← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9969

أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع

عبد الرحمن النحلاوي

Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال في وصف الملائكة الحفظة للإنسان: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٣/ ١٠-١١] . ويحرص القرآن، بأسلوبه الرائع، أن يفهمنا، كما ذكر لنا الملائكة، أنهم عباد الله وحسب، وليس لهم بالله أي صلة قربى أو نسب، كما زعم المشركون، بل لقد أوضح القرآن، أن الله أمر جميع الملائكة أن يسجدوا لآدم عند خلقه، اعترافا بفضل الله وإبداعه فيما خلق، ويميزه الإنسان على الملائكة، وأن الله علم آدم ما لم يعلمه للملائكة، ففضل الله آدم بهذا العلم، فكيف يجوز لهذا الإنسان، الذي كرمه الله وميزه، أن يسجد لغير الله، أو يعبد الملائكة أو غيرها؟ أهمية الإيمان بالملائكة، وآثاره التربوية: يظهر لنا مما أوردنا أن الإيمان بالملائكة متمم للإيمان بالله، أو هو من لوازمه، ويدلنا على جانب من جوانب الألوهية، فمن تام عظمة الله أن له جندا وموظفين يعملون بأمره. وهذا يربي في النفس النظام والطاعة، وترتيب الأمور، فالله القادر على كل شيء، قد نظم شئون الكون، ووكل ببعضها بعض ملائكته، فأطاعوه، وعملوا بأمره. كما أن الملائكة في تسبيحهم لله، وتعظيمهم له يمكن اعتبارهم قدوة للبشر، وهم يؤنسوننا، ويحافظون علينا حتى أن من أعظم الملائكة منزلة، وأقواهم عند الله، من يستغفر للمؤمنين، وهم حملة العرش. وهذا يزيد من عزة الإنسان وكرامته، ومعرفته منزلته عند الله، حتى سخر له الملائكة يحفظونه ويستغفرون له، ويطلبون له من ربه أن يحفظه من العذاب. ٣- الإيمان بكتب الله المنزلة: الكتاب هنا هو ما يحتوي على شريعة الله وأوامره وكلامه، وهديه الذي ينير للبشر سبل الحياة، ويحدد لهم ما كلفهم الله به من حرام وحلال، وأوامر ونواه وعبادات ونسك، وغير ذلك مما أراد الله أن يعلمه عباده.

стр. 72

وقد اختلفت الصور التي أنزل الله بها هديه على رسله، حسبما وصف لنا في القرآن، فقد وصف ما أنزله على إبراهيم وموسى بـ"الصحف". وكذلك أطلق لفظ الصحف على القرآن: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٩٨/ ٢] . والذي يهمنا أن نعرفه هنا هو أن الإيمان بالكتب السماوية التي ورد ذكرها في القرآن ركن من أركان الإيمان، ومطلب من مطالب الإسلام، إلا أن الله لم يكلفنا أن نؤمن بما فيها تفصيلًا، بل ذكر الإيمان بها جملة، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٨٥] . ميزات القرآن: أما القرآن فالبشرية مكلفة أن تعمل بكل ما ورد فيه تفصيلا مع الإيمان بأنه منزل من عند الله، ويمتاز القرآن بميزات أهمها: ١- أنه إنساني عالمي خوطبت به البشرية عمومًا، وكانت الكتب السماوية من قبله تخاطب أقوامًا معينين. ٢- وصل إلينا القرآن سالما من التحريف، قرآنا واحدا أجمعت الأمة على صحته، وثبت نقله بالسند الصحيح، ولم يصل أي كتاب سماوي آخر كاملا صحيحا. ٣- كل كتاب كان يتناول بعض جوانب الحياة، على حين نجد القرآن يتناول كل جوانب الحياة، فقد جاء كاملا أتم الله به ما جاء في الكتب السابقة. ٤- كل كتاب كان يأمر أتباعه باتباع القرآن إذا أدركوه، ولكن القرآن لم يأمر باتباع الكتب السماوية السابقة تفصيلًا، بل ضرب منها أمثلة، وأمر الإيمان بها جملة. الآثار التربوية للإيمان بالقرآن، وتلاوته والعمل به: لو تتبعنا الآيات التي وصفت القرآن لوجدنا فيها بعض الأوصاف التي تدل على أهميته التربوية كقوله تعالى: ١- ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٩] .

стр. 73

فالقرآن يربي الإنسان على الحياة المستقيمة، والأخلاق القويمة، لما فيه من العبر والحكم والتشريع العظيم، وكفى به أنه من لدن حكيم عليم: حكيم يضع التشاريع والعبر في مواضعها، عليم بطباع الناس وما يصلحهم، والإيمان بأن القرآن من عند الله هو الذي يجعله مقوما لحياة الفرد والمجتمع، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٨] . ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ٨٢] . ٢- ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٤٧/ ٢٤] . ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣/ ٣] . وهذا المعنى تكرر عشرات المرات، وهو المطالبة بالعقل والتدبر والتفكير، وفي هذا تربية الإنسان على إعمال عقله، وتربية ذهنه على التأمل، والاستنتاج والقياس والاستقراء، كما أنه يربي الفكر على عدم قبول شيء بغير حجة، أو برهان أو علم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٨-٩] . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١١١] [النمل: ٢٧/ ٦٤] . وقال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٢٤] . ٣- التروي والتأني وعدم التسرع في الفهم أو الحكم والتعليم، وتثبيت القلب بالتدرج في الفهم، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٠٦] . وقال سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه﴾ [القيامة: ٧٥/ ١٦] . وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٣٢] . د- تعويد اللسان على الفصاحة والبيان: وهذا معروف لدى كل مشتغل بالقرآن، فهو بإعجازه وفصاحته يطبع قلب الإنسان على حسن البيان، والأسلوب اللغوي

стр. 74

المبين، فيصبح واضح القصد موضحًا لمراده ومع ذلك، فهناك إشارات إلى فصاحة القرآن، وبيانه مثل قوله تعالى: ﴿حم?، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ٤٣/ ١-٢] وقوله جل من قائل: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٤٩] ، وقال سبحانه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٦/ ١٠٣] . هـ- تربية العواطف الربانية: من خوف وخشوع، ورغبة ورهبة، وترقيق للقلب والمشاعر، فالقرآن ما يزال دائما يوقظ هذه العواطف، وقد يصف آثارها عند من يتلون القرآن حق تلاوته، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٣] . ومن حسن تلاوة القرآن أنه إذا قرأ القارئ فيه دعاء دعا به، وإن قرأ تهديدًا أو عذابا، استعاذ بالله منه، وإن قرأ آيات تدل على عظمة الله خشع قلبه، واغرورقت عيناه بالدموع، وهؤلاء الذين يعملون بتعاليم القرآن بعد أن يرقق قلوبهم قد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٢١] . وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ٤٦] . ولا يكتفي القرآن بتربية العواطف المنظمة، بل يربي أيضا العواطف المرغبة التي تربي الأمل، والإقبال على العمل الصالح، ومحبة الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٦٥] ، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥/ ٥٤] . وقد بين الله في هذه الآية بعض الآثار العظيمة لمحبة الله، من تذلل للمؤمنين، وإظهار العزة في وجه الكافرين، والجهاد في سبيل الله. وهكذا نجد في حسن تلاوة القرآن بقصد التربية بالقرآن، أنه يمكن تربية العقل على حسن التفكير، وتأمل آثار عظمة الله، وتربية المشاعر والعواطف بالخوف من الله

стр. 75

والخشوع له وتعظيمه وتقديسه، أما تربية السلوك بالقرآن، فقد علمنا ذلك رسول الله ﷺ ، فكان له أذكار وأدعيه من القرآن، يتلو بعضها ويدعو ببعضها في مناسبات معينة، فإذا استيقظ من نومه نظر في السماء، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٠-١٩١] . وإذا أوى إلى فراشه تذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر: ٣٩/ ٤٢] ، فدعا بهذا الدعاء: "اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما حفظت عبادك الصالحين". وفي القرآن آداب سلوكية عظيمة تعلمنا غض البصر، والغض من الصوت، والقصد في المشي، وبر الوالدين، والتواضع للمسلمين، وعدم انتهار الأيتام، وإخفاء الصدقات، وعدم إبطالها بالمن والأذى، وكثيرًا كثيرًا مما لا يحصى في هذا المقام. واجبات المربي: فعلى المربي بواسطة القرآن: أ- أن يربي لسان الناشيء ويقومه بحسن التجويد، وعدم اللحن. ب- وأن يربي لسان الناشئ بالخشوع عندما يمر بآية تستوجب الخشوع، أو الغضب في الله، أو الحنين إلى الجنة، أو الشعور بمحبة الله. ج- وأن يربي سلوك الناشئ فيأخذ العهد عليه، ويتعهده ليعمل بتعاليم القرآن في أثناء الرحلة مع الطلاب وعند التغذية، وتناول الطعام وفي كل المجالات. د- وأن يربي عقل الناشئ بالاستدلال على ما استند عليه القرآن، وبتأمل ما يدل على عظمة الله، وأن يضع أسئلة كثيرة بعد كل درس لتمرين العقل على ذلك.

стр. 76

كل ذلك بعد أن ينتهي من فهم المعنى، والمراد الإجمالي لكل مجموعة من الآيات "في درس التلاوة"، أو لكل أية أو كلمة "في درس التفسير والاستحفاظ". وهكذا نجد أن التربية بالقرآن يمكن أن تتناول كل جوانب النفس الإنسانية. أما التربية الاجتماعية ففي الجهاد يتلو القراء، والحفاظ عل المجاهدين آيات الجهاد. وفي الحج يتلو الحجيج آيات تذكر بإبراهيم، وبأهمية الصفا والمروة، ونحو ذلك. والقرآن هو الذي يجمع قلوب البشرية على مبدأ واحد ودستور واحد، وله الأثر الأول في جمع كلمة الأمة الإسلامية، إذ لا يختلف اثنان من المسلمين على أنه من عند الله، وأن اتباعه واجب وحق. ٤- الإيمان بالرسل: الرسول هو القدوة، والمربي الأول لجيل مثالي، يكون من بعده من أجيال البشرية تبعًا له. فالأساليب١ العملية للتربية الإسلامية يمكن اقتباسها من حياة الرسول محمد ﷺ . وقد أمرنا الله أن نؤمن بجميع الرسل؛ لأن كل الرسالات التي جاءوا بها تطلب من البشر إخلاص العبودية لله، والاعتراف له بالألوهية، بكل معانيها أو مجمل معانيها التي أشرنا إليها. ولكن نجاح الأثر التربوي للرسول يتوقف على الإيمان بأنه مؤيد بالوحي والإلهام من عند الله، فلا يقره الله على خطأ في التشريع، وأنه أمين قد بلغ رسالات ربه. فإذا تم هذا الإيمان شعر الإنسان بسعادة عظيمة كلما اقتدى بأمر من أوامر الرسول، أو أسلوب من أساليبه التربوية في الحياة. أما الفلاسفة والزعماء وعلماء التربية، فإنما يتبعون الظن، ويضعون نظريات

стр. 77

مؤقتة يجربونها على الأجيال، وكلما فشلت عدلوا وغيروا فيها، بعد أن يكونوا قد ضحوا بجيل كامل من أجيال الإنسانية. ثم إن رسالة الرسول عندما تكون إنسانية عالمية تؤدي إلى أخوة بين البشر، وتربي عند الأجيال الشعور بالوحدة الإنسانية تحت ظل لواء خالق البشر. ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٣/ ٥١-٥٢] . وقد ختم الله النبوة بالرسول محمد ﷺ ، فلا نبي بعده، لذلك امتازت رسالته بأنها أكمل الرسالات وأكثرها شمولًا، وكان الرسول من قبله يبعث إلى قومه خاصة، فأرسله الله رحمة للعالمين. فالتربية التي وضع أسسها تربية عالمية، تناسب فطرة الإنسان أينما كان، وقد نقلت إلينا أخباره بالسند الصحيح، وحفظ الله سنته، فبين علماء الحديث ضعيف الأخبار وصحيحها. ونسخ الله برسالته سائر الرسالات التي سبقته، وكان قد أمر جميع الأمم قبله أن يتبعوه إذا أدركوا رسالته. ٥- الإيمان باليوم الآخر: إن النتيجة الطبيعية لنظرة الإسلام إلى الكون والحياة، هي الإيمان بالحياة الآخرة، فالدنيا كما أشرنا إلى ذلك، مرحلة مؤقته، والكون كله ما خلقه الله عبثًا، بل خلقه إلى أجل مكتوب عنده. فإذا انتهى أجل الكون والإنسان، والحياة البشرية كلها، أفنى الله هذا الكون وأنهى الحياة القائمة عليها، وأهلك كل شيء فيه، ثم يخلق عالمًا آخر غير هذا العالم، له نظام ومقومات تختلف عن نظام هذا الكون، وحياة أبدية لا موت بعدها، ليقدر الله أعمال العباد، ويزنها بالقسطاس المستقيم: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٧/ ٨-٩] . ويومئذ لا يخفى شيء نوايا البشر وأعمالهم، حيث تشهد عليهم أيديهم

стр. 78

وأرجلهم وينشغل كل امرئ بنفسه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٨٠/ ٣٤-٣٧] . ويومئذ لا تنفع الشفاعة، ولا يقبل من أحد عدل، ولا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، خالص من شوائب الشرك. ويومئذ يتجلى العدل الإلهي، حين يضع الله الموازين القسط. فإذا انقضى الحساب تجلت رحمة الله على عبادة المؤمنين، فيدخلهم الجنة خالدين فيها، وتجلى غضبه على الكفار الجاحدين، الذين يدعون إلى جهنم دعا، خالدين فيها. النتائج التربوية للإيمان باليوم الآخر: أ- تربية الشعور الحقيقي بالمسئولية: يلاحظ من وجهة النظر التربوية أن الإيمان باليوم الآخر، هو الوازع والدافع الحقيقي الذي يكمن وراء الشعور بالمسئولية الجدية الحقة، وأن لاشعور بالمسئولية حقا بدون هذا الإيمان، ولذلك لاحظنا أن ميزة التشريع الإسلامي تكمن في تقبل الناس له، بطواعية، ودون حاجة في كثير من الأحيان إلى استعمال السياط وأقسى العقوبات، ودون أي تهرب أو احتيال على هذا القانون الإلهي، ما دام الملائكة الحفظة يكتبون، وما دام يوم الحساب والجزاء ينتظرنا بالمرصاد، فكل من ربي تربية إسلامية يشعر بتمام المسئولية عن كل أعماله، خوفا من الوقوف للحساب بين يدي الخالق في يوم تشخص فيه الأبصار. ب- تحقيق الأخلاق الفاضلة المطلقة، في سلوكنا وحياتنا تحقيقا فعليا مستمرًّا، ثابتا غير متقلب، بلا نفاق ولا رياء، لا يكون إلا نتيجة للإيمان باليوم الآخر، فالحلم والأناة، والتضحية، والصبر على الشدائد، والسمو بالنفس عن الدناءات، كل ذلك يتجلى به المؤمن؛ لأنه ينتظر جزاءه عند الله، لا عند المجتمع ولا عند الناس، ويوم الجزاء آت لا ريب فيه، في موعده الذي قدره الله له، لا يتزحزح، لذلك فإن أخلاق المؤمن ثابتة لا يزعزعها شيء من أعراض الحياة الزائلة. ج- وكذلك انضباط جميع الدوافع والغرائز، والتحكم في هذه القوى الغريزية الجامحة، إنما يتم خوفًا من الله، وطمعا في جنته، وقد أشرنا إلى أن الإسلام وضع

стр. 79

لكل دافع غريزي، من الترغيب والترهيب، ومن التسامي به، ما يخضعه لشريعة الله، فيجعله طاقات مثمرة في حياة الفرد والمجتمع، بدلا من أن يعاكس الإنسان هذه الدوافع، فتنقلب إلى طاقات مبددة عندما يصطدم بالكبت والإحباط، فتوجيه الدوافع في الإسلام خير ألف مرة من كتبها أو تناسيها، كما في العقائد الأخرى التي تبالغ في الزهد، والتي لا تراعي الفطرة الإنسانية. د- إيثار الآخرة على الدنيا، والصبر على الشدائد. على أن مغريات الحياة الدنيا، وما يقابلها من المصائب، والشدائد التي تصيب الأفاضل المثاليين، يكيدها لهم أتباع الشياطين، لا علاج لها إلا ما يربيه القرآن في نفوسنا من "إيثار الآخرة على الدنيا". فنساء رسول الله، وهن من فضليات النساء في عصرهن، اجتمعن ليطالبن رسول الله ﷺ ، بأن يمتعهن بزينة الحياة الدنيا وغناها، كما تتمتع نساء الملوك، فنزل فيهن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٢٨-٢٩] . فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبقين في كنف رسول الله يصبرن على شظف العيش، وقال سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ٨٧/ ١٦-١٧] . وقال : ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٧٩/ ٣٧-٤١] . هـ- تربية العقل على الفطرة السليمة: وذلك أن كل إنسان يفكر في هذا الكون بدون تحيز إلى أهوائه يصل إلى النتائج التالية: *- أن كل ما في الكون من حياة وموت، وفناء أو ضعف تدريجي للطاقات وتغير، وأفول وشروق، يدل على أنه صائر إلى الزوال، ومسير بغير إرادته.

стр. 80

*- وأن هذا الإنسان الذي يقضي عمره في كدح وجد، وخصومة ونزال مع المجتمع، وهو يتمتع بالعقل والتمييز بين الخير والشر، إذا به يموت ويفقد كل حركة أو حياة، ومن الناس ظالم ومحسن وصالح وطالح، فهل يستوي ذلك كله؟ وهل تكون كل أعمال الناس إلى فناء، من غير تمييز بين المحسن المسيء؟ إن العقل الصحيح والفطرة السليمة لا تستسيغان ذلك، ولا تستسيغان أن يكون هذا الكون المنظم البديع مصيره إلى الفناء بغير هدف، ولا غاية. *- فالكون الذي يدل على خالق مبدع حكيم، يدل على وراء وجود غاية، من أجلها أوجده الله، وهذه النتيجة يتوصل إليها العقل السليم بفطرته. *- وبالقياس المنطقي على خلق الله لهذا الكون وللإنسان، يستلزم العقل الصحيح الخالي من التحيز للهوى، أن الذي خلق الكون، أو مرة قادر على إعاته خلقًا جديدًا، وكذلك الذي خلق الإنسان. هذه السلسلة من التفكير كل حلقة منها مرتبطة بسابقتها، هي التي بنى عليها القرآن أدلته على وجود الله، ثم على اليوم الآخر والبعث والنشور، والتربية الإسلامية تنمي عقل الإنسان دائمًا على هذا التفكير السليم، والارتباط المنطقي بين المقدمات والنتائج، كما تربيه على ألا يستسيغ العبث وانعدام الغاية، والخضوع للمصادفة، فكل ذلك ليس من الفطرة العقلية السليمة في شيء، والله لا يرضى لنا أن يكون علقنا معوجا سقيما، لذلك قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٧] ؛ لأن الكفر بوجود الله وباليوم الآخر، معناه خضوع العقل للعبث والمصادفة، وعدم التعليل الصحيح. ٦- الإيمان بالقدر خيره وشره: وهذا الإيمان من لوازم الإيمان بالله؛ لأن الله هو الذي قدر كل ما سيقع في الكون، وفي المجتمع الإنساني، وبين البشر من حوادث، وقدر لكل ذرة في السماوات والأرض مبدأها ومصيرها، ونظامها، وأجلها، وعلاقاتها بغيرها وبسائر الكون، وكذلك لكل جرم صغير أو كبير.

стр. 81

ولكن رسول الله ﷺ جعل هذا الإيمان ركنا مستقلا؛ لأن جانبا هاما من حياة الإنسان، وتربيته يرتكز على هذا الركن، فتعال ننظر إلى آثاره التربوية: الآثار التربوية للإيمان بالقدر: أ- العزم والقضاء على التردد: ليس في المجتمعات البشرية أمضى عزيمة من المؤمن بقدر الله، فهو إذا ناقش الأمور ورجح بينها، واسشاره غيره، واستخار ربه، يمضي قدما فيما عزم عليه، دون توقف أو تردد أو خوف، ليقينه بأن جميع الظروف والاحتمالات التي يمكن أن تكون غير واقعة في طوقه وحسبانه، هي مما وقع في علم الله وقدره، وأن الله مؤيده، فإذا يسر له ما عزم عليه، فهو الخير المقدر له، أو ليصرف الله عنه شرًّا كان محتملًا. ب- عدم الندم أو الحسرة على ما فات، فالمؤمن لا ينوح على الماضي بالتندم والتحسر؛ لأن ذلك لن يرد عليه شيئا مما فات؛ ولأنه إنما حصل على ما كتب الله له، ولا اعتراض على قدر الله ما دام قد وقع، ولكن له أن يعتبر، فيتوب من الخطأ أو الذنب، ولا يلدغ من جحر مرتين. ج- الجرأة أمام الموت: أما الموت فلا يمكن لنفس أن تموت إلا بإذن الله، بعد أن تستوفي أجلها الذي كتبه الله لها: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ٣/ ١٤٥] . لذلك لا يحق للمؤمن أن يقول بعد أن يموت له قريب لو فعلنا كذا لما مات قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٥٦] . فإذا تربى المؤمن على الجرأة أمام الموت فقد أصبح جريئا أمام كل شيء، أمام فقد مال أو ولد أو جاه، أو أمام مرض أو أي مصاب آخر، ما دام يؤمن بأنه مقدر من الله. د- التفاؤل الرضا وقطع دابر التشاؤم، وهو تعليل المصائب بعلل، أو أسباب غير صحيحة، كالتشاؤم من صوت البوم، أو كالتشاؤم الكفار بأنبيائهم، مع أن كفرهم هو الذي كان شؤما عليهم، كما قص الله علينا في سورة: ﴿يّس﴾ ، قول الكفار لأنبيائهم:

стр. 82

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ٣٦/ ١٨-١٩] . وعن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله فقال: "أحسنها الفأل ١، ولا ترد مسلمًا ٢، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حوف، ولا قوة إلا بك" ٣. وكالتشاؤم من المرض، مع أن له فوائد معنوية أهمها تهذيب النفس وتكفير الخطايا، فقد دخل رسول الله ﷺ على أم السائب "أو أم المسيب"، فقال: "مالك يا أم السائب -أو أم المسيب- تزفرين؟ " قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: "لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" ٤. وكذلك لا يجوز التشاؤم من الزمان، وحوادثه لقوله ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة: "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر" ٥. وكذلك نهى الرسول ﷺ عن التشاؤم من الريح: فقال فيما رواه عنه أبي بن كعب: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: الله إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها، وشر ما أمرت به" ٦. هـ- وهذا كله يربي المؤمن على العقل، وعدم تعليل الأمور حسب هواه ومصلحته، بل يجب أن يعرف أن لكل ظاهرة كونية فوائد ومضار، فيطلب فوائدها ويستبعد مضارها.

стр. 83

الفصل الرابع: غاية التربية الإسلامية وأهدافها أولًا: معنى الهدف ... الفصل الرابع: غاية التربية الإسلامية وأهدافها معنى الهدف وشروط وأهميته. أولا: معنى الهدف قد يندفع الإنسان إلى سلوك دون أن يدرك هدفه، بسبب ما أودع في فطرته من حرص غريزي على الحياة، فيعلل عمله بهذا الدافع، كالنائم الذي يسحب يده إذا وخزها إنسان بدبوس، فيقال: إن سلوكه هذا مصحوب بدافع حب البقاء، وإن لم يدرك هدفه. ولكن الغالب، في حياة الإنسان الراشد العاقل الواعي، أن يفكر، ويقصد إلى هدف معين، يريد أن يحققه من وراء سلوكه، كالطالب الذي يجد طول العام الدراسي لينجح في الامتحان، ثم ينال رتبة علمية، ثم يحصل على مركز اجتماعي معين، أو راتب مالي يعيش منه. والنتيجة التي يحصل عليها الطالب، إما أن تكون مطابقة للهدف، أو قاصرة عنه، أو أن تحقق جزءًا منه، فليست النتائج هي الأهداف، وليست الدوافع هي الغايات. والنتيجة هي المحصلة التي انبثقت عن السلوك، وتوصل إليها الكائن سواء حققت الهدف، أو لم تحققه والهدف هو الغاية التي يتصورها الإنسان، ويضعها نصب عينيه وينظم سلوكه من أجل تحقيقها، والدافع هو المحرض العضوي، أو النفسي الذي يبعث على السلوك، أو يغذي القوى الباعثة عليه في النفس والجسم ويحركها، وينشطها حتى يحقق غاية حيوية تهم كيان الكائن سواء أدركها، أو لم يدركها بعقله، أو روحه.

стр. 84

ثانيًا: أهمية الهدف وتحديده ... ثانيا: أهمية تعيين الهدف وتحديده لو أمر إنسان أن يمشي في طريق معين، دون بيان أي سبب لهذا المسير، أو اختيار هذا الطريق دون غيره، لسار مترددًا، ولكان اندفاعه ضعيفا، ولراوده التساؤل، والتقاعس. ولكن لو قيل لهذا الإنسان، مرة أخرى: اسلك هذا الطريق، فستجد في آخره بستانا جميلا، له أصحاب كرام، يدعون جميع الوافدين للغداء عندهم، على ضفاف السواقي والشلالات، وكان هذا الإنسان جائعًا مستعدا للطعام، لا ندفع مسرورا، مرتاح النفس، راغبا، ولقطع الطريق بقوة وعزم، وبأقل وقت وجهد، فالهدف يوجه النشاط ويدفع إلى الإنجاز، ويساعد على النجاح. ومن هذا المثال يتبين لنا أن لتعيين الهدف أهمية تجلعه ضروريا لكل ضروب السلوك الواعي، فكيف بالنسبة لعملية تربوية يراد منها توجيه الجيل، وبناء صرح الأمة، وتعيين أسلوب السلوك في حياة الفرد والجماعة، حتى يجتاز البشر هذه الحياة بسعادة، ونظام وتعاون، وانسجام، وتفاؤل ورغبة وإقدام، ووعي وتدبر وإحكام؟

стр. 85

ثالثا: هدف التربية الإسلامية ولما كانت التربية الإسلامية تربية واعية، هادفة، وقد وضع الله أسسها في هذه الشريعة لجميع البشر. كان لزامًا على الباحث فيها أن يبين هدفها السامي الشامل الذي عينه الله لجميع البشر، قبل الشروع ببيان أساليبها وخصائصها؛ لأن الهدف هو الذي يعين الأساليب، ولو ألقينا نظرة على أسس التربية الإسلامية١، وتصور الإسلام للكون والحياة، ولأهداف الحياة لوجدنا فيها: أن الله خلق الكون، لهدف معين، وأوجد الإنسان على الأرض ليكون خليفة يحقق طاعة الله، ويهتدي بهديه، وسخر له ما في السموات والأرض، فجعل ذلك كله خادما الإنسان محققا لها، وطلب منه أن يتأمل ما في الكون ليستدل به على عظمة الله، فيدفعه ذلك إلى طاعة الله ومحبته، والخضوع لأوامره ومناجاته، وجعله مستعدًا للخير والشر، وأرسل رسله إلى البشر ليهدوهم إلى عبادته وتوحيده. وأن الله جعل لهذا الكون ولهذه الحياة الدنيا أجلا ينتهي في وقت محدود عند الله، ثم يفنى الكون وتفنى الحياة الدنيا، ثم يخلق الله الإنسان خلقًا جديدًا، ويخلق كونًا جديدًا، ليحاسب الناس على أعمالهم، وليجازي المسيء الذي كفر بنعمة الله ورسله، وشريعته بالجحيم الدائم، والمحسن الذي آمن بالله وشكره على نعمته، واتبع رسوله وكتابه بالنعيم المقيم الأبدي. من هذه النظرة الإسلامية إلى الكون يتضح أن الهدف الأساسي لوجود الإنسان في الكون، هو عبادة الله والخضوع له، والخلافة في الأرض ليعمرها بتحقيق شريعة الله وطاعته، وقد صرح القرآن بهذا الهدف في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥١/ ٥٦] . وإذا كانت هذه مهمة الإنسان في الحياة، فإن تربيته يجب أن تكون لها نفس الهدف؛ لأن التربية الإسلامية كما عرفناها في أول الفصل الثالث هي: "تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكه، وعواطفه، على أساس الدين الإسلامي". وبذلك "تكون الغاية النهائية للتربية الإسلامية هي تحقيق العبودية لله في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية". الإسلام، وأهداف التربية الغربية: بيد أن الاقتصار على هذه الغاية لن يقصر جهد الإنسان على النسك، والمسجد وتلاوة القرآن، كما يبدو للبعض، للوهلة الأولى؛ لأن طاعة الله وعبادته لا تقتصر على النسك والعبادات، بل تشمل الحياة بكل جوانبها، وقد بينا ذلك في الفصل الماضي عندما تعرضنا للعبادة في عداد أسس التربية الإسلامية. وعلى هذا فجميع الأهداف التربوية التي تدعيها التربية الغربية اليوم، يشملها هذا الهدف الأسمى للتربية الإسلامية، ويسمو بها ويوجهها الوجهة المثالية التي تبعدها عن الانحراف أو الزلل، وتجعلها في خدمة الإنسانية، وتحقيق السعادة للفرد والمجتمع.

стр. 86

ولبيان ذلك لا بد لنا من وقفة عند كل هدف من هذه الأهداف، لنبين معناه في التربية الغربية، وكيف يتحقق في ظل التربية الإسلامية. ١ - الإسلام وتحقيق الذات: ومن أبرز من قال بهذا الهدف التربوي "سير برسي نن"، فقد قال في كتابه "التربية": "إن الذاتية هي الهدف الأسمى الذي تسعى إليه التربية، ولا خير يمكن أن يصيب هذا العالم إلا عن طريق النشاط المطلق للأفراد، رجالا كانوا أو نساء، وإن التربية التي تتخذ مبدأ "تحقيق الذاتية" هدفا لها، هي التربية الوحيدة التي تسير وفق قوانين الطبيعة، والتي تشهد لها الحقائق المستمدة من علم الحياة". وهذا الهدف يعني أن لكل إنسان بمفرده ذاتية، وخصائص تميزه عن غيره من الناس، والتربية الحقة في رأيهم هي التي تعني بإبراز هذه الخصائص عن طريق إطلاق حرية كل الناس، وإتاحة الفرص الكافية والأوضاع المناسبة لجميع الناشئين، ليحقق كل ناشيء ذاتيته، في جو اجتماعي يناسب الجميع. نقد هذا الهدف: يؤخذ على هذا الهدف مأخذان: الأول أن الحرية أو "النشاط المطلق" للأفراد، كما عبر عنه "برسي نن" يحتاج إلى ضوابط تعصم الأفراد عن الغرور بذاتيتهم، أو الطغيان على غيرهم أو استعمال خصائصهم الذاتية في شر الإنسانية، وضرر المجتمع. فإذا نشأ كل طفل وهو يرى أن المجتمع كله، والكون كله مجال لذاتيته هو، دون أن يكون لهذه الذاتية هدف أسمى يوجه طاقاتها، فأي مجتمع تخرج لنا هذه التربية؟ والمأخذ الثاني هو أن إطلاق الذاتيات يحتاج إلى هدف مشترك أسمى تحققه هذه الذاتيات، مع بقاء مجالات للتمييز الفردي لكل ذاتية. وهذا الهدف الأسمى لم ينص عليه القانون بهدف "تحقق الذات"، وإن كان "برسي نن" قد أشار إليه بقوله: "ويخطئ من يعتقد أن نظريتنا هذه لا تميز بين المثل العليا والحسنة للحياة، والمثل الرديئة، ولا تمييز بين أنواع الذاتية التي يجب تشجيعها، وأنواع الذاتية التي يجب إخمادها..".

стр. 87

إلا أنه في هذه الإشارة العابرة لم يعتمد على مبدأ، أو معيار للخير أو الشر، وحتى لو أنه وضع مبدأ، لاختلف في ذلك مع غيره من المربين والفلاسفة، ولا يزال الناس يختلفون، فلا بد من معيار إلهي يجمع عليه البشر في هذا الموضوع؛ لأن معايير الناس تختلف باختلاف ظروفهم الاجتماعية، والنفسية والعائلية، ولا يصلح واحد منها لتربية جميع البشر. أما كيف يشتمل هدف التربية الإسلامية، وهو إخلاص العبادة لله، على هدف "تحقيق الذات"، فإليك تفصيل ذلك: أ- عندما كلف الله الإنسان بعبادته، كلفه على أساس أنه مميز بين الخير والشر، وقد بين له نتيجة طريق الخير يوم القيامة، ونتيجة طريق الشر، وفي هذا كل التقدير لذاتية الإنسان، ذلك أن الله جعله مميزًا مختارًا، أي أعطاه حرية الاختيار، ثم بين له مسئولية عن هذا الاختيار. ب- أنه ترك مجال التسابق إلى الخيرات مفتوحا لجميع الناس، وجعل مبدأ الجزاء على حسب العمل، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فالله يحاسب على كل مثقال ذرة من أعمال الناس، ثم يضاعف لمن يشاء، لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، أي بالعمل الذي يحقق الخوف من عقاب الله، والخشوع والطاعة لله. ج- أنه جعل الهدف الأسمى وهو "طاعة الله وعبادته" هو معيار التمييز بين الذاتية الخيرة، والذاتية الشريرة، أو التمييز بين تحقيق الذاتية في سبل الخير، وتحقيقها في سبل الشر، وتفاصيل هذا المعيار منشورة في كتب الفقه والتوحيد، وفي آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ . وهكذا لم يترك الإسلام هدف تحقيق الذاتية والحرية، مطلقًا من غير ضابط، بل اعتبر ذلك الهدف وسيلة لهدف أسمى منه، وهو في الواقع وسيلة، وليس غاية مطلقة، فإذا سألنا كل ماهر في الطب مثلا، لماذا ينمي مهارته هذه أي يحقق "ذاتيته الطبية"؟؟ لأجاب بحسب غايته الضيقة، إما "لجلب المال"، وإما "للشعور بالتفوق"، أما الطبيب المؤمن فهدفه تحقيق أمر الرسول ﷺ بالتداوي؛ لأن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء.

стр. 88

د- أنه ثبت في بعض الآيات، والأحاديث النبوية ضرورة أن يعمل كل إنسان بحسب قابلياته، واستعدادته الذاتية، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٨٧/ ١-٣] أي قدر لكل كائن استعدادا خاصا به، وهداه إلى سبيل الحياة التي تحقق ذاتيته، وقابلياته واستعدادته. وقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٩/ ١٠٥] . فالمجتمع المؤمن يرى أعمال أفراده، ويشجع قابلياتهم ويقابلها بالشكر والتقدير، وكقول الرسول ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". أي أن الله خلق كا كائن، وكل إنسان لهدف أو لمهنة، وزوده بقدرات وكفاءة معينة، ثم يسر له من المجالات ما يناسب ذاتيته وكفاءته ومقدرته، ولذلك أمره بالعمل، والسعي لتحقيق مثله الأعلى حسب قدرته وذاتيته. ومن الكلمات الطيبة الموزونة في هذا المجال قول المربي الكبير، ابن قيم الجوزية، في كتابه "تحفة المودود بأحكام المولود": "ومما ينبغي أن يعتمد، حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، مما كان مأذونا منه شرعا، فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعيا، فهذه من علامات قبوله، وتهيئه للعلم، لينقشه في لوح قلبه ما دام خاليا، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها، من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين، وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع، ومستعدا لها، قابلا لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس، فليمكنه منها، هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه"١.

стр. 89

وقال ابن سينا في كتابه "القانون": "وعلى المؤدب أن يبحث له عن صناعة، فلا يجبره على المعلم إذا كان غير ميال إليه، ولا يتركه يسير مع الهوس، إذ ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له، مواتية، لكن ما شاكل طبيعته، وناسبه، وأنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب، وتنتقاد بالطلب دون المشاكلة والملاءمة، إذن ما كان أحد غفلًا من الأدب، وعاريًا من صناعته، وإذن لأجمع الناس على اختيار أشرف الصناعات"١. ٢- الإسلام وهدف النمو: توجيه الإسلام في جوانب التربية المختلفة: يرى بعض علماء التربية وفلاسفتها المعاصرون، أن الهدف الأوحد للتربية هو النمو، نمو الإنسان من جميع النواحي العقلية والجسمية والروحية، والاجتماعية، ولكن معنى النمو يحتاج إلى إيضاح: هل النمو مجرد زيادة في الحجم، أو الوزن أو المعلومات والتصورات، أم هو تطور كيفي الأسلوب حياة الناشئ منذ الولادة حتى البلوغ؟ ولحركاته وتصرفاته وسلوكه؟ يجمع علماء التربية اليوم أن الزيادة الكمية وحدها ليست هي معنى النمو الذي تهدف إليه التربية، ولكنهم يختلفون في تطوير سلوك الإنسان. أ- فبعضهم يرجعه إلى آليات وردود أفعال منعكسة، فيجعلون الإنسان كالمعمل الكبير، كلما ضغط على زر من أزراره تحركت آلة من آلاته، وكل آله تحرك التي تليها، حتى يصل الإنتاج إلى آخر مرحلة، فيخرج إلى يد المستهلك برادا، أو سيارة، أو مكيفا، إلخ.. وهكذ الإنسان كلما أثر فيه مؤثر خارجي سعى إلى تحقيق شهوة من شهواته. وهؤلاء لا يحتاجون إلى كثير من النقاش، ولا يصمدون أما الاحتجاج بإرادة الإنسان، وتغير الاستجابة من إنسان إلى آخر، بحسب تربية كل إنسان وظروفه الحالية، أو آماله المستقبلة.

стр. 90

فمن العلوم أن المؤثر الخارجي الواحد، كرؤية الطعام مثلًا يعطي عدة ردود أفعال مختلفة، كعدم المبالاة: بالنسبة للشبعان؛ والصبر: بالنسبة للصائم؛ والعزوف: بالنسبة لشريف النفس الذي لا يجد الميل الكافي لهذا اللون من الطعام. وكل من هؤلاء يفكر قبل أن يقدم على الاستجابة، وليس آلة تستجيب بدون تفكير، أو هدف، أو غاية من الحياة. ب- أما الفريق الثاني فيقولون: أن الإنسان ينمو أي يتطور سلوكه، على أثر ما يتكون عنده من خبرات، فإذا كان الطفل بين أهله ووسخ ثوبه الجديد، مثلا، بالطعام، عابوا عليه ذلك، وعنفوه، وأظهروا أمامه من الانفعالات، ما يجعله يعلق في ذهنه ارتباط الألم النفسي بتوسيخ الثوب الجديد. هذا الارتباط يسميه "جون ديوي"١ خبرة، وهذه الخبرة بالذات، في هذا المثال لما كانت صادرة عن المجتمع، أمكننا أن نسميها خبرة اجتماعية؛ لأنها تحصر التعامل مع الجماعة، وتتابع خبرات الطفل الاجتماعية، حول السلوك المعيب أمام الضيف، والسلوك المحبب، كالتحية وألفاظها، فنقول: إن الطفل ينمو نموا اجتماعيا أي تزداد خبراته الاجتماعية، وتنمو معها مشاعره الاجتماعية، كالأنس بالآخرين، كالصغار، والخوف من بعض الناس أو من بعض المواقف، والنفور من البعض الآخر وهكذا، وقل مثل هذا في نمو الخبرات الحسابية، واللغوية، والقصصية، والصناعية، واليدوية، وهلم جرا.. نقد هذا الهدف: ليس من شك في أن تتابع الخبرات ينمي مدارك الناشئ، ويجعل سلوكه أقرب إلى التعايش مع المجتمع، ومع الحضارة ومخترعاتها، ومع ظروف الحياة ومتطلباتها. ولكن ليست جميع الخبرات سواء في تحقيق خير الإنسانية، وبالتالي ليس كل نمو يستخدم للخير، فبعض عصابات الأشقياء في أمريكا يستخدمون خبراتهم، ونموهم

стр. 91

العقلي ومهاراتهم في السطو على المصارف، أو خطف عظماء الناس، أو أطفال الأغنياء. فهل يعد هذا هدفًا تربويا؟ إنه في عرف هذه العصابات١ هدف يربون عليه أبناءهم، أو يدربون عملاءهم بل هو هدفهم المفضل، ولكنه في الحقيقة وسيلة للشر، وذلك؛ لأن هذا النمو وتلك الخيرات والمهارات، لم تكن هي الهدف، بل كانت وسيلة لهدف آخر هو الثراء السريع المفاجئ، أو التشفي من بعض الطبقات، أو.... ومن هذا المثال، ومن جميع مواقف الحياة، ندرك أن النمو وسيلة لتحقيق هدف أبعد منه، والنمو سلاح ذو حدين، إذا لم يوجد منذ الصغر نحو هدف أسمى، فقد يستخدمه الناشيء بعد خروجه إلى المجتمع، لتحقيق أغراض دنيئة، أو أعمال ضارة بالآخرين. والتربية الإسلامية التي تضع كل شيء في موضعه الطبيعي، اعتبرت النمو بجميع جوانبه وسيلة لتحقيق مثلها الأعلى، وهو "العبودية لله وطاعته، وتحقيق عدالته وشريعته في جميع شئون الحياة الفردية والاجتماعية"، فالإسلام يحض على النمو بكل أشكاله، أي أن التربية الإسلامية تشمل رعاية النمو من كل جوانبه: الجسمية، والعقلية، والخلقية، والاجتماعية، والذوقية، والروحية، والوجدانية، مع توجيه هذا النمو تحو تحقيق هدفها الأسمى. ولكن ذلك يحتاج إلى ربط وإيضاح، نسبطه في الفقرات التالية: *- التربية الإسلامية والنمو الجسمي. مما لا شك فيه: أن طاعة الله وعبادته، والدعوة إليه تحتاج إلى جهد، وطاقات جسدية، ولذلك جاء في الحديث الشريف: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"؛ وأن الانتحار وقتل النفس، وإلحاق أي أذى بالجسم، من الأمور المجرمة التي يعاقب عليها الشرع في الدنيا والآخرة؛ وأن كلا من الصلاة والصيام والحج، فيها تنشيط وتوجيه لبعض طاقات الجسم وأجهزته؛ وأن تغذية الرضيع

стр. 92

وإعالة الطفل وإطعامه، وكساءه من الأمور التي يكلف بها الأب، أو النائب عنه، أو الدولة إن فقد العائل. ثم إن الإسلام حض على بعض الأمور التي تقوي الجسم، كالرمي والفروسية، وندب إلى السباحة، وسمح الرسول للأحباش بممارسة ألعابهم بالحراب، وكان يطل من حجرته، ويتفرج عليها هو والسيدة عائشة. وصارع الرسول ﷺ "ركانة"، بطل قومه في ذلك الوقت، فصرعه الرسول ﷺ ، وسابق السيدة عائشة في الجري. وكان الصحابة عندما يخرجون من صلاة المغرب، يتبارون ويتمرنون على رمي النبال، حتى قال رافع بين خديج: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، "فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر موانع نبله" ١، وأقام رسول الله ﷺ سباقا للخيل، عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق٢. وهكذا نرى أن التربية الإسلامية تضم في طياتها تنمية الجسم، وتربية الجوارح، ولكنها بالمقابل توجه هذه الطاقات نحو حير الإنسان وخير المجتمع، وتحذر من البطش أو الاعتداء. فللتربية الإسلامية وسيلتان لتوجيه الطاقات الجسمية: أولاهما: توجيهها نحو كل ما يرضي الله، مع إغاثة الملهوف وإعانة الكل، والجهاد في سبيل الله. وثانيهما: تحذيرها من كل ما يغضب الله، مع التلويح بالعقوبة لكل بطش، أو أذى أو اعتداء يقوم به أي إنسان مهما بلغت قوته أو مكانته. *- التربية الإسلامية والنمو العقلي: العقل هو أهم الطاقات الإنسانية في نظر الإسلام، فجمع أركان الإيمان مبنية على فهم العقل وقناعته.

стр. 93

لقد خاطب القرآن العقل ليدله على وجود الله، وحض الإنسان على التدبر في الكون، وفي نفسه ليدله على أن الله وحده الذي يستحق العبادة، ولفت النظر إلى قياس البعث في الآخرة على الخلق الأول، والنشأة الأولى، ليبرهن بالاستنتاج العقلي على صحة عقيدة البعث، والجزاء والجزم بها، وأمره أن يتفكر في خلق السماوات والأرض، وينظر في آثار الأقوام السالفة، وأنزل القرآن لنعقل معانيه ونتدبر آياته، وأنكر على الذين لا يستعملون عقولهم في الفهم والتفكير السليم، ووصفهم بالصم والبكم والعمي؛ لأنهم لم يفكروا فيما نقلته إليهم حواسهم من المرئيات والمسموعات، وأبوا أن ينطقوا بالحق الذي يمليه عليهم عقلهم لو سمحوا له بالتفكير والتدبر، فهم عمي عن إبصار الحق، أو ما يؤدي إليه من آيات الله في الآفاق، صم عن سماع الحجج، والتفكير في مصيرهم. ولو ذهبنا نحصي الآيات التي وردت فيه كلمات "تعقلون، يعقلون" لوجدنا "٤٦" آية، أو موضعا في القرآن و"١٤" موضعا لكلمة "يتفكرون، تتفكرون" و"١٣" موضعا وردت في كلمة "يفقهون"، وكل هذه الآيات جاءت إما للحض على التفكير، وإما لمخاطبة العقلاء دون سواهم من الذين لا يريدون أن يعقلوا أو يتفكروا، وورد الحض على تدبر القرآن في أربع مواضع من القرآن. وورد تخصيص أولي الألباب بالموعظة، والحض على التقوى، والاعتبار بقصص القرآن، وبدلائل قدرة الله في الكون وبالتذكر، والعبرة بالقصاص، وبالهداية "١٦" مرة، وقد أوردنا عددا من هذه الآيات عندما بحثنا في أسس التربية الإسلامية. وهكذا نلاحظ أن التربية الإسلامية، في سبيل تحقيق هدفها الأسمى، وهو الإيمان بالله والخضوع له، وتذكر عظمته كلما نظر الإنسان إلى الكون، أو إلى نفسه؛ تدعو العقل إلى ممارسة حقه في البرهان والاقتناع، والتأمل والملاحظة، واستخدام الحجج المنطقية، كما تدعوه إلى استخدام ما سخر الله له في الكون، ودراسة القوى الكونية بقصد معرفة سننها للاستفادة منها، أي أنها تنمي العقل على أفضل أساليب النمو، ولكنها لا تسمح للعقل بالغرور، والتكبر عن قبول الحق، والصمم عن سماع الحجة المنطقية، في سبيل التشبث بالأهواء والشهوات، أو التحجر والتصلب

стр. 94

والاستمرار في الباطل من أجل منصب، أو مال، أو جاه، أو عزة زائفة يبتغيها من وراء هذا الباطل، كالسيطرة على عقول البسطاء بالشعوذة والتخريف. فالتربية الإسلامية تنمي العقل على التفكير السليم، والتواضع، والتسليم بالحق، والأمانة العلمية، وابتغاء الحق دون الهوى، والانتفاع بما يعلم، لا الاكتفاء بالعلم النظري، بل لا بد من التطبيق العملي، وقد بينا ذلك عند ذكر النتائج التربوية لبعض أسس التربية الإسلامية، فثبت بذلك أن التربية الإسلامية، وإن لم تنص صراحة، على تنمية العقل، لكن هدفها البعيد يشمل النمو العقلي كما شمل النمو الجسمي، وهي توجه هذا الجانب العقلي من جوانب التربية، كما رأينا، نحو الدقة في التفكير والأمانة، والتطبيق العملي، ونحو العمل على معرفة الله في آثاره وآياته ومخلوقاته، ونحو التبصر والهدى، والبعد عن الهوى، وعن الاتباع الأعمى، ونحو طلب الدليل والمعرفة اليقينية، والبعد عن الظن. *- التربية الإسلامية، والنمو الاجتماعي: شمول الهدف الإسلامي للجانب الاجتماعي من جوانب التربية: معنى النمو الاجتماعي: يقصد بالنمو الاجتماعي، أو الجانب الاجتماعي في التربية عدة معان أهمها: ١- نمو المشاعر الاجتماعية كالشعور بالانتماء، والميل الفطري إلى الجماعة وحب التقليد. ٢- نمو الخبرات الاجتماعية، وما ينتج عنها من أساليب التعايش مع الجماعة، ومعرفة ما تحرمه الجماعة، وما تستحبه، وما توجبه على أفرادها، وأساليب السلوك في المجتمع، وآداب الحياة المشتركة. ٣- نمو التصورات الاجتماعية والأفكار، والأهداف المشتركة التي تنعكس في نفوس الأفراد، نتيجة للتربية الاجتماعية التي يتلقونها، وللمشاركة في أعياد الأمة أو عبادتها، أو مظاهر حياتها الجماعية، أو جهودها الاقتصادية أو الحربية، ونحن هنا سنتناول مدى شمول التربية الإسلامية، بهدفها الأسمى، لهذه المعاني والجوانب الاجتماعيه.

стр. 95

إن تربية الإنسان على إخلاص الخضوع، والطاعة، والعبادة لله وحده، في جميع أمور الحياة سينتهي إلى تنمية المشاعر الاجتماعية بشكلها المزدهر المتفتح الخير، وأول ما يقرره علماء الاجتماع، أن المجتمع إنما يتكون باجتماع مجموعة من الأفراد، واشتراكهم على تصورات وأهداف ومصالح، يفهمونها فهمًا موحدًا ويعملون لها جميعًا، فيؤلف ذلك بينهم بروابط تربط جميع الأفراد، وتشدهم بعضًا إلى بعض، وتحبب إليهم العيش المشترك، والتعاون والتكافل فيما بينهم. وهذا الهدف الذي عرفناه للتربية الإسلامية، من أفضل التصورات المشتركة وأقدرها على لم شعت الأفراد، وربط قلوبهم وعواطفهم برباط متين لا يتزعزع، ثابت لا يتغير ما دام الأفراد يتعهدونه بالتزام ما ينتج عنه من سلوك عملي، ومن وعي وتقدير لظروف الحياة، على ضوء ما رأيناه من التصورات الإسلامية للكون وللحياة، ومن أركان العقيدة الإسلامية، أن جميع الأسس الفكرية والتعبدية، والتشريعية للتربية الإسلامية، وقد عرضناها في الفصل السابق، تؤلف سلسلة من التصورات المشتركة للمجتمع المسلم، ولكنها تمتاز عن تصورات سائر المجتمعات، غير الإسلامية بالعمق والوعي، والوضوح، والثبات والأصالة والمعقولية. فبينما تجد المجتمعات الأخرى، يتلقى أفرادها تقاليدهم، وتصوراتهم المشتركة الاجتماعية، بتقليد أعمى وحماسة جماهيرية هوجاء؛ تجد التربية الإسلامية تشترط في أفرادها أولا القناعة الفكرية، ثم المشاركة الجماعية في العبادات والأعياد، على ضوء من تلك القناعة، ووضوح الهدف المشترك، والشعور بسمو هذا الهدف، إلى جانب توفر الحماسة الجماعية الهادفة، كما في التكبير المشترك في العيد الأضحى، وفي أثناء القتال والجهاد، ونحو ذلك، وصلاة الجماعة بحركات موحدة، وصلوات الأعياد، والجمع وخطبها، وحتى الصلوات الخمس يجب أن تكون في جماعة. وهكذا نجد أن التصورات المشتركة الإسلامية، تكون الجانب الأكبر من ثقافة المسلم وتفكيره، والضابط الأول لسلوكه الاجتماعي، والوازع النفسي العميق، الذي لا يقتصر تأثيره على التواجد الجماعي، بل يتعداه إلى كل أحوال الناشئ الفردية والجماعية.

стр. 96

وللمجتمع في التربية الإسلامية، سلطة عظيمة في حماية الشريعة والعقيدة، التي تعتنقها الجماعة، وهو لا يتنازل عن هذه السلطة، ما دامت مستمدة من الله، الذي أوكل إلى الجماعة مهمة التواصي بالحق، والتناصح والتناهي عن المنكر، وقد بسطنا كل ذلك في حينه، مع بعض الأدلة من القرآن والحديث. والتربية الإسلامية، بهدفنا المشترك وهو إخلاص العبودية لله، توحد فكرة الانتماء، وتربطها بهذا الهدف الأسمى، فجميع الناس ينتمون إلى أمة واحدة، هي التي اعتنقت عقيدة التوحيد، واتخذت طريق الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولقد كان العرب قبل الإسلام لا يعرفون الانتماء إلى أمة واحدة حتى جاء القرآن يصرح بها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٠] . كما يصرح بالولاء لله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٦٢-٦٣] . وبأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولا يجوز أن يتخذوا لأنفسهم أولياء من دون المؤمنين؛ لأن أخوة الإيمان هي التي تربطهم. وهكذا، وبتربية هذه المعاني في نفس الناشئ ترعى التربية الإسلامية تنمية الأواصر الاجتماعية عنده، على أساس هدف نبيل، لا عنصرية فيه ولا ظلم، ولا طغيان على الشعوب الأخرى، لمجرد أنها من طينة أخرى، فالانتساب في التربية الإسلامية إنما يكون للدين، وليس للغة أو القومية.

стр. 97

رابعا: التربية الإسلامية، والمواطنة الصالحة معنى المواطنة الصالح في التربية الغربية ونقده: تختلف التربية الإسلامية عن التربيات الأخرى التي جعلت هدف النمو الاجتماعي عندها تربية المواطن الصالح، والمواطن الصالح عندهم هو الذي ربي تربية اجتماعية تلائم المجتمع الذي نما فيه، وتحقق مصالح ذلك المجتمع، وأهدافه ومطامعه. فالمواطن الصالح، في المجتمع القومي، هو الذي يخدم هدف أمته القومي، ولو أدى به هذا الهدف إلى استعمار الشعوب الضعيفة، والفتك بها ونهب ثرواتها، والمواطن الصالح في المجتمع الشيوعي هو الذي يصبح آلة منتجة مسيرة بيد زعماء الحزب الحاكم، يعظمهم ويتخذهم: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [آل عمران: ٣/ ٦٤] أي مشرعين له، مسيرين لكل حياته يعظمهم من دون الله، ويخشاهم ويزعم أن بيدهم حياته، أو موته أو رزقه. فإيجاد المواطن الصالح المساير لمجتمعه في الحق والباطل، لا يصلح أن يكون هدفا للتربية، ولا لتكوين الحياة الاجتماعية السليمة، والتصورات المشتركة للمجتمع المستقيم. موقف التربية الإسلامية: أما التربية الإسلامية، فإن هدفها تربية المواطن المؤمن والمجتمع المسلم، الذي تتحقق فيه عبودية الله وحده، وتتحقق بتحقيقها كل فضائل الحياة الاجتماعية من تعاون، وتكافل وتضامن ومحبة، كما أنها تروي الحاجة إلى الأنس بالمجتمع عند الناشئ والحاجة إلى الانتماء، والميل إلى التقليد والاعتزاز بالأمة، تروي ذلك كله بدون انحراف، أو استهتار أو انقياد أعمى، أو فقدان للمواهب وللذاتيات، والمقومات الشخصية. أي أنها تجمع، باتزان بين تربية الذاتية الفردية، والنزعة الاجتماعية من غير أن تغطى إحداهما على الأخرى، أو تنحرف أي منهما عن الخير، وعن طاعة الله وتحقيق شريعته، وعن جادة الصواب، والاستقامة في الحياة.

стр. 98

خامسا: التربية الإسلامية، وهدف كسب الرزق كثير من الشباب يتعلمون، ويدخلون الجامعات في سبيل إيجاد عمل، أو منصب اجتماعي يؤمن لهم الرزق. إن هذا الهدف مشروع، ولكن قصر التربية عليه، يضيق من آفاقها، ويحرم الإنسان من الرقي الخلقي والفكري والحضاري، وقد يصبح عبدًا لشهواته همه جمع المال، والترف والرفاهية. لذلك لاحظنا أن التربية الإسلامية قد وجهت هذا الهدف، ولم تقل بكبت هذه الغريزة جمع المال، وحب الرفاهية، وحسن البقاء. فقد جعل الإسلام كسب المال من عبادة الله والتقرب إليه، إذا قصد به الإنسان الإنفاق على أهله، أو على نفسه أو على أرملة أو مسكين، أو قصد إخراج زكاة المال، أو غرس غرسة، فأكل منها طير أو إنسان. فعن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها كانت له صدقة" ١. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار" ٢. وعن أنس بن مالك، عن الني ﷺ قال: "ما من مسلم يغرس غرسا فليأكل من طير، أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" ٣. وهكذا نرى أن هدف الترببة الإسلامية، وهو إخلاص العبودية لله قد أحاط بالعملية التربوية من كل جوانبها، الفكرة والجسمية والاجتماعية، والفردية والروحية.

стр. 99

سادسًا: مميزات هدف التربية الإسلامية ذلك؛ لأنه هدف رباني، والهدف الرباني لا يأتي إلا: ١- كاملًا يستمد كماله من الكمال الإلهي، فهو في كل المجالات، يبعدنا عن النقائص، ويوجهنا نحو الفضائل وخير الإنسانية أفرادا ومجتمعات. ٢- شاملا يكتنف الحياة من جميع جوانبها، والنفس الإنسانية من كل نواحيها. ٣- عاما لكل الناس فهو إنساني، وليس خاصا بمصالح أمة معينة، أو قوم بخصوصهم. ٤- صالحا للبقاء والخلود على مر الزمن، وهو يستمد خلود من أنه جاء من عند الله. ٥- موافقًا للفطرة الإنسانية، وفطرة الإنسان لا تتغير على مر الزمن، من حيث هو فرد، ومن حيث عضو في جماعة، ومن حيث هو بشر من دم ولحم، وله نوازعه وشهواته ودوافعه الغريزية، ومن حيث هو إنسان له عقله، وإرادته وقدرته على الخير والشر. فهدف التربية الإسلامية يربي كل هذه النوازع والدوافع، والفطرة ويوجهها كلها نحو مثلها الأعلى، نحو عبادة الله الذي خلق الإنسان، وإليه مرجعه ومآله. ٦- وهو هدف خصب تتولد عنه الثمرات الطيبة وليس عقيما؛ لأنه لا يجافي الفطرة، ولا يصد طاقات الإنسان بل يحرضها على الإنتاج الخير، ويدفعها إليه دفعا، ويستوفي منها كل خير تستطيع تقديمه للفرد، والجماعة والإنسانية. ٧- وهو هدف واضح يفهمه ويعقله جميع البشر؛ لأنه مناسب للفطرة النفسية والعقلية، يعتمد على الإحساس والوعي، يقبله المربي والطالب جميعًا. ٨- وهو هدف يؤدي إلى التوازن والتوافق، وعدم التعارض بين جوانب الحياة والنفس، بل يوفق بينها جميعا في غاية واحدة مثمرة ذات فروع تضم هذه الجوانب كلها. ٩- وهو هدف واقعي ميسر التطيبق يؤثر في سلوك جميع الناس بمختلف ثقافاتهم وأعمارهم. ١٠- وهو هدف مرن يستطيع مسايرة الظروف، والأحوال على اختلافها، كما أنه يساير الإنسان في مختلف العصور، والأقطار مهما تعددت سبل عيشه، وأساليب حياته من تجارة وزراعة وصناعة. وهذه أهم شروط الهدف التربوي قد استوفتها غاية التربية الإسلامية، فكانت نواة لخصائص هذه التربية ومميزاتها، امتازت بها على التربيات الأخرى.

стр. 100

سابعًا: أهمية التربية الدينية "بمعناها الخاص" في تحقيق هدف التربية الإسلامية يقصد بالتربية الدينية في المناهج المدرسية، ما يدرس في مختلف المراحل الدراسية من قرآن، وتوحيد وحديث وفقه وتفسير، وثقافة إسلامية، وسيرة نبوية. وقد وضعت هذه المواد لتكمل تربية الناشئ على الإسلام من جميع جوانبه النفسية، والاجتماعية والروحية، والسلوكية والعقلية، وعلى تحقيق العبودية لله ﷻ بكل ما في هذه الغاية من معنى ومدلول، وبكل ما تؤدي إليه من نتائج في الحياة، والعقيدة والعقل، والتفكير. ١- فالتربية بالقرآن: غايتها القريبة إتقان تلاوته، وحسن فهمه، وتطبيق تعاليمه، وهذا فيه كل العبودية والطاعة لله، والاهتداء بكلامه، والخوف منه وتنفيذ أوامره، والخشوع له. أي أن دروس القرآن لو حققت غاياتها لكانت من أفضل الوسائل لتحقيق الهدف الأسمى للتربية الإسلامية، والأثر التربوي لجميع أسس هذه التربية كما أوضحناها. ٢- التربية باتباع الرسول: ومن تمام العبودية لله، اتباع رسوله، والقيام بالعبادات والمعاملات وكل شئون الحياة على هدي هذا الرسول الذي أرسله ربه ليطاع بإذن الله، فدروس الحديث والسيرة، غايتها اتباع الرسول ﷺ ؛ لأنه مبلغ عن ربه؛ ولأنه مبين القرآن ولتفاصيل شريعة الله ، وهكذا لا يتم تحقيق العبودية، والخضوع لله إلا إذا أخذنا بهدي محمد رسول الله ﷺ في كل عبادة، وفي كل طاعة من الطاعات، وفي كل شأن من شئون الحياة. وهذا ما يجب أن يتم في دروس الحديث والسيرة. ٣- تربية الإيمان في دروس التوحيد: الإيمان يزيد بالطاعة، وبقراءة القرآن، وبتأمل آثار رحمة الله في الكون، وأساس الإيمان فهم أركانه، ووعي معانيه، والتصديق بها، واليقين الذي تنتج عنه راحة النفس، واستقامة السلوك، على أساس ما صدقه القلب، من معاني الإيمان. وتربية الإيمان تبدأ من توضيح الهدف الأسمى للتربية الإسلامية أي من توضيح

стр. 101

معنى الألوهية، والربوبية، ومعنى عبودية الإنسان لله وحده، وما هي الصفات الإلهية التي لا يجوز إسنادها لغير الله. فتربية العقدية الإسلامية في دروس التوحيد، هي التي تعرف الناشئ بالهدف الأسمى، والغاية النهائية للتربية الإسلامية، وهي إخلاص العبودية لله وحده، وتعرفه بكل مقاصد العبادة والسلوك في الحياة، المقاصد التي تؤدي بدورها إلى تلك الغاية النهائية، وتعرفه بما يجب أن يحذره من كل مظاهر الشرك وعقائده، تلك المزالق التي تغير الهدف الأسمى للتربية الإسلامية، أو تسبب التباسها، أو الانحراف في فهمها، أو تطبيقها. وهذا الجانب الاعتقادي من دروس الدين الإسلامي، هو أهم وأول ما يجب الاهتمام به، على أن تكون ثمراته، ونتائج فهمه مطبقة على جميع الدروس؛ فيعرف الناشئ أنه يتعلم القرآن ويعظمه؛ لأنه كلام الله، ووسيلة لمناجاته ومعرفته، والخضوع له وتحقيق أوامره. ونبين له، كما أشرنا، أنه يتبع الرسول؛ لأن الله أمرنا باتباعه. ٤- تربية السلوك الإسلامي الفردي، والاجتماعي في دروس الفقه: أما دروس الفقه فهي، كما أوضحنا، عندما عرضنا الأسس التشريعية للتربية الإسلامية قواعد تفصيلية، مستقاة من القرآن والسنة، لبيان أساليب العبادة والسلوك التي يرضاها الله، في جميع شئون الحياة، ولبيان نظم العلاقات الاجتماعية، كما يأمرنا الله أن يحققها في كل اتصالاتنا بالآخرين. فيجب ربطها دائما بهدفها الأسمى، طاعة الله، والاهتداء بهدي رسوله، وتحقيق الخضوع والعبودية لله كما يريد الله، لا أن نجعل الدروس مجرد قواعد ملخصة تحفظ لمجرد الحفظ، أو للعلم بها وإفتاء الناس. ٥- وأما دروس الثقافة الإسلامية: فهي استعراض مشكلات أثارتها التربية الغربية، والثقافات غير الإسلامية، لتشويه العقيدة الإسلامية، أو العمل على انحرافها في نفوس الناشئين، أو التشكيك بها أو الابتعاد والعزوف عنها، وهذه المشكلات والأفكار الوثنية، الكافرة بالله، تعرض في ثياب براقة تموه حقيقتها، فتدعي تارة

стр. 102

ابتغاء العلم، وهي تبتغي عبادة الطبيعة، ونسبة سنن الكون إلى قوى طبيعية، وتارة تدعي الفن، وهي تريد إثارة الغرائز، واتباع الشهوات اتباعا يخرجها عن فطرتها إلى الإضرار بالجسم والمجتمع. وتارة تدعي العدالة الاجتماعية، وهي تريد تحكيم الشيطان، وأتباعه من الظلام، في رقاب العباد وأموالهم وأقواتهم، حتى يصبح الناس عبيدًا لطواغيت من البشر، يخشونهم كخشية الله، وتارة.. وتارة ... إلخ. فدروس الثقافة الإسلامية هي التي تبين زيف هذه الدعوات الكافرة، وترجع الناشئ مطمئنا مقتنعا راغبا إلى عباة الله وحده، وتوحيده والشعور بعظمة شريعته، وعدالتها الحقيقية التي لا عدالة بدونها، ولا سعادة بغير اتباعها. وهكذا نرى أن جميع جوانب التربية الإسلامية بمعناها المدرسي الخاص يجب أن تعمل على تحقيق الغاية النهائية للتربية الإسلامية بمعناها التربوي العام، الذي يهدف إلى إنشاء جيل مسلم، يحقق العبودية لله. وهي "بمعناها الخاص" تشكل الأساس الذي تبنى عليه تربية حياة الناشئ المسلم من كل جوانبها؛ لأنها تنمي عنده الحد الأدنى من التصورات العقلية للإسلام عن الكون والحياة، ومن العادات السلوكية، والعواطف الإسلامية الربانية، وعقيدة التوحيد، وقواعد الشريعة، وكلام الرسول ﷺ . وعلى هذا الأساس، ومن هذا المنطلق يبني المسلم حياته كلها سواء الفكرية، أم النفسية أم العاطفية أم الاجتماعية. فهي بهذا تتوج الإنجاز التربوي الذي تقوم به المدرسة، أي توجهه وتهيمن عليه، وتجعله يحقق غرضه الأسمى، في جميع مظاهر الحياة المدرسية، في النشاط والعلم والسلوك والأخلاق، ليوجه الشباب إلى تحقيق هدفهم الأسمى من وراء الحياة المدرسية. والهدف الجامع لكل جوانب التربية هو هداية الكائن الإنساني إلى الدين الحق، دين التوحيد، وإلى اعتناقه والاهتداء بأحكامه، وإخلاص العبودية لله.

стр. 103

الفصل الخامس: وسائط التربية الإسلامية أولًا: المسجد وأثره التربوي ... الفصل الخامس: وسائط التربية الإسلامية تمهيد: لكل مشروع أو إنجاز يراد تحقيقه، وسائل تناسبه وتحقق هدفه، فإنشاء عمارة كبيرة يحتاج إلى آليات، ومهندسين ومواد أولية وعمال، وكذلك التربية، إنها مشروع يهدف إلى توجيه الجيل، وتعهد نموه لتحقيق هدف الأمة الأسمى، الهدف الذي دعانا الله إليه، لنكون خير أمة أخرجت للناس. وللتربية وسائل مادية أو بشرية ذات أثر معنوي عظيم، كالمسجد، والمربي، والأسرة، والمدرسة، وسنطلق عليها اسم "وسائط"، وهناك وسائل معنوية، نفسية كالاعتماد على القصة، أو الحوار، أو الإيماء، أو الجدل بالتي هي أحسن، أو التمثل بالأشياء الحسية، أو الاقتداء. وهذه الوسائل المعنوية يطلق عليها اسم أساليب أو وسائل. وسنعرض في هذ الفصل: وسائط التربية الإسلامية بشيء من التفصيل، لما لها من أثر في تحقيق هدف التربية الإسلامية. أولا: المسجد وأثره التربوي ١- تمهيد في وظائف المسجد: كان أول عمل قام به رسول الله ﷺ عندما وصل المدينة بناء المسجد؛ لأن المسجد هو الذي يضم شتات المسملين، يجمعون فيه أمرهم، ويتشاورون لتحقيق أهدافهم، ودرء المفاسد عنهم، والتعاون لمجابهة المشكلات، وصد العدوان عن عقيدتهم، وعن أنفسهم، وأموالهم، بل هو المعقل الذي يلجئون فيه إلى بارئهم، يستمدون منه السكينة والقوة والعون، ويعمرون قلوبهم بشحنة جديدة من الطاقات الروحية، بها يمنحهم الله صبرا وبأسا، وإقداما ووعيا وتبصرا ورباطة جأش، وبعد نظر، وتفاؤلا ونشاطا.

стр. 104

٢- الوظيفة التربوية للمسجد: كانت للمسجد في صدر الإسلام وظائف جليلة أهمل المسلمون اليوم عددًا منها، فقد كان منطلقا للجيوش وحركات التحرير، تحرير الأمم والشعوب من العبودية للبشر، والأوثان والطواغيت، ليتشرفوا بعبوديتهم لله وحده، وكان المسجد مركزًا تربويًّا، يربي في الناس على الفضيلة، وحب العلم، وعلى الوعي الاجتماعي، ومعرفة حقوقهم وواجباتهم في الدولة الإسلامية، التي أقيمت لتحقيق طاعة الله وشريعته، وعدالته ورحمته بين البشر، فكان أن انطلق تعليم القراءة والكتابة، أي البدء بمحو الأمية من مسجد رسول الله ﷺ ، وكان المسجد مصدر إشعاع خلقي، يتشبع فيه المسلمون بفضائل الأخلاق، وكريم الشمائل. وبقي الأمر على هذا بين مد وجزر، تطغى الأغراض الدنيوية حينا على بعض المنظمين لرواد المساجد ممن كانوا يسمون علماء، فتنقلب حلقاته إلى موارد للرزق، ومعاقل للتعصب المذهبي، أو الطائفي أو الشخصي!! ٣- الوظيفة الاجتماعية للمسجد: حين تعصف بالمسلمين نكبة أو نازلة، يعتصمون ببيوت الله ليرفعوا راية الإسلام، وليجتمعوا على إعلاء كلمة الله كما حدث عند الغزو الصليبي الأول، وكما حدث في معظم الحركات التحررية ضد الغزو الصليبي الأول، وكما حدث في معظم الحركات التحررية ضد الغزو الصليبي اليهودي الثاني، أي ضد المستعمرين الذين وطئت جيوشهم منذ قرن، أو أكثر معظم البلاد الإسلامية، فقد انطلقت الثورة السورية من عدد من أكبر مساجد المدن السورية، وانطلقت ثورة الجزائر من الكتاتيب، والمدارس الإسلامية في المساجد، وكذلك حركات التحرر الإسلامي في الباكستان، وأفغانستان وغيرهما. وهكذا يتربى الناشئ في المسجد في ظل مجتمع إسلامي ناهض راق، ينظم شئونه على أساس الشورى، ويتفقد مرضاة فيعودهم، وفقراءه المعوزين فيعطيهم مما أعطاه الله، وتنعقد أواصر المحبة بين القلوب، فيغدو مجتمعا قويا متماسكا يساهم في تربية الجيل، ونهضته وإنعاشه. ٤- أثر المسجد التربوي، والاجتماعي في حياة الأمة: عندما يأخذ المسجد مكانه الطبيعي الذي بني من أجله، وأراده الله له، يصبح من

стр. 105

أعظم المؤثرات التربوية في نفوس الناشئين، فيه يرون الراشدين مجتمعين على الله، فينمو في نفوسهم الشعور بالمجتمع المسلم، والاعتزاز بالجماعة الإسلامية، وفيه يسمعون الخطب والدروس العلمية، فيبدءون بوعي العقيدة الإسلامية، وفهم هدفهم من الحياة، وما أعدهم الله له في الدنيا والآخرة. وفيه يتعلمون القرآن ويرتلونه، فيجمعون بين النمو الفكري، والحضاري بتعلم القرآءة، ودستور المجتمع الإسلامي، والنمو الروحي وهو الارتباط بخالقهم. وفيه يتعلمون الحديث والفقه، وكل ما يحتاجون من نظم الحياة الاجتماعية كما أراد الله أن ينظمها للإنسان، ومن هداية الله وسنة رسوله. ومن العلوم المتممة لذلك كاللغة والتاريخ الإسلامي وغيرها، ولكن ما يدعو المسلمين إلى المسجد هو الالتقاء على طاعة الله، فشعار الاجتماع في المسجد لأمر طارئ، أن ينادي مناد في أسواق المسلمين، ومآذن مساجدهم "الصلاة جامعة"، فإذا اجتمعوا كان أول عملهم أن ينتظموا صفوفًا ويصلوا ركعتين، ثم يتداولون أمرهم، هذا إذا اضطروا للاجتماع في وقت لا تحين فيه صلاة مفروضة، وفي الحالات غير الاضطرارية ينتظرون وقت الصلاة المفروضة، فلا يبرمون أمرا إلا بعد اجتماعهم على صلاة. فالمسجد على هذا يعلم الناشئين أن كل أمور الحياة تابعة للارتباط بالله، وصادرة عن هدف التربية الإسلامية الشامل الذي هو إخلاص العبودية لله، وينغرس هذا المعنى في نفس الناشئ عفوا من غير قصد ولا تكلف. وقد بقي تعلم القرآن في الكتاتيب والمساجد، إلى عهد قريب، وسيلة لتعلم القراءة والكتابة، فكان الأطفال، قبل انتشار المدارس الحديثة، يتقنون قراءة القرآن، فيتعلمون القراءة على أسلوب الطريقة الجملية، أي أنهم يتقنون التعرف إلى صورة الكلمات المكتوبة مقترنة بألفاظها المنطوقة. وكان الأطفال، بعد هذه القراءة الأولى، يكتبون القسم الذي قرءوه، على ألواح خشبية، يحاكون رسمه في المصحف، وكلما كتبوا جزءا يناسب مقدرتهم، عادوا فأتقنوا تلاوته، ثم ينتقلون إلى غيره، وهكذا حتى يتموا جميع القرآن، ثم ينتقى منهم المتفوقون ليحفظوا القرآن على ظهر قلب، كما حدثني أهل العلم ممن أدركوا هذا العهد "كالشيخ ناصر حمد الراشد مدير تعليم البنات في المملكة العربية السعودية".

стр. 106

ثانيا: الأسرة المسلمة، ومهمتها التربوية يتلقى المسجد الناشئين بعد أن ترعرعوا بين أحضان الأبوين، فالأسرة المسلمة هي المعقل الأول، الذي ينشأ فيه الطفل، في جو التربية الإسلامية. وعندما نقول: "الأسرة المسلمة"، فمن البديهي أننا نعني الأسرة التي التقى ركناها على تحقيق الهدف الذي شرع من أجله تكوين الأسرة، ولو تأملنا بعض آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ في هذا الموضوع لوجدنا أن أهم أهداف تكوين الأسرة هو: ١- إقامة حدود الله: أي تحقق شرع الله ومرضاته في كل شئونهما، وعلاقاتهما الزوجية، وهذا معناه إقامة البيت المسلم الذي يبني حياته على تحقيق عبادة الله، أي على تحقيق الهدف الأسمى للتربية الإسلامية. وقد ورد تعليل إباحة الطلاق حين تطلبه المرأة، بالخوف من عدم إقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٢٩] . كما أنه سبحانه علل إباحة الرجوع إلى الزوج بعد أن تتزوج المرأة زوجا غيره، علل ذلك بتوقع إقامة حدود الله، أي إقامة الحياة الزوجية على تقوى من الله، كالتعفف، وحسن المعشر وغض البصرن قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣٠] . ٢- الأثر التربوي لتحقيق هذا الهدف: وهكذا ينشأ الطفل ويترعرع في بيت أقيم على تقوى من الله، ورغبة في إقامة حدود الله، وتحكيم شريعته، فيتعلم، بل يقتدي، بذلك من غير كبير جهد أو عناه، إذ يمتص عادات أبويه بالتقليد، ويقتنع بعقيدتهما الإسلامية حين يصبح واعيًا.

стр. 107

٣- تحقيق السكون النفسي والطمأنينة: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ٧/ ١٨٩] . وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٠/ ٢١] ، فإذا اجتمع الزوجان على أساس من الرحمة، والاطمئنان النفسي المتبادل، فحينئذ يتربى الناشئ في جو سعيد يهبه الثقة، والاطمئنان والعطف والمودة، بعيدا عن القلق وعن العقد، والأمراض النفسية التي تضعف شخصيته. ٤- تحقيق أمر رسول الله ﷺ بإنجاب النسل المؤمن الصالح: ليباهي بنا الأمم يوم القيامة، وهو قوله ﷺ : "تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة". وهذا دليل واضح على أن البيت المسلم يجب عليه أن يربي أبناءه تربية تحقق هدف الإسلام، وأركان الإيمان في نفوسهم وسلوكهم؛ لأن المباهاة إنما تكون بكثرة النسل الصالح. فعلى الأبوين تقع مسئولية تربية الأبناء، ووقايتهم من الخسران والشر والنار، التي تنتظر كل إنسان لا يؤمن بالله، أو يتبع غير سبيل المؤمنين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦٦/ ٦] ، وجاء لفظ: ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ بالجمع ليشمل الزوجة والولد. وهذا المسئولية تزداد أهمية في أيامنا؛ لأن بعض عناصر الحياة الاجتماعية، خارج الأسرة والمسجد، ليست في كل الأحيان موافقة لهدف التربية الإسلامية، كالمذياع والتلفاز، وبعض المجلات الخليعة، والقصص الماجنة التي تتسرب إلى أيدي الأطفال، فإذا لم يبق الأبوان يقظين حذرين، لم يستطيعا إنقاذ أبنائهما من اجتيال الشياطين، شياطين الإنس والجن. ٥- إرواء الحاجة إلى المحبة عند الأطفال: الرحمة بالأولاد من أهم الغرائز التي فطر عليها الإنسان، والحيوان وجعلها الله أساسا من أسس الحياة النفسية، والاجتماعية والطبيعية لكثير من الكائنات الحية.

стр. 108

وتتحمل الأسرة، وقوامها الأبوان، مسئولية رحمة الأولاد، ومحبتهم والعطف عليهم؛ لأن هذا من أهم أسس نشأتهم ومقومات نموهم النفسي والاجتماعي، نموا قويما سويا. فإذا لم تتحقق المحبة للأولاد بالشكل الكافي المتزن، نشأ الطفل منحرفا في مجتمعه، لا يحس التآلف مع الآخرين، ولا يستطيع التعاون أو تقديم الخدمات والتضحيات، وقد يكبر فلا يستطيع أن يكون أبا رحيما، أو زوجا متزنا حسن المعشر، ولا جارا مستقيما لا يؤذي جيرانه، وهكذا دواليك. لذلك ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلا أعلى في محبة الأطفال ورحمتهم، والصبر على مداعبتهم، وهذه بعض الأدلة من حياته ﷺ : روى البخاري في صحيحه بسنده إلى أن قال: حدثنا أبو قتادة قال: "خرج علينا النبي ﷺ ، وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصل فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها"١، وروي أن أبا هريرة ﵁ قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: "إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا"، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم" ٢. وعن عائشة ﵂ قالت: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: "تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم"، فقال النبي ﷺ : "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ " ٣، وكان رسول الله ﷺ يأخذ أسامة بن زيد فيقعده على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني أرحمهما" ٤. النتائج التربوية: أ- تدل هذه الأحاديث على تعنيف رسول الله ﷺ لكل أبوين لا يقبلان أولادهما ولا يرحمانهم، ولا يعطفان عليهم، وقد اتهمهم رسول الله ﷺ بانتزاع الرحمة من قلوبهم، كما هددهم بألا يرحمهم الله يوم القيامة: "من لا يَرحم لا يُرحم".

стр. 109

ب- وأن رسول الله ﷺ لم يكن يفرق في ذلك بين الأطفال الذكور والإناث، فقد رأينا في رواية أبي قتادة كيف حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت الحارث، وهو في الصلاة يرفعها على عاتقه إذا وقف، ويضعها إذا ركع. ج- وأن الرسول ﷺ لم يكن أيضا يفرق بين ابن متبناه "أسامة بن زيد"، وبين حفيده من صلبه "الحسن بن علي"، وكان يضع كل واحد منهما على فخذ من فخذيه ويضمها، وهذا يشمل الأيتام، والذي مرضت أمهاتهم، أو غاب آباؤهم في الجهاد أو السفر، إلخ.. د- وإذا عرفنا أن هذه الحادثة من رواية أسامة بن زيد بن حارثة يتكلم عن نفسه أدركنا أنه كان مميزًا، حين كان الرسول ﷺ يقعده على فخذه. فدل ذلك على أن العطف على الأطفال لا يقتصر على الرضع بل يشمل من هو أكبر من ذلك؛ لأن حاجتهم إلى العطف لا تقتصر على سن معينة من طفولتهم، بل تشمل معظم مراحل الطفولة. وقد جاءت التجارب العلمية مؤيدة هذا المبدأ التربوي النبوي، فقد ثبت أن الطفل الرضيع لا ينمو على الغذاء فحسب، بل على عطف الأم الذي لا يقل أهمية عن الغذاء بل هو أهم منه تربية شخصية الناشئ، وأن قوام الأسرة هو الحب المتبادل، حتى إذا شب الطفل، استطاع نقل هذا الحب معه إلى خارج الأسرة، إلى المجتمع الإسلامي، فيتراحم المسلمون، ويتحاب أفراد المجتمع. ٦- صورة فطرة الطفل عن الزلل والانحراف: اعتبر الإسلام لأسرة مسئولة عن فطرة الطفل، اعتبر كل انحراف يصيبها مصدره الأول الابوان، أو من يقوم مقامهما من المربين. ذلك أن الطفل يولد صافي السريرة، سليم الفطرة، وفي هذا المعنى يقول الرسول ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ".

стр. 110

ثم يقول أبو هريرة ﵁: "فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم" ١. وقد فهم الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ أن الفطرة هي استعداد المولود للدين القيم، دين التوحيد، وأن سنة الله لا تتغير في جميع المواليد البشرية، فساق الآية لإيضاح معنى الحديث. التطبيق التربوي: لذلك كان من واجب الأبوين والمربين: أ- تعويد الطفل على تذكر عظمة الله ونعمه، والاستدلال على توحيده، من آثار قدرته، وتفسير مظاهر الكون من برد وحر وليل ونهار، وزلزال وإعصار ونحو ذلك، تفسيرًا يحقق هذا الغرض، لإبقاء فطرة الطفل على صفائها، واستعدادها لتوحيد الله وتمجيده. ب- إظهار الاستياء من انحرافات الضالين، والمغضوب عليهم والمشركين ومن تبعهم أمام الناشئ، مما يبدو في أفلامهم، وأخبارهم، ومظاهر حياتهم التي تسربت إلى وسائل إعلامنا، من ظلم واستهتار، وترف وانهيار، والإيحاء إليه بنتائجها الوخيمة من طريق القصة، أو الحوار أو القدوة مما سنبسطه من أساليب التربية الإسلامية إن شاء الله، وبهذا يبعد الطفل عما أشار إليه الحديث النبوي من التهويد، أو التنصير أو التمجيس، وليس الحديث محصورًا في اليهود والنصارى والمجوس بأعيانهم، بل إن كل أبوين مسلمين، يقلدان اليهود والنصارى في ضلالاتهم وأمور حياتهم، بما ينافي الآداب الإسلامية، مسئولون عن انحراف أطفالهم عن الفطرة نتيجة لتقليد آبائهم، أو؛ لأن آباءهم عرضوهم لأسباب الانحراف: كالرائي والصحف المنحرفة والقصص، والمجلات التي تحبب إليهم ضلالات أولئك المنحرفين.
следующие страницы →