مقدمات
ملابسات هذا البحث
...
بسم الله الرحم الرحيم
تقديم:
ظهر هذا الكتاب أول مرة سنة ١٩٧٣ ضمن مطبوعات الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم أعادت الهيئة طبعة سنة ١٩٧٩, ولقد قلت في التقديم لهذا الكتاب: "ولو أنّ جمهور الدارسين أعطى هذا الكتاب ما يسعى إليه من إثارة الاهتمام, فإنه ينبغي لهذا الكتاب أن يبدأ عهدًا جديدًا في فهم العربية الفصحى -مبناها ومعناها, وأن يساعد على حسن الانتفاع بها لهذا الجيل وما بعده من أجيال". وظل القراء أعوامًا طوالًا لا يجيبون هذه الدعوة حتى رأيناهم فجأة يتناولون الكتاب بالنقد مدحًا وقدحًا, فكنت سعيدًا بالأمرين على السواء:
١- فقد تناوله الأستاذ عبد الوارث مبروك سعيد في كتابه: "في إصلاح النحو العربي" مشيرًا به من صفحة ١٧٥ إلى ١٨٤.
٢- وتناوله الدكتور حلمي خليل في كتابه: "العربية وعلم اللغة البنيوي" ناقدًا وموضحًا أهمية الكتاب, ومظهرًا اعتراضه على بعض ما جاء به.
٣- وخصصت له مقالات في عدد من المجلات العلمية في العالم العربي مثل:
أ- حوليات الجامعة التونسية - العدد السابع عشر ١٩٧٩.
ب- حوليات الجامعة التونسية - العدد الخامس والعشرون ١٩٨٦.
جـ- مجلة "عالم الكتب" - السعودية - العدد الثالث سبتمبر ١٩٨٦.
د- مجلة مجمع اللغة العربية الأردني - العدد ٣٦ - كانون الثاني ١٩٨٩.
٤- وثلبه أحد القراء في مقال له عنوانه: "مزاعم لتجديد في النحو العربي" بمجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات, التابعة لجامعة الأزهر بالمنصورة - العدد الأول ١٩٨٨.
стр. 2
كل ذلك وغيره كان إجابة لرغبتي السابقة أن يثير هذا الكتاب اهتمام القراء خدمة للغة العربية واهتمامًا بها, ومن هنا كان سروري بمن مدح ومن ثلب.
والآن نظهر الطبعة الثالثة ضمن منشورات عالم الكتب, برغبة كريمة من صاحب هذه المؤسسة الناجحة الأستاذ أشرف يوسف عبد الرحمن, ولقد كان لهذه المؤسسة من قبل فضل إظهار كتابي "البيان في روائع القران", و"النص والخطاب والإجراء" الذي تَمَّت ترجمته أخيرًا عن اللغة الإنجليزية. والآن أتقدم بهذه الطبعة الجديدة لكتاب "اللغة العربية - معناها ومبناها" إلى القارئ العربي الكريم, وأرجو أن يصادف عنده القبول كما صادفه من قبل.
стр. 3
تقديم:
هذا البحث نتاج زمن طويل من إعمال الفكرة ومحاولة إخراجها في صورة مقبولة، فأول عهدي بفكرة هذا البحث ما كان من ورودها على الخاطر سنة ١٩٥٥, عند ظهور كتابي "مناهج البحث في اللغة", فقد جاء ذلك الكتاب في حينه ليقدِّم إلى القارئ العربي ما اصطنعه الغربيون من منهج وصفي، وليعرض هذا المنهج عرضًا مفصَّلًا, آخذًا أمثلته ووسائل إيضاحه من الفصحى حينًا, ومن العاميات حينًا, ومن لغات أجنبية ثالثًا، فلم يكن بحثًا خالصًا للفصحى بقدر ما كان عرضًا للمنهج الوصفي، ولكنه مسَّ موضوع هذا الكتاب مسًّا خفيفًا على أي حال، وحين كنت أتولى تدريس علم الأصوات اللغوية لطلبة السنة الثانية بكلية دار العلوم بالقاهرة -فيما بين عامي ١٩٥٣ و١٩٥٩- كان الاتجاه العام بين أساتذة الكلية في ذلك الحين هو إلى التشكيك في قيمة الدراسات اللغوية الحديثة, ولا سيما عند تطبيق منهجها وأفكارها على دراسة اللغة الفصحى، وكان هؤلاء يرون أن المنهج الوصفي إن صادف أيّ قدر من القبول في نفوسهم, فماكان لهذا القبول أن يتعدى تطبيق هذا المنهج على اللهجات العامية، أما الفصحى فهيهات! لأن الأول ما ترك للآخر شيئًا, حتى إن النحو قد نضج حتى احترق، لهذا كله كنت أقدم لدراسة الأصوات اللغوية كل عام بموضوع يمتّ إلى هذا البحث بأوثق صلة يستغرق محاضرتين, جعلت عنوانه: "تشقيق المعنى", وكنت أبيِّن في تدريس هذا الموضوع ما تتطلبه الفصحى من إعادة النظر في منهجها وطريقة تناولها، وفي سنة ١٩٥٩ تحولت عن قسم الدراسات اللغوية بكلية دار العلوم ", وهو القسم الذي يعنى أساسًا بالمناهج الحديثة في دراسة اللغة" إلى قسم النحو والصرف والعروض
стр. 4
وهو المقابل التقليدي للقسم السابق الذكر، وكان من بين الدهاقين الذين يعيبون هذا الجديد كبار رجال هذا القسم، ولقد أشفقت أول الأمر على ما يدور في رأسي من أفكار المنهج الوصفي أن تهب عليها رياح اللوائح والسلطة الرسمية ومطالب تنشئة الطلاب في النحو العربي التقليدي تنشئة تؤهلهم بعد قليل لأن يعلِّموا هذا النحو في مدارس الدولة على الطريقة التي ألفتها هذه المدارس منذ نشأت في ظل التقاليد. من هنا آثرت أن أبتعد بأفكار المنهج الوصفي عن طلبة السنوات الأربع التي تنتهي بالدرجة الجامعية الأولى، ولكنني أكدت وجود هذه الأفكار وأصررت عليها بالنسبة لطلبة الدراسات العليا, فلم أقبل الإشراف على طالب من هؤلاء يسعى مثلًا إلى كتابة ترجمة لنحوي, أو تحقيق كتاب أو بحث لا يتناول فكرة منهجية نقدية ترمي إلى تطعيم أفكار النحاة القدماء بأفكار المنهج الوصفي الحديث. وهكذا وردت أفكار هذا البحث مع كل رسالة علمية أشرفت عليها, وكان من بينها العناوين الآتية:
ابن مضاء ومنهج النحاة القدماء في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة "ماجستير".
اسم الفاعل بين الاسمية والفعلية "ماجستير".
الصواب والخطأ عند النحاة الأقدمين في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة "دكتوراه".
وسائل أمن اللبس في النحو العربي "دكتوراه".
الزمن في النحو العربي "ماجستير".
الوحدات الصرفية ودورها في تكوين الكلمة العربية "ماجستير".
تقسيم الكلام العربي "دكتوراه".
وفي سنتي ١٩٦٥ و١٩٦٦ تقدَّمت على الترتيب ببحثين إلى الندوة التي يقيمها الأساتذة في دار العلوم يناقشون بها بحوثًا يتقدَّم بها أفراد منهم, وكان موضوع البحث الأول: "نقد منهج النحاة العرب", وموضوع البحث الثاني: "أمن اللبس ووسائل الوصول إليه في اللغة العربية", فكان في هذين البحثين عود إلى موضوع هذا الكتاب في ذلك الوقت، ثم دعاني الصديق الكريم الأستاذ محمد خلف الله أحمد عميد معهد الدراسات العربية, التابع لجامعة الدول العربية إلى تدريس موضوع خاص لطلبة هذا المعهد, فاخترت لذلك "مشكلة المعنى", وعدت بذلك إلى موضوع هذا الكتاب, ثم جرت إعارتي في ١٩٦٧ إلى قسم اللغة العربية بجامعة الخرطوم, فقمت بتدريس بعض ما يشتمل عليه هذا البحث من موضوعات لطلبة الدراسات العليا بالقسم.
стр. 5
وهكذا تعددت روافد هذا البحث, وطال الأمد على إعداده حتى قُدِّرَ له آخر الأمر أن يدوّن ويُعَدّ للطبع وأنا لا أزال معارًا لقسم اللغة العربية بجامعة الخرطوم.
ومجال هذا البحث هو اللغة العربية الفصحى بفروع دراستها المختلفة، فليس هذا الكتاب كَتْبًا في فرعٍ معينٍ من فروع هذه الدراسات, ولكنه يجول فيها, ويأخذ من كل فرع منها ما يراه بحاجة إلى معاودة العلاج على طريقة تختلف اختلافًا عظيمًا أو يسيرًا عن الطريقة التي ارتضاها القدماء, ثم ينتهي أخيرًا إلى نتيجة مختلفة أيضًا. وإذا كان مجال هذا الكتاب هو الفروع المختلفة لدراسة اللغة العربية الفصحى, فلا بُدَّ أن يكون المعنى هو الموضوع الأخص لهذا الكتاب؛ لأن كل دراسة لغوية -لا في الفصحى فقط, بل في كل لغة من لغات العالم- لا بُدَّ أن يكون موضوعها الأول والأخير هو المعنى وكيفية ارتباطه بأشكال التعبير المختلفة، فالارتباط بين الشكل والوظيفة هو اللغة وهو العرف وهو صلة المبنى بالمعنى. وهذا النوع من النظر إلى المشكلة يمتد من الأصوات إلى الصرف إلى النحو إلى المعجم إلى الدلالة, ويتم ذلك أحيانًا بإطراء القديم والإشادة به، وأحيانًا أخرى باستبعاده والاستبدال به, وأحيانًا بالكشف عن الجديد الذي لم يشر إليه القدماء مع وضوحه أمام أنظارهم، وأحيانًا نجمع الظواهر المتفرقة المترابطة التي لم يعن القدماء بجمعها في نظام واحد. كل أولئك هو مجال هذا البحث, ومن ثَمَّ تصبح اللغة العربية كلها مجالًا له, ويصبح على ضآلة حجمه قد جعل كل تفكير لغوي سبقه في متناول نقده، إما على صورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذه العبارة الأخيرة ربما صلحت لأن تكون تلخيصًا لأبعاد هذا البحث من وجهة النظر السلبية، أما إيجابًا فقد كشف هذا الكتاب عن أنظمة اللغة العربية, ووضَعَها لأول مرة في مقابل مشاكل التطبيق، ففسر بهذه الطريقة بعض ما كان يعتبر من ظواهر الشذوذ في التركيب اللغوي, وربط هذه الظواهر بالواقع، وأضاف إليها غيرها مما لم يدرس من قبل، وبيّن ارتباط هذه الظواهر بالمعنى على مستوياته المختلفة. فلقد بيَّنَ هذا الكتاب كيف ينبني كل نظام من أنظمة اللغة العربية على طائفة من المقابلات, أي: أنواع التخالف, أي: القيم
стр. 6
الخلافية, وهي قيم عدمية شكلية ووظيفية, إن صحَّ أن يقوم عليها نظام ساكن صامت لم يصح أن يقوم عليها سياق متحرك منطوق, وهذا التقابل بين النظام والسياق هو الذي سميته: مشاكل التطبيق, أي: مشاكل وضع النظام في مجال عمل وحركة مع ما يقود إليه ذلك من تعارض مطالب السكون ومطالب الحركة. ولقد جاءت حلول مشاكل التطبيق على الأنظمة جميعًا في صورة حلول صوتية، وقد سميتها جميعًا ظواهر موقعية, ووضعتها جميعًا في ذيل الأنظمة اللغوية الثلاثة لتوقف المعاني الصرفية والنحوية عليها في الأعم الأغلب. وبيَّن هذا الكتاب النظام الصرفي للغة المبني على قيم خلافية شكلية ووظيفية, ويمكن لهذا النظام كما أمكن للنظام الصوتي من قبله أن يمثَّل في صورة جدول تتشابك فيه العلاقات طولًا وعرضًا, حتى يبدو النظام كلًّا مترابطًا, وفي صورة وحدة عضوية مفردة. ومثل ذلك أمر النظام النحوي للغة كما يمكن أن يرى في موضعه من هذا الكتاب. أما المعجم فهو إن كان جزءًا من اللغة فليس نظامًا, وإنما هو قائمة من الكلمات ذات المعاني المتباينة غير المتقابلة بالضرورة. وأما المعنى الاجتماعي الدلالي فينبئ على فكرة المقام الذي يجري فيه الكلام ويتوقف فهمه عليه, ولا يستغني عن التحليل اللغوي للمقال, أي: الجملة المنطوقة أو المكتوبة. وهذا المقام تحدده التجربة الاجتماعية, وتتعدد المقامات الاجتماعية بحسب إطار الثقافة, ولكن المقامات حتى في هذا الإطار لا تسلك في نظام ثابت لأن الثقافة تتطور.
والغاية التي أسعى وراءها بهذا البحث أن ألقي ضوءًا جديدًا كاشفًا على التراث اللغوي العربي كله, منبعثًا من المنهج الوصفي في دراسة اللغة. وهذا التطبيق الجديد للنظرة الوصفية في هذا الكتاب يعتبر -حتى مع التحلي بما ينبغي لي من التواضع- أجرأ محاولة شاملة لإعادة ترتيب الأفكار اللغوية تجري بعد سيبويه وعبد القاهر. أقول: أجرأ محاولة, لأنني أعرف أنها كذلك, ولا أقول أخطر محاولة؛ لأنني لا أعلم ما يترتّب عليها من آثار, ولو أن جمهور الدارسين أعطى هذا الكتاب ما يسعى إليه من إثارة الاهتمام، فإنه ينبغي لهذا الكتاب أن يبدأ عهدًا جديدًا في فهم العربية الفصحى مبناها ومعناها, وأن يساعد على حسن الانتفاع بها لهذا الجيل وما بعده من أجيال. والله أسأل أن يوفقنا جميعًا إلى سواء السبيل.
стр. 7
مقدمة:
لم يكتب للدراسات اللغوية العربية أن تنمو فيما بعد القرن الخامس الهجري, فلقد كان كل جهد يبذل بعد ذلك القرن, إما في سبيل الشرح, وإما في سبيل التعليق, وإما في سبيل التحقيق والتصويب. أما العمل المبتكر والذهن المبدع فقد قضى عليهما ظهور العنصر التركي على مسرح السياسة, واستبداده بأمر الخلافة, وضيق أفقه في الفكر, وقلة حماسه للعلم, وتلك ظاهرة ظلت تتضح في العالم العربي والإسلامي يومًا بعد آخر, وتستشري باطِّراد حتى انتهت آخر الأمر بما سموه: إقفال باب الاجتهاد. وكان معنى ذلك إضفاء الشرعية على التقليد, والتماس النجاة في ظلّ أعواده اليابسة التي غرسها الشؤم في صحراء الجهل ويبابه، كيف لا ومن قلد عالمًا لقي الله سالمًا! ولم تعد البصرة والكوفة وبغداد ومكة والمدينة والقاهرة ودمشق والقيروان من عواصم الابتكار في الخلافة تنبض بالحياة كما كانت في أيامها الخوالي, حين كان العالم المتحضر في ذلك الوقت يرى في هذه العواصم قبلةً للفكر الخلاق, وكان النحاة واللغويون من بين هؤلاء العلماء أرفعهم صوتًا وأجرأهم عقلًا وآصلهم فكرًا وأثبتهم على الطريق قدمًا.
ولكن الظروف التي دعت إلى نشأة الدراسات اللغوية العربية كانت العامل الرئيسي في تحديد مسار هذه الدراسات وفلسفة منهجها, فلقد نشأت دراسة اللغة العربية الفصحى علاجًا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن, وهي التي سمَّوها "ذيوع اللحن", وعلى الرغم من أن تسمية هذه الظاهرة المذكورة لا تشير إلّا إلى الخطأ في ضبط أواخر الكلمات بعدم إعطائها
стр. 8
العلامات الإعرابية الملائمة, أشعر بميل شديد إلى الزعم بأن الأخطاء اللغوية التي شاعت على ألسنة الموالي, وأصابت عدواها ألسنة بعض العرب, لم تكن مقصورة على هذا النوع من أنواع الأخطاء. فأكبر الظنّ أن هذا الذي سموه لحنًا كان يصدق على أخطاء صوتية؛ كالذي يشير إليه مغزى تسمية اللغة العربية الفصحى "لغة الضاد", ويفصله ما يروى من نوادر الموالي كأبي عطاء السندي١ وسعد الزندخاني٢ وغيرهما. كما كان يصدق على الخطأ الصرفي الذي يتمثل في تحريف بنية الصيغة أو في الإلحاق أو الزيادة، وعلى الخطأ النحوي الذي كان يتعدّى مجال العلامة الإعرابية أحيانًا إلى مجالات الرتبة والمطابقة وغيرهما. وعلى الخطأ المعجمي الذي يبدو في اختيار كلمة أجنبية دون كلمة عربية لها المعنى نفسه, ويصدق على جميع هذه الأنواع من الخطأ أنها أخطاء في المبنى أولًا وأخيرًا, ولو أدت في النهاية إلى خطأ في المعنى لم يكن نتيجة خطأ في القصد.
من هنا اتسمت الدراسات اللغوية العربية بسمة الاتجاه إلى المبنى أساسًا, ولم يكن قصدها إلى المعنى إلّا تبعًا لذلك وعلى استحياء، وحين قامت دراسة "علم المعاني" في مرحلة متأخرة عن ذلك في تاريخ الثقافة العربية, كانت طلائع القول في هذه الدراسة كما كانت في بداية دراسة النحو من قبلها تناولًا للمبنى المستعمل على مستوى الجملة, لكن لا على مستوى الجزء التحليلي كما في الصرف, ولا على مستوى الباب المفرد كما في النحو. ومن هنا رأينا عبد القاهر في دلائل الإعجاز يتكلم في النظم والبناء والترتيب والتعليق, وكلها أمور تتصل بالتراكيب أكثر مما تتصل بالمعاني المفردة. وسنحاول فيما يلي أن ننظر عن كثبٍ في طابع منهج النحاة, وفي طابع منهج البلاغيين, لنرى صلة كلٍّ منهما بالآخر، ثم ننظر من بعد في صلتهما بمنهج المعجميين إجمالًا, لنصل من وراء كل ذلك إلى تقويم الدراسات العربية من حيث صلاحيتها للكشف عن المعنى.
стр. 9
لقد ذكرت من قبل أن الظروف التي دعت إلى نشأة الدراسات اللغوية عند العرب كانت العامل الرئيسي في تحديد مسار هذه الدراسات, ونزيد هنا "أن الغاية التي نشأ النحو العربي من أجلها, وهي ضبط اللغة وإيجاد الأداة التي تعصم اللاحنين من الخطأ، فرضت على هذا النحو أن يتَّسم في جملته بسمة النحو التعليمي لا النحو العلمي, أو بعبارة أخرى: أن يكون في عمومه نحوًا معياريًّا لا نحوًا أو صفيًا, ولعل أحسن تلخيص لموقف النحو العربي من هذه الناحية المعيارية هو قول محمد بن مالك في ألفيته:
فما أبيح أفعل ودع ما لم يبح١
ولقد تعلقت الإباحة وعدمها بقواعد معيارية تفرض نفسها على الاستعمال وعلى المسموع, وكان توصل النحاة إلى هذه القواعد نتيجة نشاط استقرائي تحليلي للغة, سواء في ذلك مفرداتها وتراكيبها, ولكنهم بعد وصولهم إلى ما ارتضوه من قواعد جعلوا هذه القواعد "أحكامًا", فكانت في نظرهم أولى بالاعتبار مما خالفها من المسموع, ومن ثَمَّ أعملوا فيما خالف قواعدهم من النصوص حيل التخريج والتأويل والتعليل, فإذا لم يتأتّ لهم ذلك قالوا في المسموع: "يحفظ ولا يقاس عليه". وهذا موقف من النحاة يفترض في العربي الأول أنه كان على بصر بأقيستهم وعللهم, وقد ورد عن بعض أساطين النحاة ما يؤيد دعوى هذا الافتراض.
والذي يرضاه المنهج الحديث في دراسة اللغة أن يتوافر لموضوع الدراسة الشرطان الآتيان:
١- أن يتناول لهجة واحدة من لهجات لغة ما، فلا يخلط في دراستها بينها وبين لهجة أخرى من اللغة نفسها.
٢- أن يعنى في هذه الدراسة الوصفية بمرحلة زمنية واحدة من مراحل تطور هذه اللهجة.
والغاية التي يسعى الشرط الأول إلى تحقيقها: ألّا يخلط في دراسة المعنى على المستوى التحليلي الوصفي بين لهجة وبين لهجة أخرى؛ لأن كل واحدة
стр. 10
منهما تمثل نظامًا متكاملًا مستقلًّا من أنظمة الرمز العرفي؛ بحيث ترمز كل علامة فيه إلى معنى معين يختلف عمّا في اللهجة الأخرى لسبب بسيط جدًّا, وهو أن العرف ذاته يختلف في أيّ مجتمع عنه في المجتمع الآخر مهما ضيقنا مدلول كلمة "مجتمع", ولا شك أن الخلط بين نظامين عرفيين من أي نوع سيؤدي في النهاية إلى عدم تمييز أي من النظامين، وهل يمكن لامرئ أن يفهم تقاليد مجتمع وقد خلط بينها وبين تقاليد مجتمع آخر؟
وأما الغاية التي يسعى الشرط الثاني إلى تحقيقها: فهي الفصل بين أي طورين مختلفين من أطوار نمو لهجة واحدة بعينها في دراسة يرجى لها أن تكون وصفية لا تاريخية. فدراسة الأطوار المتعاقبة هي دراسة تاريخية, وهي تكون مطلوبة لذاتها عند إرادة دراسة تاريخ تطور اللهجة, ولقد حمدنا لأصحاب تاريخ الأدب أن يقوموا بدراسة تاريخية لنتاج لغوي ما؛ لأن العنصر التاريخي هنا مقصود لذاته. أما الدراسة الوصفية فإنها تتطلّب حالة يزعمها الباحث ثابتة؛ ليكون وصفه إياها مقبولًا من الناحية المنهجية, على الرغم من أن التطور اللغوي لا يشتمل على حالات ثابتة كتلك التي يزعمها الباحث في اللغة على المستوى الوصفي.
والمعروف أن النحاة العرب درسوا لهجات عربية متعددة ليستخرجوا منها نظامًا نحويًّا موحدًا، وأنهم فوق ذلك درسوا هذه اللهجات في أطوار متعددة من نموها، فلم يفطنوا إلى ضرورة الفصل بين مرحلة ومرحلة أخرى من تطور اللغة كما فعل أصحاب تاريخ الأدب بتطور التعبير اللغوي الجميل.
فلقد اعترف مؤرخو الأدب بعصر جاهلي وآخر إسلامي ثم أموي فعباسي وهلم جرّا، ولكن النحاة أخذوا شواهدهم من فترة لغوية دامت أكثر من خمسة قرون كاملة, "والذين عنهم نقلت العربية, وبهم اقتدي, وعنهم أخذ اللسان العربي من قبائل العرب؛ هم قيس وتميم وأسد, فإن هؤلاء الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه, وعليهم اتُّكِلَ في الغريب وفي الإعراب والتعريف, ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين"١.
стр. 11
ومعنى اقتصار النحاة على هذه القبائل دون غيرها, ودون سائرها, أن النحاة وضعوا لأنفسهم معيارًا خاصًّا للانتقاء، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط, ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم"١. ولقد كان لهذا الموقف التلفيقي من قِبَل النحاة أثره في المعنى النحوي والصرفي, سواء ما كان من ذلك متصلًا بالرواية أو بالاستشهاد أو بالسماع والقياس أو بالتمرينات القياسية التي كانت تأخذ صورة تراكيب لم تسمع عن العرب, أو بموقفهم من التصويب والتخطئة٢.
والمعنى التحليلي الوظيفي الذي درسه النحاة وجعلوه حقل تخصصهم ذو ثلاث شعب:
١- الشعبة الأولى: دراسة الأصوات العربية, وقد فصّل النحاة القول في وصف مخارجها وصفاتها فرادى, ثم تناولوا بالدراسة ما رأوه منها داخلًا في حيز الإدغام كما فهموه, وذلك مثل إدغام المتماثلين مخرجًا, والمتقاربين مخرجًا, والمشتركين في طرف اللسان, ثم الإدغام بالصفة مثل: إدغام المجهور والمهموس معًا بأن يصيرا معًا إلى الجهر أو إلى الهمس, وبعض أمثلة القلب, وبعض الأمثلة الشاذة.
٢- والشعبة الثانية: دراسة الصرف التي عنوا فيها بالأصول والزوائد, وبيان المشتق والجامد, وتحديد أشكال الصيغ, وحصر اللواحق وأماكن إلحاقها, والزيادات وأماكن زيادتها, ثم ما يلحق الصيغ من إعلال أو إبدال أو قلب أو حذف. وهذه الشعبة من دراسة اللغة وإجادة القول فيها أفردت الصرفيين العرب بمكانٍ لا يدانيه أيّ مكان آخر في عالم اللغويين قديمًا أو حديثًا, ولا يزال كشفهم عن النظام الصرفي العربي موضع الإعجاب والاحترام, وسيظل دائمًا كذلك في نظر اللغويين في مختلف أنحاء العالم.
стр. 12
٣- والشعبة الثالثة: دراسة النحو, وقد حاولوا فيها تقسيم الكلام وبيان علامات كل قسم, ثم كشفوا عن المعرب والمبني من هذه الأقسام, وشرعوا بعد ذلك في بيان الأبواب النحوية في داخل الجملة, وما يمتاز به به كل باب من علامات يعرف بها, وبينوا بعض المعاني الوظيفية التي تؤديها العناصر اللغوية؛ كالتذكير والتأنيث, والتعريف والتنكير, والإفراد والتثنية والجمع, والتكلم والحضور والغيبة, وكالصرف وعدمه, والعلامة الإعرابية, وهلم جرّا.
والمعروف أن هذا الجانب التحليلي من دراسة النحو لا يمسّ معنى الجملة في عمومه, لا من الناحية الوظيفية العامة كالإثبات والنفي والشرط والتأكيد والاستفهام والتمني ... إلخ, ولا من ناحية الدلالة الاجتماعية التي تنبني على اعتبار المقام في تحديد المعنى, وإن كانت تمس ناحية من نواحي الترابط بين أجزاء الجملة بروابط مبنوية أو معنوية ذكروها فرادى ولم يعنوا بجمعها في نظام كامل كالذي فعلته في هذا البحث تحت عنوان التعليق.
والذي نريد أن نخلص إليه هنا أن دراسة النحو كانت تحليلية لا تركيبة, أي: إنها كانت تعنى بمكونات التركيب, أي: بالأجزاء التحليلية فيه أكثر من عنايتها بالتركيب نفسه. أقصد أنهم لم يعطوا عناية كافية للجانب الآخر من دراسة النحو وهو الجانب الذي يشتمل على طائفة من المعاني التركيبية والمباني التي تدل عليها, فمن ذلك مثلًا: معنى الإسناد باعتباره وظيفة, ثم باعتباره علاقة, ثم تفصيل القول في تقسيمه إلى إسناد خبري وإسناد إنشائي, وتقسيم الخبري إلى مثبت ومنفي ومؤكد، وتقسيم الإنشائي إلى طلبي وغير طلبي.. إلخ, مما يتصل بتحديد التركيب المناسب لكل إسناد من حيث الأداة والرتبة والصيغة والعلاقة. وللتعليق وسائله المختلفة؛ معنوية كانت كعلاقات الإسناد ذاته, وكالتخصيص والنسبة والتبعية, أو لفظية للتعبير شكليًّا عن هذه العلاقات؛ كالعلامة الإعرابية والربط والمطابقة والصيغة والرتبة والأداة والنغمة, وذلك مع تحديد مجالات المطابقة في العلامة الإعرابية، والنوع والعدد والشخص والتعيين على نحو ما سنراه بالتفصيل عند تناول القرائن اللفظية في دراسة التعليق في موضعه
стр. 13
من هذا الكتاب, مع العناية الواجبة في كل ذلك بالمعالم السياقية باعتبارها ظواهر لا تبدو إلّا في التركيب.
ولقد كان على النحاة من حيث المبدأ أن ينظروا إلى التحليل باعتباره طريقًا للوصول إلى التركيب, ذلك بأن المادة المدروسة تصل إلينا حين تصل في صورتها المركبة, ولكن الاعتبارات العملية لدراسة هذه المادة تفرض على هذا السياق المركّب أن ينحلّ إلى أصغر مكوناته وعناصره حتى يمكن الوصول إلى الخصائص التحليلية لهذه العناصر. والنتائج التي يوصل إليه بواسطة التحليل تحمل في طيها زعمًا اعتباطيًّا بصدقها واطرادها حتى في السياق, ولكن هذا ليس أكثر من زعم, وكان على النحاة أنفسهم أن يدركوا ذلك, وأن يعلموا أن هذا الزعم لا مبرر له إلّا الاعتبارات العملية للبحث, وأن نتائج النظر إلى السياق تفرض عناصر جديدة على المكونات التحليلية, هي حلول لما قد يكون بين النظام وبين السياق من تضارب، أو هي بعبارة أخرى معالم سياقية, أو ظواهر موقعية لا وجود لها إلّا في السياق المنطوق وبسببه. ولكن النحاة لم يفطنوا إلى طبيعة التعارض الممكن حدوثه بين النظام ومطالب السياق, أو بعبارة أخرى: التعارض بين مطالب التحليل ومطالب التركيب, فوقعوا في أخطاء منهجية, كان من أخطرها ما سنشير إليه فيما بعد عند دراسة الزمن النحوي, من أن النحاة درسوا زمن الأفعال على المستوى الصرفي وهي في عزلتها عن التراكيب, ولم يختبروا نتائج دراستهم إلّا في تركيب الجملة الخبرية البسيطة, فرأوا الماضي ماضيًا دائمًا, والمضارع حالًا أو استقبالًا دائمًا, فوضعوا بذلك قواعدهم الزمنية, ثم اصطدموا بعد ذلك بأساليب الإنشاء والافصاح, فنسبوا وظيفة الزمن إلى الأدوات وهي منه براء, وإلى الظروف وهي تفيده معجميًّا لا وظيفيًّا, وسنرى ذلك مفصلًا في مكانه من هذا الكتاب. كذلك لم يفطن النحاة إلى أهمية بقية الظواهر السياقية في تحديد المعنى النحوي على نحو ما سنرى فيما بعد.
وإذا كان النحو على الصورة التي شرحتها هو تقعيد أبواب المفردات, فقد كانت الحاجة معه ماسَّة إلى دراسة أبواب الجمل, ولما ظهر
стр. 14
الاتجاه البلاغي إلى دراسة المعنى, كان من طلائع كتبه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة للعلامة عبد القاهر الجرجاني, الذي أعترف لآرائه الذكية بقدرٍ غير يسير من الفضل على الجزء الخاصّ بتناول المعنى النحوي والدلالي من هذا الكتاب, حيث جرى الانتفاع أحيانًا بعبارات هذا العلامة, وأحيانًا أخرى بإشاراته. ولقد اتجهت عناية البلاغيين بالمعنى في النهاية ثلاثة اتجاهات مطابقة لتقسيم علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع, فأما في دراسة "المعاني" فقد كان التركيب هو موضوع الدراسة, فتناول البلاغيون أنواع التراكيب من إثباتٍ إلى نفي إلى استفهام وهلم جرّا, لا على طريقة النحاة من التركيز على الأدوات والمكونات الأخرى ونسبة المعنى إليها, وإنما على طريقة النظر في التركيب نفسه من جهة أسلوب وصفه وطرق التعبير به, وما فيه من إيجاز وإطناب ومساواة, وما فيه من فصل ووصل وقصر وتقديم وتأخير, مما اعتبره النحاة -وما أصابوا- خارج مجال اهتمامهم. والواقع أن هذه الدراسة للمعنى -وهي دراسة معانٍ وظيفية في صميمها- تبدو أكثر صلة بالنحو منها بالنقد الأدبي, الذي أريد بها خطأ أن تكونه. ومن هنا نشأت هذه الفكرة التي تتردد على الخواطر منذ زمن طويل, أن النحو العربي أحوج ما يكون إلى أن يدعي لنفسه هذا القسم من أقسام البلاغة الذي سمي علم المعاني, حتى إنه ليحسن في رأيي أن يكون علم المعاني قمّة الدراسة النحوية أو فلسفتها إن صح هذا التعبير. ولقد كانت مبادرة العلامة عبد القاهر ﵀ بدراسة النظم وما يتصل به من بناء وترتيب وتعليق, من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية قيمة في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق أو التركيب١.
ومع قطع النظر عن رأيي الشخصي في قيمة البلاغة العربية بعامّة من حيث كونها منهجًا من مناهج النقد الأدبي, وعن صلاحيتها أو عدم صلاحيتها في هذا المجال, أجدني مدفوعًا إلى المبادرة بتأكيد أن دراسة عبد القاهر للنظم وما يتصل به تقف بكبرياء كتفًا إلى كتفٍ مع أحدث النظريات اللغوية في الغرب, وتفوق معظمها في مجال فهم طرق التركيب اللغوي, هذا مع الفارق الزمني الواسع
стр. 15
الذي كان ينبغي أن يكون ميزة للجهود المحدثة على جهد عبد القاهر. ولكن هذا الطابع الذي اتسم به علم المعاني من بين علم البلاغة جعل هذا العلم نحوًا من النحو, وصيَّره كالنحو صناعةً مضبوطة Exact System لا منهجًا ذوقيًّا للنقد الأدبي.
وأما علم البيان فأكثر صلة بالدراسة المعجمية منه بالقواعد التي تبحث في المعاني الوظيفية, فمجال علم البيان كمجال المعاجم, هو النظر في العلاقة بين الكلمة وبين مدلولها, ولقد كان البيانيون دائمًا على ذكر من الطبيعة العرفية لوضع الكلمة, ومن تخصيص كل كلمة بمعنى تدل عليه بحسب الوضع, فلا تكون أوسع منه ولا أضيق في الدلالة. وكما يختلف التحليل والتركيب في صناعة النحو على مثال ما ذكرنا من قبل يختلف معنى الوضع كذلك عن معنى الاستعمال في دراسة البيان, فالواضع يضع اللفظ لمعنى مطابق, فتكون دلالته على هذا المعنى من باب الحقيقة", ولكن اللغة -أي لغة في العالم- أضيق في مجالها الفظي التي ترد على أخيلتهم, ومنها تصبح المعاني العرفية -أي: الحقيقية- للألفاظ قاصرة عن الوفاء بمطالب التعبير اللغوي, وفي مجال الأفكار المجردة والصورة والظلال بوجه خاص. ومن هنا يصبح التعبير اللغوي بحاجة إلى جواز الحقيقة العرفية إلى استعمالٍ آخر للفظ يسمى المجاز, وإذا نظرنا إلى المعاني المتعددة للفظ الواحد في أحد المعاجم فسنجد أحدها يفهم من اللفظ بطريق الحقيقة العرفية, ونجد بقيتها مجازات عن هذه الحقيقة, فإما أن يتضح فيها الطابع المجازي في وقتنا هذا, وإما أن يكون طول استعمالها في مجازٍ ما قد أحكم الربط بينها وبين هذا المجاز, حتى ليظنه غير الخبير به استعمالًا حقيقيًّا آخر للكلمة. وطرق المجاز معروفة مشهورة, فمن شاء فليرجع إليها في علم البيان, ولكن الذي لا بُدَّ أن نشير إليه هنا هو أن العناية في علم البيان إذ تتجه إلى دراسة اللفظ في دلالته على معناه العرفي "المطابقي", أو للدلالة على "بعض معناه", أو على "لازم معناه", تجعل علم البيان قمة علم المعجم, كما كان علم المعاني قمة علم النحو. ومن هنا يصبح علم البيان في إطار الثقافة العربية هو النظرية الوحيدة التي تصلح نواة لغرس علم جديد في تربة هذه الثقافة, يسمَّى علم المعجم
стр. 16
Lexicology يتناول بالدراسة والتحليل والنقد والتأريخ والمقارنة تلك الطرق والمناهج التي استخدمها المعجميون العرب في جمع معاجمهم, موصيًا بأحسن الطرق التي وصلت إليها المناهج العلمية في هذا المجال في مختلف لغات العالم, ولعل لفظ "البيان" ومعناه "الشرح" يذكرنا بأن عمل المعاجم هو بيان دلالة الألفاظ واختلاف هذه الدلالة بحسب الاستعمال.
وأما الفرع الثالث من فروع البلاغة وهو علم البديع, فقليل من ظواهره ما يتصل بالمعنى كالجناس والتورية ونحوهما, وإن الجناس التام ليحمل بعض عناصر الشبه بالمشترك اللفظي؛ حيث يتحد اللفظ ويختلف المعنى, على أن جمهرة الظواهر البديعية ليست أكثر من محسنات لفظية -وكذلك سماها الأولون - فلا تدخل في دراسة المعنى العرفي دخولًا مباشرًا؛ لأن معناها أي: المقصود منها هو "التحسين", وهو فني لا عرفي.
وإذا علمنا أن علم المعاني يتناول المعنى الوظيفي, وأن علم البيان يتناول المعنى المعجمي, وأن علم البديع يتناول صنعة فنية لا يتحتم فيها أن تتصل بالمعنى, علمنا أن البلاغة العربية لا تتناول المعنى الاجتماعي تناولًا مقصودًا, ولكنا على الرغم من ذلك قدمت لدراسة المعنى الاجتماعي أو المعنى الدلالي كما أسميه في هذا البحث, فكرتين تعتبارن اليوم من أنبل ما وصل إليه علم اللغة الحديث في بحثه عن المعنى الاجتماعي الدلالي, وأولى هاتين الفكرتين فكرة "المقال" Speech event, والثانية فكرة "المقام" Context of situation, وأنبل من ذلك أن علماء البلاغة ربطوا بين هاتين الفكرتين بعبارتين شهيرتين أصبحتا شعارًا يهتف به كل ناظر في المعنى: العبارة الأولى "لكل مقام مقال", والعبارة الثانية "لكل كلمة مع صاحبتها مقام".
فأما العبارة الأولى فتؤكد أن استخراج المعنى من المقال فحسب, لا بُدَّ أن يشتمل على إغفال معيب لأهم عنصر من عناصر المعنى وهو "المقام", أو الظرف الذي حدث فيه "المقال", وسوف يتضح لنا فيما بعد عند دراسة المعنى الدلالي خطر هذا العنصر الاجتماعي "عنصر المقام" من عناصر المعنى.
стр. 17
وأما العبارة الثانية فتلخص الصلة بين ظاهرة التضام Collocation في اللغة العربية وبين المعنى اللغوي الدلالي الاجتماعي, وهي ظاهرة سنقوم بدراستها كذلك عند النظر في المعنى الدلالي في هذا الكتاب. وسيتضح من هذه الدراسة أن أقسام المقامقت الاجتماعية ترتبط بتعبيراتٍ يتمّ فيها التضام بين الكلمات مختلفًا باختلاف المقام, فهاتان العباراتان مما خلَّفه البلاغيون في تراثهم الثمين تعتبران من نتائج المغامرات الفكرية في دراسة اللغة في الغرب المعاصر.
وفي فرع آخر من فروع الثقافة العربية هو أصول الفقه, دراسة للمعنى على مستوى استنباط الأحكام الفقهية من النصوص, وهو أمر يثير في الذهن مقابلة فكرية بين هذا وبين استنباط الأحكام المنطقية من القضايا, مما يبرر دعوى وجود منهج فكري إسلامي مغاير للمنهج الآخر الإغريقي لاستنباط الأحكام والنتائج من النصوص. ولكن المعنى في الحالتين -حالة الأصوليين وحالة المناطقة- "حكم" أي: إنه ليس عرفيًّا ولا اجتماعيًّا, وإنما هو عقلي فني لا صلة له بالعرف العام, وإن اتصل بعرف خاصٍّ هو عرف الأصوليين أو عرف المناطقة. وكما نظر المناطقة في المطابقة والتضمن واللزوم والماجرى والماصدق والحد والمقولة والجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض, وفي المقدمة الصغرى والكبرى, وفي الكلية والجزئية, وفي السالبة والموجبة, نظر الأصوليون في مفاهيم اقتضاها منهجهم, سواء من حيث العلاقة بين الكلمة ومدلولها, أو من ناحية القواعد الأصولية العامة, أو من ناحية طريقة الحكم. فأما من حيث دلالة الكلمة فقد قسَّموها باعتبارات مختلفة هي: الوضع والاستعمال والوضوح والقصد, ولكن اختلف نظر الحنفية عن نظر الشافعية بالنسبة لدلالة القصد, كما يبدو من التخطيطين التاليين:
стр. 18
ومثل القواعد الأصولية في استخراج الأحكام؛ مثل الترتيبات الشكلية للقضايا المنطقية, وكما يكون الحكم المنطقي بالصواب أو الخطأ يكون الحكم الأصولي بالوجوب أو الإباحة أو التحريم, فالمعنى الأصولي إذًا من قبيل المعاني العقلية لا العرفية, ومن الفنية لا الاجتماعية, ومع ذلك ينبغي لنا أن نشير هنا إلى أن الأصوليين قد أبلوا بلاء حسنًا في تحديد المعنى على طريقتهم, وأنهم أثناء تقسيمهم لدلالة الكلمة قدَّموا لنا نوعًا سلبيًّا هامًّا جدًّا من هذه الدلالة, اصطلحوا على تسميته: "مفهوم المخالفة". ولهذا المفهوم قيمة خاصة لدينا الآن عند الكلام عن "القيم الأخلاقية" التي تتكّون منها الأنظمة اللغوية على نحو ما سنرى بعد قليل, وكلاهما يذكرنا بفكرة الخلاف التي قال بها الفراء من النحاة.
والذي تقدَّم يحكي قصة موقف التراث العربي والإسلامي من قضية المعنى, أما الغربيون من الناظرين في المعنى فقد تعددت هوياتهم ومشاربهم, فقد نظر في المعنى كثير من فروع الدراسات الإنسانية كالفلسفة والمنطق وعلم النفس والأنثروبولوجيا والأدب واللغة وغيرها. ولقد اختلفت النظرة إلى المعنى باختلاف هذه الفروع وبحسب اهتمام كل فرع منها بجانب خاصٍّ من جوانب المعنى, فأما الفلاسفة فيتناولون دراسة المعنى في كلامهم عن "الأبيتستيمولوجيا", وهي فرع من الفلسفة يدور حول نظرية المعرفة, وهم يدخلون إلى الكلام في مشكلة المعنى من مدخل العلاقة بين الدوالّ والمدلولات١, ويستطيع من يشاء النظر في ذلك أن يطّلع على كتاب The Meaning of Meaning الذي ألفه العالمان الإنجليزيان l A Richards CZ Menging, وقد حدّد موضوعه في عنوانه بأنه A Study of the lnfluence of Langugage Upon Thought and of the Science of Symbolism. ولقد عالجا في هذا الكتاب موضوعات فلسفية على جانب عظيم من الأهمية كما يتضح من عناوين فصوله التي نكتفي بإيرادها هنا عن استعراض الكتاب نفسه.
стр. 19
١- Thoughts Words and Things ويدرسان به العلاقة بين الفكرة والكلمة والشيء.
٢- The Power of Words ويوضحان به أهمية الكلمات واللغة وارتباطهما بالمعتقدات البدائية.
٣- Sign Situations ويعالجان فيه الارتباط بين نظرية المعنى ونظرية الرمز.
٤- Signs in Perception ويهتمان فيه بعلاقة الرمز بالإدراك.
٥- canons of Symbolism ويعددان به قوانين الرمز, وهي الوحدة والتحديد والتوسيع والفعلية والتلاقي والفردية.
٦- Definition ويحاولان به بيان حدود الرموز.
٧- The Meaning of Beauty وفيه تطبيق على حد الجمال واختلاف الفلاسفة فيه وانتقاد لموقف اللغويين من المشكلة واعتذار عنهم.
٨- The Meaning of Philosophers وفيه نقد لموقف الفلاسفة من المعنى.
٩- The Meaning of Meaning ويأتيان فيه باستعراض لستة عشر تعريفًا للمعنى مقسَّمَة إلى أربعة أقسام رئيسية.
١٠- Symbol Situations وبه نظر في كنه الدلالة وتركيب الرموز وطريقة الرمز وتعدد وظائف اللغة والآثار الاجتماعية والعلمية لفهم اللغة بوضوح.
وربما كان من المستَحْسَن أن ننبه هنا إلى أن طريقة الفلاسفة في علاج المعنى لا تفيد الدراسات اللغوية منها إفادة مباشرة؛ لأن الفلاسفة يهتمون بالعلاقات الذهنية على حين يهتم اللغويون بالعلاقات العرفية التي تربط بين المبني والمعنى، وإذا اهتمّ الفيلسوف بكنه العلاقة اهتمّ اللغوي بشكل العلاقة بين الرمز وبين مدلوله. ويهتم اللغيو فوق ذلك بنوع من المعاني ينسب إلى الأجزاء التحليلية يسمى المعنى الوظيفي، كم يربط بين المقام وبين المعنى
стр. 20
ربطا مقصودًا, وهما أمران لا يهتم بهما الفيلسوف كثيرًا، لأن التأملات الفلسفية عودت نفسها في الغالب على الاتجاه إلى الشق المعجمي من المعنى, وهذا الشق خاص بالكلمات المفردة فقط.
وأما المناطقة -وقد سبقت إشارة سريعة إليهم عند الكلام عن الأصوليين- فقد انشغلوا بالمعنى على مستوى المنطق الشكلي الأرسطي الذي لم يفصل فيه بين المنطق وبين اللغة من وجهة النظر الدراسية. فلقد خلط أرسطو أول الأمر بين هاتين الدراستين, فتكلم في اللغة كلامًا منطقيًّا, وتكلَّم في المنطق كلامًا لغويًّا، واختلط في ذهن المناطقة الشكليين النظر إلى الموضوع, والمحمول بالنظر إلى المسند إليه والمسند، وبنى المنطق قضاياه العقلية من جمل لغوية, وخلط بين القواعد النحوية والنتائج المنطقية, فسمّى كلتيهما "أحكامًا", وأصبحت قواعد النحو من ثَمَّ "أحكامًا" نحوية, فوقع الفكر في أسر اللغة كما وقعت اللغة في أسر المنطق. وكان من الخير لكلٍّ منهما أن يستقلّ بطريقة علاجه لقضاياه؛ لأن منطق اللغة ومقولاتها يختلفان تمامًا عن منطق الفكر ومقولاته, واللغة آخر الأمر نمطية صياغية لا تخضع للفكر, وإنما تخضع لمقتضيات الرمز العرفي الاعتباطي, فليس في الفكر ما يبرر تقسيم الأشياء بين التذكير والتأنيث حتى الجمادات منها, وليس فيه ما يبرر تقسيم العدد النحوي إلى "مفرد" للفرد, و"مثنى" للاثنين, ثم شمول كل عدد بعد الاثنين تحت عنوان موحد هو "الجمع". وليس في الفلك ما يسمح بدلالة "فَعَلَ" على المستقبل في نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ وهلم جرّا، والمعروف أن اللغة أضيق من الفكر، وهذه دعوى تتضح عند التصدي للترجمة من لغة إلى لغة أخرى. فلا شك في أن المترجم العربي يجد صعوبة في ترجمة كلمة أجنبية مثل Standardization أو كلمة Monads أو كلمة transendental, كما لا أشك في أن المترجم الإنجليزي يجد صعوبة في ترجمة بعض الكلمات العربية مثل: "المدبر" و"المكاتب" و"الجذعة" و"الظعينة" و"الحيزبون" و"أهل الخطة". والمغزى الواضح لذلك أن كل لغة في العالم إنما تسمّي تجارب مجتمعها, وتقصر دون تسمية تجارب المجتمعات الأخرى, وبذا تضيق عن أن تشمل مجالات الفكر
стр. 21
الإنساني في عمومه, بل لا تشمل فكر الأفراد أنفسهم؛ حيث يقف الفرد أحيانًا ولديه فكرة دقيقة يريد أن يعبر عنها فيتخلف به عدم الكلمات عن بلوغ غايته, وبهذا يظهر لنا أن الفكر أوسع من اللغة, وأن في ربط المنطق واللغة برباط واحد ظلمًا لهما جميعًا.
ولقد تعددت وجهة نظر المناطقة إلى المعنى من حيث هو معنى كلمة واحدة مفردة, أو معنى قضية, أو نتيجة منطقية تؤخذ من مقدمات؛ فالمعنى في نظرهم يبدو تارةً في صورة الماجري والماصدق, وتارةً أخرى في صورة المطابقة والتضمن واللزوم, وتارةً ثالثة في صورة التعريف, ورابعة في صورة الحكم في صورة علاقات رياضية يعبر عنها برموز جبرية تقصد بها كميات أو مدلولات غير محددة, ولكنها صالحة للتحديد كرموز الجبر تمامًا. ومن هنا نرى المعنى المنطقي محدد الدلالة أحيانًا كالتعريف, أو غير محددها كالرمز الجبري, وواضح أن المعنى بالنسبة للمنطق كما كان بالنسبة للأبيستيمولوجيا معنى ذهني غير عرفي, أي: إنه حكم يحدده الفكر الفردي للفيلسوف أو المنطقي, وليس علاقة عرفية اعتباطية يحددها المجتمع كما سنرى في المعنى اللغوي.
والفئة الثالثة التي نظرت في المعنى هي فئة علماء النفس, سواء في ذلك الميتافيزيقيون منهم والتجريبيون والتحليليون. والمعنى في نظر هؤلاء أيضًا غير عرفي ولا اجتماعي, ولكنه خاضع للتكوين النفسي للفرد, فيخضع تارة للغرائز, وتارة أخرى لغريزة واحدة بعينها تعتبر أهم هذه الغرائز, وقد يخضع للعقل الظاهر أو العقل الباطن, وقد يخضع للحاجات العضوية أو غير العضوية مما يحسّه الفرد, وقد يرتبط بظرف معين فيصاحبه وجودًا وعدمًا بطريقة تولدية١ آلية على مثال تجربة بافلوف.
أما علماء الرمز فقد حاولوا أن يقسِّموا معنى الرمز إلى طبيعي وذهني وعرفي, فقالوا: إن المعنى الذي يدركه المرء من النغمة الموسيقية معنى ناشئ
стр. 22
على طبيعة النغمة نفسها, فإذا كانت على صورةٍ ما أفهمت الحزن, وإذا كانت على صورةٍ أخرى أفهمت الفرح مثلًا، وكذلك يدل البرق والرعد على احتمال المطر والصواعق, كما تدل الخضرة على وجود الماء. أما المعنى الذي يفهم من الأثر الذي يدل على سالك الطريق, وكذلك دلالة آثار المجرم على شخصه, فهي معنى ذهني, وأما دلالة الكلمة بالوضع على ما تستعمل له فدلالة عرفية.
والأدباء والنقاد يهتمون بالمعنى الفني الجمالي لا بالمعنى العرفي, بل إن بعض أصحاب المذاهب الأدبية جاهروا بعدائهم للمعنى العرفي في الأدب, ونادوا بالعدول عنه إلى معنى آخر فني جمالي طبيعي يتصل أشد الاتصال بمعنى النغمة الموسيقية الذي تكلمنا عنه منذ قليل, هؤلاء هم الرمزيون، وهم بهذا يدخلون في تقويم المعنى بمقاييس مما وراء منهج اللغة, بل مما وراء المنهج السائد في النقد.
وللدراسات اللغوية الحديثة اهتمام خاص بدراسة المعنى, يقويه ويدعمه أن المعنى في نظر الدراسات صدًى من أصداء الاعتراف باللغة كظاهرة اجتماعية, ونتيجة لتشابك العوامل المختلفة في إطار سياق الثقافة الشعبية من عاداتٍ وتقاليد وفلكلور وأغانٍ ومناهج عمل وطرق معيشة وهلم جرّا. فاللغة أداة اجتماعية يوجدها المجتمع للرمز إلى عناصر معيشته وطرق سلوكه, ولذا يحدد طرق هذه اللغة واستعمالاتها, ويضعها موضع الظاهرة الاجتماعية, فيصدق عليها ما يصدق على كل ظاهرة اجتماعية أخرى من الخضوع لظروف التعارف وللتصويب والتخطئة بحسب هذا التعارف. ولقد كانت العناية بهذا الجانب الاجتماعي للغة سببًا في اعتبار "المقال" عنصرًا واحدًا من عناصر الدلالة لا يكشف إلّا عن جزء من المعنى الدلالي, وينقصه أن يستعين بالمقام الاجتماعي الذي ورد فيه المقال حتى يصبح المعنى مفهومًا في إطار الثقافة الاجتماعية, أو بعبارة أخرى: ثقافة المجتمع. ومن هنا أيضًا دعت الحاجة المنهجية إلى تشقيق المعنى إلى ثلاثة معانٍ فرعية, أحدها: المعنى الوظيفي, وهو وظيفة الجزيء التحليلي في النظام أو في السياق على حد سواء. والثاني: المعنى المعجمي للكلمة, وكلاهما متعدد ومحتمل خارج السياق, وواحد فقط في السياق, والثالث: المعنى
стр. 23
الاجتماعي أو معنى المقام, وهو أشمل من سابقيه, ويتصل بهما على طريق المكامنة١؛ لأنه يشملهما ليكون بهما وبالمقام معبرًا عن معنى السياق في إطار الحياة الاجتماعية على نحو ما سنرى بعد قليل. وهذا التشقيق هو ما أسهمت به الدراسات اللغوية الحديثة في محاولة الكشف عن المعنى اللغوي, وسنحاول في هذا الكتاب أن نطبقه على اللغة العربية الفصحى, مع تسليط أضواء المنهج الحديث على النتائج الباهرة المشرّفة التي توصل إليها علماؤنا الأقدمون في حقل الكشف عن المعنى, والتي وصلتنا في كنوز التراث العربي, ومع محاولة الإفادة من الأفكار والمصطلحات الصالحة للاستعمال في الحاضر من هذا التراث لنرصّع بها هذه الدراسة للمعنى, معترفين طول الوقت بالفضل لأعظم رجلين من رجال الدراسات اللغوية في الثقافة العربية, وهما سيبويه وعبد القاهر, ويبدو فضل أولهما في حقل التحليل, كما يبدو فضل ثانيهما في حقل التركيب.
وآمل أن يرى القارئ من خلال هذا البحث الخصائص التركيبية المختلفة للغة العربية, مما يتضح منه علاقاتها الداخلية, وعبقريتها في الصياغة, وأسرار جمالها وكفاءتها, وهي التي نبهت أذهان الكثيرين من الدراسين قديمًا وحديثًا, فحاول كلٌّ منهم من جانبه أن يستعرض هذه النواحي تحت عنوانات مختلفة منها "الخصائص" و"أسرار العربية" و"أسرار اللغة" و"عبقرية اللغة العربية" و"فلسفة اللغة العربية", وذلك إلى جانب ما اشتملت عليه فصول كتب فقه اللغة من دراسات في هذا الحقل تحت عنوانات مختلفة, فأثمر بعض هذه المحاولات رطبًا جنيًّا, وأثمر بعضها الآخر حصر ما, ولكن ما أثمر وما لم يثمر كانا جميعًا صدًى لإدراك شخصي من قِبَل المؤلفين لوجود خصائص تركيبية دقيقة للغة العربية. وهذه الخصائص مبانٍ للمعاني, والمعاني غايات لها. ومن أمثلة صور احتباك تركيب السياق في اللغة العربية وكفاءة طرقها التركيبية ما يبدو في الجهاز الصرفي وفي التعليق النحوي, وفي حقل الظواهر الموقعية السياقية؛ لأن كل هذه الظواهر مناط للمعاني الوظيفية كما يتضح في الفصول التالية من هذا الكتاب.
стр. 24
الكلام واللغة:
في كتابي "مناهج البحث في اللغة" كلام مطول عن الفرق بين الكلام واللغة يستغرق ما يقرب من ثلاثين صفحة كاملة, وفي كتابي "اللغة بين المعيارية والوصفية" اشتملت مقدمة الكتاب على عبارات تفرِّق بين طابع عمل المتكلم وبين طابع عمل اللغوي يمكن أن نوردها فيما يلي: "اللغة إذًا بالنسبة للمتكلم معايير تراعى, وبالنسبة للباحث ظواهر تلاحظ, وهي بالنسبة للمتكلم ميدان حركة, وبالنسبة للباحث موضوع دراسة, وهي بالنسبة للمتكلم وسيلة حياة في المجتمع, وبالنسبة للباحث وسيلة كشف عن المجتمع.
المتكلم يشغل نفسه بواسطتها, والباحث يشغل نفسه بها, ويحسن المتكلم إذا أحسن القياس على معاييرها, ويحسن الباحث إذا أحسن وصف نماذجها. اختلاف الأساليب في استخدامها اختلاف في الجمال والفن والتطبيق, واختلاف الطرق في بحثها اختلاف في الدقة والتناول والبحث, والنص على لسان الأديب موضوع للتذوق, ولكنه في يد الباحث موضوع للدارسة, وأخيرًا اللغة في خدمة المجتمع والمنهج في خدمة اللغة".
ولست أجد لديّ الآن ما أعار به هذا الذي قلته في سنتي ١٩٥٥ و١٩٥٨, ولكن الأغراض العملية لهذا الكتاب تتطلب مني أن أخوض في موضوع التفريق بين الكلام وبين اللغة من زاوية جديدة عير الزاوية المنهجية البحتة, تلك هي زاوية طبيعة كلٍّ منهما وتكوينه. فالكلام عمل واللغة حدود هذا العمل, والكلام سلوك واللغة معايير هذا السلوك, والكلام نشاط واللغة قواعد هذا النشاط, والكلام حركة واللغة نظام هذه الحركة, والكلام يحس بالسمع نطقًا والبصر كتابة واللغة تفهم بالتأمل في الكلام. فالذي نقوله أو نكتبه كلام، والذي نقول بحسبه ونكتب بحسبه هو اللغة, فالكلام هو المنطوق وهو المكتوب, واللغة هي الموصوفة في كتب القواعد وفقه اللغة والمعجم ونحوها. والكلام قد يحدث أن يكون عملًا فرديًّا, ولكن اللغة لا تكون إلا اجتماعية.
стр. 25
وإذا كان الكلام لا يدرس منفصلًا عن اللغة إلّا عند اعتباره عملًا صوتيًّا بحتًا مقطوع الصلة بالمعنى, كما يحدث عند فحص المرضى بالحصر والعيوب النطقية والنفسية الأخرى, واختبار أصوات المغنين والمذيعين وقبولهما في الإذاعة، فإن الدراسة اللغوية للكلام تجعله -حتى على هذا المستوى الصوتي- على صلة باللغة, ولا بُدَّ أن يكون كذلك من حيث قصد به أن يدل على معنى, ودراسة أصوات الكلام "المفيد الدال على معنى" إذا اقتصرت على ملاحظة المخارج والصفات وتسجيلها فحسب, فهي مقدمة لدراسة اللغة, ولكنها ليست من صلب دراسة اللغة, أو بعبارة أخرى: هي دراسة للكلام وليست دراسة للغة, ذلك بأن هذه الملاحظات والتسجيلات لا تتصل باللغة إلّا حين يتمّ تنظيمها والربط بينها في نظام صوتي كاملٍ تعرف فيه علاقات المخارج وعلاقات الصفات إيجابًا وسلبًا, وتعرف فيه الظواهر الموقعية التي يتطلبها ورود هذه الأصوات المدروسة في السياق. ونريد الآن أن نشرح ما تردد من قبل من أن اللغة منظّمة من مجموعة من الأنظمة؛ منها: النظام الصوتي, والنظام الصرفي, والنظام النحوي, فما المقصود بالنظام هنا؟
المعروف أن الجسم الإنساني جهاز حيوي واحد ذو وظيفة معينة, ربما صحَّ أن نسميها "تحقيق الوجود البيولوجي" للإنسان, ولكن هذا الجهاز الحيوي مركَّب من أجهزة فرعية كالجهاز الهضمي والعصبي والإفرازي والدوري والتنفسي وغير ذلك. وهذه الأجهزة جميعًا تقوم بوظائف يمكن فهم كلٍّ منها على حدة إذا نظرنا إلى الجهاز الذي يؤديها مستقلًّا عن بقية الأجهزة, ولكن هذه الأجهزة لا يستقلّ أحدها عن بقيتها من الناحية العملية؛ إذ يجري بينها نوع من تنسيق الوظائف والتكافل في نطاق الجهاز الحيوي الأكبر ولصالحه. وكما أنّ جسم الإنسان جهاز أكبر مكون من أجهزة فرعية نجد اللغة جهازًا أكبر مكونًا من أجهزة فرعية, والخلاف الوحيد بين هذا الجهاز الأكبر وذاك أن الجسم جهاز حيوي وأن اللغة جهاز رمزي عرفي. وكما أنّ المرء يستطيع فهم الأجهزة الفرعية في الجسم مستقلًّا بعضها عن بعض في الذهن لا في الحقيقة, يمكن أن يفهم المرء الأجهزة الفرعية في اللغة فرادى، مع أنَّ وظائفها لا تتحقق عمليًّا إلّا والأجهزة متناسقة متكاملة متكافلة في إطار
стр. 26
اللغة، فلا يقوم جهاز منها مستقلًّا عن بقيتها إلّا في مقام الوصف والتحليل. وكما أن وظيفة الجسم الإنساني هي تحقيق الوجود البيولوجي للفرد, نجد وظيفة اللغة تحقيق الوجود الاجتماعي للفرد نفسه.
فاللغة إذن منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع, وهذه المنظمة تشتمل على عدد من الأنظمة -وقد سميناها من قبل بالأجهزة- يتألف كل واحد منها من مجموعة من "المعاني" تقف بازائها مجموعة من الوحدات التنظيمية أو "المباني" المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من "العلاقات" التي تربط ربطًا إيجابيًّا، والفروق "القيم الخلافية" التي تربط سلبيًّا -بإيجاد المقابلات ذات الفائدة- بين أفراد كل من مجموعة المعاني أو مجموعة المباني, وكما أن "المعاني" الصرفية غير المعاني النحوية على نحو ما سنرى بعد قليل, نجد "المباني" تتنوع بين فرعٍ وآخر من فروع الدراسات اللغوية.
فالمباني المأخوذة من النظام الصوتي حروف phonemes, وهي في النظام الصرفي وحدات صرفية morphemes, ويعتمد النحو في التعبير عن معانيه وعلاقاته السياقية على هذين النوعين من المباني كالحركات والحروف والزوائد واللواصق والصيع. وأما "العلاقات" الرابطة، و"القيم الخلافية" المفرقة فهي عناصر هامة جدًّا في نظام اللغة بعامة, على أن "القيم الخلافية" وهي المقابلات, أو نواحي الخلاف بين المعنى والمعنى, أو بين المبنى والمبنى, أهم بكثير جدًّا من العلاقات الرابطة؛ لأنها أقدر من تلك العلاقات على تحقيق أمن اللبس, وهو الغاية القصوى للاستعمال اللغوي، فإنه ليمكن الزعم أن كل نظام لغوي ينبني أساسًا على مجموعة من القيم الخلافية التي يدونها لا يكون اللبس مأمونًا ولا الكلام مفهومًا. وقد كان ابن مالك محقًّا حين لخَّص هذه القضية في شطرة واحدة من ألفيته تقول:
"وإن بشكل خيف لبس يجتنب".
فالجهاز الصوتي أو النظام الصوتي للغة يدرسه علم "الصوتيات" phonology مستخدمًا في دراسته العناصر الآتية:
стр. 27
١- معطيات علم الأصوات phonetics، وقد ذكرنا من قبل أن معطيات علم الأصوات هي أوصاف للحركات العضوية التي يقوم به الجهاز النطقي أثناء النطق, وكذلك الآثار السمعية المصاحبة لهذه الحركات, ويقوم هذا الوصف على الملاحظة الذاتية أو الخارجية من قِبَل الباحث, وقد تدعَّم هذه الملاحظة بوسائل آلية في معمل الأصوات اللغوية مثل: الحنك الصناعي والكيموكرافيا والاسيكتروجراف والأوسيلوجراف وصور الأشعة الثابتة أو المتحركة وهلم جرّا. ويستعين الباحث على تسجيل مادته تسجيلًا مسموعًا بالأشرطة والأسطوانات, وعلى تسجيلها تسجيلًا منظورًا بواسطة الكتابة الصوتية العالمية lntirnational phonetic Alphabet, وتوصف الحركات العضوية دائمًا منسوبة إلى الجهاز النطقي, كما توصف الآثار السمعية دائمًا منسوبة إلى الأذن. وهكذا يكون المتكلم والسامع هما طرفي حركة النشاط الموصوف، كما يكون النشاط الموصوف هو "الكلام", وهذا الكلام لا يتمّ إلّا وهو مشروط عرفيًّا بمجموعة من الشروط تسمَّى "اللغة".
٢- طائفة من العلاقات العضوية الإيجابية, وطائفة أخرى من المقابلات "القيم الخلافية" للتفريق بين أي صوت وصوت آخر ولو من جهة واحدة على الأقل, وقد تكون من أكثر من جهة، وذلك "كالعلاقة" بين الباء والميم إذ تشتركان بالعلاقة العضوية في المخرج الشفوي والجهر, وتفارق إحداهما الأخرى بالقيمة الخلافية إذ تكون بينهما "مقابلة" من حيث الأنفية وعدمها, والشدة وعدمها. وقديمًا أدرك الكوفيون قيمة "المقابلة" في إيضاح المعنى, فسموها: "الخالف", كما أشرنا من قبل إلى اعتداد الأصوليين بما سموه: "مفهوم المخالفة".
فمعطيات علم الأصوات والعلاقات والقيم الخلافية هي العناصر التي يتكوّن منها النظام الصوتي للغة, ويقوم علم الصوتيات على هذه الأسس بواسطة استخدام هذه العناصر بالكشف عن هذا النظام الصوتي.
وأما النظام الصرفي للغة فهو مكوّن من ثلاثة دعائم هامة:
١- مجموعة من "المعاني" الصرفية التي يرجع بعضها إلى "التقسيم",
стр. 28
كالاسمية والفعلية والحرفية، ويرجع بعضها الآخر إلى "التصريف" كالإفراد وفروعه, والتكلم وفروعه, وكالتذكير والتأنيث, والتعريف والتنكير، ويرجع بعضها الثالث إلى مقولات الصياغة الصرفية كالطلب والصيرورة والمطاوعة والألوان والأدواء والحركة والاضطراب, أو إلى العلاقات النحوية كالتعدية والتأكيد, وهلم جرا.
٢- طائفة من "المباني" morphemes تتمثل في الصيغ الصرفية, وفي اللواصق والزوائد والأدوات, فتدل هذه المباني على تلك المعاني أحيانًا بوجودها إيجابًا, وأحيانًا بعدمها سلبًا, وهو ما يسمونه zero morpheme, ويسميه النحاة "الدلالة العدمية", وهي نفسها دلالة الحذف والاستتار والتقدير والمحل الإعرابي عندهم.
٣- طائفة من العلاقات العضوية الإيجابية, وأخرى من المقابلات أو القيم الخلافية بين المعنى والمعنى, وبين المبنى والمبنى, كالعلاقة الإيجابية بين "ضرب" و"شهم" من حيث تشابها في الصيغة، فهي "فَعْل" فيهما, وكالمقابلة التي تتمثل في القيمة الخلافية بين أحدهما والآخر من جهة المعنى, فأولهما "مصدر" وثانيها "صفة مشبهة". وتفرق اللغة بين الكلمة وصاحبتها بمثل هذه المقابلات كاعتبار التجرد في مقابل الزيادة, والصيغة في مقابل الصيغة الأخرى, والتكلم في مقابل الخطاب والغيبة, والاسمية في مقابل الفعلية, والتذكير في مقابل التأنيث, وكالمذكر في مقابل المؤنث, والمتكلم في مقابل المخاطب والغائب، والاسم في مقابل الفعل، فالمقابلة كما تكون بين المعنى والمعنى كالتذكير والتأنيث مثلًا, تكون بين المبنى والمبنى كالمذكر والمؤنث. وهذه المقابلات هي عصب النظام الصرفي, فلا يتصوّر نظام بدونها.
وأما النظام النحوي للغة فيتكون مما يأتي:
١- طائفة من المعاني النحوية العامة كالخبر والإنشاء, والإثبات والنفي والتأكيد, وكالطلب وفيه الأمر والنهي والاستفهام والدعاء والتمني والترجي والعرض والتحضيض, وكالشرط والقسم والتعجب والمدح والذم.. إلخ.
стр. 29
٢- مجموعة من المعاني النحوية الخاصة, أو معاني الأبواب المفردة كالفاعلية والمفعولية والحالية إلخ.
٣- مجموعة من العلاقات التي تربط بين المعاني الخاصة, وتكون قرائن معنوية عليها, حتى تكون صالحة عند تركيبها لبيان المراد منها, وذلك كعلاقة الإسناد والتخصيص والنسبة والتبعية.
٤- والعنصر الرابع من عناصر النظام النحوي هو ما يقدمه علما الصرف والصوتيات لعلم النحو من المباني الصالحة للتعبير عن معاني الأبواب, وتلك الصالحة للتعبير عن العلاقات، فليس للنحو من المباني إلّا ما يقدمه له الصرف, ومن هنا ندرك مدى الترابط بين العلمين, حتى ليصبح التفريق بينهما صناعيًّا لا يبرره إلّا الرغبة في التحليل.
٥- وأخيرًا تأتي القيم الخلافية أو المقابلات بين أحد أفراد كل عنصر مما سبق وبين بقية أفراده؛ كأن نرى الخبر في مقابل الإنشاء, أو الشرط الإمكاني في مقابل الشرط الامتناعي، أو المدح في مقابل الذم, أو المتقدم رتبة في مقابل المتأخر, أو الاسم المرفوع في مقابل الاسم المنصوب, أو المتعدي في مقابل اللازم وهلمّ جرا.
وهكذا يمكننا التفريق بين المفعول لأجله وبين المضاف إليه مثلًا بما يعبران عنه من علاقة, فأولهما للسبية وثانيهما للنسبة "الإضافة", ثم نفرق بينهما من حيث الصيغة الصرفية؛ إذ يلزم في أولهما أن يكون مصدرًا ولا يلزم ذلك في الثاني, ثم من حيث الحركة الإعرابية؛ فالأول منصوب والثاني مجرور, ولا يغرنَّك أن كليهما على معنى اللام؛ لأن لام الأول للسبية ولام الثاني للملكية أو عموم الملابسة. هذه المقابلات "القيم الخلافية" ضرورية لفهم المعنى "وأمن اللبس", ولا يمكن أن نتصور أداء اللغة لوظيفتها بدونها, وهي أهم بكثير من العلاقات الرابطة؛ لأن هذه العلاقات تعبر عن تشابه, و"خوف اللبس" يأتي عند التشابه.
هذه هي الأنظمة الثلاثة التي تشتمل عليها اللغة باعتبارها منظمة كبرى مكونة من أنظمة, ومما تقدَّم نستطيع أن ندرك إلى أيِّ حد يعتمد النحو على
стр. 30
الصرف من جهة, وعلى الأصوات من جهة أخرى, وإلى أي حد يعتمد الصرف على الأصوات, ثم إلى أي حد تترابط هذه الأنظمة في مسرح الاستعمال اللغوي, فلا يمكن الفصل بينها إلّا صناعة, ولأغراض التحليل فقط.
لقد أشرنا في ثنايا الكلام إلى المبنى الصرفي ومدى أهميته في فهم المعاني الصرفية والمعاني النحوية على السواء, بل للمعاني المعجمية أيضًا, ونودّ أن نوضِّح هنا مكان المبني في مجال خطة الكشف عن المعنى. ونبدأ ذلك بتأكيد وضعية ثلاثية في الاصطلاح لا بُدَّ من الإحاطة بها, وهي تبدو على النحو التالي:
والملاحظ هنا أن المباني تجريدات لا منطوقات ولا مكتوبات, أي: إنها أقسام شكلية ينطوي تحت كل منها ما لا حصر له من العلامات المنطوقة في استعمال المتكلمين, والمخطوطة في استعمال الكاتبين, وهذه الأقسام جزء من اللغة شأنها شأن المعاني ذاتها, على حين نجد العلامات جزءًا من الكلام بشقيه المنطوق والمكتوب. وفائدة اعتبار المبني في أنظمة اللغة وفي تحليلها في ضوء هذه الأنظمة, أن اللغة لا يمكن أن تكون نظامًا من المعاني التي لا مباني لها؛ لأن المباني رموز المعاني, ولا غنى عن الرمز في نظام كاللغة هو في أساسه نظام "رمزي". ولولا المباني وهي تجريدات وتقسيمات شكلية تندرج تحتها العلامات المنطوقة أو المكتوبة, ما كان من الممكن للباحث أن يعبر عن حقائق البحث اللغوي مستقلة عن الاستعمال الفعلي للكلام، ولأصبح الباحث في عجزه عن التبويب والتقسيم في تيهٍ لا ينتهي مداه من مفردات الاستعمال.
стр. 31
والمعاني التي في هذه الأنظمة الثلاثة "الصوتي والصرفي والنحوي" هي في حقيقتها وظائف تؤديها المباني التي تشتمل عليها وتنبني منها هذه الأنظمة. وقد رأينا من قبل كيف كان الوقف وظيفة السكون ونحوه, وكيف كان التخلص وظيفة الكسر, وكيف كانت الفاعلية وظيفة الاسم المرفوع, وكيف كانت المطاوعة وظيفة الانفعال. من هنا يكون "المعنى" وظيفة "المبنى", ويكون "المبنى" عنوانًا تندرج تحته "العلامة". ومن ثَمَّ أطلق الباحثون على هذا المعنى الذي تكشف عنه المباني التحليلية للغة اسم "المعنى الوظيفي" functional meaning, واضعين إياه بازاء المعنى المعجمي Lexical meaning أو المعنى المقامي Contextual meaning, أي: المعنى الذي لا يكتفي بتحليل تركيب المقال ولا بمعنى كلماته المفردة, وإنما يراه فوق ذلك في ضوء المقام Context of situation.
وليس المعجم نظامًا من أنظمة اللغة, فهو لا يشتمل على شبكة من العلاقات العضوية والقيم الخلافية, ولا يمكن لمحتوياته أن تقع في جدول يمثل احتباك هذه العلاقات على نحو ما سنرى في أنظمة الأصوات والصرف والنحو. فالمعجم بحكم طابعه, والغاية منه ليس إلّا قائمة من الكلمات التي تسمَّى تجارب المجتمع أو تصفها أو تشير إليها. ومن شأن هذه الكلمات أن تحمل كل واحدة إلى جانب دلالتها بالأصالة والوضع "الحقيقة" على تجربة من تجارب المجتمع, أن تدل بواسطة التحويل "المجاز" على عدد آخر من التجارب, فإذا وضعنا كلمة "المعاني" بدل "التجارب" صحّ لنا أن نقول: إن الكلمة المفردة "وهي موضوع المعجم" يمكن أن تدل على أكثر من معنى وهي مفردة, ولكنها إذا وضعت في "مقال" يفهم في ضوء "مقام" انتفى هذا التعدد عن معناها, ولم يعد لها في السياق إلّا معنى واحد؛ لأن الكلام وهو مجلى السياق لا بُدَّ أن يحمل من القرائن المقالية "اللفظية" والمقامية "الحالية" ما يعيِّن معنًى واحدًا لكل كلمة. فالمعنى بدون المقام "سواء أكان وظيفيًّا أم معجميًّا" متعدد ومحتمل؛ لأن المقام هو كبرى القرائن، ولا يتعيّن المعنى إلّا بالقرينة, ولقد سبق أن أشرت إلى أن علم البيان "وهو علم دلالات المفردات"
стр. 32
يمكن أن يمثل الجانب النظري من "علم المعجم", فيبين كيف تخرج الكلمة عن معناها الحقيقي الوضعي إلى معانٍ أخرى مجازية, ويستمد مادته من تاريخ الاستعمال في اللغة العربية, بل يحسن في هذا الجانب النظري للمعجم أيضًا دراسة أصل الدلالة الحقيقية نفسها بواسطة النظر في طرق العرف والوضع بالارتجال والاقتراض والتعريب ونحوها, مع العناية بوجهة النظر التاريخية التي تبحث في أصول الكلمات المستعملة فعلًا من ناحية البنية, وفي تطور دلالتها على مر العصور. ذلك هو الجانب النظري للمعجم, وهو موزع بين علم البيان وعلم الصرف وعلم المتن وبحوث فقه اللغة وتاريخ الأدب, ولكنه قد آن له الأوان أن يتوحد في علم واحد يسمَّى "علم المعجم", ويتخذ موضوعًا أساسيًّا له طرق المعاجم ومادتها, والمعنى المعجمي -ذلك المتعدد المحتمل. المعجم إذًا جزء من اللغة, ولكنه ليس نظامًا من أنظمة اللغة. هو من اللغة لأنه سجّل لكلماتها ولمعاني هذه الكلمات, وهذه الكلمات ساكنة صامتة بالفعل ولكنها صالحة بالقوة لأن تصير ألفاظًا مسموعة, أو خطوطًا مكتوبة مقروءة في سياق كلام, فالمعجم إذن معين صامت ساكن هادي مستعمل بالقوة لا بالفعل, شأنه في ذلك شأن اللغة كلها؛ حيث عبر عنها أحد العلماء بقوله: إنها١ Silent reservoire وهذا المعين الاستاتيكي إذا وضع في حالة استعمال وحركة وديناميكية أصبحت النتيجة كلامًا لا لغة. فكلمة "رجل" مثلًا موجودة مختزنة في تجربة الجماعة صامتة صالحة لأن يستعملها الفرد عند الإرادة, فإذا لم يستعملها ظلت صامتة ساكنة هادئة, وهي في هذه الحالة جزء من اللغة لا من الكلام, فإذا نطقها الفرد أو كتبها أخرجها من مجال القوة إلى مجال الفعل, وجعلها جزءًا من الكلام الذي هو نشاط وسلوك.
واللغة العربية بهذا مكونة من ثلاثة أنظمة, وقائمة من الكلمات التي لا تنتظم في جهاز واحد, وهذه الأنظمة والقائمة تكون معينًا صامتًا, فإذا أردنا أن نتكلم أو أن نكتب نظرنا في هذا المعين الصامت فوضعنا محتوياته في حالة عمل وحركة, فأخذنا منه الكلمات ورصفناها على شروط الأنظمة, أي: بحسب قواعد
стр. 33
اللغة, وخرجنا من دائرة الصمت اللغوي إلى دائرة النطق الكلامي, أي: من حيز السكون إلى حيز الحركة, ومن حيز الإمكان إلى حيز التطبيق. وحاصل جمع "المعنى الوظيفي" التحليلي, و"المعنى المعجمي" الذي للكلمات, لا يساوي أكثر من "معنى المقال" أو "المعنى اللفظي" للسياق, أو معنى ظاهر النص كما يقول الأصوليون, ولا يزال السياق حتى بعد الوصول إلى هذا المعنى اللفظي بحاجة إلى "معنى المقام" أي: المعنى الاجتماعي الذي يضم القرائن الحالية إلى ما في السياق من قرائن مقالية, وبهذا يتمّ الوصول إلى "المعنى الدلالي".
وسنرى فيما بعد أن "المقام" هو حصيلة الظروف الواردة relevant طبيعية كانت أو اجتماعية أو غير ذلك, في الوقت الذي تَمَّ فيه أداء المقال speech event, أما الظروف غير الواردة irrelevant فلا ضرورة لإرباك خطة تحليل المعنى بذكرها وشرحها, وما دام المعنى على إطلاقه مركبًا على هذا النحو الذي يبدو من تشقيقه, فإنَّ أيّ شق من المعنى لا يكفي بمفرده للإفادة والفهم, فلا يكفي مجرد فهم النظام الصوتي للغة ما لأن نفهم مقالّا بهذه اللغة, بل لا يكفي لذلك حتى فهمنا للنظام الصرفي أو النحوي للغة المذكورة، بل لا يكفي أيضًا أن نفهم المعنى المعجمي لحشدٍ كبير من كلمات هذه اللغة أيضًا لأن نفهم المعنى فهمًا كاملًا ما دام "المقام" غير مفهوم.
ويقع في تجاربنا أحيانًا أن نرى اثنين يعمدان إلى التخصص في لغة أجنبية, فيتخصص أحدهما في اللغة ذاتها, ويتخصص الثاني في أدبها, فأما الذي تخصّص في اللغة فقد طلب موضوعًا يخضع للتقعيد, ومن ثَمَّ للفهم السريع وللتحصيل السريع أيضًا, فينجح في مهمته بيسر نسبي, وأما الذي تخصَّص في الأدب فسيجد نفسه وجهًا لوجهٍِ مع التحدي الهائل الذي يفرضه فهم المقامات المختلفة التي تقع في إطار ثقافة أجنبية عنه بما تشتمل عليه هذه المقامات من علاقات اجتماعية وعقلية وذوقية وعاطفية دقيقة متشعبة لا يفهمها وينفعل بها إلّا أبناء البيئة ذاتها, ولا يمكن الحصول على بعضها من مجرد قراءة تاريخ هذا المجتمع ولا أدبه، ذلك بأن إطار الثقافة الاجتماعية لكلِّ أمة يفرض
стр. 34
من تلك العلاقات والارتباطات بالمواقف وبالموضوعات ما لا يفهمه تمامًا إلّا الناشئون في المجتمع ذاته والثقافة ذاتها, ولو أن المتخصص الأجنبي تمكّن من تحصيل فهم الارتباطات العقلية أو حتى الاجتماعية بالموضوعات والمواقف, فكيف يتسنَّى له مهما حاول أن يفهم الارتباطات الذوقية والعاطفية في المجتمع. وهل يجد غير المسلم وغير العربي في نفسه ما يجده العربي المسلم من فهمٍ وانفعالٍ وارتباطٍ بالقرآن أو الحديث عند قراءتهما مثلًا, فلا شكَّ أن المعنى دون ملاحظة هذه الارتباطات التي يتضح بها المقام ناقص كل النقص.
وهذه المقامات الاجتماعية هي نسيج الثقافة بمعناها الأنثربولوجي الأعمِّ لا بمعناها التربوي الأخص, أي: إنها هي نسيج العادات والتقاليد والأعمال اليومية والفولكلور الشعبي والذاكرة الشعبية, ثم الإحساسات والعواطف الشعبية, ومن ثَمَّ لا تخضع هذه المقامات للتقعيد والضبط كما يخضع تقعيد الأنظمة اللغوية, ولكن الباحث مع ذلك يستطيع أن يصل إلى أنواع منها, وأن يرصد ما يستعمل من "مقال" في كل "مقام" بحسب العادة دون أن يدعى لارتباط هذا المقال بما نسب إليه من مقام أي نوع من أنواع الحتمية؛ لأن المقامات والمقالات جميعًا من عمل الإنسان, والإنسان أكثر شيء استعصاء على الضبط والتقعيد, ويكفي للدلالة على ذلك ما ورد في الأثر من قوله: "اتق شر من أحسنت إليه", فلو خضع الإنسان لقاعدة لتوقع المحسن ممن أحسن إليه الخير, ولم يتق منه الشر.
بقي أن نشير إلى أن النظر في المعنى الدلالي نظر في معنى الكلام "لفظًا أو كتابة" بواسطة علمي اللغة والاجتماع, ذلك بأن المعنى الذي ننظر فيه هنا معنى مقالٍ جرى استعماله فعلًا في مقام ما, بالنطق أو بالكتابة, والاستعمال هو الأداء, وهو الكلام بنوعية السمعي النطقي والبصري الكتابي. هذا هو تشقيق المعنى, وقد رأينا أنه ينبني على تشقيق اللغة نفسها, وعلى النظر إلى كل شقٍّ منها باعتباره فرعًا من فروع البحث في المعنى, مما يؤدي في النهاية إلى أن تكون اللغة في عمومها نظامًا عرفيًّا يشرح العلاقة الاعتباطية بين الرمز وبين المعنى من حيث عرفيتها واطرادها. أما تحليل المعنى على المستويات المختلفة فإنه
стр. 35
يشغل كل ما يتلو ذلك من صفحات هذا الكتاب, فسننظر أولًا في الطبيعة العملية للدراسة الصوتية, وفي الصلة بين علم الأصوات وبين الدراسات اللغوية, مقدِّمين بذلك لدراسة الفروع التي تتناول المعنى على مستوياته المختلفة؛ كالصوتيات والصرف والنحو, وهي الفروع التي تدرس المعنى الوظيفي, موضحين بعد ذلك طبيعة المعنى المعجمي, ثم معنى المقام, واصلين من كل ذلك إلى المعنى الدلالي.
стр. 36
الأصوات:
سبق أن فرَّقنا في الفهم بين الكلام واللغة, وبينَّا أن الكلام أداء فردي في إطار اجتماعي ما، وهذا الإطار الاجتماعي هو اللغة, وحين يتكلّم الفرد يتم كلامه في إحدى صورتين شهيرتين: إما النطق وإما الكتابة. وليس يدخل في غايتنا هنا أن نشرح كيف تتمّ الكتابة, ولا أن نقوم بدراسة تحليلية لمنحنيات الرموز الكتابية وزواياها, ولا أن نلقى ضوءًا أيًّا كان على الرموز الكتابية التي يستعملها "المتكلم", فذلك أمر تهتم به دراسات من نوع آخر, ولكننا مع كل التأكيد لا نستطيع أن نتخلَّى بنفس القدر من اللامبالاة عن العمل النطقي الذي يقوم به الإنسان الفرد, وذلك للأسباب الآتية:
١- إن تقاليد السماع في الكلام بحكم قِدَمِها, وحداثة تقاليد الكتابة جعلت الكلام المسموع يبدو أكبر أهميةً من الكلام المنظور, ذلك لأنه أدخل في الحياة من الكتابة, وأوغل في سلوك الفرد والمجتمع, حتى لقد زعم بعض العلماء أن التفكير لا يتمّ بدون الكلمات, ولعله قصد بالكلمات هنا ما قصده المتنبي بقوله:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا
٢- إن اعتماد الكلام المنطوق على أساسين أحدهما حركيّ يسمَّى المخارج, والثاني سمعي يسمى الصفات, قد عدد أسس الاختلاف بين الأصوات المنطوقة, فأمكن لهذه الأسس وما بينها وما في خلالها من مقابلات أو قيم خلافية أن تكون منطلقًا مناسبًا للسعي إلى إنشاء نظام صوتي لغوي تستخدم فيه هذه القيم الخلافية بين المخرج والمخرج, وبين الشدة والرخاوة مثلًا, وبين الجهر والهمس, وبين التفخيم والترقيق. أما الحركات الكتابية فلا تتعدد فيها الأسس على هذا النحو, ومن ثَمَّ لا يمكن أن يكون للنظام الكتابي من التركيب والتنوع ما للنظام الصوتي منهما.
٣- إن الكلام المسموع يتَّسِمُ أحيانًا بطابع التضارب بينه وبين الأنظمة اللغوية "أي القواعد" صوتية كانت أو صرفية أو نحوية, وعند ظهور مشاكل
стр. 37
تطبيق الأنظمة على الكلام المنطوق تعمد اللغة إلى تقديم طائفة من الحلول تسمَّى الظواهر الموقعية١ أو المعالم السياقية, وإنَّ اختصاص النطق دون الكتابة بهذه الظواهر يجعل الكلام المسموع أغنَى وأكثر تنوعًا من الكلام المكتوب.
٤- إن وجود النَّبر والتنغيم بالذات -من بين الظواهر المذكورة- في الكلام المسموع دون المكتوب يجعل الأول أقدر في الكشف عن ظلال المعنى ودقائقه من الثاني, ولقد حاولت الكتابة أن تستعيض عن التنغيم بالترقيم, ولكنها لن تعوض النَّبر بوسيلة أخرى, ولم يحاول الكاتبون ذلك.
لهذا كانت دراسة الكلام المنطوق المسموع مقدمة لا بُدَّ منها لدراسة الأنظمة -القواعد- اللغوية, أو بعبارة أخرى: لدراسة اللغة نفسها، وأصبح علم الأصوات تمهيدًا بالملاحظة الحسية لإنشاء علم الصوتيات الذي هو تخطيط عقلي لقواعد الأصوات, بناءً على هذه الملاحظة الحسية.
إذا رأى أحدنا سائق سيارة يصدم أحد المارة وتطوَّع بالشهادة أمام شرطة المرور, فإنه قد يقتصر على وصف الحركة التي أدَّت إلى المصادمة فيقول: "إن السيارة كانت مسرعة على الجانب الفلاني من الطريق, وعبر هذا الشخص الطريق في الوقت الذي كان النور الأخضر فيه مضاءً أمام السيارة, وحاول السائق أن يتوقَّف قبل بلوغ هذا الشخص, ولكنه لم يتمكن". في هذه الحالة يكون وصفه للأحداث غير مختلط بتفسيرها في ضوء قواعد المرور, ولكنه إذا جاء في كلامه بما كان ينبغي لهذا أو ذاك أن يفعله حسب ما تقضي به قوانين المرور, فقد بدأ يتخطَّى مجرد الوصف الحسي إلى ذكر قواعد معينة تُرَاعَى في العادة. وحين كان هذا الشاهد يقصر كلامه على وصف الحركات التي لاحظها فحسب, كان موقفه شبيهًا بموقف الباحث في أصوات اللغة, فهو يلاحظ ما يقوم به الجهاز النطقي لدى المتكلم من حركات, وما يصاحب هذه الحركات من آثار سمعية فيسجل ذلك ويكتفي به. وحين كان الشاهد المذكور يفسِّر موقف السائق وموقف الماشي في ضوء نظام المرور كان عمله
стр. 38
شبيهًا بعمل صاحب الصوتيات الذي يهتم من الحركات والآثار النطقية بما لكلٍّ منهما من وظائف, وبما بين كل واحدة منها وبين الأخرى من علاقات, ويضعها جميعًا في إطار فهم معين. فعالم الأصوات مسجل, وعالم الصوتيات مفسِّر ومنظم, وأولهما يلاحظ والثاني يُقَعِّدُ.
فعلم الأصوات دراسة عملية لموضوع مدرَكٍ بالحواس؛ لأن حاسة النظر ترى من حركات الجهاز النطقي حركة الشفتين والفك الأسفل وبعض حركات اللسان, ثم ترى كذلك بعض الحركات المصاحبة التي تقوم بها عضلات الوجه, وحاسَّة السمع تدرك الآثار السمعية المصاحبة لهذه الحركات العضوية, فتميز انحباس الهواء وتسريحه بعد انحباسه, واحتكاكه بأعضاء الجهاز النطقي بسبب تضييق المجرى عند نقطة معينة من هذا الجهاز, وحرية مرور الهواء عند عدم الحبس والتضييق, واختلاف قيمة الصوت عند اختلاف شكل حجرة الرنين, وكون النطق مجهورًا حينًا ومهموسًا حينًا آخر, وهلم جرا مما تستطيع الحواس أن تدركه, سواء أكان الشخص الذي يدرك هذ المحسوسات على معرفة باللغة التي يستعملها المتكلم أم لا. ولا شك أن كل واحد منَّا قد جرّب ذات مرة أن يستمع إلى متكلمٍ بلغة غير مألوفة له أنه لاحظ حركات المتكلم وسمع صوته وما يعرو كلًّا منهما من تغير تدركه الحواس, حتى إنه قد يسلي نفسه أحيانًا بتقليد أصوات هذه اللغة غير المفهومة التي تعتَبر بالنسبة إليه "رطانة".
هذا بالنسبة لمن لا خبرة له بعلم الأصوات, فإذا كان له تدريب في الاستماع والملاحظة والتسجيل والوصف, فإن موقفه -ولو كان يجهل اللغة المسموعة أيضًا- لا بُدَّ أن يلحقه بعض التغيير, وإنه لا يقنع في هذه الحالة بتسلية نفسه بمحاولة تقليد الرطانة, وإنما يصغي إلى ما يسمعه من كلام فيسجّل أصواته بالكتابة الصوتية, ثم يعيد سماعه من شريط تسجيل أو أسطوانة, فيكرر الاستماع إلى الجملة مرات متعددة ليتحقق بذلك من حسن ملاحظته ودقة تسجيله, ثم يصف الأصوات التي سمعها وصفًا علميًّا من الناحيتين الحركية والسمعية, وقد يستخدم في توثيق ملاحظته منهجًا آليًّا مما يستخدم في معمل الأصوات, ولكنه لا يحاول أن ينظم هذه الأصوات في مجموعات تقوم كل مجموعة
стр. 39
-حرف- منها بوظيفة معينة في نظام صوتي؛ لأنه إذا بدا يفعل ذلك فقد تخطَّى علم الأصوات إلى علم الصوتيات, ولكنه يستطيع أن يضع جدولًا للأصوات بحسب مخارجها وصفاتها دون أن يقسمها إلى حروف, أو أن يضع أيّ واحد منه موضعًا تنظيميًّا خاصًّا خارج إطار الملاحظة الخالصة. حتى الجدول الذي وضعه للأصوات لا يعتبر محاولة للتنظيم اللغوي -لأنه كما ذكرنا لا يعرف اللغة- وإنما يعتبر تلخيصًا لعلاقات بين مدركات حسية صوتية تظل تنتظر من يبوبها ويقسمها ويجعل كل قسم منها حرفًا من حروف النظام الصوتي للغة, أو بعبارة أخرى: تنتظر من يرتِّبها في جدول تنظيمي يحكي ما يربطها من علاقات عضوية, أو يفرق بينها من قيم خلافية؛ إذ لا يمكن للأصوات أن تعتبر جزءًا من اللغة إلّا من خلال هذ العلاقات والمقابلات. ومن هنا يتحتّم على من يتصدى لتنظيم الأصوات وتقسيمها إلى حروف أن يكون على قدر من المعرفة باللغة في عمومها أو بمفرداتها على الأقل, وسوف يبدو لنا السبب في اشتراط هذا القدر من المعرفة عند الكلام عن طريقة استنباط هذا النظام الصوتي من المادة الحاضرة, وهي الأصوات المدرَكَة الموصوفة؛ حيث يتمّ الاستنباط بواسطة الاستبدال والحذف والإضافة على نحو ما سنرى.
فإذا كان الأمر كذلك, فكيف كان موقف النحاة العرب من دراسة الأصوات العربية؟
لست أشك لحظة واحدة في أنّ هؤلاء العلماء الأجلاء قد استطاعوا بالملاحظة فقط -ومعها كل الصعوبات التي تواجه الطليعة في العادة- أن يصلوا إلى وصف دقيق للأصوات العربية دون أن يكون لهم من الوسائل الآلية التي يستخدمها المحدثون ما يستطيعون بواسطته توثيق نتائج مدركاتهم الحسية, ولقد بينوا مخارج الأصوات وصفاتها, واشتمل ذلك عند الكثيرين منهم على أصوات غير عربية شاعت في البيئة العربية في القرن الثاني الهجري, وقد سمَّى سيبويه بعض هذه الأصوات الأجنبية وشبهها أصواتًا عربية مشهورة, ووصف ذلك بأنه "غير مستحسن ولا كثير في لغة من ترضى عربيته, ولا يستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر١".
стр. 40
ويظهر أن سيبويه كان على وعي تامٍّ بأن دراسة الأصوات مقدمة لا بُدَّ منها لدراسة اللغة، وأن النظام الصوتي ضروري لمن أراد دراسة النظام الصرفي, بل لعله كان يرى في النظام الصوتي جزءًا لاحقًًا، أو من دراسة الصرف نفسها, حتى إنه حين وضع الدراسات الصوتية تحت عنوان: "باب الإدغام" قد كشف عن وجهة نظره هذه من جهة, وقيد دراسة الأصوات وضيَّق مجالها من جهة خرى. وتأتي دعوى تضييق سيبويه لمجال دراسة الأصوات من أن الإدغام ليس جزءًا من النظام الصوتي, وإنما هو ظاهرة موقعة سياقية ترتبط بمواقع محدَّدة يلتقي في كلٍّ منها صوتان؛ السابق منهما ساكن والتالي متحرك, فإذا تحقَّقت صفات خاصة في الصوتين جميعًا تحققت بذلك ظاهرة الإدغام كما فهمها سيبويه. ولكن سيبويه مهَّد لدراسة الإدغام بدراسة الأصوات العربية تحت العنوان نفسه: "باب الإدغام", فتناول هذه الأصوات بالوصف من حيث المخرج وطريقة النطق والجهر والهمس والتفخيم والترقيق, ناظرًا إلى الصوت في حالة عزلة عن السياق, تاركًا سلوك الصوت في السياق إلى دراسة الإدغام نفسه, ناهجًا في ذلك كله نهج النحاة -وهو من كبار أئمتهم- عندما درسوا الزمن النحوي؛ حيث نسبوا للصيغة في عزلتها زمنًا صرفيًّا, ولكنهم حين رأوا لها في السياق زمنًا آخر قد لا يطابق الزمن الصرفي جعلوا ينسبون الزمن إلى عناصر غير الأفعال وما جرى مجراها, فقد نسبوه إلى الأدوات وإلى بعض الجهات كالقلب والتنفيس وإلى بعض الظروف كذلك.
ولقد اتجه سيبويه وأصحابه عند النظر في استنباط الحروف من الأصوات اتجاهًا عكس ما يراه المحدثون، فسوف نرى في دراسة الصوتيات أن اتجاه البحث الحديث إنما يكون من الأصوات إلى الحروف؛ إذ ينظم الباحث ما لديه من أصوات جرت ملاحظتها ووصفها فيبوبها إلى مجموعات تسمى كل مجموعة منها حرفًا, وذلك كأن يجمع الأصوات المختلفة الدالة على النون مع