و الظرف:
أوّل ما أبدأ به هنا أن النحاة توسَّعوا في فهم الظرف بصورة جعلت الظرفية تتناول الكثير من الكلمات المتباينة معنى ومبنى, والظروف كما أراها مبانٍ تقع في نطاق المبنيات غير المتصرفة, فتتصل بأقرب الوشائج بالضمائر والأدوات, ويمكن التمثيل لها على النحو الآتي:
ظرف زمان ظرف مكان
إذا أين
إذا أني
إذا حيث
لما
أيان
متى
ولكن النحاة رأوا بعض الكلمات تستعمل استعمال الظروف على طريقة ما أسلفنا فيه من تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد, فعدوا طائفة عظيمة من الكلمات المستعملة استعمال الظروف ظروفًا, فكما أن الصفة والفعل قد ينقل معناهما إلى العلمية, وكما أن المصدر ينوب عن الفعل, وكما أنَّ من وما وأي الموصولة يتعدد معناها الوظيفي فتترك الموصولية إلى الاستفهام أو الشرط, نجد مجموعات من الكلمات ذات المعاني المختلفة والمباني المختلفة أيضًا قد نسبها النحاة إلى الظرفية وما هي بظروف من حيث التقسيم, ومن ذلك:
١- المصادر نحو: آتيك طلوع الشمس, ومنها: قط, عوض الملازمان للقطع عن الإضافة والمعروف أن المصادر أسماء لا ظروف.
٢- صيغتا اسمى الزمان والمكان نحو: آتيك مطلع الشمس, وأقعد مقعد التلميذ, والصيغتان من المميميات التي سبق أن ذكرنا أنها أسماء لا ظروف.
٣- بعض حروف الجر نحو: مذ ومنذ؛ لآن معناهما ابتداء الغاية, وهما يجران ما بعدهما, ولكنهما يستعملان استعمال الظروف عندما يردان مع الجمل, فتكون الظرفية فيهما من قبيل تعدد المعنى الوظيفي.
стр. 107
٤- بعض ضمائر الإشارة إلى المكان نحو: هنا وثَمَّ, أو إلى الزمان نحو: الآن وأمس, وهي ليست ظروفًا في الأصل.
٥- بعض الأسماء المبهمة ومنها:
أ- ما دلَّ على مبهم من المقادير نحو: "كم".
ب- ما دلَّ على مبهمٍ من العدد حين يميزه ما يفيد الزمان أو المكان نحو: خمسة أيام وثلاث ليال.
جـ- ما دل على مبهم من الجهات وهو: فوق وتحت وأمام ووراء ويمين وشمال وخلف وإثر.
د- ما دل على مبهم من الأوقات وهو: حين ووقت وساعة ويوم وشهر وسنة وعام وزمان وأوان.
هـ- بعض المبهمات المفتقرة إلى الإضافة والمفيدة لعلاقة بين أمرين صالحة لمعنى الزمان أو معنى المكان بحسب ما تضاف إليه, وذلك هو: قبل وبعد ودون ولدن وبين وسط وعند.
٦- بعض الأسماء التي تطلق على مسميات زمانية معينة كسحر وسحرة وبكرة وضحوة وليلة ومساء وعشية وغدوة حين يقصد بها وقت بعينه, فقد نابت هذه الأسماء عن الظرف ومنعت التصرف لتقرب مع طابع مبنى الظرف, والمتصرّف من مادتها باقٍ على أصله, فليس يُعَدُّ فيما عومل معاملة الظروف.
فالمصادر وصيغتا اسمي الزمان والمكان والمبهمات بأقسامها, وما أطلق على مسمياتٍ زمانية معينة كلها أسماء من الأسماء, ولكنها حين عوملت معاملة الظروف فأدَّت وظائفها, ولا ينبغي لهذا أن يضللنا عن أصالتها في باب الأسماء, وأما مذ ومنذ, فهما من حروف الجر مثلهما في الجر مثل "من"؛ لأن معناهما كمعناها -ابتداء الغاية, غير أن خروج من عن ابتداء الغاية إنما يكون إلى السببية أو التبعيض أو نحوهما, وتلتزم التضامّ مع الأسماء المجرورة, وأما مذ ومنذ، فإن خروجهما عن ابتداء الغاية يكون إلى معاملتهما معاملة الظرف مع جواز التضامّ بينهما وبين الجمل, وربما كان ذلك على حذف "أن" كما تحذف من خبر عسى الناسحة.
стр. 108
وأما هنا وثَمَّ والآن وأمس, فمكانها الذي يفرضه مبناها ومعناها هو بين ضمائر الإشارة, فهي ضمائر إشارة ولكنها عوملت معاملة الظروف الظرفية كبقية ما عومل من الكلمات معاملتها.
ليس في اللغة العربية الفصحى مما ينبغي أن يوضع في قسم مستقلٍّ من أقسام الكلم يسمَّى "الظرف" إلّا تلك الكلمات التي عددناها في بداية القول في الظرف, وهي: إذ وإذا وإذا ولما وأيان ومتى وهي للزمان, ثم أين وأنَّى وحيث وهي للمكان.
وهذه الظروف تتميّز عن بقية أقسام الكلم بالسمات الآتية:
١- من حيث الصورة الإعرابية: هي جميعًا من المبنيات, والمعروف أن البناء مما يقرب السلمة من الحروف, ومن هنا كان البعد الكبير بين طابع الظرف وطابع الاسم, حتى إن بعض الأسماء التي تفيد معينًا حين تعامل معاملة الظرف تمنع التصرف كما رأينا تحت رقم٦ منذ قليل.
٢- من حيث الرتبة: الظروف رتبتها التقدّم على مدخولها, سواء أكان مفردًا أم جملة, ولكنها تكون حرة الرتبة في الجملة عامة.
٣- من حيث الصيغة: هذه الظروف كلها من غير المشتقات مثلها مثل الضمائر والأدوات, ومن هنا لا تكون لها صيغ معينة, ولا تتصرّف إلى صيغ غير صيغها, ولعل هذا أيضًا مما يباعد بينها وبين الأسماء ويقارب بينها وبين الحروف.
٤- من حيث الجدول: ما دامت هذه الظروف غير متصرفة, فإنها لا تدخل في علاقات جدولية مع غيرها أيًّا كان نوع هذه العلاقات.
٥- من حيث التضامّ: بعض هذه الظروف قد يسبقه الحرف نحو منذ: متى, ومن أين, وإلى أين، ومن حيث, وإلى حيث, والظروف ذات افتقار إلى مدخولٍ لها يعيّن معناها الزماني المبهَم, والضمائم التي بعد هذه الظروف إمّا أن تكون كلًّا من المفرد والجملة كما في أيان ومتى وأين وأني, وإما أن تكون الجمل فقط كما في حيث وإذا وإذ ولما, وبعض الظروف تتبعه ما, وهو إذ وإذا ومتى وأين وحيث.
стр. 109
وهذه الصورة من صور التضامّ تفرد الظروف بطابع خاصٍّ لا تشاركها فيه الأسماء، ولا الصفات ولا الأفعال ولا الضمائر.
٦- من حيث التسمية: هذه الظروف لا تسمَّى شيئًا معينًا, وهي من ثَمَّ لا تدل على مسمَّى وليس معناها معجميًّا, وإنما هو معنى وظيفي قريب الشبه من معنى الأدوات, فهذه الظروف تؤدي وظيفة الكناية عن زمانٍ أو مكانٍ مع اختلاف بين كل واحد منها وبين الآخر من حيث التضام, كما رأينا تحت رقم٤, ثم من حيث ظلال المعنى كالفرق بين أيان ومتى, والفرق بين أين وأني والفرق بين إذ وإذا.
٧- من حيث الزمن: الفرق بين ما يدل عليه ظرف الزمان وبين الزمن الذي للفعل هو:
- الزمن يستفاد من الظرف بالمطابقة ومن الفعل بالتضمن.
- الزمن في الفعل مضى أو حالية أو استقبال, ولكنه في الظرف كناية عن زمان اقتران حدثين, والفرق بين الزمن في الصفة وزمان الظرف أنَّ زمان الظرف معنى للظرف وهو مفرد, وأن زمن الصفة وظيفة لها في السياق دون الإفراد؛ لأن معناها وهي مفردة هو -كما سبق- الدلالة على موصوف بالحدث.
أما الأسماء فليس الزمن جزءًا من دلالتها, وإذا دلَّ بعضها على زمان فإنه يدل من طريق التسمية, فالزمن هو مسمَّى الاسم كالليل والنهار لتسمية الوقتين المذكورين, أو عن طريق معاملته معاملة الظرف مثل ليلًا ونهارًا حين يكون الوقتان وعاء لحدث ما.
٨- من حيث التعليق: الظروف في اللغة العربية تعبيرات عن معنى الجهة شأنها في ذلك شأن كل ما أفاد علاقة التخصيص كالمفعولات والحال والتمييز والمستثنى, ومن هنا كان وضع الظروف في السياق وضع المفعول فيه, ومن هنا أيضًا يقال للظرف: إنه متعلق بالفعل؛ لأنه يفيد تقييد إسناد الفعل بجهة معينة من جهات فهمه.
стр. 110
ز- الأداة:
الأداة مبنى تقسيمي يؤد ي معنى التعليق, والعلاقة التي تعبر عنها الأداة إنما تكون بالضرورة بين الأجزاء المختلفة من الجملة, وتنقسم الأداة إلى قسمين:
- الأداة الأصلية، وهي الحروف ذات المعاني كحروف الجر والنسخ والعطف إلخ.
- الأداة المحولة، وقد تكون هذه:
ظرفية؛ إذ تستعمل الظروف في تعليق جمل الاستفهام والشرط.
أو اسمية؛ كاستعمال بعض الأسماء المبهمة في تعليق الجمل مثل: كم وكيف في الاستفهام والتكثير والشرط أيضًا.
أو فعلية؛ لتحويل بعض الأفعال التامة إلى صورة الأداة بعد القول, بنقصانها مثل: كان وأخواتها وكاد وأخواتها.
أو ضميرية؛ كنقل من وما وأي إلى معاني الشرط والاستفهام والمصدرية الظرفية والتعجب إلخ.
والتعليق بالأداة أشهر أنواع التعليق في اللغة العربية الفصحى, فإذا استثنينا جملتي الإثبات والأمر بالصيغة "قام زيد، وزيد قام، وقم", وكذلك بعض جمل الإفصاح, فإننا سنجد كل جملة في اللغة الفصحى على الإطلاق تتكل في تلخيص العلاقة بين أجزائها على الأداة, ويمكن أن يتضح ذلك من الشكل الآتي:
стр. 111
فالأدوات هنا تلخص معاني النفي والتأكيد والاستفهام والأمر باللام والعرض والتحضيض والتمني والترجي والنداء والشرط والنداء الامتناعي والشرط الإمكاني والقسم والندبة والا ستغاثة والتعجب. كل ذلك بالإضافة إلى ما للأداه من وظيفة الربط بين الأبواب المفردة في داخل الجملة؛ كالذي نجده في حروف الجر والعطف والاستثناء والمعية وواو الحال, أو من وظيفة أداء معنى صرفي عام كالذي نراه في أداة التعريف.
وتشترك الأدوات جميعًا في أنها لا تدل على معانٍ معجمية, ولكنها تدل على معنى وظيفي عام هو التعليق, ثم تختص كل طائفة منها تحت هذا العنوان العام بوظيفة خاصة كالنفي والتأكيد وهلم جرا، حيث تكون الأداة هي العنصر الرابط بين أجزاء الجملة كلها, حتى يمكن للأداة عند حذف الجملة أن تؤدي لمعنى كاملًا كالذي نراه في عبارات مثل: لم، عمَّ، متى، أين، ربما، وإن، لعل، ليت، لو ... إلخ. فيكون المعنى الذي تدل عليه هذه الأدوات هو معنى الجملة كاملة وتحدده القرينة بالطبع, وحين أراد النحاة أن يعبروا عمَّا فهموه بوضوح من أن معاني الأدوات هي وظائفها أي: أن معناها وظيفي لا معجمي قالوا في تعبيرهم عن هذا الفهم: إن هذه "معانٍ حقها أن تُؤَدَّى بالحرف", أي: إن المعاني الوظيفية يكشف عنها في مظانِّها الأصلية وهي كتب القواعد, وهذه المعاني من الناحية النظرية تقع خارج اهتمام المعجم, ولكن المعاجم للفائدة العملية ترى من الأصلح إيراد هذه الأدوات بين كلماتها المشروحة, وإذا كان هذا المعنى الوظيفي قد أمكن الوصول إليه باسم أو فعل أو ظرف أو ضمير على نحو ما رأينا منذ قليل, فإن الكلمة التي تؤدي هذا المعنى توصف في هذه الحالة بأنها أشبهت الحرف شبهًا معنويًّا, وربما أصبحت هي ذاتها أداة محوّلة لهذا السبب نفسه.
وللأدوات سمات من حيث المبنى ومن حيث المعنى تميزها عن بقية أقسام الكلم، ويمكن أن نورد هذه المميزات فيما يأتي:
١- من حيث الرتبة: الأدوات أشد تأصلًا في حقل الرتبة من الضمائر, ومن ثَمَّ تعتبر مجالًا خصبًا لدراسة ظاهرة الرتبة في اللغة الفصحى
стр. 112
ولقد رأينا منذ قليل أن معظم الجمل في اللغة العربية تتخذ أدوات خاصة تلخّص العلاقة بين أجزائها, ونضيف هنا أن رتبة أدوات الجمل جميعًا هي الصدارة, كما أن رتبة حرف الجر هي التقدم على المجرور, ورتبة حرف العطف هي التقدم على المعطوف, ويتقدم حرف الاستثناء على المستثنى, وواو المعية على المفعول معه, وواو الحال على جملة الحال, فكل أداة في اللغة الفصحى تحتفظ برتبة خاصة, وتعتبر الرتبة هنا قرينة لفظية تعين على تحديد المعنى المقصود بالأداة, فالصدارة هنا هي الفارق الوحيد في الرتبة بين الأداة وبين الظرف؛ لأن الظرف يتقدّم على مدخوله نحو: "أزورك متى أهلَّ رمضان", ولكن هذا الظرف إذ تعدَّدَ معناه الوظيفي فأصبح أداة شرط لزم الصدر في الجملة فتصير الجملة الشرطية: "متى أهل رمضان أزرك", ولا تكون متى في الشرط إلّا في هذا الموضع, فهذه إحدى السمات التي تميز الأداة من الظرف ومن غيره من أقسام الكلم.
٢- من حيث التضام: الأدوات جميعًا ذات افتقار متأصِّل إلى الضمائم؛ إذ لا يكتمل معناها إلّا بها, فلا يفيد حرف الجر إلّا مع المجرور, ولا العطف إلّا مع المعطوف, حتى أدوات الجمل مفتقرة إلى ذكر الجملة كاملة بعدها, ولا تحذف الجملة حين تحذف وتبقى الأداة بعدها إلّا مع القرينة التي يمكن بها فهم المراد, فتحل القرينة في إيضاح معنى الأداة محل الجملة.
٣- من حيث الرسم الإملائي: الأدوات كالضمائر منها المنفصل ومنها المتصل, فإذا كانت الأداة على حرف واحد كانت أداة متَّصلة بما يأتي بعدها من ضميمة مثل: باء الجر في "بمحمد", ولامه في "لمحمد", وكذلك في "به" و"له", أما إذا جاءت الأداة على أكثر من حرف واحد فإنَّ النظام الإملائي يفصلها في الكتابة عن ضميمتها مثل: "عن محمد" و"على محمد", فأمَّا "منه" و"عنه" و"عليه" فالوصل هنا للضمير لا للأداة, فإن الضمير حين أصبح على حرف واحد لحق بما قبله, وأما في "به" و"له" فإن كل واحد منهما لحق بالآخر لاحتياج كلّ منهما إلى الاتصال, وقد سبق لنا أن قلنا: إن هذه الخاصية لا تتسم بها الأفعال؛ لأن فعل الأمر مثلًا قد يصبح على حرف واحد, ومع ذلك يكتب مستقلًّا نحو: "ق نفسك" و"ع درسك".
стр. 113
ولا ينبغي لنا عند وصل الأداة أن نعتبرها إحدى اللواصق؛ لأن الفرق بين الأداة المتصلة وبين اللاصقة أن الأداة إذا حذفت بقي بعدها ما اتصلت به دالًا على معناه الذي كان له, وأما اللاصقة فإذا فصلناها عمَّا لصقت به فإن زوال الإلصاق يزيل معنى صرفيًّا أو نحويًّا كان عند وجود الإلصاق؛ كالتثنية أو الجمع أو التكلم أو الخطاب أو الغيبة أو التأنيث. ولو أزلنا حرف المضارعة عن المضارع ما ظلَّ مضارعًا, ولو أزلنا التاء المبنية على الضم من صيغة الماضي لزال معنى التكلم منه, ولو أزلنا الألف والنون من المثنى لزال منه معنى التثنية, أم الفعل الماضي في "ما قام زيد" فإنه يبقى على فعليته ومضيه عند زوال "ما", ولكن الذي يتأثّر بزوال "ما" هو معنى النفي, وهو معنى الجملة كلها لا معنى الماضي فقط.
٤- من حيث التعليق: سبق أن ذكرنا أن المعاني التي تؤديها الأدوات جميعًا هي من نوع التعبير عن علاقات في السياق, وواضح أن التعبير عن العلاقة معنى وظيفي لا معجمي. فلا بيئة للأدوات خارج السياق؛ لأن الأدوات كما ذكرنا ذات افتقار متأصّل إلى الضمائم, أو بعبارة أخرى: ذات افقتار متأصل إلى السياق, وسنرى عند دراسة النظام النحوي أن الأدوات من أهم وسائل التعليق في اللغة, وقد أشرنا إلى ذلك منذ قليل أيضًا. ولم يكن النحاة على خطأ حين أصروا على تعيين متعلق خاصّ للجار والمجرور في الإعراب, بل إنهم لما رأوا الظروف تسلك مسالك الأدوات أحيانًا قالوا بتعليق الظرف أيضًا, أما من وجهة نظرنا فإن التعليق لا يقتصر على الظرف والجار والمجرور, وإنما هو وظيفة الأدوات جميعًا. فالعاطف والمعطوف متعلق بالمعطوف عليه وواو المعية ومتبوعها متعلقان بالمصحوب وهلم جرا. وحين يكون الربط بين أجزاء الجملة كلها يكون معنى الأداة هو ما يسمونه "الأسلوب", كحين يتكلمون عن أسلوب النفي أو الشرط أو الاستفهام, فالربط هنا بما تحمله الأداة من وظيفة الأسلوب, ومن هنا تكون الأداة إحدى القرائن اللفظية شأنها شأن الرتبة والصيغة والمطابقة وغير ذلك مما سنراه عند الكلام عن نظام النحو. فإذا عرفنا أنَّ التعبير عن العلاقة لا يأتي بواسطة الاسم ولا الصفة ولا الفعل ولا الخالفة, عرفنا أيضًا أن الأداة تنتمي إلى طائفة الكلمات التي يعبّر بها عن المعاني العامة, إما مباشرة أو بصورة
стр. 114
غير مباشر؛ كالضمائر المتصلة التي تفيد المطابقة وكالظروف التي تفيد الاقتران الزماني والمكاني.
٥- من حيث المعنى الجملي: سبقت الإشارة إلى ذلك فيما ذكرنا في الفقرة السابقة تحت رقم٤, ونود أن نضيف هنا أن الأداة حين تحمل تلخيص أسلوب الجملة قد تحمله إيجابيًّا بوجودها أو سلبيًّا بعدمها, حين تقوم القرينة على المعنى المراد مع حذف الأداة, وذلك كالاستغناء عن أداة الاستفهام أو العرض عند الاتكال على قرينة النغمة؛ كما سيأتي ذكره تحت عنوان التنغيم في نهاية الفصل الخاص بالظواهر الموقعية. وذلك كأن تقول لرجل رآك تأكل تمرًا مثلًا: "تأكل؟ بنغمة العرض, والمعنى: ألا تأكل؟ " فهنا حيث تغني النغمة عن الأداة, فيصبح معنى الأداة قد تحقق على رغم حذفها بواسطة ما يسمّى "الدلالة العدمية" أي: دلالة عدم وجود الأداة "وهو الحذف" على المعنى الذي يكون عند وجودها. وسنرى أن الحذف والاستتار هما طريقا الإفادة العدمية في اللغة العربية, وذلك ما تعبر عنه الدراسات اللغوية الحديثة بعبارة "zero morpheme".
ولقد ورد في كلامنا عن الأوقات أن النواسخ جميعًا أدوات، وأن بعضها محوّل عن الفعلية, وأن هذا البعض لا يزال يحتفظ بصورته بين الأفعال التامَّة نحو: كان ودام وزال وبرح, إلى آخر ما هنالك, وأنه حين أصبح بين النواسخ زال عنه معنى الحدث وهو سمة التمام, فاتخذ بدلًا عنه في بعض الحالات معنى آخر من معاني الجهة, واكتفى في بعضه بمعنى الزمن دون غيره, يقول ابن جني في اللمع١": وهي كان وصار وأمسى وأصبح وظل وبات وأضحى وما دام وما زال وما أنفك وما فتئ وما برح وليس, وما تصرّف منهن, وما كان في معناهن مما يدل على الزمان المجرد من الحدث", وقد أضاف ابن عصفور في المقرب٢. غدا وراح وآض, فإذا علمنا أن كاد وأخواتها وهي كرب وأخذ وجعل وطفق وأوشك وعسى واخلولق تنسخ أيضًا كما تنسخ كان وأخواتها, أمكن أن نبين معاني هذه الأدوات على النحو الآتي:
стр. 115
من هذا نرى أن جميعها يفيد الزمن ولا يفيد واحد منها معنى الحدث, وأن جميعها إلّا كان يضيف إلى معنى الزمن أحد معاني الجهة, وأن بعضها لا يتصرف أبدًا شأنه شأن بقية الأدوات, وأما ما تصرّف منها فإنه ناقص التصرف, فقد يستعمل منه المضارع فقط, أو المضارع والأمر, أو هما واسم الفاعل, أو هن والمصدر, ولكننا لا نجد واحدًا منها يتصرف كما يتصرف الفعل التام. والوظيفة الأساسية التي تؤديها هذه الأدوات هي النسخ, والمعروف أن للجملة الاسمية إسنادًا لا على معنى الزمن, فهي نسبة الخبر إلى المبتدأ على طريق الوصف, فإذا أردنا أن نشرب الجملة الاسمية معنى الزمن خالصًا من دون الحدث, فإن السبيل إلى ذلك أن ندخل الناسخ عليها, فنزيل عنها طابعها الأصلي وهو الخلو من الزمن وهذا هو معنى النسخ. ومع خلو الجملة الأسمية حينئذ من معنى الحدث, فإن الناسخ قد يعطيها معنى جهة ما من جهات الفهم كما أوضحنا, يقول ابن عصفور١: "وكان إذا كانت زائدة للدلالة على اقتران الجملة بالزمان، وإن كانت ناقصة فكذلك أو بمعنى صار".
ولقد ذكرنا أن هذه الأدوات محوَّلة عن الفعلية, ونحن نعلم أن السمات التي تتميّز بها الأفعال منها ما يتصل بالمبنى, ومنها ما يتَّصل بالمعنى, فمما يتَّصل بالمبنى أن يكون للفعل صيغة صرفية معينة, وبعض هذه النواسخ ليس على صيغة ما مثل: "ليس", فهذه تخرج من الأفعال بعدم مجيئها على صورة الفعل, كما تخرج بعدم تصرفها إلى صيغ أخرى وإبائها الدخول في جدول تصريفي ما, ومما يشاركها في إباء الدخول في جدول تصريفي ما دام وراح وآض وكرب وأخذ وجعل وطفق وعسى واخلولق. وأما كان وبات وصار وأمسى وأصبح وظل فإنها يأتي منها المضارع والأمر واسم الفاعل, ولكن
стр. 116
خلوها من المعنى الحدث يحول بينها وبين أن تكون لها مصادر إلّا كان, وأما ما زال وما فتئ وما برح وما انفك وكاد وأوشك وغدا, فيأتي منها المضارع فقط, وربما جاء اسم الفاعل من بعضها, ومن هذا يتَّضح نقص التصرّف في جميعها.
ومما يعضد اعتبار هذه الكلمات بين الأدوات أنها تدخل على الأفعال كما تدخل الأدوات, فتقول: كان يفعل, وأمسى يفعل, وليس يفعل, وما فتئ يفعل, وكا يفعل, وعسى يفعل "والأكثر أن يفعل", وذلك شبيه بدخول الأدوات الأصلية على الأفعال في نحو: سوف يفعل, وقد يفعل, وإن يفعل, ولم يفعل, مع فارق واحد هو أن الفصل جائز في الحالة الأولى وغير جائز في الثانية, وهذا أمر يعود إلى طبيعة التضام بين الكلمتين.
وربما كان من المستحسن هنا أن أشير إلى أن بعض النحاة كالمبرد وابن الأنباري والزجاجي وابن مضاء كانوا يميلون إلى اعتبار هذه النواسخ أدوات, كما يبدو من أقوالهم في المقتضب وأسرار العربية وما يرويه عنهم همع الهوامع.
وليس بين هذه الأدوات ما يسلك سلوك الأفعال من حيث الإسناد والتعدي أو اللزوم, فما دامت هذه أدوات فلا يصح وصفها بذلك, ويقول الأشموني١ في تعدي الفعل ولزومه:
"تنبيه: هذه الهاء "أي: هاء كأنه" تتصل بكان وأخواتها, والمعروف أنها واسطة, أي: لا متعدية ولا لازمة".
لقد عدَّ النحاة ظنَّ وأخواتها بين النواسخ لسبب واحد هو أن مفعوليها يصلحان بدونها أن يكونا جملة من مبتدأ وخبر, ولكن ذلك وحده لا يصلح
стр. 117
مبررًا لاعتبار هذه الأفعال من بين النواسخ, ولماذا نهتم إلى هذا الحدّ بما يمكن أن يصير إليه المفعولان بعد الحذف, ثم لا نهتم بالشبه القوي بين ظنَّ وأخواتها, وأعطى وأخواتها, ولو صحَّ أن صلاحية ما بعد الفعل لأن يصير جملة تبرر اعتبار الفعل ناسخًا لصارت "جاء" من قولنا: "جاء زيد يركب فرسه" ناسخة؛ لأن صاحب الحال والحال هنا صالحان معًا لأن تتكون منهما جملة من مبتدأ وخبر. أضف إلى ذلك أن هناك اعتبارات أخرى هامّة تدعو إلى اعتبار ظنَّ وأخواتها من الأفعال التامة غير الناسخة, ومن ذلك ما يأتي:
١- إن العلاقة بين ظنَّ وأخواتها وبين المفعولين علاقة يتضح فيها معنى التعدية, وهو معنى لا يمكن فهمه منها عند اعتبار علاقة النسخ, وقد سبق أن اقتبسنا من شرح الأشموني ما يفيد أن النواسِخَ لا توصف بتعدٍّ ولا بلزوم.
٢- إن ظنَّ وأخواتها أفعال متصرفة, وقد سبق أن أشرنا إلى أنَّ النواسخ تشترك في طابع عام هو نقص التصرف أو عدم التصرف أصلًا.
ومن ثَمَّ تكون ظنَّ وأخواتها أفعالًا تتعدى إلى مفعولين وليست أدوات ناسخة, ويصدق القول نفسه على أعلم وأرى.
стр. 118
ثالثا: المبنى
مدخل
...
ثالثًا: المبنى
قدمنا عند بداية الكلام عن النظام الصرفي للغة العربية الفصحى أن هناك نوعين من المباني هما:
١- مباني التقسيم: وهي الاسم والصفة والفعل والضمير والخالفة والظرف والأداة, وذكرنا أن ما يرجع من هذه المباني إلى أصول اشتقاقية فإنه يتفرّع إلى مبانٍ فرعية يضمها المبنى الأكبر, وكل مبنى من هذه المباني الفرعية هو قالب تصاغ الكلمات على قياسه يسمَّى الصيغة الصرفية, ومن هنا رأينا طائفة من الصيغ تقع مباني متفرعة عن المبنى الأكبر وهو الاسم, وطائفة تقع فروعًا على المبنى الأكبر وهو الصفة, وطائفة ثالثة تقع فروعًا على المبنى الأكبر الثالث وهو الفعل. وكل صيغة من هذه الصيغ الفروع تعبر عن معنى فرعي منبثق عمَّا يفيده المبنى الأكبر من معنى تقسيمي عام كالاسمية والوصفية والفعلية. أما ما لا يرجع إلى أصول اشتقاقية من مباني التقسيم وهو الضمير وأكثر الخوالف والظرف والأدة, فمبانيها هي صورها المجرَّدة إذ لا صيغ لها, فإذا قلنا: "ضمير المفرد المذكر الغائب" فقد وصفنا مبنى مجردًا يصدق من ذلك على الضمير في حالة الرفع والانفصال والاتصال والاستتار, وفي حالة النصب والانفصال والاتصال, وفي حالة الجر والاتصال, وكل حالة من هذه الحالات الست تعتبر فرعًا على العنوان الأول, وتتحقق بعلامة مختلفة عمًّا تتحقق به الأخريات. فالعنوان الأولى مبنى أكبر وما تفرَّع منه مبانٍ فروع ولا نجد العلامة إلّا في النص المنطوق أو المكتوب.
٢- مباني التصريف: وهي تمثل في صور التعبير عن المعاني الآتية:
١- الشخص: والمقصود به التكلم والخطاب والغيبة.
ب- العدد: والمقصود به الإفراد والتثنية والجمع.
стр. 119
جـ- النوع: والمقصود به التذكير والتأنيث.
د- التعيين: والمقصود به التعريف والتنكير.
وهذه المعاني لا يعبر عنها بالصيغ الصرفية ولا بالصور الشكلية المختلفة, ولكنها يُعَبَّر عنها بواسطة اللواصق والزوائد, فالتكلم والخطاب والغيبة يعبَّر عنها في الفعل الماضي بالضمائر المتصلة, وفي المضارع بحروف المضارعة, وليس في صيغة الأمر إلّا معنى المخاطب. والإفراد والتثنية والجمع يعبر عنها في الأسماء بألف التثنية وواو الجمع وعدمهما, وكذلك بالألف والتاء, وفي الأفعال بألف الاثنين وواو الجماعة وعدمهما, والتذكير والتأنيث يعبَّر عنهما في الأسماء بتاء التأنيث وألف القصر وهمز المد, وفي الأفعال بتاء التأنيث وتاء المؤنثة ونون النسوة, والتعريف والتنكير يفرق بينهما بالألف واللام اللذين يفيدان التعريف, فالضمائر المتصلة جميعًا, وحروف المضارعة الأربعة, وألف الاثنين وألف التثنية وواو الجمع وواو الجماعة والألف والتاء وتاء التأنيث وألف القصر وهمزة المد وتاء المؤنثة ونون النسوة والألف والألف واللام, كل أولئك وسائل شكلية للتعبير عن معاني التصريفية التي ذكرناها تحت الأرقام أ، ب، ج، د منذ قليل, ومن ثَمَّ يصدق عليها أنها مبانٍ تصريفية, أو أنها بعبارة أخرى من "مباني التصريف".
٣- مباني القرائن اللفظية: السياق كالطريق لا بُدَّ له من معالم توضحه, ولا شك أن مباني التقسيم وما تبدو فيه من صيغ صرفية وصور شكلية, وكذلك مباني التصريف مع ما تبدو له من لواصق مختلفة تقدم قرائن مفيدة جدًّا في توضيح منحنيات هذا الطريق, ولكن السياق حتى مع وضوح الصيغ واللواصق يظل بحاجة إلى الكثير من القرائن الأخرى التي تتضح بها العلاقات العضوية في السياق بين الكلمات. فمن هذه المباني ما تتضح به الأبواب من حركات إعرابية أو رتبة أو مطابقة في الحركة أو مطابقة في مبنى تصريفيٍّ ما، أو ربط بصورة من الصور التي تترابط بها الكلمات كما سنرى بعد قليل, أو همز أو تضعيف يفيد معنى التعدية, أو غير ذلك من المباني المعبرة عن العلاقات, وهي التي سندرسها بالتفصيل تحت عنوان: "القرائن اللفظية" عند
стр. 120
مناقشة النظام النحوي إن شاء الله, ومع أن هذا النوع الثالث من المباني لا يساق لبيان معنى صرفي وإنما يساق لبيان علامة نحوية يعتبر في جملته خارجًا عن نظام الصرف, ولكنه هدية الصرف إلى نظام النحو؛ إذ أن النحو نظام من المعاني والعلاقات التي لا تجد تعبيرًا شكليًّا عنها إلّا فيما يقدمه الصرف لها من المباني والقرائن اللفظية.
عند هذا الحد أكون قد وضَّحت الأقسام الثلاثة التي تنقسم إليها المباني, فوصلت إلى نقطة يحسن فيها أن أعد بذاكرة القارئ إلى ما سبق من إيضاح الصلة بين المعنى والمبنى والعلامة, وحين قال ابن مالك:
فعل قياس مصدر المعدى
من ذي ثلاثة كرد ردّا
عرض علينا المقابلة الآتية بين المفاهيم الثلاثة:
المعنى المبنى العلامة
مصدر الثلاثي المتعدي فَعْل ردّ
وحين قال:
نونًا تلي الإعراب أو تنوينًا
مما تضيف احذف كطور سينا
عرض المقابلة على النحو التالي:
المعنى المبنى العلامة
الإضافة حذف التنوين طور سينا
والمبنى في المثال السابق من النوع الأول, وفي المثال الأخير من النوع الثالث, على أن هذا المبنى في المثال الأخير واحدة من قرائن لفظية متعددة يتَّضح بها معنى الإضافة, منها الرتبة المحفوظة بين المضاف والمضاف إليه, ومنها العلامة الإعرابية التي في آخر المضاف إليه, ومنها أن طرفي الإضافة اسمان وهلم جرا، وكل هذه القرائن مبانٍ مما سبق شرحه, وحيث وضعنا المباني بإزاء ما تعبِّر عنه من المعاني وما تحقق به من العلامات, كان علمنا أن ندرك أن المبنى ما دام لا يرد في النطق ولا يجري به القلم في الكتابة؛ لأن النطق والكتابة مجال العلامة فلا بُدَّ أن يكون المبنى جزءًا من النظام, وإن القواعد كلها ليست
стр. 121
أكثر من تفصيل قصة الصلة بين المعاني والمباني, وأن القواعد لا تستخدم العلامات إلّا في الأمثلة والشواهد حيث تكون مسبوقة بكاف التشبيه. فوضوح المقصود بالمبنى يتوقف إذًا على إدراك الفرق بين المبنى وبين العلامة, فنون التوكيد على إطلاقها مبنى, ولكن هذه التي في قولنا "لنقومن" علامة, أي: إنها على عمومها مبنى وعلى خصوصها علامة, وهذا هو الفرق بين كل مبنى وكل علامة, كالذي سبق في فهم صيغة "فَعْل" في عمومها, وكلمة "ردّ" في خصوصها, وكذلك حذف التنوين في عمومه وحذفه في طور سينا على الخصوص وهلم جرا. ولهذا السبب كان المبنى بإفادته العموم جزءًا من النظام, أي: من اللغة, وكانت العلامة بخصوصها جزءًا من الكلام, ولهذا السبب أيضًا كانت الصلة في داخل النظام بين المعنى والمبنى صلة لا تنفك من حيث إن المعاني بحاجة إلى المباني, سواء أكانت دلالة المبنى على المعنى وجودية بالذكر, أم عدمية بالحذف أو الاستتار. وسنحاول فيما يلي أن نلقي ضوءًا على طبيعة الأنواع الثلاثة من المباني كلًّا على حدة, فنتكلم من النوع الأول عن الصيغة ودورها في الصرف, ومن النوع الثاني عن اللواصق, ومن النوع الثالث عن الزوائد.
стр. 122
الصيغة:
ذكرنا منذ قليل أن الصيغ الصرفية مبانٍ فرعية, وأن أصولها هي المباني التقسيمية الثلاثة: الاسم والصفة والفعل دون غيرها من أقسام الكلام, فلا صيغة للضمير ولا للخوالف في عمومها ولا للظروف ولا الأدوات الأصلية. وكذلك أوضحنا من قبل أن للأسماء صيغًا وللصفات غيرها, وللأفعال صيغ تختلف عن هذين النوعين, ولقد أوردنا في صيغ الأسماء الثلاثية قول ابن مالك١:
وغير آخر الثلاثي افتح وضم ... واكسر وزد تسكين ثانيه تعم
وفِعُلٌ أهمل والعكس يقل ... لقصدهم تخصيص فِعْلٍ بفُعِلْ
стр. 123
فإذا اتفق الاسم مع الصفة في واحدة من هذه الصيغ أرجعنا المثال إلى الجدول التصريفي, فإذا اشتمل تصريف المادة على صيغ خاصّة بالأفعال, فالمثال صفة, وإذا لم يشتمل فالمثال اسم, والخماسي والسداسي من الأسماء ذوا صيغ مشهورة لا تشاركهما فيها الصفات، أم المصادر من الأسماء وأسماء الزمان والمكان والآلة فصيغها محددة أيضًا, وارجع في ذلك إلى باب أبنية المصادر في ألفية ابن مالك وهو يبدأ بقوله:
فعل قياس مصدر المعدّى ... من ذي ثلاثة كردَّ ردا
وينتهي بقوله:
وفَعْلَةٌ لمرة كَجَلْسَةٍ ... وفِعْلَةٌ لهيئة كَجِلْسَه
في غير ذي الثلاث بالتا المرة ... وشذَّ فيه هيئة كالخمرة
وفي أبنية أسماء الزمان والمكان يقول:
نحو الجهات والمقادير وما ... صيغ من الفعل كمرمى من رمى
وشرط كون ذا مقيسًا أن يقع ... ظرفًا لما في أصله معه اجتمع
أما ما زاد على الثلاثة من الأسماء فقد حصره ابن مالك بقوله:
لاسم مجرد رباع فَعْلَلُ ... وفِعْللٌ وفِعْلَل وفُعْلَل
ومعْ فِعَلِّ فُعْلَلٌ وإن علا ... فمع فَعَلَّلٍ حوى فَعْلَلِلَا
كذا فُعَلِّلٌ وفِعْلَلٌ وما ... غاير للزيد أو النقص انتمى
وللصفة أيضًا صيغ محفوظة محددة المعالم تدل كل صيغة منها على معنى وظيفي خاص كالفاعل والمفعول والمبالغة إلخ, وفي ألفية ابن مالك أيضًا باب خاص بأبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة بها يبدأ بقوله:
كفاعل صغ اسم فاعل إذا ... من ذي ثلاثة يكون كغذا
وباب خاص بعلاقات واحدة بذاتها من هذه الصفات المشبهة, وهي المشبهة باسم الفاعل بخصوصها يقول فيه:
وصوغها من لازم لحاضر ... كطاهر القلب جميل الظاهر
стр. 124
ويقول في صيغ المبالغة:
فعال أو مفعال أو فعول ... في كثرة عن فاعل بديل
فتستحق ماله من عمل ... وفي فعيل قل ذا وفَعِل
ويسوقا بابًا خاصًّا بمبنى التفضيل يبدأ بقوله:
صغ من مصوغ منه للتعجب ... أفعل للتفضيل وأب اللذ أبى
وللأفعال أيضًا صيغ خاصة ما كان منها ثلاثيًّا أو فوق الثلاثة, فللثلاثي ستة أبواب للصيغ هي:
١- فعل يفعَل مثل سحب يسحب.
٢- فعل يفعِل مثل ضرب يضرب.
٣- فعل يفعُل مثل نصر ينصر.
٤- فَعِلَ يفعَل مثل سمع يسمع.
٥- فَعِلَ يفعِل مثل حسب يحسب.
٦- فَعُلَ يفْعُل مثل كرم يكرم.
وللرباعي١ سبع صيغ أحصاها الصرفيون على النحو الآتي:
١- فَعْلَلَ مثل جلبب ٥- فَعَيْلَ مثل شريف
٢- فَوْعَلْ مثل جورب ٦- فَعْلَى مثل سلقى
٣- فَعْوَلَ مثل رهوك ٧- فَعْنَلْ مثل قلنس
٤- فَيْعَمَل مثل بَيْطَر
وقد يزاد الثلاثي بواسطة لواصق وزوائد تدل على معانٍ صرفية معينة منها:
١- الهمزة تسبق فاء الكلمة كأكرم, ومعناها الغالب التعدية والصيرورة.
٢- الألف بين الألف والعين كقتل, ومعناها الغالب المشاركة والموالاة.
٣- تضعيف عين الثلاثي مثل كرَّم, ومعناها الغالب التعدية والإزالة.
٤- النون الساكنة قبل الفاء مثل انكسر ومعناها "المطاوعة.
стр. 125
٥- التاء بين الفاء والعين مثل اجتمع, ومعناها الغالب الاتخاذ والاضطراب.
٦- تضعيف اللام مثل أحمرَّ, ومعناها الغالب الألوان والعيوب.
٧- التاء قبل الفاء مع تضعيف العين مثل تعلم, ومعناها الغالب المطاوعة والاتخاذ.
٨- التاء قبل الفاء مع الألف بعدها مثل تباعد, ومعناها الغالب المطاوعة والمشاركة.
٩- السين والتاء قبل فاء الكلمة مثل استخرج, ومعناها الغالب المطاوعة والمشاركة.
٩- السين والتاء قبل فاء الكلمة مثل استخرج, ومعناها الغالب الطلب والصيرورة.
١٠- تكرار العين مع توسط الواو بين شطريها مثل اغدودن, ومعناها الغالب صار ذا كذا.
١١- زيادة ألف بين العين واللام مع تكرار اللام مثل احمارّ, ومعناها الغالب التحول.
١٢- زيادة ألف بين العين واللام مثل اجلوّذ, ومعناها الغالب التحرك.
وقد يزاد الرباعي أيضًا بواسطة لواصق وزيادات ليؤدي معاني صرفية مختلفة عمَّا يؤديه منها الرباعي المجرَّد, وذلك كما يأتي:
١- زيادة التاء في أول فَعْلَلَ لتصير تَفَعْلَلَ نحو: تدحرج.
٢- زيادة النون العين واللام المكررة الأصلية, افعنلل, نحو: احرنْجَم, مع إسكان الفاء وتحريك العين فيها.
٣- تضعيف اللام الأخيرة من فعلل فتصير: افعلل, نحو: اقعشرَّ مع إسكان الفاء وتحريك العين فيها.
٤- زيادة التاء في أول فَعْلَلَ فتصير: تَفَعْلَلَ, تجلبب
стр. 126
٥- زيادة التاء في أول فَعْوَلَ فتصير تَفَعْوَلَ نحو: ترهوك.
٦- زيادة التاء في أول فَيْعَلَ فتصير تَفَيْعَل نحو: تشيطن.
٧- زيادة التاء في أول فَوْعَل فتصير تَفَوْعَل نحو: تجورب.
٨- زيادة التاء في أول فَعْلَى فتصير تَفَعْلَى نحو: تسلقى.
٩- زيادة التاء في أول مَفْعَلَ فتصير تَمَفْعَلَ نحو: تمنطق وتمسكن.
ويحلق بهذه الصيغ وزنان آخران هما:
١٠- افعنلل نحو: اقعنسس, واللام هنا زائد لا أصلية.
١١- افعنلى نحو: اسلنقى.
على أننا يمكن أن ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى نتناول بها المعاني الصرفية الشهيرة وما يرصده الصرف لكلٍّ منها من المباني التي تشتمل داخل كل مادة على جميع ما تصرَّف من هذه المادة؛ كالمصدر بأنواعه والميميات والصفات من الأفعال, فكل هذه التصريفات يفترض فيها أن تفيد هذا المعنى كل من زاويته الخاصة, فالمصدر يفيد المعنى من زاوية الحدث, والميميات تفيد المعنى نفسه من زاوية مكانه أو زمانه أو آلته, والصفات تفيده هو أيضًا من زاوية دلالتها على موصوف بالحدث, والأفعال تفيده من زاوية الاقتران بين زمنه وحدثه, ولكن القسط المشترك بين هذه التصريفات جميعًا أنها تشتمل على حروف بعينها مرتبة في جميعها ترتيبًا موحدًا, فتتفق في هذه الحروف وفي ترتيبها وفي الأصل والزائد منها, وسنورد هنا أشهر المعاني الصرفية وما يمكن أن يوضع بإزاء كلٍّ منها من الصيغ مكتفين في كل صيغة بإيراد صورة الفعل الماضي المسند إلى المفرد والغائب, وستتكفل خيال القارئ بتصور بقية تصريفات المادة:
стр. 127
فهل يمكن بعد هذا أن ننظر إلى المبنى هنا "في كل ما أوردناه من المباني ذات المعاني" على أن الصيغة بأكملها "الأصول والزوائد", فيكون المبنى فرعًا على مباني التقسيم كما ذكرنا, أو أن نعتبر الأصول الثلاثة "فاء الكلمة وعينها ولامها" لا دخل لها في اختلاف المعنى "لاتفق وجودها في جميع المباني", وبذا يكون المعنى للزوائد من دونها, ومن ثَمَّ يكون هذا المبنى فرعًا على مباني التصريف أو العلاقات؟ إن كلا الاعتبارين ممكن, وإن الصرفيين قد آثروا أن ينسبوا المعاني مرة إلّا الصيغ ومرة أخرى إلى ما سموه "حروف الزيادة", وصار من الممكن لهم في الحالتين أن يعبِّروا عن حقائق المباني الصرفية دون قصور. أما نحن فلاعتبارات عملية تفضل أن ننسب الطلب أو الصيرورة إلى الاستعمال كله لا إلى السين والتاء والمطاوعة إلى الانفعال كله لا إلى النون النساكنة, وبذلك نكون قد وصلنا إلى قرار بشأن المبنى الدال على كل واحد من هذه المعاني الصرفية, فاعتبرنا مبنى الصيغة فرعًا على مباني التقسيم: وهي الاسم "وتحته صيغ", والصفة "وتحتها صيغ", والفعل "وتحته صيغ أيضًا".
عند هذا الحد نودّ أن نفرق بين أمرين أرى أن التفريق بينهما هامّ للغاية, لقد عرفنا الآن أن الصيغة جزء من التحليل الصرفي, وأنها باعتبارها مبنى صرفيًّا لا بُدَّ من النظر إليها على أنها تلخيص شكلي لجمهرة من العلامات لا حصر لها ترد على ألسنة المتكلمين باللغة الفصحى كل يوم, بل في كل ثانية من دقيقة من ساعة من يوم, والناس ينطقون العلامات ولا ينطقون هذه التلخيصات الشكلية, والعلامات التي ترد في النطق قد تخضعها ظروف القواعد التي تحكم تأليف الأصوات وتجاورها في اللفظ لمغايرة بنية الصيغة, ظروف القواعد التي تحكم تأليف الأصوات وتجاورها في اللفظ لمغايرة بنية الصيغة مغايرة ترجع إلى ظواهر الإعلال أو الإبدال أو النقل أو الحذف, وهي من "الظواهر الموقعية" التي سنتكلم عنها تحت عنوانها المذكور, وعندما تخضع العلامة لمغايرة بنية الصيغة لا يكون بينهما التوازي المتوقع من حيث عدد الحروف ونسق الحركات, فلو أردنا والحالة هذه أن نقابل أصواتها الصحيحة بحروف صحيحة وأصوات حركاتها وعللها بحركات وعلل لوصلنا إلى تصوير هيكل الكلمة تصويرًا قد يختلف عن مبنى الصيغة. مثال ذلك: إن صيغة الأمر من باب ضرب "فَعَلَ يَفْعِلُ" هي "افعِل", ولكننا إذا أخذنا الفعل "وقى" وهو من
стр. 128
أفعال هذا الباب, وأردنا أن نصوغ فعل الأمر منه على مثال "افعل", لوجدنا هذا الفعل يئول إلى "ق", فإذا أردنا أن نقابل الحرف الوحيد الموجود من هذا الفعل بنظيره في الصيغة لوجدنا أن ما يقف بإزائه من حروف الصيغة هو العين المكسورة "عِ", فإذا سألنا أنفسنا من أيّ الصيغ هذا الفعل "قِ" لقلنا دون تردد: إن صيغته هي صيغة "أَفْعِلْ", فإذا سألنا: فما بال هذه العين المكسورة تقف عنَّا بإزاء الفعل في صورته النهائية, فإن الجواب هو أنَّ هذه العين المكسورة تمثل "الميزان" ولا تمثل "الصيغة".
فالتفريق بين الصيغة وهي "مبنى صرفي" وبين الميزان وهو "مبنى صوتي" تفريق هام جدًّا له من الأهمية ما يكون منها للتفريق بين علمي الصرف والأصوات, وقد يتفق هيكل الصيغة في صورته مع هيكل الميزان, فالفعل "ضرب" صيغته "فَعَل" وميزانه "فَعل" أيضًا, ولكنهما قد يختلفان كما رأينا في فعل الأمر "ق", على أن الصرفيين علقوا أمر اختلاف الصيغة والميزان على النقل والحذف, فأبانوا ما يرد من ذلك في الميزان مع التذكير دائمًا بأن الصيغة تحكي قصة أخرى, أما مع الإعلال والإبدال فإن علماء الصرف لم يحفلوا بالفروق بين شكل الصيغة وشكل المثال؛ بحيث إنهم زعموا في "قال" وهو ينتمي إلى صيغة فَعَلَ أنه على وزن "فَعَلَ" أيضًا, وليس على وزن "فَالَ", وما إصرار علماء الصرف هنا على وحدة الصيغة والميزان بمجد فتيلًا بالنسبة للأغراض العملية للتحليل الصرفي, بل من الأجدى أن نلقي على عاتق الصيغة بيان المبنى الصرفي الذي ينتمي إليه المثال, وأن ننوط بالميزان أمر بيان الصورة الصوتية النهائية التي آل إليها المثال, ولو اتحد هذا وذاك لغاب من تحليلنا أحد هذين الأمرين الهامَّين, ومن هنا اقترح أن التحليل الصرفي كما راعى النقل والحذف في الميزان ينبغي له أن يراعي الإعلال والإبدال أيضًا على النحو الآتي:
стр. 129
إن المباني الصرفية الماضية لم تتناول مباني الضمائر والخوالف والظروف والأدوات؛ لأن ما سبق من المباني صيغ, ولا صيغ لهذه الأقسام المذكورة لأنها غير متصرفة. ومن هنا أجد من الضروري أن أشرح طبيعة مباني هذه الأقسام وصلتها بالعلامات التي تتحقق هي بواسطتها, ومفتاح الكلام في هذا الموضوع هو فكرة العموم والخصوص, أو بعبارة أخرى: فكرة الإطلاق والتقييد, فضمير الرفع للمفرد المتكلم "أنا" على إطلاقه هو المبنى, وأما العلاقة التي يتحقق بها هذا المبنى في "أنا" من قولي "أنا أكتب" فلفظ "أنا" بخصوصه في هذه الجملة علامة تتحقق بها "أنا" على إطلاقها, أي "أنا" الموصوفة بأنها ضمير الرفع للمفرد المتكلم, والمفهومة من هذا العنوان, والتي لا تنطق لأنها مطلقة وتندرج تحتها ملايين العلامات. ومثل ذلك يقال في "هيهات" على إطلاقها, و"هيهات" من قول الشاعر:
فهيهات هيهات العقيق ومن به
فالأولى مبنى والثانية علامة لأنها واردة في نص بخصوصه, ومثله أيضًا يقال في "حيث" على إطلاقها, فهي تعتبر مبنى لهذا الظرف, و"حيث" التي في قول الشاعر:
إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم
وهي هنا علامة لورودها في نص بعينه, وكذلك الأمر في "من" المطلقة التي تعتبر مبنى لحرف الجر المذكور و"من" التي في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ فهي بخصوصها في هذه الآية علامة تحقق بها في النطق ذلك المبني الصرفي المذكور.
وما دامت المباني الصرفية تعبر عن معانٍ صرفية أو تتخذ قرائن لفظية على معانٍ نحوية, فلا بُدَّ أن يكون أمن اللبس بين المبنى والمبنى غاية كبرى تحرص عليها اللغة في صياغتها للمباني الصرفية, ولا بُدَّ لضمان أمن اللبس على المستوى الصرفي أن تقوم القيم الخلافية بدور التفريق بين المباني من ناحية الشكل ليكون هناك فارق بين المعنى الصرفي وأخيه, أو بين الباب النحوي وأخيه "وأقصد بالباب هنا المعنى النحوي كالفاعل ونائبه إلخ", وقد تكون القيمة الخلافية مقابلة الحركة
стр. 130
بالمد أو مقابلة الإفراد بالتشديد, أو مقابلة التجرد بالزيادة, وهلم جرّا. فالفرق بين "فَعَلَ" وفَاعَلَ" يأتي عن قيمة خلافية تعود إلى الكمية هي مقابلة فتحه الفاء في فعل بالألف بعد الفاء في "فاعل", ومثل ذلك يقال عن الفرق بين "فعل" وبين "فعل"؛ حيث تكون المقابلة بين الإفراد والتشديد, وبين "فعل" و"فعيل" المقابلة في الكمية, أما بين "فَعَلَ" و"اسْتَفْعَل" فالمقابلة بين التجرد والزيادة. وهذه المقابلات "أو القيم الخلافية بحسب اصطلاحنا" هي مناط أمن اللبس؛ إذ بدونها تتشابه الصيغ ويصبح التفريق بين المتشابهات أمرًا غاية في الصعوبة كالذي يحدث في النصوص التي تساق للإلغاز. وبدون هذه القيم الخلافية لا يمكن أن يقوم تحليل لغوي ولا تقسيم ولا تبويب ولا نشاط في البحث في اللغة من أيّ نوع, ذلك بأن التقسيم والتبويب ينبنيان على أساس إدراك جهات الشركة بين المفردات, ووضع كل طائفة منها تشترك في خصائص معينة, وتختلف في خصائص أخرى عن غيرها من الطوائف في قسم بعينه أو باب بعينه. فإذا كانت القيم الخلافية مناط التقسيم والتبويب, وكان التقسيم والتبويب مظهر النشاط العلمي, فإن استخدام القيم الخلافية يكون مناط النشاط العلمي ومظهره.
ولكن قد يحدث أحيانًا أن تتشابه صيغتان في النظام مع اختلاف معناهما, فحين لا نجد اختلافًَا بينهما نلجأ إلى القرائن نستبين بها معنى كلٍّ منهما. انظر مثلًا إلى الأمثلة الآتية:
١- صيغة فاعِلْ: عند النظر إلى هذه الصيغة باعتبارها مبنى غير منطوق وغير موضوع في سياق متصل بالطبع؛ لأن السياق لا يتكوّن من صيغ سنرى أنها صالحة لمعنيين:
أ- اسم الفاعل من فَعَلَ.
ب- الأمر من فَاعَلَ.
بل إننا لو نظرنا إلى الكلمة المفردة "قاتلْ" ساكنة الآخر بالوقف, فسنجدها لا تزال "وهي كلمة لا صيغة" صالحة للمعنيين جميعًا, وإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن نبحث عن القرائن التي تحدد استعمال الكلمة بأحد المعنيين دون الآخر, وهذه القرائن يمكن العثور عليها في مظانّ مختلفة منها
стр. 131
الجدول الإلصاقي والجدول التصريفي والجدول الإسنادي ومنها السياق, فأما على مستوى الجدول الإلصاقي فإن الكلمة إذا قبلت الألف واللام فهي اسم فاعل, وإذا قبلت نون النسوة فهي فعل أمر, وأما على مستوى الجدول التصريفي فإذا انحازت الكلمة إلى قَاتَلَ يقاتِل فهي فعل أمر, وإذا انحازت إلى مقتول وقتّال وقتيل فهي اسم فاعل، وأما على مستوى الجدول الإسنادي فإذا قبلت الكلمة الإسناد إلى ضمائر الخطاب فهي فعل أمر وإلّا فلا, وأما التفريق بالسياق لتوضحه المقابلة بين:
القاتل يقتل وقاتل من قاتلك.
٢- صيغة فَعْل: وهي صيغة صالحة للاسم المعين كبيت, وللمصدر كضرب, وللصفة كشهم, فالمبنى على هذه الصورة لا ينصرف إلى واحد من هذه المعاني إلّا بالقرينة, وكما سقنا من قبل كلمة "قاتل" بالنسبة لصيغة "فاعل", نسوق هنا كلمة "عدل" فنراها صالحة للمصدر والصفة المشبهة على السواء, ومعنى ذلك أننا إذا أردنا تحديد معناها فلا بُدَّ من اللجوء إلى القرائن، وإذا بحثنا عمَّا يقدمه الجدول الإلصاقي من القرائن ما وجدنا من القرائن ما يعيننا فيه, فكلا المعنيين يمكن أن يفهم من الكلمة مع إلصاق "أل" ولاصقة التثنية وضمائر الجر المتصلة فلا يمكن للجدول الإلصاقي, والحالة هذه أن يعيننا في الكشف عن معنى الصيغة - لا بل عن معنى الكلمة. أما من ناحية الجدول التصريفي فسنرى أن أحد المعينين يسمح بدخول الكلمة في هذا الجدول إذ تنحاز فيه إلى فريق الصفات فتكون صفة مشبهة, وأما المعنى الآخر فيحول بينها وبين هذا الجدول؛ لأن الأسماء لا تدخل الجداول التصريفية على نحو ما رأينا من قبل. وأما من حيث الجدول الإسنادي فإن هذا الجدول يتأبى على هذه الكلمة في كلتا حالتيها سواء إذا كانت مصدرًا أو صفة مشبهة, يبقى بعد ذلك أن نلجأ إلى قرية السياق, وهي كبرى القرائن اللفظية, وسنرى هذا السياق يسعفنا في التفريق بين المعنيين على نحو ما نرى فيما يلي:
العدل أساس الملك "الكلمة تفيد المصدر".
هو الحكم العدل اللطيف الخبير "الكلمة تفيد الصفة المشبهة".
стр. 132
٣- صيغة المضارع المسندة إلى المخاطب وإلى الغائبة: وهذه تأتي على "تفعل" في الحالتين, فأنت تسمع وهي تسمع, وأنت تضرب وهي تضرب, وأنت تكتب وهي تكتب, ولا يعين على تحديد المعنى هنا إلّا السياق, وأخص ما يعيننا على تحديد المعنى هنا قرينة الربط, فإذا عاد الضمير المستتر على مخاطبٍ فالإسناد للمخاطب, وإذا عاد على غائبة فالإسناد إلى غائبة.
٤- تفاعلا وأخواتها: صالحة للماضي المسند إلى ألف الاثنين والمضارع المجزوم المسند إليها والأمر المسند إليها أيضًا, ويتضح ذلك عند النظر فيما يأتي:
إن تقابلا تنازعا: الفعلان في الجملة صالحان للماضي والمضارع.
إن تقابلا فتنازعا: الأول صالح لهما, والثاني أمر بقرينة الفاء الجوابية, ولو جعلنا الفاء عاطفة لصلح الفعل بعدها للماضي والمضارع, وصارت جملة الشرط بحاجة إلى جواب.
والذي قيل في "تفاعلا" هنا يقال مثله في "تفاعلوا١" و"تفاعلن" و"تفعلا" و"تفعلوا" و"تفعلن", وكذلك "تفاعل" و"تفعل" كما يتضح من الجدول الآتي٢:
أنا تقاتل إن أتقاتل.
نحن تقاتلنا إن نتقاتل.
أنت تقاتلت ١ إن تقاتل -بحذف تاء الزيادة ١ تقاتل.
أنتِ تقاتلت ٢ إن تقاتلي -بحذف تاء الزيادة٢ تقاتلي.
أنتما تقالتما ٣ إن تقاتلا -بحذف تاء الزيادة ٣ تقاتلا.
أنتم تقاتلتم ٤ إن تقاتلوا -بحذف تاء الزيادة ٤ تقاتلوا.
أنتن تقاتلن ٥ إن تقاتلن -بحذف تاء الزيادة ٥ تقاتلن.
هو تقاتل إن يتقاتل.
هي تقاتلت ١ إن تقاتل بحذف تاء الزيادة.
стр. 133
هما "مذكر" ٣ تقاتلا إن يتقاتلا.
هما "مؤنث" تقاتلنا ٣ إن تقاتلا بحذف تاء الزيادة.
هم ٤ تقاتلوا إن يتقاتلوا.
هن "٥" تقاتلن إن يتقاتلن.
ففي هذا الجدول خمس حالات من التشابه, ويرى مثلها في الجدول الآتي:
أنا تزينت إن أتزين.
نحن تزينا إن نتزين.
أنتَ تزينت ١ إن تزين -مع حذف تاء الزيادة ١ تزين.
أنتِ تزينت ٢ إن تزيني -مع حذف تاء الزيادة ٢ تزيني.
أنتما تزينما ٣ إن تزينا -مع حذف تاء الزيادة ٣ تزينا.
أنتم تزينتم ٤ إن تزينوا -مع حذف تاء الزيادة ٤ تزينوا.
أنتن تزينتن ٥ إن تزين -مع حذف تاء الزيادة ٥ تزين.
هو تزين إن يتزين.
هي تزينت ١ إن تزين -مع حذف تاء الزيادة.
هما "مذكر" ٣ تزينتا إن يتزينا.
هما "مؤنث" تزينتا ٣ يتيزنا -مع حذف تاء الزيادة.
هم ٤ تزينوا إن يتزينوا.
هن ٥ تزينّ إن لم يتزين.
٥- كذلك نستطيع تأمل العبارات التالية:
نحن نخطب قعودًا أو وقوفًا مصدر قعد ووقف, أو جمع قاعد وواقف.
نحن نخطب قيامًا أو جلوسًا, مصدر قام وجلس, أو جمع قائم وجالس.
نحن نريد حلولًا مصدر حَلَّ يَحِلّ أو جمع حَلّ.
نحن ننشد حضورًا مصدر حضر أو جمع حاضر.
وفي هذه الحالة بالذات لا نستطيع حتى بمعونة هذا السياق أن نصل إلى معنى الكلمة بل الصيغة, ومن هنا يصبح الرجوع إلى المقام وهو منبع القرائن الحالية أمرًا لا غنى عنه, فبالمقام نعم ما إذا كانت هذه الكلمات مصادر أو جموعًا.
стр. 134
هنا أودّ أن أشير إلى أن الصيغة الصرفية هي وسيلة التوليد والارتجال في اللغة، فإذا أردنا أن نضيف إلى اللغة كلمة جديدة عن أحد هذين الطريقين فإننا ننظر فيما لدينا من صيغ صرفية وفيما تدل عليه كل صيغة من المعاني، ثم نقيس المعنى الذي نريد التعبير عنه على المعاني التي تدل عليها الصيغ, فإذا صادفنا الصيغة المرادة صغنا الكلمة الجديدة على غرارها توليدًا أو ارتجالًا، ولما كانت الأسماء والصفات والأفعال هي وحدها صاحبة الصيغ الصرفية كانت هي أيضًا مجال التوليد. أما الضمائر والخوالف والظروف والأدوات فلا توليد فيها لأنَّ بناءها لا يكون على مثال الصيغ الصرفية؛ ولأن معانيها وظيفية ومحدودة ومقصورة على السماع في الوقت نفسه، ولا تتطلّب اللغة الجديد من المعاني الوظيفية, ولكنها تتطلب الجديد من المعاني المعجمية، فلا يكون إثراء اللغة بإضافة الجديد من الضمائر والخوالف والظروف والأدوات إلى ما يوجد فيها فعلًا, وإنما يكون بإضافة الأسماء والصفات والأفعال ذات الصيغ؛ لأن الصيغ هي مجال التوليد والارتجال كما ذكرنا.
ومعنى ما تقدَّم أن العناصر القابلة للتحول والتطور في اللغة هي المفردات ذات الصيغ "أي: العناصر ذات الصيغ الاشتقاقية", وأن العناصر الأخرى التي لا تخضع للصياغة الاشتقاقية إنما هي مبانٍ تنتمي إلى نظام اللغة, فمعانيها وظيفية وصورها محفوظة مسموعة, فتطور اللغة دائمًا يأتي عن طريقة إضافة حروف أو ظروف أو ضمائر جديدة إلى اللغة, ولا يأتي كذلك عن طريق إضافة صيغ صرفية جديدة إلى النظام الصرفي للغة الفصحى؛ لأن هذه الصيغ أيضًا محددة, وقد أحصينا معظمها منذ قليل، فهل معنى هذا إذًا أننا إذا أردنا إثراء اللغة عن طريق إضافة صيغ جديدة كنّا كمن يكلف الأشياء ضد طباعها؟ إذا كان السؤال متجهًا إلى العرف اللغوي العام فالجواب نعم، أما إذا كان متجهًا إلى العرف الخاص فالجواب لا. وإليك التفصيل:
لقد استطاع الناس دائمًا أن يخلقوا اللغات لأنفسهم وأشهر ما نعرفه من ذلك اللغات السرية بين اللصوص والماسونيين والجواسيس وغير السرية
стр. 135
مثل لغة الرياضة والجبر منها بصفة خاصة, ولغة الاسبرانتو التي يراد بها أن تكون عالمية وأن تقضي على الحواجز اللغوية بين الإنسان والإنسان على مستوى العالم كله, ولكن الاسبرانتو لا تزال لغة خاصة، وكذلك اللغات المهنية والسرية أيضًا, وأشهر لغات العرف الخاصّ في عالمنا المعاصر هي لغة المصطلحات العلمية, وهي تتراوح بين الرمز الجبري مجهول المعنى, فلا يوصل إلى معناه إلّا بنيجة المعادلة, وبين المصطلح العلمي المحوّل عن معناه العرفي العام "لغة" إلى المعنى العرفي الخاص "اصطلاحًا". ولغة العلم من صنع العلماء, وفي كل لغة حية من لغات العالم يصطلح العلماء كل يوم على الجديد من الكلمات والمصطلحات, ويتفنَّنون في عملية الإلصاق لعناصر من لغة إلى عناصر من لغة أخرى قديمة أو حديثة حية أو ميتة.
واللغة العربية في حاجة ماسة إلى أن تَثْرَى في حقل المصطلحات العلمية والفنية والحضارية, ولكن اللغة العربية بطبعها وذوقها وطرق صياغتها تأبى عملية الإلصاق على الطريقة الغربية, وتلجأ إلى طريقة أخرى هي طريقة الاستعانة بالصيغ الصرفية ذات المعاني كما سبق أن شرحنا. ولكن الصيغ الصرفية كما رأينا منذ قليل محدودة العدد، والمعاني الصرفية العربية من مطاوعة إلى تعدية إلى طلب محدودة العدد أيضًا، والنشاط العلمي يشمل من مقولات التحول من قبل, لا بُدَّ إذًا من أن نبحث عن وسيلة جديدة لإثراء اللغة غير طريقة خلق المفردات على مثال الصيغ المتاحة؛ لأن هذه المفردات الاصطلاحية ستصل إلى حد من الكثرة "وقد وصلت الآن إلى هذا الحد تقريبًا", يجعل الإضافة إليها أمرًا عسيرًا, فليجأ العلماء عند إحساسهم بعسر هذا الأمر إلى التقريب الذي يتنافى في ظروف كثيرة مع ذوق اللغة العربية لأسباب كثيرة منها ما ذكرناه من أن المصطلحات الأجنبية يتمّ معظمها بواسطة إلصاق العناصر المختلفة بعضها ببعض, والإلصاق في التسمية لا يتناسب مع ذوق اللغة العربية. فما الحل إذًا؟ أعتقد أنني سأحتاج إلى الكثير من شجاعة الرأي لتحديد معالم هذا الحل.
стр. 136
والحل يكمن في عبارة قصيرة: ما دام البحث عن الكلمات الجديدة على قياس الصيغ المتاحة يبدو عسيرًا أحيانًا فلنحلق نحن صيغنا الجديدة. لقد رأينا عند حصر صيغ الرباعي المزيد كيف ألحقنا صيغة اقعنس بصيغة احرنجم على رغم زيادة اللام في إحداهما وأصالتها في الأخرى، ومعنى ذلك ببساطة أن باب الإلحاق مفتوح وسيظل مفتوحًا في اللغة العربية إذا أريد لهذه اللغة أن تحيا وتتطور، والعرف العلمي عرف خاص ذو لغة عرفية خاصة كاللغات التي أشرنا إليها منذ قليل، وهي لغة يصنعها العلماء العرب أنفسهم دون غيرهم, وليس لهم أن ينتظروا أن يعلمهم الله الأسماء كله كما علَّم آدم, فهذا الوحي "إن كان هذا التعليم قد تَمَّ جدلًا عن طريق الوحي" قد انقطع، ومن ثَمَّ أصبح على علماء العربية أن يطوروا أداة تفكيرهم وهي اللغة العربية الفصحى بوسائلهم الخاصة, ويستطيع العلماء العرب أن يضيفوا إلى الصيغ العربية العرفية العامة صيغًا جديدة عرفية خاصة. فما وسيلة ذلك؟
ينبغي قبل التفكير في الوسيلة أن نزعم أن حروف الزيادة في اللغة الفصحى ليست قاصرة عند حروف "سألتمونيها", فكل حرف في اللغة العربية صالح من الناحية العملية لأن يكون زائدًا لمعنى, ولنا أن نسوق الأمثلة الآتية للتدليل على هذا الزعم:
دحرج ذات صلة بالثلاثي درج والمزيد الحاء.
زغرد ذات صلة بالثلاثي غرد والمزيد الزاي.
شقلب ذات صلة بالثلاثي قلب والمزيد الشين.
عربد ذات صلة بالثلاثي عرد والمزيد الباء.
وليس واحد من هذه الحروف الأربعة المزيدة يُعَدّ في حروف سألتمونيها, فإذا أبحنا لأنفسنا زيادة الحروف دون قيد للتعبير عن مقولات التحولات العلمية المختلفة استطعنا في النهاية أن نخلق صيغًا جديدة للثلاثي المزيد تصلح كل صيغة منها باعتبارها معنى صرفيًّا لأن تضم تحتها العدد الكبير من العلامات, أي: المفردات الاصطلاحية العلمية أسماء وصيغًا وأفعالًا على السواء.
стр. 137
والأماكن التي تزاد فيها الحروف هي ما قبل الفاء, كأن يكون لدينا صيغة مثل "دَفْعَلَ" تخصص لمعنى كلي من المعاني العلمية تندرج تحته معانٍ فرعية؛ كأن نقول مثلًا: "دَسْخَنَ" إذا تَمَّ التسخين على طريقة تندرج تحت هذا المعنى العلمي الكلي, ويمكن أن يكون الحرف الزائد بين الفاء والعين فتكون الصيغة "فَدْعَلَ", أو بين العين واللام فتكون "فَعْدَل" أو في آخر الصيغة فتكون "فعلد" ولك صورة مشتقاتها من المضارع والأمر والصفات الخمس والميميات, كما يكون لها مصدر وهلم جرّا مما تحمل فيه زيادة الدال في كل موضع جديد معنى كليًّا جديدًا, فإذا كانت الدال وحدها قادرة حين تزاد في أماكن مختلفة أن توجد الآلاف المؤلفة من المصطلحات الجديدة, فتصور إذًا ما تحمله الحروف كلها "ما عدا حروف سألتمونيها بالطبع" من إمكانات؛ لأن كل صيغة من الصيغ الجديدة تحمل في طيها طاقة خلق مفردات لا حصر لها.
إن للصيغة باعتبارها مبنًى صرفيًّا من الارتباط بحقائق التحليل اللغوي ما يمكنها هي بذاتها قبل أمثلتها أن تدخل جميع أنواع الجدول, سواء ما كان إلصاقيًّا وما كان تصريفيًّا وما كان إسناديًّا. فإذا أخذنا صيغة "مفعول مثلًا فإننا نستطيع مع فهمنا إياها كما يفهم المبنى لا كما يفهم المثال أن نلصق بها كل ما يمكن إلصاقه بكلمة "مضروب" أو "مقتول", وأن نفهم العلاقة بينها وبين بقية صيغ الصفات مثل "فاعل" و"فعول" و"فعيل" و"فعال" كما نفهم العلاقة بين "مقتول" وبين "قاتل" و"قتول" و"قتيل" و"قتال". وبهذا نصل إلى حقائق التحليل من الصيغة دون أن نضطر إلى استخدام الأمثلة, وهذه هي القيمة الحقيقية لاعتبار المبنى في التحليل اللغوي؛ لأن المباني محدودة العدد سهلة التناول, أما العلامات أي: الأمثلة فلا حصر لها.
ويتضح ذلك بصورة أفضل إذا عرفنا أن الصيغة وهي مطلقة يمكن أن تدخل في الجدول الإسنادي كما يدخل الفعل بخصوصه, ويمكن أن نمثل لذلك بما يأتي.
стр. 138
الضمير الماضي المضارع الأمر
أنا فاعلت أفاعل
نحن فاعلنا نفاعل
أنت فاعلت تفاعل فاعل
أنت فاعلت تفاعلين فاعلي
أنتما فاعلتما تفاعلان فاعلا
أنتم فاعلتم تفاعلون فاعلوا
أنتن فاعلتن تفاعلن فاعلن
هو فاعل يفاعل
هي فاعلت تفاعل
هما "مذكر" فاعلا يفاعلان
هما "مؤنث" فاعلتا تفاعلان
هم فاعلوا يفاعلون
هن فاعلن يفاعلن
وهكذا نصل إلى حقائق التحليل الإسنادي من صيغة "فاعل" دون أن نضطر إلى التماسها في أي فعل بذاته مثل: "قاتل" وهذه -كما قلت- هي القيمة الحقيقية لاستخدام المباني دون الأمثلة في التحليل الصرفي, فذلك أفضل بسبب قلة المباني وكثرة الأمثلة, فنحن نستطيع أن نتعلّم من وضع الصيغة هكذا في توزيع الجدول عدة معانٍ صرفية منها:
١- الفعلية.
٢- الزمن.
٣- التجرد أو الزيادة.
٤- كون الكلمة رباعية أو ثلاثية.
٥- التكلم أو الخطاب أو الغيبة.
٦- الإفراد أو التثنية أو الجمع.
٧- التذكير أو التأنيث.
٨- الإعراب أو البناء.
كما يمكن أن نتعلم طريقة الإلصاق ونوع اللواصق المختلفة, كل ذلك من الصيغة على إطلاقها دون الاضطرار إلى خصوص أمثلتها.
стр. 139
ولكن استخدام الصيغة دون المثال سيقف بنا عند فهم المعاني الوظيفية التي سجلناها منذ لحظة, فلا يمكننا من فهم أي معنى معجمي؛ لأن المعاني المعجمية يمكن استخراجها من الأمثلة فقط, ولا يمكن استخراجها من المباني على إطلاقها مهما فصلنا القول في إلصاقها وتصريفها وإسنادها.
стр. 140
الإلصاق:
هناك عدة معانٍ صرفية عامة تؤدي بواسطة اللواصق, وهذه المعاني منها:
١- الشخص "التكلم والخطاب والغيبة".
٢- العدد "الإفراد والتثنية والجمع".
٣- النوع "التذكير والتأنيث".
٤- التعيين "التعريف والتنكير".
٥- المضارعة.
٦- التوكيد.
٧- النسب.
فأما الشخص فتعبّر عنه ضمائر الرفع المتصلة في الفعل الماضي وحروف المضارعة في المضارع, وأما فعل الأمر فجميعه لشخص واحد هو المخاطب مع اختلاف في العدد والنوع, فلا حاجة بالأمر إلى لواصق لبيان الشخص, ومع الاعتراف الكامل لضمائر الرفع المتصلة بصلاحيتا للدلالة على معاني الضمائر أرى أنها لم تسق هنا لتكون ضمائر مستقلة الدلالة كالضمائر المنفصلة, وإنما سيقت هنا لتكون لواصق ووسائل من وسائل بيان الشخص لينتفع بهذا البيان في تحديد القرائن اللفظية كالمطابقة والربط بعود الضمير, وأظن النحاة كانوا يفهمون هذا من طبيعة هذه اللواصق، ولذلك سموا عدم وجوها استتارًا ولم يسموه حذفًا؛ لأن الاستتار على تقدير الوجود, والحذف على تقدير عدمه, فهم قالوا بوجودها مختفية لتكون المطابقة والربط بها مكفولين؛ إذ لا بُدَّ من ضمان توفير القرائن التي تدل على المعنى، ولو قالوا بحذفها لكانت هي نفسها في حال الحذف بحاجة إلى قرينة تدل عليها؛ إذ لا حذف بدون قرينة. وأما حروف المضارعة فإن دلالتها معينة بالنسبة للهمزة والنون, فالهمزة تعين المتكلم والنون تعين المتكلمين, أما التاء فإن لم يشاركها غيرها عند الخطاب
стр. 141
فإنها هي نفسها تشارك الياء في الغيبة, وبذا تصحب الياء أقوى على تعيين الغائب من التاء على تعيينٍ لمخاطب.
وأما العدد فيدل عليه بالضمائر في الأفعال, وباللواصق الحرفية في الصفات والأسماء, فأما مع الماضي فإن الدلالة على العدد تتضح داخل التكلّم من الفرق بين التاء المضمومة للمتكلم الواحد وضمير المتكلمين "نا", وفي داخل الخطاب تتضح من الفرق بين تَ، وتما، وتم, وفي الغيبة ن الفرق بين الاستتار وبين ألف الاثنين وواو الجماعة, وأما في المضارع والأمر فإن فروق العدد تتضح في مقابلة الاستتار في الخطاب بألف الاثنين وواو الجماعة، وكذلك تقع المقابلة بين ذلك في الغيبة في المضارع، أما في التكلم في المضارع فالضمائر مستترة, ولذلك يتوقّف تحديد العدد في التكلم على حرف المضارعة, وفي الصفات والأسماء يعبّر عن العدد بالواو والنون أو الياء والنون للجمع, وبالألف والنون أو الياء والنون للمثنى, وبعدم ذلك للإفراد, وبالألف والتاء لجمع المؤنث حيث يمكن لهذه العلامات بالمقابلة بينها أن تدل على النوع أيضًا.
وأما النوع فإنه يعبر عنه في أفراد الأسماء بإلصاق التاء بالمؤنث, وكذلك الألف المقصورة والهمزة بعد الممدودة, وبعدم ذلك للمذكر, وفي الجمع بالألف والتاء للمؤنث في مقابل علامات أخرى يعرف بها الجمع في حالة التذكير. أما في الأفعال فبتاء التأنيث ونون النسوة.
وأما التعيين فلا يكون إلّا للأسماء, فإذا وردت أل مع الصفات فهي ضمير موصول وليست أداة تعريف, ويرجع ذلك إلى طبيعة دلالة الصفة لا إلى "أل" نفسها, فالصفات تدل على موصوف بالحدث فتكون ذات صلة بالحدث من نوع ما, وهذه الصلة بين الصفات ومعنى الحدث توجد جهة شركة بين الصفات والأفعال من حيث تدل الأفعال على حدث وزمن, ومن هنا توصف الصفات بالتعدي واللزوم ويتعلق بهذا الظرف والجار والمجرور, كما يتعلقان بالأفعال. وهذا نفسه هو الذي يسوغ للمصدر أن يدخل في مثل هذه العلاقات السياقية.
فالفرق بين النكرة من الأسماء في حالة التنكير وبينها في حالة التعريف هو إلصاق "أل" بها في حالة التعريف.
على أن معاني "أل" تتعدد بين التعريف والموصولية على النحو التالي:
стр. 142
أما التعريف كظاهرة عامة فهو أوسع من أن يقتصر على دلالة "أل" بمفردها, ويتضح ذلك مما نظمه بعض النحاة في قوله:
إن المعارف سبعة تشفي العلل ... أنا صالح ذا ما الفتى ابني يا رجل
من هذا يتضح أن أوسع اللواصق مجالًا هي الضمائر المتصلة؛ لأنها يمكن أن يستفاد منها ثلاثة معانٍٍ هي الشخص والعدد والنوع, ثم حروف المضارعة؛ لأنها يستفاد منها الشخص والعدد ولواصق التثنية والجمع حيث يستفاد منها العدد والنوع أيضًا, ثم لواصق التأنيث وهي تفيد النوع عند مقابلتها بصيغ المذكر, وتفيد العدد عند مقابلة التاء بالنون, وأضيق اللواصق مجال تطبيق هي أداة التعريف.
لقد رأينا منذ قليل أن حروف المضارعة تشارك الضمائر في الدلالة على الشخص والعدد, ونحب أن نضيف هنا أن هذه المشاركة ذات صلة قوية جدًا بتطبيق فكرة استتار الضمير, لقد رأى النحاة أن يعبروا عن الضمير المطَّرد الاستتار فلا يظهر أبدًا بعبارة "مستتر وجوبًا", وعن الضمير غير المطَّرد الاستتار فيظهر أحيانًا بعبارة "مستتر جوازًا". فإذا أردنا أن نفهم الفرق بين هذين النوعين من الاستتار في المضارع, فإن مما يعيننا على الوصول إلى فهم صحيح لهذا الفرق هو النظر إلى العلاقة التي بين حروف المضارعة وضمائر الرفع المتصلة؛ فحيث تكون دلالة حرف المضارعة على الشخص مطَّردة بمعنى أنه لا يشاركه في الدلالة عليه حرف مضارعة آخر، فإن وجود المضارعة يكون حاسمًا في الدلالة على الشخص، ومن ثَمَّ يكون استتار الضمير واجبًا، فالهمزة مثلًا تدل على المتكلم المفرد, ومن ثَمَّ يستتر الضمير وجوبًا في "أقوم", والنون تدل على المتكلمين ولا يشاركها في ذلك غيرها، ومن ثَمَّ يكون استتار الضمير واجبًا في "نقوم", وليس يبدأ المضارع في حالة الخطاب إلّا بالتاء, ومن ثَمَّ تدل التاء على الخطاب دلالة محددة, ويستتر الضمير وجوبًا في "نقوم" مسندًا للمخاطب, أما في حالة الغيبة فليست الياء ولا التاء نصًّا
стр. 143
في معناها, ومن هنا كان استتار الضمير جوازًا في "يقوم -وتقوم مسندًا إلى الغائبة" ومن حيث يطرد معنى الخطاب في الأمر يستتر الضمير معه وجوبًا في نحو: "قم", ولست بهذ محاولًا أن ألج فيما ولج فيه النحاة من التعليل الغائي, ولكنني ألجأ إلى كبرى الوظائف اللغوية وهي: "أمن اللبس" لأفسّر الظواهر اللغوية "صرفية كانت أو غيرها" في ضوئها, فإذا كانت الحاجة داعية أحيانًا إلى إبراز الضمير كان استتاره جوازًا, وإذا لم تكن داعية فإن استتار الضمير في هذه الحالة يكون واجبًا.
أما التوكيد والنسب فلأولهما النونان ولثانيهما الياء, "وأحكامها" مفصَّلة في المتون.
стр. 144
الزيادة:
عندما تكلمت في تفصيل الصيغ الصرفية قلنا: إن الفرق بين كل صيغة منها وبين الأخرى إنما يكمن في أمرين:
١- توزيع الحركات والعلل, بمعنى أن كل حرف من الحروف الأصلية يصلح من الناحية النظرية الفرضية لأن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا أو ساكنًا, وهذا المبدأ هو الذي أشار إليه ابن مالك عند كلامه في صيغ الأسماء بقوله:
وغير آخر الثلاثي افتح وضم
واكسر وزد تسكين ثانيه تعم
ولكن الجزم لا يكون للأسماء, والجر لا يكون للأفعال, وهذا النوع من توزيع الحركات والسكنات مسئول عن توليد الصيغ الثلاثية المختلفة.
٢- زيادة حرف واحد أو حرفين أو ثلاثة في أول الكلمة أو وسطها كالألف التي في "فاعل", والواو التي في "فوعل", والنون التي في "انفعل", والتاء التي في "افتعل", والسين والتاء اللتين في "استفعل", وهلم جرا. وهذه الزيادة هي الموضوع الذي نريد مناقشته الآن.
يتكلم النحاة أحيانًا عن أن معنى التاء في "افتعل" هو الافتعال, ويسمونها "تاء الافتعال", وعن أن معنى السين والتاء في "استفعل" هو الطلب مما يشير
стр. 145
إلى أن هؤلاء يعلقون معنى ما بحروف الزيادة, فيجعلون حروف الزيادة لواصق لا زوائد, ولكننا نرى النحاة في الوقت نفسه يفردون بابًا خاصًّا يسمونه: "معاني صيغ الزوائد" مع إضافة كلمة "صيغ" إلى الزوائد, وبذا يجعلون المعاني الوظيفية التي هي فروع على معاني التقسيم مما تفيده الصيغ لا الزوائد, وهذا في رأيي هو المنهج الأمثل لعلاج الموضوع لسببين:
١- أننا لو أسندنا هذه المعاني الوظيفية إلى الزوائد لخرجنا بها عن طابع الزيادة إلى طابع الإلصاق؛ لأن العنصر الوحيد من عناصر ما دون الصيغة الذي ينفرد بالدلالة على معنًى وظيفي عام هو اللاصقة١, أما الزوائد فلا يمكن أن ننسب إليها بمفردها معاني صرفية عامة, وغاية ما يمكن أن ننسبه إليها هو الدلالة على معنى الجهة في الحدث.
٢- إن استخلاص الزائد وعزله عن الكلمة إن كان مقبولًا في السين والتاء وفي تاء الافتعال فليس مقبولًا في عناصر أخرى كالتضعيف والتكرار الذي يصعب منه نسبة الزيادة إلى أحد المكررين وهلم جرا. ومن هنا لا تستقل هذه العناصر بمعاني مستقلة, وإنما تكون جهات لفهم معنى الحدث كما ذكرنا منذ قليل. لذلك كان المنهج السليم أن ننسب المعنى الوظيفي الصرفي للصيغة إلى الصيغة المزيدة كلها لا إلى زوائدها.
ولقد حدَّد النحاة حروف الزيادة في اللغة العربية الفصحى بحروف "سألتمونيها" وزعموا أن أي حرف من غير هذه الحروف لا ينبغي أن يعدَّ زائدًا في أيّ ظرف من الظروف, ودعاهم هذا إلى القول بأصالة الحروف الأربعة في الكلمات الرباعية والخماسية التي يكون ما صلح منها للزيادة غير مُنْتَمٍ إلى تلك الحروف المعينة للزيادة. ولم يفسر النحاة لنا الصلة القائمة بين عدد من الثلاثيات وبين عدد آخر مما زاد على الثلاثة, واعتبرت حروفه جميعًا أصلية, على حين يشترك الثلاثي وما يقابله مما زاد على الثلاثة في المعنى على صورة ما. انظر مثلًا إلى المقابلات الآتية: