٢- إننا لو افترضنا أن كل الإعرابات تَمَّت على أساس الحركة الظاهرة فلم يكن هناك إعراب تقديري ولا إعراب محلي, فإننا سنصادف صعوبة أخرى تنشأ عن أنَّ الحركة الواحدة تدل على أكثر من باب واحد, ومن هنا تصبح دلالتها بمفردها على الباب الواحد موضع لبس.
ومن هنا كان الاتكال على العلامة الإعرابية باعتبارها كبرى الدوالّ على المعنى, ثم إعطاؤها من الاهتمام ما دعا النحاة إلى أن يبنوا نحوهم كله عليها عملًا يتسم بالكثر من المبالغة وعدم التمحيص, وقد سبق لنا مثل هذا القول عند بداية الكلام عن القرائن اللفظية, ويكفي لإظهار اهتمامهم بهذه العلامة الإعرابية أن أطلقوا على تحليل النص تحليلًا نحويًّا اسم "الإعراب" وهو -كما علمونا- اسم يطلق على تفسير أواخر الكلمات بحسب العوامل.
وإذا كان العامل قاصرًا عن تفسير الظواهر النحوية والعلاقات السياقية جميعها, فإن فكرة القرائن توزع اهتمامها بالقساطس بين قرائن التعليق النحوي معنويها ولفظيها, ولا تعطى للعلامة الإعرابية منها أكثر مما تعطيه لأية قرينة أخرى من الاهتمام. فالقرائن كلها مسئولة عن أمن اللبس وعن وضوح المعنى, ولا تستعمل واحدة منها بمفردها للدلالة على معنًى ما, وإنما تجتمع القرائن متضافرة لتدل على المعنى النحوي, وتنتجه لا كما يأتي حاصل الجمع من اجتماع مفردات المعدودات, بل كما يأتي المركب الكيماوي من عناصر مختلفة, أي إنه إذا صحَّ أن تُسمَّى مفردات القرائن عند إرادة التحليل فإن الاستعمال اللغوي لا يعرف من أمر ذلك شيئًا, ولا يعرف إلّا قرينة كبرى واحدة يسميها "وضوح المعنى", ويسميها اللغويون "أمن اللبس", وتقوم هذه القرينة الكبرى من قرائنها الفرعية مقام ناتج التفاعل الكيميائي من العناصر التي نتج عنها؛ إذ لا يشبه منها واحدًا بمفرده.
وفائدة القول بالاعتماد على القرائن في فهم التعليق النحوي أنه ينفي عن النحو العربي:
أ- كل تفسير ظني أو منطقي لظواهر السياق.
стр. 212
ب- كل جدل من نوع ما لَجَّ فيه النحاة حول منطقية هذا "العمل" أو ذاك, وحول أصالة بعض الكلمات في العمل وفرعية الكلمات الأخرى, وحول قوة العامل وضعفه أو تعليله أو تأويله مما ازدحمت به كتب النحو دون طائل يكون تحته. ويكفي للاقتناع بحسن تحليل النص بحسب قرائن التعليق مجتمعة أننا نستطيع بواسطة ذلك أن نلمح الصلة أو الرابطة أو العلاقة إن شئت بين كل جزء من أجزاء السياق وبين الأجزاء الأخرى من حيث المعنى ومن حيث المبنى في الوقت نفسه. ويستتبع القول بالقرائن واختياره بديلًا للقول بالعوامل أننا سنكتفي في تحليل الكلمات المعربة بقولنا: مرفوع أو منصوب أو مجرور أو مجزوم فقط, دون قولنا: مرفوع بكذا أو منصوب بكذا إلخ، بل يمكننا إذا أردنا أن نقول مثلًا: "مرفوع على الفاعلية" و"منصوب على المفعولية" وهلمَّ جرا.
وأخيرًا أحب أن أضيف أيضًا لما يترتب على "تضافر القرائن" من أنَّ بعض القرائن قد يغني عن بعض عند أمن اللبس. ولقد كررنا القول إن اللغة العربية -وكل لغة أخرى في الوجود- تنظر إلى أمن اللبس باعتباره غاية لا يمكن التفريط فيها؛ لأن للغة الملبسة لا تصلح واسطة للإفهام والفهم, وقد خلقت اللغات أساس للإفهام والفهم, وإن أعطاها النشاط الإنساني استعمالات أخرى فنية ونفسية. فإذا كان من الممكن الوصول إلى المعنى بلا لبسٍ مع عدم توفُّر إحدى القرائن اللفظية الدالة على هذا المعنى, فإن العرب كانت تترخص أحيانًا في هذه القرينة اللفظية الإضافية؛ لأن أمن اللبس يتحقق بوجودها وبعدمها. ولقد وجدنا في مأثور التراث العربي الكثير من الشواهد والأمثلة على هذ الظاهرة, وسنحاول فيما يلي أن نضرب أمثلة تطبق هذه الظاهرة على القرائن اللفظية كل على حدة:
١- العلامة الإعرابية: لقد وقع النحاة ضحايا اهتمامهم الشديد بالعلامة الإعرابية حين رأوا النصوص العربية تهمل الاعتماد على قرينة
стр. 213
الحركة أحيانًا فتضحي بها لأن المعنى واضح بدونها اعتمادًا على غيرها من القرائن المعنوية واللفظية. ومن أمثلة ذلك ما يأتي١:
- قالت العرب: خرق الثوب المسمار, فاعتمدوا على القرينة المعنوية وهي "الإسناد", وأهملوا الحركة إذ لا يصح أن يسند الخرق إلى الثوب, وإنما يسند إلى المسمار, فعلم أيهما فاعل وأيهما مفعول.
- قالت العرب: "جحر ضب خرب" فأغنت عندهم قرية التبعية وهي معنوية, عن قرينة المطابقة في العلامة الإعرابية وهي لظفية, وكان الداعي إلى ذلك داعيًا موسيقيًّا جماليًّا هو المناسبة بين المتجاورين في الحركة الإعرابية, وقد سماه النحاة "المجاورة".
- العرب تقطع النعت فتختلف حركته الإعرابية عن حركة متبوعه, ويستبدل السياق بالمطابقة في الحركة قرينة التبعية, وقد قال الشاعر:
قد سالم الحيات منه القدما ... للأفعوان والشجاع الشجعا
- قال الله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ بجر "خضر" على قراءة, وفي هذا يقال ما قيل في إعراب المجاورة من قبل, وهو إعراب تدعو إليه أسباب جمالية خالصة لا صلة بينها وبين مطالب المعنى الوظيفي, ومثله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ .
стр. 214
- قال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١ بجر المعطوف على قراءة, وهو اتباع في الموسيقى اللفظية لا في المعنى.
- قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ ٢. فالموفون معطوف على مَنْ بقرينة الإسناد والتبعية والرفع وموصولية "أل", فكان ذلك عطف موصول على موصول, ولكن ماذا نقول في "الصابرين"؟ إن قرينة الإسناد والتبعية وهما معنويتان يقولان: إن "الصابرين" معطوفة أيضًا على "مَنْ آمن", ولكن القرينة اللفظية وهي الواو غير موجودة إذ حلَّت محلها الياء, فكيف يمكن فهم ذلك إلّا على أساس إغناء بعض القرائن عن بعض؟ فالقرائن تتضافر كما ذكرت.
- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٤ فما الذي رفع "الصابئون"؟ الجواب: إن قرينة التبعية لوضوحها أغنت عن قرينة العلامة الإعرابية.
- قالت العرب "ما رأيته مذ يومان" فأغنت قرينة التضام وما تضافر معها عن قرينة الإعراب التي تكون فيما جاء بعد حرف الجر.
стр. 215
ومما نلاحظه جميعًا حين نستمع إلى نشرة الأنباء مثلًا أو إلى خطيب أو متكلِّم أو معلِّق أننا على رغم ما نسمعه في النشرة أو الخطبة أو الكلام أو التعليق السياسي من أخطاءٍ في الإعراب فإننا نفهم الكلام الذي يقال, ويستتبع ذلك بالضرورة أننا نفهم علاقات الكلمات بعضها مع بعض, لا فرق في ذلك بين أميّ منَّا ومثقَّف, فنعلم من قول المديح مثلًا: "أجمعت وكالات الأنباء على أن الصين الشعبية أجرت اليوم تفجيرًا نوويًّا" ندرك المعنى العام الذي ينبني على صلات الكلمات بعضها مع بعض دون الحاجة إلى التحليل, ودون الحاجة إلى دلالة العلامات الإعرابية؛ لأن قرائن أخرى قد أغنت عنها. ومن هذا نرى فداحة الخطأ الذي يمكن في اعتبار الحركات الإعرابية أهمّ ما في النحو العربي.
٢- الرتبة: يتضح الترخص في الرتبة أولًا في عدم حفظها والاعتراف بوجود رتبة غير محفوظة في النحو, وكذلك عندما تغني عنها القرائن الأخرى في قول الشاعر:
عليك ورحمة الله السلام
فالذي أغنى عن رتبة المتعاطفين هنا:
أ- ما بين المتعاطفين من شهرة التعاطف على نسقٍ خاصٍّ حتى أصبحا كالمثل وذلك هو التضام.
ب- حفظ الرتبة بين حرف العطف والمعطوف.
جـ- توسُّط المعطوف بين الخبر المقدَّم والمبتدأ المؤخَّر مما جعله لا يزال في حيز الجملة, فكذلك تغني القرائن حين تتضافر عن قرينة أخرى يَصِحُّ المعنى بدونها.
ومن قبيل إغناء القرائن الأخرى عن الرتبة ما نراه أحيانًا من عود الضمير على متأخّرٍ رتبة كضمير الشأن.
ونحو: خاف ربه عمر, وزان نوره الشجر, وفي بيته يؤتى الحكم.
стр. 216
ومن ذلك أيضا قول الشاعر:
لعن الإله وزوجها معها ... هند الهنود طويلة البظر
ومشنوء من يشنوءك وتميمي أنا
٣- مبنى الصيغة:
ويبدو الترخص في الصيغة فيما نجده كثيرًا في الرجز من نحو قوله:
الحمد لله العلي الأجلل "والمقصود الأجل".
أو قوله:
أو ألفا مكة من ورق الحمى "والمقصود الحمام".
ومن ذلك أيضًا مجيء الحال جامدة, والنيابة عن المفعول المطلق بغير مصدر أو بمصدر فعل غير فعله, وإضافة المتفرقين إلى كلا وكلتا.
وكل ضرورة شعرية فهي ترخص في قرينة ما وإغناء غيرها عنها, وكثير من ذلك يندرج تحت عنوان الصيغة مثل: قصر الممدود, وحذف النون من اللذين واللتين, وحذل الألف من لفظ الجلالة, وواو هو, وياء وهي, وحذف الألف من ضمير المتكلم, وتخفيف المشدد في القوافي, وإبدال حركة من حركة, وحرف من حرف, أو حذف حرف الجر نحو: "تمرون الديار ولم تعوجوا" وهلمَّ جرا١. هذا على المستوى الصرفي, أما على المستوى النحوي: فقد تأتي الحال الجامدة والنعت كذلك والخبر, وقد يأتي المفعول المطلق بغير صيغة المصدر, وغير ذلك.
٤- المطابقة: سبق أن ذكرنا أن المطابقة تكون في الشخص والنوع والعدد والتعيين والعلامة الإعرابية, وقد مر بنا الترخُّص في المطابقة في العلامة الإعرابية بين التابع ومتبوعه, وأما ترك المطابقة في الشخص فمنها:
- إن ضمير الموصول دالّ على الغيبة, فيعود إليه من الصلة رابط في صورة ضمير الغائب, ولكن الموصول إذا كان خبرًا ضمير متكلم أو مخاطب, فقد سُمِعَ عن العرب ترك المطابقة بين العائد والموصول كقوله:
أنا الذي سمتن أمي حيدرة
стр. 217
وقوله:
أأنت الهلالي الذي كنت مرة ... سمعنا به والأرحبي المعلق
فهنا حمل العائد على المعنى لا على اللفظ كما يقول النحاة "ويمكن أن يفهم بإعادة الضمير على "أنت" لا على "الذي", وفي ذلك إهمال للمطابقة وهي قرينة لفظية لوضوح المعنى بدونها, وأما إهمال المطابقة في النوع فمنها:
- إن الصفات التي لا يوصف بها إلّا المؤنث يترك تأنيثها لعدم توهم أنها لمذكر, ومن ذلك حائض وطالق وناشز ومرضع إلخ, وقد تحذف التاء عند أمن اللبس "كإقام الصلاة" و"عِدَ الأمر" و ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِم﴾ .
- إن بعض الصفات على وزن فعيل تصدق على المذكر والمؤنث كقتيل وجريح.
- إن الفعل لا يطابق فاعله المؤنث إذا فُصِلَ بينهما نحو: "أتى القاضي بنت الفاضل".
ومن الترخص في المطابقة في العدد قول الشاعر:
فمن يك أضحى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
إلّا أن نجعل جملة "وقيار بها" جملة حالية حذف منها العائد لمعرفة أن قيارًا هو جمل الشاعر, فكأنه قال: وجملي بها, ويكون البيت حينئذ شاهدًا على إسقاط الرابط لا على إساقط المطابقة في العدد.
- قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فانفكت المطابقة بين الواو وبين كافر دون أن يتأثّر المعنى؛ لأن القرائن الأخرى ضمنت هذا المعنى.
٥- الربط: يعتبر عود الضمير من الروابط الهامة في الجملة, ولكن الارتباط قد يتمّ بقرائن أخرى فيصبح المعنى واضحًا دون حاجة إلى الضمير الرابط, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: "فيه", وقول بعضهم: "مررت بالبر قفيز بدرهم" أي: "منه", فترخص في الرابط لضمان الربط بدونه, أي: بقرائن أخرى.
стр. 218
٦- التضام:
من أمثلة الترخُّص في التضام باعتباره قرينة ما يأتي:
- كل ما دلَّت عليه قرينة أمكن حذفه, وقد رأينا من قبل كيف يمكن حذف المضاف والموصوف والمبتدأ والخبر والفعل إلخ, والحذف إسقاط قرينة أغنت عنها قرائن أخرى.
- ورد إسقاط صلة الموصول في قول الشاعر:
نحن الأولى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا
- ورد حذف المبتدأ من الجملة الحالية في قول الشاعر:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكًا
- قد تسقط الضميمة التي بعد الظرف وينوّن الظرف نحو: "حينئذ", وقول الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكاد أعل بالماء الفرات
- قد تسقط ضميمة المرجع كما في ضمير الشيء نحو: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُون﴾ .
٧- الأداة:
يسقط حرف النداء ويبقى النداء مفهومًا بواسطة قرائن أخرى, ويسقط حرف العطف ويبقى العطف مفهومًا بقرينة النغمة كقولك: يستمر الامتحان في الأيام الآتية:
السبت - الأحد - الأثنين - الثلاثاء إلخ, وتغني نغمة الكلام عن حرف العطف, وقد تسقط "ربَّ" ويفهم معناها لإغناء الواو عنها, أي: إن قرينة التضام "بين الواو وربَّ" قد أغنت عن قرينة الأداة, وقد ينزع الخافض ويبقى المعنى مفهومًا, وقد سبق أن ذكرنا أن أداة الاستفهام قد أسقطت من بيت عمر بن أبي ربيعة الذي يقول فيه:
ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرًا ... عدد النجم والحصى والتراب
لأن قرينة النغمة أغنت عن قرينة الأداة, ومن قبيل حذف الأداة حذف "لا" في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ؛ حيث دلَّت قرينة التضام على المعنى فأمن معها اللبس.
стр. 219
٨- النغمة:
قد تسقط قرينة النغمة لوضوح الكلام بدونها كحالك حين تقرأ قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فإنك لو وقفت عند لفظ الجلالة: فإنك لا تقف في التلاوة بنغمة الاستفهام ولكن بنغمة الترتيل العادي, ولا يحس السامع غرابة في ذلك كما يحسّها لو سمع منك جملة "هل رأيت محمدًا؟ " بنغمة التقرير التي في "قد رأيت محمدًا" مثلًا.
فالقرائن تتضافر على إيضاح المعنى الوظيفي النحوي, والقرينة تسقط عند إغناء غيرها عنها, وفي إدراك هذه الحقيقة تفسير لكثير مما عده النحاة مسموعًا يحفظ ولا يقاس عليه, أو عده شاذًّا أو قليلًَا أو نادرًا أو خطأ. وكم أبدأ النحاة وأعادوا في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ ونحن ندرك من فهمنا لظاهرة تضافر القرائن وإغناء بعضها عن بعض أن المنافسة الموسيقية الصوتية دعت إلى إهمال العلامة الإعرابية؛ لأن الرتبة واقتران الخبر باللام أوضحا أنَّ لفظ "هذان" لا يمكن فيه إلّا أن يكون اسم إن, ولم يعد للعلامة الإعرابية بعد ذلك من الأهمية ما يحتمّ الاحتفاظ بها, ولا سيما أمام إرادة المناسبة الموسيقية بين أصوات المتلازمين.
стр. 220
٢- الزمن والجهة ١:
ينبغي عند هذا المنعطف في بحثنا هذا أن نفرّق بين الزمن النحوي والزمان على النحو التالي:
أ- الزمن النحوي وظيفة في السياق يؤديها الفعل أو الصفة أو ما نقل إلى الفعل من الأقسام الأخرى للكلم كالمصادر والخوالف, والزمن بهذا المعنى يختلف عمَّا يفهم منه في الصرف؛ إذ هو وظيفة صيغة الفعل مفردة خارج السياق, فلا يستفاد من الصفة التي تفيد موصوفًا بالحدث, ولا يستفاد من المصدر الذي يفيد الحدث دون الزمن, وحين يستفاد
стр. 221
الزمن الصرفي من صيغة للفعل يبدو قاطعًا في دلالة كل صيغة على معناها الزمني على النحو الآتي:
- صيغة فَعَلَ وقبيلها: تفيد وقوع الحدث في الزمن الماضي.
- صيغة يفعل وقبيلها: تفيد وقوع الحدث في الحال أو الاستقبال.
- صيغة افعل وقبيلها: تفيد وقوع الحدث في الحال أو الاستقبال.
أما في السياق النحوي فسنرى أن الزمن كما ذكرنا منذ قليل هو وظيفة في السياق يؤديها الفعل وغيره من أقسام الكلم التي تنقل إلى معناه.
ب- زمان الاقتران الذي يكون بين حدثين, وهذا الزمان يستفاد من الظروف الزمانية التي ذكرناها في أقسام الكلم وهي: إذ, وإذا، ولما، وأيان، ومتى. وهذا المعنى وظيفي كالزمن النحوي, ولكن الفرق بينهما هو إفادة الاقتران وعدمها.
جـ- زمان الأوقات: وهو المستفاد من الأسماء التي تنقل إلى معنى الظروف وتستعمل استعمالها, فيكون ذلك لها من باب تعدد المعنى للمبنى الواحد الذي شرحناه تحت عنوان: تعدد المعنى الوظيفي -فيما سبق, ومن هذه الأسماء ما يأتي من جملة ما سبق إيراده عند الكلام في الظرف من أقسام الكلم:
- المصادر المسوقة لبيان الأوقات نحو: آتيك قدوم الحاج.
- صيغة اسم الزمان نحو: آتيك مقدم الحاج.
- بعض الأسماء المبهمة الدالة على أوقات, أو ما أضيف إليها, كأسماء المقادير مثل: "كم ساعة بقيت هناك؟ " وأسماء الأعداد نحو: "خمسة أيام وثلاث ليال", وأسماء الأوقات كحين ووقت وساعة ويوم إلخ. وكذلك قبل وبعد ودون ولدن وعند وبين ووسط.
- بعض أسماء الأزمنة المعينة كالآن وأمس وسحر ومساء وصحوة وعشية وغدوة، وواضح أن الذي يرتبط بالحدث ارتباطًا وثيقًا من هذه المفاهيم الثلاثة هو الزمن النحوي الذي هو زمن وقوع الحدث والزمان
стр. 222
الاقتراني الظرفي الذي هو زمان اقتران حدثين, والمعنى في كلتا الحالتين معنى وظيفي. أما في الطائفة الثالثة فالزمان مستفاد من اسم الوقت, والمعنى هنا معجمي؛ لأنه معنى اسم مفرد كامل الاسمية على الرغم من أن بعض ما ذكرناه من هذه الأسماء مفتقر إلى الإضافة؛ لأن هذا الافتقار غير متأصّل, فإذا أردنا أن ندرس الزمن النحوي إذًا فينبغي أن نفهمه كما شرحناه في النوع الأول, وفي مقابل ما نراه في زمان الاقتران والأوقات.
وأوضح ما يفرِّق بين الزمن والزمان, أن الزمان كمية رياضية من كميات التوقيت تقاس بأطوال معينة كالثواني والدقائق والساعات والليل والنهار والأيام والشهور والسنين والقرون والدهور والحقب والعصور, فلا يدخل في تحديد معنى الصيغ المفردة, ولا في تحديد معنى الصيغ في السياق, ولا يرتبط بالحدث كما يرتبط الزمن النحوي؛ إذ يعتبر الزمن النحوي جزءًا من معنى الفعل. فزمان الظرف كما قلنا: هو زمان حدثي فعلين لا فعل واحد، وزمان ما نقل إلى استعمال الظرف من الأسماء هو مفهوم الاسم على طريق المطابقة, وليس مفهوم الفعل على طريق التضمن إن صحَّ أن نلجأ إلى مصطلحات المنطق.
وإذا كان النحو هو نظام العلاقات في السياق, فمجال النظر في الزمن النحوي هو السياق وليس الصيغة المنعزلة, وحيث يكون الصرف هو نظام المباني والصيغ, يكون الزمن الصرفي قاصرًا على معنى الصيغة يبدأ بها وينتهي بها, ولا يكون لها عندما تدخل في علاقات السياق. فلا مفرَّ إذًا من النظر إلى الزمن في السياق نظرة تختلف عمَّا يكون للزمن في الصيغة؛ لأن معنى الزمن النحوي يختلف عن معنى الزمن الصرفي من حيث إنَّ الزمن الصرفي وظيفة الصيغة, وإن الزمن النحوي وظيفة السياق تحددها الضمائم والقرائن.
وحين نظر النحاة العرب في معنى الزمن في اللغة العربية كان من السهل عليهم أن يحددوا الزمن الصرفي من أول وهلة, فقسموا الأفعال بحسبه إلى ماضٍ ومضارع وأمر, ثم جعلوا هذه الدلالات الزمنية الصرفية نظامًا زمنيًّا, وفرضوا تطبيقها على صيغ الأفعال في السياق كما يبدو من تسمية الماضي ماضيًّا
стр. 223
حتى حين يكون معناه في السياق الاستقبال. وواضح أن كل نظام مهما افترض لنفسه من الإطلاق لا بُدَّ أن يصادف من مشكلات التطبيق ما يتطلب حلولًا من نوعٍ ما. فلما نسب النحاة المضي دائمًا إلى صيغة "فَعَلَ" وقبيلها, ونسبوا الحال أو الاستقبال دائمًا إلى صيغتي "يفعل" و"افعل" وقبيلهما, نظروا في الجملة الخبرية المثبتة والمؤكَّدة فلم يجدوا هذه الدلالات الزمنية تتأثر تأثرًا كبيرًا بعلاقاتها في السياق. ولكنهم عند نظرهم إلى الجملة المنفية وجدوا المضارع المنفي قد يدل على المضي, وحين نظروا في الجمل الإنشائية وجدوا صيغة "فَعَلَ" تفيد الاستقبال في التحضيض والدعاء والشرط مثلًا, ولما كانت قواعدهم التي وضعوها عزيزة على أنفسهم لم يخطر ببالهم أن يعيدوا النظر في نظام الزمن في ضوء مطالب السياق, وساغ لهم في حرصهم على القواعد أن ينسبوا اختلاف الزمن إلى الأدوات, فقالوا: إن "لم" حرف قلب, وإن "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان, ولست أدري لم أحجموا عن نسبة مثل هذا المعنى إلى "إن" الشرطية التي تتحوّل بعدها صيغة "فَعَلَ" إلى معنى الاستقبال, والخلاصة: إن النحاة لم يحسنوا النظر في تقسيمات الزمن في السياق العربي إذ كان عليهم أن يدركوا طبيعة الفرق بين مقررات النظام ومطالب السياق, ثم أن ينسبوا الزمن الصرفي إلى النظام الصرفي, وينسبوا الزمن النحوي إلى مطالب السياق. وهذه المطالب هي التي اصطلحنا على تسميتها بالظواهر الموقعية, وما دام الزمن النحوي وظيفة في السياق يؤديها الفعل والصفة إلخ, فلا بُدَّ أن تلعب القرائن الحالية والمقالية دورها كاملًا في تحديد هذا الزمن.
وإذا كان الزمن النحوي وظيفة في السياق فإنَّ علينا أن ننظر في هذا السياق لنكشف عن الزمن, وإن الذي يمكننا أن ننظر إليه من أنواع السياق هو أنواع مباني الجملة العربية. فالجملة العربية تنقسم إلى قسمين رئيسيين هما: الجملة الخبرية والجملة الإنشائية, وتحت كلٍّ منهما تفريعات على نحو ما يبدو فيما يلي:
стр. 224
وأول ما يخطر ببالنا هنا أن الجملة المثبتة تحتفظ لصيغتي فَعَلَ ويفعل بزمنهما الذي أعطاه إياهما النظام الصرفي, فيظل "فَعَلَ" ماضيًا, ويظل "يفعل" حالًا أو استقبالًا بحسب ما يضامه من الأدوات كالسين وسوف، ثم بحسب ما يعرض للزمن في هاتين الصيغتين من معاني الجهة التي تفصح عنها اصطلاحات البعد والقرب والانقطاع والاتصال والتجدد والانتهاء والاستمرار والمقاربة والشروع والعادة والبساطة, أي: الخلو من معنى الجهة, أو بعبارة أخرى: عدم الجهة, فيكون معنى الجهة هنا معنى عدميًّا, ويتضح ذلك فيما يأتي:
الزمن الجهة صيغة فعل صيغة يفعل
الماضي البعيد المنقطع كان فعل
الماضي القريب المنقطع كان قد فعل
الماضي المتجدد كان يفعل
الماضي المنتهي بالحاضر قد فعل
الماضي المتصل بالحاضر ما زال يفعل
الماضي المستمر ظل يفعل
الماضي البسيط فعل
الماضي المقارب كاد يفعل
الماضي الشروعي طفق يفعل
الحال العادي يفعل
الحال التجددي يفعل
الحال الاستمراري يفعل
الاستقبال البسيط يفعل
الاستقبال القريب سيفعل
الاستقبال البعيد سوف يفعل
الاستقبال الاستمراري سيظل يفعل
стр. 225
فالاختلاف بين زمن وزمن هنا هو في الواقع اختلاف في الجهة لا في المضي والحال والاستقبال, فهناك تسع جهات مختلفة للماضي, وثلاث للحال, وأربع للاستقبال, وبذلك يكون زمن الجملة الخبرية المثبتة في اللغة العربية يقع في ست عشرة صورة يظل "فَعَلَ" فيها على مضيه دائمًا, ويدل "يفعل" فيها على الحال أو الاستقبال دائمًا, وبحسب القرينة أو الضميمة. ومن الملاحظ أن تعبيرات الجهة في معنى الزمن هنا تأتي من الأدوات سواء أكانت هذه الأدوات حرفية كما في قد والسين وسوف, أم نواسخ كما في كان ومازال وظلّ وكاد وطفق, أو يكون الزمن مصحوبًا بعدم الجهة كما فعل ويفعل الواردين في بعض الحالات.
أما في الجملة الخبرية المؤكدة فيظل الفعلان على معناهما الزمني الصرفي, ولكن أدوات التوكيد تطرأ على الجملة على النحو الآتي:
الزمن الجهة صيغة فعل صيغة يفعل
الماضي البعيد المنقطع لقد كان فعل
الماضي القريب المنقطع إنه كان قد فعل
الماضي المتجدد لقد كاد يفعل
الماضي المنتهي بالحاضر لقد فعل
الماضي المتصل بالحاضر إنه ما زال يفعل
الماضي المستمر لقد ظل يفعل
الماضي البسيط إنه يفعل
الماضي المقارب لقد كاد يفعل
الماضي الشروعي لقد طفق يفعل
الحال العادي إنه يفعل
الحال التجددي إنه يفعل
الحال التجددي إنه يفعل
المستقبل البسيط ليفعلن
المستقبل القريب ليفعلن
المستقبل البعيد لسوف يفعل
المستقبل الاستمراري لسوف يظل يفعل
стр. 226
وبهذا نرى أن تأكيد الإثبات يمكن أن يتمَّ باللامزم فقط, أو بها مع قد قبل الفعل, أو بوضع إن واسمها الضمير قبل الفعل المراد تأكيده, أو باللام قبل الفعل ونون التوكيد بعده. ويتضح من ذلك أن الجملة الخبرية المؤكدة والجملة الخبرية المثبتة لا فرق بينها من حيث الزمن، وإنما يكون الفرق في التأكيد وعدمه, أما صيغة "فَعَلَ" فتظل دائمًا للماضي, وأما صيغة يفعل فإنها تظل دائمًا وسيلة للتعبير عن الحال أو الاستقبال بحسب ما تعين عليه القرائن.
وأما الجملة الخبرية المنفية: فإن الغالب فيها هو استعمال المضارع للدلالة على المضي؛ لأنه هو الذي يضام أكثر أدوات النفي "لم ولما وليس وما ولا ولن", فكل هذه الأدوات تأتي لنفي المضارع ولا ينفي صيغة "فعل" منها إلا "ما", وإذا دخلت "لا" على"فعل" لم تكن للنفي, وإنما تكون للدعاء, كما يمكن أن يرى من الفرق في المعنى بين "فلا نامت أعين الجبناء" و"فما نامت أعين الجبناء", وكذلك بين قولنا: "لا فُضَّ فوك" و"ما فض فوك", فإذا عرفنا ذلك سهل علينا تصور أن نفي الماضي لا يكون لصيغة "فعل" إلّا في حالة واحدة فقط هي نفي "قد فعل" الذي يكون "ما فعل", وأما فيما عدا ذلك فنفي الماضي يتمُّ دائمًا بواسطة إدخال الأداة على صيغة "يفعل" كما يتضح بالجدول التالي:
الزمن الجهة فعل يفعل
الماضي البعد المنقطع لم يكن فعل
الماضي القريب المنقطع لم يكن قد فعل
الماضي المتجدد ما كان يفعل، لم يكن يفعل أو كان لا يفعل
الماضي المنتهي بالحاضر ما فعل
الماضي المتصل بالحاضر لما يفعل
الماضي المتصل بالحاضر لما يفعل
الماضي المستمر لم يفعل
الماضي البسيط لم يفعل
الماضي المقارب لم يكد يفعل
стр. 227
الزمن الجهة فعل يفعل
الماضي الشروعي ما فعل
الحال العادي ليس يفعل
الحال التجددي ما يفعل
الحال الاستمراري ما يفعل
المستقبل البسيط لا يفعل
المستقبل القريب لن يفعل
المستقبل البعيد ما كان ليفعل
المستقبل الاستمراري لن يفعل
بهذا نرى أن الزمن وظيفة في السياق لا ترتبط بصيغة معينة دائمًا, وإنما تختار الصيغة التي تتوافر لها الضمائم والقرائن التي تعين على تحميلها معنى الزمن المعين المراد في السياق, فلا يهم إن كان الزمن الماضي آتيًا من صيغة "فعل" أو صيغة "يفعل" ما دام يمكن بالتفريق بالضمائم والقرائن بين الأزمنة المختلفة أن نختار من بين الصيغتين أصلحهما للدلالة على المعنى الزمني المراد في سياق بعينه. وهكذا نرى أن الجملة الخبرية المثبتة والمؤكَّدة لا فرق فيها بين دلالة الصيغة على الزمن في نظام الصرف وبين هذه الدلالة في السياق, ولعل هذا هو ما غرَّر بالنحاة فلم يعنوا برصد الفروق الزمنية الدقيقة إلّا في أضيق الحدود. أما في الجملة الخبرية المنفية فقد رأينا أن أكثر ما يكون نفي الماضي إنما يكون إلى أدوات النفي مع أنّ الأداة لا يمكن أن تفيد زمنًا, وإنما يمكنها أن تفيد "الجهة" وهي تفيدها فعلًا في حالة الجملة المنفية.
وبعد الفراغ من الكلام في الجمل الخبرية الثلاث أحب أن ألقي نظرة على جمل الإنشاء, وأن أبدأ منها بالجملة الاستفهامية, ولعل الجملة الاستفهامية هي الوحيدة بين الجمل الإنشائية التي تتوافق فيها دلالة الصيغة صرفيًّا ونحويًّا على طول الخط, فيدل فيها "فعل" على الماضي, ويدل "يفعل" على الحال أو الاستقبال بحسب الضمائم والقرائن على نحو ما يبدو في الاستفهام في حيز الإثبات فيما يلي:
стр. 228
الزمن الجهة صيغة فعل صيغة يفعل
الماضي البعيد المنقطع هل كان فعل
الماضي القريب المنقطع هل كان قد فعل
الماضي المتجد هل كان يفعل
الماضي المنتهي بالحاضر أقد فعل
الماضي المتصل بالحاضر أقد فعل
الماضي المتصل بالحاضر أما زال يفعل
الماضي المستمر هل ظل يفعل
الماضي البسيط هل فعل
الماضي المقارب هل كاد يفعل
الماضي الشروعي هل طفق يفعل
الحال العادي هل يفعل
الحال التجددي هل يفعل
الحال الاستمراري هل يفعل
الاستقبال البسيط هل يفعل
الاستقبال القريب أسيفعل
الاستقبال البعيد أسوف يفعل
الاستقبال الاستمراري أسيظل يفعل
والملاحظ أن الجملة الاستفامة هنا قد بنيت على الإثبات, بمعنى أنها اتخذت الجملة المثبتة نقطة ابتداء لها, فكثر فيها استعمال "هل" لأنها تدخل على الفعل, وقلَّ فيها استعمال الهمزة لأنها تدخل على الأداة كالسين وقد وما, ومن الاستفهام ما يبنى على جملة النفي فيكون للإنكار ونحوه, وتكون الأداة فيه هي الهمزة كما يبدو فيما يلي:
стр. 229
الزمن الجهة فعل يفعل
الماضي البعيد المتقطعب ألم يكن فعل
الماضي القريب المنقطع ألم يكن قد فعل
الماضي المتجدد ألم يكن يفعل
الماضي المتجدد ألم يكن يفعل
الماضي المنتهي بالحاضر أما فعل
الماضي المتصل بالحاضر ألما يفعل
الماضي البسيط ألم يفعل
الماضي المقرب ألم يكد يفعل
الماضي الشروعي أليس يفعل
الحال العادي أما يفعل
الحال التجددي أما يفعل
الحال الاستمراري أما يفعل
الاستقبال البسيط ألا يفعل
الاستقبال القريب ألن يفعل
الاستقبال البعيد ألن يفعل
الاستقبال الاستمراري ألن يفعل
فالاستفهام من جملة الإثبات يتم بوضع الأداة قبلها, والاستفهام من جملة النفي يتمّ بوضع الأداة قبلها كذلك, ويبقى كل من الجملتين بعد أن توضع الأداة على حاله التي كان عليها قبل وضع الأداة, وذلك من حيث الدلالة الزمنية, وتوزيع الصيغ عليها.
وجمل الإنشاء فيما عدا الاستفهام قاصرة على إفادة الحال أو الاستقبال بحسب القرائن, ولا دلالة فيها على المضي, فالحال أو الاستقبال هما معنى الأمر
стр. 230
بالصيغة والأمر باللام والنهي والعرض والتحضيض والتمني والترجي والدعاء والشرط, مع أن المضي لا تخطر في معنى هذه الجمل نجد صيغة "فعل" تستعمل باطراد لتدل على الحال أو الاستقبال في التحضيض نحو: هلا فعلت, ولولا فعلت, ولو ما فعلت, وألا فعلت, وفي التمني نحو: "تمنيت أن لو قد حدث كذا" غير أن "فَعَلَ" بعد ليت ربما دلّ على زمن ماضٍ نحو: "ليته فعل كذا", وكذلك يدل "فعل" "عسى" في الترجي على الحال أو الاستقبال "مع الاعتراف بأن عسى قد تحول عن معنى الفعل إلى معنى "الأداة". ويدل "فَعَلَ" أيضًا في الدعاء على الحال أو الاستقبال نحو: "رحم الله فلانًا" و"لا أصاب الشر فلانًا". وكذلك القول في جملة الشرط إذ يدل "فعل" على الحال أو الاستقبال بحسب القرينة نحو:
إن قام زيد الآن قمت.
إن قام زيد غدًا قمت.
إن يقم زيدًا الآن أقم.
إن يقم غدًا أقم.
ويتضح ذلك مما يلي:
نوع الجملة الزمن الجهة فعل يفعل أفعل
الأمر بالصيغة الحال كل الجهات افعل "الآن"
الاستقبال كل الجهات افعل "غدًا"
الأمر باللام الحال كل الجهات ليفعل "الآن"
الاستقبال كل الجهات ليفعل "غدًا"
النهي الحال كل الجهات لا تفعل "الآن"
الاستقبال كل الجهات لا تفعل "غدًا"
стр. 231
نوع الجملة الزمن الجهة فعل يفعل افعل
العرض الحال كل الجهات ألا تفعل "الآن"
الاستقبال كل لجهات ألا تفعل "غدًا"
التحضيض الحال كل الجهات هلا فعلت "الآن"
الاستقبال كل الجهات هلا فعلت "غدًا"
التمني الحال كل الجهات تمنيت أن ... أتمنى أن ...
الاستقبال كل الجهات تمنيت أن.... أتمنى أن ...
الترجي الحال كل الجهات عساه يفعل "الآن" لعله يفعل "الآن"
الاستقبال كل الجهات عساه يفعل "غدًا" لعله يفعل "غدًا"
الدعاء الحال كل الجهات ﵀ يرحمه الله اللهم رحمه
الاستقبال كل الجهات ﵀ يرحمه الله اللهم رحمه
الشرط الحال كل الجهات إن قام زيد "الآن" إن يقم زيد "الآن"
الاستقبال كل الجهات إن قام زيد "غدًا" إن يقم زيد "غدًا"
على أن معنى المضي قد يطرأ على التحضيض والتمني بواسطة النواسخ, فيكون الزمن هنا وظيفة الناسخ أكثر مما هو وظيفة سياق التحضيض أو التمني, وذلك نحو:
هلا كنت قد فعلت! ... تمنيت أن لو كنت قد فعلت!
وليس منه "كنت أتمنى أن لو فعلت" ولا "كنت أتمنى أن تفعل" لأن ذلك خبر لا إنشاء.
لقد سبق أن ذكرنا في الكلام عن تقسيم الكلم أن الزمن جزء من معنى الفعل, ولكنه ليس جزءًا من معنى الصفة, فالفعل "ضرب" مثلًا فيه عنصران: الضرب المستفاد من الاشتقاق والمضي المستفاد من الصيغة, فإذا علمنا أن
стр. 232
الضرب حدث, وأن المضي زمن, فقد علمنا أن "ضرب" فعل ماض. أما "ضارب" فهي تدل على موصوف بالضرب على معنى صفة الفاعل, أي: إن الكلمة لا تدل على "الضرب" نفسه, فلا تدل على "حدث", وهي أيضًا لا تدل على "زمن", وإنما قصارى ما تفيده هو الموصوف بالحدث على معنى صفة الفاعل كما ذكرنا. ولكننا نلاحظ أن هذه الكلمة ذاتها صالحة لأن تدخل في علاقات سياقية كعلاقة الإسناد والتعدية في قولك: "أضارب أخوك زميله"؛ حيث أخوك فاعل وزميله مفعول به لضارب، فكلمة ضارب في هذا التركيب محتملة للحال والاستقبال دون تعيين لأحدهما بواسطة قرينة لفظية, ولكنها لا بُدَّ أن تتعين لأحدهما هنا بقرينة حالية, وإلا كان في الكلام ليس, فالذي يعين هذه الجملة الوصفية للحال ما يأتي:
١- قرينة حالية: كأن تقال الجملة أثناء وقوع الضرب, فتكون القرينة هي المقام.
٢- قرينة لفظية: بواسطة الظرف كأن قال: "أضارب أخوك زميله الآن؟ " فتكون القرينة في المقال.
والذي يعين هذه الجملة للاستقبال أمران أيضًا:
١- قرينة حالية: كأن تقال الجملة وقد شاع في الناس أن الأخ عازم على ضرب زميله, ولكن الضرب لم يقع, فالمقام هنا قرينة حالية.
٢- قرينة لفظية: بواسطة ذكر الظرف كأن قال: "أضارب أخوك زميله غدًا؟ فتكون القرينة في المقال. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
стр. 233
أما إذا أضيف الوصف إلى ما بعده ففي معناه من جهة الزمن احتمالان:
١- الدلالة على الماضي: بقرينة حالية أو مقالية كقولك: "أبو بكر قاهر المرتدين" أو "هذا ضارب زيد أمس" على الترتيب.
٢- الدلالة على مطلق الوصف كقولك في الله تعالى: "واهب النعم", وفي "زيد" من قولك: "قام زيد" إنه "فاعل الفعل", وفي هذه الحالة يكون الوصف خلوًّا من معنى الزمن.
ويخلو الوصف من معنى الزمن عند استعماله عَلَمًا كما في "طاهر" و"صالح" و"هانئ", وكذلك إذا دخل في إضافة وصفية نحو: "ساحر النظرة" و"طويل الجيد", أو إضافة الجزء إلى الكل مثل: "قائم السيف" و"مرفوض الكلام" و"سماعة الهاتف" و"بلَّاعة الحوض", والمقصود بالوصف هنا ما أحصيناه من قبل عند تقسيم الكلم وهو: صفة الفاعل وصفة المفعول وصفة المبالغة وصفة التفضيل والصفة المشبهة, فكل هذه الصفات تخضع للقرينة في إفادة الزمن.
والمصدر كذلك حين يدخل في علاقات سياقية كالإسناد والتعدية يفيد معنى الزمن بحسب القرينة, وحين يدخل المصدر في هذه العلاقات السياقية فإما أن يكون على معنى الإنشاء, وإما أن يكون على معنى الإضافة. فإذا كان على معنى الإنشاء صار شبيهًا بالأمر من مادته الاشتقاقية فيصير "ضربًا زيدًا" شبيهًا بقولك: "اضرب زيدًا", ولكنه ليس هو هو, فهو يشبهه من حيث:
١- إسناده إلى مخاطب.
٢- وهذا المخاطب لا يظهر في الكلام.
٣- والمصدر صالح للحال أو الاستقبال, ويتعين أحدهما بالقرينة الحالية أو المقالية, ولكن المصدر في هذه الحالة يختلف عن فعل الأمر من
стр. 234
مادته, بأن الأمر للطلب المحض, وهذا المصدر للإفصاح, فهو قريب الشبه من "نزال" و"تراك" إلخ. مما اعتبرناه على معنى خوالف الإخالة, فحين قال الشاعر:
فندلًا زريق المال ندل الثعالب
لم يكن المعنى الذي قصد إليه مساويًا تمامًا لمعنى "اندل", وإنما أراد بذلك معنى إفصاحيًّا آخر انفعاليًّا فيه من الحث والحض على العجلة والخفة في محاولة الهرب ما عززه الشاعر بقوله: "ندل الثعالب", وهي معانٍ لا توجد في صيغة الأمر المجردة.
أما على معنى الإضافة فإن المصدر يحتمل الماضي والحال والاستقبال جميعًا ويتعين أحدها له بالقرينة الحالية أو المقالية أيضًا فتقول: "أعجبني ضرب زيد عمرًا" فيدل على المضي بقرينة "أعجبني", وتقول: "يعجبني ضرب زيدًا عمرًا الآن أو غدًا, فيحدد الظرف معنى الزمن بالحال أو الاستقبال, وتقول: "ضرب زيد عمرًا شديد" فتحتاج إلى القرينة الحالية لتدل على الزمن, فإذا كان هذا الضرب قد حدث فالزمن ماضٍ, وإذا كان حادثًا فهو الحاضر, أو متوقعًا فهو المستقبل.
بهذا نعلم أن الصفات والمصادر ليست لها دلالة صرفية على الزمن كما يدل الفعل, أي: إن النظام الزمني في الصرف يأخذ في اعتباره الأفعال دون الصفات والمصادر, أما في الاستعمال حيث يكون النص مسرح القرائن فإن القرائن الحالية والمقالية تضيف إلى الصفات والمصادر معاني جديدة لم تكن لها في الصرف, ونحن نرى ذلك مظهرًا من مظاهر تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد, وهو موضوع سبق أن شرحناه في الكلام عن النظام الصرفي. ويأتي التعدد هنا من أن الصفات والمصادر تكون أحيانًا من قبيل المسند إليه وأحيانًا من قبيل المسند, ثم هي أحيانًا من قبيل المتعدي, وأحيانًا من قبيل المفعول به الذي يتعدّى المتعدى إليه, وتكون أحيانًا حالًا وأحيانًا أخرى نعتًا, وهي مع كل هذه التقلب في المعنى باقية على مبناها, فتظل الصفات صفات والمصادر مصادر, لا يختلف النظر إليها.
стр. 235
نخلص من كل ما تقدَّم من كلام في الزمن النحوي إلى النتائج الآتية:
١- الأزمنة في اللغة العربية الفصحى ثلاثة, ولكنها تتفرع عند اعتبار الجهة إلى ستة عشر زمنًا نحويًّا كما رأينا من قبل, وكما يبدو من الجدول الذي تراه أدنى هذا الكلام.
٢- تظهر الفروق الزمنية الدقيقة في الجمل الخبرية الثلاث "الإثبات والنفي والتأكيد", وتظهر كذلك في جملة الاستفهام من الجمل الإنشائية, فهذه الجمل تشتمل على الزمن الماضي معبرًا عنه بصيغة فعل أو صيغة يفعل, كما تشتمل على الحال والاستقبال, أما بقية الجمل العربية فلا تحتمل إلّا الحال والاستقبال فقط.
٣- يبدو أن استعمال صيغة "يفعل" للدلالة على الماضي مقصور على أسلوب النفي, سواء أكان هذا النفي في الخبر أم في الاستفهام.
٤- ويبدو أيضًا أن استعمال صيغة "فعل" بمعنى الحال أو الاستقبال إنما يكون في التحضيض والتمني والترجي والدعاء والشرط.
٥- تأتي تعبيرات الجهة "التي تتفرع الأزمنة على أساسها ستة عشر فرعًا كما ذكرنا" بواسطة إضافة الأدوات الحرفية والنواسخ إلى الأفعال, وذلك مثل: قد والسين وسوف واللام ونون التوكيد وما ولا ولم ولما ولن وإن وأخواتها وكان وأخواتها وكاد وأخواتها, فهذه كلها عناصر لإفادة الجهة المحددة لمعنى الزمن.
٦- أما الظروف الزمانية وما بمعناها من الأسماء ونحوها, فهي تخصص الزمن النحوي عن طريق معنى الاحتواء للحدث الواحد, أو معنى الاقتران للحدثين, وذلك عندما يعبر بالصيغة الواحدة عن أزمنة مختلفة كالحال والاستقبال, فيدل "الآن" مثلًا على الحال, ويدل "غدًا" على الاستقبال.
٧- كما تلعب القرينة المقالية دورها تحديد الزمن "بواسطة استخدام الظروف الزمانية مثلًا" تلعب القرينة الحالية دورًا مشابهًا في تحديد الزمن أيضًا بواسطة المعلومات الخارجية المستمدة من التاريخ أو الجغرافيا أو نحوهما.
стр. 236
أرجو عند هذا الحد أن أكون قد بينت الزمن النحوي في اللغة العربية الفصحى كيف يكون صرفيًّا وكيف يكون نحويًّا سياقيًّا, ثم كيف يكون مطلقًا وهو صرفي فتدل الصيغة بشكلها عليه دلالة لا تتخلف, وكيف يكون مقيدًا بالجهة وهو نحوي فيكون وظيفة في السياق لا ترتبط بصيغة بعينها, فتصلح كل صيغة بحسب الجهة أن تدل على زمنٍ ما قد لا ينسب إليها على مستوى النظام الصرفي. ولكن ما الجهة؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال فيما يلي:
ذكرنا عند تقسيم الكلم أن الفعل يدل باشتقاقه على الحدث, ويدل بصيغته على الزمن, ولكن هذا الذي قلناه عن الفعل كان على المستوى الصرفي؛ حيث يرتبط الزمن بالصيغة المفردة التي ليست داخلة في سياق. وذكرنا منذ قليل أن صيغة الفعل أو الصفة أو المصدر وهي في السياق ليست بمفردها قرينة على الزمن المراد, وإنما تظاهرها في ذلك قرائن أخرى حالية ومقالية في السياق, نختار من بينها الجهة لنجعلها موضوع كلامنا هنا.
والجهة aspect تخصيص لدلالة الفعل ونحوه, إما من حيث الزمن وإما من حيث الحدث, فهناك جهات في اللغة العربية لتقييد معنى الزمن, وقد رأينا ذلك فيما سبق من تفريعات زمنية نحوية, ورأينا أن المباني الدالة على الجهات الزمنية هي في جملتها أدوات ونواسخ قد عددنا منها: قد ولم ولما ولن ولا وما والسين وسوف وكان وما زال وظل وكاد وطفق, وفوق كل ذلك تلعب الظروف الزمانية دورها الهام جدًّا في هذا المجال بتخصيص الزمن النحوي بواسطة الدلالة على توقيت الحدث الواحد الذي يدل عليه الفعل ونحوه في الجملة, أو بواسطة الدلالة على الاقتران الزماني بين حدثين مدلول عليهما بعنصرين مختلفين في الجملة, ويتمّ النوع الأول من نوعي التخصيص الزمني بواسطة الأسماء ونحوها مما ينقل إلى استعمال الظروف, ويدل على أوقات؛ كالآن واليوم وغدًا وبعد سنة ومنذ يومين وأمس, كما يتم النوع الثاني من التخصيص بواسطة الظروف الزمانية نفسها, وهي: إذ وإذا وإذًا ومتى وأيان, فكل واحد من هذه الظروف الزمانية يدل على اقتران زمني
стр. 237
بين حدثين. وقد سبق أن عرفنا كيف تبلغ هذه الظروف غاية أهميتها في تخصيص أزمنة الصفات والمصادر بصفة خاصة, كما أنها تبلغ مستوى أعلى من الأهمية في استعمالات العناوين الصحفية المعاصرة؛ حيث يستعمل المضارع للدلالة على الماضي والحال والاستقبال, ولا يتعين واحد من هذه إلّا بواسطة قرينة حالية؛ كعلم القارئ بالحدث قبل قراءة الصحيفة بالاستماع إليه في الإذاعة, أو قرينة لفظية هي الظرف الذي يعين زمن المضارع المستعمل. انظر مثلًا في نماذج العناوين الآتية:
١- طائراتنا تقصف مواقع العدو. "لا ذكر للظرف اتكالًا على انتشار النبأ بالإذاعة".
٢- طائراتنا تقصف مواقع العدو أمس.
٣- الرئيس يتفقد اليوم مواقع العمل في السد العالي.
٤- المجلس الوطني الفلسطيني ينعقد غدًا بالقاهرة.
تلك هي الجهات -أي: القرائن المعنية- للزمن, وقد رأينا من بين هذه القرائن ما هو حالي وما هو مقالي.
وهناك جهات أخرى لتخصيص معنى الحدث بخصوصه, أو قد تكون لتقييد إسناد الحدث إلى المسند إليه, فالجهات التي تفيد تخصيص معنى الحدث دون نظر إلى إسناده يتمّ التعبير عنها بواسطة عناصر صرفية في المبنى؛ كالتضعيف لإفادة المبالغة في مثل كسَّر, وكالتكرار لإفادة معناه في نحو: زلزل ودمدم وهدهد.
ونستطيع فيما يلي أن نورد طائفة من هذه التعبيرات عن الجهة:
الجهة المبنى المثال
التعدية الهمزة أكرم
التعدية التضعيف كرَّم
تكرار الحدث تكرار المبنى زلزل
стр. 238
الجهة المنبى المثال
المشاركة تاء التفاعل تقاتلا
الطلب السين والتاء استخرج
المطاوعة نون الانفعال انكسر
الاتخاذ تاء الافتعال اختار
التكلف تاء التفعل تشجع
التبادل تاء الافتعال اقتتلوا
أما جهات تقييد علاقة الإسناد فهي ما جمعناه تحت عنواني: "التخصيص" و"النسبة" عند كلامنا في التعليق النحوي, فما سميناه القرائن المعنوية كالتعدية والسببية والمعية والظرفية المكانية وهلم جرّا, هي في الواقع جهات في فهم علاقة الإسناد في التركيب, فليست مسلطة على الزمن ولا على الحدث في إفادتها التقييد, وإنما هي قيود في الإسناد, وإليك أمثلة لها:
الجهة المبنى الباب المثال
التعدية الاسم المنصوب مطلقًا المفعول به ضرب زيد عمرًا
السببية المصدر المنصوب المفعول لأجله جئت رغبة في رؤيتك
المعية الاسم المنصوب بعد الواو المفعول معه سرت والنيل
الظرفية المكانية١ ظرف المكان المفعول فيه جلست حيث جلس زيد
التقوية٢ المصدر المنصوب المفعول المطلق قمت قيامًا
الملابسة الوصف المنصوب الحال جئت ماشيًا
الإخراج الاسم بعد إلا ونحوها المستثنى قام الناس إلا زيدًا
стр. 239
الجهة المبنى الباب المثال
التفسير الاسم الجامد منصوبا أو مجرورا بمن التمييز اشتريت قنطارًا قطنًا
الخلاف الاسم المنصوب بعد ضمير المتكلم المختص نحن العرب نكرم الضيف
الاستعلاء على حرف النسبة مشيت على الرصيف
الواسطة الباء حرف النسبة ضربته بالعصا
المجاوزة عن حرف النسبة عدَّ عن ذا
بهذا نرى أن الجهات تقع في ثلاثة أنواع:
١- جهات في فهم معنى الزمن وقد سبقت, ومنها: ظروف الزمان وبعض الأدوات والنواسخ.
٢- جهات في فهم معنى الحدث وقد سبقت أمثلتها, ومنها: المعاني المنسوبة إلى حروف الزيادة في الصيغ.
٣- جهات في فهم معنى علاقة الإسناد, ومنها: ظروف المكان والمنصوبات وحروف الجر.
стр. 240
الظواهر السياقية
مدخل
...
الظواهر السياقية:
ذكرنا من قبل أن الأنظمة من اللغة لا من الكلام, وأن اللغة -ومنها الأنظمة- ساكنة صامتة تنشد لنفسها الاطِّراد وتسعى إلى الإطلاق, شأنها شأن كل نظام آخر. وذكرنا كذلك أن الكلام تطبيق على نظام اللغة, وأنه ديناميكي متحرك, شأنه في ذلك أيضًا شأن كل تطبيق على أي نظام, وإذا عدنا إلى المثل الذي اخترناه من قبل -وهو نظام المرور- وجدنا أن النظام يقتضي في جميع الحالات أن يكون السير على جانب معين من الطريق, وهذه قاعدة في النظام مطَّردة ومطلقة، ولكن عملية المرور التي تتم طبقًا لهذا النظام, والتي هي في الواقع تطبيق أمين له يحدث لها أن تصادف بعض المشكلات أحيانًا؛ كأن يكون الجانب المختار للمرور مشغولًا بإصلاح الطريق أو ببقايا حادث وقع, فيتحتَّم في هذه الحالة أن يتحوّل المرور إلى الجانب الآخر من الطريق على عكس ما يطلبه النظام, ولكن هذا يعتبر حلًّا من حلول مشكلات التطبيق. فإذا عبر عنه بمجموعة من القواعد تفصل ما يتبع من الإجراءات عند انشغال الجانب المختار للمرور من الطريق, اعتبر ذلك نظامًا فرعيًّا يؤيد النظام الأصلي ولا يطعن فيه, وفي نظم اللغة ما يشبه نظام المرور تمامًا, كما أن في الكلام ما يشبه حركة المرور التي يحكمها هذا النظام. فالنظام الصوتي للغة يقرر مثلًا أن الدال مجهورة وأن التاء مهموسة, ويصر النظام على اطراد هذ القاعدة وإطلاقها, ولكن الكلام وهو التطبيق العملي لنظام اللغة قد يشتمل على دال ساكنة متبوعة بتاء متحركة وهنا نجد أن تجاور الحرفين على هذا النحو يتسبب في صعوبة عضوية تتحدّى محاولة المحافظة على ما قرره النظام, كما يتسبب التقاء المتقاربين دائمًا في احتمال اللبس لو حاولنا في نطقهما عبثًا أن نرضي مطالب النظام؛ لأن جهر الدال الساكنة المتبوعة بتاء متحركة أمر ثقيل التحقيق في النطق, وهنا تظهر مشكلة من مشاكل التطبيق يحلها السياق بظاهرة الإدغام, فتكون الدال والتاء في النطق كالتاء المشددة تمامًا "قعدت -قعت", و"الإدغام" الذي ذكرناه
стр. 241
واحدة من الظواهر السياقية التي تحل مشاكل النظام اللغوي, والتي سنشرحها تباعًا بعد قليل, وربما سميناها لمامًا "الظواهر الموقعية".
قلت: إن محاولة جهر الدال الساكنة المتلوَّة بالتاء تتسبب في ثقل العملية العضوية أو في اللبس, وكلاهما في مشكلة من مشكلات التطبيق, ولكن ثقل العملية العضوية ليست سببًا في حدوث الظواهر السياقية جميعًا؛ لأن بعضها لو نفذ في نطقه النظام كما هو لم نحسّ ثِقَل العملية النطقية في نطقه أبدًا، فلو أن المتكلم عرف عن الوقف بالسكون وأعطى الحرف الأخير حركته التي أعطاه النظام إياها لما كان في ذلك أي نوعٍ من أنواع الثقل من الناحية العضوية, بل على العكس من ذلك تمامًا نرى قوافي الشعر تأبى فعلًا تطبيق ظاهرة الوقف بالسكون ونحوه في الكثير جدًّا من الحالات, ولها في ذلك نظام فرعي عروضي خاص بها. ولكن الأسس التي تتحكم في تحقيق الظواهر السياقية لا يتحتّم أن تنبني جميعًا على ثقل العملية النطقية بالضرورة، وإنما تنبني كذلك على مراعاة أمن اللبس كما رأينا, وعلى الاعتبارات الذوقية في صياغة السياق العربي. فإذا أردنا أن نعبر عن جميع ذلك بعبارة شاملة قلنا: إن الأساس الذي يتحكم في تحقق الظواهر السياقية إنما هو كراهية التقاء صوتين أو مبنيَيْن يتنافى التقاؤهما مع أمن اللبس أو مع الذوق الصياغي للفصحى, فتحدث الظاهرة لعلاج موقف التقى فيه هذان الأمران فعلًا, وذلك نتيجة لما قضى به أحد أنظمة اللغة للمباني خارج السياق, وذلك على غرار ما نراه في العرض الآتي لأشهر الظواهر السياقية في الفصحى:
اتجاه الذوق العربي الظاهرة الموقعية الناتجة تفسيرها
١- كراهية توالي الأضداد ظاهرة التأليف الضدان هنا هما الصوتان المتنافران في النطق
٢- كراهية توالي الأضداد ظاهرة الوقف الضدان هما الحركة وهي مظهر الاستمرار والصمت وهو مظهر التوقف.
٣- كراهية توالي الأضداد ظاهرة المناسبة الضدان قيمتان صوتيتان متنافران
стр. 242
اتجاه الذوق العربي الظاهرة الموقعية الناتجة تفسيرها
٤- كراهية توالي الأضداد ظاهرة الإعلال والإبدال الضدان صوتان في تجاورهما ثقل في النطق
٥- كراهية توالي الأمثال ظاهرة التوصل المثلان هما الصمت قبل النطق والسكون في أوله
٦- كراهية توالي الأمثال ظاهرة الإدغام المثلان أو المتقاربان بأن صوتان مشتركان في أكثر خصائصهما
٧- كراهية توالي الأمثال ظاهرة التلخص المثلان هما الساكنان المتواليان
٨- كراهية توالي الأمثال ظاهرة الحذف الأمثال نونات أو تاءات أو غير ذلك.
٩- كراهية توالي الأمثال ظاهرة الإسكان الأمثال هنا حركانت متوالية
١٠- كراهية توالي الأمثال ظاهرة الكمية توقي الأمثال هنا بتوزيع الحركة والمد على النطق
١١- كراهية توالي الأمثال ظاهرة الإشباع والإضعاف توقى الأمثال هنا بتوزيع القوة والضعف بين الأصوات وبين الكلمات
١٢- كراهية توالي الأمثال ظاهر النبر توقي الأمثال يكون بتنويع المقاطع
١٣- كراهية توالي الأمثال ظاهرة التنغيم توقي الأمثال يكون بتنويع النغمات.
فإذا كانت اللغة العربية تكره توالي الأضداد وتكره كذلك توالي الأمثال, فما الذي يرتضيه ذوقها إذًا؟ من الواضح أن النظام اللغوي والاستعمال السياقي جميعًا يحرصان في اللغة العربية الفصحى على التقاء المتخالفين, أو بعبارة أخرى يحرصان على التخالف ويكرهان التنافر والتماثل, فأما كراهية التنافر
стр. 243
فلأنه ينافي الذوق العربي, وأما كراهية التماثل فلأنه يؤدي إلى اللبس. فإذا أحبت اللغة العربية التخالف فذلك لأنه يعين على أمن اللبس بواسطة ما يهيئه من المقابلات أو الفروق بين المتخالفين, أي: بواسطة استخدام القيم الخلافية التي أشرنا إليها من قبل, وقلنا: إنها لا غنى عنها للوصول إلى الوضوح أو بعبارة أخرى: للوصول إلى أمن اللبس، ومن هنا كانت الظواهر الموقعية التي ترد في السياق لتفادي ما تكرهه اللغة من تنافر أو تماثل تتجه دائمًا إلى المحافظة على التخالف على نحوٍ سنرى حين الكلام في كل ظاهرة موقعية نتناولها في الصفحات التالية. ومع أن علاج التنافر إنما يكون بالاتجاه إلى عكسه وهو التماثل, نجد الظاهرة الموقعية تكتفي -كما في ظاهرة التأليف مثلًا- بتفادي التنافر, وهو محظور أوّل دون الوصول إلى التماثل, وهو المحظور الثاني, وذلك بالوقوف عند حد التخالف.
стр. 244
١- ظاهرة التأليف:
لاحظ اللغويون منذ القِدَمِ عند النظر في تأليف الكلمة العربية من أصولها الثلاثة "الفاء والعين واللام" أن هذه الأصول يجري تأليفها حسب أساسٍ ذوقي وعضوي خاصٍّ يتصل بتجاور مخارج الحروف الأصول التي تتألف منها الكلمة أو تباعدها, بالنسبة إلى أماكنها في الجهاز النطقي. ولقد لاحظ الأقدمون أن الكلمة العربية إذا أريد لها أن تكون فصيحة مقبولة فإنها تتطلب في مخارج حروفها أن تكون متناسقة, ولا تتسامح اللغة فتتخلى عن هذا المطلب إلّا في أضيق الحدود في حالات الزيادة والإلصاق ونحوهما. وقبل أن نوغل في شرح هذه الظاهرة ينبغي أن نرسم الجهاز النطقي ونقسمه حسب تقسيمهم لمجموعات المخارج إلى ثلاث مناطق, ونسمي إحداها عليا أو قصوى, والثانية وسطى, والثالثة سفلى أو دنيا على النحو التالي:
стр. 245
تؤخذ الصورة اسكنر
١- الشفتان.
٢- الأسنان العليا.
٣- اللثة.
٤- الغار "الحنك الصلب".
٥- الطبق "الحنك الرخو".
٦- اللهاة.
٧- التجويف الأنفي "الخيشوم".
٨- الأسنان السفلى.
٩- طرف اللسان.
١٠- مقدم اللسان.
١١- وسط اللسان.
١٢- مؤخر اللسان.
١٣- الحلقوم.
١٤-الحلق.
١٥- لسان المزمار.
١٦- الجدار الخلفي للحلق.
١٧- الحنجرة وبها الأوتار الصوتية.
والمخارج العربية حين تنسب إلى المناطق التي حددها اللغويون القدماء بالنسبة لدراسة ظاهرة التأليف تبدو كما يلي:
أ- المنطقة الأولى "الشفتان".
ب- المنطقة الثانية "مقدم اللسان".
١- الشفوي "ب م و".
٢- الشوفي الأسناني "ف".
٣- الأسناني "ث ذ ظ".
٤- الأسناني اللثوي "ت د ض ط س ز ص".
٥- اللثوي "ن ل ر".
٦- الغاري "ج ش ى".
стр. 246
جـ- المنطقة الثالثة "مؤخر اللسان والحلق".
٧- الطبقي "ك=g".
٨- اللهوى "الحلقومي خ غ ق".
٩- الحلقي "ع ح".
١٠- الحنجري "ء هـ".
يقول السيوطي١: "قال ابن دريد في الجمهرة: اعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت؛ لأنك إذا استعملت اللسان في حروف الحلق دون حروف الفم ودون حروف الزلاقة كلَّفته جرسًا واحدًا وحركات مختلفة, ألا ترى أنك لو ألَّفت بين الهمزة والهاء والحاء فأمكن لوجدت الهمزة تتحول هاء في بعض اللغات لقربها منها, نحو قولهم: في أم والله "هم والله", وقالوا في أراق: "هراق", ولوجدت الهاء في بعض الألسنة تتحوّل, وإذا تباعدت مخارج الحروف حسن التأليف.
قال: واعلم أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لصعوبة ذلك على ألسنتهم".
ويروي الشيخ السيوطي عن الشيخ بهاء الدين صاحب عروس الأفراح أن رتَبَ الفصاحة متفاوتة, فإن الكلمة تَخِفّ وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف لا يلائمه قربًا أو بعدًا, فإذا كانت الكلمة ثلاثية فتراكيبها اثنا عشر:
١- الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو: ع د ب.
٢- الانتقال من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط نحو: ع ر د.
"ويظهر أن الراء خطأ مطبعي صحته الباء".
٣- من الأعلى إلى الأدنى إلى الأعلى نحو: ع م هـ.
٤- من الأعلى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو: ع ل ن.
"ويظهر أن النون خطأ مطبعي صحته الهاء".
стр. 247
٥- من الأدنى إلى الأوسط إلى الأعلى نحو: ب د ع.
٦- من الأدنى إلى الأعلى إلى الأوسط نحو: ب ع د.
٧- من الأدنى إلى الأعلى إلى الأدنى نحو: ف ع م.
٨- من الأدنى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو: ف د م.
٩- من الأوسط إلى الأعلى إلى الأدنى نحو: د ع م.
١٠- من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى نحو: د م ع.
١١- من الأوسط إلى الأعلى إلى الأوسط نحو: ن ع ل.
١٢- من الأوسط إلى الأدنى إلى الأوسط نحو: ن م ل.
ثم يقول: إن أحسن هذه التراكيب الأول فالعاشر فالسادس, وأما الخامس والتاسع فهما سيان في الاستعمال وإن كان القياس يقتضي أن يكون أرجحهما التاسع, وأقل الجميع استعمالًا السادس.
ويظهر أن الشيخ بهاء الدين وكذلك السيوطي لم يكلف نفسه عناء استقصاء الإمكانات التي تحتملها الكلمة العربية من هذ الناحية استقصاءً كاملًا, فكان عليهما أن ينظرا إلى القضية مثل النظرة الرياضية الإحصائية التي نظرها الخليل في كتاب العين؛ حيث حسب الطرق التي تجتمع بها الحروف في الكلمة الواحدة فضرب ٢٨×٢٨×٢٨, وحصل منها على عدد المواد التي يمكن للغة العربية أن تعدد الكلمات تحت كل واحدة منها. ولا شكَّ أن الشيخ بهاء الدين والسيوطي كليهما لم يكن أمامهما عمل معقد كالذي قام به الخليل؛ لأن العدد المضروب هنا لن يكون ٢٨ بعدد الحروف, وإنما يكون ٣ بعدد أنواع المخارج فتضرب في نفسها مرتين ٣×٣×٣, فتكون احتمالات تركيب الكلمة من هذه الأنواع سبعة وعشرين احتمالًا. فإذا دللنا على أنواع المخارج بالأرقام بدل الأوصاف, فجعلنا الرقم١ للأدنى والرقم٢ للأوسط والرقم٣ للأعلى, صار في وسعنا أن نعبِّر عن التواليف الممكنة وغير الممكنة على السواء, وأن نصور ذلك على النحو التالي:
стр. 248
وبالتأمل في هذا التوزيع الشامل لإمكانات تجاور أنواع المخارج "لأن مادة البحث هنا أنواع المخارج أي: مجموعاتها الثلاث لا المخارج المفردة ولا الحروف" يمكن أن نستنبط الحقائق الآتية:
١- إن فكرة تقارب المخارج وتباعدها هي فعلًا أساس هذه الظاهرة في اللغة العربية الفصحى "ظاهرة التأليف" فبحسبها تتجاور الحروف في الكلمة أو لا تتجاور, وهذه الظاهرة هي التي استعان بها القدماء من نقّاد الأدب في الكشف عمَّا سموه "التنافر اللفظي", وعلى أساسها بنوا نقدهم لكلمة "مستشزرات" التي وردت في معلقة امرئ القيس, ولعبارة "وليس قرب قبر حرب قبر". ومرجع كل ذلك كما ذكرنا إنما هو إلى الذوق العربي الذي يتجه إلى ما اصطلحنا على تسميته "كراهية التضاد أو التنافر".
٢- إن عبارة ابن دريد القائلة: "إذا تباعدت مخارج الحروف حسن تأليفها" أكثر صدقًا وأقل تورطًا من قوله: "اعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت" لأن العبارة الأولى لم تتورط كما فعلت العبارة الثانية في ادِّعَاء ثقل الكلمات المؤلفة من حروف متقاربة تقاربًا لا تنافر فيه مثل:
стр. 249
ر س م - د ر س - ب د ر - ف ق و - وق ح, ونحوها.
٣- إن عبارة الشيخ بهاء الدين المفصلة لا تحكي القصة كلها, بدليل ما استدركته أنا عليه من تواليف لم يذكرها, وهي التي وضعت تحتها خطًّا في الجدول الذي سبق, ولهذا أرفض أن تكون مقالته شاملة.
٤- إن دراسة ظاهرة التأليف إذا بنيت على المخارج العشرة التي ذكرناها سابقًا كل منها على حدة, فلربما كانت أجدى في شمول هذه الظاهرة الموقعية من دراستها مؤسَّسة على هذه المناطق الثلاث التي يشتمل كل منها على مخارج متعددة.
٥- ولربما كان من الممكن أن يضاف إلى الاعتبار العضوي المخرجي في هذه الدراسة اعتبار القيمة الصوتية من تفخيم وترقيق, فيمكن بهذا أن تدعي مثلًا ندرة تجاور أحد المطبقات مع أحد الغاريات وهي أشد الحروف استفالًا.
٦- هذه الظاهرة الموقعية "التأليف" مرتبطة أشد الارتباط بدراسة المستعمل والمجهور من مواد اللغة, وهي بهذا المعنى ترتبط بمعنى الكلمة العربية الفصحى نوع ارتباط.
стр. 250
٢- ظاهرة الوقف:
يدل الوقف بوسائله المتعددة على موقع هو في طابعه "مِفْصَل" من مفاصل الكلام يمكن عنده قطع السلسلة النطقية chain of utterance, فينقسم السياق بهذا إلى دفعات كلامية spoken groups تعتبر كل دفعة منها إذا كان معناها كاملًا "واقعة تكليمية" speech event منعزلة, أما إذا لم يكن معناها كاملًا كالوقف على الشرط قبل ذكر الجواب مثلًا, فإن الواقعة التكلمية حينئذ تشتمل على أكثر من دفعة كلامية واحدة.
ولعل ظاهرة الوقف باعتبارها موقعية من موقعيات السياق العربي ترجع إلى كراهية توالي الأضداد, أو "كراهية التنافر" إن شئت اسمًا آخر لهذا المظهر من مظاهر الذوق العربي، فالحركة مظهر من مظاهر الاستمرار