فإنها هي نفسها تشارك الياء في الغيبة, وبذا تصحب الياء أقوى على تعيين الغائب من التاء على تعيينٍ لمخاطب.
وأما العدد فيدل عليه بالضمائر في الأفعال, وباللواصق الحرفية في الصفات والأسماء, فأما مع الماضي فإن الدلالة على العدد تتضح داخل التكلّم من الفرق بين التاء المضمومة للمتكلم الواحد وضمير المتكلمين "نا", وفي داخل الخطاب تتضح من الفرق بين تَ، وتما، وتم, وفي الغيبة ن الفرق بين الاستتار وبين ألف الاثنين وواو الجماعة, وأما في المضارع والأمر فإن فروق العدد تتضح في مقابلة الاستتار في الخطاب بألف الاثنين وواو الجماعة، وكذلك تقع المقابلة بين ذلك في الغيبة في المضارع، أما في التكلم في المضارع فالضمائر مستترة, ولذلك يتوقّف تحديد العدد في التكلم على حرف المضارعة, وفي الصفات والأسماء يعبّر عن العدد بالواو والنون أو الياء والنون للجمع, وبالألف والنون أو الياء والنون للمثنى, وبعدم ذلك للإفراد, وبالألف والتاء لجمع المؤنث حيث يمكن لهذه العلامات بالمقابلة بينها أن تدل على النوع أيضًا.
وأما النوع فإنه يعبر عنه في أفراد الأسماء بإلصاق التاء بالمؤنث, وكذلك الألف المقصورة والهمزة بعد الممدودة, وبعدم ذلك للمذكر, وفي الجمع بالألف والتاء للمؤنث في مقابل علامات أخرى يعرف بها الجمع في حالة التذكير. أما في الأفعال فبتاء التأنيث ونون النسوة.
وأما التعيين فلا يكون إلّا للأسماء, فإذا وردت أل مع الصفات فهي ضمير موصول وليست أداة تعريف, ويرجع ذلك إلى طبيعة دلالة الصفة لا إلى "أل" نفسها, فالصفات تدل على موصوف بالحدث فتكون ذات صلة بالحدث من نوع ما, وهذه الصلة بين الصفات ومعنى الحدث توجد جهة شركة بين الصفات والأفعال من حيث تدل الأفعال على حدث وزمن, ومن هنا توصف الصفات بالتعدي واللزوم ويتعلق بهذا الظرف والجار والمجرور, كما يتعلقان بالأفعال. وهذا نفسه هو الذي يسوغ للمصدر أن يدخل في مثل هذه العلاقات السياقية.
فالفرق بين النكرة من الأسماء في حالة التنكير وبينها في حالة التعريف هو إلصاق "أل" بها في حالة التعريف.
على أن معاني "أل" تتعدد بين التعريف والموصولية على النحو التالي:
стр. 142
أما التعريف كظاهرة عامة فهو أوسع من أن يقتصر على دلالة "أل" بمفردها, ويتضح ذلك مما نظمه بعض النحاة في قوله:
إن المعارف سبعة تشفي العلل ... أنا صالح ذا ما الفتى ابني يا رجل
من هذا يتضح أن أوسع اللواصق مجالًا هي الضمائر المتصلة؛ لأنها يمكن أن يستفاد منها ثلاثة معانٍٍ هي الشخص والعدد والنوع, ثم حروف المضارعة؛ لأنها يستفاد منها الشخص والعدد ولواصق التثنية والجمع حيث يستفاد منها العدد والنوع أيضًا, ثم لواصق التأنيث وهي تفيد النوع عند مقابلتها بصيغ المذكر, وتفيد العدد عند مقابلة التاء بالنون, وأضيق اللواصق مجال تطبيق هي أداة التعريف.
لقد رأينا منذ قليل أن حروف المضارعة تشارك الضمائر في الدلالة على الشخص والعدد, ونحب أن نضيف هنا أن هذه المشاركة ذات صلة قوية جدًا بتطبيق فكرة استتار الضمير, لقد رأى النحاة أن يعبروا عن الضمير المطَّرد الاستتار فلا يظهر أبدًا بعبارة "مستتر وجوبًا", وعن الضمير غير المطَّرد الاستتار فيظهر أحيانًا بعبارة "مستتر جوازًا". فإذا أردنا أن نفهم الفرق بين هذين النوعين من الاستتار في المضارع, فإن مما يعيننا على الوصول إلى فهم صحيح لهذا الفرق هو النظر إلى العلاقة التي بين حروف المضارعة وضمائر الرفع المتصلة؛ فحيث تكون دلالة حرف المضارعة على الشخص مطَّردة بمعنى أنه لا يشاركه في الدلالة عليه حرف مضارعة آخر، فإن وجود المضارعة يكون حاسمًا في الدلالة على الشخص، ومن ثَمَّ يكون استتار الضمير واجبًا، فالهمزة مثلًا تدل على المتكلم المفرد, ومن ثَمَّ يستتر الضمير وجوبًا في "أقوم", والنون تدل على المتكلمين ولا يشاركها في ذلك غيرها، ومن ثَمَّ يكون استتار الضمير واجبًا في "نقوم", وليس يبدأ المضارع في حالة الخطاب إلّا بالتاء, ومن ثَمَّ تدل التاء على الخطاب دلالة محددة, ويستتر الضمير وجوبًا في "نقوم" مسندًا للمخاطب, أما في حالة الغيبة فليست الياء ولا التاء نصًّا
стр. 143
في معناها, ومن هنا كان استتار الضمير جوازًا في "يقوم -وتقوم مسندًا إلى الغائبة" ومن حيث يطرد معنى الخطاب في الأمر يستتر الضمير معه وجوبًا في نحو: "قم", ولست بهذ محاولًا أن ألج فيما ولج فيه النحاة من التعليل الغائي, ولكنني ألجأ إلى كبرى الوظائف اللغوية وهي: "أمن اللبس" لأفسّر الظواهر اللغوية "صرفية كانت أو غيرها" في ضوئها, فإذا كانت الحاجة داعية أحيانًا إلى إبراز الضمير كان استتاره جوازًا, وإذا لم تكن داعية فإن استتار الضمير في هذه الحالة يكون واجبًا.
أما التوكيد والنسب فلأولهما النونان ولثانيهما الياء, "وأحكامها" مفصَّلة في المتون.
стр. 144
الزيادة:
عندما تكلمت في تفصيل الصيغ الصرفية قلنا: إن الفرق بين كل صيغة منها وبين الأخرى إنما يكمن في أمرين:
١- توزيع الحركات والعلل, بمعنى أن كل حرف من الحروف الأصلية يصلح من الناحية النظرية الفرضية لأن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا أو ساكنًا, وهذا المبدأ هو الذي أشار إليه ابن مالك عند كلامه في صيغ الأسماء بقوله:
وغير آخر الثلاثي افتح وضم
واكسر وزد تسكين ثانيه تعم
ولكن الجزم لا يكون للأسماء, والجر لا يكون للأفعال, وهذا النوع من توزيع الحركات والسكنات مسئول عن توليد الصيغ الثلاثية المختلفة.
٢- زيادة حرف واحد أو حرفين أو ثلاثة في أول الكلمة أو وسطها كالألف التي في "فاعل", والواو التي في "فوعل", والنون التي في "انفعل", والتاء التي في "افتعل", والسين والتاء اللتين في "استفعل", وهلم جرا. وهذه الزيادة هي الموضوع الذي نريد مناقشته الآن.
يتكلم النحاة أحيانًا عن أن معنى التاء في "افتعل" هو الافتعال, ويسمونها "تاء الافتعال", وعن أن معنى السين والتاء في "استفعل" هو الطلب مما يشير
стр. 145
إلى أن هؤلاء يعلقون معنى ما بحروف الزيادة, فيجعلون حروف الزيادة لواصق لا زوائد, ولكننا نرى النحاة في الوقت نفسه يفردون بابًا خاصًّا يسمونه: "معاني صيغ الزوائد" مع إضافة كلمة "صيغ" إلى الزوائد, وبذا يجعلون المعاني الوظيفية التي هي فروع على معاني التقسيم مما تفيده الصيغ لا الزوائد, وهذا في رأيي هو المنهج الأمثل لعلاج الموضوع لسببين:
١- أننا لو أسندنا هذه المعاني الوظيفية إلى الزوائد لخرجنا بها عن طابع الزيادة إلى طابع الإلصاق؛ لأن العنصر الوحيد من عناصر ما دون الصيغة الذي ينفرد بالدلالة على معنًى وظيفي عام هو اللاصقة١, أما الزوائد فلا يمكن أن ننسب إليها بمفردها معاني صرفية عامة, وغاية ما يمكن أن ننسبه إليها هو الدلالة على معنى الجهة في الحدث.
٢- إن استخلاص الزائد وعزله عن الكلمة إن كان مقبولًا في السين والتاء وفي تاء الافتعال فليس مقبولًا في عناصر أخرى كالتضعيف والتكرار الذي يصعب منه نسبة الزيادة إلى أحد المكررين وهلم جرا. ومن هنا لا تستقل هذه العناصر بمعاني مستقلة, وإنما تكون جهات لفهم معنى الحدث كما ذكرنا منذ قليل. لذلك كان المنهج السليم أن ننسب المعنى الوظيفي الصرفي للصيغة إلى الصيغة المزيدة كلها لا إلى زوائدها.
ولقد حدَّد النحاة حروف الزيادة في اللغة العربية الفصحى بحروف "سألتمونيها" وزعموا أن أي حرف من غير هذه الحروف لا ينبغي أن يعدَّ زائدًا في أيّ ظرف من الظروف, ودعاهم هذا إلى القول بأصالة الحروف الأربعة في الكلمات الرباعية والخماسية التي يكون ما صلح منها للزيادة غير مُنْتَمٍ إلى تلك الحروف المعينة للزيادة. ولم يفسر النحاة لنا الصلة القائمة بين عدد من الثلاثيات وبين عدد آخر مما زاد على الثلاثة, واعتبرت حروفه جميعًا أصلية, على حين يشترك الثلاثي وما يقابله مما زاد على الثلاثة في المعنى على صورة ما. انظر مثلًا إلى المقابلات الآتية:
стр. 146
قلب شقلب درج دحرج
غرد زغرد عرد عربد
فقع فرقع بثر بعثر
وكذلك:
زل زلزل رق رقرق
نم نمنم عمس عسعس
أفلا توحي هذه المقابلات بأن حروف الزيادة ليست قاصرة عند حد "سألتمونيها", وإنما يصبح كل حرف من حروف العربية صالحًا للزيادة؟ وقد عني الصرفيون١ في تحديد مواضع حروف الزيادة وقرائن زيادتها, فعدوا من بين هذه القرائن أمورًا منها:
١- سقوط بعض الكلمة من أصلها كألف ضارب تسقط من الضرب, وهو عندهم أصل الاشتقاق.
٢- سقوط بعض الكلمة من فرع كسقوط نون سنبل من أسبل ونون حنظل, والماضي عندهم فرع على المصدر.
٣- لزوم خروج الكلمة على أوزان نوعها لو اعتبر الزائد فيها أصليًّا كنون نرجس وهندلع لعدم وجود هذه الأوزان في الرباعي المجرد.
٤- استعمال الرباعي في صورة الثلاثي أحيانًا مع إسقاط الزائد نحو: أيطل وإطل بمعنى واحد.
٥- لزوم عدم النظير في الكلمة لو اعتبرنا الزائد أصليًّا مثل تتفل؛ إذ لا نظير لتتفل -بفتح التاء- في أوزان الكلمات المجردة في العربية.
٦- كون الحرف الزائد دالًّا على معنى كهمزة التعدية.
٧- كونه يلزم الحكم بزيادته في المشتقات كورنتل, فالنون تعتبر زائدة هنا؛ لأنها لو حلت في كلمة مشتقة لحكم بزيادتها كجحفل من الجحفلة.
٨- وقوعه من الكلمة في موضع لو حل به في المشتق لكان زائدًا كنون حنطأو وكنتأو سندأو, فالنون زيدت في فعل.
٩- كون الحرف في موضع تغلب زيادته فيه مع المشتق كهمزة أرنب وأفكل؛ لأنهما يشبهان أحمر, بهذا نعلم الفرق بين اللواصق والزوائد.
стр. 147
تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد:
عند هذا الحد أودّ أن أشير إلى فكرة هامة يتوقف عليها فهم طبيعة عناصر التركيب العربي, وهي المباني التي يتكوّن منها ويتوقف عليها فهم الإطار العام للصرف والنحو العربيين، لقد مرَّ بنا طوال هذا الفصل أن الصرف يتكوّن من نظام من المعاني التي تعبِّر عنها المباني, وأن هذه المباني تتحقّق بدورها بواسطة العلامات, فمن المعاني والمباني تكون اللغة, ومن العلامات يكون الكلام, ونضيف هنا ما سبق أن أشرنا إليه إشارة عابرة من أن النحو لا يستعمل من المباني المعبرة عن معانيه إلّا ما يقدمه له الصرف من مباني التقسيم, وتحتها الصيغ, ومن مباني التصريف وتحتها اللاواصق, ومن مباني القرائن وتحتها العلامات الإعرابية والرتبة, وزوائد العلاقة كالهمز والتضعيف للتعدية, وكأدوات العلاقات وكالتضام وأدوات الربط, وهلم جرّا مما يعبر عن معانٍ نحوية صرف.
والفكرة الهامة التي أردت أن أسجلها تحت هذا العنوان أن المعاني الوظيفية التي تعبر عنها المباني الصرفية هي بطبيعتها تتَّسم بالتعدد والاحتمال, فالمبنى الصرفي الواحد صالح لأن يعبر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامة ما في سياق ما, فإذا تحقق المعنى بعلامة أصبح نصًّا في معنى واحد بعينه تحدده القرائن اللفظية والمعنوية والحالية على السواء. ويصدق هذا الكلام على كل أنواع المباني التي سبق ذكرها سواء في ذلك مباني التقسيم, ومنها الصيغ ومباني التصريف, ومنها اللواصق ومباني القرائن, والمقصود بها ما ذكرناه منذ قليل مما يسمَّى القرائن اللفظية, وكذلك مباني بعض التراكيب, وإليك البيان:
لقد مَرَّ بنا في شرح أقسام الكلم أن مباني الأقسام قد تتعدَّد معانيها كالمصدر من الأسماء ينوب عن الفعل نحو: ضربًا زيدًا, ويؤكد الفعل كضربته ضربًا, ويبين سببه كضربته تأديبًا له, وينوب عن اسم المفعول نحو ﴿بِدَمٍ كَذِب﴾ واسم الفاعل مثل: ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ , ويكون بمعنى الظرف نحو آتيك طلوع الشمس, وهلم جرا, وكاسمي الزمان والمكان يتعدد معناهما الوظيفي
стр. 148
بأن يكونا ظرفين أو داخلين في علاقة إسناد, وكالأسماء المبهمة من المقادير والأعداد والجهات والمكاييل والموازين حين تخرج عن معنى الاسمية إلى معنى الظرفية, وكالصفات تستخدم لمجرد الوصف وينوب بعضها عن بعض كما ينوب فعيل عن فاعل ومفعول, وتستخدم أعلامًا وتدخل في علاقات سياقية مع المنصوبات, وتكون أحوالًا ونعوتًا, وتدخل في علاقة إسنادية, وهلمَّ جرا, وكالأفعال يتحوّل معناها إلى العملية كيزيد ويشكر, وكالضمائر تستعمل استعمال الأدوات كما في الإغراء والتحذير, وتنفصل فتؤدي معنى تقسيميًّا كما أنها تتصل فتؤدي معنى تصريفيًّا بدلاتها على معاني التصريف, وتكون وسيلة ربط لعودها على متقدِّم لفظًا ورتبةً, وكالظروف تكون للظرفية المحضة, كما تتحول إلى أدوات للشرط أو الاستفهام أو التعليل١, وكالأدوات تكون الواحدة منها لعدد من المعاني مثل: "ما" تكون موصولة ونافية وكافة ومصدرية ظرفية واستفهامية وتعجيبة وشرطية, ومثل: "إن" تكون شرطية ونافية وزائدة ومخففة من الثقيلة المؤكدة, وإن شئت أن تنظر في تعدد المعاني الوظيفية للأداة فارجع إلى كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"٢ وسترى ذلك مفصلًا فيه أروع تفصيل.
والصيغ أيضًا صالحة لهذا التعدد والاحتمال, ويكفي أن تنظر في معنى صيغة مثل "أفعل" لتجد أن معناها يكون التعدية ومصادفة الشيء على صفة والسلب والإزالة وصيرورة الشيء ذا شيء والدخول في شيء والاستحقاق والتعريض والتمكين, كما أنك ستجد "فعّل" للتكثير, ونسبة الشيء إن أصل الفعل والتوجه إلى الشيء وقبول الشيء, ونجد كل ذلك مفصلًا في دراسة الصيغة.
وأما مباني التصريف: فإذا أخذنا التاء مثلًا وجدناها مرة للتأنيث ومرة للوحدة ومرة للمبالغة, وإذا نظرنا إلى الألف والنون وجدناها مرة للمثنى الحقيقي ومرة للمطابقة, كما تكون الألف للاثنين والنون بعدها للرفع كما تمتد
стр. 149
تاء المضارعة على بداية عدد من الإسنادات تتجاوز المخاطب إلى بعض إسناد الغائب وهلم جرا.
وأما مباني القرائن: فيكفي أن تعلم ن الاسم المرفوع مبنى صالح لأن يكون فاعلًا أو نائب فاعل, أو اسمًا لكان أو خبرًا لأن, أو مبتدأ أو خبرًا, أو تابعًا مرفوعًا, وأن الاسم المنصوب صالح لأن يكون أيّ واحد من المفعولين, أو حالًا أو تمييزًا أو مستثنى, أو منادى مضافًا, أو منصوبًا على الاختصاص, أو مشتغلًا عنه, أو تابعًا منصوبًا, أو منزوع الخافض, كما أن رتبة الصدراة تكون لأداة الاستفهام أو الترجي أو التمني أو العرض أو التخصيص أو القسم أو التعجب, وأن صيغة المصدر تكون للمفعول المطلق والمفعول لأجله وللمصدر النائب عن فعله وللمبتدأ والخبر والفاعل, ولكل معنى نحوي يؤدى بالأسماء, وأن المطابقة تكون لمعنى الحال, والنعت الحقيقي والخبر المفرد والفعل بعد المبتدأ, وأن الربط باللام يكون في جواب القسم, وفي جواب الشرط الامتناعي, وفي خبر إن, كما يكون الربط بالفاء في جواب الشرط, وفي خبر المبتدأ الدالّ على العموم, ولا سيما حين يكون المبتدأ اسمًا موصولًا نحو: الذي يأتيني فله درهم, والتضام الافتقاري يكون بين الموصول وصلته, والجار والمجرور والنواسخ والمنسوخات, وإلا والمستثنى وحرف العطف والمعطوف.
وهذا التعدد والاحتمال نلحظه في مباني الجمل؛ فمبنى الجملة المثبتة يكون للإثبات نحو: قام محمد, ويكون للدعاء نحو: ﵀, ويكون لصلة الموصول وصفة الموصوف وخبر المبتدأ وضميمة للظرف وحالًَا ومقولًا للقول. كما يكون مبنى الجملة الاستفهامية للاستفهام ولصدر جملة الشرط, وللإنكار والتقرير ومقول القول, وصفة على معنى التشبيه, فقوله: هل رأيت الذئب قط, معناه: كالذئب.
فالمبنى الواحد متعدد المعنى, ومحتمل كل معنى مما نسب إليه, وهو خارج السياق. أما إذا تحقق المبنى بعلامة في سياق فإن العلامة لا تفيد إلّا معنًى واحدًا تحدده القرائن اللفظية والمعنوية والحالية, وهذا التعدد والاحتمال في المعنى الوظيفي يقف بإزائه تعدد واحتمال في المعنى المعجمي أيضًا, وسوف نتناول ذلك في حينه إن شاء الله.
стр. 150
نقطة أخيرة نحب أن نضيفها إلى ما أسلفنا من قول في المبنى, هي أن مصطلح النحاة قد درج عند تسمية المبنى أن يجعل معناه مضافًا إليه, كأن تقول: تاء التأنيث أو نون التوكيد إذ المضاف إليه فيهما هو المعنى والمضاف هو المبنى, وقد يجعلون المعنى هو النعت, والمبنى هو المنعوت, نحو: ما النافية وإن المؤكدة, وقد يجعلون المعنى صيغة نسبة, والمبنى موصوفًا بها, نحو: ما الاستفهامية وأن الشرطية وما التعجبية.
стр. 151
الاشتقاق:
قد تقوم بين الكلمات التي جاءت على صيغٍ مختلفة صلة رحم معينة قوامها اشتراك هذه الكلمات المختلفة الصيغة في أصول ثلاثة معينة, فتكون فاء الكلمة وعينها ولامها فيهنّ واحدة, هذه الصلة تدرس في الصرف تحت اسم "الاشتقاق", وفي المعجم تحت اسم "الاشتراك في المادة", ولم يكن الاختلاف بين الصرفيين والمعجميين منصبًّا على تسمية الظاهرة فحسب, وإنما تعدَّى ذلك إلى المنهج وطريقة النظر. فأمَّا الصرفيون فقد نظروا إلى المسألة من وجهة نظر المعنى الوظيفي من ناحية, ثم وجهة نظر التجرد والزيادة من ناحية أخرى, فأما المعنى الوظيفي الذي تشترك فيه المشتقات جميعًا فهو صلتها بمعنى الحدث, فهذا المعنى يوجد في أصفى صورة في المصدر, ويكفي لمعرفة ذلك أن نقرأ قول ابن مالك فيه:
المصدر اسم ما سوى الزمان من
مدلولي الفعل كأَمْن من أَمِنَ
فإذا كان الفعل دالًّا على مدلولين هما الحدث والزمن, كان تعريف المصدر في نظر ابن مالك هو أنه "اسم الحديث" الذي وصف بأنه "ما سوى الزمان", ومعنى الحدث مشترك بين جميع المشتقات, ولكن كل مشتق منها يضم إلى الحدث معنًى آخر كالزمن في الفعل, وفاعل الحدث في صفة الفاعل, ومفعول الحدث في صفة المفعول, وهلم جرا. وأما المصدر فهو اسم الحدث فقد؛ إذ لا يدل على معنى آخر إلى جانب الحدث, ولذلك رآه البصريون أصلًا للاشتقاق حين نظروا من هذه الزواية, وأردوا في تدعيم مناقشات
стр. 152
طويلة ليس هنا محل إيرادها. وأما وجهة النظر الكوفية فقد نظرت إلى المشكلة من ناحية التجرد والزيادة, فالمجرد من بين الصيغ هو في فهم أصحاب هذه النظرة أقرب إلى الأصالة من المزيد, وقد نظروا في صيغ الكلام فلم يجدوا أكثر تجردًا من الفعل الماضي الثلاثي المجرد المسند إلى المفرد الغائب نحو "ضرب", فقالوا: إن أصل المشتقات هو الفعل الماضي, وأورد هؤلاء أيضًا في تدعيم نظرتهم مناقشات إضافية لا محل هنا لروايتها كذلك.
تلك كانت وجهة النظر الصرفية إلى المسألة, وهي وجهة نظر تجعل بعض الصيغ أصلًا, وتجعل الصيغ الأخرى فروعًا عليه, وتفترض أن كل مادة من مواد اللغة بدأت في صورة المصدر أو في صورة الفعل الماضي, ثم عكف الناس عليها يشتقون منها ويفرعون عليها, حتى تصل اللغة إلى مرحلة تستنفد فيها حاجتها إلى المزيد من مشتقات هذه المادة, أو تتوقف عن الاشتقاق لأنها فرغت من الصياغة على مثال كل المباني الصرفية الممكنة. وليس شيء أبعد من طبيعة نشأة اللغة وتطورها من هذا الافتراض، والمعروف أن بعض المواد يتَّسع لعدد من الصيغ الاشتقاقية أكثر ما يتَّسع البعض الآخر, أو بعبارة أخرى قد توجد صيغة مستعملة في مادَّة ومهجورة في مادة أخرى, فصيغة "فعل" توجد من مادة "وق ع" ولا توجد من مادة "ود ع", وقد تتحقق المطاوعة من "كسر" بصيغة "انفعل", ولا تتحقق بهذه الصيغة من "ركب"؛ لأن هذه الصيغة وتلك مهجوران في المادتين "ودع" و"رك ب" على الترتيب.
والواقع أن الصعوبات تقوم فعلًا دون الاقتنتاع برأي البصريين أو برأي الكوفيين على حد سواء. فأم للرد على البصريين فأنا أسألهم عن "كان" الناقصة, "وهي عندهم "فعل" ألها مصدرًا أم لا مصدر لها. إن مذهبهم يقول: إنَّ كان الناقصة لا مصدر لها, ومع ذلك يعتبرونها مشتَّقة, فما أصل اشتقاقها؟ وأما للرد على الكوفيين فإنَّ "يدع" و"يذر" في رأيهم لا ماضي لهما وهما مشتقان على رغم ذلك, فما أصل اشتقاقهما إذًا؟
أما المعجميون فليست لعبتهم الصيغ؛ لأن هذه الصيغ قد تتحقق بكلمات, وقد تظل احتمالًا نظريًّا صالحًا للتحقق بصياغة الكلمة المناسبة على مثالها عند
стр. 153
الحاجة إليها. لا! إن لعبة المعجميين هي الكلمات نفسها لا صيغها, مع أنهم في منهج تناولهم للكلمات لا يغفلون الهوية الصرفية للكلمة, كما سنرى ذلك بعد قليل عند الكلام عن المعجم. حقًّا إن بعض الكلمات التي أصبحت عربية بالتعريب قد لا تكون مناسبة لإحدى صيغ الصرف العربي كما في كلمة "أرثماطيقا" مثلًا, أو كلمة "اسطرلاب" ومع ذلك يوردها المعجم "أو ينبغي له أن يوردها" بين كلماته دون نظر إلى مناسبتها للصيغ الصرفية العربية.
وعندما يعبّر المعجميون عن صلة الرحم بين الكلمات لا يقنعون بالمباني الصرفية التي ظهر وجه قصورها عن الوفاء بمطالب المعجم, وإنما يلجئون إلى وسيلة أخرى تتصل بروابط الكلمات لا بتنوع الصيغ, أو بعبارة أخرى تتصل بالمتن لا بالبنية, وهذه الوسيلة هي أصول المادة يجعلونها رحمًا تربط بالقرابة أفراد أسرة واحدة, ويجعلون حروف المادة مدخلًا إلى شرح معاني هذه الكلمات المفردات, ولكنم لا ينسبون إلى حروف المادة معنًى معينًا, بل إنهم يعترفون بإمكان تعدد المعاني بين الكلمات التي تشترك في هذه الأصول كالحل والحل والحلول تتفق مادة وتختلف معنى. والذي نحب أن نشير إليه هنا ونؤكد ضرورة اعتباره عند التفكير في هذه المسألة أن المعجميين لم يروا في الأصول الثلاثة أكثر من ملخص علاقة أو رحم قربى بين المفردات التي تترابط معجميًّا بواسطتها, ولذلك كان الإجراء المفضَّل عندهم في معاجمهم أن يفصلوا في الكتابة بين أصول المادة حتى لا تفهم منها كلمة ما.
على أن أحد الصرفيين "ابن جني" كان عند كلامه عن الاشتقاق الصغير والكبير والأكبر أكثر طموحًا من بقيتهم حين ينسب معنى إلى هذه الأصول عند اجتماعها مرتبة ترتيبًا معينًا, كما نسب المعنى إلى ما ينتج عن تشويش حروفها, والعبث بترتيبها, ومن شاء أن يرى ما قاله ابن جني فلينظر في "الخصائص".
والذي أراه أجدى على دراسة هذه المشكلة "مشكلة الاشتقاق" أن يعدل الصرفيون بها عن طريقتهم إلى طريقة المعجميين, بل أن يجعلوا دراستها
стр. 154
في إطار علم الصرف حسبة لوجه علم المعجم, مبتعدين بها عن شكلية الصيغ والزوائد والملحقات ذات المعاني الوظيفية, جانحين بها في اتجاه المعجم بحيث يكون "الاشتقاق" حدودًا مشتركة بين المنهجين, وإذا صحَّ لنا أن نوجد رابطة بين الكلمات فينبغي لنا ألّا نجعل واحدة منها أصلًا للأخرى, وإنما نعود إلى صنيع المعجميين بالربط بين الكلمات بأصول المادة, فنجعل هذا الربط بالأصول الثلاثة أساس منهجنا في دراسة الاشتقاق, وبذلك نعتبر الأصول الثلاثة أصل الاشتقاق, فالمصدر مشتق منها والفعل الماضي مشتق منها كذلك. وبهذا لا نستطيع أن ننسب إلى هذه الأصول الثلاثة أي معنى معجمي على نحو ما صنع ابن جني, وإنما نجعل لهذه الأصول معنى وظيفيًّا هو ما تؤديه من دور تلخيص العلاقة بين المفردات.
وحين نرى الأصول الثلاثة وهي فاء الكلمة وعينها ولامها أصلًا لاشتقاق الكلمة وذوات رحمها, نحب أن ننبِّه إلى أن هذا الاعتبار يقتضي أن تكون كلمات اللغة العربية جميعها فيما عدا الضمائر والظروف والأدوات وبعض الخوالف مشتقة, وأن الكلمات الصلبة الوحيدة في اللغة هي هذه الضمائر والظروف والأدوات والخوالف. ويصبح الاشتقاق مع ذلك الفهم دراسة صرفية مسوقة لخدمة المعجم كما كانت المباني والزيادات والملحقات دراسة صرفية مسوقة لخدمة النحو. ويتبع هذا الفهم الجديد للاشتقاق أمر آخر هو تقسيم الكلمات المشتقة حسب هذا الفهم إلى متصرفة وجامدة, فأما الأولى فهي التي تتضح الصلات بين بعضها وبعض بواسطة تقليب حروف مادتها على صيغ مختلفة كالأفعال والصفات, وأما الثانية: فهي التي لا يمكن فيها ذلك كرجل وفرس وكتاب. ويكون المصدر بهذا الفهم مشتقًّا متصرفًا لأن صيغته تعتبر إحدى الصيغ التي تتقلب عليها أصول المادة, وكذلك يعتبر الفعل الماضي مشتقًّا متصرفًا. وتصبح الصورة العامة للمشتقات والصلاب على النحو التالي:
стр. 155
النبر:
سبق لنا أن شرحنا بنية المقاطع العربية وبينَّا أن هذه المقاطع ستة تختلف من حيث الكمية والصورة, ونود الآن أن نبدأ في شرح نظام النبر الذي لا يمكن شرحه إلّا بمعونة البنية المقطعية في نظام الصرف من جهة, وفي الكلام العربي من جهة أخرى؛ فالفرق ما بين النبر في الصرف والنبر في الكلام هو فرق ما بين مقررات القاعدة ومطالب السياق. وبهذا يصبح النبر في الكلام هو الظاهرة الموقعية؛ لأنه نبر الجمل المستعملة فعلًا, وهي ميدان الظواهر الموقعية, أما النبر في نظام الصرف فهو نبر الكلمة المفردة أو الصيغة المفردة على الأصح, وهو نبر صامت صمت القاعدة نفسها وصمت اللغة من بعدها. والنبر بحكم التعريف ازدياد وضوح جزء من أجزاء الكلمة في السمع عن بقية ما حوله من أجزائها, وما دام النبر بحسب هذا التعريف وضوحًا سمعيًّا, فإن نسبته إلى الكلمات والصيغ خارج السياق نسبة إلى نظام الصرف اقتضاها التحليل؛ حيث لا يمكن ادّعاء وضوح سمعي في كلمات
стр. 156
وصيغ صامتة. ومرجع هذا الوضوح السمعي إلى عنصرين يرتبط أحدهما بظاهرة علوِّ الصوت وانخفاضه, وهي ترتبط بدورها بحركة الحجاب الحاجز في ضغطه على الرئتين ليفرغ ما فيهما من هواء, فتؤدي زيادة كمية الهواء إلى اتساع مدى ذبذبة الأوتار الصوتية فيكون من ذلك علوّ الصوت. ويرتبط العنصر الآخر بتوتر التَّمَاس بين أعضاء النطق في مخرج الصوت, أو بعبارة أخرى: يأتي النبر من التوتر والعلوّ في الصوت اللذين يتَّصف بهما موقع معين من مواقع الكلام.
وقد رأينا من قبل أثناء الكلام في النظام الصرفي للغة أن طبيعة الصياغة العربية للكلمات قد مكَّنت الصرفيين العرب من أن يعبروا تعبيرًا ذكيًّا عن قواعد هذه الصياغة, فأوجدوا للكلمات العربية صيغًا صرفية وموازين صرفية, فتتفق صيغة الكلمة وميزانها أحيانًا كما في "ضَرْب", وتختلف الصيغة عن الميزان أحيانًا أخرى كما في "استقامة", ولكنهما يقفان من اللفظ دائمًا موقف الشبح من الجسم, أو القالب من العجينة التي تصب فيه, ولهذا السبب بالذات أصبح من الممكن في دراسة اللغة العربية -دون غيرها من اللغات على ما يبدو- أن نتكلم عن نبر الصيغ الصرفية, ونكتفي به عن دراسة نبر الكلمات أي الأمثلة. ومن هنا يكون النبر على مستوى الصيغة والكلمة ذا وظيفة صرفية هي تقديم القيم الخلافية التي تفرق مع الكمية بين معنًى صرفي ومعنًى صرفي آخر, ويمكن بواسطتهما مثلًا أن نفرق بين طوائف من الصيغ مثل فَعِلَ - فَعَّل - فاعل - فعيل؛ حيث يفرق بين الكلمات الأربع بالكمية, وبين الثلاث الأولى وبين الرابعة بالنبر, فيقع النبر في الكلمات الثلاث الأولى على المقطع الأول, وفي الرابعة على الثاني.
ومع ذلك يحسن في دراسة النبر الأبنية على نظام الصيغ, وأن نعدل عن ذلك إلى بنائه على ترتيب المقاطع في الصيغ؛ لأن عدد المقاطع -وهي ستة كما رأينا- أقل بكثير جدًّا من عدد الصيغ الصرفية, فيؤدي استعمال المقاطع في تحديد قواعد النبر إلى أن يكون عدد القواعد قليلًا, وأن يكون الكلام فيها مختصرًا, وقلة القواعد وسهولة ضبطها مرغوب فيهما على أي حال.
стр. 157
عرفنا إذًا أن ثمة نوعين من النبر:
١- نبر القاعدة أو نبر النظام الصرفي الذي نسبناه إلى الصيغة الصرفية المفردة والكلمة التي تأتي على مثال هذه الصيغة, وهذا النبر صامت.
٢- نبر الاستعمال أو نبر الكلام والجمل المنطوقة, وهذا النبر أثر سمعي يرجع إلى أسباب عضوية محددة وقد شرحناها في بداية الكلام عن النبر.
وسنحاول أن نشرح نبر النظام الصرفي, أو بعبارة أخرى: قاعدة النبر في البداية, ثم نحاول عند الكلام عن الظواهر الموقعية بعد ذلك أن نذكر الفروق بين قاعدة النبر وبين النبر في السياق المتحرك, مع فهم أن قاعدة النبر فيما عدا هذه الفروق متفقة مع نبر الاستعمال.
وينقسم النبر بحسب "القاعدة" من حيث القوة والضعف إلى قسمين:
١- النبر الأولي: ويكون في الكلمات والصيغ جميعًا لا تخلو منه واحدة منها.
٢- النبر الثانوي: وهو يكون في الكلمة أو الصيغة الطويلة نسبيًّا؛ بحيث يمكن لهذه الكلمة أن تبدو للأذن كما لو كانت كلمتين, أو بعبارة أكثر دقة: عندما تشتمل الكلمة على عدد من المقاطع يمكن أن يتكون منه وزن كلمتين عربيتين, فكلمة "مستحيل" مثلًا يمكن في مقاطعها أن نكون وزن كلمتين عربيتين هما "بعد, ميل" ومن ثَمَّ تشتمل على نبر أولي على المقطع الأخير, ونبر ثانوي على المقطع الأول منها, ويبقى المقطع الأوسط وهو ما يقابل الدال المفتوحة دون نبر.
ولكلٍّ من النبر الأولي والنبر الثانوي قواعده الخاصة به التي تنسجم مع وظيفته الإيقاعية في حدود الصيغة أو الكلمة, وفيما يلي قواعد النبر الأولي:
القاعدة الأولى: يقع النبر على القطع الأخير في الكلمة أو الصيغة إذا كان هذا المقطع طويلًا "أي: على صورة ص م ص أو ص ح ص ص"
стр. 158
نحو: "استقال" و"استقلّ", فإذا كانت الكلمة ذات مقطع وحيد وقع عليه النبر أيًّا كانت كميته مثل: "ق" و"قم" و"ما" و"قال" و"قلَّ".
القاعدة الثانية: يقع النبر على المقطع الذي قبل الآخر في الحالات الآتية:
١- إذا كان ما قبل الآخر متوسطًا والمقطع الأخير
أ- قصيرًا نحو: أخرجت - حذار - استاق.
ب- متوسطًا نحو: علم - قاتل - معلم - مقاتل -استوثق "بسكون الآخر".
٢- إذا كان ما قبل الآخر قصيرًا في إحدى الحالتين الآتيتين:
أ- بدئت به الكلمة نحو: كتب - حسب - صور - قفا.
ب- سبقه المقطع الأقصر ذو الحرف الوحيد الساكن الذي يتوصّل إلى النطق به بهمزة الوصل نحو: انحبس - انطلق - ارعو - اخرجي - ابتغ - امضيا.
٣- إذا كان ما قبل الآخر طويلًا اغتفر فيه التقاء الساكنين, ولم يكن الأخير طويلًا آخر نحو: أتحاجوني - دوبية.
القاعدة الثالثة: يقع النبر على المقطع الثالث من الآخر إذا كان:
١- قصيرًا متلوًّا بقصيرين:
نحو: علمك - لن يصيل - أكرمك.
٢- قصيرًا متلوًّا بقصير ومتوسط
نحو: علمك -لم يصل - أكرمك.
٣- متوسطًا متلوًّا بقصيرين
نحو: بيتك -لم ينته - أُخْرِجَ.
٤- متوسطًا متلوًّا بقصير ومتوسط
نحو: بينكم - مصطفى - أُخْرِجُوا - مُفَكِّرٌ -نَظْرَةٌ - ابْتِسَامَةٌ.
стр. 159
القاعدة الرابعة: يقع النبر على المقطع الرابع من الآخر إذا كان الأخير متوسطًا والرابع من الآخر قصيرًا وبينهما قصيران نحو: بَقَرَةٌ - عِجْلَةٌ - وَرَثَةٌ - كَلِمَةٌ - يرثني - يَعِدُهم - وَسِعَهُ - ضربها - نَكِرَهُم.
ويغلب في المقطع الأخير في هذه الحالة أن يكون تنوينًا أو إضمارًا أو إشباعًا.
ولا يقع النبر على مقطع يسبق هذا الرابع من الآخر.
وكما احتسبنا النبر الأولي من نهاية الكلمة متجهين بقواعد صوب بدايتها سيكون حسابنا للنبر الثانوي من النقطة التي وقع عليها النبر الأولي, متجهين الاتجاه نفسه إلى بداية الكلمة في اتجاه معاكس لمجرى ترتيب الكلمة في الحالتين, وفيما يلي قواعد النبر الثانوي.
القاعدة الأولى: يقع النبر الثانوي على المقطع السابق للنبر الأولي مباشرة إذا كان هذا المقطع السابق طويلًا "ص م ص أو ص ح ص ص" نحو: الصافات - الضالين - أتحاجوني.
القاعدة الثانية: يقع النبر الثانوي على المقطع الثاني قبل النبر الأولي إذا كان هذا المقطع والذي يليه فيقع بينه وبين النبر الأولي, يكونان أحد النماذج الآتية:
١- متوسط + متوسط
نحو: مُسْتَبْقِين - يَسْتَخْفُون -عَاشَرْنَاهم.
٢- متوسط + قصير
نحو: مُسْتَقِيم - مُسْتَعِدَّة - قَاتِلُوهُمْ.
٣- طويل + قصير
نحو: مُدْهَامَّتَانْ.
القاعدة الثالثة: يقع النبر على المقطع الثالث قبل النبر الأولي إذا كان هذا المقطع المذكور يكون مع اللذين يليانه, فقعان بينه وبين النبر الأولي أحد النماذج الآتية:
стр. 160
١- متوسط + قصير + متوسط
نحو: يَسْتَقِيمُون- مُسْتَجِيبُون - مُسْتَطِيلَانْ.
٢- متوسط + قصير + قصير
نحو: مُنْطَلِقُونَ - يَسْتَبِقُونَ -مُحْتَرَمُونْ.
٣- قصير + قصير + قصير
نحو: بَقَرَتَان -كَلِمَتَان -ضَرَبْتَاهْ.
ولا يقع النبر على سابق على ما ذكرنا.
стр. 161
النظام النحوي
مدخل
...
النظام النحوي
قلنا من قبل: إن النظام النحوي للغة العربية الفصحى ينبني على الأسس الآتية:
١- طائفة من المعاني النحوية العامة التي يسمونها معاني الجمل أو الأساليب.
٢- مجموعة من المعاني النحوية الخاصة أو معاني الأبواب المفردة كالفاعلية والمفعولية والإضافة إلخ.
٣- مجموعة من العلاقات التي تربط بين المعاني الخاصة حتى تكون صالحة عند تركيبها لبيان المراد منها, وذلك كعلاقة الإسناد والتخصيص "وتحتها فروع", والنسبة "وتحتها فروع", والتبعية "وتحتها فروع أيضًا", وهذه العلاقات في الحقيقة قرائن معنوية على معاني الأبواب الخاصة كالفاعلية والمفعولية.
٤- ما يقدمه علما الصوتيات والصرف لعلم النحو من قرائن صوتية أو صرفية كالحركات والحروف ومباني التقسيم ومباني التصريف, وما اصطلحنا من قبل على تسميته مباني القرائن اللفظية.
٥- القيم الخلافية أو المقابلات بين أحد أفرد كل عنصرمما سبق وبين بقية أفراده.
ولقد أشرنا من قبل إلى أنَّ النحو لا يتخذ لمعانيه مباني من أي نوع إلّا ما يقدمه له الصرف١ من المباني, وهذا هو السبب الذي جعل النحاة يجدون في أغلب الأحيان أنه من الصعب أن يفصلوا بين الصرف والنحو فيعالجون كلًّا منهما علاجًا منفصلًا, ومن هنا جاءت متنون القواعد مشتملة على مزيج من هذا وذاك يصعب معه إعطاء ما للنحو وما للصرف للصرف.
يقول ابن مالك مثلًا:
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا ... كان لأنثى كأبت هند الأذى
стр. 162
وهذا الكلام يفهم على وجهين أحدهما صرفي والآخر نحوي, ويمكن لنا أن نضع خطة الفهم الصرفي على النحو الآتي:
المعنى المبنى العالمة
التأنيث التاء على إطلاقها التاء في أبت
فالتأنيث معنًى صرفي من معاني التصريف على نحو ما أسلفنا, ففهم بيت الألفية على هذا النحو فهم صرفي, ولكننا نستطيع أن نفهم هذا البيت أيضًا من زاوية النحو وهي زاوية العلاقات السياقية, ويكون ذلك كما يأتي:
المعنى المبنى العلامة
المطابقة في التأنيث بين الفعل والفاعل التاء على إطلاقها التاء في أبت
ويبدو أن ابن مالك أحسَّ ضرورة وزن الشعر فجعل كلمة "أنثى" في مكان كلمة "التأنيث" أو حتى "المؤنث", فالتأنيث هو المعنى والمؤنث مبنًى له, ولكن تحته فروعًا هي مبانٍ فرعية أيضًا, فقد يعبر عن المؤنث بالتاء أو بالألف المقصورة أو الممدودة, أمًّا الأنثى فلا علاقة لها بكل ذلك؛ لأن معناها الأكبر هو "الأنوثة" وليس التأنيث, والأنوثة ضد الذكورة وهما في الطبيعة, والتأنيث ضد التذكير وهما في اللغة. أما قول بن مالك في مكان آخر: "أو مفهم ذات حر" فليس مردّه إلى ضرورة وزن الشعر كما كان الاحتمال هنا, وإنما مرده إلى الخطأ الموروث من تفكير النحاة, ويتضح الفرق بين التأنيث والأنوثة من أن "الأرض" مؤنثة وليست أنثى.
والذي يبدو من هذا التصوير للصلة بين المعنى النحوي والمبنى الصرفي والعلامة المنطوقة أو المكتوبة ما يأتي:
١- إن جميع ما نسميه المعاني النحوية هو وظائف للمباني التي يتكوّن منها المبنى الأكبر للسياق.
٢- إن المباني المتعددة في السياق هي مفاهيم صرفية لا نحوية.
٣- إن العلامة المنطوقة أو المكتوبة ليست جزءًا من نظام الصرف أو نظام النحو, ولكنها جزء من الكلام, ويمكن توضيح ذلك كما يأتي:
стр. 163
المعنى المبنى العلامة
وظيفة للمبنى شكل مطلق نطق بعينه أو كتابة بعينها
والغاية التي يسعى إليها الناظر في النص هي فهم النص, ووسيلته إلى ذلك أن ينظر في العلامات المنطوقة أو المكتوبة, فيرى دون جهد كبير أن هذه العلامة من نوع مبنى كذا, فسيعلم مثلًا أن التاء في "أبت هند الأذى" من نوع التاء المطلقة التي تذكر القواعد أنها تلحق بالفعل, وسيعلم دون كبير عناء أن الألف في "قفا = قفن" غير الألف في "قليلًا" من قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وإن أتت كلتا الألفين قبل الوقف مباشرة وجاءت كلتاهما عن نون ساكنة, فالألف الأولي جاءت عن نون التوكيد الخفيفة والثانية عن التنوين. وسيعلم الناظر في "قام زيد" أن خصوص لفظ "زيد" هنا ينتمي إلى عموم الاسم المرفوع, فخصوص اللفظ علامة, وعموم الاسم المرفوع مبنى, وسيعلم الناظر أيضًا أن خصوص لفظ "ما" في قولنا: "ما أحسن زيدًا" ينتمي إلى مفهوم عام هو "ما" على إطلاقها.
فإدراك المبنى بواسطة النظر إلى العلامة لا يعد من العمليات العقلية الكبرى في التحليل, وإنما تأتي الصعوبة عند إرادة تعيين المعنى بواسطة المبنى, فلقد أشرنا من قبل إلى أن المعنى الوظيفي متعدد بالنسبة للمبنى الواحد, فبالنسبة لكلمة "قفا" التي أوردناها منذ قليلٍ يمكن للألف أن تكون ألف الاثنين, أما بالنسبة للاسم المرفوع فمن المعاني الصالحة له الفاعل ونائبه والمبتدأ والخبر إلخ, وأما بالنسبة لمبنى "ما" فقد رأينا من قبل أنها تصلح على إطلاقها للشرط والاستفهام والموصول والمصدرية وأن تكون كافة أو زائدة إلخ, بل إنها في هذا الموضع بالذات رأينا أن النحاة اختلفوا فيها بين أن تكون:
أ- نكرة تامَّة بمعنى "شيء".
ب- استفهامية.
جـ- معرفة ناقصة بمعنى "الذي".
د- نكرة ناقصة وبعدها صفة.
وإن كانوا اتفقوا على أنها اسم وأنها مبتدأ, والمغزى من وراء كل ذلك أنّ ما يتسم به المعنى الوظيفي للمبنى الواحد من التعدد والاحتمال يجعل الناظر
стр. 164
في النص يسعى دائمًا وراء القرائن اللفظية والمعنوية والحالية ليرى أيّ المعاني المتعددة لهذا المبنى هو المقصود, ومن هنا نرى التفاضل بين المعربين للجملة الواحدة.
والكشف عن العلاقات السياقية "أو التعليق كما يسميه عبد القاهر" هو الغاية من الإعراب, فإذا طلب إلينا مثلًا أن نعرب جملة مثل: "ضرب زيد عمرًا" نظرنا في الكلمة الأولى "ضرب" فوجدناها قد جاءت على صيغة "فَعَلَ", ونحن نعلم أن هذه الصيغة تدل على الفعل الماضي سواء من حيث صورتها أو من حيث وقوفها بإزاء "يَفْعَلُ وافْعَل", فهي تندرج تحت قسم أكبر من بين أقسام الكلم يسمَّى "الفعل". ومن هنا نبادر إلى القول بأن: "ضرب فعل ماضي", ثم ننظر بعد ذلك في زيد فنلاحظ ما يأتي:
١- أنه ينتمي إلى مبنى الاسم "قرينة الصيغة".
٢- أنه مرفوع "قرينة العلامة الإعرابية".
٣- أن العلاقة بينه وبين الفعل الماضي هي علاقة الإسناد "قرينة التعليق".
٤- أنه ينتمي إلى رتبة التأخر "قرينة الرتبة".
٥- أن تأخره عن الفعل رتبة محفوظة "قرينة الترتبة".
٦- أن الفعل معه مبني للمعلوم "قرينة الصيغة".
٧- أن الفعل معه مسند إلى المفرد الغائب -وهذا إسناده مع الاسم الظاهر دائمًا- "قرينة المطابقة". وبسبب كل هذه القرائن نصل إلى أن "زيد" هو الفاعل, ثم ننظر بعد ذلك في "عمرًا" ونلاحظ:
١- أنه ينتمي إلى مبنى الاسم "قرينة الصيغة".
٢- أنه منصوب "قرينة العلامة الإعرابية".
٣- أن العلاقة بينه وبين الفعل هي علاقة التعدية "قرينة التعليق".
٤- أن رتبته من كل من الفعل والفاعل هي رتبة التأخر "قرينة الرتبة".
٥- أن هذه الرتبة غير محفوظة "قرينة الرتبة".
стр. 165
وبسبب هذه القرائن نسارع إلى القول بأن "عمرًا" مفعول به.
ولا شكَّ أن أصعب هذه القرائن من حيث إمكان الكشف عنها هي قرينة التعليق لأنها:
١- قرينة معنوية خالصة تحتاج إلى تأمُّل في بعض الأحيان.
٢- إن التأمل فيها يقود في الأغلب الأعمِّ من الحالات إلى متاهات الأفكار الظنية التي لا تتصل اتصالًا مباشرًا بالتفكير النحوي, ونخرج لهذا السبب عن طبيعة الالتزام بحدود المنهج.
٣- إن الكشف عن هذه القرينة هو الغاية الكبرى من التحليل الإعرابي, وما دام الناس يحسون ويعترفون بالإحساس بصعوبة الإعراب أحيانًا, فإن معنى ذلك أنّ من الصعب عليهم أن يكشفوا عن هذه القرينة المعنوية "قرينة التعليق", وهي أم القرائن النحوية جميعًا.
ولقد سبق أن قلنا: إن المعنى على مستوى النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي هو معنى وظيفي, أي: إن ما يُسَمَّى المعنى على هذا المستوى هو في الواقع وظيفة المبنى التحليلي, ثم يأتي معنى الكلمة المفردة "المعنى المعجمي", وما يكون بمجموع هذين المعنيين مضافًا إليهما القرينة الاجتماعية الكبرى التي نرتضي لها اصطلاح البلاغيين "المقام "context of situstion", وكل ذلك يصنع "المعنى الدلالي".
وإذا اتضح المعنى الوظيفي المذكور أمكَنَ إعراب الجملة دون حاجة إلى المعجم أو المقام, ذلك بأن وضوح المعنى الوظيفي هو الثمرة الطبيعية لنجاح عملية "التعليق", والذي يؤدي إليه هذا الفهم بالضرورة هو التسليم بأننا لو أبحنا لأنفسنا أن نتساهل قليلًا في أمر التمسُّك بالمعنى المعجمي فكوَّنَّا نسقًا نطقيًّا من صورة بنائية عربية لا معنى لها من الناحية المعجمية, لأمكن لنا أن نعرب هذا النسق النطقي. فمثلًا يمكننا:
١- أن نحافظ على أن يشتمل النسق النطقي الهرائي على حروف عربية.
٢- وأن نحافظ على ظاهرة إدغام ما تماثل أو تقارب إلخ من هذه الحروف على الطريقة العربية.
стр. 166
٣- وأن نحافظ على أن نقلد المباني الصرفية العربية, سواء مباني التقسيم والتصريف والقرائن.
٤- وأن نحافظ بعد ذلك كله على مظهر العلاقات النحوي.
ولكننا مع المحافظة على كل هذا:
٥- نتجاهل الاعتبارات المعجمية, فنجعل المباني التي اخترناها محققة بألفاظ هرائية لا معنى لها في المعجم.
٦- ومن ثَمَّ لا يكون النسق النطقي الذي "اقترفناه" جملة عربية بآية صورة من صور الجملة.
انظر مثلًا إلى ما يأتي:
قَاصَ التَّجِينُ شِحَالَه بِتَريسِهِ ... فاخِي فَلَمْ يَسْتَفِ بِطَاسيةِ الْبَرَنْ
إن من حسن الحظ أن ابن إسحاق ﵁ لم يتأخر به زمانه حتى يقرأ ما يبدو هنا أنه أريد به أن يكون من قبيل الشعر, ولو قد حدث هذا لعده من شعر الجنّ, أو لزعم أن آدم قاله قبل أن يعلمه الله الأسماء كلها، ربما دون أن يردف ذلك بقوله: والله أعلم.
ونلاحظ هنا أن كل الأشراط التي حددناها منذ قليل لهذا النسق ووضعن لها أرقامًا من ١ إلى ٦ قد تحققت تمامًا في هذا النسق النطقي, فحين تحقق له ما وصفنا أصبح من الممكن أن نعرب النص بنجاح تامّ فنقول:
قاص: فعل ماضي مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
التجين: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
شحال: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
الهاء: مضاف إليه مبني على الضم في محل جر.
الباء: حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.
تريس: مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الهاء: مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر.
стр. 167
الفاخي: نعت "لتريس" مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل.
الفاء: حرف عطف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
لم: حرف نفي وجزم وقلب مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
يستف: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر جوازًا تقديره "هو".
الباء: حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.
طاسية: مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
البرن: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على آخره, منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الروي. والبيت من الكامل, وهو مستوفٍ للمطالب الشكلية حتى من الناحية العروضية.
هذا الإعراب الكامل التفاصيل يبيِّن إلى أيّ حدٍّ نستطيع الاتكال في التحليل اللغوي على ما أطلقنا عليه الاصطلاح "المعنى الوظيفي", فهذا المعنى الوظيفي يحدد الفهم صوتيًّا من حيث إن الحرف مقابل استبدالي, وصرفيًّا من حيث إن المبنى إطار شكلي يتحقق بالعلامة, ونحويًّا من حيث إن العلاقة السياقية تكشف لنا عن ترابط المباني التي تحققت بالعلامات في سياق النص. أما ما فوق ذلك من معنى الكلمة المفردة أو معنى المقام, أي: المعنى الدلالي الكامل, فذلك ما لا يوصل إليه بواسطة المبنى فقط.
ولو كان الإعراب فرع المعنى الدلالي ما استطعنا كذلك أن نعرب قول المجنون بن جندب:
محكوكة العينين معطاء القفا ... كأنما قدت على متن الصفا
تمشي على متن شراك أعجفا ... كأنما ينشر فيه مصحفا
فإن أبا العلاء العماني لم يستطع تفسير ذلك, ولم يستطع ذلك أبو عبيدة ولا الأصمعي ولا أبو زيد, وقال أبو زيد: إنه كلام مجنون ولا يعرف كلام المجانين إلّا مجنون١.
стр. 168
وما دام الإعراب بحاجة إلى نتائج الصوتيات والصرف, فإننا لن نستطيع إلّا لأغراض البحث أن نفصل في الفهم بين الصوتيات والصرف والنحو, وهذا هو الذي أكدته تمامًا في الفصل الأول حين عقدت تشبيهًا لأنظمة اللغة بأجهزة الجسم الإنساني. فكما أن وظيفة النموِّ تتوقف في الجسم الإنساني على جهاز الغدد الصماء والجهاز الهضمي وجهاز الدورة الدموية والجهاز التنفسي وغير ذلك من الأجهزة التي يتعذّر الفصل بين عملها من الناحية العملية, فلا يفصل بين وظيفة وأخرى من وظائفها إلا للأغراض العلمية, كذلك يتوقف إعراب نصٍّ ما على وظائف الأصوات ووظائف المباني ووظائف القرائن ونظام العلاقات, فلا يفصل في الذهن بين كل ذلك إلّا لأغراض التحليل اللغوي, أما في التركيب فلا فصل.
ولقد أكثر النحاة الكلام عن العامل باعتباره تفسيرًا للعلاقات النحوية أو بعبارة أخرى: باعتباره مناط "التعليق", وجعلوه تفسيرًا لاختلاف العلامات الإعرابية, وبنوا على القول به فكرتي التقدير والمحل الإعرابي, وألفوا الكثير من الكتب في العوامل, سواء ما كان منها لفظيًّا أو معنويًّا, ووصل به بعضهم من حيث العدد إلى مائة عامل١, وتناول بعض النحاة كابن مضاء٢ هذا الفهم لطبيعة العلاقات السياقية بالنقد والتفنيد والتجريح, ولكنه بعد أن أبان فسادها بالحجج المنطقية لم يأت بتفسيرٍ مقبول لاختلاف العلامات الإعرابية باختلاف المعاني النحوية, ولم يقم مقام العامل فهمًا آخر لهذه العلاقات غير قوله: إن العامل هو المتكلم, فجعل اللغة بذلك أمرًا فرديًّا يتوقف على اختيار المتكلم, ونفى عنها الطابع العرفي الاجتماعي الذي هو أخص خصائصها.
ولإبراهيم مصطفى٣ محاولة مشابهة لتفسير اختلاف العلامات الإعرابية قال فيها: إن الحركات ذات معانٍ محددة؛ فالضمة علم الإسناد, والكسرة علم الإضافة, والفتحة علم الخفة, ولكنه اكتفى بهذا الفهم المبهم القاصر لطبيعة هذه الحركات, وهو فهم يبدو قصوره وإبهامه إذا وضعناه في ضوء ما ذكرنا منذ
стр. 169
قليل عندما ذكرنا القرائن المختلفة التي أعانتنا على إعراب "ضرب زيد عمرًا" حيث رأينا أن العلامة الإعرابية ليست أكثر من واحدة من قرائن كثيرة يتوقف عليها فهم الإعراب الصحيح, بل لقد عرفنا أيضًا أن الإسناد نفسه قرينة من القرائن المعنوية, فيعتبر هو نفسه كالضمة صاحب دلالة معنية على الإعراب الصحيح.
ولعل أذكى محاولة لتفسير العلاقات السياقية في تاريخ التراث العربي إلى الآن هي ما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني صاحب مصطلح "التعليق", وقد كتب دراسته الجادة في كتابه "دلائل الإعجاز" تحت عنوان "النظم", ولكن عبد القاهر أورد في هذه الدراسة أربعة مصطلحات هي:
١- النظم.
٢- البناء.
٣- الترتيب.
٤- التعليق.
فأما "النظم" فقد جعله عبد القاهر للمعاني، أي: إن النظم في معناه عند عبد القاهر هو تصور العلاقات النحوية بين الأبواب؛ كتصور علاقة الإسناد بين المسند إليه والمسند, وتصور علاقة التعدية بين الفعل والمفعول به, وتصوّر علاقة السببية بين الفعل والمفعول لأجله, وهلمَّ جرَّا. يقول عبد القاهر١: "وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه, فاعلم أن الوجوه والفروق كثيرة ليس لها غاية تقف عندها, ونهاية لا نجد لها ازديادًا بعدها.
ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في نفسها, ومن حيث هي علي الإطلاق, ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام, ثم بحسب موقع بعضها من بعض, واستعمال بعضها مع بعض", ثم يقول٢: "واعلم أنه وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه من أنه لا معنى للنظم
стр. 170
غير أن توفي معاني النحو فيما بين الكلم قد بلغت في الوضوح والظهور والانكشاف إلى أقصى غاية وإلى أن تكون الزيادة عليه؛ كالتكلف لما لا يحتاج إليه, فإن النفس تنازع إلى تتبع كل ضرب من الشبهة.... إلخ.
ولنا على ذلك تعليقات:
١- إن النظم كما فهمه عبد القاهرة هو نظم المعاني النحوية في نفس المتكلّم لا بناء الكلمات في صورة جملة, ويمكن فهم ذلك من عبارتين هما رأيه في الاقتباس الأول: "إن مدار أمر النظم على معاني النحو" وفي الاقتباس الثاني: "أنه لا معنى للنظم غير أن توفي معاني النحو فيما بين الكلم".
٢- أشار عبد القاهر إلى ما سماه: "الفروق", وهي إشارة ذكية إلى ما شرحناه من أمر القيم الخلافية أو المقابلات بين المعنى والمعنى, أو بين المبنى والمبنى.
٣- في قوله: "موقع بعضها من بعض" إشارة إلى ما اشتهر في عرف النحاة باسم "الرتبة".
٤- في قوله: "واستعمال بعضها مع بعض" إشارة إلى ما سنشرحه من أمر التضام وهو تطلب إحدى الكلمتين للأخرى, واستدعاؤها إياها, وسنعده من القرائن اللفظية فيما سيأتي إن شاء الله.
وأما "البناء" فأنا أفهم من عرض عبد القاهر للموضوع أنه جعله للمباني بحسب المعاني النحوية "الوظيفية", كأن "تبنى" لمعنى الفاعلية "مبنى" هو الاسم المرفوع في بعض المواطن أو ضميرًا متصلًا في موضع آخر وضميرًا مستترًا في موضع ثالث, فالبناء كما أفهمه عنه هو اختيار المباني التي يقدمها الصرف للتعبير عن المعاني النحوية, وبوضع فكرة "النظم" بإزاء فكرة "البناء" يكون عبد القاهر قد عبَّر عن الارتباط بين المعنى والمبنى كما عرضنا فهمه في هذا الكتاب.
стр. 171
وأما الترتيب فإنه وضع العلامات المنطوقة أو المكتوبة في سياقها الاستعمالي حسب رتب خاصة تظهر بها فوائد التقديم والتأخير اللذين كانا موضع عناية فائقة من لدن عبد القاهر, وكذلك يظهر بهذا الترتيب ما كان من الرتب محفوظًا أو غير محفوظ.
وأما أخطر شيء تكلم فيه عبد القاهر على الإطلاق فلم يكن النظم ولا البناء ولا الترتيب, وإنما كان "التعليق", وقد قصد به في زعمي: إنشاء العلاقات بين المعاني النحوية بواسطة ما يسمَّى بالقرائن اللفظية والمعنوية والحالية, ولعل من المؤسف حقًّا أن نضَّطر اضطرارًا إلى أن نفهم من مصطلح عبد القاهر ما لم ينص هو على معناه نصًّا صريحًا، ذلك بأن عبد القاهر لم يقصد قصدًا مباشرًا إلى شرح ما يعنيه بكلمة "التعليق", ولكن إشارات عامة جاءت في سياق نصّ كتابه تشير عن بعد أو قرب إلى فهمناه عنه بهذا الاصطلاح. فمن ذلك عبارته المشهورة التي يرى أن الكلمات في النص "يأخذ بعضها بحجز بعض", وكذلك قوله١: "هذا هو السبيل. فلست بواجد شيئًا يرجع صوابه إن كان صوابًا, أو خطؤه إن كان خطأ إلى النظم, ويدخل تحت هذا الاسم إلّا وهو من معاني النحو قد أصيب به موضعه, ووضع في حقه, أو عومل بخلاف هذه المعاملة واستعمل في غير ما ينبغي له, فلا ترى كلامًا قد وصف بصحة نظم أو فساده أو وصف بمزية أو فضل فيه إلّا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه, ووجدته يدخل في أصلٍ من أصوله, ويتَّصل بباب من أبوابه", وإن عبد القاهر حين ينصّ على أن معاني النحو -التي نسمي جمورها أبوابًا- وأحكامه التي هي ضوابط
стр. 172
العلاقات السياقية، أو بعبارة أخرى: "التعليق", هي مرجع الصحة والفساد والمزية والفضل, يشير إلى أهمية التعليق ويلقي ضوءًا ما على ما يقصده بهذا الاصطلاح"١.
وفي رأيي -كما كان في رأي عبد القاهر على أقوى احتمال- أن التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي, وأن فهم التعليق على وجههٍ كافٍ وحده للقضاء على خرافة العمل النحوي والعوامل النحوية، لأن التعليق يحدد بواسطة القرائن معاني الأبواب في السياق, ويفسر العلاقات بينها على صورة أوفى وأفضل وأكثر نفعًا في التحليل اللغوي لهذه المعاني الوظيفية النحوية. وليس يكفي في شرح فكرة التعليق أن نقول كما قال عبد القاهر: إن الكلمات "يأخذ بعضها بحجز بعض", ولا أن نرجع الفضل والمزية إلى معاني النحو وأحكامه في عمومٍ يشبه عموم عبارته، وإنما ينبغي لنا أن نتصدَّى للتعليق النحوي بالتفصيل تحت عنوانين؛ أحدهما: "العلاقات السياقية", أو ما يسميه الغربيون syntagmatic relations والثاني هو: "القرائن اللفطية". فإذا علمنا أن العلاقات السياقية التي تربط بين الأبواب وتتضح بها الأبواب هي في الحقيقة "قرائن معنوية", فقد علمنا أن العنوانين المذكورين جميعًا يتناولان القرائن من الناحيتين المعنوية واللفظية, وهما مناط التعليق مع ترك القرائن الحالية لوضعها من هذا الكتاب إن شاء الله, فالتعليق إذًا هو الإطار الضروري للتحليل النحوي, أو كما يسميه النحاة: "الإعراب".
وفيما يلي جدول يمثل النظام النحوي ويبين التشابك العضوي بين المعاني العامة "معاني أساليب الجمل", وبين المعاني الخاصة "معاني الأبواب المفردة", وهو تشابك يتمُّ بواسطة العلاقات السياقية "القرائن المعنوية".
стр. 173
١- قرائن التعليق:
أ- القرائن المعنوية ١:
ذكرنا من قبل أن الغاية التي يسعى إليها الناظر في النصِّ هي فهم النص, وأن وسيلته إلى ذلك أن ينظر في العلامات المنطوقة أو المكتوبة في النصِّ ليصل بواسطتها إلى تحديد المبنى, وأن الوصول إلى المبنى بواسطة العلامة ليس من العمليات العقلية الكبرى في التحليل؛ لأنها مسألة تعرّف يعتمد على الإدراك الحسي بواسطة السمع أو البصر, كما تتعرّف على فلان بواسطة حضوره أمامك, فلا يحتاج منك ذلك إلّا إلى الاعتماد في الفهم على قرينة العهد الحضوري أو حضور المعهود. أما ما هو أكثر صعوبة من ذلك دون شكٍّ فهو القفز العقلي من المبنى إلى المعنى؛ لأن ذلك يحتاج إلى قرائن معنوية وأخرى لفظية, ويصدق على كليهما اصطلاح: "القرائن المقالية", لأن هذين النوعين من القرائن يؤخذان "من المقال" لا من "المقام"، وتأتي الصعوبة في هذا المجال مما أشرنا إليه سابقًا من أن المبنى الصرفي الواحد يصلح لأكثر من معنى, وكانت هذه الإشارة تحت عنوان: "تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد". فإذا تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد على إطلاقه فليس معنى ذلك أنه يتعدد بالنسبة لعلامته بخصوصها في النص. فعلينا إذًا عند النظر في نصٍّ بعينه أن نقرِّر أيّ المعاني المتعددة هو الذي يتعين هنا؛ إذ لا بُدَّ في نص بعينه أن يكون المعنى محددًا, ووسيلة الوصول إلى هذا المعنى المعين هي استخدام القرائن المتاحة في المقال سواء ما كان معنويًّا وما كان لفظيًّا. فإذا كان الوصول إلى تحديد المبنى من العلامة يتمّ بحضور المعهود, وكان استحضار المعنى من المبنى لا يتمّ إلّا باستخدام القرائن, فلا شكَّ أن العملية الثانية أصعب من الأولى. والمعروف أن التحليل اللغوي "الإعراب" يحتاج إلى الأمرين جميعًا.
والعلاقات السياقية قرائن معنوية تفيد في تحديد المعنى النحوي "الباب الخاص كالفاعلية مثلًا" فعلاقة الإسناد مثلًا وهي العلاقة الرابطة بين المبتدأ
стр. 174
والخبر, ثم بين الفعل والفاعل أو نائبه, تصبح عند فهمها وتصورها قرينة معنوية على أن الأول مبتدأ والثاني خبر, أو على أن الأول فعل والثاني فاعل أو نائب فاعل, ويصل المعرب إلى قراره أن ذلك كذلك عندما يفهم العلاقة الرابطة بين الجزءين, ولكن علاقة الإسناد لا تكفي بذاتها للوصول إلى هذا القرار؛ لأنها يمكن أن تكون إسنادًا في جملة اسمية أو إسنادًا في جملة فعلية, ويمكن أن تكون إسنادًا خبريًّا أو إسنادًا إنشائيًّا, وهلمَّ جرّا. ومن هنا تحتاج إلى قرائن أخرى لفظية تعينها على تحديد نوعها, فنلجأ إلى مباني التقسيم لنرى إن كان طرفا الإسناد اسمين أو اسمًا وصفة أو اسمًا وفعلًا أو فعلًا واسمًا إلخ. ونلجأ أيضًا إلى مباني التصريف لنلمح الشخص والنوع والعدد والتعيين, وإلى العلامة الإعرابية لنرى ما إذا كانت الأسماء مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة, وإلى الرتبة لنرى من أي نوع هي, وإلى المطابقة بين الجزءين ما نوعها, وهلمَّ جرا مما يعتبر قرائن لفظية, وذلك إيضاح لظاهرة هامة جدًّا في التعليق هي ظاهرة تضافر القرائن لإيضاح المعنى الواحد. ومثال هذا التضافر ما رأيناه عند إعراب "ضرب زيد عمرًا" من قبل؛ إذ أعربنا "زيد" فاعلًا بشهادة سبع قرائن, واحدة منها فقط معنوية وهي الإسناد, أما البقية فلفظية. كما أعربنا "عمرًا" مفعولًا به بخمس قرائن؛ إحداهما معنوية وهي التعدية, وهكذا يكون الإسناد في اللغة العربية إحدى القرائن, أما في اللغات الغربية فهو دائمًا لا يفهم إلّا بواسطة نوع من القرائن اللفظية التي يسمونها الأفعال المساعدة copula, فلا يمكن بدون هذه القرينة أن نفهم علاقة الإسناد بهذه اللغات, ولما كانت اللغة الإنجليزية مثلًا غير مشتملة في تركيبها على ما نسميه مبنى الجملة الفعلية, بل تقع الجملة الإنجليزية في صورة ما نعرفه تحت اسم الجملة الاسمية, جاءت هذه الأفعال المساعدة لتحمل في دلالتها فكرة الإسناد والزمن, وفي رتبتها الفرق بين الإثبات والاستفهام. انظر مثلًا إلى الأمثلة الآتية وترجتمها باللغة العربية.
earth is rond الأرض كروية.
is eath round هل الأرض كروية؟
стр. 175
والواضح أن الجملة الاسمية في اللغة العربية لا تشتمل على معنى الزمن, فهي جملة تصف المسند إليه بالمسند, ولا تشير إلى حدث ولا إلى زمن, فإذا أردنا أن نضيف عنصرًا زمنيًّا طارئًا إلى معنى هذه الجملة جئنا بالأدوات المنقولة عن الأفعال, وهي الأفعال الناسخة, فأدخلناها على الجملة الإسمية فيصبح وصف المسند إليه بالمسند منظورًا إليه من وجهة نظر زمنية معينة, فهذه النواسخ في دلالتها على الزمن تشبه ما أشرنا إليه من الأفعال المساعدة في اللغة الإنجليزية, ولكنها لا تشبهها فيما وراء ذلك, ومن هنا كانت ترجمة earth is round بعبارة "الأرض تكون كروية" ترجمة خطأ؛ لافتئاتها على طرق التركيب العرفية باللغة العربية الفصحى, وهي لغة تفهم علاقة الإسناد دون حاجة إلى مساعد, بل تتخذها هي نفسها قرينة على معنى الباب المفرد.
ولقد حاول بعض الباحثين بالنظر إلى استغناء اللغة العربية عن هذه الضمائم الزمنية بالنسبة للجملة الاسمية وعدم الحاجة إلى النواسخ إلّا حين إرادة إدخال معنى الزمن على الجملة الاسمية أن يصوّر ذلك بصورة الميزة التي تمتاز بها اللغة العربية على لغات أخرى أجنبية؛ من حيث يمكن للمتكلم بهذه اللغة أن يلمح العلاقة لمحًا عقليًّا, وتحتاج اللغات الأخرى إلى كلمات خاصَّة للدلالة على الإسناد, ولست أحب أن أدخل في مجال حصر نواحي عبقرية اللغة العربية وامتيازها على غيرها من اللغات؛ لأن هذه القضية في نظري تعتبر مما وراء منهج اللغة meta linguistic, ولأمرٍ ما كانت هذه القضية مما اشتمل عليه كتاب لفيلسوف معاصر١. أما ما اهتم له اهتمامًا كبيرًا فهو التأكيد على علاقة الإسناد باعتبارها قرينة معنوية لتمييز المسند إليه من المسند في الجملة في ظلّ ظاهرة كبرى تحكم استخدام القرائن جميعًا هي ظاهرة "تضافر القرائن", وهي ظاهرة ترجع في أساسها إلى أنه لا يمكن لظاهرة واحدة أن تدل بمفردها على معنى بعينه, ولو حدث ذلك لكان عدد القرائن بعدد المعاني النحوية, وهو أمر يتنافَى مع مبدأ عام آخر هو تعدد المعاني
стр. 176
الوظيفية للمبنى الواحد. وعلاقة الإسناد هي علاقة المبتدأ بالخبر, والفعل بفاعله, والفعل بنائب فاعله, والوصف المعتمد بفاعله أو نائب فاعله, وبعض الخوالف بضمائمها.
والملاحظ أن النحاة كانوا يلمحون قرينة الإسناد بين طرفي الجملة الاسمية والفعلية والوصفية كما كانوا يلمحونه أيضًا بين المعاني النحوية في داخل الجملة الواحدة, وهذا هو المعنى الذي نلاحظه في إعراب جملة مثل ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ حين نعرب "من" مفعولًا أولًا على رغم تأخرها, والحكمة مفعولًا ثانيًا على رغم تقدمها, ويكون ذلك بإدراك ما بينهما من علاقة شبيهة بفكرة الإسناد؛ إذ تقول: إن "من" هي الآخذ, و"الحكمة" هي المأخوذ. والخلاصة: إن مراعاة الآخذية والمأخوذية هنا هي الاعتبار الذي تَمَّ إعراب المفعولين طبقًا له, وهو اعتبار من قبيل قرينة الإسناد, ويتم كل فهم للقرينة معنوية كانت أو لفظية في حدود ما تسمح به نمطية اللغة.
والتخصيص علاقة سياقية كبرى, وإن شئت فقل: قرينة معنوية كبرى تتفرع عنها قرائن معنوية أخص منها على النحو الآتي:
стр. 177
وهذه القرائن الخاصة كلها تجتمع كما سبق في قرينة معنوية كبرى أعمّ منها تشملها جميعًا وتسمَّى قرينة التخصيص, وإنما سميت هذه القرينة الكبرى قرينة التخصيص لما لاحظته من أنَّ كلِّ ما تفرع عنها من القرائن قيود على علاقة الإسناد, بمعنى أن هذه القرائن المعنوية المتفرعة عن التخصيص يعبِّر كلٌّ منها عن جهة خاصة في فهم معنى الحدث الذي يشير إليه الفعل أو الصفة.
فإذا قلنا: ضرب زيد عمرًا, أو يضرب زيد عمرًا, أو زيد ضرب عمرًا, أو زيد يضرب عمرًا, أو زيد ضارب عمرًا, أو أضارب زيد عمرًا, أو فليضرب زيد عمرًا, أو اضرب عمرًا, أو ضربًا عمرًا, فإن إسناد الضرب إلى المسند إليه كان في كل مثال مما سبق مخصَّصًا بوقوعه على عمرو, أي: إن الوقوع على عمرو كان قيدًا في إسناد الضرب إلى من أسند إليه, وكان أيضًا جهة في الضرب حالت بينه وبين أن يفهم على إطلاقه فطوعته لِأَنْ يفهم من جهة وقوعه على عمرو, وهذا هو المعنى الذي قصدت إليه بقولي: إن المفعول به هنا يعتبر تعبيرًا عن الجهة, وأن التعدية تخصيص لعلاقة الإسناد التي بين الضرب وبين من أسند إليه. يقول عبد القاهر١: "كذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت: ضرب زيد عمرًا, كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه", ومعنى هذا في تفسيرنا لقول عبد القاهر: إن التباس الضرب بالثاني جهة في إسناد الضرب إلى الأول. وينبغي هنا أن نشير إلى أن التعدية إذا كانت معنى أحد مشتقات مادة ما فهي معنى لبقية المشتقات من هذه المادة, كما يتضح في مشتقات الضرب التي أوردناها منذ قليل؛ إذ وجدنا التعدية في الفعل والصفة والمصدر على السواء. وأود أيضًا أن أضيف أن الجهة هنا قيد في الحدث لا في الزمن, وسنرى تفصيل الكلام في النوعين عند الكلام عن الجهة, وهو آت إن شاء الله.
وإذا قلت: أتيت رغبة في لقائك أو كي ألقاك أو لألقاك إلخ. فإنك قد أسندت الإتيان إلى نفسك مقيدًا بسبب خاصٍّ وهذا القيد, وهو الغائية, يعتبر جهة في فهم الإتيان؛ لأن هذا الإتيان بدون سبب أعم منه وهو مسبب, فالإتيان
стр. 178
هنا مفهوم من جهة كونه مسببًا عن الرغبة في اللقاء, وتكون الغائبة وهي قرينة معنوية دالة على المفعول لأجله, أو على معنى المضارع بعد الأدوات المذكورة, ومقيدة للإسناد الذي لولاها لكان أعمّ, وتكون أيضًا بسبب تقييدها هذا للإسناد دالة على جهةٍ في فهم الحدث الذي يشير إليه الفعل. ويقال الشيء نفسه في: أنا آتٍ رغبة في لقائك، وأنا آتي رغبة في لقائك, وسآتي رغبة في لقائك, وأآت أنا رغبة في لقائك, وهلمَّ جرا. وهي أيضًا قرينة نصب المضارع بعد الفاء واللام وكي وحتى.
وأما المعية فهي قرينة معنوية تستفاد منها المصاحبة على غير طريق العطف أو الملابسة الحالية, والعطف والملابسة معنيان آخران يعبَّر عنهما بالواو كما يعبَّر بها عن المعية, ولسنا هنا بصدد الكلام عن الواو؛ لأن الواو قرينة لفظية, وكلامنا هنا في القرائن المعنوية, وفي قرينة معنى المعية بصفة خاصة. واصطلاح المعية مقصود على قرينة المفعول معه والمضارع بعد الواو, أي: إنه خاص بهذين البابين, ومن أمثلة المضارع المذكور نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن", ومع أن معنى الواو هنا هو نفسه معنى الواو التي في المفعول معه, كما يتشابه المعنى هنا والمعنى هناك, أحب النحاة أن يفرقوا بين معنيين متشابهين بسبب الاختلاف في التضامّ بين الواو وما يتبعها, فالذي يضامّ الواو في المعية اسم منصوب, والذي يضام الواو في المصاحبة مضارع منصوب, ومن هذا يتضح أن نصب المضارع بعد الواو على المعية من نوع نصب المفعول معه بعد الواو ذاتها.
والظرفية قرينة معنوية على إرادة معنى المفعول فيه, فلقد سبق أن ذكرنا أن الظروف في اللغة العربية قسم من أقسام الكلم قائم بذاته, وأن بعض ما ينتمي إلى الأقسام الأخرى من الكلم ينقل إلى معنى الظرف فيستعمل كما يستعمل الظرف مفعولًا فيه, ويسمَّى معظمه متصرفًا, وذلك كالمصدر وصيغتي الزمان والمكان, وبعض حروف الجر كمذ ومنذ, وبعض الضمائر الإشارية كهنا وثَمَّ, وبعض المبهمات مثل كم, والأعداد والجهات, وأسماء الأوقات المبهمة, وأسماء العلاقات المفتقرة إلى الإضافة كقبل وبعد وتحت
стр. 179
وفوق, وأسماء الأوقات المحددة المعينة كالآن وأمس وسحر وبكرة إلخ. كل هذه الكلمات ليست ظروفًا ولكنها تشترك مع الظروف في أمر هامٍّ, هي أنها تنقل إلى الظرفية فتفيد معنى المفعول فيه, فتخصص زمان الحدث ومكانه على معنى الاقتران. والظرفية هنا غير الظرفية التي يفيدها حرف الجر "في" أو ما يأتي بمعناها"؛ لأن الظرفية هنا قرينة معنوية على باب نحوي, ولكنها في حروف الجر علاقة احتواء بين معنى الحدث المستفاد من الفعل وبين الاسم التالي لحرف الجر, أو بعبارة أخرى يكمن الفرق في أن الظرفية هنا للتخصيص, أي: لتقييد زمن الإسناد أو مكانه, والظرفية هناك لنسبة الحدث إلى ظرف يحتويه, فالمعنيان من القرائن المعنوية, وهما على ما بينهما من تشابه شديد جدًّا لا ينبغي اعتبارهما معنى واحدًا لما بينهم من اختلاف المبنى كما يتضح في المقابلات الآتية:
١- صحوت إذ تطلع الشمس ظرف تخصيص
٢- صحوت في طلوع الشمس حرف نسبة
٣- أصحو متى تطلع الشمس ظرف تخصيص
٤- صحوت وقت طلوع الشمس مبهم منقول إلى الظرف نسبة
٥- أصحو في وقت طلوع الشمس حرف نسبة
فظرفية الظرف وما نقل إليه أشبه شيء بمعنى الاقتران الزماني أو المكاني, أما ظرفية الحرف فهي على معنى الاحتواء الزماني أو المكاني.
فالذي أراه أن هناك طائفتين مما يستعمل مفعولًا معه, إحداهما الظروف الجامدة التي يقول النحاة إنها تضاف إلى الجمل, وهي التي جعلناها جديرة باسم الظرف عند تقسيم الكلام, وهذه ظرفيتها ظرفية اقتران حدثين, فإذا قلت: حضر زيد إذ حضر عمرو, فإن "إذ" تقرن بين الحضورين. والطائفة الأخرى هي ما ينقل إلى معنى الظرف مما ليس ظرفًا, وهذا قد يدل على ظرفية احتواء حدث واحد, فإذا قلت جاء زيد يوم الجمعة, فذلك معناه أن اليوم هو ظرف المجئ, ولا دلالة هنا على الاقتران. وأحب أن أضيف هنا أن
стр. 180
الظروف الدالة على الاقتران يبقى لها معناها عند استعمالها أدوات شرط, وتتحول عن هذا المعنى إلى معنى الاحتواء عند استعمالها أدوات استفهام, وأما حرف الجر "في" فهو أصل معنى الاحتواء, وتكون ظروف الاحتواء بمعناه, وهو هنا شاع في تحديد معنى الظرف أنه بمعنى "في".
وأما التحديد والتوكيد فهي القرينة المعنوية الدالة على المفعول المطلق, والمقصود بالتحديد والتوكيد: تعزيز المعنى الذي يفيده الحدث في الفعل, وذلك بإيراد المصدر المشترك مع الفعل في مادته؛ لأن المصدر هو اسم الحدث, ففي إيراده بعد الفعل تعزيز لعنصر الحدث ومعنى الفعل, وتكون التقوية بواسطة ذكره مفردًا منونًا على سبيل التأكيد, أو مضافًا لمعين لإفادة النوع, أو موصوفًا لإفادة النوع أيضًا, أو مميزًا لعدد فيكون العدد نفسه مفعولًا مطلقًا, والمصدر تمييزًا وقد يكون المصدر اسم مرة, أو مثنى اسم المرة فيفيد العدد أيضًا. والذي يهمنا من كل ذلك هو أن التقوية بالتأكيد أو التحديد قرينة معنوية على معنى المفعول المطلق, أما كونه يلزم فيه أن يكون بواسطة صيغة المصدر فذلك قرينة لفظية سنشير إليها فيما بعد إن شاء الله.
وأما الملابسة للهيئات فهي قرينة معنوية على إفادة معنى "الحال" بواسطة الاسم المنصوب أو الجملة مع الواو وبدونها. فإذا قلت: "جاء زيد راكبًا", فالمعنى جاء زيد ملابسًا لحال الركوب, وكذلك إذا قلت: جاء زيد وهو يركب, فالحال هنا عبَّر عنها بالجملة والواو -وتسمَّى هذه الواو واو الحال وواو الابتداء- وقدَّرها سيبويه والأقدمون بإذ, ولا يريدون أنها بمعناها إذ لا يرادف الحرف الاسم, بل إنها وما بعدها قيد للعامل السابق١", وعلى هذا الاقتباس من شرح الأشموني ملاحظات:
١- إن تقدير سيبويه والأقدمين لهذه الواو المعبِّرة عن الملابسة "بإذ" يبرر ما رأيته منذ قليل أن معنى ظرفية الظرف أقرب إلى الاقتران، ومعنى ظرفية الحرف أقرب إلى الاحتواء.