ومن الأمثال النبوية المعروضة بأسلوب الحوار الخطابي أيضًا٢ الحديث التالي:

стр. 195

عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: $"أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دونه شيء؟ " قالوا: "لا يبقى من دونه" قال: $"فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا"١. أما الأمثال القرآنية فقد بلغت ذروة الإعجاز، والبلاغة من حيث استكمال الوضوح وأداء المعنى، وتقريبه للأفهام نذكر منها على سبيل المثال: المعنى الذي ضربه الله مثلًا للحق والباطل: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٣/ ١٧] ، فالباطل يضمحل وينمحق كالزبد الذي يحتمله السيل، وإن علا على الحق في بعض الأوقات كما يعلو الزبد، والحق ثابت باق يمكث في القلب فينتفع به المؤمن، فيثمر عملا صالحا كما يمكث الماء، وأسباب الإنبات في الأرض فيثمر عشبا وزرعا، ونخيلا وأعنابا.. ب- إثارة الانفعالات المناسبة للمعنى، وتربية العواطف الربانية كما قال الشيخ محمد عبده: "واختير له لفظ "الضرب"؛ لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيج الانفعال كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه". ولاختيار المشبه به أكبر الأثر في إثارة الانفعال المناسب، فاختيار العنكبوت يثير انفعال التقزز، والاحتقار تجاه المشركين، والشعور يضعف عقولهم، وازدراء أفكارهم. واختيار الحمار لتشبيه من يقرأ كتاب الله ولا يعمل به، يثير انفعال الاشمئزاز من هؤلاء، والشعور بتفاهتهم وضياع عقولهم، واقرأ معي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: ٦٢/ ٥] أي كلفوا العمل بها، ولم يعملوا بما فيها: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة ٦٢/ ٥]

стр. 196

وفي الوقت ذاته يلاحظ أن إثارة انفعالات التقزز، والكره والاحتقار لمعاني الشرك والكفر، ولضياع التفكير السليم عند المشركين أو الضالين، يقابله إثارة انفعال الارتياح لمعاني الإيمان لدى المؤمن، والاعتزاز بالولاء لله لمجرد شعور المؤمن بالخلاص مما وقع فيه هؤلاء، والترفع عن أحوالهم بما هداه الله إليه. وقد جمع القرآن بين الإثارتين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦٤-٢٦٦] . فهذا المثل القرآني العظيم يثير في النفس نوعين من الانفعالات: ففي الآية الأولى والأخيرة، يثير المثل انفعال الخوف من الخسران، وإحباط العمل وخسارة الثواب، في حال لا يستطيع فيها الإنسان الاستغناء عن ثمرات أعماله، كما لا يستطيع الأب العاجز الضعيف الاستغناء عن ثمرات جنته، وفيها تنفير من الرياء الذي يؤدي إلى هذا الخسران المبين، أما الآية الثانية، ففيها إثارة انفعال الرغبة في ثواب الله، والاعتزاز بكرم الله، والشعور بفضله ونعمته، وبهذه الإثارات، إذا تكررت بنوعيها تربي عاطفة١ الشكر لله، والخضوع له، والشعور بقدرته وعظمته. ج- تربية العقل على التفكير الصحيح، والقياس المنطقي السليم: تنطوي معظم الأمثال على قياس تذكر مقدماته، ويطلب من العقل أن يتوصل إلى

стр. 197

النتيجة التي لا يصرح القرآن بها في كثير من الأحيان، بل يشير إليها ويترك للعقل معرفتها، فعندما ضرب الله مثلا للحق والباطل١ وصف المشبه به "الماء والسيل، والزبد، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وما يذهب جفاء"، ثم اكتفى بإشارة سريعة إلى النتيجة: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٣/ ١٧] ، وترك العقل أن يكتشف أن الحق يبقى وأن الباطل يذهب جفاء، كما يذهب الزبد بعد انتهاء السيل، ويشعر الإنسان بلذة الظفر بالوصول إلى اكتشاف "اللغز" الذي أشارت إليه الآية، وقد يشعر بلذة "المفارقة"، والسخرية بالباطل كما في المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٢٢/ ٧٣] . د- الأمثال القرآنية والنبوية دوافع تحرك العواطف والوجدان، فيحرك الوجدان الإرادة، ويدفعها إلى عمل الخيرات واجتناب المنكرات، وبهذا تساهم الأمثال في تربية الإنسان على السلوك الخير وتهذيب نزعاته الشريرة، فتستقيم حياة الأفراد والمجتمعات، وتسير الأمة الإسلامية سيرتها نحو حضارة مثلى تحقق للإنسانية الرخاء والعدالة، والتحرر من كل خرافة أو ظلم، ويجب على المربي العمل على تحقيق هذا الجانب من تربية السلوك والإرادة الطيبة، والنزوع إلى الخير؛ وذلك باستحضار الأمثال القرآنية في المواقف الحياتية، والنشاطية المدرسية المناسبة، والتعقيب عليها بذكر نتائجها السلوكية، والاجتماعية الطيبة بأسلوب يقوي إرادة الخير عند الطلاب، ويحقق عزمهم على توجيه سلوكهم بما تقتضيه أمثال القرآن وتعاليمه. فالأمثال القرآنية والنبوية سلاح "بلاغي، عاطفي، عقلي" ماض، بليغ الأثر، عظيم النتائج، جم الفائدة. وقد وردت في القرآن عشرات الأمثال، وكذلك في السنة ويكفي الباحث أن يفتح أحد المعاجم المفهرسة لآيات القرآن على مادة "مثل" ليجد منبعا زاخرا بالأمثال البليغة المؤثرة، والتشابيه الطريفة المثيرة للانفعالات، والعاطفة والوجدان. أما الأمثال النبوية فكثيرة مستفيضة، ولكنها تحتاج إلى تتبع وصبر، وأن يعيش الباحث مع أحاديث الرسول ﷺ شطرا من عمره ليحصي منها ما يريد.

стр. 198

رابعًا: التربية بالقدرة ... رابعًا: التربية بالقدوة: ١- الحاجة إلى القدوة: أ- مهما يكن من أمر إيجاد منهج تربوي متكامل، ورسم خطة محكمة لنمو الإنسان، وتنظيم مواهبه وحياته النفسية والانفعاليه، والوجدانية والسلوكية واستنفاد طاقاته على أكمل وجه. مهما يكن من ذلك كله، فإنه لا يغني عن وجود واقع تربوي يمثله إنسان مرب يحقق بسلوكه وأسلوبه التربوي، كل الأسس والأساليب والأهداف التي يراد إقامة المنهج التربوي عليها. لذلك بعث الله محمدا ﷺ عبده ورسوله، ليكون قدوة للناس يحقق المنهج التربوي الإسلامي: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٢١] . ولقد سئلت عائشة ﵂، عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن"١. ب- وحقا كان رسول الله ﷺ بشخصه، وشمائله وسلوكه وتعامله مع الناس، ترجمة عملية بشرية حية لحقائق القرآن وتعاليمه، وآدابه وتشريعاته، ولما فيه من أسس تربوية إسلامية، وأساليب تربوية قرآنية٢. ج- ولقد فطر الناس على افتقاد القدوة والبحث عن الأسوة، ليكون لهم نبراسا يضيء سبيل الحق، ومثالا حيا يبين لهم كيف يطبقون شريعة الله، لذلك لم يكن لرسالات الله من وسيلة لتحقيقها على الأرض إلا إرسال الرسل، يبينون للناس ما أنزل الله من شريعة قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٦/ ٤٣-٤٤] . د- وتتجلى هذه الفطرة عند الناس في مواقف غريبة عليهم، لم يألفوها بل ربما ألفوا غيرها، كما حصل عندما أراد الله لرسوله أن يتزوج امرأة زيد، الذي كان

стр. 199

رسول الله ﷺ قد تبناه، ليبين للناس عمليا أن زيدًا ليس له شيء من حقوق النبوة الطبيعية أو تشريعاتها، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٣٧] . هـ- كما تتجلى في المواقف التي تحتاج إلى التضجية، كالحروب والإنفاق ونحو ذلك، وكان رسول الله ﷺ في الغزوات يتقدم الصحابة، أو يوجههم من مركز القيادة، وكان في غزوة الخندق يربط الحجر على بطنه، ويحفر الخندق مع الصحابة، ويرتجز مثل ما يرتجزون، فكان مثالا للمربي القدوة يتبعه الناس ويعجبون بشجاعته وصبره. وكان قدوة في حياته الزوجية، والصبر على أهله وحسن توجيههن، فقال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" ١. وكان قدوة في حياته الأبوية وفي حسن معاملته للصغار ولأصحابه، ولجيرانه وكان يسعى في قضاء حوائح المسلمين، وكان أوفى الناس بوعده، وأشدهم ائتمانا على الودائع، وأكثرهم ورعا وحذرا من أكل مال الصدقة، أو الاقتراب مما استرعاه الله من أموال المسلمين. وكان أفضل داعية إلى الله يصبر على الشدائد الناجمة عن كيد أعداء الله، وأعداء الفضيلة وتواطئهم، وكان حازما لا يفقد حزمه في أشد المواقف هولا وهلعا وجزعا؛ لأن ملجأه إلى الله يستلهم من القوة، والصبر: وموقفه من ثقيف في الطائف عندما ذهب لدعوتهم خير دليل على ذلك٢. ٢- التطبيقات التربوية: يلاحظ من الناحية العلمية أن للقدوة آثارا، وأسسا تربوية أهمها: أ- أن حياة المربي المسلم هي حياة الداعية إلى الله، يحتاج أن يكون قدوة أمام طلابه، يسارع إلى المفاداة والتضحية، ويمتنع عن سفاسف الأمور.

стр. 200

فالطفل لا بد له من قدوة في أسرته، ووالديه لكي يتشرب منذ طفولته المبادئ الإسلامية، وينهج على نهجها الرفيع. والتلميذ في المدرسة لا بد له من قدوة يراها في كل معلم من معلميه، أو مدرس من مدرسيه، ليقتنع حقا بما يتعلمه، وليرى فعلا أن ما يطلب منه من السلوك المثالي أمر واقعي ممكن التطبيق، وأن السعادة الحقيقية الواقعية لا تكون إلا في تطبيقه. فلا بد للأب والمعلم -وكلاهما مرب- من التحلي بأفضل الأخلاق يستلهمانها من القرآن، ومن سيرة الرسول ﷺ ، ويصبران على تطبيقها والتحلي بها. ب- وقد جعل الإسلام القدوة الدائمة لجميع المربين شخصية الرسول، قدوة متجددة على الأجيال، متجددة في واقع الناس "كلما قرآنا أخباره ازددنا حبا له واقتداء به". والإسلام لا يعرض هذه القدوة للإعجاب السالب، والتأمل التجريدي في سبحات الخيال. إنه يعرضها عليهم ليحققوها في ذوات أنفسهم: كل بقدر ما يستطيع أن يقتبس، وكل بقدر ما يصبر على الصعود. وهكذا تظل القدوة في الإسلام، شاخصة ماثلة للعيان تتدفق حيويتها، ولا تتحول إلى خيال مجرد تهيم في حبه الأرواح، دون تأثير واقعي؛ ولعل الحكمة في ذلك ما أودعه إله في طبيعة النفس الإنسانية من استعداد للمحاكاة. ٣- الأسس النفسية لاتخاذ القدوة: التقليد: إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع هي التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل والضعيف، والمرءوس إلى محاكاة سلوك الرجل والقوي والرئيس، كما تدفع غريزة الانقياد في القطيع جميع أفراده إلى اتباع قائده، واقتفاء أثره. ولكن التقليد الغريزي في القطيع، أحد أنواع التقليد، ويرتقي التقليد بارتقاء المجتمع، حتى يبلغ في التربية الإسلامية ذروته من الوعي، والسمو والهدف النبيل، ويتضح لنا ذلك إذا عرفنا عناصر التقليد وأسسه.

стр. 201

فالتقليد يرتكز على ثلاثة عناصر: أولها الرغبة في المحاكاة والاقتداء، فالطفل أو الفني مدفوع برغبة خفية لا يشعر بها، نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث، وأسلوب الحركة والمعاملة والكتابة، ومعظم عادات السلوك، دون أن يقصد، وهذا التقليد غير المقصود لا يقتصر على حسنات السلوك، بل قد يتعداها إلى غيرها، فالشخص المتأثر يتقمص، عن طريق لا شعوري، شخصية المؤثر كلها أو جلها، ولذلك كان من الخطورة بمكان ظهور المساوئ في سلوك القدوة؛ لأنه بذلك يحمل وزر من يقلده فيها. لذلك نبه القرآن الآباء إلى أن الاستمتاع بالأطفال، والحنان والعطف عليهم، يجب ألا يشغلهم عن أن يكونوا قدوة صالحة لهم، فقال في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٧٤] ، فوصف عباد الرحمن بأنهم يرغبون في أن تقر أعينهم بالزواج، والولد كما يرغبون في أن يكونوا قدوة وإماما. كما نبه رسول الإسلام ﷺ البشرية عموما إلى ما يتحمله كل من يؤثر في سلوك الآخرين، من النتائج حين يقلدونه بخير أو شر، قال ﷺ فيما رواه عنه أبو عمر، وجرير بن عبد الله: "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". وقد كان سبب ورود الحديث أنه جاء قوم مجتابي النمار يبدو عليهم الفقر، فدعا رسول الله ﷺ الصحابة ليتصدقوا فلم يتقدم أحد، فأعاد رسول الله ﷺ الدعوة، حتى قال صحابي: فجاء بوسق من تمر، ثم قلده الصحابة، فتتابعوا يجلبون مما عندهم فذكر الحديث١.. العنصر الثاني الاستعداد للتقليد: فلك مرحلة من العمر استعدادات، وطاقات محدودة لذلك لم يأمر الإسلام الأطفال بالصلاة قبل سبع سنين، ولا يمنع ذلك من

стр. 202

ترك الطفل يقلد أبويه بحركات الصلاة قبل أن يبلغ سبع سنين، ولكن لا يؤمر بكل أذكارها. وعلى العموم يجب أن نحسب حسابا لاستعداد الطفل، وطاقاته عندما نطلب منه تقليد أحد أو الاقتداء به. ومن الظروف التي تهب الناس عموما استعدادا للتقليد، والأزمات والآلام الاجتماعية والكوارث، هناك يخرج المجتمع مهيض الجناح، فيفتقد القائد القدوة ليجد فيه أبا عطوفا، وبطلا منقذا يحاكيه الناس في كل سلوك من حياته النفسية والاجتماعية، وفي آرائه وأفكاره ومن تلك الأسباب: الشعور بالضعف أمام القوة، فالمغلوب يقلد غالبه بعد أن يستكين ويخضع لحكمه، والمرءوس يقلد رئيسه والطفل يقلد أباه، وقد نبه ابن خلدون على هذا المبدأ في مقدمته، وذكر أدلة ووقائع تاريخية على ذلك، بيد أن الرسول ﷺ حذرنا من مغبة هذا التقليد إذا كان بغير هدف، وكانه انكشف له حجب الغيب، فتوقع الضعف الذي سينزل بهذه الأمة، فقال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا وذراعا بذراع..". العنصر الثالث من عناصر التقليد: الهدف. لكل تقليد هدف قد يكون معروفا لدى المقلد وقد لا يكون، والهدف الحيوي "الغامض"١ الأول من غريزة التقليد، والانقياد لدى الأطفال، والجماعات هو غرض دفاعي، إنه الدفاع عن الكيان الفردي وكأنه انضواء في ظل الشخص القوي المرموق، يقلده شخص أضعف منه، لعله يستمد من هذا التقليد قوة وبأسا، من جنس قوة الشخص الذي حاز إعجابه فراح يحاكيه في كل شيء. فإذا ارتقى الوعي عند المقلد، عرف الهدف من التقليد، فأصبح هذا التقليد عملية فكرية، يمزج فيها بين الوعي والانتماء، والمحاكاة والاعتزاز، ويصبح لهذا بصيرة أي معرفة بالغاية والأسلوب، وفي هذا المعنى يقول اله ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١٠٨] .

стр. 203

فيعرف الناشئ، أن في تقليد قادة المسلمين الأوائل: الفلاح والقوة والبأس وطاعة الله، ويدعو الله في كل صلاة أن يرزقه الاقتداء بهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ١/ ٦-٧] . ٤ - الأشكال التربوية للقدوة: ينتقل تأثير القدوة إلى المقتدي على أشكال أهمها: ١- التأثير العقوي غير المقصود: وهنا يقوم تأثير القدوة على مدى اتصافه بصفات تدفع الآخرين إلى تقليده، كتفوقه بالعلم، أو الرئاسة، أو الإخلاص، أو.. وفي هذه الحال يكون تأثير القدوة عفويا غير مقصود، وهذا يعني أن على كل من يرجو أن يكون قدوة، أن يراقب سلوكه، ويعلم أنه مسئول أمام الله في كل ما يتبعه الناس، أو يقلده المعجبون، وكلما ازداد حذرًا وإخلاصًا ازداد الإعجاب به، فتزداد فائدته، وأثره الطيب في النفوس. ٢- التأثير المقصود: على أن تأثير القدوة قد يكون مقصودا. فيقرأ المعلم قراءة نموذجية ليقلده الطلاب، ويجود الإمام صلاته ليعلم الناس الصلاة الكاملة، ويتقدم القائد أمام الصفوف في الجهات ليبث الشجاعة، والتضحية والإقدام في نفوس الجند وهكذا. وقد تعلم الصحابة كثيرًا من أمور دينهم بطلب من رسول الله أن يقتدوا به، فكان يقول لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، رواه البخاري١ وكان يأمرهم في الحج أن يقتدوا به قائلا: "خذوا عني مناسككم"، ثم كان الصحابي يقول للتابيعين: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ وصلى ﷺ على المنبر٢ "وفي رواية: أنه ذو ثلاث درجات" "فقام عليه" فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر "ثم ركع وهو عليه"، ثم رفع فنزل القهقري حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد، "فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى" حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي" ١. وروى البخاري ومسلم أنه كان ﷺ يسمعهم الآية أحيانا "في صلاة الظهر مع أنها سرية"، و"كانوا يسمعون منه النغمة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ٨٧/ ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾ [الغاشية: ٨٨/ ١] ٢. وهكذا علمنا رسول الله ﷺ رائد التربية الإسلامية أن يقصد المربي إلى تعليم طلابه بأفعاله، وأن يلفت نظرهم إلى الاقتداء به؛ لأنه إنما يقتدي برسول الله ﷺ ، وأن يحسن صلاته وعبادته، وسلوكه بهذا القصد، فيكسب ثواب: "من سن سنة حسنة" إلى يوم القيامة.

стр. 204

خامسا: التربية بالممارسة والعمل ١- أهمية العمل في الإسلام: لم يكن الإسلام دينا كهنوتيا مقتصرا على الطقوس والطلاسم؛ أي الألفاظ الفخمة التي لا يعرف المتدين معناها. بل هو، كما يلاحظ القارئ لهذا الكتاب في مباحثه الأولى، دين قوم على علاقة متينة بين الإنسان، وربه خالق الأكوان، وهو دين يطالبنا بالأعمال الصالحة التي يرضاها الله، كما يطالبنا أن نوجه كل سلكونا وغرائزنا، وحياتنا توجيها يحقق الآداب، والتشريعات الإلهية تحقيقا عمليا. ذلك أن الكائن البشري مكون من روح وجسد، والإسلام أقام توازنا بين الروح والجسد، بين الواقع البشري والاجتماعي، والأهداف والتشريعات الإلهية المثالية،

стр. 205

فهو يترجم هذه الأهداف دائمًا إلى سلوك عملي يحقق متطلبات الطبيعة البشرية، ومقتضيات الشريعة الإلهية في وقت معا. لذلك كان لأعمال الإنسان الكاملة الأولى في نجاته من عقاب الله يوم الحساب، وكان من شرار الناس الذي يعلم ولا يعمل بعلمه، عن أسامة بن زيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه"، قال: وإني سمعته يعني النبي ﷺ يقول: "مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار: قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذي يقولون ما لا يفعلون" ١. وقد حكي عن بعض علماء السلف أن العلم ينقص، أو ينسى بترك العمل به أو الدعوة إليه أو نشره، ويزداد متانة بالعمل به، والدعوة إليه وتعليم الناس، وهذه حقيقة من حقائق التربية، وعلم النفس التي أثبتتها تجربة هذه العلوم، وقد سبق إليها الإسلام بقرون عديدة. فمن البدهي أن التعليم بالأسلوب العملي، أو بقصد التطبيق، أوقع في النفس وأدعى إلى إثبات العلم، واستقراره في القلب والذاكرة. أما التعلم بقصد التطبيق فقد ثبت لنا من هذه المقدمة، أنه شرط من شروط صحة العلم وقبوله عند الله، وهذا القصد يجعل تصور الطالب للأمور التي يتعلمها أوسع تفصيلا، وأعمق أثرا في نفسه، وأقرب إلى الفائدة في الحياة. التطبيق التربوي: يتضح لنا من هذه المقدمة أن على المربي دائما أن يربي طلابه على أن يعتزموا أن يحققوا في حياتهم ما يدرسهم إياه، وأن يلقي إليهم بأسئلة من واقع الحياة، ليتأكد كيف سيطبقون علمهم في مواقف معينة من حياتهم الفردية، والاجتماعية، ويكرر هذا

стр. 206

في كل درس جديد يلقيه عليهم، وأن على مؤلفي الكتب المدرسية أن يضعوا عددا من هذه الأسئلة التطبيقية، في أعقاب كل بحث. ٢- التعليم بالأسلوب العملي: بالممارسة والتكرار: كان من أسلوب رسول الله ﷺ أن يعلم الصحابة بالممارسة العملية، وقد رأينا في بحث "التربية بالقدوة" كيف صلى على المنبر والصحابة يصلون خلفه، ثم قال لهم: إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي. ومن الأدلة على هذا الأسلوب النبوي حديث المسيء صلاته: عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل"، فصلى ثم جاء فسلم، فقال: "وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل" فقال في الثانية أو في التي تليها: "علمني يا رسول الله" ١، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، رواه البخاري ومسلم، ثم قال له الرسول ﷺ : "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك". وهذه الزيادة في رواية لأبي دواد. ومن البدهي أن الصحابي عاد فصلى كما علمه رسول الله ﷺ بقرينة تكرار صلاته قبل ذلك، وتلهفه على التعلم، ولكن رواة الحديث اكتفوا بإرضاء رغبتهم في وصف رسول الله ﷺ للصلاة كما يجب أن تصلي، ويؤخذ من هذا الحديث من الناحية التربوية نتائج أهمها: أ- تشويق الرسول ﷺ لهذا المتعلم. ب- وتركه يحاول تصحيح خطئه بنفسه أو يعجز فيسأل، وهذا أصل انبثق عنه أسلوب "التعلم بالمحاولة والخطأ"، كما يسمونه في التربية الحديثة.

стр. 207

ج- أن الرسول ﷺ لم يبين له الصلاة الصحيحية حتى سأل عنها بنفسه، فكان هذا الأسلوب أوقع في نفس المتعلم، وأدعى إلى قبوله، وانطباع أعمال الصلاة في ذاكرته. ومن التعلم بالعمل والممارسة: تعلم الصحابة وضوء الرسول ﷺ ، وتصحيح الرسول لهم أو تصحيح بعضهم لبعض، وقد نقلت إلينا كتب الحديث جانبا من هذه الأساليب التربوية، منها على سيل المثال عن عثمان بن عفان: أنه دعا بماء فتوضأ، ثم ضحك فقال لأصحابه: ألا تسألونني ما أضحكني؟ فقالوا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ كما توضأت ثم ضحك، فقال: "ألا تسألونني ما أضحكني"، فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه، حط الله عنه كل خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، وإذا طهر قدميه كان كذلك". رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى، ورواه البزار بإسناد صحيح وزاد فيه١، "فإذا مسح رأسه كان كذلك". وفي هذا الحديث قول عثمان: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ كما توضأت"، وهذا هو التعليم بالمتابعة والعمل والممارسة والاقتداء العملي. وفيه أيضا تمثيل عملي للناحية العاطفية: أي تمثيل أقوال الرسول، وانفعالاته كالضحك، وقد يتابع الصحابي على ذلك سائر الرواة، فيضحك كل راو ليقول لتلاميذه الرواة: "ألا تسألوني ما أضحكني؟ " ويتوضأ أمامهم ليقول لهم: رأيت فلانا توضأ وقد رأى فلانا توضأ.. كما توضأ رسول الله.. وهذا النقل لحركات الرسول راويا عن راو قد جمعت فيه أحاديث سميت بالأحاديث المسلسلة٢. فهذا أسلوب من أساليب التربية الإسلامية، ترك أثره واضحا عند بعض علماء الحديث، فلم يكتفوا بحكاية أقوال الرسول ﷺ بل قلدوا لنا أعماله وحركاته. وفيه عبرة للمربي، وأن عليه أن يتوضأ، مثلا، أمام طلابه وضوءا سابغا وهم

стр. 208

ينظرون إليه "وقد طالبهم مسبقا بالانتباه ليرى أيهم سيكون أشد تقليدا لوضوئه، أو وصفا له"، ثم يطلب منهم أن يتوضئوا مثل وضوئه، أو يصفوا جميع حركاته، وفي هذا اقتداء بأسلوب من أساليب التربية الإسلامية، نقل إلينا عن أصحاب رسول الله ﷺ بتوجيه منه. ٣- الطريقة العملية للاستحفاظ: أما الأدعية الضرورية وآيات القرآن، فكان رسول الله ﷺ يعلمها للصحابة تعليما عمليا، فيرددها الصحابي أمام الرسول، بطريقة الترديد والتسميع بقصد التصحيح، وفي ذلك ورد حديث في تعليم كلمات تقال قبل النوم: عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيت لمضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: "اللهم إني إسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت"، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به"، قال: فرددتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت: آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: "ورسولك" قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت" ١. وأما تعليم القرآن، فقد أشار إليه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في حديث تعليم الاستخارة: قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لهم: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: "اللهم إني أستخيرك بعلمك ... الحديث"٢. والشاهد قول جابر: "كما يعلمنا السورة من القرآن"، فدل على أن التعليم القرآن أسلوبا نبويا خاصًّا، ولم أقف على تفاصيل عملية لهذا الأسلوب، ولكن بعض علماء القرآن والقراءات حاولوا، وإليك صورة من هذه المحاولة: قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن "النوع الرابع والثلاثون في كيفية تحمله"، أي القرآن ٣: اعلم أن حفظ القرآن فرض عين على الأمة، والمعنى فيه ألا

стр. 209

ينقطع عدد التواتر فيه، فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وتعليمه أيضا فرض كفاية، وهو أفضل القرب. وأوجه التحمل "أي أساليب التعلم، وطرق نقل الحديث" عند أهل الحديث: "السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والسماع عليه بقراءة غيره، والمناولة والإجازة والمكاتبة، والعرضية والإعلام والوجادة"، فأما غير الوجهين الأولين فلا يأتي هنا "أي في تحمل، أو تعلم القرآن" لما يعلم مما سنذكره، وأما القراءة على الشيخ، فهي المستعملة سلفا وخلفا، وأما السماع من لفظ الشيخ، فيتحمل أن يقال به هنا؛ لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القرآن من النبي ﷺ ، لكن لم يأخذ به أحد من القراء، والمنع فيه ظاهر؛ لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته، بخلاف الحديث فإن المقصود فيه المعنى، أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما لصحابة فكانت فصاحتهم، وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ ؛ لأنه نزل بلغتهم، ومما يدل للقراءة على الشيخ: عرض النبي ﷺ القرآن على جبريل في رمضان كل عام، ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة، وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية، ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته، وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة، ويرد على كل منهم؛ أي يصحح خطأهم إذا أخطئوا، ويؤخذ من كلام السيوطي أنه لا يجوز تحمل القرآن؛ أي تعلمه بقصد تبليغه على أنه كما ورد عن رسول الله ﷺ ، إلا بأسلوب من ثلاثة: وذلك: عند قراء القرآن: أ- أن يسمع المتعلم ويرد القراءة بعد السماع ليصحح له الشيخ إذا أخطأ، فيتقن بذلك أداء القرآن، وترتيله وتجويده ومخارج حروفه. ب- أن يسمع المتعلم من الشيخ، ويكتفي بالسماع إلا إذا شك المتعلم بقدرته على أداء جملة، فيستوقف الشيخ ليقرأها عليه. ج- أن يقرأ المتعلم ويسمع له الشيخ، ثم يصحح له إذا أخطأ.

стр. 210

٤- الأثر النبوي للتعليم بالعمل، والممارسة: يربي هذا الأسلوب في النفس أخلاقًا تجعل حياة لفرد أكثر استقامة، وسعادة، وتجعل المجتمع أشد تماسكا، وأكبر إنتاجا منها: أ- الإتقان العملي خير مقياس للتعلم، سواء في ذلك الاستحفاظ، أو أداء العبادات، لذلك كان من نتائج هذا الأسلوب: تعود الدقة وتوخي صحة النتائج، فكل متعلم يمارس العمل أمام معلمه، أو كل معلم يمارس العمل ثم يتابعه المتعلم، ثم يناظره المعلم ويصحح له أخطاءه كما صحح رسول الله ﷺ لفظ دعاء النوم للبراء بن عازب، وكما صحح صلاة المسيء صلاته. ب- شعو الإنسان بالمسئولية عن صحة العمل، وهذا يجعل منهجية التربية الإسلامية منهجية حركية فكرية عاطفية مبنية على الوعي، والدقة صحة الأداء. فالدقة في العواطف، والاتجاهات والأفكار، تتجلى في إخلاص النية وتوجيه العمل نحو إرضاء الله ﷻ بلا رياء، ولا استكبار ولا استهتار. تواكبها الدقة في حركية العمل أو لفظية الدعاء، فلا تقبل العبادات إلا ضمن منهجية حركية لفظية معينة وصفها لنا رسول الله ﷺ ، ونقلها لنا الصحابة فالتابعون، فالأئمة الأربعة فالفقهاء المتأخرون إلى يومنا هذا. وقد جمع بين الأمرين في بلاغة، وإيجاز قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٨/ ١١٠] . وقد فسر الصحابة والتابعون: "الصلاح"؛ بموافقة السنة، وعدم الشرك في العبادة؛ بعدم الرياء، وبإخلاص النية لله تعالى في العبادة. ج- التواضع وحب العمل واستبعاد الغرور، وترك الكسل والتواكل، فكل إنسان مؤاخذ بعمله، لا يغني عنه نسب، ولا جاه، ولا مال، ولا مجرد الانتساب إلى ملة أو دين معين. وقد تفاخر أفراد من اليهود، وأفراد من النصارى، وأفراد من مشركي قريش،

стр. 211

وأفراد من المسلمين، فقال المشركون: "إنا لا نبعث"، وقال كل من أتباع الأديان "نحن أفضل"، فنزل قوله تعالى١: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ١٢٣-١٢٤٢] ٢، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن جرير عن مسروق، وعن قتادة والضحاك، والسدي وأبي صالح. د- شدة الاقتناع، وبلوغه أعماق النفس: أراد رسول الله ﷺ أن يعطي الصحابة درسا عمليا في ترك التسول، والاعتماد على النفس في كسب الرزق، فقص علينا أنس ﵁ ذلك بقوله: إن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ ، فسأله، فقال: "أما في بيتك شيء؟ " قال: "بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء" قال: "ائتني بهما" فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: "من يشتري هذين؟ " قال رجل: "أنا آخذهما بدرهمين"، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: "اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به"، فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودا بيده، ثم قال: "اذهب فاحتطب وبع، لا أرينك خمسة عشر يوما"، ففعل فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة" ٣. فهذا الدرس لا ينساه الأنصاري، ولا جميع الصحابة الذين رأوا صنع رسول الله معه؛ لأنهم رأوا النتائج الطيبة للعمل بأعينهم بشكل واقعي. فعلى المربي أن يقتدي بهذا الأسلوب ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

стр. 212

سادسًا: التربية بالعبرة والموعظة التربية بالعبرة ... سادسا: التربية بالعبرة والموعظة كثيرا ما تسعمل هاتان الكلمتان، وكأنهما لفظان مترادفان. وقد بحثت عنهما في معاجم اللغة وآيات القرآن، فوجدت بينهما اختلافا في المعنى، ولاحظت أن لكل منها نتائج تربوية خاصة بها، عدا النتائج المشتركة؛ لذلك أثرت أن أبحث كلا منهما على انفراد. ١- التربية بالعبرة: آ- المعنى اللغوي والقرآني: العبرة على وزن فِعْلة، وهو وزن مصدر من مصادر "عبر" الرؤيا؛ فسرها وعرف ما تئول إليه في حياة صاحبها أو بعد موته، وعبر الوادي أن النهر تجاوزه من طرف إلى طرف يقابله، قال الراغب١: واصل العبر: تجاوز من حال إلى حال، فأما العبور فيختص بتجاوز الماء، وفي تفسر سورة يوسف٢ "والاعتبار والعبرة: الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، والمراد منه التأمل والتفكير"، فالعبرة والاعتبار حالة نفسية توصل الإنسان إلى معرفة المغزى والمآل لأمر ما، يشاهده الإنسان ويتبصر فيه، ويقوم باستقرائه وموازنته ومقايسته، ومحاكمته محاكمة عقلية، فيصل إلى نتيجة مؤثرة يخشع لها قلبه، فيدفعه ذلك إلى سلوك فكري واجتماعي مناسب، والغاية التربوية من العبرة في القرآن العظيم الوصول بالسامع إلى قناعة فكرية بأمر من أمور العقيدة، تحرك في القلب أو تربي عواطف ربانية كما تغرس، وتثبت وتنمي عقيدة التوحيد، والخضوع لشرع الله والانقياد لأوامره. ب- أنواع العبر في القرآن والسنة: اختلفت أساليب الاعتبار في القرآن الكريم، والسنة المطهرة باختلاف موضوع العبرة، وها هي ذي أهم الموضوعات الباعثة على التأمل والاعتبار:

стр. 213

أ- الاعتبار بالقصص: لكل قصة قرآنية أو نبوية، كما رأينا، هدف تربوي رباني سيقت من أجله، والعبرة بالقصة إنما يتوصل إليها صاحب الفكر الواعي، والذي لا يطغى هواه على عقله وفطرته، بل يستنبط من القصة المغزى الحق وفي ذلك يقول الله تعالى بعد ذكر قصة يوسف: ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١١١] . "ووجه الاعتبار بهذه القصة: أن الذي قدر على إنجاء يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد وضعه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن بيع بيع العبيد بالثمن الخسيس، والتمكين له في الأرض من بعد ذلك الإسار، والحبس الطويل وإعزازه على من بغاه سوءا من إخواته، وجمع شمله بهم وبأبويه على ما أحب بعد المدة الطويلة، والمجيء بهم من الشقة النائية البعيدة. إن الذي قدر على ذلك كله أيها الناس!! لقادر على إعزاز محمد ﷺ ، وإعلاء كلمته وإظهار دينه فيخرجه من بين أظهركم ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد ويؤيده بالجند والرجال والأتباع والأصحاب، وإن مرت به الشدائد، وأتت دونه الأيام والليالي والحوادث. وإنما قال: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾ ، وهم أصحاب العقول الراجحة؛ لأن أهل البصيرة والروية من العقلاء، هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي تدل عليها أوائلها، ومقدماتها بعد التأمل في صفاتها وحقيقتها، وأما الأغرار الغافلون، والظالمون المعاندون فلا يمرنون عقولهم على الاستقلال في النظر الاعتبار بما جرى على الأفراد والأمم، فلا يفيدهم النصح والتذكير، ولا سوء العاقبة والمصير"١. التعليق التربوي: تهتم التربية الإسلامية إذن، بالعبرة من القصة، وبهذه العبرة تربي عند الناشئ الأخلاق الإسلامية والعواطف الربانية، ولما كانت العبرة إنما تواتي أصحاب

стр. 214

العقول الراجحة كان على المربي أن يوقظ في نفوس الطلاب التأمل، ويعودهم التفكير السليم: ١- فيطرح عليهم عددا من الأسئلة المهيأة لهذه الغاية، لتتوصل عقولهم الغضة إلى العبرة، م كل قصة قرآنية، بعد أن يكون هو قد استوعبها، أو درسها في كتب التفسير. ٢- ثم يطرح عليهم أسئلة أخرى يستشف بها انطباعاتهم، وعواطفهم نحو القصة أو نحو مواقف معينة من القصة، فيربي بذلك عواطفهم الربانية. ٣- ثم يطرح عليهم أسئلة تطبيقية، يقارن بها بين مواقف من القصة، ومواقف من حياة الطلاب أو المجتمع، ليربي عندهم الإرادة الخيرة، والنزوع إلى تحقيق الأخلاق القرآنية في سلوكهم وحياتهم، كالصبر على الشدائد، في سبيل الدعوة إلى الله كما يؤخذ من قصة يوسف وغيره من الرسل، ﵈ والتعفف عن الشهوات المحرمة، ونحو ذلك. ب- العبرة بمخلوقات الله ونعمه: التي سخرها للإنسان، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٦-٦٧] . ولما كانت العبرة مبنية على تفكير عميق، وملاحظة دقيقة، أمكننا أن نعرف الحكمة الربانية من الإشارة إلى أمور تثير الدهشة وتدعو التأمل، من عجائب صنعه تعالى فيما أنعم علينا، كما أشار هنا إلى اللبن الأبيض الخالص من كل الشوائب، والأوساخ مع أنه مستخلص "من بين فرث ودم"، وأشار أيضا إلى ثمرات النخيل والأعناب، التي تستخلص غذاءها من الماء والتراب، وتعطي الإنسان بقدرة الله "سكرا ورزقا حسنا"، فيخزنها ويحتفظ بها على مدى أيام السنة بجميع فصولها، ويستخلص منها المادة السكرية التي تشكل نصف غذاء البشرية في بعض القارات أو الأقطار. وإثارة انفعال الدهشة، والتعجب من لوازم العبرة، لذلك فسر صاحب القاموس

стр. 215

العبرة بما يفيد هذا المعنى حيث قال: ".. والعبرة بالكسر: العجب، واعتبر منه: تعجب". ولكن المربي لا يقف عند هذا الانفعال بل يجب أن يحوله إلى عاطفة الخشوع لله وإجلاله، وتسبيحه وتكبيره، وهذا نتيجة طبيعية للتعجب من قدرة الله. وقد استعان القرآن على إثارة هذه الانفعالات بأسلوب الحوار، والاستفهام وقد مر معنا في بحث "الحوار العاطفي". التوجيه التربوي: يجب على المربي أن يمرن عقول الطلاب على تأمل عجائب صنع الله، وخاصة ما يحيط بنا ونراه كل يوم أو نعيش في كنفه، من دلائل حكمة الله ودقة صنعه كالغلاف الجوي يحيط بالكرة الأرضية، فتهيأ به للنبات والحيوان، وللإنسان أسباب الحياة، وكالرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وأن يناقشهم ويستجوبهم حول هذه الأمور بأسئلة محكمة معدة لهذا الغرض، يتوصلون بها تلقائيا إلى الاعتراف بوحدانية الله وألوهيته، وقدرته وحكمته وسائر صفاته العليا وأسمائه الحسنى، مما هو مبثوث في القرآن والسنة، ومما نحسه ونراه في كل ما نأكل، ونشرب ونتنفس ونستخدم ونركب، وندرس في دروس الجغرافية والفيزياء والكيمياء. فالتربية بالعبرة يجب أن تشمل جميع مواقف الحياة وحوادث الكون، ومظاهر القدرة والعناية الإلهية "في كل شيء له آية، تدل على أنه واحد"، كما تشمل معظم الدروس، والمواد الدراسية دون تفريق بين مواد دينية، أو غير دينية. فالتربية الإسلامية تربية شاملة تحيط الحياة التعليمية من جميع جوانبها، كما أحاطت العناية الإلهية هذا الكون، والإنسان من جميع جوانبه، ورافقته في كل أحواله، فلا يجوز إغفال "العبرة"، وتأمل عظمة الله في أي درس أو مادة درسية، ولا عند دراسة أي قانون من قوانين الطبيعة، وهي سنن الله في تسيير شئون الكون، وإقامة الحياة فيه. ج- الاعتبار بالحوادث التاريخية: أشار القرآن إلى حوادث تاريخية بارزة كان لها ما بعدها، كغزوة بدر والأحزاب، وأشار إلى العبرة من هذه الحوادث كغزوة بني النضير حيث وصف الله جلاءهم
следующие страницы →