← Язык

Язык · id 9970

اللغة العربية معناها ومبناها

تمام حسان

Полный текст (361 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأصوات: سبق أن فرَّقنا في الفهم بين الكلام واللغة, وبينَّا أن الكلام أداء فردي في إطار اجتماعي ما، وهذا الإطار الاجتماعي هو اللغة, وحين يتكلّم الفرد يتم كلامه في إحدى صورتين شهيرتين: إما النطق وإما الكتابة. وليس يدخل في غايتنا هنا أن نشرح كيف تتمّ الكتابة, ولا أن نقوم بدراسة تحليلية لمنحنيات الرموز الكتابية وزواياها, ولا أن نلقى ضوءًا أيًّا كان على الرموز الكتابية التي يستعملها "المتكلم", فذلك أمر تهتم به دراسات من نوع آخر, ولكننا مع كل التأكيد لا نستطيع أن نتخلَّى بنفس القدر من اللامبالاة عن العمل النطقي الذي يقوم به الإنسان الفرد, وذلك للأسباب الآتية: ١- إن تقاليد السماع في الكلام بحكم قِدَمِها, وحداثة تقاليد الكتابة جعلت الكلام المسموع يبدو أكبر أهميةً من الكلام المنظور, ذلك لأنه أدخل في الحياة من الكتابة, وأوغل في سلوك الفرد والمجتمع, حتى لقد زعم بعض العلماء أن التفكير لا يتمّ بدون الكلمات, ولعله قصد بالكلمات هنا ما قصده المتنبي بقوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا ٢- إن اعتماد الكلام المنطوق على أساسين أحدهما حركيّ يسمَّى المخارج, والثاني سمعي يسمى الصفات, قد عدد أسس الاختلاف بين الأصوات المنطوقة, فأمكن لهذه الأسس وما بينها وما في خلالها من مقابلات أو قيم خلافية أن تكون منطلقًا مناسبًا للسعي إلى إنشاء نظام صوتي لغوي تستخدم فيه هذه القيم الخلافية بين المخرج والمخرج, وبين الشدة والرخاوة مثلًا, وبين الجهر والهمس, وبين التفخيم والترقيق. أما الحركات الكتابية فلا تتعدد فيها الأسس على هذا النحو, ومن ثَمَّ لا يمكن أن يكون للنظام الكتابي من التركيب والتنوع ما للنظام الصوتي منهما. ٣- إن الكلام المسموع يتَّسِمُ أحيانًا بطابع التضارب بينه وبين الأنظمة اللغوية "أي القواعد" صوتية كانت أو صرفية أو نحوية, وعند ظهور مشاكل

стр. 37

تطبيق الأنظمة على الكلام المنطوق تعمد اللغة إلى تقديم طائفة من الحلول تسمَّى الظواهر الموقعية١ أو المعالم السياقية, وإنَّ اختصاص النطق دون الكتابة بهذه الظواهر يجعل الكلام المسموع أغنَى وأكثر تنوعًا من الكلام المكتوب. ٤- إن وجود النَّبر والتنغيم بالذات -من بين الظواهر المذكورة- في الكلام المسموع دون المكتوب يجعل الأول أقدر في الكشف عن ظلال المعنى ودقائقه من الثاني, ولقد حاولت الكتابة أن تستعيض عن التنغيم بالترقيم, ولكنها لن تعوض النَّبر بوسيلة أخرى, ولم يحاول الكاتبون ذلك. لهذا كانت دراسة الكلام المنطوق المسموع مقدمة لا بُدَّ منها لدراسة الأنظمة -القواعد- اللغوية, أو بعبارة أخرى: لدراسة اللغة نفسها، وأصبح علم الأصوات تمهيدًا بالملاحظة الحسية لإنشاء علم الصوتيات الذي هو تخطيط عقلي لقواعد الأصوات, بناءً على هذه الملاحظة الحسية. إذا رأى أحدنا سائق سيارة يصدم أحد المارة وتطوَّع بالشهادة أمام شرطة المرور, فإنه قد يقتصر على وصف الحركة التي أدَّت إلى المصادمة فيقول: "إن السيارة كانت مسرعة على الجانب الفلاني من الطريق, وعبر هذا الشخص الطريق في الوقت الذي كان النور الأخضر فيه مضاءً أمام السيارة, وحاول السائق أن يتوقَّف قبل بلوغ هذا الشخص, ولكنه لم يتمكن". في هذه الحالة يكون وصفه للأحداث غير مختلط بتفسيرها في ضوء قواعد المرور, ولكنه إذا جاء في كلامه بما كان ينبغي لهذا أو ذاك أن يفعله حسب ما تقضي به قوانين المرور, فقد بدأ يتخطَّى مجرد الوصف الحسي إلى ذكر قواعد معينة تُرَاعَى في العادة. وحين كان هذا الشاهد يقصر كلامه على وصف الحركات التي لاحظها فحسب, كان موقفه شبيهًا بموقف الباحث في أصوات اللغة, فهو يلاحظ ما يقوم به الجهاز النطقي لدى المتكلم من حركات, وما يصاحب هذه الحركات من آثار سمعية فيسجل ذلك ويكتفي به. وحين كان الشاهد المذكور يفسِّر موقف السائق وموقف الماشي في ضوء نظام المرور كان عمله

стр. 38

شبيهًا بعمل صاحب الصوتيات الذي يهتم من الحركات والآثار النطقية بما لكلٍّ منهما من وظائف, وبما بين كل واحدة منها وبين الأخرى من علاقات, ويضعها جميعًا في إطار فهم معين. فعالم الأصوات مسجل, وعالم الصوتيات مفسِّر ومنظم, وأولهما يلاحظ والثاني يُقَعِّدُ. فعلم الأصوات دراسة عملية لموضوع مدرَكٍ بالحواس؛ لأن حاسة النظر ترى من حركات الجهاز النطقي حركة الشفتين والفك الأسفل وبعض حركات اللسان, ثم ترى كذلك بعض الحركات المصاحبة التي تقوم بها عضلات الوجه, وحاسَّة السمع تدرك الآثار السمعية المصاحبة لهذه الحركات العضوية, فتميز انحباس الهواء وتسريحه بعد انحباسه, واحتكاكه بأعضاء الجهاز النطقي بسبب تضييق المجرى عند نقطة معينة من هذا الجهاز, وحرية مرور الهواء عند عدم الحبس والتضييق, واختلاف قيمة الصوت عند اختلاف شكل حجرة الرنين, وكون النطق مجهورًا حينًا ومهموسًا حينًا آخر, وهلم جرا مما تستطيع الحواس أن تدركه, سواء أكان الشخص الذي يدرك هذ المحسوسات على معرفة باللغة التي يستعملها المتكلم أم لا. ولا شك أن كل واحد منَّا قد جرّب ذات مرة أن يستمع إلى متكلمٍ بلغة غير مألوفة له أنه لاحظ حركات المتكلم وسمع صوته وما يعرو كلًّا منهما من تغير تدركه الحواس, حتى إنه قد يسلي نفسه أحيانًا بتقليد أصوات هذه اللغة غير المفهومة التي تعتَبر بالنسبة إليه "رطانة". هذا بالنسبة لمن لا خبرة له بعلم الأصوات, فإذا كان له تدريب في الاستماع والملاحظة والتسجيل والوصف, فإن موقفه -ولو كان يجهل اللغة المسموعة أيضًا- لا بُدَّ أن يلحقه بعض التغيير, وإنه لا يقنع في هذه الحالة بتسلية نفسه بمحاولة تقليد الرطانة, وإنما يصغي إلى ما يسمعه من كلام فيسجّل أصواته بالكتابة الصوتية, ثم يعيد سماعه من شريط تسجيل أو أسطوانة, فيكرر الاستماع إلى الجملة مرات متعددة ليتحقق بذلك من حسن ملاحظته ودقة تسجيله, ثم يصف الأصوات التي سمعها وصفًا علميًّا من الناحيتين الحركية والسمعية, وقد يستخدم في توثيق ملاحظته منهجًا آليًّا مما يستخدم في معمل الأصوات, ولكنه لا يحاول أن ينظم هذه الأصوات في مجموعات تقوم كل مجموعة

стр. 39

-حرف- منها بوظيفة معينة في نظام صوتي؛ لأنه إذا بدا يفعل ذلك فقد تخطَّى علم الأصوات إلى علم الصوتيات, ولكنه يستطيع أن يضع جدولًا للأصوات بحسب مخارجها وصفاتها دون أن يقسمها إلى حروف, أو أن يضع أيّ واحد منه موضعًا تنظيميًّا خاصًّا خارج إطار الملاحظة الخالصة. حتى الجدول الذي وضعه للأصوات لا يعتبر محاولة للتنظيم اللغوي -لأنه كما ذكرنا لا يعرف اللغة- وإنما يعتبر تلخيصًا لعلاقات بين مدركات حسية صوتية تظل تنتظر من يبوبها ويقسمها ويجعل كل قسم منها حرفًا من حروف النظام الصوتي للغة, أو بعبارة أخرى: تنتظر من يرتِّبها في جدول تنظيمي يحكي ما يربطها من علاقات عضوية, أو يفرق بينها من قيم خلافية؛ إذ لا يمكن للأصوات أن تعتبر جزءًا من اللغة إلّا من خلال هذ العلاقات والمقابلات. ومن هنا يتحتّم على من يتصدى لتنظيم الأصوات وتقسيمها إلى حروف أن يكون على قدر من المعرفة باللغة في عمومها أو بمفرداتها على الأقل, وسوف يبدو لنا السبب في اشتراط هذا القدر من المعرفة عند الكلام عن طريقة استنباط هذا النظام الصوتي من المادة الحاضرة, وهي الأصوات المدرَكَة الموصوفة؛ حيث يتمّ الاستنباط بواسطة الاستبدال والحذف والإضافة على نحو ما سنرى. فإذا كان الأمر كذلك, فكيف كان موقف النحاة العرب من دراسة الأصوات العربية؟ لست أشك لحظة واحدة في أنّ هؤلاء العلماء الأجلاء قد استطاعوا بالملاحظة فقط -ومعها كل الصعوبات التي تواجه الطليعة في العادة- أن يصلوا إلى وصف دقيق للأصوات العربية دون أن يكون لهم من الوسائل الآلية التي يستخدمها المحدثون ما يستطيعون بواسطته توثيق نتائج مدركاتهم الحسية, ولقد بينوا مخارج الأصوات وصفاتها, واشتمل ذلك عند الكثيرين منهم على أصوات غير عربية شاعت في البيئة العربية في القرن الثاني الهجري, وقد سمَّى سيبويه بعض هذه الأصوات الأجنبية وشبهها أصواتًا عربية مشهورة, ووصف ذلك بأنه "غير مستحسن ولا كثير في لغة من ترضى عربيته, ولا يستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر١".

стр. 40

ويظهر أن سيبويه كان على وعي تامٍّ بأن دراسة الأصوات مقدمة لا بُدَّ منها لدراسة اللغة، وأن النظام الصوتي ضروري لمن أراد دراسة النظام الصرفي, بل لعله كان يرى في النظام الصوتي جزءًا لاحقًًا، أو من دراسة الصرف نفسها, حتى إنه حين وضع الدراسات الصوتية تحت عنوان: "باب الإدغام" قد كشف عن وجهة نظره هذه من جهة, وقيد دراسة الأصوات وضيَّق مجالها من جهة خرى. وتأتي دعوى تضييق سيبويه لمجال دراسة الأصوات من أن الإدغام ليس جزءًا من النظام الصوتي, وإنما هو ظاهرة موقعة سياقية ترتبط بمواقع محدَّدة يلتقي في كلٍّ منها صوتان؛ السابق منهما ساكن والتالي متحرك, فإذا تحقَّقت صفات خاصة في الصوتين جميعًا تحققت بذلك ظاهرة الإدغام كما فهمها سيبويه. ولكن سيبويه مهَّد لدراسة الإدغام بدراسة الأصوات العربية تحت العنوان نفسه: "باب الإدغام", فتناول هذه الأصوات بالوصف من حيث المخرج وطريقة النطق والجهر والهمس والتفخيم والترقيق, ناظرًا إلى الصوت في حالة عزلة عن السياق, تاركًا سلوك الصوت في السياق إلى دراسة الإدغام نفسه, ناهجًا في ذلك كله نهج النحاة -وهو من كبار أئمتهم- عندما درسوا الزمن النحوي؛ حيث نسبوا للصيغة في عزلتها زمنًا صرفيًّا, ولكنهم حين رأوا لها في السياق زمنًا آخر قد لا يطابق الزمن الصرفي جعلوا ينسبون الزمن إلى عناصر غير الأفعال وما جرى مجراها, فقد نسبوه إلى الأدوات وإلى بعض الجهات كالقلب والتنفيس وإلى بعض الظروف كذلك. ولقد اتجه سيبويه وأصحابه عند النظر في استنباط الحروف من الأصوات اتجاهًا عكس ما يراه المحدثون، فسوف نرى في دراسة الصوتيات أن اتجاه البحث الحديث إنما يكون من الأصوات إلى الحروف؛ إذ ينظم الباحث ما لديه من أصوات جرت ملاحظتها ووصفها فيبوبها إلى مجموعات تسمى كل مجموعة منها حرفًا, وذلك كأن يجمع الأصوات المختلفة الدالة على النون مع

стр. 41

اختلاف المخارج بين هذه الأصوات فيجعلها تحت عنوان واحد هو "حرف النون", ولكن سيبويه وأصحابه حين تصدَّوا لتحليل الأصوات العربية كان بين أيديهم نظام صوتي كامل معروف ومشهور للغة العربية, وكانت الحروف التي يشتمل عليها هذا النظام قد جرى تطويعها للكتابة منذ زمن طويل, فكان لكل حرفٍ منها رمز كتابي يدل على الحرف في عمومه دون النظر إلى ما يندرج تحته من أصوات, فارتضى سيبويه وأصحابه هذا النظام الصوتي المشهور, واتخذوه نقطة ابتداء في دراستهم للأصوات العربية, ومن هنا رأينا الأصوات العربية التي تحت كل حرف من هذا النظام لا تعدو أن تكون صفة لهذا الحرف, كأن تكون إدغامًا له أو إقلابًا أو إخفاءً أو إمالةً وهلم جرا. وهكذا جاء منهج النحاة في دراسة الأصوات من حيث اتجاه الحركة عكس المنهج الحديث. ولقد رأى سيبويه -وهو رأي شيوخه وأصحابه كذلك- أن أصول حروف العربية -يقصد الأصوات الرئيسية لحروفها- تبلغ في عددها تسعة وعشرين حرفًا هي: ١- الهمزة ورمزهاء ٢- الألف ورمزها ا ٣- الهاء ورمزها هـ ٤- العين ورمزها ع ٥- الحاء ورمزها ح ٦- الغين ورمزها غ ٧- الخاء ورمزها خ ٨- الكاف ورمزها ك ٩- القاف ورمزها ق

стр. 42

١٠- الضاد ورمزها ض ١١- الجيم ورمزها ج ١٢- الشين ورمزها ش ١٣- الياء ورمزها ي ١٤- اللام ورمزها ل ١٥- الراء ورمزها ر ١٦- النون ورمزها ن ١٧- الطاء ورمزها ط ١٨- الدال ورمزها د ١٩- التاء ورمزها ت ٢٠- الصاد ورمزها ص ٢١- الزاي ورمزها ز ٢٢- السين ورمزها س ٢٣- الظاء ورمزها ظ ٢٤- الذال ورمزها ذ ٢٥- الثاء ورمزها ث ٢٦- الفاء ورمزها ف ٢٧- الباء ورمزها ب ٢٨- الميم ورمزها م ٢٩- الواو ورمزها وثم يضيف سيبويه إلى ذلك ستة فروع أصلها من التسعة والعشرين, وهي كثيرة -يقصد كثة ورودها في الكلام frequency- يؤخذ بها, وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار وهي:

стр. 43

٣٠- النون الخفية: والذي في كتاب سيبويه هو وصفها بلفظ "الخفيفة", والمعروف أن النون الخفية غير النون الخفيفة؛ فالخفية هي نون الإخفاء قبل حروف الفم وهي التاء والثاء الجيم والدال والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والفاء والقاف والكاف, وأما الخفيفة فهي إحدى نوني التوكيد، ولها أحكام في الوقف تفردها بطابعٍ خاصٍّ حيث تصير في الوقف ألفًا نحو قفا = قفن. ٣١- الهمزة التي بين بين: وهي همزة متحركة تكون بعد ألف أو بعد حركة, فتصير في النطق مجرد خفقة صدرية لا يصاحبها إقفال للأوتار الصوتية نحو: "أأنت قلت للناس", فإذا كانت الهمزة مفتوحة مكسورًا ما قبلها قلبت ياء, أو مضمومًا ما قبلها قلبت واوًا. ٣٢- الألف الممالة إمالة شديدة: والمقصود به الألف الجانحة نحو الياء, وهي التي يقرأ بها القراء مثلًا قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ فيجعلون صوت الألف الأخيرة في "الضحى" و"سجى" كصوت الياء في نطق العامة في مصر لكلمة "بيت". ٣٣- ألف التفخيم بلغة أهل الحجاز: وهي ألف تستدير في نطقها الشفتان قليلًا مع اتساع الفم نتيجة لحركة الفك الأسفل, ويرتفع مؤخر اللسان قليلًا فيصير الفم في مجموعه حجرة رنين صالحة لإنتاج القيمة الصوتية التي نسميها التفخيم على لغة أهل الحجاز, وهو أوغل في بابه من تفخيم القبائل الأخرى, حتى إن بعض الألفات المفخَّمة على لغة الحجازيين في مثل كلمتي: الصلاة والزكاة, لما جاورت أصواتًا غير مطبقة, فخشي مدونوا القرآن على تفخيم الألف، فلهذا السبب كتبوها في صورة الواو ليعلم القارئ أن هذه الألف مفخمة. ٣٤- الشين التي كالجيم: وهي الشين المجهورة التي تشبه صوت الجيم في اللهجة السورية واللبنانية, فكان الناطقون بهذه الشين من العرب

стр. 44

يجعلون كلمة أشدق كأنها أجدق, ومثل هذا ما نسمعه في لهجة القاهريين في كلمات مثل الأشغال والأشجار. ٣٥- الصاد التي كالزاي: وهي صاد مجهورة مفخَّمة تشبه نطق العامة في مصر للظاء في كلمة "ظالم" مثلًا, والقاهريون ينطقون هذه الصاد المجهورة في كلمة "مصدر" كما كان العرب ينطقونها قديمًا, ولكن العرب كانوا ينطقونها من أجل الصاد في مثل: الصقر والصراط كذلك. ثم يضيف سيبويه إلى ذلك "حروفًا" ثمانية أخرى غير مستحسنة ولا كثيرة frequent في لغة من تُرْتَضَى عربيته, ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر, ولم يحدد سيبويه بالنسبة لهذه الثمانية ما إذا كانت قاصرة على الكلمات المعرَّبة من اللغات الأجنبية دون الكلمات الأصيلة في العربية, أو أنها كانت توجد في الكلمات الأصيلة كذلك، ولم يذكر سيبويه أيضًا ما إذا كانت هذه الأصوات لحنًا مما أصاب ألسنة العرب بسبب مخالطتهم الموالي, أو أنها وردت على ألسنة الموالي فقط, ثم إنه لم يشر إلى تقدير ما زعمه من كثرة الكثير وقِلَّة القليل في كل ما أورده, وهذ الأصوات الثمانية هي: ٣٦- الكاف التي بين الجيم والكاف: ولم يمثِّل سيبويه لهذا الصوت, ولكن ابن عصفور في كتابه المقرب١ قال: إن الفعل الماضي "كمل" يصير عند النطق على طريقة هذ الكاف "جمل", ولكن التمثيل الخطَّي بصورة الجيم غير دقيق؛ لأن الجيم مجهورة, وهذا الصوت من أصوات الكاف لم يفقد همسه وإن أصبح معطشًا كتعطيش الجيم, وهذا الصوت هو الذي يصفه النحاة باصطلاح الكشكشة, وهو شبيه لما في نطق العراقيين لكلمة "كيف". ويسمع المرء مثل هذه الكاف في كلام بعض سكان المنطقة التي تقع على الحدود بين محافطتي الشرقية والدقهلية في شرق الدلتا.

стр. 45

٣٧- الجيم التي كالكاف: ولم نجد في كلام سيبويه تمثيلًا لهذه الجيم, ولكن ابن عصور جاء بمثال لها في المقرب أيضًا, إن كلمة "رجل" تصير بهذه الجيم إلى "ركل" ragul, وهو بهذا يجعل هذه الجيم أختًا للجيم القاهرية ومطابقة لها تمامًا. ٣٨- الجيم التي كالشين: ولم يمثل لها سيبويه, ولكن الواضح أن هذه المشبهة للشين كانت صوتًا من أصوات الجيم لا يرد إلّا في موقع خاصٍّ هو موقعه قبل تاء الافتعال, وقد مثَّل ابن عصفور له بكلمة "اجتمعوا" التي تصير إلى "اشتمعوا", ونحن نعرف أن الكلمة الفصيحة "اجتر" قد أصبحت بفضل هذا الصوت من أصوات الجيم على صورة "اشتر", وهكذا شاعت على ألسنة الفلاحين في ريف مصر شمالًا وجنوبًا. ٣٩- الضاد الضعيفة: ولسنا نجد تمثيلًا لها في كتاب سيبويه, ولم نر فيه شرحًا لطابع ضعفها, ولكننا نعرف أن الضاد الفصيحة كانت تنطق بواسطة احتكاك هواء الزفير المجهور بجانب اللسان والأضراس المقابلة لهذا الجانب, ومن ثَمَّ يكون صوت الضاد الفصيحة من بين أصوات الرخاوة, مثله في ذلك مثل الثاء. ومن هناء وجدنا بعض العرب حين ينطقون كلمة تشتمل على صوت الثاء متلوًّا بحرف مفخم مجهور يحدث في نطق الثاء شيء من عدوى التفخيم والجهر الضعيفة, فتصير الثاء بذلك ضادًا ضعيفة, وقد مثَّل ابن عصفور لها بكلمة "أثر" التي تعتبر "أضر", مع ملاحظة ما سبق من وصف نطق الضاد. ٤٠- الصاد التي كالسين: ومع أن سيبويه لم يمثل لهذه الصاد لا نجد صعوبة في تصوّر المراد من هذا الشبه؛ إذ أن الصاد والسين تشتركان في المخرج وفي الصفات كلها إلّا التفخيم والترقيق, فالصاد مفخَّمة والسين مرقَّقة, وهذا هو الفارق الوحيد بينهما, ومن ثَمَّ فإن إحداهما إذا أشبهت الأخرى فلا بُدَّ أن يكون معنى ذلك مشاركتها في الصفة الوحيدة التي فارقتها من جهتها, فإذا أشبهت الصاد السين فإن معنى أن تترك الصاد تفخيمها إلى ترقيق السين

стр. 46

وقد مثَّل ابن عصفور لهذا الصوت من أصوات الصاد بكلمة "صابر" التي تصير "سابر", ومثل هذه الصاد ما نسمعه اليوم على ألسنة النساء ولا سيما المتشبهات منهن بالأجنبيات. ٤١- الطاء التي كالتاء: ولم يمثِّل سيبويه لهذه الطاء أيضًا, ولكن كلامًا شبيهًا بما قيل في وجه الشبه بين الصاد والسين يمكن أن يقال هنا أيضًا في وجه الشبه بين الطاء والتاء, فالمعروف أن التفخيم والترقيق هو أوضح ما يفرق بين الطاء والتاء الآن, فإذا أشبهت الطاء التاء فقدت تفخيمها, وقد مثَّل ابن عصفور١ لهذا الصوت بكلمة "طال" التي تصير إلى صورة "تال", ونحن نسمع من النساء السابق ذكرهن مثل هذه الطاء في وقتنا الحاضر. ٤٢- الظاء التي كالثاء: ولم نر مثالًا لها في كتاب سيبويه, ولكن النظر إلى الفارق بين الظاء والثاء يوضح أنهما يختلفان من وجهتين؛ أولاهما: الجهر والهمس, والثانية: التفخيم والترقيق, فإذا أشبهت الظاء الثاء فسيكون معنى ذلك أنها فقدت إما الجهر وإما التفخيم وإما هما معًا. ولقد جاء ابن عصفور بمثال لهذا الصوت فقال: إن كلمة "ظالم" تصير "ثالم", ونحن قادرون على أن نفهم من مثاله هذا أن الظاء فقدت جهرها وهمست كهمس الثاء, أما التفخيم فمن الصعب في هذا المثال أن نقرر أن الظاء فقدته أو احتفظت به؛ لأن الكتابة العربية لا تصطنع رموزًا للدلالة على التفخيم والترقيق, ومن ثَمَّ لا نستطيع الجزم بأن "ثالم" السابق ذكرها مفخَّمة "الظاء" أو مرققتها. ٤٣- الباء التي كالفاء: لقد فهمت من كلام سيبويه في هذا الصوت أن الباء التي يعنيها هي ما يسمونه الباء الفارسية, وهي باء مهموسة مثل صوت "P" في اللغات الأجنبية, والمعروف أن العرب كانوا يعربون هذه الباء بقلبها فاء, ومن ثَمَّ أصبحت كلمة "برزده" عند تعريبها "فرزدق", وكلمة "بالوزه" فالوذج, ولكن ابن عصفور يزعم أن هذه الباء "على ضربين

стр. 47

أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من لفظ الفاء, والآخر بالعكس نحو بلح". فهل يقصد بالأول ما يشبه صوت "V", وبالثاني صوت "P"؟ لعله كذلك. ومن الواضح أن سيبويه مع تفريقه بين أصول الحروف وفروعها لم يكن يفرّق بين اصطلاحي "الحرف" و"الصوت" على نحو ما يفرّق علم اللغة الحديث بين اصطلاحي phoneme و sound أو allophone, فالحرف لديه يشمل كل ذلك. ومن الواضح أيضًا أن سيبويه جعل الكثير من الأعضاء الثانوية أو الفروع المختلفة للحروف على حد تعبيره أوصافًا تعرو العضو الرئيسي -أو كما يسميه: الأصل, وسمَّى الأوصاف ولم يعدد الأصوات, وكان من بين ما سماها به الإدغام والإقلاب والإخفاء ونحوها, فوصف العضو الرئيسي بأنه مقلب أو مدغم أو مخفي, ولم تعدد الأعضاء الفرعية. ومن الواضح كذلك أن هذه الأعضاء الفرعية يختلف بعضها عن بعض كما تختلف جميعًا عن العضو الرئيسي, إما من حيث المخرج, وإما من حيث طريقة النطق, أو من حيث واحدة أو أكثر من الصفات, وقد أشرنا إلى ذلك عند كلامنا عن النون الخفيفة قبل قليل. وأحصى سيبويه لمخارج التي تخرج منها الأصوات العربية فعدَّها خمسة عشر مخرجًا هي: ١- ما بين الشفتين. ٢- باطن الشفة السفلى وأطراف الأسنان. ٣- طرف اللسان وأطراف الثنايا. ٤- طرف اللسان وفويق الثنايا. ٥- طرف اللسان وأصول الثنايا. ٦- ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا. ٧- ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا أدخل في ظهر اللسان. ٨- حافة اللسان إلى الطرف وما فوقهما.

стр. 48

٩- أول حافّة اللسان وما يليه من الأضراس. ١٠- وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى. ١١- مؤخر اللسان وما يليه من الحنك الأعلى. ١٢- أقصى اللسان وما يليه من الحنك الأعلى. ١٣- أدنى الحلق. ١٤- وسط الحلق. ١٥- اقصى الحلق. والملاحظ أن طرف اللسان يرد ذكره في المخارج الخمسة ذوات الأرقام ٣، ٤، ٥، ٦، ٧, وكذلك ترد معه الثنايا مع تباين الجزء الذي يتصل به طرف اللسان منها, ولقد ورد ذكر حافة اللسان في المخرجين ٨، ٩, وورد ذكر وسط اللسان في رقم ١٠, ومؤخره في ١١, وأقصاه ١٢, وورد ذكر الحلق في ١٣، ١٤، ١٥ أي: أدناه ووسطه وأقصاه. أما الصفات فقد قسمها على النحو الآتي: ١- الشدة والرخاوة وما بينهما, واللين والهوى. ٢- الجهر والهمس. ٣- التفخيم والترقيق. وجعل الشداد أربعة أقسام: أ- ما يمتنع معه النفس. ب- المنحرف. جـ- الأنفي. د- المكرر. وذلك على نحو ما يبدو في الجدول التالي:

стр. 49

سكنر

стр. 50

ولقد كان قراءة سيبويه -ولا يزالون- يجدون صعوبة في فهم مصطلحات سيبويه التي استعملها في تحليله للأصوات العربية, إما لأنهم لا يرون لهذه الاصطلاحات عنصر الأطراد في الدلالة, وإما لأنهم يخلطون بين معناها المعجمي ومعناها الاصطلاحي, وإما لأسباب أخرى, ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن كل مَنْ تحدثت إليهم من قراء سيبويه سواء منهم أصحاب الثقافة العربية التقليدية الخالصة, ومن خلطوا بين هذه الثقافة وبين الثقافة الحديثة, يجدون في أنفسهم أشياء من مصطلحات سيبويه في باب الإدغام, حتى ذهب بعضهم إلى أن سيبويه فهم النحو والصرف فهمًا تامًّا عن شيوخه, ولكنه لم يفهم عنهم الأصوات, ومن ثَمَّ لم يستطع أن ينقلها واضحة للناس. ولقد حاولت أن أنظر على مهل في مصطلحات سيبويه التي يستعملها في دراسة الأصوات, فوجدتني أهتدي فيها إلى فهمٍ لعله يكون صائبًا, وسأعرض هذا الفهم فيما يلي: يستعمل سيبويه طائفة من المصطلحات منها ما لا لبس فيه كالتفخيم والترقيق والأنفي والمكرر والمنحرف وهلم جرا، ومنها ما يعتوره اللبس إما لأنه لا يسمَّى ظاهرة يمكن ضبطها كالإشباع والاعتماد والاستعلاء والاستفال, وإما لأنه يسمّى ظاهرة يمكن ضبطها, ولكنه لا يحددها تحديدًا شافيًا كالجهر والهمس والصوت والنفس والإطباق والانفتاح. وفيما يلي محاولة لاستشفاف ما يقصده سيبويه بهذه المصطلحات, يقول سيبويه: "فالمجهور حرف أشبع الاعتماد في موضعه, ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت, فهذه حال المجهورة في الحلق والفم إلّا النون والميم قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم فتصير فيهما غنة", ثم يقول: "وأما المهموس فهو حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه, وأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت فرددت الحرف مع جري النفس", وينبغي لنا هنا أن نسجل الملاحظات الآتية: ١- يظهر أن الإشباع والإضعاف كما يبدو من المقابلة بينهما ووضوح معنى الثاني منهما -إذ أن معنى الإضعاف سلب القوة- يمكن فهمهما على النحو التالي:

стр. 51

الإشباع = التقوية Strengtheing الإضعاف = إزالة القوة Weekening ٢- يظهر من إسناد الإشباع والإضعاف إلى "الاعتماد", واتفاق منع جري الصوت مع إشباع الاعتماد وجري النفس مع إضعاف الاعتماد أن: الاعتماد = الضغط Pressure ٣- يظهر من استعمال سيبويه لكلمة "موضعه" دون كلمة "مخرجه" في النص السابق, أن المقصود بهذه الكلمة غير المقصود بالأخرى, ويتبع ذلك: أ- إن الاعتماد له موضع ولا يوصف بأنه له مخرج؛ لأن المخارج عند سيبويه للحروف فقط. ب- إن الاعتماد يكون من موضعه -والضمير للاعتماد- واقعًا على مخرج الحرف ضاغطًا عليه, فمنشأ الاعتماد وموضعه هو الحجاب الحاجز الضاغط على الرئتين لإفراغ ما فيهما من هواء وهو -أي: الاعتماد أوالضغط- واقع على مخرج الحرف, أي: المكان الذي يتمّ نطقه فيه, ولا يطعن في هذا الفهم قوله عن الميم والنون: "قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم فتصير فيهما غنة"؛ لأن حروف الجر يحل بعضها محل بعض, والحرف "في" هنا حلَّ محل "على". أو يكون الاعتماد واقعًا "من" الحجاب الحاجز "على"المخرج الذي يوجد "في" الفم والخياشيم. فإعادة الضمير في كلمة "موضعه" على الاعتماد أولى بأن تجعل المعنى مستقيمًا. ٤- يظهر من عبارة سيبويه القائلة: "ومنع النفس أن يجري معه..... ويجري الصوت" أن هناك نوعًا من التقابل بين النفس وبين الصوت يمكن إيضاحه كما يأتي: النفس يرتبط بالهمس breath الصوت يرتبط بالجهر voice ٥- يظهر مما تقدَّم من عبارات سيبويه ومحاولة فهمها:

стр. 52

أ- أن سيبويه لم يكن يعرف وظيفة الأوتار الصوتية في الجهر والهمس, بل لم يكن يعرف حتى تركيب الحنجرة بدليل تسميته إياها أقصى الحلق, واعتباره إياها جزءًا قصيًّا من الحلق. ب- أنه رأى الجهر نتيجة لتقوية الضغط, كما رأى الهمس نتيجة لإضعافه. جـ- أن سيبويه مع أحساسه بهذا الضغط "الاعتماد", لم يكن يعرف مصدره ولا طريقته, ومن ثَمَّ يكون الربط بين هذا وبين الحجاب الحاجز تفسيرنا نحن للظاهرة, وليس تفسير سيويه. د- أن الجهر مظهره "الصوت", وأن الهمس مظهر النفس. فإذا أعدنا تعبير سيبويه مشروحًا على طريقة شراح المتون, أو معبَّرًا عنه بعبارتنا نحن, التي تستعمل مصطلحات حديثة بدت عبارة سيبويه السابقة على النحو التالي. "فالمجهور صوت شدد الضغط في الحجاب الحاجز معه, ولم يسمح للهواء المهموس أن يجري معه حتى ينتهي الضغط عليه, ولكن يجري الصوت أثناء نطقه, فهذه حال الأصوات المجهورة في الحلق والفم إلّا النون والميم, فقد يتمّ الاعتماد فيهما على مخرجهما في الفم والخياشيم, فتصير فيهما غنة أي: أثر صوتي أنفي مجهور. وأما المهموس فهو صوت أضعف الضغط في موضع الضغط أثناء نطقه حتى جرى الهواء المهموس معه, وأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت فرددت الصوت بنطقه مع جري النفس, فإنك لا تسمع له جهرًا". وهكذا يختلف فهم سيبويه للجهر والهمس عن فهم المحدثين. ثم يقول سيبويه في معرض الكلام عن الإطباق والانفتاح: "ومنها المطبقة والمنفتحة, فأمّا المطبقة فالصاد والضاد والطاء والظاء, والمنفتحة كلّ ما سوى ذلك من الحروف؛ لأنك لا تطبق لشيء منهنّ لسانك من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك, فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحرف". ثم يقول: "فهذه الأربعة لها موضعان من اللسان".

стр. 53

ويؤخذ من كلام سيبويه هنا الإشارات الآتية: ١- الإطباق ضد الانفتاح. ٢- الحروف المطبقة هي: ص ض ط ظ. ٣- الحروف المنفتحة كل ما عدا ذلك ومنها: خ غ ق. ٤- إن الأطباق يتم برفع اللسان إلى الحنك الأعلى١. ٥- إن الإطباق يحصر الصوت -ومعناه الأثر السمعي- بين اللسان والحنك, وكأن سيبويه يوشك أن يقول: "وبذلك تتكون حجرة رنين لها شكل معين ينتج عنها أثر سمعي معين هو الذي نسميه التفخيم". ٦- إن اللسان حين يرتفع إلى الحنك الأعلى يكون لهذه الحروف "موضعان من اللسان", أحدهما: موضع المخرج وهو طرف اللسان, وثانيهما: موضع التفخيم وهو مؤخّر اللسان المرتفع إلى الحنك الأعلى. ٧- التفخيم يلازم الإطباق كما في ص ض ط ظ, ولكنه لا يتوقف عليه كما في خ غ ق٢. وهذه الملاحظات السبع تتفق اتفاقًا تامًّا مع وجهة النظر الحديثة في العملية النطقية الحركية للتفخيم, ومن شاء أن يطّلع على دراسة الأصوات العربية من وجهة النظر هذه فليرجع إليها في كتابنا "مناهج البحث في اللغة" وسيجدها مفصلة في ذلك الكتاب.

стр. 54

النظام الصوتي: علم الصوتيات ينبغي قبل البدء في دراسته النظام الصوتي للغة أن ننبه مرة أخرى إلى الفرق بين الصوت وبين الحرف على نحو ما فرقنا بينهما من قبل أثناء الكلام في التفريق بين الكلام واللغة, فالصوت عملية حركية يقوم بها الجهاز النطقي وتصحبها آثار سمعية معينة تأتي من تحريك الهواء فيما بين مصدر إرسال الصوت وهو الجهاز النطقي ومركز استقباله وهو الأذن، ولا بُدَّ لدراسة هذه العمليات النطقية والآثار المصاحبة من أن تكون ملاحظة حسية, وأحيانًا معملية, للباحث فيها فضل الملاحظة والتسجيل. وقد رأينا منذ قليل كيف كان سيبويه أمينًا في نقل صورة الأصوات المستعملة في أيامه, مع أن بعضها لا يعتبر من بين أصوات اللغة العربية التي كانت مرمى دراسته وحافزها الأكبر. وتتم هذه الدراسة الحسية بالملاحظة والتسجيل قبل محاولة أي تفكير تجريدي يرمي إلى استنباط العلاقات التي تجمع أو تفرق الأصوات التي جرت ملاحظتها في إطار نظام لغوي ما, ومن ثَمَّ تعتبر دراسة الأصوات مقدمة لا بُدَّ منها لدراسة النظام الصوتي والنُّظُم اللغوية الأخرى, ولكنها لا تعتبر بحالٍ جزءًا من دراسة اللغة, ويمكن بعبارة أخرى أن نقول: إن دراسة الأصوات تعتبر ملاحظة للكلام ولا تعتبر دراسة للغة، أي: إنها تقع خارج دائرة الدراسات١ القاعدية بالمعنى الضيق, ومن هنا كان الكشف عن النظام الصوتي للغة من عمل الباحث في علم الصوتيات لا من عمل الباحث في الأصوات. ولكن الذي يحدث عادة أن الباحث الذي يبدأ دراسة الأصوات يكون مؤهلًا لأن يقوم هو نفسه بدراسة الصوتيات, ومن هنا كانت الرسائل العلمية التي تحمل عنوان " ... The Phonetics of" مشتملة على دراسة تشمل " ... The Phonetics and Phonology of", وأحيانًا ينص العنوان عليهما معًا كما في الحالة الثانية. ويحرص الأساتذة المشرفون على الرسائل العلمية دائمًا على مراقبة عمل الطلاب حتى لا يخلطوا في رسائلهم

стр. 55

بين هذين المستويين من مستويات التفكير أثناء عرضهم لحقائق البحث, فيقوم الطالب على المستوى الصوتي بالملاحظة, ويقوم على مستوى الصوتيات بالتجريد والتنظيم والتبويب والتقسيم. لقد سبق لنا أن ذكرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب أن علم الصوتيات ينبني على دعامتين رئيسيتين هما: ١- معطيات علم الأصوات, أي: مجموعة الملاحظات المسجَّلة التي تقرر أن اللغة المدروسة تشتمل على عدد معين من الأصوات لكلٍّ منهما وصفه العضوي والسمعي. ٢- طائفة من المقابلات بين الأصوات من حيث المخارج والصفات والوظائف, وهذه المقابلات هي جهات الاختلاف بين كل صوت وكل صوت آخر, إما من حيث المخرج فقط, أو الصفة فقط, أو هما معًا, وتسمَّى "القيم الأخلاقية". ونود الآن أن نشرح كيف يقوم الباحث بتكوين النظام الصوتي للغة, ثم نثني بعد ذلك بشرح طبيعة تكوين النظام الصوتي للغة العربية الفصحى. بعد أن يكتمل وصف الأصوات التي تَمَّت ملاحظتها وحصرها, يقوم الباحث بمحاولة استقراء القيم الخلافية التي تفرق بين كل صوت منها وبين الصوت الآخر, وسيرى أن هذا العدد الكبير من الأصوات يتوزَّعه عدد من المخارج, ومن ثَمَّ يمكن تقسيم هذا العدد بواسطة هذه المخارج إلى أقسام بعددها, وقد رأينا أن سيبويه قسَّم الأصوات خمسة عشر قسمًا, يشترك كل قسم منها في مخرج خاص. فتقع الباء والميم والواو مثلًا في مخرج واحد, وتقع الظاء والذال والثاء في مخرج واحد أيضًا, وتقع الهمزة والهاء في مخرج واحد كذلك. ومعنى ذلك بالضرورة أن كل مجموعة من الأصوات مشتركة في مخرج واحد تظل بحاجة إلى أساس آخر يفرق بين كل واحد منها وبين الآخر في نطاق المخرج الواحد, وهنا يأتي دور الصفات التي تتصف بها الأصوات, والتي تعتبر الأساس السمعي للتفريق بينها وهذه الصفات نفسها, تختلف من حبث الأساس الذي تنبني عليه, فقد يكون التبويب مبنيًّا على أساس طريقة

стр. 56

التدخل في مجرى الهواء الرئوي الذي يعتبر المادة الأولى للكلام, فإما أن يقفل مجراه ثم يسرح الهواء بسرعة, وإما أن يقفل ويسرح الهواء ببطء, وإما أن يضيق, وإما أن يترك مجرى الهواء كما هو دون إقفال أو تضييق, فالأساس هنا إذًا هو طريقة النطق, ويمكن أن يشتمل كل مخرج من هذه المخارج التي ذكرناها بحسب طريقة النطق هذه على أصوات شديدة أو رخوة أو مركبة أو متوسطة أو غير ذلك مما تختص به لغة ما. وقد يكون الأساس هو وجود اهتزاز في أوتار الحنجرة, أو كما نسميها الأوتار الصوتية أثناء نطق الصوت, أو عدم وجود هذا الاهتزاز, والتبويب على هذا الأساس يكون إلى صوت مجهور وآخر مهموس. وقد يكون الأساس هو شكل حجرات رنين الصوت أثناء النطق, مما يتسبب عن وضع مؤخر اللسان ارتفاعًا أو انخفاضًا، وهذا الأساس يعطينا التفريق بين المفخَّم والمرقَّق من الأصوات. المسألة إذًا مسألة تبويب, والتبويب تفريق, والتفريق رصد فروق قد تكون على أسس متعددة كما رأينا, والفروق مقابلات, وهذه الفروق أو المقابلات هي القيم الخلافية التي تعتبر عنصر أساسيًّا من عناصر النظام الصوتي, أو أي نظام آخر في اللغة, ومن أهم القيم الخلافية في أيّ نظام لغوي اختلاف الوظيفة التي تؤديها كل واحدة من وحدات النظام, وهي التي نطلق عليها "المعنى الوظيفي". وفي حالة النظام الصوتي العربي بالذات تقوم الوظيفة أو المعنى الوظيفي أولًا وقبل كل شيء بالتفريق بين طائفتين متباينتين من الأصوات؛ إحداهما الصحاح والأخرى العلل. ومعنى ذلك أن للصحاح وظيفة تختلف عن وظيفة العلل في نظام اللغة العربية, فما وظيفة كلٍّ منهما؟ من وظائف الصحاح في اللغة العربية ما يأتي: ١- إنها تكون أصولًا للكلمات العربية من حيث الاشتقاق, فتكون فاء الكلمة أو عينها أو لامها, أي: تكون حروف مادتها من وجهة نظر المعجم ولا تكون العلل "المد والحركة" كذلك, أما الواود والياء من بين الصحاح فإنهما قد تكونان حرفي لين لهما هذه الوظيفة التي للصحاح, وقد تكونان حرفي مد فتعتبران من العلل ولا تقومان بهذه الوظيفة, وسنرى التفريق بين اللين والمد فيما بعد. غير أننا نستطيع هنا أن نقول: إن الواو في قول لينة وفي غيور حرف مد, وكذلك الياء في بيع وقتيل.

стр. 57

٢- إن الحروف الصحيحة تكون بدايةً للمقطع في اللغة العربية, ولا تكون العلل كذلك, فإذا اعتبرنا "ص" دالة على كلمة "صحيح", و"ح" دالة على "حركة", و"م" دالة على "مد", استطعنا أن نقرر أن تراكيب المقاطع العربية كما يأتي: أ- ص: وهو المقطع الأقصر الذي يمثل حرفًا صحيحًا مشكلًا بالسكون مثل لام التعريف وسين الاستفعال, ولا بُدَّ في هذا الحرف الذي يكون مقطعًا كاملًا أن يكون مشكلًا بالسكون متلوًّا بحرف متحرك, وأن يكون في بداية الكلمة حتى يصدق عليه أنه حين يمتنع الابتداء به تسبقه همزة الوصل. ب- ص ح: وهو المقطع القصير الذي يمثله الحرف المتحرك المتلوّ بحرف آخر متحرك, أو كان آخرًا في قافية شعرية ونحوها, وذلك كما في حروف كتب التي تمثل ثلاثة مقاطع هي: كـ ت ب. جـ- ص م: وهي المقطع المتوسط المفتوح الذي يمثله الحرف الذي يعقبه مد مثل "ما" النافية, و"في" الجارة. د- ص ح ص: وهو المقطع المتوسط المقفل الذي يمثله الحرف المتحرك المتلوّ بحرف آخر ساكن نحو "لم" النافية, و"قم" فعل أمر. هـ- ص م ص: وهو المقطع الطويل بالمد والإسكان مثل: قال, باع, ساكنة الآخر, وتتكون كلمة ضالين ساكنة الآخر من مقطعين من هذا النوع. و ص ح ص ص: وهو المقطع الطويل بالتقاء الساكنين, ويكثر في الوقف كما في قبل وبعد ساكنتي الآخر بالوقف, ويأتي في غير الوقف كما في تصغير دابة مثلًا حيث يصير دويبة, فهو ممثل في جزء من الكلمة هو "ويب"، وكذلك الأمر في حويقة وطويمة تصغير حاقّة وطامّة.

стр. 58

وفي كل هذه المقاطع نرى في بداية المقطع حرفًا صحيحًا, ولا نرى في البداية علة أبدًا. وهذا معنى أن من وظائف الحرف الصحيح يكون بداية للمقطع, أما نهاية المقطع فقد تكون حرفًا صحيحًا أو حرف علة "مدًّا وحركة". ٣- إن الحروف الصحيحة تقبل التحريك والإسكان, أما حروف العلة فلا تقبل تحريكًا ولا إسكانًا, وتتفرع عن ذلك أمور: أ- إن الياء والواو تحتسبان حرفي لين في نظام الأصوات العربية, وهذه الكلمة قريبة الدلالة جدًّا من الاصطلاح الغربي Seme-vowels. ب- إن هذه التسمية لا تنفي أن اعتبارهما في التحليل قد يختلف بين اللين أحيانًا وبين المد أحيانًا أخرى, فحين تكونان موضع إعلال فتبدو أن في صورة الألف أو الواو أو الياء تعتبران لينًا, ولكنهما حين تكونان من زيادات الصيغة كما في واو مفعول, وياء فعيل, فإنهما تعتبران حرفي مد مثلهما في ذلك مثل الألف من كتاب, وهما في هذه الحالة من قبيل الحركات الطويلة, ولعل الشكل الآتي يوضح ذلك.

стр. 59

جـ- إن الصرفيين حين نسبوا السكون إلى حرف المد عند الكلام عن التقاء الساكنين كما في "الضالين" و"مدهامتان" لم يقصدوا أن حرف المد مشكل هنا بالسكون؛ لأن المد والحركة لا يقبلان السكون ولا الحركة, وإنما قصدوا به شيئًا شبيهًا باعتبار العروضيين أن حرف المد يساوي من حيث الكمية الإيقاعية حركة متلوة بسكون. ٤- الجهة الرابعة من جهات الفرق من حيث الوظيفة بين الصحاح والعلل: أن الجهر والهمس باعتبارهما قيمتين خلافيتين يفرقان بين الصحيح والصحيح, ولا يفرقان بين العلة والعلة؛ لأن العلل جميعًا مجهورة في اللغة العربية الفصحى, وإن حدث أحيانًا أن يهمس بعضها في الكلام كما سنرى فيما يسمونه اختلاس الحركة والروم والإشمام وهلم جرا, مما يعتبر من إجراءات الأداء لا من نظام اللغة. ٥- إن الحروف الصحيحة إذا طالت كميتها "أي: شددت" دلت إما على المقاطع أو على الوقف, فإذا قلنا مثلًا: "علَّم", فإن التشديد يدل هنا على تعدد المقطع؛ لأن الكلمة مكونة من مقطعين هما على "ص ح ص" لم "ص ح ص", وإذا قلنا: "يا رب", فإن إسكان المشدد في الآخر يدل على الوقف. أما حروف العلة فإن طول الكمية -المد- فيها لا يدل على تعدد المقطع ولا يدل بالضرورة على الوقف. هذه هي الوظائف التي يؤديها الحرف الصحيح في اللغة العربية الفصحى والتي لا يؤديها حرف العلة. وهناك وظائف تؤديها حروف العلة في اللغة ولا تؤديها الحروف الصحيحة, يمكن أن نجملها على النحو الآتي: أ- إن حروف العلة تؤدي مهمة جليلة في اللغة العربية؛ حيث تعتبر أساسًا لقوة الأسماع Sonority في هذه اللغة الراسخة القدم في تاريخ المشافهة, وهذه الخاصية بعينها هي التي لاحظ الدكتور طه حسين بحق أنها طابع الأدب العربي, وسماها الطابع الإنشادي في الأدب. ونزيد على ذلك أنها كانت طابع العلم العربي أيضًا حيث تواتر بواسطة الرواية حتى عصر التدوين, أو بعد هذا العصر بقليل. ولقد لاحظ العروضيون أهمية حروف

стр. 60

العلة للعروض, فعنوا برصدها في موازين الشعر, واعتبروها على عكس ما فعله الصرفيون أهم من الحروف الصحيحة. ٢- وإذا كانت الحروف الصحيحة تنفرد بأنها أصول في الكلمات العربية, وهي من ثَمَّ أساس للتفريق بين مادة ومادة أخرى من المعجم, فإن حروف العلة تعتبر مناطًا لتقليب صيغ الاشتقاق المختلفة في حدود المادة الواحدة, فالفرق بين قَتَل وقَتْل وقُتِل وقَتِيل وقَتُول وهلم جرا من مشتقات "ق ت ل" فرق يأتي عن تنوع حروف العلة لا الحروف الصحيحة, ومن هنا تتحمّل حروف العلة بالتعاون مع حروف الزيادة وموقعية الكمية -التشديد والمد- أخطر الوظائف في تركيب الصيغ الاشتقاقية العربية. ٣- إن حرف العلة إن كان لا يبدأ بها المقطع فهي لا شك مركز المقطع العربي, حتى لتبدو من خلالها صلات معينة بين الكمية وبين النبر والتنغيم, ومن ثَمَّ تعتبر حروف العلة من العناصر الضرورية في بناء نظامي النبر في الصرف والتنغيم في النحو. ٤- إن حرف العلة -حركة كان أو مدًّا- يصلح "بمفرده" أن يكون علامة إعرابية, فيكون مفيدًا إيجابيًّا بالذكر, وسلبًا بالحذف, ولا يكون الحرف الصحيح كذلك إلّا ما رآه النحاة من أن النون تكون علامة رفع المضارع. من هنا تفرق الوظيفة بين قيمتين خلافيتين هامَّتين في النظام الصوتي للغة العربية الفصحى, وهما الصحة والعلة. وتنقسم الحروف العربية بحسبهما إلى قسمين هما: الصحاح والعلل, فما كان من الأصوات العربية واقعًا موقع الصحاح مؤديًّا وظيفتها في السياق نُسِبَ إلى حرف صحيح, وما كان من هذه الأصوات واقعًا موقع العلل مؤديًا وظيفتها نُسِبَ إلى حرف علة. والحروف الصحيحة هي: ء ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ص ض ط ظ ع غ

стр. 61

ف ق ك ل م ن هـ وي, وحرف العلة هي: الفتحة والكسرة والضمة, ثم الألف والياء والواو التي للمد. الوظائف والقيم الخلافية ومعطيات علم الأصوات إذًا هي الوسيلة للكشف عن النظام الصوتي للغة, ويتم الكشف عن هذا النظام بواسطة العمل على تبويب العدد الكبير من الأصوات المسموعة الملاحظة المسجلة إلى أقسام بحسب مخارجها وصفاتها, ولكن التشابه أو التخالف في المخرج أو الصفة أو فيهما معًا لا يصلح وحده أساسًا لتحديد الحروف, فقد يتفق الصوتان في كل شيء حتى يخفى على غير ذي الخبرة حين يسمعهما أن يفرق بينهما, وذلك كاتفاق صوتي الميم والنون مخرجًا وصفة في كلمتي "ينفع" و"هم فيها" وكذلك في "أكرم به" و"ينبح", ومن هنا يصبح من الضروري أن تدخل القيمة الخلافية الوظيفية في الطريقة التي تحدد بها حروف النظام الصوتي بحسب الوظيفة, وتستخدم هذه القيمة الخلافية في التقسيم بواسطة النظر في الوظيفة التي تتجلّى في إمكان التداخل في الموقع, والتخارج فيه بالنسبة لكل الأصوات التي بين أيدينا, والتي نريد أن نبوبها في صورة حروف. والحروف وحدات من نظام, وهذه الوحدات أقسام ذهنية لا أعمال نطقية على نحو ما تكون الأصوات, والفرق واضح بين العمل الحركي الذي للصوت وبين الإدراك الذهني الذي للحرف, أي: بين ما هو مادّي محسوس, وبين ما هو معنوي مفهوم. يقول الأشعري١: "وقال آخرون: الكلام حروف, والقراءة صوت, والصوت عندهم غير الحرف". وواضح أنه يقصد بالكلام الكلمات غير المنطوقة, أي: الكلام النفسي الذي ينتظم بنظم عبد القاهر, ويكون في الفؤاد على حد عبارة المتنبي, وهو أيضًا المعين الصامت بين دفتي المعجم, ونعني بالقراءة: نطق هذه الكلمات وجعلها ألفاظًا؛ فالصوت

стр. 62

ينطق فيكون نتيجة تحريك أعضاء الجهاز النطقي وما يصاحب هذا التحريك من آثار سمعية, ولكن الحرف لا ينطق, وإنما يفهم في إطار نظام من الحروف يسمَّى النظام الصوتي للغة. ومثل الأصوات والحروف في علاقة كلٍّ منهما بالآخر مثل الطلاب والصفوف, فالطالب حقيقة مادية والصف وحدة تقسيمية. وكما أنني أستطيع أن أنطق الصوت وأحرك به لساني, أستطيع أن أصافح الطالب وأحرك بمصافحته يدي, وكما أنني لا يمكن أن أمد يدي فأصافح صفًّا من الصفوف التي يتكون منها معهد من المعاهد, لا أستطيع أن أنطق حرفًا من الحروف التي يتكوّن منها نظام صوتي ما, ولكنني أصافح الطالب الواحد من طلاب الصفِّ, وأنطق الصوت المعين من أصوات الحرف؛ لأن الحرف عنوان على عدد من الأصوات, والصف مثله عنوان على عدد من الطلبة, أي: إن الصوت والطالب حقيقتان ماديتان, والحرف والصف قسمان من نظام يضم غيرهما من الأقسام, والقسم في الحالتين وحدة ذهنية لا حقيقة مادية, وهذه الفكرة الذهنية تضم تحتها مجموعة من الحقائق, فالصف يضم خالدًا أو عمرًا وبكرًا وزيدًا, والحرف يضم عددًا من العمليات النطقية تربط آحاده علاقة ما. وكما أن الصف يسمَّى باسم معين كالصف الأول أو الثاني أو الثالث, يسمَّى الحرف باسم معين كالألف أو الباء أو الجيم. وآخر الفروق بين الصوت والحرف, أن الصوت جزء من تحليل الكلام, وأن الحرف جزء من تحليل اللغة, وقد سبق لنا أن فرقنا بين الكلام واللغة. وبعد أن عرفنا الفرق بين الصوت والحرف ينبغي لنا أن ننظر في الطريقة التي يمكن بها أن نكشف عن النظام الصوتي للغة ما بواسطة استخدام القيم الخلافية التي تتمايز بها وظائف الأصوات في الكلمات, وينبغي هنا أن نذكر أن هذه أول خطوة نرفع بها الأصوات المنطوقة إلى مستوى التجريد اللغوي

стр. 63

ويتضح ذلك من العبارة التي سبقت هذ الجملة مباشرة والتي تقول: "بواسطة استخدام القيم الخلافية التي تتمايز بها وظائف الأصوات في الكلمات". ذلك بأن القيم الخلافية والوظائف والكلمات كلها أجزاء من اللغة لا من الكلام, وهي الآن وهنا تتخذ أداة التجريد اللغوي, أي: لتقسيم الأصوات إلى حروف. ويتم هذا التقسيم بواسطة اختبار بسيط يجري على الأصوات في الألفاظ التي تتحقق بها الكلمات ليظهر سلوكها من حيث التداخل والتخارج في الموقع المعين من الكلمة, ومعنى التداخل: أن يصح أن يحل أحد الصوتين محل الآخر في اللفظ فيتغير معنى الكلمة بحلوله, ومعنى التخارج: أن يتعذّر على أحد الصوتين أن يحل من اللفظ محل الصوت الآخر, ولو أجبرنا الموقع على قبوله لبدت الكلمة على صورة لا تعترف بها اللغة. فالصوت الذي يحل محل صوت آخر لا بُدَّ أن ينتمي إلى حرف غير الذي ينتمي الأخير إليه, والصوتان اللذن لا يحل أحدهما محل الآخر ينتميان إلى حرف واحد بعينه, وهكذا يخضع كل صوت من أصوات الكلام للاختبار بوضعه بإزاء كل صوت آخر على حدة, واعتباره مما ينتمي إليه أو لا ينتمي إليه هذا الصوت الآخر, حتى نصل في النهاية إلى تحديد انتماءات الأصوات كلها. وهذه الطريقة تسمى "الاستبدال". وسنرى فيما يلي تطبيقا لاستخدام هذه الطريقة في الكشف عن النظام الصوتي للغة. خذ مثلًا لفظ "طاب" أي: صار طيبًا, وهو يشتمل على أصوات ثلاثة, أولها صحيح وثانيها معتل وثالثها صحيح, فإذا استبدلنا بالصوت الأول وهو "ط" صوتًا آخر مثل "ش", أمكن أن يحل هذ الصوت محل الصوت الأول, ويتغير معنى الكلمة تبعًا لعملية "الاستبدال", فإذا استبدلنا بصوت "ب" الذي في آخر الكلمة صوتًا آخر مثل "ل" مثلًا, تغيِّر المعنى مرة أخرى إذ صار

стр. 64

اللفظ "طال", فإذا استبدلنا بصوت "ا" الذي في الوسط صوت "ل" صار اللفظ "طلب", وتغيّر المعنى أيضًا. والمغزى في كل حالة أن الصوت ما دام يحل محل صوت آخر فلا يمكن أن ينتمي إلى الحرف الذي ينتمي هذا الصوت الآخر, فالحرف الذي ينتمي إليه الصوت الأول من "طاب" غير الحرف الذي ينتمي إليه الصوت الأول من "شاب", والحرف الذي ينتمي إليه الصوت الأخير من "طاب" غير الحرف الذي ينتمي إليه الصوت الأخير من "طال", والحرف الذي ينتمي إليه الصوت الأوسط من "طاب" غير الحرف الذي ينتمي إليه الصوت الأوسط من "طلب". ولكننا لو أردنا مثلًا أن نستبدل بالصوت المفخَّم الذي ينتمي إلى حرف الألف في وسط "طاب" صوتًا آخر مرقَّق نزعمه من الألف أيضًا لعزَّ ذلك على ذوق اللغة العربية, ولتنافى مع طريقتها في مصاقبة الأصوات؛ لأن الطاء المفخَّمة لا تتلوها ألف مرققة في عرف العربية الفصحى, فهذا الموقع بعد الطاء مباشرة يتطلب الألف المفخمة, ويتأبَّى على المرققة. ومعنى ذلك ببساطة أن الصوتين المفخَّم والمرقَّق اللذين أبى أحدهما أن يحلَّ محل الآخر ينتميان إلى حرف واحد هو حرف الألف, ويسمَّى أولهما "الألف المفخمة", ويسمَّى ثانيهما "الألف المرققة". وهكذا نرى أن التداخل في الموقع يعني اختلاف الانتماء إلى الحرف, وأن التخارج في الموقع معناه الانتماء إلى حرف واحد بعينه. كل ذلك يحكي قصة عملية الاستبدال واستخدامها في تحديد الحروف, أي: في تكوين الجهاز الصوتي للغة. والحرف الذي يحل محل الآخر يسمَّى "مقابلًا استبداليًّا" أو Substitution counter لهذا الحرف الآخر, ذلك بأنه تسبَّب بحلوله محل الحرف الآخر في تغيير معنى الكلمة, ومن ثَمَّ أصبح يحمل على عاتقه "بضعة" من تبعه المعنى الجديد. وهذه أول بضعة من المعنى الوظيفي يمكن الكشف عنها في اللغة, وهي وظيفة الحرف باعتباره مقابلًا استبداليًّا, أي: باعتباره صالحًا للحلول محل واحد أو أكثر من الحروف الأخرى في النظام الصوتي نفسه. فإذا نظرنا

стр. 65

إلى الباء في "طاب" وجدنا أنها تدل على معنى معين هو صلاحيتها للحلول محل عدد من الحروف الأخرى, وقد عددنا منها "اللام", ونضيف هنا الراء في "طار", والفاء في "طاف", والشين في "طاش", كما أن الطاء تدل على معنًى معين هو أنها مقابل استبدالي للتاء في "تاب", والثاء في "ثاب", والخاء في "خاب", والذال في "ذاب", والراء في "راب", والسين في "ساب", والشين في "شاب", والعين في "عاب", والغين في "غاب", والنون في "ناب", والهاء في "هاب", فمعناها أنها صالحة للحلول محل أي واحد من هذه الحروف جميعًا, وهذه البضعة من المعنى التي تنسب إلى الحرف بضعة سلبية, فمعنى الطاء في طاب أنها ليست تاء ولا ثاء ولا خاء ولا ذالًا إلخ. ومثل "الاستبدال" في تغيير معنى الكلمة, وإثبات قدرة الحرف على حمل جرثومة المعنى مثل عمليتي "الإضافة" و"الاستخراج", فإذا أضفنا الميم في أول كلمة "قاعد" تغيّر المعنى وأصبحت الكلمة "مقاعد", وأصبح للميم معنى من حيث إنها جلبت إلى الكلمة معنى جديدًا. فإذا "استخرجنا" الميم من كلمة "مقاعد" تغيّر المعنى بسبب استخراجها من جمع مقعدًا إلى اسم الفاعل من قعد, وبهذا يمكن أن تدعى أن كل حرف من حروف الكلمة يحمل جرثومة من المعنى من جهتين؛ الأولى: إيجابية, هي دلالة صوته على بيئته من الكلمة, والثانية: سلبية, هي كونه مقابلًا استبداليًّا لعدد من الحروف الأخرى وهي الأهم. والعلاقة بين المقابلات الاستبدالية بعضها وبعض, كالعلاقة بين القيم الخلافية بعضها وبعض من حيث كون المعنى المقصود هو المقابلة السلبية هنا وهناك, وعلينا الآن أن نشرح دور القيم الخلافية في خلق نظام صوتي للغة, ولقد سبق أن تحدثنا بالتفصيل عن قيمتين خلافيتين هما: الصحة والعلة, من حيث تقف كلّ منهما في مقابل الأخرى, وينتج عن تقابلهما قسط من المعنى؛ فمعنى الحرف الصحيح غير حرف العلة, وقد سبق أن شرحنا ذلك, وسمعنا المعاني الوظيفية للصحاح ووظائف الصحاح, والمعاني الوظيفية للعلل ووظائف العلل. وسبق أيضًا أن قلنا: إن كل لغة من اللغات تتخذ لنفسها طائفة من المخارج

стр. 66

وقد قَرَّرَ سيبويه أن مخارج اللغة العربية خمسة عشر مخرجًا, ومعنى ذلك أن كل مخرج من هذه "يفهم" في مقابل أربعة عشر مخرجًا آخر, وكونه "يفهم" معناه أنه في مقابلته لغيره من المخارج يحمل جرثومة سلبية من المعنى باعتباره قيمة خلافية يتميز بها الحرف من غيره, أي: يختلف بها عن غيره من حيث المعنى الوظيفي, أي: من حيث يصلح أن يكون مقابلًا استبداليًّا له. وإذا تصورنا النظام الصوتي للغة في صورة جدول كالذي نظمنا به عمل سيبويه من قبل, فسنجد أن مجموع القيم الخلافية المتصلة بالمخارج تمثل البعد الرأسي من أبعاد هذا الجدول, وفي الوقت نفسه نجد الشدة والرخاوة ونحوهما من طرق النطق تمثل مجموعة من القيم الخلافية تفهم كل واحدة منها في مقابل مجموع الأخريات, وبهذا تعطى قسطًا سلبيًّا من المعنى على نحو ما سبق شرحه, ومثل ذلك يقال عن الجهر في مقابل الهمس, وعن التفخيم في مقابل الترقيق. وهذه الصفات جميعًا تمثل البعد الأفقي للنظام الصوتي حين يوضع في جدول كالذي سبق لنا أن رأيناه ونظّمنا به عمل سيبويه, فجدول لحروف إذا يعتبر إيضاحًا مناسبًا للعلاقات التي تفرق بين كل حرف وكل حرف آخر في نظام اللغة, وهذا التفريق بواسطة القيم الخلافية من حيث المخارج أو من حيث الصفات هو أهمّ ما تحرص عليه اللغة لتصل به إلى أمن اللبس. وملخّص ما سبق أن النظام الصوتي للغة يقسم الأصوات اللغوية إلى حروف phonemes بوساطة اعتبار القيم الخلافية للوظائف, أي: المعاني التي ترصد للأصوات في استعمالها في الألفاظ التي تتحقق بها الكلمات, وبوساطة التقسيمات العضوية والصوتية التي تعتبر حقلًا آخر من حقول هذه القيم الخلافية, ويعتبر الحرف مقابلًا استبداليًّا لكل حرف يمكن أن يحل محله, فيحمل بذلك جرثومة سلبية من المعنى الوظيفي, وهكذا نجد القيم الخلافية من أهم مقومات التنظيم الصوتي في اللغة, وتحرص اللغة على مراعاتها محافظة على وضوح المعنى. وفيما يلي جدول يشرح النظام الصوتي للغة العربية الفصحى يوضح ما بين كل حرف وكل حرف آخر من قيم خلافية يمتاز بها كل منهما في إطار النظام الصوتي كما يقوم في وقتنا الحاضر لدى قراء القرآن في مصر:

стр. 67

النظام الصرفي: أولًا: كيف يتألف هذا النظام ؟ ١ ذكرنا في الفصل الأول أن النظام الصرفي للغة العربية الفصحى ينبني على ثلاث دعائم هامة هي: ١- مجموعة من المعاني الصرفية التي يرجع بعضها إلى تقسيم الكلم, ويعود بعضها الآخر إلى تصريف الصيغ. ٢- طائفة من المباني بعضها صيغ مجردة, وبعضها لواصق, وبعضها زوائد, وبعضها مباني أدوات, وقلنا: إنه قد يدل على المبني دلالة عدمية بالحذف أو الاستتار حيث تغني القرينة في الحالتين عن الذكر. ٣- طائفة من العلاقات العضوية الإيجابية, وهي وجوه الارتباط بين المباني وطائفة أخرى من القيم الخلافية أو المقابلات, وهي وجوه الاختلاف بين هذه المباني. ولقد ذكرنا ما قبل أيضًا أن المباني الصرفية morphemes تعبِّر عن المعاني الصرفية الوظيفية التي أشرنا إليها, وأن هذه المباني نفسها أبواب تندرج تحتها الصرفية الوظيفية التي أشرنا إليها, وأن هذه المباني نفسها أبواب تندرج تحتها علامات تتحقق المباني بوساطتها لتدل بدورها على المعاني. فالمعاني الصرفية والمباني من نظام اللغة, ولكن العلامات المنطوقة أو المكتوبة تنتمي إلى الكلام, وسنضرب لذلك أمثلة تتضح بها الصلة بين المعاني والعلامات النطقية كما يأتي:

стр. 68

وإذا نظرنا في هذ المباني الصرفية وجدنا أنّ من بينها ما يعبر عن معاني التقسيم كصيغة الاسم إذ تعبر عن الاسمية, وصيغة الفعل إذ تعبر عن الفعلية, وكصورة الضمير التي تعبر عن معنى الإضمار, وهذه الطائفة من المباني التي تعبر عن معان تقسيمية هي حجر الزاوية في النظام الصرفي للغة العربية الفصحى, وهذه المباني أبواب الكلم, وقد سماها النحاة: أقسام الكلام أو ما يتألف منه الكلام, فإذا تصورنا النظام الصرفي في صورة جدول تتشابك فيه العلاقات والمقابلات, فإن هذه النوع من المباني سيمثل البعد الرأسي لهذا الجدول, أما المباني التصريفية, أي: المباني التي يتم التصريف على أساسها كالمتكلم وفرعيه, والمفرد وفرعيه, وكالمذكر والمؤنث, والمعرفة والنكرة, فهي التي تمثّل البعد الأفقي لجدول النظام الصرفي. وهذه المباني التصريفية هي المسئولة عن التفريع الذي يتم داخل المباني التقسيمية, كأن ننظر إلى الأنواع المختلفة لتصريفات الاسم, ولإسنادات الفعل, ولفصل الضمائر ووصلها, وذكرها وحذفها واستتارها, وهلم جرا مما لا يمكن ضبطه إلّا بواسطة مباني التصريف. ولهذا كانت مباني التصريف هي المسرح الأكبر للقيم الخلافية بين الصيغ المختلفة التي تعتبر فروعًا على مباني التقسيم, بهذا يمكن أن نضع الصورة على النحو التالي: ١- مباني التقسيم: وتندرج تحتها الصيغ الصرفية المختلفة التي ينصبّ في قالبها كل قسم من أقسام الكلم, فكل الصيغ الصرفية التي للأسماء بأنواعها والصفات والأفعال, تندرج تحت مباني التقسيم, وتكون فروعًا على هذه الأقسام, وتشبهها في ذلك صور الضمائر والإشارات والموصولات والظروف والخوالف والأدوات حين ننظر إلى هذه الصور على إطلاقها. ومعنى ذلك أن معاني الصيغ كالمطاوعة والطلب والصيرورة والتفضيل والمبالغة التي نراها في انفعل

стр. 69

واستفعل والأفعل وفعّال على التريب هي فروع على معاني التقسيم, وأن مبانيها فروع على مباني التقسيم. ٢- مباني التصريف: وتندرج تحتها أوجه الاتفاق بين المباني, وأوجه الاختلاف بينها, وأقصد بأوجه الاتفاق العلاقات, وبأوجه الاختلاف المقابلات, ففي داخل المطاوعة نجد صيغة الفعل كانفعل وينفعل وانفعل, ونجد صيغة الاسم كانفعال, فتكون المطاوعة علاقة تربط بين كل هذه الصيغ, ولكن اللغة تعمد عند اتفاق المباني إلى إيجاد أنواع المقابلات بينها, فيكون إيجاد المقابلات بواسطة مباني التصريف, فتسند الأفعال إسنادات مختلفة بحسب التكلُّم والخطاب والغيبة, وبحسب الإفراد والتثنية والجمع, وبحسب التذكير التأنيث, وتتصرف الأسماء تصريفات مختلفة باختلاف الإفراد والتثنية والجمع, والتذكير والتأنيث, والتعريف والتنكير, فتكون معاني التصريف على هذا مجالًا للقيم الخلافية التي تفترق الصيغ على أساسها. ومقتضى هذا أننا إذا نظرنا في الأمثلة السابقة التي سقناها لإيضاح الصلة بين المعنى والمبنى والعلامة, وجدنا ما يأتي:

стр. 70

تلك هي العلاقة بين معاني التقسيم ومبانيه, وبين معاني التصريف ومباينه أيضًا في النظر إلى الكلمات في التركيب, وفيما يلي جدول يبين النظام الصرفي والعلاقة بين معاني التقسيم ومباني التصريف في حدود الجدول, وسنرى في هذا الجدول أن التكلم والخطاب والغيبة تولد القيم الخلافية بين الضمائر والأفعال, فتكون أساس اختلاف صور هذه وإسناد تلك, ولا تفعل ذلك بين الأسماء؛ لأن الظاهر دائمًا في قوة ضمير الغائب كما يقولون, ولا بين الصفات ولا الخوالف ولا الظروف ولا الأدوات, ثم إن الإفراد والتثنية والجمع تولد القيم الخلافية بين صيغ الأسماء والصفات وصور الضمائر, وليس بين الأفعال والخوالف والظروف والأدوات, ثم إن التذكير والتأنيث يولدان القيم الخلافية بين صيغ الأسماء والصفات وصور الضمائر, ولا تتصل بالأفعال إلّا لمعنى المطابقة للاسم أو الضمير, وأما التعريف والتنكير فيولدان القيم الخلافية بين الأسماء, وربما الصفات دون البواقي.

стр. 71

ثانيا: أقسام الكلم مدخل ... ثانيًا: أقسام الكلم لقد رأينا أن النظام الصرفي للغة العربية الفصحى يمكن أن يوضع في صورة جدول بعده الرأسي مباني التقسيم, وهي الاسم ومعناه الاسمية, والصفة ومعناها الوصفية, والفعل ومعناه الفعلية, والضمير ومعناه الإضمار, والخالفة ومعناها الإفصاح, والظرف ومعناه الظرفية, والأداة ومعناها معنى التعليق بيا. ورأينا كذلك أن البعد الأفقي لهذا الجدول هو مباني التصريف, وهي التكلم ومعناه التكلم, والمخاطب ومعناه الخطاب, والإضمار للإشارة ومعناها الإشارة, والغائب ومعناه الغيبة, والموصول ومعناه الوصل, والمفرد ومعناه الإفراد, والمثنى ومعناه التثنية, والمجموع ومعناه الجمع, والمذكر ومعناه التذكير, والمؤنث ومعناه التأنيث, والمعرف ومعناه التعريف, والمنكر ومعناه التنكير. وعرفنا كذلك أن مباني التقسيم تتفرع إلى صيغ وصور مطلقة, وأن مباني التصريف تتفرع إلى لواصق وزوائد كالضمائر المتصلة وكعلامات التثنية والجمع والتأنيث والتعريف, وكالسين والتاء في الاستفعال, وكالنون في الانفعال, والتاء في الافتعال, وهلم جرا. وإذا كان النحاة العرب قد قدموا لدراسة النحو ببابٍ صرفيٍّ هو "الكلام وما يتألف منه", وهو مبحثنا هذا الذي نعالجه في الصفحات التالية, فإن صنيعهم هذا يشير إلى أن النحو لا يفتأ يستخدم معطيات الصوتيات والصرف المختلفة في عرض الأغلب الأعمّ من تحليلاته, وفي الرمز لعلاقاته وأبوابه، حتى إننا لنجد القرائن اللفظية الدالة على أبواب النحو المختلفة هي في جملتها عناصر تحليلية مستخرجة من الصوتيات والصرف، من ذلك مثلًا اشتراط صيغة صرفية ما لتكون مبنى لباب نحوي ما, أي: قرينة لفظية على ذلك الباب, كاشتراط المصدر للمفعول المطلق والمفعول لأجله, وكالقول بالجمود للتمييز, ثم بالاشتقاق للحال والنعت الحقيقي, وكاطراد صيغة المبني للمفعول في الإسناد إلى نائب الفاعل, وهلم جرا. ومن هذا القبيل أيضًا التعبير

стр. 72

عن الإسنادات المختلفة بإلصاق الضمائر المتصلة بالأفعال, ثم ما يتصل بذلك من إجراءات صوتية كالتحريك أو الإسكان, أو صرفية كالحذف أو النقل أو غير ذلك. ولقد قسَّم النحاة الكَلِمَ إلى ثلاثة أقسام: يقول ابن مالك: واسم وفعل ثم حرف الكلم ثم حاولوا راشدين عند إنشاء هذا التقسيم أن يبنوه على مراعاة اعتباري الشكل والوظيفة, أو بعبارة أخرى: المبنى والمعنى؛ إذ ينشئون على هذين الأساسين قيمًا خلافية يفرقون بها بين كل قسم وقسم آخر من الكلم في لغة ما, ويتضح نظرهم إلى المبنى والمعنى في تقسيمهم للكلم من قول ابن مالك مثلًا: بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل بتا فعلت وأتت ويا افعلي ... ونون أقبلنّ فعل ينجلي سواهما الحرف كهل وفي ولم ... ............................. كما يتضح أيضًا قول النحاة الآخرين: "الاسم ما دلَّ على مسمَّى, والفعل ما دلَّ على حدث وزمن, والحرف ما ليس كذلك". ومن الواضح أن أبيات ابن مالك فرّقت بين أقسام الكلم تفريقًا من حيث المبنى, وأن الموقف الذي لخصَّناه عن النحاة الآخرين قد فرّق بين هذه الأقسام تفريقًا من حيث المعنى، وأن التفريق على أساس من المبنى فقط أو المعنى فقط ليس هو الطريقة المثلى التي يمكن الاستعانة بها في أمر التمييز بين أقسام الكلم, فأمثل الطرق أن يتم التفريق على أساسٍ من الاعتبارين مجتمعين, فيبنى على طائفة من المباني ومعها -جنبًا إلى جنب فلا تنفك عنها- طائفة أخرى من المعاني على نحو ما نرى فيما يلي: أ- المباني ب- المعاني الصورة الإعرابية التسيمة الرتبة الحدث

стр. 73

أ- المباني ب- المعاني الصيغة الزمن الجدول التعليق الإلصاق المعنى الجملي التضام الرسم الإملائي وسنحاول فيما يلي أن نلقي ضوءًا على استخدام ما ذكرنا من المباني والمعاني في التفريق بين أقسام الكلم. وأول ما نبدأ به أننا نجد التقسيم الذي جاء به النحاة بحاجة إلى إعادة النظر, ومحاولة التعديل بإنشاء تقسيم آخر جديد مبني على استخدامٍ أكثر دقة لاعتباري المبنى والمعنى اللذين ذكرناهما وفصلنا القول في كلٍّ منهما, وسنجد في التقسيم الجديد مكانًا متسقلًّا لقسم جديد هو الصفة, يمكن له أن يقف جنبًا إلى جنب مع الاسم والفعل دون أن يكون جزءًا من أولهما, ولا متحدًا مع ثانيهما, وسنرى أن الصفة تختلف مبنًى ومعنًى عن الأسماء, على رغم ما رآه النحاة من أنها منها, كما تختلف على الأساس نفسه عن الأفعال. وسنجد كذلك مكانًا مستقلًّا لقسم جديد هو الضمير, وقد عدَّ النحاة الضمائر بين الأسماء أيضًا عند تقسيمهم للكلم, ولكننا سنرى بعد قليل أن إفراد الضمائر بقسم مستقل له ما يبرره, سواء من حيث المبنى أو من حيث المعنى. وهذ الضمائر التي أفردناها بقسم خاصٍّ هي أعمّ من أن تكون ضمائر شخصية فقط؛ كأنا وأنت وهو وفروعها. وسنجد في تقسيمنا الجديد مكانًا مستقلًّا ثالثًا للخوالف, وهي عناصر معينة وزعها لنحاة بين أقسام الكلم لاختلاف مبنى كلٍّ منها عن مباني الأخريات, واختلاف معنى كلٍّ منها عن معناهن, ولكنهم غفلوا عمّا يجمع بينها جميعًا من عناصر يرجع بعضها إلى المبنى نفسه, ويرجع بعضها الآخر إلى المعنى. فهي جميعًا تستعصي على الدخول في جدول إسنادي أو تصريفي ما, وهي جميعًا تستعمل في الأسلوب الإفصاحي الإنشائي التأثري الانفعالي الذي يسمونه affective language وتلك هي الإخالة والصوت

стр. 74

والتعجب والمدح والذم, وربما ألحقنا به على المستوى النحوي لا الصرفي أساليب أخرى كالندبة والاستغاثة من النداء. ولقد استعرت اسم الخالفة لأدلَّ به على هذه العبارات مما رواه الأشموني١ عن الفرّاء, من أنه كان يسمي اسم الفعل "خالفة", وإن كان بعض المحدثين قد تعودوا نسبة ذلك إلى ابن جابر الأندلسي. والظرف كذلك بحاجة إلى مكانٍ خاصٍّ بين أقسام الكلم لأسباب تعود من ناحية إلى مباني الظرف, أي: صورها المطلقة وتضامها مع الكلمات والتراكيب, ومن ناحية أخرى إلى معانيها التي تختلف عن التسمية والحدث والزمن الذي هو جزء معنى الفعل؛ لأننا سنرى أن دلالة الظروف إنما هي دلالة على علاقات زمانية بالوظيفة, وليست دلالة زمنية بالتضمن كالزمن في الأفعال, وسنرى كذلك أن أسماء الزمان والمكان كاليوم والساعة وأمام ووراء قد تطرح معانيها المعجمية وتتخذ لنفسها معنى وظيفيًّا هو معنى الظرف فتعدّ "بالنقل" بين الظروف معنًى, وإن اختلفت عنها في المبنى؛ لأنها أسماء في الأصل وليست ظروفًَا. وسنتوسع في فهمنا للأدوات, فنرى الحروف منها أدوات أصلية, ونرى غيرها أدوات محوّلة كالظروف التي تتصدَّر جملة الشرط أو الاستفهام, وكالأسماء النكرات التي تستعمل لإبهامها استعمال الحرف, وكالنواسخ الآتية على صور الأفعال, ولكنها تستخدم لنقصها استخدام الحروف, وهلم جرا. والمعاني التقسيمية والتصريفية على السواء تعتبر من العموم والاتساع والشمول في إطار اللغة؛ بحيث يصدق عليها هي وطائفة أخرى من المعاني العامة المشاهبة كالإثبات والنفي والتأكيد والاستفهام والشرط إلخ أنها "مقولات لغوية Linguistic ctegories تشبيهًا لهذه المعاني اللغوية العامة في اتساعها وشمولها بالمقولات المنطقية Logical categories, وهي الأجناس العليا التي لا توجد أجناس أعلى منها أو أعمّ. ولقد ذكرنا من قبل أن معاني التقسيم يعبَّر عنها بمبانٍ هي صيغ ما تصرف من أنواع الكلم والصور المطلقة لما لم يتصرّف منها, وأن معاني التصريف يعبر

стр. 75

عنها بمباني اللواصق والزوائد كالضمائر المتصلة وعلامتي التثنية والجمع وتاء التأنيث ولام التعريف. فإذا قلنا: إن المبني هو المتكلم أو المثنى أو المؤنث أو المعرفة, فإن الذي نقصده أن اللاحقة أو الزائدة التي خصصتها قواعد نظام الصرف للتعبير عن هذا المعنى قد تحققت بعلامتها إيجابًا بالذكر, أو سلبًا بالحذف أو الاستتار بمعونة القرينة اللفظية أو المعنوية, على نحو ما سنرى في دراسة القرائن المذكورة في مكانها من الكلام عن النظام النحوي إن شاء الله. ومن هنا يتضح أن الأقسام السبعة التي ارتضيناها للكلم موضحين بها مواطن الضعف في التقسيم الذي ارتضاه النحاة من قبل هي كما يأتي: الاسم - الصفة - الفعل - الضمير - الخالفة - الظرف - الأداة. وسنحاول فيما يلي أن نفرق بين كل واحد من هذه الأقسام وبين الأقسام الأخرى من حيث المبنى, "أي: من حيث الصورة الإعرابية أو الرتبة أو الصيغة أو الجدول أو الإلصاق أو التضام أو الرسم الإملائي" ومن حيث المعنى "أي: من حيث التسمية أو الحدث أو الزمن أو التعليق أو المعنى الجملي", على أنه ينبغي لنا أن ننبه قبل كل شيء إلى أنه ليس معنى إيراد هذه المباني والمعاني جميعًا أن كل قسم من الكلم لا بُدَّ أن يتميز من قسيمه من هذه النواحي جميعًا؛ إذ يكفي أن يختلف القسم عن القسم في بعض هذه المباني والمعاني. فالمهم ألا يكون التفريق من حيث المباني فقط وإن تعددت, أو المعاني فقط وإن تعددت أيضًا؛ إذ لا بُدَّ من أن يتضافر اعتبار المبنى واعتبار المعنى في التفريق بين قسم بعينه وبين بقية الأقسام.
следующие страницы →